← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 6896–6935 · переход к 6901.

стр. 6896

التي ظنوها حسنة وهي في الواقع من أقبح القبيح وأي قبيح أعظم من أن ينصب المرء نفسه مستدركا على الله ورسوله ومشرعا في دين الله بعد القرون المفضلة الأولى الذين هم خير الناس بعد صحابة رسول الله ﷺ . كما قال ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم (١)». وقد مضت تلك القرون المفضلة وليس لهذه البدع وجود أو رواج وإن وجد شيء منها فهو محدود وعلى نطاق ضيق يختفي أصحابها ولا يستطيعون الظهور لأنهم يشكلون أقلية بخلاف ما وصل إليه حال المسلمين اليوم فقد طغت البدعة ودرست السنة وتغيرت مفاهيم المسلمين وأصبح تصورهم للإسلام تصورا خاطئا وجعلوه في إطار ضيق، فقد وصل مثلا في بعض البلاد إلى حد كونه لا يعدو أن يكون مجموعة من الطقوس والاحتفالات التي قلدوا فيها أعداء المسلمين والإسلام مما جعلهم يوجهون سهامهم المسمومة إلى الإسلام بسبب ضلال من ضل من المسلمين عن الطريق السوي وانحرف كثير منهم عن الجادة الصحيحة التي رسمها لهم الإسلام وأمرهم أن يسيروا عليها ولا يحيدوا عنها يمينا أو شمالا كما قال تعالى ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). إلى غير ذلك من النصوص الكثيرة التي توضح هذا المنهج القويم.

стр. 6897

حرص الصحابة على لزوم الكتاب والسنة والبعد عن البدع: ولقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- أشد الناس حرصا على العمل بالكتاب والسنة وأشدهم عداوة وبغضا للبدع وأهلها، كذلك التابعون ومن جاء بعدهم ممن تبعهم بإحسان، وسأورد نماذج من أقوال الصحابة

стр. 6898

والسلف الصالح في ذم البدعة والمبتدعين والحث على لزوم السنة.

стр. 6899

من أقوال الصحابة في ذلك: فهذا أبو بكر الصديق ﵁ يقول: (إنما أنا مثلكم، وإني لا أدري لعلكم ستكلفوني ما كان رسول الله ﷺ يطيقه، إن الله اصطفى محمدا على العالمين وعصمه من الآفات، وإنما أنا متبع ولست بمبتدع فإن استقمت فتابعوني، وان زغت فقوموني). وهذا ابن مسعود ﵁ ينكر على جماعة من المسلمين كانوا قد جلسوا يذكرون الله بذكر على غير الهيئة التي جاءت عن رسول الله ﷺ فقد روى الدارمي في سننه أن رجلا أخبر عبد الله بن مسعود أن قوما يجلسون في المسجد بعد المغرب فيهم رجل يقول كبروا الله كذا وكذا. وسبحوا الله كذا وكذا. واحمدوا الله كذا وكذا. قال عبد الله: فإذا رأيتهم فعلوا ذلك فأتني فأخبرني بمجلسهم، فأتاهم فجلس فلما سمع ما يقولون قام فأتى ابن مسعود فجاء وكان رجلا حديدا، فقال: أنا عبد الله بن مسعود، والله الذي لا إله غيره لقد جئتم ببدعة ظلما ولقد فضلتم أصحاب محمد ﷺ علما. فقال عمرو بن عتبة: أستغفر الله. فقال: عليكم بالطريق فالزموه ولئن أخذتم يمينا وشمالا لتضلن ضلالا بعيدا. فإذا كان ابن مسعود ﵁ قد أنكر هذه الهيئة التي يذكرون الله بها رغم أن الذكر الوارد فيها مشروع بيد أنه أنكر عليهم الشكل والصفة وتخصيص هذا الوقت بالذات للذكر فكيف لو اطلع ابن مسعود على هذه الأذكار التي يذكر بها المسلمون اليوم وهي لا تمت إلى ذكر الله بصلة مما ابتدعه أصحاب الطرق الصوفية وغيرهم من الأذكار الإبليسية التي زينها لهم الشيطان منها ما يرددونه بصوت واحد من قولهم

стр. 6900

(هو هو) أو (حي حي) وغير ذلك من ألوان الهذيان الذي يرددونه ويزعمون أنه ذكر لله في الوقت الذي لو سمعتهم وهم يترنمون بهذه الأذكار التي لا يفهم منها شيء في كثير من الأحيان لخيل إليك أن أمامك سباعا تتعاوى وتتهارش على فريسة بل تحولت أذكار كثير ممن ينتسب إلى الإسلام اليوم إلى أنواع من الرقصات المختلفة فضلا عما يصحب ذلك من آلات الطرب والمعازف واختلاط الرجال بالنساء وشرب المسكرات وغير ذلك من أنواع الفساد التي يمليها عليهم الشيطان، فيا ليت شعري، ماذا سيقول هذا الصحابي الجليل لو اطلع على هذه المناظر أو سمع تلك الأصوات المنكرة ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (١). وهذا رسول الله ﷺ ينكر على الصحابة لما رفعوا أصواتهم بالتكبير ويقول: «يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تنادون أصم ولا غائبا (٢)». ولا شك أن ذكر الله واجب من أعظم الواجبات التي حث عليها الإسلام كما قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ (٣) ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٤) ومن أعظم وصايا النبي ﷺ : «لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله (٥)» لكن لا بد أن يكون الذكر وفقا للمعايير التي جاء بها الكتاب والسنة، دون إفراط أو تفريط. وجاء عن ابن مسعود أيضا في ذم البدعة: (اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم)، وقال ابن عباس لمن سأله الوصية: (عليك بتقوى الله والاستقامة اتبع ولا تبتدع)، وقال ابن عمر ﵄: (كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة). وقد روى هذه الآثار الكثيرة

стр. 6901

الإمام الدارمي في سننه وآثارا أخرى عن الصحابة والتابعين. وجاء في سنن أبي داود عن حذيفة ﵁ قال: (كل عبادة لا يتعبدها أصحاب رسول الله ﷺ فلا تعبدوها فإن الأول لم يدع للآخر مقالا). هذه نماذج من أقوال الصحابة.

стр. 6902

من أقوال السلف بعد الصحابة: وسنشرع الآن في ذكر نماذج من أقوال التابعين وغيرهم من السلف في الحث على اتباع السنة والتحذير من البدع ، فقد روى الدارمي في سننه عن عمر بن عبد العزيز ﵀ قال: (أوصيكم بتقوى الله والاقتصاد في أمره واتباع سنة رسوله ﷺ وترك ما أحدث المحدثون بعد). ونقل الأوزاعي عن حسان بن عطية أحد التابعين الفضلاء قوله: (ما ابتدع قوم بدعة في دينهم إلا نزع الله من سنتهم مثلها، ثم لا يعيدها إليهم إلى يوم القيامة). وقال أبو حنيفة ﵀: (عليك بالأثر وطريق السلف، وإياك وكل محدثة فإنها بدعة)، وقال الإمام مالك -رحمه الله تعالى-: (من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدا خان الرسالة لأن الله يقول ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ (١) فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون اليوم دينا). . وقال الليث بن سعد: (لو رأيت صاحب بدعة يمشي على الماء ما قبلته). فلما بلغ ذلك الشافعي ﵀ قال: (إنه ما قصر لو رأيته يمشي على الهواء ما قبلته). وقال الإمام أحمد ﵀: (أصول السنة عندنا

стр. 6903

التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ والاقتداء وترك البدع وكل بدعة فهي ضلال). وهكذا نجد مما تقدم من النصوص أن الكتاب والسنة والآثار والأخبار التي نقلت عن السلف الصالح تفيد من نظر فيها بتبصر وتدبر أن كل بدعة في الدين صغيرة أو كبيرة في الأصول أو الفروع، في العقائد أو العبادات أو المعاملات فعلية أو قولية أو تركية، هي ضلالة صاحبها مؤاخذ معاقب عليها في النار، وبدعته مردودة عليه غير مقبولة منه، كيف وقد قال ﷺ : «إني تارك فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي (١)». وقال أيضا: «قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك (٢)» (٣).

стр. 6904

السنة والبدعة: إذا تبين ذلك فإنه قد يرد سؤال مفاده: ما هو الفارق والميزان الذي نميز به بين البدعة والسنة ؟ لأن كل مبتدع يزعم أنه على السنة، بل يرى أن بدعته بعينها هي السنة؟ فالجواب أن نقول: السنة في اللغة هي الطريق. . ولا ريب في أن أهل النقل والأثر والمتبعين آثار رسول الله ﷺ وآثار أصحابه هم أهل السنة لأنهم على تلك الطريق التي لم يحدث فيها حادث، وإنما وقعت الحوادث والبدع بعد رسول الله ﷺ وأصحابه. هذا هو مفهوم السنة عند السلف بعبارة مختصرة هي: الطريقة التي كان عليها رسول الله- ﷺ وأصحابه. هذا هو المعنى الذي يعنينا في هذا المقام، وهناك تعريفات أخرى

стр. 6905

للسنة عند المحدثين والأصوليين والفقهاء ليس من غرضنا التعرض لها وأما تعريف البدعة فإني أنقل باختصار التعريف الذي أورده الإمام العلامة الشاطبي -رحمه الله تعالى- في كتابه " الاعتصام ". (وأصل مادة " بدع ") للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قول الله تعالى ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (١) أي مخترعهما من غير سابق متقدم، ويقال ابتدع فلان بدعة يعني ابتدأ طريقة لم يسبقه إليها سابق، ويربط الإمام الشاطبي بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي فيقول: ومن هذا المعنى سميت البدعة بدعة، فاستخراجها للسلوك عليها هو الابتداع وهيئتها هي البدعة، وقد يسمى العمل المعمول على ذلك الوجه بدعة، فمن هذا المعنى سمي العمل الذي لا دليل عليه في الشرع بدعة ثم يستمر بالتمهيد للتعريف، ويذكر أقسام الحكم التكليفي الخمسة حتى يتوصل إلى أن من المنهيات ما يطلب تركه وينهى عنه لكونه مخالفا لظاهر التشريع من جهة ضرب الحدود، وتعيين الكيفيات، والتزام الهيئات المعينة أو الأزمنة المعينة مع الدوام ونحو ذلك. وهذا هو الابتداع والبدعة ويسمى فاعله مبتدعا، ومما تقدم يستنتج الشاطبي تعريف البدع في الدين فيقول: (فالبدعة إذا عبارة عن طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعب لله سبحانه). ومعنى هذا التعريف وهو جامع مانع كما ترى فالطريقة والسبيل والسنن ألفاظ مترادفة وهو ما رسم للسلوك عليه وإنما قيدت بالدين لأن صاحبها يضيفها إليه، خرج بذلك الطريق المخترعة في الدنيا كالصناعات مثلا فإنها لا تسمى بدعة في الدين بهذا القيد وإن كانت مخترعة.

стр. 6906

ولما كانت الطرائق في الدين تنقسم إلى قسمين. . فمنها ما له أصل في الشريعة ومنها ما ليس له أصل فيها. خص منها ما هو المقصود بالحد وهو القسم المخترع في الدين، أي طريقة ابتدعت على غير مثال تقدمها من الشارع. وقوله في التعريف: تضاهي الشرعية، يعني أنها تشابه الطريقة الشرعية من غير أن تكون في الحقيقة كذلك، بل هي مضادة لها من أوجه متعددة على رأس تلك الأوجه اتهام الشريعة بالنقص وعدم الكمال وهذا معلوم البطلان من الدين بالضرورة كما تقدم. وقوله: " يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى " هو تمام معنى البدعة إذ هو المقصود بتشريعها. وذلك أن أصل الدخول فيها يحث على الانقطاع إلى العبادة والترغيب في ذلك، لأن الله تعالى يقول. ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١) فكأن المبتدع رأى أن المقصود هذا المعنى. فأراد أن يسلكه بأي وجه ولم يتبين له أن الشارع قد وضع لذلك حدودا وضوابط وقوانين لا يجوز أن يزاد فيها أو ينقص.

стр. 6907

أمثلة من البدع الشائعة بين المسلمين: إذا تبين الفرق بين السنة والبدعة من خلال التعريف، فإني أورد أمثلة للبدع التي عمت وطمت في أرجاء العالم الإسلامي حتى أصبحت عند الكثير من الناس سنة متبعة في الوقت الذي تركت السنن وهجرت تعاليم الإسلام وسأذكرها على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر، منها: نذر الصيام قائما لا يقعد أو ضاحيا لا يستظل. و الانقطاع للعبادة وترك الكسب الحلال وإقامة المآتم وقراءة القرآن فيها والاقتصار من المأكل والملبس على صنف دون صنف من غير علة.

стр. 6908

ومنها التزام الكيفيات والهيئات المعينة كالذكر على هيئة الاجتماع على صوت واحد. . ومنها التزام عبادات معينة في أوقات معينة لم يوجد لها ذلك التعيين في الشريعة: كالتزام صيام يوم النصف من شعبان وقيام ليلته والاحتفال بيوم الإسراء والمعراج وتخصيصه بعبادة معينة علما بأن تأريخه قد اختلف في تحديده وحتى لو عرف فإن الله لم يميزه بعبادة مخصوصة، وغير ذلك من البدع التي أحدثت بعد رسول الله ﷺ وأصحابه الغر الميامين الذين كان لهم قصب السبق في الذب عن حياض الإسلام والدفاع عن السنة المطهرة.

стр. 6909

أصل بدعة المولد: ولما كانت البدع كثيرة يجل عنها الحصر فإني سوف أقصر الكلام بإيجاز على بدعة خطيرة ومحدثة عظيمة تمس شخصية رسول الله ﷺ بدعة الاحتفال بعيد مولده ﷺ . وإن المتتبع للتاريخ الإسلامي يجد أن مثل هذه الاحتفالات لم تكن موجودة عند المسلمين الأوائل بل ولا في القرون المفضلة حتى جاءت الدولة الفاطمية والتي انتسبت إلى فاطمة ظلما وعدوانا بل إن المحققين من المؤرخين يرون أنهم ينحدرون من أصل يهودي يقال لهم العبيديون وهم أبناء ميمون بن ديصان المشهور بالقداح قيل إنه يهودي وقيل مجوسي وقد استمرت دولتهم في مصر من (٣٥٧ - ٤٦٧هـ) وقد احتفل الفاطميون بأربعة موالد: مولد النبي ﷺ ، وعلي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين ﵃ جميعا. فهم أول من أحدث ذلك كما ذكر المقريزي وغيره. وظلت هذه البدعة يعمل بها حتى جاء (بدر الجمالي) الوزير الأول للخليفة الفاطمي (المستعلي بالله) وكان هذا الوزير شديد التمسك بالسنة، فأصدر أمرا

стр. 6910

بإلغاء هذه الموالد، وما أن مات (بدر الجمالي) حتى عادت البدعة من جديد. واستمر الأمر على هذا الحال حتى جاء عهد صلاح الدين الأيوبي، وكان أيضا من المتمسكين بالسنة، فألغى هذه الاحتفالات، وتم تنفيذ هذا الإلغاء في كل أنحاء الدولة الأيوبية، ولم يخالف في ذلك إلا الملك المظفر الذي كان متزوجا من أخت صلاح الدين. وقد ذكر المؤرخون أن احتفالات الملك المظفر بالمولد كان يحضرها المتصوفة حيث يكون الاحتفال من الظهر إلى الفجر، وكان ما ينفق في هذا الاحتفال يزيد عن ثلاثمائة ألف دينار. واستمرت بعد ذلك هذه الاحتفالات إلى يومنا هذا، بل توسعوا فيها حتى امتدت إلى الاحتفال بمولد كل عظيم في نظر العامة وإن كان من الملحدين بحجة أنه من الأولياء، ولا يخفى على الجميع مدى المنكرات والموبقات التي ترتكب في أسواق الموالد من شرب للخمور، ولعب للميسر، ورقص وغناء، تؤديه النسوة في مجامع الرجال وغير ذلك من الكبائر، حتى أصبحت كلمة المولد يضرب بها المثل في كل المجالات للفوضى والاستهتار، وأعظم من هذا كله اعتقاد هؤلاء الجهال أن الرسول ﷺ يحضر المولد، ولهذا يقومون له محيين ومرحبين، بل يزعم بعضهم أنه يصافحه، وهذا من أعظم الباطل بل هو غاية الجهالة والضلالة. فإن الرسول- ﷺ لا يخرج من قبره قبل يوم القيامة ولا يتصل بأحد من الناس، بل هو منعم في قبره وروحه في أعلى عليين عند ربه في دار الكرامة كما قال الله تعالى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ﴾ (١) ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (٢)

стр. 6911

وقال النبي ﷺ : «أنا أول من ينشق عنه القبر يوم القيامة وأنا أول شافع وأول مشفع (١)». ونحن لا نلوم العامة الذين يفعلون مثل هذه الأمور وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ولكن اللوم يوجه إلى العلماء المنتسبين إلى العلم، أولئك الذين يعرفون طريق الحق ولكنهم يحيدون عنها، ولا ينكرون أن الاتباع أولى من الابتداع، ولكنهم يتجاهلون هذا الحق الذي لا يجادل فيه، فكيف يجهل هؤلاء أن حقيقة الحفاوة بذكرى مولد الرسول ﷺ ، تتركز في اتباع ما جاء به، وإحياء سنته، وأن هذه الذكرى الطيبة ليست مؤقتة بزمن وليست محددة بشهر ربيع الأول، بل ينبغي أن نحييها ونحتفي بها في كل لحظة من لحظات حياتنا وفي كل بقعة حللنا بها وذلك باتباع سنته والسير على نهجها، وما أظن أن مسلما يجهل أن الاحتفال بفكرة " المولد النبوي " أو غير ذلك من الموالد فكرة مبتدعة جاءتنا- متأخرة، وفيها تشبه باليهود والنصارى الذين لا يعرفون من الدين إلا الاحتفالات على رأس السنة بعيد ميلاد المسيح ﵇ أو غيره من الذي دس عليهم وليس من دينهم. ونحن قد قلدناهم في هذا العمل كما قلدناهم في أمور كثيرة وهذا بلا شك مصداق لقول الرسول ﷺ : «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه). قالوا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال: (فمن (٢)»، متفق عليه. وقد خشي النبي ﷺ ذلك على أمته فقال: «لا تجعلوا قبري عيدا (٣)»، والعيد اسم لكل ما يعود ويتكرر أي لا تخصصوا لقبري يوما بعينه تعودونه فيه، فمن خصص يوما من السنة كالثاني عشر من ربيع

стр. 6912

الأول وقع تحت هذا التحذير، ونحن بهذا لا ننكر زيارة قبره ﷺ إذا فعلت بالطريقة المشروعة وبدون شد رحال أو تخصيص يوم أو شهر معين لأن شد الرحال من أجل العبادة خاص بالمساجد الثلاثة التي جاءت في الحديث «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام، ومسجدي هذا والمسجد الأقصى (١)»، والأعياد المعروفة في الإسلام ثلاثة أعياد فقط، عيد الفطر، وعيد الأضحى، وعيد الأسبوع الذي هو يوم الجمعة، وما عدا ذلك من الأعياد المحدثة ما هو إلا ضرب من البدع الضالة التي قلدنا فيها أعداءنا. ولا شك أن العواطف الكاذبة ودعوى حب الرسول ﷺ هي التي حدت بنا إلى أن نبتدع ولا نتبع، وكيف تجتمع دعوى محبة رسول الله ﷺ مع مخالفة أمره في النهي عن الإحداث في الدين (الضدان لا يجتمعان) على حد قول القائل: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمرك في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع وقد جعل الله تعالى ميزان محبته ودليلها هو اتباع رسوله ﷺ : قال تعالى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وبمنطوق الآية لا يعتبر محبا لله من خرج على الاتباع ولجأ إلى الابتداع، ما من شك في أنه يجب على كل مسلم أن يقدم محبة رسول الله ﷺ حتى على نفسه فقد روى الشيخان عن أنس ﵁ قال: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين (٣)».

стр. 6913

لكن هذه المحبة يجب أن تكون في الإطار الصحيح الذي جعله الله فيه بعيدا عن الغلو والتفريط فكأن أولئك الغلاة والمفرطين لم يسمعوا حديث عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله (١)». وأي غلو أعظم من قول القائل: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ... سواك عند نزول الحادث العمم فإن من جودك الدنيا وضرتها ... ومن علومك علم اللوح والقلم ترى ماذا ترك لله بعد أن جعل جميع الكون بما فيه علم اللوح والقلم من إيجاد البشر. إن شخصية رسول الله ﷺ غنية عن هذا الإطراء وحسبه فخرا أن الله اختاره ليكون رحمة للعالمين وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، وهذه المنزلة وإن كانت أشرف منزلة ينالها مخلوق إلا أن ذلك لا يخرجه عن كونه بشرا تجري عليه السنن الكونية التي تجري على البشر من الولادة والحياة والموت وغير ذلك من سنن الله في البشر، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢). إن هؤلاء الغلاة قد أساءوا كل الإساءة إلى شخصية رسول الله ﷺ بما يلفقونه من الأحاديث الكاذبة والأخبار الزائفة التي تجعله في مصاف الإله، مما فتح ثغرة ينفذ منها أعداء الإسلام والمسلمين إلى السخرية من الإسلام والطعن في شخصية رسول الله ﷺ . إننا نعتز كل الاعتزاز بشخصية رسول الله ﷺ بأنه سيد ولد آدم ونعتز بتلك المعاني الحية والمبادئ القيمة التي جاء بها من عند الله، لكن يجب

стр. 6914

أن لا يحملنا هذا الاعتزاز على الخروج عن حدود المنزلة الصحيحة التي شرفه الله بها. وإننا نتساءل ماذا سنقول بعد الثناء العطر الذي أثنى الله به عليه من نحو قوله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١) وقوله تعالى ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٢) وماذا سنقول بعد أن نوه الله باسمه ورسالته خمس مرات كل يوم كلما رفع الأذان، وماذا سنقول بعد قول الله تعالى ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ (٣) وآيات وأحاديث كثيرة تتحدث عن سمو منزلته، لا يمكن حصرها في مثل هذه العجالة، وفيما أوردناه غنية لمن تدبر وتأمل ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٤). ومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام، تلك الشبهة التي يتعلق بها أرباب الموالد ولا سيما مولد النبي ﷺ ، وذلك فهمهم الخاطئ الذي ينطبق عليه قول الشاعر: وآفته من الفهم السقيم. . . وهو ما توهموه من الحديث الذي رواه مسلم عن أبي قتادة ﵁ «أن رجلا سأل النبي ﷺ عن صوم الإثنين، فقال ﷺ : هو يوم ولدت فيه، وفيه أنزل علي (٥)» فقد تمسك هؤلاء بلفظة «يوم ولدت فيه (٦)» ثم عينوا هذا اليوم بالثاني عشر من ربيع الأول، وذلك تخصيص من عند أنفسهم وهذا الاستدلال ظاهر البطلان لوجوه كثيرة، منها: ١ - أن المطلوب في هذا اليوم أعني يوم الإثنين هو الصوم اقتداء

стр. 6915

بالرسول ﷺ ، بينما نرى أصحاب تلك الموالد يخصصون ذلك اليوم الذي عينوه للأكل والشرب والطرب فضلا عن ما أحدثوه من أذكار، وهتافات لا نجد لها برهانا ولا هدى ولا حجة صحيحة. ٢ - أن الذي أمر به النبي ﷺ هو صوم يوم الإثنين من كل أسبوع دائما، ولم يقيد ذلك بسنة أو شهر أو أسبوع بعينه، بينما هؤلاء يخصصون يوما واحدا في السنة هو التاسع أو الثاني عشر من ربيع الأول على اختلاف بينهم حتى وإن لم يوافق هذا اليوم يوم الإثنين وبذلك يتضح وجه مخالفتهم أمر النبي ﷺ . ٣ - أن صيام يوم الإثنين له خصوصية أخرى، إضافة إلى ما ذكر في هذا الحديث، وذلك أنه يوم تعرض فيه الأعمال على الله تعالى فندب النبي ﷺ إلى صومه كي تعرض أعمال العبد على ربه، وهو صائم، وذلك أحرى لقبولها، كما جاء ذلك في أكثر من حديث عنه ﷺ . فأي الفريقين أولى بالاتباع، وأقرب إلى الصواب؟ أهم أولئك الذين يصومون الإثنين من كل أسبوع ويعيشون ذكرى رسول الله ﷺ في كل لحظة من لحظات حياتهم بمتابعته والصلاة والسلام عليه كلما ذكر. أم أولئك الذين لا يعرفون ذكراه إلا يوما واحدا في السنة بلا هدى، ولا كتاب مبين. ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١). دفع توهم: وإذا كان القرآن والسنة النبوية وما جاء عن سلف الأمة وعلى رأسهم الصحابة قد دل على التحذير من البدع وأن هذه الأمور التي ذكرناها آنفا بما فيها الاحتفال بالموالد دخيلة على الدين فإن ثمة سؤالا مفاده: ما هي

стр. 6916

الشبه والأدلة التي تشبث بها المبتلون بحب هذه البدع؟ والجواب على ذلك أن نقول: إن هذه الشبه لا تخرج عن أمرين، إما نصوص صحيحة يحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويصرفونها عن معانيها الحقيقية وإما أحاديث واهية أو موضوعة شحنوا بها كتبهم ونسبوها إلى رسول الله ﷺ كذبا وزورا. مثال ذلك حديث «ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، (١)» وحديث «اختلاف أمتي رحمة» وحديث «توسلوا بجاهي فإن جاهي عند الله عظيم» وغير ذلك من الأحاديث الملفقة والتي تصدى لها علماء السنة بالبحث والتنقيب وبينوا عللها وخطورتها وما تنطوي عليه تلك الأحاديث المنكرة من المعاني الخطيرة والدس الرخيص على الإسلام، وإتاحة الفرص لنيل الأعداء من الإسلام، ولكن الله قيض لهذه الأمة من طهر أحاديث النبي ﷺ من الدخيل وذلك بعلم الإسناد الذي لا شك أنه من أعظم ما ميز الله به هذه الأمة. قال عبد الله بن المبارك ﵀: (لولا الإسناد لقال في السنة من شاء ما شاء). ولما كانت هذه الأحاديث التي تعلقوا بها كثيرة فإني لن أتوسع في سردها وإنما أحيل إلى كتب السنة وما ألف في خدمتها ففيها غنية لمن رزقه الله العقل وحسن البصيرة ولكن الذي سنلقي عليه الضوء بشيء من الكشف والبيان هي تلك النصوص التي صرفوها عن ظاهرها زاعمين أنها تؤيد ما أحدثوه من البدع، منها: أولا: حديث جرير بن عبد الله البجلي ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه قال: قال رسول الله ﷺ : «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها

стр. 6917

ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء (١)». فقد تمسكوا بلفظة «من سن في الإسلام سنة حسنة (٢)» وفرعوا على ذلك الفهم أن البدع قسمان، بدعة حسنة وبدعة قبيحة ففسروا السنة هنا بالبدعة وكأن معنى قوله ﷺ : من سن أي من أحدث وابتدع، وهذا مردود من أربعة وجوه. الوجه الأول: سبب ورود الحديث، فقد قال جرير ﵁: «كنا في صدر النهار عند رسول الله ﷺ فجاءه قوم عراة مجتابي النمار أو العباء متقلدي السيوف، عامتهم من مضر، بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى فيهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالا فأذن، وأقام فصلى ثم خطب فقال: إلى آخر الآية والآية التي في الحشر. تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشق تمرة). قال: فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت، ثم تتابع الناس حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : (من سن. . وذكر الحديث (٦)». فقد ظهر أن سبب ورود الحديث هو حاجة هؤلاء القوم، لذا أمرهم النبي ﷺ بالصدقة فبادر هذا الصحابي بصدقته وتبعه الناس في ذلك على أمر أمره به النبي ﷺ فضلا عما ورد في القرآن من الحث على الصدقة، فهذه القصة نفسها تنقض مفهومهم الخاطئ.

стр. 6918

الوجه الثاني: ما تقدم من الفرق بين السنة والبدعة من أن السنة هي الطريق المتبع والبدعة هي الإحداث في الدين، هذا المفهوم هو الذي عليه علماء الأمة خلفا عن سلف ولم ينقل عن أحد منهم أنه فسر السنة الحسنة بالبدعة التي يحدثها الناس من عند أنفسهم ولم ينزل الله بها من سلطان. الوجه الثالث: فهم السلف قاطبة من قوله ﷺ : «من سن سنة (١)» أي أحيا سنة من سنن الرسول ﷺ حين يميتها الناس ويتبعه الناس في هذا الإحياء الذي دعاهم إليه يوضح ذلك حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم فقال: قال رسول الله ﷺ : «من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص من أجورهم شيء (٢)» فإن قوله: من دعا إلى هدى تفسير لما أجمل في قوله من سن سنة حسنة، وبالمقابل «من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيء (٣)». وقد دلت الأحاديث على أن كل بدعة ضلالة بدون استثناء لأي نوع من البدع فمن دعا إلى بدعة محدثة في الدين فقد دعا إلى ضلالة سواء سماها بدعة حسنة أو لم يسمها كذلك. الوجه الرابع: قالوا: بأن البدعة قسمان - حسنة وقبيحة - وهو تقسيم من عند أنفسهم ولمحض عقولهم الفاسدة، ونحن نوجه إليهم هذا السؤال: كيف نعرف أن هذا العمل حسن أو قبيح؟ وبالطبع سيجيب كل عاقل بأن الحسن ما حسنه الشرع والقبيح ما قبحه الشرع ولا يعرف هذا إلا بالرجوع إلى الكتاب والسنة، فيقال لهم حينئذ: إن الكتاب والسنة قد دلا على ذم البدع كما تقدم في الأدلة، فما وجه تقسيمكم هذا؟

стр. 6919

ثانيا: يستدل كثير من أهل البدع بما يروى عن عمر ﵁ من قوله: نعمت البدعة هذه ردا على من أنكر عليه أمره الناس بصلاة التراويح جماعة في المسجد خلف أبي بن كعب يستدلون بهذه القصة توهما منهم أن ما فعله عمر بدعة، وهذا باطل من وجوه. . الوجه الأول: أن عمر ﵁ لم يفعل بدعة وإنما فعل سنة كان النبي ﷺ قد فعلها ثم تركها خشية أن تفرض على الأمة كما بين ﷺ ذلك ولم ينه الناس عن فعلها مما يؤكد بقاء سنيتها. الوجه الثاني: أنه قال هذه الجملة على سبيل المجاز فتسميتها بدعة باعتبار أنها لم تفعل في عهد أبي بكر ﵁ تجوزا لأن عمر هو الذي بدأ إحياء هذه السنة خصوصا وقد زالت علة خشية الفرضية بانتقال النبي ﷺ إلى الرفيق الأعلى. الوجه الثالث: ربما قال عمر ذلك تهكما بمن قال له إنك فعلت بدعة فلعلم عمر أنها ليست بدعة رد عليه بهذه الجملة على سبيل الإنكار. هذا وهناك شبه أخرى قد يتعلقون بها ولو تأملناها لوجدناها لا تخرج عن هذا الإطار الذي هو تحميل النصوص ما لا تحتمل من المعاني الفاسدة الباطلة. وهناك تقسيمات للبدع ذكرها القرافي وغيره لا نجد لها مستندا أو معيارا صحيحا يمكن أن يؤخذ به كتقسيمهم البدع إلى حقيقية وإضافية، أو حسنة وسيئة، أو كلية وجزئية، أو بسيطة ومركبة، أو فعلية وتركية، أو غير ذلك من التقسيمات المصطنعة المتكلفة التي لا تستند إلى دليل. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

стр. 6920

صفحة فارغة

стр. 6921

من أعلام المجددين الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب حياته دعوته ثمرات دعوته بقلم: د. صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان التعريف بشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀: هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن مشرف النجدي التميمي، ولد سنة ١١١٥ هـ، ونشأ في بيت علم. فوالده من علماء البلاد وتولى القضاء في عدة جهات، وجده الشيخ سليمان كان عالما جليلا وإماما في الفقه وهو المفتي في البلاد في وقته، وقد تخرج على يديه عدد كثير من العلماء وطلبة العلم. وعمه الشيخ إبراهيم بن سليمان كان من أجلة العلماء فنشأ الشيخ محمد في هذا الجو العلمي وكان حاد الذهن متوقد الذكاء سريع الحفظ، حفظ القرآن الكريم قبل سن العاشرة، ودرس على والده كتب الفقه الحنبلي. وكان كثير المطالعة والقراءة للكتب إلى جانب قراءته على والده، فقرأ في كتب التفسير والحديث والأصول، وعني عناية خاصة بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وكتب العلامة ابن القيم، وكان لكتب هذين الإمامين أكبر الأثر في تكوين شخصيته العلمية المتميزة والأخذ بيده إلى مصادر العلم الصحيحة، فتكون لديه الاتجاه السليم منذ صغره وتركزت في قلبه العقيدة الصحيحة وتخرج على كتب هذين الإمامين المحققين.

стр. 6922

رحلاته: ولما استوعب ما يدرس في بلدته من علوم الفقه والعربية والحديث والتفسير تطلع إلى الزيادة وعزم على الرحلة إلى علماء البلاد المجاورة للاستفادة من علومهم فرحل إلى البصرة وإلى الأحساء وإلى مكة والمدينة والتقى بعلماء تلك البلدان وأخذ عنهم واستحصل على الكتب والمراجع، ولنترك المجال لحفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن ليحدثنا عن تلك الرحلات المباركة. قال: إنه نشأ في طلب العلم وتخرج على أهله في سن الصبا. ثم رحل لطلب العلم إلى البصرة مرارا وللأحساء ثم إلى المدينة ثم قال في تفصيل ذلك: فظهر شيخنا بين أبيه وعمه. فحفظ القرآن وهو صغير وقرأ في فنون العلم وصار له فهم قوي وهمة عالية في طلب العلم. فصار يناظر أباه وعمه في بعض المسائل بالدليل على بعض الروايات عن الإمام أحمد والوجوه عن الأصحاب. فتخرج عليهما في الفقه وناظرهما في مسائل قرأها في الشرح الكبير والمغني والإنصاف لما فيها من مخالفة ما في متن المنتهى، والإقناع - وعلت همته إلى طلب التفسير والحديث. فسافر إلى البصرة غير مرة كل مرة يقيم بين من كان بها من العلماء فأظهر الله له من أصول الدين ما خفي على غيره. وكذلك ما كان عليه أهل السنة في توحيد الأسماء والصفات والإيمان - إلى أن قال: فصنف في البصرة كتاب التوحيد الذي شهد له بفضله بتصنيفه القريب والبعيد، أخذه من الكتب التي في مدارس البصرة من كتب الحديث - إلى أن قال: ثم إن شيخنا -رحمه الله تعالى- بعد رحلته إلى البصرة وتحصيل ما حصل بنجد رحل إلى الأحساء وفيها فحول العلماء منهم عبد الله بن فيروز أبو محمد الكفيف، ووجد عنده من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم

стр. 6923

ما سر به، وأثنى على عبد الله هذا بمعرفته بعقيدة الإمام أحمد، وحضر مشائخ الأحساء ومن أعظمهم عبد الله بن عبد اللطيف القاضي فطلب منه أن يحضر الأول من فتح الباري على البخاري ويبين له ما غلط فيه الحافظ في مسألة الإيمان وبين أن الأشاعرة خالفوا ما صدر به البخاري كتابه من الأحاديث والآثار، وبحث معهم في مسائل وناظر، وهذا أمر مشهور يعرفه أهل الأحساء وغيرهم من أهل نجد - إلى أن قال: ثم إن شيخنا -رحمه الله تعالى-، وقد تبين له بما فتح الله تعالى عليه ضلال من ضل باتخاذ الأنداد وعبادتها من دون الله في كل قطر وقرية إلا من شاء الله، فلما قضى الحج وقف في الملتزم وسأل الله تعالى أن يظهر هذا الدين بدعوته وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصدا المدينة مع الحاج يريد الشام فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه وأخذوا ما معه وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن سيره مع الحجاج فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها فأقام بها وحضر عند العلماء إذ ذاك منهم / الشيخ محمد حياة السندي وأخذ عنه كتب الحديث إجازة في جميعها وقراءة لبعضها ووجد فيها بعض الحنابلة (١) فكتب كتاب الهدي لابن القيم بيده وكتب متن البخاري وحضر في النحو وحفظ ألفية ابن مالك. حدثني بذلك حماد بن حمد عنه -رحمهما الله-، ثم رجع إلى نجد وهم على الحالة التي لا يحبها الله - انتهى المقصود (٢). فأنت ترى أيها القارئ من هذا السياق قوة الأسباب التي بذلها الشيخ لتحصيل العلم:، كثرة الحفظ وكثرة القراءة والاطلاع وكثرة الرحلات في طلب العلم للتلقي عن العلماء مع شدة الذكاء والنية الصالحة - إن هذه الأسباب مع توفيق الله تعالى كفيلة بتوفر التحصيل وهذا ما حصل.

стр. 6924

حالة المسلمين عند ظهور دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب: لقد ذكر المؤرخون كابن غنام وابن بشر، وغيرهما عن حالة أهل نجد خصوصا - والعالم الإسلامي عموما - الشيء الكثير من ظهور البدع والخرافات والشركيات والجهل بحقيقة الدين الصحيح. ففي نجد كانت القبور والأشجار والأحجار والمغارات تعبد من دون الله بأنواع من القربات، وفي الحجاز واليمن وغيرها من البلاد من ذلك الشيء الكثير، يقول العلامة محمد بن إسماعيل الصنعاني في قصيدة له يصف المظاهر الشركية في البلاد الإسلامية وهو معاصر للشيخ محمد وقد وصف ما يفعل ويمارس حول القبور من الشرك الأكبر ويثني على دعوة الشيخ: وقد جاءت الأخبار عنه بأنه ... يعيد لنا الشرع الشريف بما يبدي وينشر جهرا ما طوى كل جاهل ... ومبتدع منه فوافق ما عندي ويعمر أركان الشريعة هادما ... مشاهد ضل الناس فيها عن الرشد أعادوا بها معنى سواع ومثله ... يغوث وود بئس ذلك من ود وقد هتفوا عند الشدائد باسمها ... كما يهتف المضطر بالصمد الفرد وكم عقروا في سوحها من عقيرة ... أهلت لغير الله جهرا على عمد وكم طائف حول القبور مقبل ... ومستلم الأركان منهن باليد ويقول الإمام الشوكاني وهو من المعاصرين لدعوة الشيخ أيضا- يقول في وصف ما يفعل عند القبور من الشرك: وكم قد سرى عند تشييد أبنية القبور وتحسينها من مفاسد يبكي لها الإسلام. منها اعتقاد الجهلة لها كاعتقاد الكفار للأصنام، وعظم ذلك فظنوا أنها قادرة على جلب النفع ودفع الضرر فجعلوها مقصدا لطلب قضاء الحوائج وملجأ لنجاح

стр. 6925

المطالب، وسألوا منها ما يسأله العباد من ربهم وشدوا إليها الرحال وتمسحوا بها واستغاثوا، وبالجملة إنهم لم يدعوا شيئا مما كانت الجاهلية تفعله بالأصنام إلا فعلوه، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ومع المنكر الشنيع والكفر الفظيع لا نجد من يغضب لله ويغار حمية للدين الحنيف لا عالما ولا متعلما ولا أميرا ولا وزيرا ولا ملكا، وقد توارد إلينا من الأخبار ما لا يشك معه أن كثيرا من هؤلاء القبوريين أو أكثرهم إذا توجهت عليه يمين من جهة خصمه حلف بالله فاجرا - فإذا قيل له بعد ذلك: احلف بشيخك ومعتقدك الولي الفلاني تلعثم وتلكأ وأبى واعترف بالحق، وهذا من أبين الأدلة الدالة على أن شركهم قد بلغ فوق شرك من قال إنه تعالى ثاني اثنين أو ثالث ثلاثة، فيا علماء الدين ويا ملوك المسلمين أي رزء للإسلام أشد من الكفر، وأي بلاء لهذا الدين أضر عليه من عبادة غير الله، وأي مصيبة يصاب بها المسلمون تعدل هذه المصيبة، وأي منكر يجب إنكاره إن لم يكن إنكار هذا الشرك البين واجبا: لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تنادي ولو نارا نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد انتهى (١). وقد ألف كل من هذين الإمامين رسالة في التحذير من هذا الشرك الذي فشا في البلدان في عصرهما فألف الصنعاني رسالة اسمها تطهير الاعتقاد عن أدران الإلحاد، وألف الشوكاني رسالة اسمها شفاء الصدور بتحريم البناء على القبور. وكلتا الرسالتين مطبوع ومتداول. وفي هذا الجو المظلم ظهر شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب بالعقيدة السليمة والدعوة المستقيمة- ونسوق الآن عقيدته التي كتبها لمن سأله عنها:

стр. 6926

عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀: قال ﵀ جوابا لمن سأله عن عقيدته (١): بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أشهد الله ومن حضرني من الملائكة وأشهدكم أني أعتقد ما اعتقدته الفرقة الناجية أهل السنة والجماعة من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت والإيمان بالقدر خيره وشره، ومن الإيمان بالله الإيمان بما وصف به نفسه في كتابه وعلى لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، بل أعتقد أن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، فلا أنفي عنه ما وصف به نفسه، ولا أحرف الكلم عن مواضعه ولا ألحد في أسمائه وآياته، ولا أكيف ولا أمثل صفاته تعالى بصفات خلقه لأنه تعالى لا سمي له ولا كفو له ولا ند له ولا يقاس بخلقه فإنه سبحانه أعلم بنفسه وبغيره وأصدق قيلا وأحسن حديثا. فنزه نفسه عما وصفه به المخالفون من أهل التكييف والتمثيل وعما نفاه عنه النافون من أهل التحريف والتعطيل فقال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ (٢) ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ﴾ (٣) ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤) والفرقة الناجية وسط في باب أفعاله تعالى بين القدرية والجبرية. وهم وسط في باب وعيد الله بين المرجئة والوعيدية، وهم وسط في باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، وهم وسط في باب أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج، وأعتقد أن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود، وأنه تكلم به حقيقة وأنزله على عبده ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين

стр. 6927

عباده نبينا محمد ﷺ ، وأؤمن بأن الله فعال لما يريد. ولا يكون في ملكه شيء إلا بإرادته ولا يخرج شيء عن مشيئته، وليس شيء في العالم يخرج عن تقديره ولا يصدر إلا عن تدبيره، ولا محيد لأحد عن القدر المحدود، ولا يتجاوز ما خط له في اللوح المسطور، وأعتقد الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت. فأؤمن بفتنة القبر ونعيمه وبإعادة الأرواح إلى الأجساد، فيقوم الناس لرب العالمين حفاة عراة غرلا. تدنو منهم الشمس وتنصب الموازين وتوزن بها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ (٢). وتنشر الدواوين. فآخذ كتابه بيمينه وآخذ كتابه بشماله، فأؤمن بحوض نبينا محمد ﷺ بعرصة القيامة ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وأؤمن بأن الصراط منصوب على شفير جهنم يمر به الناس على قدر أعمالهم. وأؤمن بشفاعة النبي ﷺ وأنه أول شافع وأول مشفع ولا ينكر شفاعة النبي ﷺ إلا أهل البدع والضلال، ولكنها لا تكون إلا بعد الإذن والرضى، كما قال تعالى ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ (٣) وقال تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ (٤) وقال تعالى ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ (٥) وهو لا يرضى إلا التوحيد، ولا يأذن إلا لأهله، وأما المشركون فليس لهم من الشفاعة نصيب كما قال تعالى ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ (٦).

стр. 6928

وأؤمن بأن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما اليوم موجودتان، وأنهما لا يفنيان، وأن المؤمنين يرون ربهم بأبصارهم يوم القيامة كما يرون القمر ليلة البدر لا يضامون في رؤيته، وأؤمن بأن نبينا محمدا ﷺ خاتم النبيين والمرسلين، ولا يصح إيمان عبد حتى يؤمن برسالته ويشهد بنبوته، وأن أفضل أمته أبو بكر الصديق ثم عمر الفاروق، ثم عثمان ذو النورين، ثم علي المرتضى، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر، ثم أهل الشجرة أهل بيعة الرضوان، ثم سائر الصحابة ﵃، وأتولى أصحاب رسول الله ﷺ وأذكر محاسنهم وأترضى عنهم وأستغفر لهم وأكف عن مساويهم، وأسكت عما شجر بينهم وأعتقد فضلهم عملا بقوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (١). وأترضى عن أمهات المؤمنين المطهرات من كل سوء، وأقر بكرامات الأولياء وما لهم من المكاشفات. إلا أنهم لا يستحقون من حق الله تعالى شيئا، ولا يطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله. ولا أشهد لأحد من المسلمين بجنة ولا نار إلا من شهد له رسول الله ﷺ ولكني أرجو للمحسن وأخاف على المسيء، ولا أكفر أحدا من المسلمين بذنب ولا أخرجه من دائرة الإسلام، وأرى الجهاد ماضيا مع كل إمام برا كان أو فاجرا، وصلاة الجماعة خلفهم جائزة. والجهاد ماض منذ بعث الله محمدا ﷺ إلى أن يقاتل آخر هذه الأمة الدجال لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، وأرى وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله، ومن ولي الخلافة واجتمع عليه الناس ورضوا به وغلبهم بسيفه حتى صار خليفة وجبت طاعته وحرم الخروج

стр. 6929

عليه، وأرى هجر أهل البدع ومباينتهم حتى يتوبوا، وأحكم عليهم بالظاهر وأكل سرائرهم إلى الله، وأعتقد أن كل محدثة في الدين بدعة. وأعتقد أن الإيمان قول باللسان وعمل بالأركان واعتقاد بالجنان، يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وهو بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق،. وأرى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ما توجبه الشريعة المحمدية الطاهرة فهذه عقيدة وجيزة حررتها وأنا مشتغل البال لتطلعوا على ما عندي- والله على ما نقول وكيل. . . . انتهى. وبهذا يعلم أن عقيدته ﵀ هي عقيدة السلف الصالح، وأنه بريء مما نسبه إليه أعداء الدين في أنه على مذهب الخوارج.

стр. 6930

بدء دعوة الشيخ محمد ﵀: في وسط هذا الجو المظلم الذي سبق وصفه سطعت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ورفع صوته منكرا هذا الشرك داعيا الناس إلى التوحيد الذي بعث الله به رسوله محمدا ﷺ فلقي من الناس ما يلقاه أمثاله من الدعاة إلى الله من الأذى، وأطاعه من وفقه الله لقبول الحق. يقول حفيده الشيخ عبد الرحمن بن حسن ﵀: ثم رجع إلى نجد وهم على الحالة التي لا يحبها الله ولا يرضاها من الشرك بعبادة الأموات والأشجار والأحجار والجن. فقام فيهم يدعوهم إلى التوحيد وأن يخلصوا العبادة بجميع أنواعها لله، وأن يتركوا ما كانوا يعبدونه من قبر أو طاغوت أو شجر أو حجر والناس يتبعه الواحد منهم والاثنان فصاح به الأكثرون وحذروا منه الملوك وأغروهم بعداوته. انتهى (١).

стр. 6931

وهذا لا يعني أنه لا يوجد في هذا العصر علماء بل يوجد منهم الكثير ولكن هم ما بين مستحسن لهذا الوضع السيئ أو غير مستحسن له، لكنه لا يملك الشجاعة لمقاومته.

стр. 6932

أصول دعوة الشيخ ﵀ -: لقد أوضح أصول دعوته في رسائله حيث قال (١): ١ - أما ما نحن عليه من الدين فعلى دين الإسلام الذي قال الله فيه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢). ٢ - وأما ما دعونا الناس إليه فندعوهم إلى التوحيد الذي قال الله فيه خطابا لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤). ٣ - وأما ما نهينا الناس عنه فنهيناهم عن الشرك الذي قال الله فيه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٥) وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليط وإلا فهو منزه هو وإخوانه عن الشرك. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٧) وغير ذلك من الآيات. ٤ - ونقاتلهم عليه كما قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٨)

стр. 6933

أي شرك، ثم ساق الأدلة على ذلك إلى أن قال: ٥ - وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد فنحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل ﵏. ٦ - وما جئنا بشيء يخالف النقل ولا ينكره العقل. . . نقاتل عباد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ونقاتلهم على ترك الصلاة وعلى منع الزكاة كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁. انتهى. وقال في رسالة أخرى من رسائله (١): ٧ - وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك. ٨ - وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلا دون النفس والحرمة، فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢). وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه. وقال أيضا (٣). ٩ - وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير

стр. 6934

ذلك من فرائض الله ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع المنكرات.

стр. 6935

المراحل التي مرت بها دعوة الشيخ محمد ﵀: بدأ الشيخ دعوته في بلدة حريملاء لوجود والده فيها، ولكن لما كانت الظروف غير مواتية ترك هذه البلدة بحثا عن غيرها فاتجه إلى العيينة واتصل بأميرها عثمان بن معمر فساعده في أول الأمر واجتمع حوله طلبة وبدأ بتنفيذ الأحكام الشرعية فهدم بعض القباب الشركية ورجم في الزنا. ثم إن ابن المعمر تخلى عنه خوفا من تهديد بعض الرؤساء، فترك الشيخ العيينة وبحث عن غيرها فاتجه إلى الدرعية واتصل بأميرها محمد بن سعود وعرض عليه دعوته فقبلها وبايعه على مناصرته وصدق في ذلك. وهناك استقر الشيخ ﵀ وانعقدت حوله حلق الدروس ووفد إليه الطلاب من مختلف الجهات. وتكونت في هذه البلدة ولاية إسلامية أميرها الإمام محمد بن سعود وموجهها / الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وامتدت الدعوة إلى البلاد المجاورة ونشأ الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة التوحيد وقمع الشرك. وما هي إلا فترة وجيزة حتى انتشرت الدعوة وتوحدت جميع البلدان النجدية تحت رايتها. وامتدت فيما بعد ذلك إلى الحجاز وعسير وشمال الجزيرة، وكان ذلك بفضل الله وحده ثم مؤازرة آل سعود لهذه الدعوة المباركة، وصدق الله وعده ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٣)
следующие страницы →