أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة، كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفا فإن لم يكن عفيفا لم يجز التسليم إليه؛ فإن سلم إليه صار المسلم ضامنا بل ينبغي أن يحكم رجلا من أهل البلد متدينا عالما، فإن التحكيم أولى من الانفراد فإن عجز عن ذلك تولاه بنفسه، فإن المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة.
وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حراما على الفقير بل يكون حلالا طيبا، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرا؛ لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه. وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته؛ لأنه أيضا فقير. وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب وهو كما قالوه، ونقله الغزالي أيضا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع؛ لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين، والله أعلم (١).
أقول: وقد فصل الغزالي الكلام على هذا الموضوع في كتابه (الإحياء) في الجزء الثاني منه تحت عنوان- باب كيفية خروج التائب عن المظالم المالية- فذكر كيفية التمييز والإخراج والمصرف فارجع إليه لمزيد. ومن مسائله التي ذكرها ما يلي:
стр. 7002
مسألة:
إذا كان الحرام أو الشبهة في يد أبويه فليمتنع عن مؤاكلتهما، فإن كانا يسخطان فلا يوافقهما على الحرام المحض بل ينهاهما فلا طاعة لمخلوق في معصية الله تعالى، فإن كان شبهة وكان امتناعه للورع فهذا قد عارضه أن الورع طلب رضاهما، بل هو واجب فليتلطف في الامتناع فإن لم يقدر فليوافق؛ وليقلل الأكل بأن يصغر اللقمة ويطيل المضغ ولا يتوسع فإن ذلك عدوان. إلى أن قال:
مسألة:
سئل الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى فقال له قائل: مات أبي وترك مالا وكان يعامل من تكره معاملته فقال تدع من ماله بقدر ما ربح فقال: له دين وعليه دين فقال: تقضي وتقتضي، فقال: أفترى ذلك؟ فقال: أفتدعه محتبسا بدينه؟ وما ذكره صحيح وهو يدل على أنه رأى التحري بإخراج مقدار الحرام؛ إذ قال: يخرج قدر الربح، وأنه رأى أن أعيان أمواله ملك له بدلا عما بذله في المعاوضات الفاسدة بطريق التقابض والتقابل مهما كثر التصرف وعسر الرد وعول في قضاء دينه على أنه يقين فلا يترك بسبب الشبهة.
стр. 7003
ويقول شمس الدين محمد بن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية) ما نصه:
(فصل في الحلال والحرام والمشتبه فيه وحكم الكثير والقليل من الحرام)
هل تجب طاعة الوالدين في تناول المشتبه وهو ما بعضه حلال وبعضه
стр. 7004
حرام؟ ينبني على مسألة تحريم تناوله وفيها أقوال في المذهب.
أحدها: التحريم مطلقا قطع به شرف الإسلام عبد الوهاب في كتابه المنتخب ذكره قبيل باب الصيد. وعلل القاضي وجوب الهجرة من دار الحرب بتحريم الكسب عليه هناك لاختلاط الأموال لأخذه من غير جهته ووضعه في غير حقه. قال الأزجي في نهايته: هو قياس المذهب كما قلنا في اشتباه الأواني الطاهرة بالنجسة، وقدمه أبو الخطاب في الانتصار في مسألة اشتباه الأواني. وقد قال أحمد: لا يعجبني أن يأكل منه. وقال المروذي: سألت أبا عبد الله عن الذي يتعامل بالربا يؤكل عنده قال لا؟ قد لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله، وقد أمر رسول الله ﷺ بالوقوف عند الشبهة، وفي الصحيحين عن النعمان بن بشير ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام (١)». وفي البخاري عن أنس بن مالك قال: (إذا دخلت على مسلم لا يتهم فكل من طعامه واشرب من شرابه) وعن الحسن بن علي مرفوعا: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢)» رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
والثاني: إن زاد الحرام على الثلث حرم الأكل وإلا فلا. قدمه في الرعاية لأن الثلث ضابط في مواضع.
والثالث: إن كان الأكثر الحرام حرم؛ وإلا فلا إقامة للأكثر مقام الكل لأن القليل تابع قطع به ابن الجوزي في المنهاج. وذكر الشيخ تقي الدين أنه أحد الوجهين، وقد نقل الأثرم وغير واحد عن الإمام أحمد فيمن ورث مالا ينبغي إن عرف شيئا بعينه أن يرده، وإلا كان الغالب في ماله الفساد تنزه عنه أو نحو هذا، ونقل عنه حرب في الرجل يخلف مالا إن
стр. 7005
كان غالبه نهبا أو ربا ينبغي لوارثه أن يتنزه عنه إلا أن يكون يسيرا لا يعرف، ونقل عنه أيضا هل للرجل أن يطلب من ورثة إنسان مالا مضاربة ينفعهم وينتفع؟ قال إن كان غالبه الحرام فلا.
والرابع: عدم التحريم مطلقا قل الحرام أو كثر وهو ظاهر ما قطع به وقدمه غير واحد لكن يكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته. قدمه الأزجي وغيره وجزم به في المغني، وعن أبي هريرة مرفوعا: «إذا دخل أحدكم على أخيه المسلم فأطعمه طعاما فليأكل من طعامه ولا يسأله عنه. وإن سقاه شرابا من شرابه فليشرب من شرابه ولا يسأله عنه (١)» رواه أحمد، وروى جماعة من حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن ذر بن عبد الله عن ابن مسعود أن رجلا سأله فقال: لي جار يأكل الربا ولا يزال يدعوني؟ فقال مهنأة لك وإثمه عليه، قال الثوري إن عرفته بعينه فلا تأكله، ومراد ابن مسعود وكلامه لا يخالف هذا. وروى جماعة من حديث معمر أيضا عن أبي إسحاق عن الزبير بن الحارث عن سلمان قال إذا كان لك صديق عامل فدعاك إلى طعام فاقبله، فإنه مهنأة لك وإثمه عليه. قال معمر وكان عدي بن أرطاة عامل البصرة يبعث إلى الحسن كل يوم بجفان ثريد فيأكل منها ويعلم أصحابه. وبعث عدي إلى الشعبي وابن سرين والحسن فقبل الحسن والشعبي ورد ابن سيرين. قال: وسئل الحسن عن طعام الصيارفة فقال قد أخبركم الله عن اليهود والنصارى أنهم كانوا يأكلون الربا وأحل لكم طعامهم (٢) وحول ما يتلف من المنكر ومذاهب العلماء فيه. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في كتابه (الحسبة في
стр. 7006
الإسلام) ما نصه:
مقدار ما يتلف من المنكر ومذاهب العلماء.
وكذلك الذي قام به المنكر في إتلافه. نهي عن العود إلى ذلك المنكر وليس إتلاف ذلك واجبا على الإطلاق، بل إذا لم يكن في المحل مفسد جاز إبقاؤه إما لله وإما أن يتصدق به، كما أفتى طائفة من العلماء على هذا الأصل أن الطعام المغشوش من الخبز والطبيخ والشواء كالخبز والطعام الذي لم ينضج، وكالطعام المغشوش وهو الذي خلط بالردئ وأظهر المشتري أنه جيد أو نحو ذلك يتصدق به على الفقراء فإن ذلك أولى من إتلافه.
وإذا كان عمر بن الخطاب ﵁ قد أتلف اللبن الذي شيب للبيع فلأن يجوز التصدق بذلك بطريق الأولى فإنه يحصل به عقوبة الغاش وزجره عن العود ويكون انتفاع الفقراء بذلك أنفع من إتلافه.
وعمر أتلفه؛ لأنه يغني الناس بالعطاء فكان الفقراء عنده في المدينة إما قليلا وأما معدومين، ولهذا جوز طائفة التصدق به وكرهوا إتلافه. ففي المدونة عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب كان يطرح اللبن المغشوش في الأرض أو بالصاحبة، وكره ذلك مالك في رواية ابن القاسم ورأى أن يتصدق به وهل يتصدق باليسير؟ فيه قولان للعلماء وقد روى أشهب عن مالك منع العقوبات المالية وقال: (لا يحل ذنب من الذنوب مال إنسان وإن قتل نفسا) لكن الأول أشهر عنه. وقد استحسن أن يتصدق باللبن المغشوش، وفي ذلك عقوبة الغاش بإتلافه عليه ونفع المساكين بإعطائهم إياه ولا يهراق. قيل لمالك فالزعفران والمسك أتراه مثله؟ قال ما أشبهه بذلك إذا كان هو غشه فهو كاللبن، قال ابن القاسم: هذا في الشيء الخفيف منه، فأما إذا كثر منه فلا أرى ذلك وعلى صاحبه العقوبة لأنه يذهب في ذلك أموال عظام يريد في الصدقة بكثيره. قال
стр. 7007
بعض الشيوخ وسواء على مذهب مالك كان ذلك يسيرا أو كثيرا؛ لأنه ساوى في ذلك بين الزعفران واللبن والمسك قليله وكثيره. وخالفه ابن القاسم فلم ير أن يتصدق من ذلك إلا بما كان يسيرا. وذلك إذا كان هو الذي غشه، وأما من وجد عنده شيء من ذلك مغشوش لم يغشه هو إنما اشتراه أو وهب له، أو ورثه فلا خلاف في أنه لا يتصدق بشيء من ذلك. وممن أفتى بجواز إتلاف المغشوش من الثياب ابن القطان قال في الملاحف الرديئة النسج تحرق بالنار، وأفتى ابن عتاب فيها بالتصدق، وقال تقطع خرقا وتعطى للمساكين إذا تقدم إلى مستعمليها فلم ينتهوا، وكذلك أفتى بإعطاء الخبز المغشوش للمساكين فأنكر عليه ابن القطان وقال لا يحل هذا في مال امرئ مسلم إلا بإذنه.
قال القاضي أبو الأصبغ: وهذا اضطراب في جوابه وتناقض في قوله لأن جوابه في الملاحف بإحراقها بالنار أشد من إعطاء هذا الخبز للمساكين، وابن عتاب أضبط في أصله ذلك، وأتبع لقوله.
وإذا لم ير ولي الأمر عقوبة الغاش بالصدقة أو الإتلاف فلا بد أن يمنع وصول الضرر إلى الناس بذلك الغش. إما بإزالة الغش، وإما ببيع المغشوش ممن يعلم أنه مغشوش ولا يغشه على غيره.
قال عبد الملك بن حبيب، قلت لمطرف وابن الماجشون لما نهينا عن التصدق بالمغشوش لرواية أشهب فما وجه الصواب عندكما فيمن غش أو نقص من الوزن؟
قالا: يعاقب بالضرب والحبس والإخراج من السوق، وما كثر من الخبز واللبن، أو غش من المسك والزعفران فلا يفرق ولا ينهب. قال عبد الملك بن حبيب: ولا يرده الإمام إليه وليؤمن ببيعه عليه من يأمن أن يغش به، ويكسر الخبز إذا كثر، ويسلمه لصاحبه، ويباع عليه
стр. 7008
العسل، والسمن واللبن الذي يغشه ممن يأكله ويبين له غشه. هكذا العمل فيما غش من التجارات.
قال: وهو إيضاح من استوضحته ذلك من أصحاب مالك وغيرهم.
وقال القاضي أبو الحسين محمد بن أبي يعلى رحمه الله تعالى في كتابه طبقات الحنابلة في ترجمة عبد الله بن محمد بن المهاجر المعروف بفوزان قال عنه:
ومن جملة مسائله قال: سمعت أحمد يقول: إذا اختلط المال وكان فيه حلال وحرام. فالزهري ومكحول قالا إذا اختلط الحلال والحرام فكل هذا عندي من مال السلطان كما قال عليه رحمه الله تعالى (بيت المال يدخله الخبيث والطيب) فمال السلطان يدخله الحلال والحرام، فيوصل إلى الرجل فيأكل منه فأما إذا كان حلالا وحراما من ميراث، أو أفاد رجل مالا حراما وحلالا: فإنه يرد على أصحابه فإن لم يعرفهم ولم يقدر عليهم: تصدق به، فإن لم يعلم كم الحلال والحرام يتصدق بقدر ما يرى أن فيه من الحرام. وأكل الباقي (١).
ومما قاله ابن رجب رحمه الله تعالى في الذيل على الطبقات المذكورة ما نصه:
ومما نقلته من خط السيف بن المجد من فتاوى جده الشيخ موفق الدين وقد سئل عن معاملة من في ماله حرام فأجاب الورع: اجتناب معاملة من في ماله حرام فإن من اختلط الحرام في ماله: صار في ماله
стр. 7009
شبهة بقدر ما فيه من الحرام إن كثر الحرام كثرت الشبهة، وإن قل قلت، وذكر حديث «الحلال بين والحرام بين (١)» وأما في ظاهر الحكم: فإنه يباح معاملة من لم يتعين التحريم في الثمن الذي يؤخذ منه؛ لأن الأصل: أن ما في يد الإنسان ملكه. وقد قال بعض السلف بع الحلال ممن شئت يعني إذا كانت بضاعتك حلالا فلا حرج عليك في بيعها ممن شئت، ولكن الورع ترك معاملة من في ماله الشبهات، فقد قال النبي ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (٢)»
وقال ابن نجيم - القاعدة الرابعة عشرة- ما حرم أخذه حرم إعطاؤه كالربا ومهر البغي وحلوان الكاهن والرشوة وأجرة النائحة والزامر إلا في مسائل الرشوة؛ لخوف على نفسه أو ماله أو ليسوي أمره عند سلطان أو أمير إلا للقاضي فإنه يحرم الأخذ والإعطاء كما بيناه في شرح الكنز من القضاء وفك الأسير، وإعطاء شيء لمن يخاف هجوه. ولو خاف الوصي أن يستولي غاصب على المال فله أداء شيء ليخلصه كما في الخلاصة. انتهى (٣).
وقال الشيخ ملا علي القارئ في كلامه عن التوبة وأركانها: فإن كانت من مظالم الأموال فتتوقف صحة التوبة منها مع ما قدمناه في حقوق الله تعالى على الخروج عن عهدة الأموال وإرضاء الخصم في الحال والاستقبال بأن يتحلل منهم أو يردها إليهم أو إلى من يقوم مقامهم من وكيل أو وارث هذا، وفي القنية رجل عليه ديون لأناس لا يعرفهم من غصوب أو مظالم أو جنايات يتصدق بقدرها على الفقراء على عزيمة القضاء إن وجدهم مع التوبة إلى الله.
ولو صرف ذلك المال إلى الوالدين والمولودين أي الفقراء يصير معذورا
стр. 7010
فيها أيضا عليه ديون لأناس شتى كزيادة في الأخذ ونقص في الدفع فلو تحرى في ذلك وتصدق بثوب قوم بذلك يخرج عن العهدة، قال: فعرف بهذا أن في هذا لا يشترط التصدق بجنس ما عليه. وفي فتاوى قاضيخان: رجل له حق على خصم فمات ولا وارث له تصدق عن صاحب الحق بقدر ما له عليه ليكون وديعة عند الله يوصلها إلى خصمائه يوم القيامة.
وإذا غصب مسلم من ذمي مالا أو سرق منه فإنه يعاقب به يوم القيامة؛ لأن الذمي لا يرجى منه العفو فكانت خصومة الذمي أشد، ثم هل يكفيه أن يقول: لك علي دين فاجعلني في حل أم لا بد أن يعين مقداره، ففي النوازل رجل له على آخر دين وهو لا يعلم بجميع ذلك، فقال له المديون: أبرئني مما لك علي. فقال الدائن: أبرأتك فقال نصير ﵀ لا يبرأ إلا عن مقدار ما يتوهم أي يظن أنه عليه، وقال محمد بن سلمة ﵀ عن الكل قال الفقيه أبو الليث حكم القضاء ما قاله محمد بن سلمة وحكم الآخرة ما قاله نصير، وفي القنية من عليه حقوق فاستحل صاحبها ولم يفصلها فجعله في حل يعذر إن علم أنه لو فصله يجعله في حل وإلا فلا قال بعضهم: إنه حسن وإن روى أنه يصير في حل مطلقا. وفي الخلاصة رجل قال لآخر حللني من كل حق هو لك ففعل فأبرأه إن كان صاحب الحق عالما به برئ حكما بالإجماع، وأما ديانة فعند محمد ﵀ لا يبرأ، وعند أبي يوسف يبرأ وعليه الفتوى- انتهى، وفيه أنه خلاف ما اختاره أبو الليث، ولعل قوله مبني على التقوى (١).
وقد سئل الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله تعالى هذا السؤال: إذا دخل عليه محرم لكسبه فما الحكم؟ فأجاب بما نصه:
ج: من دخل عليه محرم لكسبه، فلا يخلو من ثلاث حالات: إحداها: أن يكون عن منفعة محرمة استوفاها من انتقل منه المال
стр. 7011
فهنا لا يرد المال لصاحبه، لكن على من كان بيده التصدق به.
الثانية: أن يصل إليه لا عن وجه المعاوضة كالمغصوب فيلزم رده إلى مالكه أو ورثته.
الثالثة: أن يكون بيده مال لغير من يعلمه كالمغصوب والودائع التي جهل أربابها فله دفعها إلى الإمام أو نائبه وله التصدق بها عنهم؛ لعدم إيصال نفع مالهم إليهم إلا في هذه الصورة. فإذا وجد صاحبه أو ورثته بعد ما تصدق بها خيره بين إمضاء ذلك التصرف، أو يكون الأجر لصاحبها الأصيل، وبين أن يرد هذا التصدق، ويكون الأجر للذي تصدق به، ويضمن المال لصاحبه. أما المحرم لذاته كالميتة، فلا يجوز مطلقا (١) كما سئل رحمه الله تعالى هذا السؤال: إذا كان عندك مال مغصوب وتعذر معرفة صاحبه فما الحكم؟ وعلى أي قاعدة ينبني؟ فأجاب بما نصه:
ج: من تعذر عليه معرفة صاحب الشيء يتصدق به عن صاحبه بشرط الضمان، أو يسلمه إلى الحاكم ويبرأ من تبعته، وذلك مثل إذا كان عندك وديعة لإنسان أو مال مغصوب، وتعذر عليك معرفة صاحبه وأيست من ذلك فأنت بالخيار؛ إما أن تعطيها الحاكم؛ لأن الحاكم ينوب مناب الشخص المجهول ويجعلها في المصالح العامة، وإما أن تتصدق بها عن صاحبها وتنوي إذا وجدته خيرته بين أن تقدمها له ويكون لك أجر الصدقة بها أو يمضي ما تصدقت به. ويكون الأجر له (٢)
стр. 7012
جـ- حكم المال المغلول
لما كان المال المغلول من المكاسب التي حرمها الله تعالى ورسوله ﷺ رأيت أن أكتب بعض ما قاله العلماء فيه.
قال ابن كثير رحمه الله تعالى (حديث آخر) قال أحمد حدثنا أبو سعيد حدثنا عبد العزيز بن محمد حدثنا صالح بن محمد بن زائدة عن سالم بن عبد الله أنه كان مع مسلمة بن عبد الملك في أرض الروم فوجد في متاع رجل غلولا قال: فسأل سالم بن عبد الله فقال حدثني أبي عبد الله عن عمر بن الخطاب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من وجدتم في متاعه غلولا فأحرقوه (١)»
قال: وأحسبه قال (واضربوه) قال: فأخرج متاعه في السوق فوجد فيه مصحفا فسأل سالما؟ فقال بعه وتصدق بثمنه. وكذا رواه علي بن المديني وأبو داود والترمذي من حديث عبد العزيز بن محمد الدراوردي. زاد أبو داود وأبو إسحاق الفزاري كلاهما عن أبي واقد الليثي الصغير صالح بن محمد بن زائدة به، وقال علي بن المديني والبخاري وغيرهما: هذا حديث منكر من رواية أبي واقد هذا، وقال الدارقطني: الصحيح أنه من فتوى سالم فقط، وقد ذهب إلى القول بمقتضى هذا الحديث الإمام أحمد بن حنبل ومن تابعه من أصحابه. وقد رواه الأموي عن معاوية عن أبي إسحاق عن يونس بن عبيد عن الحسن قال: عقوبة الغال أن يخرج رحله فيحرق على ما فيه. ثم روى عن معاوية عن أبي إسحاق عن عثمان بن عطاء عن أبيه عن علي قال: (الغال يجمع رحله فيحرق ويجلد دون حد المملوك ويحرم نصيبه). وخالفه أبو حنيفة ومالك والشافعي والجمهور فقالوا: لا يحرق متاع الغال، بل يعزر تعزير مثله: وقد قال البخاري وقد
стр. 7013
امتنع رسول الله ﷺ من الصلاة على الغال، ولم يحرق متاعه والله أعلم (١) انتهى المقصود مما ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى.
وعند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢)
ذكر القرطبي رحمه الله تعالى حديث أبي هريرة ﵁ الذي رواه مسلم في صحيحه أن رسول الله ﷺ قام ذات يوم فذكر الغلول فعظمه وعظم أمره ثم قال: «لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء يقول يا رسول الله أغثني فأقول لا أملك لك شيئا قد أبلغتك (٣)». . .) الحديث.
ومن كلام القرطبي على هذا الحديث قال:
الرابعة: وفي هذا الحديث دليل على أن الغال لا يحرق متاعه؛ لأن رسول الله ﷺ لم يحرق متاع الوجل الذي أخذ الشملة، ولا أحرق متاع صاحب الخرزات الذي ترك الصلاة عليه " ولو كان حرق متاعه واجبا لفعله ﷺ ولو فعل لنقل ذلك في الحديث، وأما ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه (٤)» فرواه أبو داود والترمذي من حديث صالح بن محمد بن زائدة وهو ضعيف لا يحتج به. قال الترمذي: سألت محمدا يعني البخاري عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد وهو أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث.
وروى أبو داود أيضا عنه قال: (غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد العزيز بن عمر وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه، قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، وروي من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه. قال أبو داود
стр. 7014
وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد ولم أسمعه منه- ومنعوه سهمه. قال أبو عمر قال بعض رواة هذا الحديث: واضربوا عنقه واحرقوا متاعه. وهذا الحديث يدور على صالح بن محمد وليس ممن يحتج به. وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث (١)» وهو ينفي القتل في الغلول. وروى ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ قال: «ليس على الخائن ولا على المنتهب ولا على المختلس قطع (٢)». وهذا يعارض حديث صالح بن محمد، وهو أقوى من جهة الإسناد.
الغال خائن في اللغة والشريعة وإذا انتفى عنه القطع فأحرى القتل.
وقال الطحاوي: لو صح حديث صالح المذكور احتمل أن يكون حين كانت العقوبات في الأموال؛ كما قال في مانع الزكاة: "إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات الله تعالى" وكما قال أبو هريرة في ضالة الإبل المكتومة: فيها غرامتها ومثلها معها، وكما روى عبد الله بن عمرو بن العاص في التمر المعلق غرامة مثليه وجلدات نكال، وهذا كله منسوخ، والله أعلم.
الخامسة: فإذا غل الرجل في المغنم ووجد أخذ منه، وأدب وعوقب بالتعزير.
وعند مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم والليث لا يحرق متاعه، وقال الشافعي والليث وداود إن كان عالما بالنهي عوقب، وقال الأوزاعي يحرق متاع الغال كله إلا سلاحه وثيابه التي عليه وسرجه، ولا تنزع منه دابته، ولا يحرق الشيء الذي غل، وهذا قول أحمد وإسحاق
стр. 7015
وقاله الحسن إلا أن يكون حيوانا أو مصحفا، وقال ابن خويز منداد: وروي أن أبا بكر وعمر ﵄ ضربا الغال وأحرقا متاعه، قال ابن عبد البر، وممن قال يحرق رحل الغال ومتاعه مكحول وسعيد بن عبد العزيز، وحجة من ذهب إلى هذا حديث صالح المذكور. وهو عندنا حديث لا يجب به انتهاك حرمة، ولا إنفاذ حكم؛ لما يعارضه من الآثار التي هي أقوى منه. وما ذهب إليه مالك ومن تابعه في هذه المسألة أصح من جهة النظر وصحيح الأثر. والله أعلم.
السادسة: لم يختلف مذهب مالك في العقوبة على البدن، فأما في المال فقال في الذمي يبيع الخمر من المسلم: تراق الخمر على المسلم، وينزع الثمن من يد الذمي عقوبة له؛ لئلا يبيع الخمر من المسلمين. فعلى هذا يجوز أن يقال: تجوز العقوبة في المال، وقد أراق عمر ﵁ لبنا شيب بماء.
السابعة: أجمع العلماء على أن للغال أن يرد جميع ما غل إلى صاحب المقاسم قبل أن يفترق الناس إن وجد السبيل إلى ذلك، وأنه إذا فعل ذلك فهي توبة له، وخرج عن ذنبه واختلفوا فيما يفعل به إذا افترق أهل العسكر ولم يصل إليه، فقال جماعة من أهل العلم يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي. هذا مذهب الزهري ومالك والأوزاعي والليث والثوري. وروي عن عبادة بن الصامت ومعاوية والحسن البصري وهو يشبه مذهب ابن مسعود وابن عباس؛ لأنهما كانا يريان أن يتصدق بالمال الذي لا يعرف صاحبه وهو مذهب أحمد بن حنبل، وقال الشافعي ليس له الصدقة بمال غيره، قال: أبو عمر فهذا عندي فيما يمكن وجود صاحبه والوصول إليه أو إلى ورثته، وأما إن لم يمكن شيء من ذلك فإن الشافعي لا يكره الصدقة حينئذ إن شاء الله تعالى. وقد أجمعوا في اللقطة على جواز الصدقة بها بعد التعريف وانقطاع صاحبها، وجعلوه إذا جاء مخيرا
стр. 7016
بين الأجر والضمان، وكذلك المغصوب، وبالله التوفيق (١).
وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله تعالى في الكلام على هذه المسألة ما نصه:
المسألة السابعة: اختلف العلماء في حرق رحل الغال من الغنيمة والمراد بالغال من يكتم شيئا من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام ولا يضمه مع الغنيمة.
قال بعض العلماء: يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الحسن وفقهاء الشام، منهم مكحول والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن زيد بن جابر، وأتى سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه.
وقال يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق رحله، رواهما سعيد في سننه، قال ابن قدامة في المغني:
ومن حجج أهل هذا القول: ما رواه أبو داود في سننه عن صالح بن محمد بن زائدة قال أبو داود: وصالح هذا أبو واقد قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم فأتي برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال: سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب عن النبي ﷺ قال: «إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه (٢)». قال: فوجدنا في متاعه مصحفا فسأل سالما عنه- فقال بعه وتصدق بثمنه. انتهى بلفظه من أبي داود.
وذكر ابن قدامة أنه رواه أيضا الأثرم وسعيد وقال أبو داود أيضا: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن
стр. 7017
عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز فغل رجل متاعا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه. قال أبو داود: وهذا أصح الحديثين رواه غير واحد أن الوليد بن هشام أحرق رحل زياد بن سعد، وكان قد غل وضربه.
حدثنا محمد بن عوف: قال حدثنا موسى بن أيوب، قال حدثنا الوليد بن مسلم، قال حدثنا زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده «أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه (١)».
قال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد - ولم أسمعه منه- ومنعوه سهمه قال أبو داود: وحدثنا الوليد بن عتبة، وعبد الوهاب بن نجدة، قالا حدثنا الوليد عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب قوله ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منه سهمه، انتهى من أبي داود بلفظه، وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الترمذي، والحاكم والبيهقي.
قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقد سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة الذي يقال له أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث.
قال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة، وقد قيل: إنه تفرد به. وقال البخاري عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء، وقال الدارقطني أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد. قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ . والمحفوظ أن سالما أمر بذلك وصحح أبو داود وقفه فرواه موقوفا من وجه آخر، وقال: هذا أصح كما قدمنا، وحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضا الحاكم والبيهقي، وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو
стр. 7018
الخراساني. وقد قال فيه ابن حجر في (التقريب) رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة فضعف بسببها، وقال البخاري عن أحمد كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر.
وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه. انتهى.
وقال البيهقي: ويقال إنه غير الخراساني، وإنه مجهول. انتهى.
وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود أنه رواه من وجه آخر موقوفا على عمرو بن شعيب، وقال ابن حجر: إن وقفه هو الراجح.
وذهب الأئمة الثلاثة، مالك، والشافعي، وأبو حنيفة: إلى أنه لا يحرق رحله، واحتجوا بأنه ﷺ لم يحرق رحل غال، وبما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو، «أن رسول الله ﷺ كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالا فنادى في الناس فيجيئون بغنائمهم فيخمسه ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالا ينادي ثلاثا قال نعم. قال ما منعك أن تجيء به فاعتذر إليه فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة. فلن أقبله عنك (١)». هذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود والمنذري وأخرجه الحاكم وصححه.
وقال البخاري: قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر العلماء (٢).
وبعد ما ساق رحمه الله تعالى آراء العلماء في هذه المسألة وأدلتهم على ما رأوه فيها بين رأيه الذي يرجحه فيها فقال:
قال مقيده -عفا الله عنه- والذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة: هو ما اختاره ابن القيم في زاد المعاد بعد أن ذكر الخلاف المذكور في
стр. 7019
المسألة: والصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة، فإنه حرق وترك وكذلك خلفاؤه من بعده. ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة. فليس بحد ولا منسوخ وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام. انتهى
وإنما قلنا: إن هذا القول أرجح عندنا؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة، كما علم في الأصول، والعلم عند الله تعالى (١)
стр. 7020
د- مقتطفات من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث
العلمية والإفتاء في كيفية التخلص من المكاسب المحرمة
ورد إلى اللجنة هذا السؤال: (إن بعض البنوك السعودية تعطي أرباحا بالمبالغ التي توضع لديها من قبل المودعين، ونحن لا ندري حكم هذه الفوائد هل هي ربا أم هي ربح جائز يجوز للمسلم أخذه؟) فأجابت بما يلي:
الأرباح التي يدفعها البنك للمودعين على المبالغ التي أودعوها فيه تعتبر ربا، ولا يحل له أن ينتفع بهذه الأرباح، وعليه أن يتوب إلى الله من الإيداع في البنوك الربوية، وأن يسحب المبلغ الذي أودعه وربحه ويحتفظ بأصل المبلغ وينفق ما زاد عليه في وجوه البر من فقراء ومساكين، وإصلاح مرافق عامة ونحو ذلك (١).
كما ورد إليها أيضا هذا السؤال:
هل يجوز للولد أن يرث من مال أبيه مع علمه بأن المال خبيث ومن طريق غير مشروع كالربا والتجارة في المحرمات؟ فأجابت بما يلي:
стр. 7021
إذا علم أن مال أبيه كله حرام أخذ ما يخصه منه وتخلص منه بإنفاقه في وجوه البر تعففا بما علم أنه حرام ونصح لورثة أبيه أن يتخلصوا مما لهم من هذا المال.
كما سئلت اللجنة أيضا هذا السؤال:
شخص عاش يكسب من حرام مدرسا للموسيقى وعازفا للموسيقى في الملاهي والمراقص ثم تاب واعتزل ذلك الحرام، ولجأ إلى الله فهل من شرط توبته أن يتخلى عن ذلك المال الذي جمعه من هذا الطريق، ثم هو يسأل كيف يتصرف في تلك الأموال مع استعداده لتركها بالكلية، وهل يختلف الأمر إذا كان مستعدا أو غير مستعد للتنازل عن المال ومكتفيا من غيره أم غير مكتف؟ فأجابت بما يلي:
إذا كان كافرا وقت كسبه ما ذكر من الحرام ثم تاب توبة نصوحا من كفره ومن هذا الكسب الحرام تاب الله عليه ولم يجب عليه التخلص مما مضى من الكسب الحرام قبل إسلامه.
وإن كان غير كافر وقت أن كسب هذا المال الحرام ولكنه فاسق بهذا الكسب الحرام ثم تاب فمن شرط قبول توبته التخلص من هذا المال الحرام بإنفاقه في وجوه البر؛ لأن ذلك دليل صدقه في توبته وإخلاصه فيها (١).
هذا وأسأل الله سبحانه أن يغنينا بحلاله عن حرامه وبفضله عمن سواه، وأن يوفقنا إلى العمل بما يرضيه؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عبد الله بن حمد بن عبد الله العبودي
стр. 7022
مصادر البحث
١ - إتحاف السادة المتقين بشرح أسرار إحياء علوم الدين- تأليف السيد محمد بن محمد الحسيني الزبيدي الشهير بمرتضى - طبعة هندية.
٢ - إحياء علوم الدين لأبي حامد محمد بن محمد الغزالي المتوفى سنة ٥٠٥ هـ- نشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع.
٣ - الآداب الشرعية والمنح المرعية تأليف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، نشر مكتبة الرياض الحديثة- توزيع الرئاسة.
٤ - الأشباه والنظائر على مذهب أبي حنيفة النعمان - تأليف الشيخ زين العابدين بن إبراهيم بن نجيب - نشر دار الكتب العلمية بيروت- لبنان.
٥ - أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن تأليف محمد الأمين بن محمد المختار الحلبي الشنقيطي المطبوع على نفقة سمو الأمير أحمد بن عبد العزيز والموزع من قبل الرئاسة.
٦ - اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم- لشيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق محمد حامد الفقي - مكتبة السنة المحمدية.
٧ - بحث اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في الفوائد الربوية.
٨ - تفسير الطبري (المسمى جامع البيان في تفسير القرآن) تأليف الإمام أبي جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة ٣١٠ - طباعة دار المعرفة والنشر- بيروت - لبنان.
٩ - تفسير القرآن العظيم للحافظ عماد الدين أبي الفداء إسماعيل
стр. 7023
ابن كثير القرشي الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ طباعة ١٤٠٣هـ، دار المعرفة - بيروت - لبنان.
١٠ - تفسير القرطبي المسمى (الجامع لأحكام القرآن) لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي المتوفى سنة ٦٧١ - مطبعة دار الكتب المصرية.
١١ - تفسير المنار للشيخ محمد رشيد رضاء - مكتبة القاهرة- الطبعة الرابعة.
١٢ - " التفسير القيم- للإمام ابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ تحقيق محمد حامد الفقي - لجنة التراث العربي- لبنان.
١٣ - جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثا من جوامع الكلم- تأليف زين العابدين أبي الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد بن رجب الحنبلي البغدادي - شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر.
١٤ - الحسبة في الإسلام لشيخ الإسلام ابن تيمية - تحقيق محمد زهري النجار - من منشورات المؤسسة السعيدية بالرياض.
١٥ - الذيل على طبقات الحنابلة- تأليف أحمد بن رجب الحنبلي - مطبعة السنة المحمدية بالقاهرة.
١٦ - زاد المعاد في هدي خير العباد- لابن القيم - الطبعة الثالثة عام ١٩٧٣م، ١٣٩٢هـ، الطبعة المصرية.
١٧ - صحيح البخاري.
١٨ - صحيح مسلم.
١٩ - طبقات الحنابلة- للقاضي أبي الحسين محمد بن أبي يعلى - مطبعة السنة المحمدية- القاهرة.
стр. 7024
٢٠ - الفتاوى السعدية- تأليف الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي - مطبعة دار الحياة- دمشق.
٢١ - فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.
٢٢ - فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبد اللطيف آل الشيخ مفتي المملكة ورئيس القضاة في وقته- جمع وترتيب وتحقيق محمد بن عبد الرحمن بن قاسم - الطبعة الأولى.
٢٣ - الفتاوى الكبرى لشيخ الإسلام ابن تيمية، تقديم حسين محمد مخلوف - دار الكتب الحديثة لصاحبها توفيق عفيفي، ١٤ شارع الجمهورية.
٢٤ - الفقه الأكبر للإمام أبي حنيفة - وشرحه للشيخ ملا علي القارئ الحنفي المتوفى سنة ١٠٠١ طبع مطبعة دار الكتب العربية الكبرى على نفقة أصحابها مصطفى البابي الحلبي وأخويه بكري وعيسى بمصر. ٢٥ - مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية - جمع وترتيب الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم - توزيع الرئاسة.
٢٦ - المجموع شرح المهذب- للإمام أبي زكريا محي الدين بن شرف النووي تحقيق وتكميل محمد نجيب المطيعي، نشر مكتبة الإرشاد بجدة.
٢٧ - مجلة البحوث الإسلامية - العدد العاشر.
٢٨ - مدارج السالكين- للإمام ابن القيم المطبوع على نفقة محمد سرور الصبان والموزع من قبل الرئاسة.
٢٩ - (مقدمات ابن رشد) تأليف الفقيه الحافظ (قاضي الجماعة بقرطبة) أبي الوليد محمد بن أحمد بن رشد المتوفى سنة ٤٢٠هـ- أول طبعة على نفقة الحاج محمد أفندي ساسي المغربي التونسي التاجر
стр. 7025
بجوار محافظة مصر - طبع مطبعة السعادة بجوار ديوان محافظة مصر لصحابها محمد إسماعيل سنة ١٣٢٥هـ.
٣٠ - نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار تأليف محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥هـ، نشر وتوزيع الرئاسة. الطبعة الأولى ١٤٠٢هـ- ١٩٨٢م- طباعة دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع- بيروت - لبنان.
стр. 7026
رسالة مختصرة فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق
للحافظ عبد الرحمن بن رجب
تحقيق وتقديم
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، والصلاة والسلام على النبي الأمين محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد.
فإنه بالرغم من تقهقر الخلافة في المشرق الإسلامي، وانقسامها إلى دويلات متفرقة، بعد الغزو المغولي والصليبي الهمجي الشرس. إلا أن الحركة العلمية والفكرية ظلت محتفظة بقوتها ونشاطها، بل ازدادت عنفوانا وتوهجا في القرن الثامن الهجري على وجه الخصوص بشكل لفت أنظار المؤرخين والباحثين وأدهشهم، ويبدو أن مرجع ذلك هو التحدي الحضاري الذي أخذت الأمة الإسلامية تمارسه ضد التيارات المغولية والصليبية، فبدأت الأمة تلقي بكل ثقلها، لتثبت ذاتها وكيانها، واهتمت بإنشاء المدارس العلمية في كل مكان (١) في هذا الجو المفعم بالأحداث
стр. 7027
والمتغيرات وفي ظل المماليك البحرية كانت ولادة شيخنا ابن رجب، صاحب الرسالة التي نقدم لها.
اسمه ونسبه ومولده.
هو الإمام العلامة زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين السلامي البغدادي ثم الدمشقي، أبو الفرج المشهور بابن رجب الحنبلي ولد في بغداد سنة ٧٣٦هـ.
أسرته ونشأته ورحلته
كانت أسرة الشيخ تقطن ببغداد، ولما هجرها علماؤها إلى حواضر الإسلام الأخرى، انتقل المقرئ أحمد بن رجب بأولاده إلى دمشق واستقر بها. وفيها نشأ ابنه عبد الرحمن بين أحضان أسرته الكريمة. في هذا المحيط العابق، الذي يتضوع كرما وشرفا، تفتحت عبقرية ابن رجب. وكانت موهبته الفطرية اللامعة دافعا قويا نحو الطلب، فسمع كبار علماء عصره، وأخذ عن مشاهير الفقهاء والمحدثين: في بغداد ودمشق ومكة ومصر. كابن قاضي الجبل وابن عبد الهادي والعلائي وغيرهم، واختص شيخه الإمام ابن قيم الجوزية بالملازمة التامة حتى وفاته سنة ٧٥١هـ، وقد انتهى به المطاف إلى دمشق حيث تفرغ للتعليم والإفادة والوعظ والتأليف، فدرس بالمدرسة الحنبلية، وولي حلقة الثلاثاء بعد وفاة شيخه ابن قاضي الجبل سنة ٧٧١هـ.
وفاته
ظل الإمام ابن رجب شعلة من النشاط العلمي المتجدد، إلى أن
стр. 7028
وافاه الأجل سنة ٧٩٥هـ. ولذلك انطوت صفحة من صفحات الجهاد وفقد الناس علما بارزا وإماما فذا، خدم دينه وأمته ودافع عن عقيدتها، وزاهدا ورعا معرضا عن زخرف الدنيا قد ملك عليه العلم وقته وحياته.
عقيدته
الإمام ابن رجب من العلماء الذين ساروا على درب السلف وسلكوا منهجهم في كل شؤونهم. ولا غرو، فهو تلميذ المدرسة السلفية العظيمة التي تخرج فيها أئمة الدين، ونمت فيها أفرع الحق حتى أخنست الباطل وألقمته حجرا وغصصا يتجرعها. بيد أن دعاة الضلال في كل زمان ومكان يتطاولون على مثل هذه القمم الشامخة ويحاولون النيل منها والغض من مكانتها بشتى الوسائل. لكن سرعان ما ينكشف زيفهم ويصبحوا من الناس بمزجر الكلب، وما أثاره المدعو بالكوثري (١) - نحو ابن رجب من هذا القبيل.
آثاره العلمية
ألف ابن رجب كتبا كثيرة تدل على سعة علمه ومعرفته وطول باعه في التفسير والحديث والأصول والفقه، استقصاها المستشرق الأوروبي هنري لاوست ورفيقه في مقدمتهما للذيل على الطبقات. منها: شرح لصحيح البخاري سماه فتح الباري ووقف فيه على كتاب الجنائز، وشرح لجامع الترمذي، وشرح للأربعين النووية وسماه جامع العلوم، وكتاب القواعد الفقهية، ورسالتنا التي بعنوان مختصر فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق. هذه لمحة سريعة عن حياة هذا
стр. 7029
الإمام، الزاخرة بالعلم والجهاد تناسب حجم هذه الرسالة التي نقدم لها. ولعلي في مستقبل الأيام أعرض لترجمته تفصيلا.
стр. 7030
وصف المخطوط
وصلتنا صورة هذه الرسالة ضمن مجموعة خطية عن أصل محفوظ بمكتبة فاتح باستانبول تحت رقم ٥٣١٨. وتقع الرسالة في نحو ثلاث ورقات نسخت سنة ثلاث وتسعين وثمان مائة، بخط عيسى بن علي بن محمد الحوراني الشافعي (١)، كما هو واضح في نهاية المجموعة، وهي مكتوبة بقلم نسخي جيد ومسطرتها ١٩ سطرا (ينظر الأنموذج المرفق).
وقد سجل على طرة المجموع العنوان واسم المؤلف وتملكات ووقفيات مختلفة تبينا منها: عنوان المجموع ومؤلفه ونصه (كتاب مبارك يشتمل على ثمانية عشر مؤلف من تأليف الشيخ الإمام) ثم كتب وسط دائرة بقية الكلام ونصه (العالم العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي تغمده الله بالرحمة والرضوان وأسكنه فسيح الجنان [بجاه] (٢) محمد ﵇!! وتملك على الجانب الأيسر من صفحة العنوان ونصه [دخل] (٣) في ملك. . . الفقير إلى ربه. . . الصمد، علي بن. . . بن محمد. . . دمشق سنة ٩٧٣هـ، وآخر نصه (تملك الفقير إلى ربه. . . الشيخ مصطفى. . . الواعظ)
стр. 7031
ووقفيات: أحدها كتب بقلم ثخين يشبه الخط الفارسي ونصه (وقف الشيخ أحمد المعروف بحاويش زاده على العلماء ببلده. . . . أو كفيل ملي وخرى (؟) ذلك في المحرم الحرام سنة ثلاث وسبعين وألف للهجرة) وآخر في عرض الطرة ونصه (قد وقف. . . النسخة حضرت سلطان (؟) الأعظم والخاقان الأكرم السلطان بن السلطان. . . محمود حاكم الأتراك. . . وأنا الفقير إلى خالق الكونين نعمة الله. . . بحر من (؟) الشريفين).
وقد رسم أعلى هذه الوقفية ختم كبير كتب في داخله ما نصه (الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) وتحته توقيع غير بين، وفي أسفل هذه الوقفية أيضا ختم صغير تتضح في داخله كلمة (نعمة الله) هذا بالإضافة إلى بعض التوقيعات والأرقام المتناثرة. وقد اجتهدت في التعرف على ما اشتبه. فاستعملت عدسة مكبرة وكررت النظر مع ما هي عليه من سوء الحال؛ لتقادم العهد ورداءة التصوير.
أما عن نسبة الكتاب إلى المؤلف. فإني لم أجد له ذكر في كتبه التي اطلعت عليها ولا ذكره أحد ممن ترجم له فيما اطلعت عليه.
وهذا لا يؤثر على نسبة الرسالة إلى المؤلف؛ لأن من ترجم له وعرف به لم يلتزم عد مؤلفاته على سبيل الحصر، وإنما اقتصر على ما اشتهر كما هو معروف في هذا الفن. وبالجملة فأسلوب ابن رجب لا يكاد يخفى على من له أدنى إلمام بكتبه. وهو ما يلمسه من قرأ هذه الرسالة. يضاف إلى ذلك أن هذا المجموع تداولته أيدي العلماء بالتملك والوقف كما سبق.
وقد كتب في أواخر القرن التاسع فالعهد بالمؤلف قريب كما أنه تضمن كتبا أخرى للمؤلف مطبوعة مشهورة. وهذا كله مما يؤكد نسبة الرسالة إلى صاحبها ويرقى بها إلى درجة الثقة. وبعد، فهذا جهد علمي متواضع، بذلته في تحقيق الرسالة بعد أن تواترت عليها الأيام والسنين حبيسة
стр. 7032
الخزائن. وحسبي أني ساهمت في إخراجها إلى حيز المطبوعات. راجيا من الله العلي القدير أن أوفق إلى متابعة هذه الجهود فيما يعود بالنفع. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
وكتبه: الوليد بن عبد الرحمن الفريان
الرياض، المعهد العالي للقضاء
بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
٢٣/ ٥ / ١٤٠٦هـ
стр. 7033
نص الرسالة
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر يا كريم
وبعد. فهذا مختصر، فيما روي عن أهل المعرفة والحقائق في معاملة الظالم السارق.
قد روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن سب السارق والدعاء عليه. خرج أبو داود (١) من حديث عائشة، «أنها سرقت ملحفة لها، فجعلت تدعو على من سرقها، فجعل النبي ﷺ يقول لها: (لا تسبخي عنه) (٢)» قال أبو داود: لا تسبخي، يعني: لا تخففي [عنه] (٣) وخرجه الإمام [أحمد] (٤) من وجه آخر، عن عائشة قالت: «سرقت لحفتي، فدعوت الله على صاحبها، فقال النبي ﷺ : (لا تسبخي عليه، دعيه بذنبه) (٥)» والمراد: أن من ذهب له مال بسرقة، ونحوها فإن ذهابه، من جملة المصائب الدنيوية، والمصائب كلها كفارة للذنوب، والصبر عليها: يحصل (٦) للصابر الأجر الجزيل.
وفي حصول الأجر له على مجرد المصيبة، خلاف مشهور بين العلماء (٧)، فإذا كانت المصيبة من فعل آدمي ظالم: كالسارق والغاصب ونحوهما، فإن المظلوم يستحق أن يأخذ يوم القيامة من حسنات الظالم، فإن لم يكن له حسنات، طرحت من سيئات المظلوم عليه. فإن
стр. 7034
دعا المظلوم على ظالمه في الدنيا، فقد استوفى منه بدعائه بعض حقه، فخف وزر (١٧١ / أ) الظالم بذلك. فلهذا، أمر النبي ﷺ عائشة أن تصبر، فلا تدعو عليه، فإن ذلك يخفف عنه. وخرج الترمذي من حديث عائشة عن النبي ﷺ قال: «من دعا على من ظلمه فقد انتصر (١)» وروى ليث (٢) عن طلحة (٣): أن رجلا لطم رجلا فقال: اللهم إن كان ظلمني فاكفنيه فقال له مسروق: قد استوفيت. وقال مجاهد: لا تسبن أحدا، فإن ذلك يخفف عنه، ولكن أحب لله بقلبك وأبغض لله بقلبك. وقال سالم بن أبي الجعد (٤): الدعاء قصاص.
وشكا رجل إلى عمر بن عبد العزيز رجلا ظلمه، وجعل يقع فيه، فقال له عمر: إنك إن تلقى الله ومظلمتك كما هي، خير لك من أن تلقاه، وقد استقضيتها (٥) وقال أيضا: بلغني أن الرجل، ليظلم بمظلمة، فلا يزال المظلوم يشتم الظالم وينتقصه، حتى يستوفي حقه، ويكون للظالم الفضل عليه (٦) قال بعض السلف لولا أن الناس يدعون
стр. 7035
على ملوكهم، لعجل لملوكهم العقاب. ومعنى هذا: يشير إلى أن دعاء الناس عليهم استيفاء منهم لحقوقهم- من الظالم- أو لبعضها. فبذلك يدفع عنهم العقوبة. وروي عن الإمام أحمد قال: ليس بصابر من دعا على من ظلمه. وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من عبد ظلم [١٧١ / ب] بمظلمة (٢) لله ، إلا أعز الله بها نصره)» ويشهد له ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا (٣)» فإن دعا على من ظلمه بالعدل جاز وكان مستوفيا لبعض حقه منه، وإن اعتدى عليه في دعائه لم يجز. وروي عن ابن عباس في قوله تعالى ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (٤) قال: لا يحب الله أن يدعو أحد على أحد، إلا أن يكون مظلوما، فإنه قد رخص له أن يدعو على من ظلمه وذلك قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (٥) ومن صبر فهو خير (٦) وقال الحسن: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، وذلك قوله تعالى ﴿إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ (٧) ومن صبر فهو خير. وقال
стр. 7036
الحسن: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، من غير أن يعتدي عليه. وروي عنه قال: لا تدع عليه، ولكن قل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه (١) ومن العارفين من كان يرحم ظالمه، فربما دعا له: سرق لبعضهم شيء فقيل له: ادع الله عليه، فقال: اللهم إن كان فقيرا فأغنه، وإن كان غنيا فاقبل (توبته) (٢).
وقال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني، فارحمه، قيل له: كيف ترحمه وهو يظلمك، قال: إنه لا يدري لسخط [١/ ١٧٢ أ] من تعرض. وآذى رجل أيوب السختياني، وأصابه أذى شديدا فلما تفارقوا، قال أيوب: إني لأرحمه، إنا نفارقه وخلقه معه! وقال بعضهم: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنما سعى في مضرته، ونفعك. وقيل لبعض السلف الصالح: إن فلانا يقع فيك، قال: لأغيظ من أمره. يغفر الله لي وله. قيل: من أمره؟! قال الشيطان. وقال الحجاج بن الفراقصة (٣): بلغنا أن في بعض الكتب: من استغفر لظالمه، فقد هزم الشيطان (٤) وقال الفضيل بن عياض: حسناتك من عدوك
стр. 7037
أكثر منها من صديقك؟! إن عدوك يغتابك، فيدفع إليك حسناته الليل والنهار، فلا ترضى إذا ذكر بين يديك [أن تقول] (١) اللهم أهلكه، لا، بل ادع الله له: اللهم أصلحه، اللهم راجع به، فيكون الله يعطيك أجر ما دعوت، فإن من قال لرجل: اللهم أهلكه فقد أعطى الشيطان سؤاله؟! لأن الشيطان إنما يدور منذ خلق الله آدم على هلاك الخلق (٢) وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أن رجلا من إخوان فضيل بن عياض، من أهل خراسان، قدم مكة، فجلس إلى الفضيل في المسجد الحرام يحدثه، ثم قام الخراساني يطوف، فسرقت منه دنانير ستين أو سبعين، فخرج [١٧٢ / ب]، الخراساني يبكي فقال له فضيل: ما لك؟ قال سرقت الدنانير، قال عليها تبكي؟ قال: لا، مثلتني وإياه بين يدي الله فأشرف عقلي على إدحاض حجته، فبكيت رحمة له (٣) وسرق لبعض المتقدمين شيء، فحزن عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين فقال له: إن لم يكن حزنك على أنه قد صار في هذه الأمة من يعمل هذا العمل، أكثر من حزنك على ذهاب مالك، لم تؤد النصيحة لله في عباده إليه!! أو كما قال. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي أمية المخزومي عن النبي ﷺ ، أنه «أتي بلص قد اعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا!! فأمر به، فقطع،
стр. 7038
وجيء به فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر [الله] وأتوب إليه، فقال: اللهم تب عليه، ثلاثا (٢)». ولفظه لأبي داود وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «أتي برجل قد شرب، فقال: (اضربوه) فضربوه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا الشيطان عليه (٣)» وفي رواية له أيضا «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم (٤)» وخرجه النسائي [١٧٣ / أ] بمعناه. وزاد. ولكن قولوا: «رحمك الله (٥)» وخرجه أبو داود، وعنده: ولكن قولوا: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه (٦)» وخرج البخاري أيضا، من حديث عمر بن الخطاب، «أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا (٧)، وكان رسول الله ﷺ يضحك منه، وكان رسول الله ﷺ ، قد جلده في الشراب فأتي به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر
стр. 7039
ما يؤتى به، فقام النبي ﷺ ومال: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)»
تم، وصلى الله على سيدنا محمد.
стр. 7040
قضية البعث
في ضوء الوحي والعقل
بقلم:
الشيخ محمد المجذوب.