وهذا لا يعني أنه لا يوجد في هذا العصر علماء بل يوجد منهم الكثير ولكن هم ما بين مستحسن لهذا الوضع السيئ أو غير مستحسن له، لكنه لا يملك الشجاعة لمقاومته.
стр. 6932
أصول دعوة الشيخ ﵀ -:
لقد أوضح أصول دعوته في رسائله حيث قال (١):
١ - أما ما نحن عليه من الدين فعلى دين الإسلام الذي قال الله فيه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٢).
٢ - وأما ما دعونا الناس إليه فندعوهم إلى التوحيد الذي قال الله فيه خطابا لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٣) وقوله تعالى ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ (٤).
٣ - وأما ما نهينا الناس عنه فنهيناهم عن الشرك الذي قال الله فيه ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (٥) وقوله تعالى لنبيه ﷺ على سبيل التغليط وإلا فهو منزه هو وإخوانه عن الشرك. ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٧) وغير ذلك من الآيات.
٤ - ونقاتلهم عليه كما قال الله تعالى ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ (٨)
стр. 6933
أي شرك، ثم ساق الأدلة على ذلك إلى أن قال:
٥ - وأما ما ذكرتم من حقيقة الاجتهاد فنحن مقلدون للكتاب والسنة وصالح سلف الأمة وما عليه الاعتماد من أقوال الأئمة الأربعة أبي حنيفة النعمان بن ثابت ومالك بن أنس ومحمد بن إدريس الشافعي وأحمد بن حنبل ﵏.
٦ - وما جئنا بشيء يخالف النقل ولا ينكره العقل. . . نقاتل عباد الأوثان كما قاتلهم ﷺ ونقاتلهم على ترك الصلاة وعلى منع الزكاة كما قاتل مانعها صديق هذه الأمة أبو بكر الصديق ﵁. انتهى.
وقال في رسالة أخرى من رسائله (١):
٧ - وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله فهذا الذي أكفره، وأكثر الأمة ولله الحمد ليسوا كذلك.
٨ - وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلا دون النفس والحرمة، فإنا نقاتل على سبيل المقابلة ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ (٢).
وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرفه. وقال أيضا (٣).
٩ - وأيضا ألزمت من تحت يدي بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وغير
стр. 6934
ذلك من فرائض الله ونهيتهم عن الربا وشرب المسكر وأنواع المنكرات.
стр. 6935
المراحل التي مرت بها دعوة الشيخ محمد ﵀:
بدأ الشيخ دعوته في بلدة حريملاء لوجود والده فيها، ولكن لما كانت الظروف غير مواتية ترك هذه البلدة بحثا عن غيرها فاتجه إلى العيينة واتصل بأميرها عثمان بن معمر فساعده في أول الأمر واجتمع حوله طلبة وبدأ بتنفيذ الأحكام الشرعية فهدم بعض القباب الشركية ورجم في الزنا.
ثم إن ابن المعمر تخلى عنه خوفا من تهديد بعض الرؤساء، فترك الشيخ العيينة وبحث عن غيرها فاتجه إلى الدرعية واتصل بأميرها محمد بن سعود وعرض عليه دعوته فقبلها وبايعه على مناصرته وصدق في ذلك.
وهناك استقر الشيخ ﵀ وانعقدت حوله حلق الدروس ووفد إليه الطلاب من مختلف الجهات. وتكونت في هذه البلدة ولاية إسلامية أميرها الإمام محمد بن سعود وموجهها / الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وامتدت الدعوة إلى البلاد المجاورة ونشأ الجهاد في سبيل الله لإعلاء كلمة التوحيد وقمع الشرك. وما هي إلا فترة وجيزة حتى انتشرت الدعوة وتوحدت جميع البلدان النجدية تحت رايتها. وامتدت فيما بعد ذلك إلى الحجاز وعسير وشمال الجزيرة، وكان ذلك بفضل الله وحده ثم مؤازرة آل سعود لهذه الدعوة المباركة، وصدق الله وعده ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١) ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ (٢) ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ (٣)
стр. 6936
المراجع التي يعتمد عليها الشيخ ﵀ وعلماء الدعوة من بعده والمنهج الذي يسيرون عليه في الفتوى وأخذ المسائل:
стр. 6937
المراجع التي يعتمد عليها علماء الدعوة هي:
١ - القرآن الكريم وتفاسيره المعتمدة.
٢ - السنة النبوية وشروحها.
٣ - كتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه وابن القيم وغيرها من كتب السلف في سائر الفنون.
٤ - كتب المذاهب الأربعة وبالأخص كتب المذهب الحنبلي وما ترجح بالدليل من غيره.
يقول الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (١):
مذهبنا في أصول الدين مذهب أهل السنة والجماعة وطريقتنا طريقة السلف وهي أنا نقر آيات الصفات وأحاديثها على ظاهرها.
ونحن أيضا في الفروع على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة.
ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق ولا أحد لدينا يدعيها. إلا أننا في بعض المسائل إذا صح لنا نص جلي من كتاب أو سنة غير منسوخ ولا مخصص ولا معارض بأقوى منه وقال به أحد الأئمة الأربعة أخذنا به وتركنا المذهب كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث وإن خالف مذهب الحنابلة.
ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض فلا مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة إلى اختيارات لهم في بعض المسائل مخالفين للمذهب الملتزمين تقليد صاحبه.
ثم إنا نستعين على فهم كتاب الله بالتفاسير المتداولة المعتبرة ومن
стр. 6938
أجلها لدينا تفسير ابن جرير ومختصره لابن كثير الشافعي وكذا البغوي والبيضاوي والخازن والحداد والجلالين وغيرهم.
وعلى فهم الحديث بشروح الأئمة المبرزين كالعسقلاني والقسطلاني على البخاري والنووي على مسلم والمناوي على الجامع الصغير، ونحرص على كتب الحديث. خصوصا الأمهات الست وشروحها ونعتني بسائر الكتب في سائر الفنون أصولا وفروعا وقواعد وسيرا ونحوا وصرفا وجميع علوم الأمة.
هذا وعندنا أن الإمام ابن القيم وشيخه إماما حق من أهل السنة وكتبهم عندنا من أعز الكتب إلا أنا غير مقلدين لهما في كل مسألة فإن كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا نبينا محمدا ﷺ ومعلوم مخالفتنا لهما في عدة مسائل منها طلاق الثلاث بلفظ واحد في مجلس فإنا نقول به تبعا للأئمة الأربعة.
стр. 6939
ثمرات دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وآثارها:
إن كل دعوة من الدعوات وكل عمل من الأعمال إنما تعرف قيمته من ثمراته المترتبة عليه ومن أثره الذي يتركه. وإن دعوة الشيخ -ولله الحمد- لما كانت دعوة خالصة لله مترسمة منهج رسول الله ﷺ معتمدة عليه ومستمدة من الكتاب والسنة صار لها أطيب الأثر واستمر نفعها وبقي أثرها وأنتجت للأمة خيرات كثيرة منها:
١ - قيام دولة إسلامية هي دولة آل سعود الذين آزروا هذه الدعوة وجاهدوا في سبيلها، ولا تزال هذه الدولة -ولله الحمد- تحكم بشريعة الله وتخدم الحرمين الشريفين وتشد أزر المسلمين في كل مكان من بقاع العالم
стр. 6940
بعمارة المساجد والمراكز الإسلامية والتعليمية وتنشر دعوة الإسلام.
٢ - تصحيح العقيدة الإسلامية مما علق بها من الشركيات والبدع والخرافات وإرجاعها إلى منبعها الصافي من كتاب الله وسنة رسوله، وقد طهر الله كل البلاد التي صار لهذه الدعوة المباركة فيها نفوذ وسلطة من جميع مظاهر الشرك والبدع والخرافات.
٣ - امتداد أثر هذه الدعوة المباركة خارج بلادها حتى انتفع بها من هدفه الحق في مختلف بلدان العالم الإسلامي في الشام ومصر والمغرب العربي، وإفريقيا والسودان واليمن والعراق والهند والباكستان وإندونيسيا وغيرها.
٤ - وجود حركة علمية واعية متحررة من التقليد الأعمى، فانتشر التعليم في المساجد في مختلف مناطق البلاد حتى تخرج منها علماء أفذاذ في حياة الشيخ وبعدها.
قاموا بنشر هذه الدعوة ورعايتها إلى يومنا هذا، ثم أسست لهذا التعليم جامعات إسلامية تخرج الأفواج تلو الأفواج من مختلف العالم الإسلامي مسلحين بالعقيدة الصحيحة والفكر السليم ينتشرون في العالم الإسلامي وغيره للدعوة إلى الله.
٥ - نشاط حركة التأليف والنشر، فقد قدم علماء هذه الدعوة للأمة الإسلامية رصيدا من الكتب النافعة في الأصول والفروع ومن ذلك:
١) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب إمام الدعوة ويتكون مجموعها من اثني عشر مجلدا في الفقه والعقائد والتفسير والحديث والسيرة.
٢) مجموع الفتاوى والرسائل لعلماء الدعوة ويتكون من أحد عشر مجلدا.
стр. 6941
٣) كتب ألفها أئمة الدعوة في مختلف العصور للرد على خصوم الدعوة وتبلغ العديد من المجلدات وهي مطبوعة ومتداولة.
٤) نشر كتب السلف وتوزيعها على المسلمين في موسم الحج وغيره.
٥) نشر كل مفيد من المؤلفات العصرية وتوزيعها مجانا.
стр. 6942
الشبه التي أثيرت حول دعوة الشيخ والرد عليها:
تعرضت دعوة الشيخ كغيرها من دعوات المصلحين للنقد من قبل خصومها وأثيرت حولها شبهات ربما تروج على من لم يعرف حقيقتها، وقد أثير كثير من هذه الشبهات في حياة الشيخ ورد عليها بنفسه، وأثير البعض الآخر - أو بالأصح- أعيدت إثارة تلك الشبه بعد وفاته، فرد عليها تلامذته وغيرهم من محققي علماء المسلمين الذين لا يروج عليهم البهرج والكذب ولا تأخذهم في الله لومة لائم. ومن هذه الشبه:
١ - قالوا: إنه يبطل كتب المذاهب الأربعة ويقول إن الناس من ستمائة سنة ليسوا على شيء.
٢ - وأنه يدعي الاجتهاد وأنه خارج عن التقليد وأنه يقول اختلاف العلماء نقمة.
٣ - قالوا: إنه يحرم زيارة قبر الرسول ﷺ وزيارة قبر الوالدين وغيرهما.
٤ - وأنه يكفر من حلف بغير الله.
وقد أجاب الشيخ عن هذه بقوله:
جوابي عن هذه المسائل أني أقول: سبحانك هذا بهتان عظيم وقبله من بهت النبي ﷺ أنه يسب عيسى ابن مريم ويسب الصالحين فتشابهت قلوبهم بافتراء الكذب وقول الزور قال تعالى
стр. 6943
﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) بهتوه ﷺ بأنه يقول إن الملائكة وعيسى وعزيرا في النار فأنزل الله في ذلك ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ (٢) انتهى (٣) انتهى.
٥ - قالوا: إنه ينهى عن الصلاة على النبي ﷺ وأنه يقول لو أن لي أمرا هدمت قبة النبي ﷺ وأنه يتكلم في الصالحين وينهى عن محبتهم.
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بقوله: هذا كذب وبهتان افتراه علي الشياطين الذين يريدون أن يأكلوا أموال الناس بالباطل (٤).
٦ - قالوا: إنه يكفر جميع الناس إلا من اتبعه وأن أنكحتهم غير صحيحة.
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بقوله: يا عجبا كيف يدخل هذا في عقل عاقل وهل يقول هذا مسلم، إني أبرأ إلى الله من هذا القول الذي ما يصدر إلا من مختل العقل فاقد الإدراك، فقاتل الله أهل الأغراض الباطلة (٥).
٧ - قالوا: إنه يكفر بالعموم ويوجب الهجرة إليه على من قدر إظهار دينه.
وقد أجاب الشيخ عن ذلك بقوله: كل هذا من الكذب والبهتان الذي يصدون به الناس عن دين الله ورسوله، وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على عبد القادر والصنم الذي على قبر أحمد البدوي وأمثالها
стр. 6944
لأجل جهلهم وعدم من ينبههم فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا أو لم يكفر ويقاتل يعني لم يكفر المسلمين ويقاتلهم ﴿سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (١) انظر الدرر (١/ ٦٦).
٨ - قالوا: إنه ينكر الشفاعة، فرد الشيخ على ذلك بقوله: ثم بعد هذا يذكر لنا أن عدوان الإسلام الذين ينفرون الناس عنه يزعمون أننا ننكر شفاعة الرسول ﷺ ، فنقول سبحانك هذا بهتان عظيم.
بل نشهد أن رسول الله ﷺ الشافع المشفع صاحب المقام المحمود نسأل الله الكريم رب العرش العظيم أن يشفعه فينا وأن يحشرنا تحت لوائه، هذا اعتقادنا وهذا الذي مشى عليه السلف الصالح من المهاجرين والأنصار والتابعين وتابع التابعين والأئمة الأربعة ﵃ أجمعين- وهم أحب الناس لنبيهم وأعظمهم في اتباعه وشرعه، فإن كانوا يأتون عند قبره يطلبونه الشفاعة فإن اجتماعهم حجة، والقائل: إنه يطلب منه الشفاعة بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ أو إجماع الأمة والحق أحق أن يتبع. . . . انتهى (٢).
٩ - وأما اتهام الشيخ أنه يكفر بالعموم ويقاتل المسلمين، فقد أجاب الشيخ عنه بقوله: وأما التكفير فأنا أكفر من عرف دين الرسول ثم بعد ما عرفه سبه ونهى عنه وعادى من فعله فهذا هو الذي أكفر، وأكثر الأمة -ولله الحمد- ليسوا كذلك، وأما القتال فلم نقاتل أحدا إلى اليوم إلا دون النفس والحرمة وهم الذين أتونا في ديارنا ولا أبقوا ممكنا، ولكن قد نقاتل بعضهم على سبيل المقابلة وجزاء سيئة سيئة مثلها، وكذلك من جاهر بسب دين الرسول بعدما عرف فإنا نبين لكم أن هذا هو الحق
стр. 6945
الذي لا ريب فيه وأن الواجب إشاعته في الناس وتعليمه الرجال والنساء (١) انتهى.
وقال أيضا لما بين بطلان الذي يفعله القبوريون، فهذا الذي أوجب الاختلاف بيننا وبين الناس حتى آل بهم الأمر إلى أن كفرونا وقاتلونا واستحلوا دماءنا وأموالنا حتى نصرنا الله عليهم وظفرنا بهم، وهو الذي ندعو الناس إليه ونقاتلهم عليه بعدما نقيم عليهم الحجة من كتاب الله وسنة رسوله وإجماع السلف الصالح من الأئمة ممتثلين لقوله : ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ (٢) فمن لم يجب الدعوة بالحجة والبيان قاتلناه بالسيف والسنان، كما قال تعالى ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) انتهى (٤).
وقال ابنه الشيخ عبد الله بن محمد، مجملا هذه الشبه مع الرد عليها:
وأما ما يكذب علينا سترا للحق وتلبيسا على الخلق بأنا نفسر القرآن برأينا ونأخذ من الحديث ما وافق فهمنا من دون مراجعة شرح ولا معول على شيخ، وأنا نضع من رتبة نبينا محمد ﷺ بقولنا: النبي رمة في قبره وعصا أحدنا أنفع منه، وليس له شفاعة، وأن زيارته غير مندوبة، وأنه كان لا يعرف معنى لا إله إلا الله حتى أنزل الله عليه ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٥).
مع كون الآية مدنية، وأنا لا نعتمد على أقوال العلماء ونتلف مؤلفات أهل
стр. 6946
المذاهب لكون فيها الحق والباطل، وأنا مجسمة، وأنا نكفر الناس على الإطلاق أهل زماننا ومن بعد الستمائة إلا من هو على ما نحن عليه، ومن فروع ذلك أنا لا نقبل بيعة أحد إلا بعد التقرير عليه بأنه كان مشركا وأن أبويه ماتا على الإشراك بالله وأنا ننهى عن الصلاة على النبي ﷺ ، ونحرم زيارة القبور المشروعة مطلقا.
وأن من دان بما نحن عليه سقطت عنه جميع التبعات حتى الديون، وأنا لا نرى حقا لأهل البيت -رضوان الله عليهم- وأنا نجبرهم على تزويج غير الكفء لهم، وأنا نجبر بعض الشيوخ على فراق زوجته الشابة لتنكح شابا إذا ترافعوا إلينا. . . . .
فلا وجه لذلك فجميع هذه الخرافات وأشباهها لما استفهمنا عنها من ذكر أولا (يعني علماء مكة) كان جوابنا في كل مسألة من ذلك سبحانك هذا بهتان عظيم.
فمن روى عنا شيئا من ذلك أو نسبه إلينا فقد كذب علينا وافترى، ومن شاهد حالنا وحضر مجالسنا وتحقق ما عندنا علم قطعا أن جميع ذلك افتراه علينا أعداء الدين وإخوان الشياطين تنفيرا للناس عن الإذعان بإخلاص التوحيد لله تعالى بالعبادة وترك أنواع الشرك الذي نص الله عليه بأن الله لا يغفره ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
فإنا نعتقد أن من فعل أنواعا من الكبائر كقتل المسلم بغير حق والزنا وشرب الخمر وتكرر منه ذلك أنه لا يخرج بفعله ذلك عن دائرة الإسلام ولا يخلد به في دار الانتقام إذا مات موحدا بجميع أنواع العبادة، والذي نعتقده أن رتبة نبينا محمد ﷺ أعلى مراتب المخلوقين على الإطلاق وأنه حي في قبره حياة برزخية أبلغ من حياة الشهداء المنصوص عليها في
стр. 6947
التنزيل، إذ هو أفضل منهم بلا ريب، وأنه يسمع سلام المسلم عليه وتسن زيارته إلا أنه لا يشد الرحل إلا لزيارة المسجد والصلاة فيه وإذا قصد مع ذلك الزيارة فلا بأس، ومن أنفق نفيس أوقاته بالاشتغال بالصلاة عليه، ﵊ الواردة عنه فقد فاز بسعادة الدارين وكفي همه وغمه كما جاء في الحديث عنه، ولا ننكر كرامات الأولياء ونعترف لهم بالحق وأنهم على هدى من ربهم مهما ساروا على الطريقة الشرعية والقوانين المرعية، إلا أنهم لا يستحقون شيئا من أنواع العبادات لا حال الحياة ولا بعد الممات، بل يطلب من أحدهم الدعاء في حال حياته بل ومن كل مسلم فقد جاء في الحديث: «دعاء المرء المسلم مستجاب لأخيه (١)» الحديث. وأمر ﷺ عمر وعليا بسؤال الاستغفار من أويس ففعلا.
ونثبت الشفاعة لنبينا محمد ﷺ يوم القيامة حسب ما ورد، وكذلك نثبتها لسائر الأنبياء، والملائكة، والأولياء والأطفال حسب ما ورد أيضا.
ونسألها من المالك لها والآذن فيها لمن يشاء من الموحدين الذين هم أسعد الناس بها كما ورد بأن يقول أحدنا متضرعا: اللهم شفع نبينا محمدا ﷺ فينا يوم القيامة، اللهم شفع فينا عبادك الصالحين أو ملائكتك، أو نحو ذلك مما يطلب من الله لا منهم، فلا يقال يا رسول الله أو يا ولي الله أسألك الشفاعة أو غيرها كأدركني أو أغثني أو اشفني أو انصرني على عدوي ونحو ذلك مما لا يقدر عليه إلا الله تعالى فإذا طلب ذلك مما ذكر في أيام البرزخ كان من أقسام الشرك، إذ لم يرد بذلك نص من كتاب أو سنة ولا أثر من السلف الصالح في ذلك، بل ورد الكتاب
стр. 6948
والسنة وإجماع السلف أن ذلك شرك أكبر قاتل عليه رسول الله ﷺ (١) انتهى.
هذا وقد انبرى كثير من العلماء بعد وفاة الشيخ ﵀ للإجابة عن هذه الشبهات وألفوا في ذلك مؤلفات ضخمة من أشهرها: (١) مصباح الظلام في الرد على من كذب على الشيخ الإمام ونسب إليه تكفير أهل الإسلام في مجلد. وهو للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن من آل الشيخ ﵏.
(٢) معارج القبول، للشيخ الحسيني بن مهدي النعمي من علماء اليمن في مجلد.
(٣) غاية الأماني في الرد على النبهاني للشيخ محمود شكري الآلوسي من علماء العراق وهو في مجلدين.
(٤) صيانة الإنسان عن وسوسة الشيخ دحلان للشيخ محمد بشير السهواني الهندي في مجلد.
وهكذا يقيض الله سبحانه للحق أنصارا في كل زمان تقوم بهم حجة الله على خلقه، فلله الحمد والمنة، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 6949
نشأة علم نقد الحديث
للدكتور محمد لقمان السلفي.
١ - الأسباب التي دعت إلى الاهتمام بنقد الحديث:
إن ظهور الإسناد في علم الحديث النبوي كان سببه الأساسي المشكلات التي أثيرت في المجتمعات الإسلامية من قبل بعض الذين دخلوا في الإسلام غير مخلصين، دخلوا فيه لأهداف ولكن بشاشته لم تخالط قلوبهم، بل كانوا يتحينون الفرص للانقضاض على هذا الدين.
وقد اختاروا لأهدافهم المشبوهة طريقة التظاهر بمحبة الرسول ﷺ وآل بيته الطاهرين، والكذب عليه -صلوات الله وسلامه عليه-. وقد وجدوا في شمال الجزيرة العربية أرضا خصبة لزرع الفتن وبث السموم وانتحال الكذب فقد قال الرسول ﷺ : «الفتنة من هاهنا: الفتنة من هاهنا، الفتنة من هاهنا، من حيث يطلع قرن الشيطان (١)».
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن ذكر أهل المدينة وأهل البصرة وأهل الشام وأحاديثهم: وأما أهل الكوفة فلم يكن الكذب في أهل بلد
стр. 6950
أكثر منه فيهم. ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم، معروفون بالكذب، لا سيما الشيعة فإنهم أكثر الطوائف كذبا باتفاق أهل العلم.
ولأجل هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق، لأنهم قد علموا أن فيهم كذابين ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب (١).
وكان الرافضة ينتحلون الكذب على أهل البيت. وبالأخص عبد الله بن سبأ الذي وضع لهم أن النبي ﷺ نص على علي بالخلافة، وأنه ظلم ومنع حقه. وقال: إنه كان معصوما. وغرض الزنادقة بذلك هدم الإسلام (٢).
وحدثت بدعة الخوارج المتعلقة بالإمامة والخلافة وتوابع ذلك من الأعمال والأحكام الشرعية. ثم كانت خلافة معاوية ﵁ ووجد في عصره ﵁ ما وجد من المشكلات والخلافات، فلما توفي معاوية ﵁ جاءت إمارة يزيد، وجرت فيها فتنة قتل الحسين بالعراق وفتنة أهل الحرة بالمدينة وحصر مكة عند قيام عبد الله بن الزبير. ثم مات يزيد وتفرقت الأمة: ابن الزبير بالحجاز، وبنو الحكم بالشام ووثب مختار بن أبي عبيد وغيره بالعراق وذلك في أواخر عصر الصحابة. وحدثت بدعة القدرية والمرجئة فردها بقايا الصحابة مع ما كانوا يردونه من بدعة الخوارج والروافض. وظهر ما قاله النبي ﷺ : «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل ولا يستشهد ويحلف ولا يستحلف (٣)»
стр. 6951
وحدثت ثلاثة أشياء: الميل إلى الرأي، والكلام، والتصوف. وحدث التجهم وهو نفي الصفات، وحدث بإزائه التمثيل.
وكذلك المبتدعة والمنحرفون كانوا يبحثون عن مستندات عن النصوص يعتمدون عليها في كسب أعوان لهم.
وكان جمهور أهل الرأي من الكوفة، إذ هو غالب على أهلها مع ما كان فيهم من التشيع الفاحش وكثرة الكذب في الرواية مع أن في خيار أهلها من العلم والصدق والسنة والفقه والعبادة أمرا عظيما. لكن الغرض أن فيها نشأ كثرة الكذب في الرواية (١) فقد روي عن عبيد الله بن عياض بن عمرو القاري أنه قال: جاء عبد الله بن شداد فدخل على عائشة ﵂ ونحن عندها جلوس، مرجعه من العراق ليالي قتل علي، فقالت له يا عبد الله بن شداد: هل أنت صادق عما أسألك عنه، تحدثني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي؟ قال: وما لي لا أصدقك؟ قالت فحدثني عن قصتهم إلى أن قالت: فما قول علي حين قام عليه، كما يزعم أهل العراق؟ قال سمعته يقول: صدق الله ورسوله. قالت: هل سمعت منه أنه قال غير ذلك؟ قال اللهم لا، قالت: أجل، صدق الله ورسوله، يرحم الله عليا إنه كان من كلامه لا يرى شيئا يعجبه إلا قال: صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق يكذبون عليه ويزيدون في الحديث (٢).
وقد روى ابن سعد عن سليمان بن الربيع أنه دخل هو ونفر من أصحابه من أهل البصرة على عبد الله بن عمرو بن العاص، فطلبوا منه أن يحدثهم عن رسول الله ﷺ ، فقال لهم: ممن أنتم؟ قالوا: من أهل
стр. 6952
العراق. قال: إن من أهل العراق قوما يكذبون ويكذبون ويسخرون (١) وقد قال عبد الرحمن بن مهدي لمالك: يا أبا عبد الله، سمعنا في بلدكم المدينة أربع مائة حديث في أربعين يوما ونحن في العراق في يوم واحد نسمع هذا كله. فقال له: يا عبد الرحمن ومن أين لنا دار الضرب التي عندكم (٢).
وعن النعمان بن راشد قال: سمعت الزهري يحدث بحديث زيد بن أنيسة فقلت: يا أبا بكر، من حدثك بهذا؟ قال: أنت حدثتنيه، ممن سمعته؟ فقلت رجل من أهل الكوفة قال: أفسدته، إن في حديث أهل الكوفة دغلا كثيرا (٣).
وقال الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك يقول: ما دخلت الشام إلا لأستغني عن حديث أهل الكوفة (٤).
وقال إسحاق بن إبراهيم الحنظلي: سمعت عبد الله بن إدريس الكوفي (٥) يقول: قلت لأهل الكوفة: يا أهل الكوفة، إنما حديثكم الذي تحدثونه في الرخصة في النبيذ، عن العميان والعوران والعمشان، أين أنتم عن أبناء المهاجرين والأنصار (٦).
ولم يكن الزنادقة أقل نصيبا في الكذب على الرسول ﷺ فعبد الكريم ابن أبي العوجاء (٧) وضع أحاديث كثيرة بأسانيد يغتر بها من لا معرفة له
стр. 6953
بالجرح والتعديل، وفي بعضها تغيير أحكام الشريعة وهو الذي أفسد على الرافضة صوم رمضان بالهلال. وردهم عن اعتبار الأهلة بحساب وضعه لهم ونسب ذلك الحساب إلى جعفر الصادق. ورفع خبر هذا الضال إلى جعفر محمد بن سليمان عامل المنصور على الكوفة فأمر بقتله فقال: لن يقتلوني، لقد وضعت أربعة آلاف حديث أحللت بها الحرام وحرمت بها الحلال وفطرت الرافضة في يوم من أيام صيامهم وصومتهم في يوم من أيام فطرهم (١).
واشتهرت كذلك المشبهة الحشوية في وضع الحديث (٢) وكذلك النظام المعتزلي طعن في أخبار الصحابة والتابعين من أجل فتاويهم بالاجتهاد وعاب أصحاب الحديث وروايتهم أحاديث أبي هريرة. وزعم أن أبا هريرة كان أكذب الناس. وطعن في الفاروق عمر ﵁، وزعم أنه شك يوم الحديبية في دينه، وما إلى ذلك من المخالفات التي حكاها عنه المؤرخون في أخبار الصحابة وفي أهل بيعة الرضوان (٣)
стр. 6954
٢ - صغار الصحابة يحتاطون في قبول الحديث:
ولذلك نجد أن صغار الصحابة الذين رأوا شيوع الكذب في الحديث النبوي أخذوا يحتاطون ويشددون في قبوله. فقد روى لنا مسلم في مقدمة صحيحه عن قيس بن سعد عن مجاهد قال: جاء بشير العدوي (١) إلى ابن عباس فجعل يحدث ويقول: قال رسول الله ﷺ . قال رسول الله ﷺ ،
стр. 6955
فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه فقال: يا ابن عباس: ما لي لا أراك تسمع لحديثي، أحدثك عن رسول الله ﷺ ولا تسمع؟ فقال ابن عباس: إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول: قال رسول الله ﷺ ، ابتدرت أبصارنا وأصغينا إليه بآذاننا، فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف (١).
وقال ابن أبي حاتم حدثنا شعبة عن سمان عن عكرمة سمع ابن عباس يقول إذا حدثنا ثقة عن علي فتيا لم نعده (٢).
وقد أخرج مسلم في مقدمة صحيحه أيضا عن محمد بن سيرين أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم (٣). وابن سيرين من كبار التابعين، وقد استعمل صيغة الجمع للماضي البعيد فلا يكون قصده إلا الصحابة الذين شاهدوا الفتن ورأوا شيوع الكذب.
ولذلك شاعت في زمنهم هذه القاعدة: إن هذه الأحاديث دين فانظروا عمن تأخذونها.
ومن الدليل على استفحال الأمر وشيوع الكذب على الرسول ﷺ والدعوة العامة إلى الاحتياط في قبول الحديث ما رواه لنا مسلم في مقدمة صحيحه أيضا عن ربعي بن حراش أنه سمع عليا ﵁ يخطب قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار (٤)».
стр. 6956
فإن ربعي هذا تابعي كبير من الكوفة والغالب على الظن أنه سمع عليا يخطب في الكوفة.
وقال مسلم: حدثنا علي بن ربيعة قال أتيت المسجد والمغيرة أمير الكوفة على المنبر، قال فقال المغيرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن كذبا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (١)».
وقد ذكرنا في بحث (البوادر الأولى لنقد الحديث) أن عددا من الصحابة تكلموا في الجرح والتعديل منهم: عبد الله بن عباس (٦٨ هـ) وأنس بن مالك (٩٢ هـ) وعائشة (٥٢ هـ) وعمران بن حصين (٥٢ هـ) وأبو هريرة (٥٩ هـ) وعبد الله بن عمرو بن العاص (٦٥ هـ) وعبد الله بن عمر (٧٣ هـ) وأبو سعيد الخدري (٧٤ هـ).
стр. 6957
٣ - نقد الحديث في دور التابعين:
ثم جاء دور كبار التابعين، وخلفوا هذا العلم من الصحابة، وسلكوا مسلكهم واختاروا سنة نبيهم وسنة أصحابه ورفعوا هذا الصرح بوضع لبنات أخرى؛ لئلا يجترئ كذاب أو منافق أو ملحد من إدخال المكذوبات في السنن النبوية الطاهرة الزكية، وخصوصا بعد أن وجدت فرق ضالة مضلة وآراء ملحدة في دين الله، ومنافقون ظاهرو النفاق يريدون أن يبثوا سمومهم ويجعلوا من هذا الأصل الإسلامي الثاني ظلاما حالكا لا يرى فيه الحق من الباطل.
قال السخاوي: (١) وتكلم في الرجال، كما قاله الذهبي، جماعة من
стр. 6958
الصحابة ثم من التابعين كالشعبي وابن سرين ولكنه في التابعين بقلة؛ لقلة الضعف في متبوعيهم؛ إذ أكثرهم صحابه عدول وغير الصحابة من المتبوعين أكثرهم ثقات. ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض في الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحد بعد الواحد كالحارث الأعور (٦٥ هـ) والمختار الكذاب (٦٧ هـ) - وقال أبو حاتم ابن حبان: ثم أخذ مسلكهم (مسلك الصحابة) واستن بسنتهم واهتدى بهديهم فيما استنوا من التيقظ في الروايات جماعة من أهل المدينة من سادات التابعين منهم: سعيد بن المسيب والقاسم بن محمد بن أبي بكر وسالم بن عبد الله بن عمر وعلي بن الحسين بن علي وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وعبيد الله بن عتبة وخارجة بن زيد بن ثابت وعروة بن الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وسليمان بن اليسار. فجدوا في حفظ السنن والرحلة فيها والتفتيش عنها والتفقه فيها (١).
وقال: ثم أخذ عنه العلم وتتبع الطرق وانتقاء الرجال، ورحل في جمع السنن جماعة بعدهم، منهم: الزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وهشام بن عروة وسعد بن إبراهيم في جماعة معهم من أهل المدينة إلا أن أكثرهم تيقظا وأوسعهم حفظا وأدومهم رحلة وأعلاهم همة الزهري - رحمة الله عليه (٢).
ومن المعلوم بالضرورة لكل مطلع على حركة سير الحديث النبوي نحو
стр. 6959
الجمع والتدوين والتمييز والتنقيح، أنه لم يكن في ذلك العصر خط فاصل بين الجمع والتدوين والنقد والتمييز، فكل من كان إماما في الحديث كان مهتما بالنقد وأصوله ومعرفة أحوال الرواة والانتباه للأسباب والعلل التي كانت تتسبب للوهن في الحديث أو الضعف في الراوي ومروياته.
стр. 6960
٤ - النقد في عصر أتباع التابعين:
ومن هذه الطبقة أخذ كبار التابعين وصغارهم، فمن الكبار بالمدينة مالك بن أنس (٩٣ - ١٧٩ هـ) وبمكة: سفيان بن عيينة (١٠٧/ ١٩٨ هـ) وبالكوفة: الثوري (٩٧ - ١٦١ هـ) وبالبصرة: شعبة (٨٢ - ١٦٠ هـ) وحماد بن زيد (٩٨ - ١٧٩ هـ) وبالشام: الأوزاعي (٨٨ - ١٥٨ هـ) ومن الصغار بالكوفة: وكيع بن الجراح (١٢٧ - ١٩٧ هـ) وابن نمير (١١٥ - ١٩٩هـ) وبالبصرة: يحيى بن سعيد القطان (١٢٥ - ١٩٨هـ) وعبد الرحمن بن مهدي (١٢٥ - ١٩٨ هـ) وبالشام: أبو إسحاق الفزاري (- ١٨٥هـ) وأبو مسمهر (١٤٠ - ٢١٨ هـ) وبخراسان: عبد الله بن المبارك (١١٨ - ١٨١ هـ).
ذكر ابن حبان البستي جهود التابعين في حفظ الحديث وتنقيته ثم قال: ثم أخذ هؤلاء مسلك الحديث وانتقاء الرجال وحفظ السنن والقدح في الضعفاء جماعة من أئمة المسلمين والفقهاء في الدين.
ثم ذكر الثوري ومالك بن أنس وشعبة والأوزاعي وحماد بن سلمة والليث وحماد بن زيد وسفيان بن عيينة وقال: إلا أن من أشدهم انتقاء للسنن وأكثرهم مواظبة عليها حتى جعلوا ذلك صناعة لهم لا يولونها بشيء آخر ثلاثة أنفس: مالك والثوري وشعبة (١).
стр. 6961
وقال: ثم أخذ عن هؤلاء بعدهم الرسم في الحديث والتنقير عن الرجال والتفتيش عن الضعفاء والبحث عن أسباب النقل جماعة. ثم ذكر ابن المبارك ووكيع بن الجراح وعبد الرحمن بن مهدي ومحمد بن إدريس الشافعي وقال: إلا أن من أكثرهم تنقيرا عن شأن المحدثين وأتركهم للضعفاء والمتروكين- حتى جعلوا هذا الشأن صناعة لهم لم يتعدوها إلى غيرها مع لزوم الدين والورع الشديد والتفقه في السنن - رجلان يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي (١).
فمن جرحاه لا يكاد يندمل جرحه، ومن وثقاه فهو المقبول ومن اختلفا فيه، وذلك قليل، اجتهد في أمره (٢).
стр. 6962
٥ - نبذ عن الأئمة النقاد في عصر التابعين:
ومن المناسب ذكر نبذة عن كل من الذين مرت أسماؤهم حتى يتبين مدى دورهم ومكانتهم في نقد الحديث.
أ- أما مالك: فقد كان إماما في الحديث وقد جرح وعدل.
وقال أحمد بن حنبل: مالك أثبت في كل شيء. وقال يحيى بن سعيد القطان: سألت مالك بن أنس عن إبراهيم بن أبي يحيى كان ثقة؟ قال: لا، ولا ثقة في دينه (١) - وقال عبد الرحمن بن قاسم: سألت مالكا عن ابن سمعان فقال كذاب (٢) - وقال ابن وهب: وذكر اختلاف الأحاديث والروايات فقال: لولا أني لقيت مالكا والليث لضللت (٣).
وقد وضع ﵀ منهاجا دقيقا لتعديل الرواة وجرحهم. فقد ذكر
стр. 6963
الرامهرمزي بسنده إليه يقول: لا يؤخذ العلم عن أربعة ويؤخذ ممن سوى ذلك
١ - لا يؤخذ من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه.
٢ - ولا من سفيه معلن بالسفه يكذب على رسول الله ﷺ .
٣ - ولا من رجل يكذب في أحاديث الناس وإن كنت لا تتهمه أن يكذب على رسول الله ﷺ .
٤ - ولا من رجل له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث (١).
وقد روى الخطيب بسنده قال: كان مالك بن أنس يقول: لا تأخذ العلم عن أربعة، وخذ ممن سوى ذلك:
١ - لا تأخذ العلم من سفيه معلن بالسفه وإن كان أروى الناس.
٢ - ولا تأخذ من كذاب يكذب في أحاديث الناس إذا جرب ذلك عليه وإن كان لا يتهم أن يكذب على رسول الله ﷺ .
٣ - ولا من صاحب هوى يدعو الناس إلى هواه.
٤ - ولا من شيخ له فضل وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث.
ب- أما سفيان بن عيينة: فقد قال عبد الرحمن بن مهدي: كان سفيان بن عيينة من أعلم الناس بحديث الحجاز. وقال الشافعي: مالك وسفيان قرينان، وقال ابن حنبل: ما رأيت أحدا كان أعلم بالسنن من سفيان بن عيينة (٢).
ج- وأما سفيان الثوري: فقد قال المبارك: لا أعلم على وجه الأرض أعلم من سفيان الثوري (٣).
стр. 6964
وقال شعبة: إذا خالفني سفيان في حديث فالحديث حديثه. وقال ابن عيينة: الرجال ثلاثة: ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه والثوري في زمانه (١). وقال محمد بن يحيى عن محمد بن يوسف قال: كان سفيان الثوري يقول: فلان ضعيف وفلان قوي وفلان لا تأخذوا عنه (٢).
د- وأما شعبة: فقد أجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته وتحريه وإتقانه واحتياطه. قال أحمد بن حنبل: كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعني علم الحديث وأحوال الرواة (٣).
وقال ابن مهدي: شعبة إمام في الحديث (٤) وكان سفيان يقول: شعبة أمير المؤمنين في الحديث (٥) وقال يحيى بن سعيد: كان شعبة أعلم الناس بالرجال. وقال عبد الرحمن: سمعت أبي يقول: إذا رأيت شعبة يحدث عن رجل فاعلم أنه ثقة إلا نفرا بأعيانهم. قيل لأبي: ألم يكن للثوري بصر بالحديث كبصر شعبة؟ قال: كان الثوري قد غلب عليه شهوة الحديث وحفظه، وكان شعبة أبصر بالحديث وبالرجال. وكان الثوري أحفظ وكان شعبة بصيرا بالحديث جدا فهما كأنه خلق لهذا الشأن (٦). وقال المنهال بن بحر: سمعت شعبة يقول: انظروا عمن تكتبون، اكتبوا عن قرة بن خالد وسليمان بن المغيرة (٧).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قيل لشعبة: متى يترك حديث الرجال؟ قال:
стр. 6965
١ - إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعروفون فأكثر.
٢ - وإذا أكثر الغلط.
٣ - وإذا اتهم بالكذب.
٤ - وإذا روى حديث غلط مجتمع عليه، فلم يتهم نفسه، طرح حديثه وما كان غيره ذلك فارو عنه (١).
هـ- وأما يحيى بن سعيد القطان: فقد اتفقوا على إمامته وجلالته ووفور حفظه وعلمه وصلاحه. قال أحمد بن حنبل: ما رأيت مثل يحيى بن القطان في كل أحواله.
وقال أيضا: يحيى القطان إليه المنتهى في التثبت بالبصرة وهو أثبت من وكيع وابن مهدي وأبي نعيم ويزيد بن هارون (٢).
وقال عبد الرحمن بن مهدي: هو الذي مهد لأهل العراق رسم الحديث وأمعن في البحث عن الثقات وترك الضعفاء.
وقال أبو الوليد: ما رأيت أحدا كان أعلم بالحديث ولا بالرجال من يحيى بن سعيد (٣).
وقال أبو بكر بن خلاد: قلت ليحيى بن سعيد القطان: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله ؟ قال لأن يكون هؤلاء خصمائي أحب إلي من أن يكون النبي ﷺ خصمي، يقول لي: لم لم تذب الكذب عن حديثي (٤).
стр. 6966
ووأما عبد الرحمن بن مهدي: فهو إمام أهل الحديث في عصره والمعول عليه في علوم الحديث ومعارفه. قال ابن المديني غير مرة: والله لو أخذت وحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدى.
وقال ابن معين: ما رأيت رجلا أثبت في الحديث من ابن مهدي.
وقال ابن حنبل: كأن ابن مهدي خلق للحديث، وقال ابن المديني: جاء رجل إلى ابن مهدي فقال: يا أبا سعيد إنك تقول: هذا ضعيف، وهذا قوي، وهذا لا يصح فعم تقول ذلك؟ فقال ابن مهدي: لو أتيت الناقد فأريته دراهم ففال هذا جيد، وهذا جيد، وهذا ستوق، وهذا بهرج، أكنت تسأله عم ذلك. أم تسلم الأمر إليه فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه فقال ابن مهدي: هذا كذاك، هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به (١).
وقال ابن مهدي: المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن. وهذا لا يختلف فيه، وآخر يوهم والغالب على حديثه الصحة وهذا لا يترك حديثه والآخر يوهم والغالب على حديثه الوهم فهذا متروك الحديث (٢)
стр. 6967
٦ - ظهور التقعيدات العامة للنقد:
وقد أصبحت هذه الأقوال وأخرى أمثالها للأئمة الآخرين من هذه الطبقة بمثابة الشروط والتقعيدات العامة للجرح والتعديل. ومن هذه الأقوال قول سفيان الثوري: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان ولا بأس ما سوى ذلك من المشايخ (١).
стр. 6968
وقال عبد الله بن عون: لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفا بالطلب (١).
وقال الشافعي: ويكون المحدث عالما بالسنة، ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عدلا في ما يحدث، عالما بما يحمل من معاني الحديث بعيدا عن الغلط، أو يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه لا يحدث على المعنى.
ويكون حافظا إن حدث من حفظه حافظا لكتابه إن حدث من كتابه: يؤمن أن يكون مدلسا، يحدث عمن لقي بما لم يسمع أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه عنه ﷺ ويكون هكذا في حديثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ .
وقال أيضا: لا تقبل من مدلس حديثا حتى يقول: سمعت أو حدثني ومن كثر تخليطه من المحدثين (٢).
وقال عبد الله بن المبارك: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد (٣).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت هذا في حديث شهاب بن خراش. فقال ثقة، عمن قال: قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة. عمن قال: قلت قال عن رسول الله ﷺ قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (٤).
стр. 6969
وقال علي بن إبراهيم المروزي: سئل ابن المبارك عن العدل فقال:
من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة ولا يشرب هذا الشراب (النبيذ) ولا تكون في دينه خربة (وفي نسخة خزية) ولا يكذب ولا يكون في عقله شيء (١).
فأنت ترى هذه الأقوال تشمل جل القواعد الأساسية لجرح الرجال أو تعديلهم.
وهناك أقوال أخرى للأئمة الآخرين الذين يعدون من الطبقة التي بعدها ولذلك لم نذكرها التزاما بذكر رجال الطبقة التي تلت بعد التابعين، وإلا فالحقيقة أنه لا يمكن وضع حد فاصل زمني بين صدور هذه الأقوال وظهور هذه الأسس من رجال هذه الطبقة والتي تليها.
وفي الجملة: هذه الشروط وأمثالها الأخرى هي التي أصبحت نبراسا لمن جاءوا بعدهم من المحدثين وأصبحت بمثابة الأصول والقواعد لهم. ثم ظهرت فروع وتفاصيل.
ولهذا تبين لنا الأسباب التاريخية لنشأة علم نقد الحديث والدواعي الدينية لتصدي الأئمة للكلام على الرجال بالجرح أو التعديل والبحث في إسناد الحديث والقيام بالرحلات المضنية في طلب الحديث وسماعه من الراوي الأصل والتثبت منه ثم عرضه على رواية غيره من أهل الحفظ والإتقان لقبوله إذا كان موافقا، أو رفضه إذا كان الأغلب على حديثه المخالفة.
والله ولي التوفيق
стр. 6970
أقوال العلماء
في حكم من تاب من الكسب الحرام
كالربا وأنواع المكاسب
المحرمة الأخرى
أعده الباحث بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
عبد الله بن حمد بن عبد الله بن العبودي
ماذا يفعل من تاب من الكسب الحرام كالربا
وأنوع المكاسب المحرمة الأخرى
المقدمة
الحمد لله الذي أحل لعباده ما يتبادلون به المنافع بينهم، وحرم عليهم ما يضر بهم من مكاسب شفقة بهم وحرصا على مصلحتهم، وفتح لهم أبواب التوبة وغفر لتائبهم، وجعل للكسب الحلال طرقا كثيرة عن الحرام تغنيهم والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي حث أمته على الكسب الحلال وحذرهم من الكسب الحرام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.