ووأما عبد الرحمن بن مهدي: فهو إمام أهل الحديث في عصره والمعول عليه في علوم الحديث ومعارفه. قال ابن المديني غير مرة: والله لو أخذت وحلفت بين الركن والمقام لحلفت بالله أني لم أر قط أعلم بالحديث من عبد الرحمن بن مهدى.
وقال ابن معين: ما رأيت رجلا أثبت في الحديث من ابن مهدي.
وقال ابن حنبل: كأن ابن مهدي خلق للحديث، وقال ابن المديني: جاء رجل إلى ابن مهدي فقال: يا أبا سعيد إنك تقول: هذا ضعيف، وهذا قوي، وهذا لا يصح فعم تقول ذلك؟ فقال ابن مهدي: لو أتيت الناقد فأريته دراهم ففال هذا جيد، وهذا جيد، وهذا ستوق، وهذا بهرج، أكنت تسأله عم ذلك. أم تسلم الأمر إليه فقال: بل كنت أسلم الأمر إليه فقال ابن مهدي: هذا كذاك، هذا بطول المجالسة والمناظرة والمذاكرة والعلم به (١).
وقال ابن مهدي: المحدثون ثلاثة: رجل حافظ متقن. وهذا لا يختلف فيه، وآخر يوهم والغالب على حديثه الصحة وهذا لا يترك حديثه والآخر يوهم والغالب على حديثه الوهم فهذا متروك الحديث (٢)
стр. 6967
٦ - ظهور التقعيدات العامة للنقد:
وقد أصبحت هذه الأقوال وأخرى أمثالها للأئمة الآخرين من هذه الطبقة بمثابة الشروط والتقعيدات العامة للجرح والتعديل. ومن هذه الأقوال قول سفيان الثوري: لا تأخذوا هذا العلم في الحلال والحرام إلا من الرؤساء المشهورين بالعلم الذين يعرفون الزيادة والنقصان ولا بأس ما سوى ذلك من المشايخ (١).
стр. 6968
وقال عبد الله بن عون: لا نكتب الحديث إلا ممن كان عندنا معروفا بالطلب (١).
وقال الشافعي: ويكون المحدث عالما بالسنة، ثقة في دينه، معروفا بالصدق في حديثه، عدلا في ما يحدث، عالما بما يحمل من معاني الحديث بعيدا عن الغلط، أو يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمعه لا يحدث على المعنى.
ويكون حافظا إن حدث من حفظه حافظا لكتابه إن حدث من كتابه: يؤمن أن يكون مدلسا، يحدث عمن لقي بما لم يسمع أو يحدث عن النبي ﷺ بما يحدث الثقات بخلافه عنه ﷺ ويكون هكذا في حديثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي ﷺ .
وقال أيضا: لا تقبل من مدلس حديثا حتى يقول: سمعت أو حدثني ومن كثر تخليطه من المحدثين (٢).
وقال عبد الله بن المبارك: بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد (٣).
وقال أبو إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني: قلت لعبد الله بن المبارك يا أبا عبد الرحمن الحديث الذي جاء: إن من البر بعد البر أن تصلي لأبويك مع صلاتك وتصوم لهما مع صومك قال: فقال عبد الله: يا أبا إسحاق عمن هذا؟ قال: قلت هذا في حديث شهاب بن خراش. فقال ثقة، عمن قال: قلت عن الحجاج بن دينار قال ثقة. عمن قال: قلت قال عن رسول الله ﷺ قال: يا أبا إسحاق إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي ﷺ مفاوز تنقطع فيها أعناق المطي (٤).
стр. 6969
وقال علي بن إبراهيم المروزي: سئل ابن المبارك عن العدل فقال:
من كان فيه خمس خصال: يشهد الجماعة ولا يشرب هذا الشراب (النبيذ) ولا تكون في دينه خربة (وفي نسخة خزية) ولا يكذب ولا يكون في عقله شيء (١).
فأنت ترى هذه الأقوال تشمل جل القواعد الأساسية لجرح الرجال أو تعديلهم.
وهناك أقوال أخرى للأئمة الآخرين الذين يعدون من الطبقة التي بعدها ولذلك لم نذكرها التزاما بذكر رجال الطبقة التي تلت بعد التابعين، وإلا فالحقيقة أنه لا يمكن وضع حد فاصل زمني بين صدور هذه الأقوال وظهور هذه الأسس من رجال هذه الطبقة والتي تليها.
وفي الجملة: هذه الشروط وأمثالها الأخرى هي التي أصبحت نبراسا لمن جاءوا بعدهم من المحدثين وأصبحت بمثابة الأصول والقواعد لهم. ثم ظهرت فروع وتفاصيل.
ولهذا تبين لنا الأسباب التاريخية لنشأة علم نقد الحديث والدواعي الدينية لتصدي الأئمة للكلام على الرجال بالجرح أو التعديل والبحث في إسناد الحديث والقيام بالرحلات المضنية في طلب الحديث وسماعه من الراوي الأصل والتثبت منه ثم عرضه على رواية غيره من أهل الحفظ والإتقان لقبوله إذا كان موافقا، أو رفضه إذا كان الأغلب على حديثه المخالفة.
والله ولي التوفيق
стр. 6970
أقوال العلماء
في حكم من تاب من الكسب الحرام
كالربا وأنواع المكاسب
المحرمة الأخرى
أعده الباحث بالأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
عبد الله بن حمد بن عبد الله بن العبودي
ماذا يفعل من تاب من الكسب الحرام كالربا
وأنوع المكاسب المحرمة الأخرى
المقدمة
الحمد لله الذي أحل لعباده ما يتبادلون به المنافع بينهم، وحرم عليهم ما يضر بهم من مكاسب شفقة بهم وحرصا على مصلحتهم، وفتح لهم أبواب التوبة وغفر لتائبهم، وجعل للكسب الحلال طرقا كثيرة عن الحرام تغنيهم والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد الذي حث أمته على الكسب الحلال وحذرهم من الكسب الحرام صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
стр. 6971
أما بعد فقد قال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «إن الحلال بين، وإن الحرام بين، وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه (١)».
وإن من أعظم ما يضر بالفرد والجماعات ويفسد أخلاقهم المكاسب المحرمة كالربا ونحوه، فخطورتها عظيمة، وضررها جسيم. ولذا حرم الربا أشد تحريم وجعله من الكبائر ومن السبع الموبقات. وجعل آكله والمعين عليه أخذا وإعطاءا في الإثم والعقوبة سواء، وكذا حرم ما هو شبيه به من المكاسب كحلوان الكاهن وأجرة الزانية والمغني والنائحة ونحو ذلك، ومن المعلوم أن استباحة الأموال بمثل هذه المكاسب المحرمة من أعظم الذنوب والخطايا. وقد أمر الله عباده بالتوبة من الذنوب والمعاصي والإقلاع عنها والرجوع إليه سبحانه في أسرع وقت ممكن قبل فوات الأوان فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢) ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ (٣).
وبما أن الربا من أعظم الذنوب وأكبرها بعد الشرك بالله ومن السبع الموبقات فتجب المبادرة بالتوبة إلى الله منه على من كان يتعاطاه ويتعامل به، كما تجب المبادرة بالتوبة إلى الله على كل من كان يتعاطى أمثاله من
стр. 6972
المكاسب التي حرمها الله ورسوله كأجرة الغناء والموسيقى وبيع المحرمات. فإذا من الله على من كان يتعاطى أمثال ما ذكر من هذه المكاسب المحرمة ووفقه للتوبة وأراد أن يتخلص مما في يده من الأموال المحرمة التي تحصل عليها فماذا يفعل؟ هذا ما أريد الكتابة عنه بعون الله تعالى وتوفيقه.
وستكون الكتابة على النحو التالي:
أ- فيما يتعلق بالربا.
ب- أنواع المكاسب المحرمة الأخرى ويدخل فيها الربا.
جـ- حكم المال المغلول.
د- مقتطفات من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في كيفية التخلص من الأموال المحرمة.
أرجو من الله العلي القدير أن يوفقنا إلى ما فيه الخير والصلاح، وأن يكفينا بحلاله عن حرامه ويرزقنا التوبة النصوح إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 6973
أ- الربا
أما بالنسبة للربا فقد تكلم المفسرون رحمهم الله تعالى على ذلك عند قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢).
وسأختار ما تيسر من أقوالهم؛ قال ابن جرير رحمه الله تعالى في تفسيره
стр. 6974
لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (١)
يعني جل ثناؤه بذلك إن تبتم فتركتم أكل الربا وأنبتم إلى الله فلكم رؤوس أموالكم من الديون التي لكم على الناس دون الزيادة التي أحدثتموها على ذلك ربا منكم كما حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) المال الذي لهم على ظهور الرجال جعل لهم رؤوس أموالهم حين نزلت هذه الآية، فأما الربح والفضل فليس لهم ولا ينبغي لهم أن يأخذوا منه شيئا، حدثني المثنى قال حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا هشيم عن جويبر عن الضحاك قال وضع الله الربا وجعل لهم رؤوس أموالهم. حدثني يعقوب قال حدثنا ابن علية عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣) قال ما كان لهم من دين فجعل لهم أن يأخذوا رؤوس أموالهم ولا يزاد عليه شيئا، حدثني موسى بن هرون قال حدثنا عمرو قال حدثنا أسباط عن السدي ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤) الذي أسلفتم وسقط الربا، حدثنا بشر قال حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد عن قتادة ذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال في خطبته يوم الفتح: «ألا إن ربا الجاهلية موضوع كله وأول ربا أبتدئ به ربا العباس بن عبد المطلب (٥)» حدثنا المثنى قال حدثنا إسحاق قال حدثنا ابن أبي جعفر عن أبيه عن الربيع أن رسول الله ﷺ قال في خطبته: «إن كل ربا موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس (٦)».
القول في تأول قوله تعالى ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٧).
يعني بقوله لا تظلمون بأخذكم رؤوس أموالكم التي كانت لكم قبل الإرباء على غرمائكم منهم دون أرباحهم التي زدتموها ربا على من أخذتم ذلك منه من غرمائكم فتأخذوا منهم ما ليس لكم أخذه أو لم يكن لكم
стр. 6975
قبل (ولا تظلمون) يقول ولا الغريم الذي يعطيكم ذلك دون الربا الذي كنتم ألزمتموه من أجل الزيادة في الأجل يبخسكم حقا لكم عليه فيمنعكموه؛ لأن ما زاد على رؤوس أموالكم لم يكن حقا لكم عليه فيكون بمنعه إياكم ذلك ظالما لكم. وبنحو الذي قلنا في ذلك كان ابن عباس يقول وغيره من أهل التأويل. ذكر من قال ذلك: حدثني المثني قال حدثنا أبو صالح قال حدثني معاوية عن علي عن ابن عباس ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ (١) فتربون ولا تظلمون فتنقصون، وحدثني يوسف قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله ﴿فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) قال لا تنقصون من أموالكم ولا تأخذون باطلا لا يحل لكم (٣).
وقال القرطبي: رحمه الله تعالى (الرابعة والثلاثون) قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٤) روى أبو داود عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع لكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (٥)».
وذكر الحديث فردهم تعالى مع التوبة إلى رؤوس أموالهم وقال لهم لا تظلمون في أخذ الربا ولا تظلمون في أن يتمسك بشيء من رؤوس أموالكم فتذهب أموالكم ويحتمل أن يكون لا تظلمون في مطل؛ لأن مطل الغني ظلم. فالمعنى أن يكون القضاء مع وضع الربا، وهكذا سنة الصلح، وهذا أشبه شيء بالصلح. ألا ترى «أن النبي ﷺ لما أشار إلى كعب بن مالك في دين أبي حدرد بوضع الشطر فقال: كعب
стр. 6976
نعم فقال رسول الله ﷺ للآخر قم فاقضه (١)»، فتلقى العلماء أمره بالقضاء سنة في المصالحات. إلى أن قال رحمه الله تعالى:
(الخامسة والثلاثون) قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) تأكيد لإبطال ما لم يقبض منه وأخذ رأس المال الذي لا ربا فيه، فاستدل بعض العلماء بذلك على أن كل ما طرأ على البيع قبل القبض مما يوجب تحريم العقد أبطل العقد، كما إذا اشترى مسلم صيدا ثم أحرم المشتري أو البائع قبل القبض بطل البيع؛ لأنه طرأ عليه قبل القبض ما أوجب تحريم العقد، كما أبطل الله تعالى من الربا ما لم يقبض؛ لأنه طرأ عليه ما أوجب تحريمه قبل القبض، ولو كان مقبوضا لم يؤثر، هذا مذهب أبي حنيفة وهو قول لأصحاب الشافعي. ويستدل به على أن هلاك المبيع قبل القبض في يد البائع وسقوط القبض فيه يوجب بطلان العقد خلافا لبعض السلف، ويروى هذا الخلاف عن أحمد. وهذا إنما يتمشى على قول من يقول: إن العقد في الربا كان في الأصل منعقدا وإنما بطل بالإسلام الطارئ قبل القبض. وأما من يمنع انعقاد الربا في الأصل لم يكن هذا الكلام صحيحا، وذلك أن الربا كان محرما في الأديان والذي فعلوه في الجاهلية كان عادة المشركين، وأن ما قبضوه منه كان بمثابة أهوال وصلت إليهم بالهبة فلا يتعرض له، فعلى هذا لا يصح الاستشهاد على ما ذكروه من المسائل، واشتمال شرائع الأنبياء قبلنا على تحريم الربا مشهور مذكور في كتاب الله تعالى كما حكى عن اليهود في قوله تعالى ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (٣) وذكر في قصة شعيب أن قومه أنكروا عليه وقالوا ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٤)
فعلى هذا لا يستقيم الاستدلال به، نعم يفهم من هذا العقود الواقعة في دار الحرب إذا ظهر عليها الإمام لا يعترض عليها بالفسخ إذا كانت معقودة على فساد.
стр. 6977
ثم بين رحمه الله تعالى حكم المال الحلال إذا خالطه حرام فقال:
السادسة والثلاثون: ذهب بعض الغلاة من أرباب الورع إلى أن المال الحلال إذا خالطه حرام حتى لم يتميز ثم أخرج منه مقدار الحرام المختلط به لم يحل ولم يطب؛ لأنه يمكن أن يكون الذي أخرج هو الحلال والذي بقي هو الحرام. قال ابن العربي: وهذا غلو في الدين فإن كل ما لم يتميز فالمقصود منه ماليته لا عينه، ولو تلف لقام المثل مقامه والاختلاط إتلاف لتمييزه، كما أن الإهلاك إتلاف لعينه، والمثل قائم مقام الذاهب، وهذا بين حسا بين معنى والله أعلم.
ثم بين رحمه الله تعالى رأيه فيمن يريد التخلص مما بيده من الأموال الربوية فقال:
قلت: قال علماؤنا إن سبيل التوبة مما بيده من الأموال الحرام إن كانت من ربا فليردها على من أربى عليه، ويطلبه إن لم يكن حاضرا، فإن التبس من وجوده فليتصدق بذلك عنه، وإن أخذه بظلم فليفعل كذلك في أمر من ظلمه، فإن التبس عليه الأمر ولم يدركم الحرام من الحلال مما بيده فإنه يتحرى قدر ما بيده مما يجب عليه رده. حتى لا يشك أن ما يبقى قد خلص له فيرده من ذلك الذي أزال عن يده إلى من عرف ممن ظلمه أو أربى عليه، فإن أيس من وجوده تصدق به عنه. فإن أحاطت المظالم بذمته وعلم أنه وجب عليه من ذلك ما لا يطيق أداءه أبدا لكثرته فتوبته أن يزيل ما بيده أجمع إما إلى المساكين أو إلى ما فيه صلاح المسلمين حتى لا يبقى في يده إلا أقل ما يجزئه في الصلاة من اللباس وهو ما يستر العورة وهو من سرته إلى ركبته وقوت يوم؛ لأنه الذي يجب له أن يأخذه من مال غيره إذا اضطر إليه وإن كره ذلك من يأخذه منه، وفارق هاهنا المفلس في قول أكثر العلماء؛ لأن المفلس لم يصر إليه أموال الناس باعتداء بل هم الذين صيروها إليه، فيترك له ما يواريه وما هو هيئة
стр. 6978
لباسه، وأبو عبيد وغيره يرى ألا يترك للمفلس من اللباس إلا أقل ما يجزئه في الصلاة وهو ما يواريه من سرته إلى ركبته، ثم كل ما وقع بيد هذا شيء أخرجه عن يده، ولم يمسك منه إلا ما ذكرنا حتى يعلم هو ومن يعلم حاله أنه أدى ما عليه (١).
وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره لقوله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ﴾ (٢) أي بأخذ الزيادة ولا تظلمون الأموال أيضا بل لكم ما بذلتم من غير زيادة عليه ولا نقص منه. وقال ابن أبي حاتم حدثنا محمد بن الحسن بن أشكاب حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن شبيب عن غرقدة المبارقي عن سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه قال: «خطب رسول الله ﷺ في حجة الوداع فقال: (ألا إن كل ربا كان في الجاهلية موضوع عنكم كله لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون، وأول ربا موضوع ربا العباس بن عبد المطلب كله (٣)» كذا وجده سليمان بن الأحوص، وقد قال ابن مردويه حدثنا الشافعي حدثنا معاذ بن المثنى، أخبرنا مسدد، أخبرنا أبو الأحوص حدثنا شبيب بن غرقدة عن سليمان بن عمرو عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ألا إن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون (٤)». وكذا رواه من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أبي حمزة المرقاشي عن عمرو هو ابن خارجة فذكره (٥).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلامه على آيات الربا:
ثم قال: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٦) يعني إن تركتم الربا وتبتم إلى الله منه، وقد عاقدتم عليه، فإنما لكم رؤوس أموالكم
стр. 6979
لا تزيدون عليها فتظلمون الآخذ، ولا تنقصون منها فيظلمكم من أخذها، فإن كان هذا القابض معسرا فالواجب إنظاره إلى ميسرة، وإن تصدقتم عليه وأبرأتموه فهو أفضل لكم وخير لكم، فإن أبت نفوسكم وشحت بالعدل الواجب أو الفضل المندوب فذكروها يوما ترجعون فيه إلى الله وتلقون ربكم فيوفيكم جزاء أعمالكم أحوج ما أنتم إليه (١).
وقال الشيخ محمد رشيد رضا من تفسير المنار على قوله تعالى
﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٢)
أي فمن بلغه تحريم الله تعالى للربا ونهيه عنه فترك الربا فورا بلا تراخ ولا تردد انتهاءا عما نهى الله عنه فله ما كان أخذه فيما سلف من الربا لا يكلف رده إلى من أخذه منهم بل يكتفى منه بأن لا يضاعف عليهم بعد البلاغ شيئا ﴿وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) يحكم فيه بعدله، ومن العدل ألا يؤاخذ بما أكل من الربا قبل التحريم وبلوغه الموعظة من ربه. ولكن العبارة تشعر بأن إباحة أكل ما سلف رخصته للضرورة وتومئ إلى أن رد ما أخذ من قبل النهي إلى أربابه الذين أخذ منهم من أفضل العزائم؛ ألم تر أنه عبر عن إباحة ما سلف باللام ولم يقل كما قال بعد ذكر كفارة صيد المحرم ٥: ٩٥ - ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ (٤) وأنه عقب هذه الإباحة بإبهام الجزاء وجعله إلى الله والمعهود في أسلوبه أن يصل مثل ذلك بذكر المغفرة والرحمة، كما قال في آخر آية محرمات النساء ٤: ٢٣ -
﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٥) أباح أكل ما سلف قبل التحريم وأبهم جزاء آكله. لعله يغص بأكل ما في يده منه فيرده إلى صاحبه، ولكنه صرح بأشد الوعيد على من أكل شيئا بعد النهي فقال تعالى ﴿وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٦) أي ومن عاد إلى من كان يأكل من الربا المحرم بعد تحريمه فأولئك
стр. 6980
البعداء عن الاتعاظ بموعظة ربهم الذي لا ينهاهم إلا عما يضر بهم في أفرادهم أو جميعهم (١).
وحول تفسير ما سبق من الآيات في الربا قال محمد بن أحمد بن رشد (فصل) فإن فات البيع فليس له إلا رأس ماله قبض الربا أو لم يقبضه. فإن كان قبضه رده إلى صاحبه، وكذلك من أربى ثم تاب فليس له إلا رأس ماله، وما قبض من الربا وجب عليه أن يرده إلى من قبضه منه، فإن لم يعلمه تصدق به عنه لقول الله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٢) الآية. وأما من أسلم وله ربا فإن كان قبضه فهو له، لقول الله : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٣) ولقول رسول الله ﷺ : «من أسلم على شيء فهو له».
وأما إن كان الربا لم يقبضه فلا يحل له أن يأخذه وهو موضوع عن الذي هو عليه ولا خلاف في هذا أعلمه؛ لقول الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤)
نزلت هذه الآية في قوم أسلموا ولهم على قوم أموال من ربا كانوا أربوه عليهم، وكانوا قد اقتضوا بعضه منهم وبقي بعضه فعفا الله لهم عما كانوا اقتضوه وحرم عليهم اقتضاء ما بقي منه. وقيل نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة كانا يسلفان في الربا فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا فأنزل الله الآية بتحريم اقتضاء ما كان بقي لهما، وقال رسول الله ﷺ في خطبته يوم عرفة في حجة الوداع: «ألا إن كل ربا كان في الجاهلية فهو موضوع، وأول ربا يوضع ربا العباس بن عبد المطلب (٥)».
خلاصة ما سبق من كلام المفسرين ما يلي: أن المرابي لا يخلو من إحدى حالتين:
стр. 6981
الحالة الأولى:
أن يكون الربا له في ذمم الناس لم يقبضه بعد، ففي هذه الحالة قد أرشده الله تعالى إلى أن يسترجع رأس ماله ويترك ما زاد عليه من الربا فلا يستوفيه ممن هو في ذمته قال الله تعالى ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١)
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في معرض كلامه على أن التراضي بين الطرفين على فعل محرم لا يبيحه: قال: وهذا مثل الربا فإنه وإن رضي به المرابي وهو بالغ رشيد لم يبح ذلك لما فيه من ظلمه. ولهذا له أن يطالبه بما قبض منه من الزيادة ولا يعطيه إلا رأس ماله وإن كان قد بذله باختياره (٢) وقال أيضا: وهذا المرابي لا يستحق في ذمم الناس إلا ما أعطاهم أو نظيره، فأما الزيادات فلا يستحق شيئا منها، لكن ما قبضه قبل ذلك بتأويل يعفى عنه، وأما ما بقي له في الذمم فهو ساقط؛ لقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ (٣) والله أعلم (٤).
الحالة الثانية:
أن يكون التائب من الربا قد قبضه وتجمعت عنده أموال منه، وفي هذا قاعدة ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: قاعدة في المقبوض بعقد فاسد؛ وذلك أنه لا يخلو إما أن يكون العاقد يعتقد الفساد ويعلمه أو لا يعتقد الفساد. فالأول: يكون بمنزلة الغاصب حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه لكنه لشبهة العقد وكون القبض عن التراضي هل يملكه بالقبض أو لا يملكه، أو يفرق بين أن يتصرف فيه أو لا يتصرف؟ هذا فيه خلاف مشهور في الملك هل يحصل بالقبض في العقد الفاسد؟
стр. 6982
وأما إن كان العاقد يعتقد صحة العقد: مثل أهل الذمة فيما يتعاملون به بينهم من العقود المحرمة في دين الإسلام مثل بيع الخمر، والربا، والخنزير، فإن هذه العقود إذا اتصل بها القبض قبل الإسلام والتحاكم إلينا أمضيت لهم، ويملكون ما قبضوه بلا نزاع؛ لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١)
فأمر بترك ما بقي وإن أسلموا أو تحاكموا قبل القبض فسد العقد ووجب رد المال إن كان باقيا أو بدله إن كان فائتا، والأصل فيه قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٢) إلى قوله ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ (٣).
وحاصل هذه القاعدة أن شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يفرق بين من قبض مالا بعقد فاسد يعتقد صحته كالكافر الذي كان يتعامل بالربا قبل إسلامه أو تحاكمه إلينا، وكالمسلم إذا عقد عقدا مختلفا فيه بين العلماء وهو يرى صحته فهذا النوع من المتعاقدين يملك ما قبضه، أما من تعامل بعقد مختلف في تحريمه وهو لا يرى صحته أو بعقد مجمع على تحريمه مما قبضه بموجب ذلك العقد فهو فيه كالغاصب حيث قبض ما يعلم أنه لا يملكه.
ومما أجاب به شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: قول القائل لغيره أدينك كل مائة بكسب كذا وكذا حرام، وكذا إذا حل الدين عليه وكان معسرا فإنه يجب إنظاره، ولا يجوز إلزامه بالقلب عليه باتفاق المسلمين، وبكل حال فهذه المعاملة وأمثالها من المعاملات التي يقصد بها بيع الدراهم بأكثر منها إلى أجل هي معاملة فاسدة ربوية، والواجب رد المال المقبوض فيها إن كان باقيا، وإن كان فانيا رد مثله ولا يستحق الدافع أكثر
стр. 6983
من ذلك، وعلى ولي الأمر المنع من هذه المعاملات الربوية وعقوبة من يفعلها ورد الناس فيها إلى رؤوس أموالهم دون الزيادات، فإن هذا من الربا الذي حرمه الله ورسوله وقد قال تعالى ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
أقول
ومن كلامه رحمه الله تعالى يتضح لنا حرمة المداينة المعمول بها حاليا على نحو ما ذكره وأعظم منها حرمة قلب الدين على المدين؛ لأنه بيع دراهم بأكثر منها نسأل الله العافية.
وحينما سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل مراب خلف مالا وولدا وهو يعلم بحاله فهل يكون المال حلالا للولد بالميراث أم لا؟ قال:
أما القدر الذي يعلم الولد أنه ربا فيخرجه. إما أن يرده إلى أصحابه إن أمكن، وإلا تصدق به والباقي لا يحرم عليه، لكن القدر المشتبه يستحب له تركه إذا لم يجب صرفه في قضاء دين أو نفقة عيال، وإن كان الأب قبضه بالمعاملات الربوية التي يرخص فيها بعض الفقهاء جاز للوارث الانتفاع به، وإن اختلط الحلال بالحرام وجهل قدر كل منهما جعل ذلك نصفين. وحينما سئل أيضا عن الرجل يختلط ماله الحلال بالحرام أجاب بقوله:
يخرج قدر الحرام بالميزان فيدفعه إلى صاحبه وقدر الحلال له. وإن لم يعرفه وتعذرت معرفته تصدق به عنه (٤).
стр. 6984
وحول التصدق بالأرباح المكتسبة عن طريق البنوك التي تتعامل بالربا، ورد هذا السؤال لسماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس القضاة في وقته رحمه الله تعالى:
إذا سلمت بضاعة تبع شركة الأسمنت واشتغلت الشركة في أموالها فوردت مكائن وأخذت مقاولات عمارات وكسبت أرباحا من البنك، وقدموا لك بيان حسابك، ووجدت فيه قسما يختص بأرباح البنك وهي أرباح ربوية فهل تقبضها وتجعلها مع مالك أو تردها على البنك أو تتصدق بها؟
فأجاب رحمه الله تعالى بقوله:
هذه الزيادة التي أخذت مقابل أرباح البنك تتصدق بها والله أعلم والسلام عليكم (١).
وفيما يلي سأذكر بمشيئة الله وعونه وتوفيقه بعض ما تيسر من كلام العلماء رحمهم الله تعالى في كيفية التخلص من أنواع المكاسب المحرمة الأخرى، ويدخل فيه أيضا الربا، وإنما أفردت الكلام عنه فيما سبق؛ لأنه من أعظم المكاسب المحرمة إثما وأنكاها عقوبة. نسأل الله العافية.
стр. 6985
ب- أنواع المكاسب المحرمة
من ربا وغيره
عن أبي عبد الله النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الحلال بين وإن الحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس، فمن اتقى
стр. 6986
الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب (١)». رواه البخاري ومسلم.
يقول ابن رجب في شرح هذا الحديث:
ويتفرع على هذا معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط، فإن كان أكثر ماله الحرام فقال أحمد: ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا شيئا لا يعرف. واختلف أصحابنا هل هو مكروه أو محرم على وجهين، وإن كان أكثر ماله الحلال جازت معاملته والأكل من ماله، وقد روى الحارث عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال في جوائز السلطان: لا بأس بها ما يعطيكم من الحلال أكثر مما يعطيكم من الحرام، وكان النبي ﷺ وأصحابه يعاملون المشركين وأهل الكتاب مع علمهم أنهم لا يجتنبون الحرام كله، وإن اشتبه الأمر فهو شبهة والورع تركه، قال سفيان يعجبني ذلك وتركه أعجب إلي، وقال الزهري ومكحول: لا بأس أن يؤكل منه ما لم يعرف أنه حرام بعينه فإن لم يعرف في ماله حرام بعينه ولكن علم أن فيه شبهة فلا بأس بالأكل منه نص عليه أحمد في رواية حنبل. وذهب إسحاق بن راهويه إلى ما روي عن ابن مسعود وسليمان وغيرهما من الرخصة وإلى ما روي عن الحسن وابن سيرين في إباحة الأخذ بما يقضى من الربا والقمار. ونقله عنه ابن منصور وقال الإمام أحمد في المال المشتبه حلاله بحرامه: إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلا اجتنبه كله؛ وهذا لأن القليل إذا تناول منه شيئا فإنه يتعذر معه السلامة من الحرام بخلاف الكثير.
стр. 6987
ومن أصحابنا من حمل ذلك على الورع دون التحريم وأباح التصرف في القليل والكثير بعد إخراج قدر الحرام منه، وهو قول الحنفية وغيرهم، وأخذ به قوم من أهل الورع منهم بشر الحافي. ورخص قوم من السلف في الأكل ممن يعلم في ماله حرام ما لم يعلم أنه من الحرام بعينه فصح كما تقدم عن مكحول والزهري، وروي مثله عن الفضل بن عياض وروي في ذلك آثار عن السلف (١).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال تعالى وقال تعالى تم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك (٤)» رواه مسلم. - مما جاء في شرح هذا الحديث يقول ابن رجب: وأما الصدقة بالمال الحرام فغير مقبولة كما في صحيح مسلم عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (٥)» وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: «ما تصدق عبد بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه (٦)» وذكر الحديث، وفي مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ : «لا يكتسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله لا يمحو السيئ
стр. 6988
بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث (١)» ويروى من حديث دراج عن ابن حجيرة عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كسب مالا حراما فتصدق به لم يكن له فيه أجر وكان إصره عليه» أخرجه ابن حبان في صحيحه ورواه بعضهم موقوفا على أبي هريرة، وفي مراسيل القاسم بن مخيمرة قال: قال رسول الله ﷺ «من أصاب مالا من مأثم فوصل به رحمه وتصدق به أو أنفقه في سبيل الله جمع ذلك جميعا ثم قذف به في نار جهنم». وروي عن أبي الدرداء ويزيد بن ميسرة أنهما جعلا مثل من أصاب مالا من غير حلة فتصدق به مثل من أخذ مال يتيم وكسا به أرملة، وسئل ابن عباس ﵄ عمن كان على عمل فكان يظلم ويأخذ الحرام ثم تاب فهو يحج ويعتق ويتصدق منه فقال: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، وكذا قال ابن مسعود ﵁: إن الخبيث لا يكفر الخبيث، ولكن الطيب يكفر الخبيث، وقال الحسن: أيها المتصدق على المسكين ترحمه ارحم من قد ظلمت (٢).
واعلم أن الصدقة بالمال الحرام تقع على وجهين: أحدهما: أن يتصدق به الخائن أو الغاصب ونحوهما على نفسه، فهذا هو المراد من هذه الأحاديث أنه لا يتقبل منه يعني أنه لا يؤجر عليه بل يأثم بتصرفه في مال غيره بغير إذنه. ولا يحصل للمالك بذلك أجر لعدم قصده ونيته. كذا قاله جماعة من العلماء منهم ابن عقيل من أصحابنا، وفي كتاب عبد الرزاق من رواية زيد بن الأخنس الخزاعي أنه سأل سعيد بن المسيب قال: وجدت لقطة أفأتصدق بها؟ قال لا يؤجر أنت ولا صاحبها. ولعل مراده إذا تصدق بها قبل تعريفها الواجب. إلى أن قال:
واعلم أن من العلماء من جعل تصرف الغاصب ونحوه في مال غيره
стр. 6989
موقوفا على إجازة مالكه، فإن أجاز تصرفه فيه جاز. وقد حكى بعض أصحابنا رواية عن أحمد أنه من أخرج زكاته من مال مغصوب ثم أجازه المالك جاز وسقطت عنه الزكاة. وكذلك خرج ابن أبي الدنيا رواية عن أحمد أنه إذا أعتق عبد غيره عن نفسه ملتزما ضمانه في ماله ثم أجازه المالك جاز ونفذ عتقه. وهو خلاف نص أحمد. وحكي عن الحنفية أنه لو غصب شاة فذبحها لمتعته وقرانه ثم أجازه المالك أجزأت عنه (١).
الوجه الثاني من تصرفات الغاصب في المال المغصوب: أن يتصدق عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه وإلى ورثته فهذا جائز عند أكثر العلماء: منهم مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم. قال ابن عبد البر: ذهب الزهري ومالك والثوري والأوزاعي والليث إلى أن الغال إذا تفرق أهل العسكر ولم يصل إليهم أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، روي ذلك عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري، وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس ﵄ أنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه، وقال قد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرا بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب. انتهى.
وروي عن مالك بن دينار قال سألت عطاء بن أبي رباح عمن عنده مال حرام ولا يعرف أربابه ويريد الخروج منه؟ قال: يتصدق به ولا أقول: إن ذلك يجزئ عنه. قال مالك كان هذا القول من عطاء أحب إلي من زنة ذهب. وقال سفيان فيمن اشترى من قوم شيئا مغصوبا: يرده إليهم، فإن لم يقدر عليهم يتصدق به كله ولا يأخذ رأس ماله، وكذا قال فيمن باع شيئا ممن تكره معاملته لشبهة ماله قال: يتصدق بالثمن وخالفه ابن
стр. 6990
المبارك وقال: يتصدق بالربح خاصة. وقال أحمد يتصدق بالربح، وكذا قال فيمن ورث مالا من أبيه وكان أبوه يبيع ممن يكره معاملته: إنه يتصدق منه بمقدار الربح ويأخذ الباقي وقد روي عن طائفة من الصحابة نحو ذلك: منهم عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن يزيد الأنصاري ﵁، والمشهور عن الشافعي ﵀ في الأموال الحرام أنها تحفظ ولا يتصدق بها حتى يظهر مستحقها، وكان الفضيل بن عياض يرى أن من عنده مال حرام لا يعرف أربابه أنه يتلفه ويلقيه في البحر ولا يتصدق به. وقال لا يتقرب إلى الله إلا بالطيب. والصحيح الصدقة به؛ لأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا منه بالخبيث وإنما هي صدقة عن مالكه ليكون نفعه له في الآخرة حيث يتعذر عليه الانتفاع به في الدنيا (١).
ونستخلص مما سبق في شرح الحديثين ما يلي:
أ- معاملة من في ماله حلال وحرام مختلط: إن كان أكثره الحرام فينبغي تجنبه وهو الأولى؛ لأن الإمام أحمد رحمه الله تعالى قال: (ينبغي أن يتجنبه إلا أن يكون شيئا يسيرا لا يعرف).
وإن كان المال شبهة فالورع في تركه بل هو ما ينبغي عملا بقوله ﵊: «فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول العمى يوشك أن يرتع فيه (٢)»، والمال المشتبه حلاله بحرامه إن كان المال كثيرا أخرج منه قدر الحرام وتصرف في الباقي، وإن كان المال قليلا اجتنبه كله.
ب- أن الصدقة بالمال الحرام غير مقبولة لما تقدم من قوله عليه أفضل الصلاة والسلام: «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا (٣)»، ولقوله
стр. 6991
أيضا: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول (١)». وغير ذلك من الأحاديث التي مرت. والمقصود بذلك أن السارق أو الغاصب أو الخائن مثلا، لا يجوز له أن يتصدق بما سرقه أو بما اغتصبه أو بما خانه أو جحده عن نفسه فإنه لا يقبل منه ولا يؤجر عليه بل يأثم بتصدقه بمال غيره بغير إذنه ولا يحصل للمالك أيضا بذلك أجر لعدم قصده ونيته
جـ - أن السارق للمال أو الغاصب أو الخائن له إذا أراد أن يتصرف في هذا المال بعد توبته يجوز له أن يتصدق به عن صاحبه إذا عجز عن رده إليه أو إلى ورثته. وهذا هو الأولى وذلك لاختيار الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغيره من الأئمة، ومنهم الإمام مالك وأبو حنيفة كما قالوا في الغال إذا تفرق العسكر أنه يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي، وكما قالوا في جواز التصدق باللقطة بعد تعريفها وانقطاع صاحبها وجعلوه إذا جاء مخيرا بين أن يكون أجر التصدق بها له أو الضمان.
وهذا ما أراه نظرا؛ لتظافر الأدلة السابقة عليه؛ ولأن القائل به كثير من أهل العلم رحمهم الله تعالى.
ولأن إتلاف المال وإضاعته منهي عنه، وإرصاده أبدا تعريض له للإتلاف واستيلاء الظلمة عليه، والصدقة به ليست عن مكتسبه حتى يكون تقربا بالخبيث، وإنما هي صدقة به عن مالكه. والله أعلم
وسئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن الأموال التي يجهل مستحقها مطلقا أو مبهما فإن هذه عامة النفع لأن الناس قد يحصل في أيديهم أموال يعلمون أنها محرمة لحق الغير إما لكونها قبضت ظلما كالغصب وأنواعه من الجنايات والسرقة والغلول. وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر، ولا يعلم عين المستحق لها. وقد يعلم أن المستحق أحد رجلين ولا يعلم عينه، كالميراث الذي يعلم أنه لإحدى الزوجين الباقية دون المطلقة. والعين التي يتداعاها اثنان فيقر بها ذو اليد لأحدهما
стр. 6992
فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها. ومذهب الشافعي أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال. فيقول فيما جهل مالكه من الغصوب والعواري والودائع إنها تحفظ حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة. ويقول في العين التي عرفت لأحد رجلين: يوقف الأمر حتى يصطلحا ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في المصالح كالصدقة على الفقراء، وفيما استبهم مالكه القرعة عند أحمد والقسمة عند أبي حنيفة. إلى أن قال: وتحريم هذه جميعا يعود إلى الظلم فإنها تحرم لسببين:
أحدهما: قبضها بغير طيب نفس صاحبها ولا إذن الشارع، وهذا هو الظلم المحض كالسرقة، والخيانة، والغصب الظاهر، وهذا أشهر الأنواع بالتحريم.
والثاني: قبضها بغير إذن الشارع. وإن أذن صاحبها وهي العقود والقبوض المحرمة كالربا ونحو ذلك والواجب على من حصلت بيده ردها إلى مستحقها. فإذا تعذر ذلك فالمجهول كالمعدوم وقد دل على ذلك قول النبي ﷺ في اللقطة: «فإن وجدت صاحبها فارددها إليه وإلا فهي مال الله يؤتيه من يشاء (١)» وكذلك اتفق المسلمون على أن من مات ولا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين.
إلى أن قال: وله دليلان قياسيان قطعيان كما ذكرنا من السنة والإجماع فإن ما لا يعلم بحال أو لا يقدر عليه بحال، هو في حقنا بمنزلة المعدوم، فلا نكلف إلا بما نعلمه ونقدر عليه. والدليل الثاني: القياس مع ما ذكرنا من السنة والإجماع أن هذه الأموال لا تخلو إما أن تحبس، وإما أن تتلف، وإما أن تنفق.
فأما إتلافها فإفساد لها ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (٢) وهو إضاعة لها، والنبي ﷺ قد نهى عن إضاعة المال، وإن كان في مذهب أحمد ومالك
стр. 6993
تجويز العقوبات المالية تارة بالأخذ وتارة بالإتلاف كما يقوله أحمد في متاع الغال، وكما يقوله أحمد ومن يقوله من المالكية في أوعية الخمر ومحل الخمار. وغير ذلك. فإن العقوبة بإتلاف بعض الأموال أحيانا كالعقوبة بإتلاف بعض النفوس أحيانا. وهذا يجوز إذا كان فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما شرع له ذلك.
وأما حبسها دائما أبدا إلى غير غاية منتظرة بل مع العلم أنه لا يرجى معرفة صاحبها ولا القدرة على إيصالها إليه فهذا مثل إتلافها. فإن الإتلاف إنما حرم لتعطيلها من انتفاع الآدميين بها، وهذا تعطيل أيضا. بل أهو أشد منه من وجهين.
(أحدهما): أنه تعذيب للنفوس بإبقاء ما يحتاجون إليه من غير انتفاع به.
(الثاني): أن العادة جارية بأن مثل هذه الأمور لا بد أن يستولي عليها أحد من الظلمة بعد هذا إذا لم ينفقها أهل العدل والحق فيكون حبسها إعانة للظلمة، وتسليما في الحقيقة إلى الظلمة فيكون قد منعها أهل الحق، وأعطاها أهل الباطل، ولا فرق بين القصد وعدمه في هذا فإن من وضع إنسانا بمسبعة فقد قتله، ومن ألقى اللحم بين السباع فقد أكله، ومن حبس الأموال العظيمة لمن يستولي عليها من الظلمة فقد أعطاهموها، فإذا كان إتلافها حراما وحبسها أشد من إتلافها تعين إنفاقها، وليس لها مصرف معين فتصرف في جميع جهات البر والقرب التي يتقرب بها إلى الله؛ لأن الله خلق الخلق لعبادته وخلق لهم الأموال ليستعينوا بها على عبادته. فتصرف في سبيل الله والله أعلم.
стр. 6994
وخلاصة ما سبق من كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى:
أن الأموال التي يجهل أصحابها ومستحقوها إما لكونها قبضت ظلما إما بغصب ونحوه من أنواع الجنايات كالسرقة والنهب والغلول، وإما لكونها قبضت بعقد فاسد من ربا أو ميسر ونحوهما. فمذهب الإمام أحمد وأبي حنيفة ومالك وعامة السلف إعطاء هذه الأموال لأولى الناس بها. والشافعي يرى أنها تحفظ مطلقا ولا تنفق بحال حتى يظهر أصحابها كسائر الأموال الضائعة، ويقول في العين التي عرفت لأحد رجلين يوقف الأمر حتى يصطلحا. ومذهب أحمد وأبي حنيفة فيما جهل مالكه أنه يصرف عن أصحابه في المصالح كالصدقة على الفقراء ونحو ذلك. وفي مال الميت الذي لا وارث له معلوم فماله يصرف في مصالح المسلمين. أقول: وما قيل عن الصدقة بهذه الأموال التي جهل أصحابها أو صرفها في مصالح المسلمين هو الأولى في نظري والله أعلم؛ لأنها إما أن تحبس، وإما أن تتلف وإما أن تنفق.
فأما إتلافها فإفساد لها ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ (١) وهو أيضا إضاعة لها وقد نهى ﵊ عن إضاعة المال- اللهم إلا ما كان من العقوبة بإتلاف المال أحيانا لما فيه من التنكيل على الجريمة من المصلحة ما فرع له ذلك كما يفعل بأوعية الخمر ومحل الخمار ونحو ذلك. وكما يقوله الإمام أحمد رحمه الله تعالى في متاع الغال والله أعلم.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه- اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم - تحت عنوان (ما تصنع البغي إذا تابت بما عندها من أجر البغاء) ما نصه:
نعم البغي والمغني والنائحة ونحوهم إذا أعطوا أجورهم ثم تابوا هل يتصدقون بها. أو يجب أن يردوها إلى من أعطاهموها فيها قولان
стр. 6995
أصحهما أنا لا نردها على الفساق الذين بذلوها في المنفعة المحرمة، ولا يباح الأخذ بل يتصدق بها. وتصرف في مصالح المسلمين، كما نص عليه أحمد في أجرة حمل الخمر.
ومن ظن أنها ترد على الباذل المستأجر: لأنها مقبوضة بعقد فاسد فيجب ردها عليه كالمقبوض بالربا أو نحوه من العقود الفاسدة، فيقال له: المقبوض بالعقد الفاسد يجب فيه التراد من الجانبين فيرد كل منهما على الآخر ما قبضه منه. كما في تقابض الربا عند من يقول: المقبوض بالعقد الفاسد لا يملك كما هو المعروف من مذهب الشافعي وأحمد. فأما إذا تلف المقبوض عند القابض فإنه لا يستحق استرجاع عوضه مطلقا. وحينئذ فيقال: إن كان ظاهر القياس يوجب ردها، بناءا على أنها مقبوضة بعقد فاسد، فالزاني ومستمع الغناء والنوح قد بذلوا هذا المال عن طيب نفوسهم، واستوفوا العوض المحرم: والتحريم الذي فيه ليس لحقهم، وإنما هو لحق لله تعالى، وقد فاتت هذه المنفعة بالقبض، والأصول تقتضي: أنه إذا رد أحد العوضين يرد الآخر، فإذا تعذر على المستأجر رد المنفعة لم يرد عليه المال.
وأيضا فإن هذا الذي استوفيت منفعته عليه ضرر في أحد منفعتيه وعوضهما جميعا منه، بخلاف ما لو كان العوض خمرا أو ميتة فإن ذلك لا ضرر عليه في فواتها. فإنها لو كانت باقية أتلفناها عليه.
ومنفعة الغناء والنوح لو لم تفت لتوفرت عليه، بحيث كان يتمكن من صرف تلك المنفعة في أمر آخر أعني من صرف القوة التي عمل بها. فيقال على هذا: فينبغي أن يقضوا بها إذا طالب بقبضها.
قيل: نحن لا نأمر بدفعها ولا بردها، كعقود الكفار المحرمة، فإنهم إذا أسلموا على القبض لم نحكم بالقبض. ولو أسلموا بعد القبض لم نحكم بالرد، ولكن في حق المسلم تحرم هذه الأجرة عليه، لأنه كان
стр. 6996
معتقدا لتحريمها بخلاف الكافر. وذلك لأنه إذا طلب الأجرة قلنا له: أنت فرطت، حيث صرفت قوتك في عمل محرم، فلا يقضى لك بأجرة. فإذا قبضها ثم قال الدافع: هذا المال اقضوا لي برده فإنما أقبضته إياه عوضا عن منفعة محرمة قلنا له: دفعته بمعاوضة رضيت بها فإذا طلبت استرجاع ما أخذه فرد إليه ما أخذته. إذا كان له في بقائه معه منفعة فهذا ومثله يتوجه فيما يقبض من ثمن الميتة والخمر.
وأيضا فمشتري الخمر إذا أقبض ثمنها وقبضها وشراها ثم طلب أن يعاد إليه الثمن كان الأوجه أن يرد إليه الثمن ولا يباح للبائع ولا سيما ونحن نعاقب الخمار بياع الخمر بأن نحرق الحانوت التي تباع فيها. نص على ذلك أحمد وغيره من العلماء فإن عمر بن الخطاب ﵁ حرق حانوتا يباع فيها الخمر، وعلي بن أبي طالب ﵁ حرق قرية يباع فيها الخمر، وهي آثار معروفة، وهذه المسألة مبسوطة في غير هذا الموضع؛ وذلك لأن العقوبات المالية عندنا باقية غير منسوخة (١).
وسئل أيضا رحمه الله تعالى عن امرأة كانت مغنية واكتسبت في جهلها مالا كثيرا وقد تابت وحجت إلى بيت الله تعالى وهي محافظة على طاعة الله تعالى فهل المال الذي اكتسبته من حلي وغيره إذا أكلت وتصدقت منه تؤجر عليه؟
فأجاب: المال المكسوب إن كانت عين أو منفعة مباحة في نفسها، وإنما حرمت بالقصد مثل من يبيع عنبا لمن يتخذه خمرا أو من يستأجر لعصر الخمر أو حملها فهذا يفعله بالعوض لكن لا يطيب له أكله، وأما إن كانت العين أو المنفعة محرمة كمهر البغي وثمن الخمر. فهنا لا يقضى له به قبل القبض. ولو أعطاه إياه لم يحكم برده. فإن هذا معونة لهم على المعاصي: إذا جمع لهم بين العوض والمعوض ولا يحل هذا المال للبغي
стр. 6997
والخمار ونحوهما لكن يصرف في مصالح المسلمين. فإن تابت هذه البغي وهذا الخمار وكانوا فقراء جاز أن يصرف إليهم من هذا المال مقدار حاجتهم، فإن كان يقدر يتجر أو يعمل صنعة كالنسيج والغزل أعطي ما يكون له رأس مال، وإن اقترضوا منه شيئا ليكتسبوا به، ولم يردوا عوض القرض كان أحسن.
وأما إذا تصدق به لاعتقاده أنه يحل عليه أن يتصدق به فهذا يثاب على ذلك، وأما إذا تصدق به كما يتصدق المالك بملكه فهذا لا يقبله الله- إن الله لا يقبل إلا الطيب فهذا خبيث كما قال النبي ﷺ : «مهر البغي خبيث (١)» (٢).
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى في كلامه عن حقوق العباد وصورها في مسائل إلي أن قال:
فصل: المسألة الثانية إذا عاوض غيره معاوضة محرمة، وقبض العوض كالزاني والمغني وبائع الخمر، وشاهد الزور ونحوهم، ثم تاب والعوض بيده، فقالت طائفة: يرده إلى مالكه. إذا هو عين ماله ولم يقبضه بإذن الشارع ولا حصل لربه في مقابلته نفع مباح.
وقالت: طائفة بل توبته بالتصدق به، ولا يدفعه إلى من أخذه منه.
وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية وهو أصوب القولين، فإن قابضه إنما قبضه ببذل مالكه له، ورضاه ببذله، وقد استوفى عوضه المحرم فكيف يجمع له بين العوض والمعوض، وكيف يرد عليه مالا قد استعان به على معاصي الله، ورضي بإخراجه فيما يستعين به عليها ثانيا وثالثا؟ وهل هذا إلا محض إعانته على الإثم والعدوان؟ وهل يناسب هذا محاسن الشرع أن يقضى للزاني بكل ما دفعه إلى من زنى بها طوعا أو كرها. فيعطاه وقد نال عوضه، وهب أن هذا المال لم يملكه الآخذ، فملك صاحبه قد زال
стр. 6998
عنه بإعطائه لمن أخذه، وقد سلم له ما في قبالته من النفع، فكيف يقال ملكه باق عليه ويجب رده إليه؟ وهذا بخلاف أمره بالصدقة به، فإنه قد أخذه من وجه خبيث برضى صاحبه وبذله له بذلك، وصاحبه قد رضي بإخراجه عن ملكه بذلك، وألا يعود إليه فكان أحق الوجوه به: صرفه في المصلحة التي ينتفع بها من قبضه ويخفف عنه الإثم ولا يقوى الفاجر به ويعان، ويجمع له بين الأمرين.
وهكذا توبة من اختلط ماله الحلال بالحرام، وتعذر عليه تمييزه أن يتصدق بقدر الحرام، ويطيب باقي ماله. والله أعلم (١).
وقال أيضا: في كسب الزانية فإن قيل فما تقولون في كسب الزانية إذا قبضته ثم تابت هل يجب عليها رد ما قبضته إلى أربابه أم يطيب لها، أم تتصدق به؟
قيل: هذا ينبني على قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام وهي أن من قبض ما ليس له قبضه شرعا ثم أراد التخلص منه، فإن كان المقبوض قد أخذ بغير رضى صاحبه ولا استوفي عوضه رده عليه. فإن تعذر رده عليه قضى به دينا يعلمه عليه، فإن تعذر ذلك رده إلى ورثته، فإن تعذر ذلك تصدق به عنه، فإن اختار صاحب الحق ثوابه يوم القيامة كان له وإن أبى إلا أن يأخذ من حسنات القابض استوفى منه نظير ماله، وكان ثواب الصدقة للمتصدق بها كما ثبت عن الصحابة، وإن كان المقبوض برضى الدافع، وقد استوفى عوضه المحرم كمن عاوض على خمر أو خنزير أو على زنا أو فاحشة فهذا لا يجب رد العوض على الدافع؛ لأنه أخرجه باختياره واستوفى عوضه المحرم فلا يجوز أن يجمع له بين العوض والمعوض فإن في ذلك إعانة له على الإثم والعدوان وتيسير أصحاب المعاصي عليه، وماذا يريد الزاني وصاحب الفاحشة إذا علم أنه ينال غرضه ويسترد ماله؟ فهذا
стр. 6999
مما تصان الشريعة عن الإتيان به، ولا يسوغ القول به، وهو يتضمن الجمع بين الظلم والفاحشة والغدر، ومن أقبح القبيح أن يستوفي عوضه من المزني بها ثم يرجع فيما أعطاها قهرا، وقبح هذا مستقر في فطر جميع العقلاء فلا تأتي به شريعة. ولكن لا يطيب للقابض أكله. بل هو خبيث كما حكم عليه رسول الله ﷺ ولكن لخبث مكسبه لا نظلم من أخذ منه، فطريقة التخلص منه وتمام التوبة بالصدقة، فإن كان محتاجا إليه فله أن يأخذ قدر حاجته ويتصدق بالباقي فهذا حكم كل كسب خبيث؛ لخبث عوضه عينا كان أو منفعة، ولا يلزم من الحكم بخبثه وجوب رده على الدافع فإن النبي ﷺ حكم بخبث كسب الحجام ولا يجب رده على دافعه (١). أقول: وخلاصة ما سبق فيما يتعلق بما تصنعه البغي إذا تابت، وماذا يفعل من اختلط ماله الحلال بالحرام؟
أ- أن الأموال التي بذلت في المنفعة المحرمة كأجرة الزانية أو المغنية لا ترد إلى الفساق الذين بذلوها ولا يباح لهم أخذها كما لا يحل هذا المال للباغية أو المغنية ونحوهما بل يتصدق بها وتصرف في مصالح المسلمين؛ لأن في ردها إلى الفساق الذين بذلوها معونة لهم على المعاصي إذا جمع لهم بين العوض والمعوض.
ب- ومن اختلط ماله الحلال بالحرام وتاب من الكسب الحرام وتعذر عليه تمييز الحلال فإن عليه أن يتصدق بقدر الحرام ويطيب باقي ماله إذا تاب مما عمل وندم على ما فات وعزم على ألا يعود والله أعلم.
جـ- النقولات الآتية الواردة في هذا البحث مثل ما ذكره النووي عن
стр. 7000
الغزالي وكذا ما أضفته أيضا في هذا البحث من كلام الغزالي وما ذكره أبو يعلى في كتابه طبقات الحنابلة وما قاله ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة وما قاله الشيخ ملا علي القارئ في كلامه عن التوبة وأركانها ونحو ذلك مما ورد في آخر البحث لا تحتاج إلى خلاصة؛ لأنها في الغالب إما فروع أو مسائل مختصرة أو مترابطة يفهمها ويدركها كل من قرأها والله أعلم.
وقال النووي رحمه الله تعالى (فرع)
قال الغزالي: لو كان في يده مغصوب من الناس معين فاختلط بماله ولم يتميز وأراد التوبة فطريقه أن يترضى هو وصاحب المغصوب بالقسمة، فإن امتنع المغصوب منه من ذلك رفع التائب الأمر إلى القاضي ليقبض منه، فإن لم يجد قاضيا حكم رجلا متدينا. لقبض ذلك، فإن عجز تولى هو ذلك بنفسه، ويعزل قدر ذلك فيه الصرف إلى المغصوب منه سواء أكان دراهم أو حبا أو دهنا أو غيره من نحو ذلك، فإذا فعل ذلك حل له الباقي، فلو أراد أن يأكل من ذلك المختلط وينفق من قبل تمييز قدر المغصوب فقد قال قائلون يجوز ذلك ما دام قدر المغصوب باقيا، ولا يجوز أخذ الجميع، وقال آخرون: لا يجوز له أخذ شيء حتى يميز قدر المغصوب بنية الإبذال والتوبة.
(فرع) من ورث مالا ولم يعلم من أين كسبه مورثه؟ أمن حلال أم حرام؟ ولم تكن علامة فهو حلال بإجماع العلماء، فإن علم أن فيه حراما وشك في قدره أخرج قدر الحرام بالاجتهاد.
(فرع) قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله، فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي
стр. 7001
أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفا فإن لم يكن عفيفا لم يجز التسليم إليه؛ فإن سلم إليه صار المسلم ضامنا بل ينبغي أن يحكم رجلا من أهل البلد متدينا عالما، فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز عن ذلك تولاه بنفسه، فإن المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة.
وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير بل يكون حلالا طيبا، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه. وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير. وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب وهو كما قالوه، ونقله الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع؛ لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين، والله أعلم (١).
أقول: وقد فصل الغزالي الكلام على هذا الموضوع في كتابه (الإحياء) في الجزء الثاني منه تحت عنوان- باب كيفية خروج التائب عن المظالم المالية- فذكر كيفية التمييز والإخراج والمصرف فارجع إليه لمزيد. ومن مسائله التي ذكرها ما يلي:
стр. 7002
مسألة:
إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما، فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما، بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق؛ وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان. إلى أن قال:
مسألة:
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فقال له قائل: مات أبي وترك مالا وكان يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال: له دين وعليه دين فقال: تقضي وتقتضي، فقال: أفترى ذلك؟ فقال: أفتدعه محتبسا بدينه؟ وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام؛ إذ قال: يخرج قدر الربح، وأنه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقابض والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة.
стр. 7003
ويقول شمس الدين محمد بن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية) ما نصه:
(فصل في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام)
هل تجب طاعة الوالدين في تناول المشتبه وهو ما بعضه حلال وبعضه
стр. 7004
حرام؟ ينبني على مسألة تحريم تناوله وفيها أقوال في المذهب.
أحدها: التحريم مطلقا قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب في كتابه المنتخب ذكره قبيل باب الصيد. وعلل القاضي وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك لاختلاط الأموال لأخذه من غير جهته ووضعه في غير حقه. قال الأزجي في نهايته: هو قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة، وقدمه أبو الخطاب في الانتصار في مسألة اشتباه الأواني. وقد قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده قال لا؟ قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وقد أمر رسول الله ﷺ بالوقوف عند الشبهة، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (١)». وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: (إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه) وعن الحسن بن علي مرفوعا: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢)» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلا فلا. قدمه في الرعاية لأن الثلث ضابط في مواضع.
والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم؛ وإلا فلا إقامة للأكثر مقام الكل لأن القليل تابع قطع به ابن الجوزي في المنهاج. وذكر الشيخ تقي الدين أنه أحد الوجهين، وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالا ينبغي إن عرف شيئا بعينه أن يرده، وإلا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا، ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالا إن
стр. 7005
كان غالبه نهبا أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلا أن يكون يسيرا لا يعرف، ونقل عنه أيضا هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالا مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال إن كان غالبه الحرام فلا.
والرابع: عدم التحريم مطلقا قل الحرام أو كثر وهو ظاهر ما قطع به وقدمه غير واحد لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. قدمه الأزجي وغيره وجزم به في المغني، وعن أبي هريرة مرفوعا: «إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه. وإن سقاه شرابا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه (١)» رواه أحمد، وروى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أن رجلا سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني؟ فقال مهنأة لك وإثمه عليه، قال الثوري إن عرفته بعينه فلا تأكله، ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا. وروى جماعة من حديث معمر أيضا عن أبي إسحاق عن الزبير بن الحارث عن سلمان قال إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله، فإنه مهنأة لك وإثمه عليه. قال معمر وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل منها ويعلم أصحابه. وبعث عدي إلى الشعبي وابن سرين والحسن فقبل الحسن والشعبي ورد ابن سيرين. قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم كانوا يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم (٢) وحول ما يتلف من المنكر ومذاهب العلماء فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في