الحسن: قد أرخص له أن يدعو على من ظلمه، من غير أن يعتدي عليه. وروي عنه قال: لا تدع عليه، ولكن قل: اللهم أعني عليه، واستخرج حقي منه (١) ومن العارفين من كان يرحم ظالمه، فربما دعا له: سرق لبعضهم شيء فقيل له: ادع الله عليه، فقال: اللهم إن كان فقيرا فأغنه، وإن كان غنيا فاقبل (توبته) (٢).
وقال إبراهيم التيمي: إن الرجل ليظلمني، فارحمه، قيل له: كيف ترحمه وهو يظلمك، قال: إنه لا يدري لسخط [١/ ١٧٢ أ] من تعرض. وآذى رجل أيوب السختياني، وأصابه أذى شديدا فلما تفارقوا، قال أيوب: إني لأرحمه، إنا نفارقه وخلقه معه! وقال بعضهم: لا يكبرن عليك ظلم من ظلمك، فإنما سعى في مضرته، ونفعك. وقيل لبعض السلف الصالح: إن فلانا يقع فيك، قال: لأغيظ من أمره. يغفر الله لي وله. قيل: من أمره؟! قال الشيطان. وقال الحجاج بن الفراقصة (٣): بلغنا أن في بعض الكتب: من استغفر لظالمه، فقد هزم الشيطان (٤) وقال الفضيل بن عياض: حسناتك من عدوك
стр. 7037
أكثر منها من صديقك؟! إن عدوك يغتابك، فيدفع إليك حسناته الليل والنهار، فلا ترضى إذا ذكر بين يديك [أن تقول] (١) اللهم أهلكه، لا، بل ادع الله له: اللهم أصلحه، اللهم راجع به، فيكون الله يعطيك أجر ما دعوت، فإن من قال لرجل: اللهم أهلكه فقد أعطى الشيطان سؤاله؟! لأن الشيطان إنما يدور منذ خلق الله آدم على هلاك الخلق (٢) وفي كتاب الزهد للإمام أحمد أن رجلا من إخوان فضيل بن عياض، من أهل خراسان، قدم مكة، فجلس إلى الفضيل في المسجد الحرام يحدثه، ثم قام الخراساني يطوف، فسرقت منه دنانير ستين أو سبعين، فخرج [١٧٢ / ب]، الخراساني يبكي فقال له فضيل: ما لك؟ قال سرقت الدنانير، قال عليها تبكي؟ قال: لا، مثلتني وإياه بين يدي الله فأشرف عقلي على إدحاض حجته، فبكيت رحمة له (٣) وسرق لبعض المتقدمين شيء، فحزن عليه، فذكر ذلك لبعض العارفين فقال له: إن لم يكن حزنك على أنه قد صار في هذه الأمة من يعمل هذا العمل، أكثر من حزنك على ذهاب مالك، لم تؤد النصيحة لله في عباده إليه!! أو كما قال. وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث أبي أمية المخزومي عن النبي ﷺ ، أنه «أتي بلص قد اعترف، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ﷺ : ما إخالك سرقت؟ قال: بلى، فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا!! فأمر به، فقطع،
стр. 7038
وجيء به فقال: استغفر الله وتب إليه، فقال: أستغفر [الله] وأتوب إليه، فقال: اللهم تب عليه، ثلاثا (٢)». ولفظه لأبي داود وفي صحيح البخاري، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ «أتي برجل قد شرب، فقال: (اضربوه) فضربوه، فلما انصرف، قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله ﷺ : (لا تقولوا هكذا، لا تعينوا الشيطان عليه (٣)» وفي رواية له أيضا «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم (٤)» وخرجه النسائي [١٧٣ / أ] بمعناه. وزاد. ولكن قولوا: «رحمك الله (٥)» وخرجه أبو داود، وعنده: ولكن قولوا: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه (٦)» وخرج البخاري أيضا، من حديث عمر بن الخطاب، «أن رجلا كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حمارا (٧)، وكان رسول الله ﷺ يضحك منه، وكان رسول الله ﷺ ، قد جلده في الشراب فأتي به يوما، فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه ما أكثر
стр. 7039
ما يؤتى به، فقام النبي ﷺ ومال: (لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)»
تم، وصلى الله على سيدنا محمد.
стр. 7040
قضية البعث
في ضوء الوحي والعقل
بقلم:
الشيخ محمد المجذوب.
стр. 7041
* الشيخ محمد المجذوب.
* ولد عام ١٩٠٧ م، بمدينة طرطوس إحدى محافظتي الساحل السوري في بيت متدين.
* تلقى دراسته الأولية في الكتاب ثم في مدارس الدولة العثمانية، ثم على الشيوخ ومن ثم مضى في طلب المزيد من العلم والثقافة معتمدا بعد الله على جهده الشخصي.
* بدأ حبه للمطالعة منذ طفولته، توفي والده وهو في الخامسة عشرة فتحمل عبء الأسرة وحده.
* بدأ عمله في سلك التعليم في مطلع عهد الاستقلال في سوريا ١٩٣٦ م، وما زال يتدرج خلال مراحله حتى التحق بخدمة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة مدرسا من عام ١٣٨٣هـ حتى ١٤٠٣هـ.
* عام ١٩٤٨م، نال الجائزة الأولى من جامعة الدول العربية على نشيده الذي اختير من مائة نشيد.
* دخل ميدان الإنتاج الأدبي والفكري قبيل العشرينات من عمره بقصيدة وطنية نشرتها إحدى الصحف المحلية، ثم برسالة يرد بها على دعاة النصرانية بعنوان: (فضائح المبشرين)، وهكذا حتى بلغت مؤلفاته المطبوعة والمشرفة على الطبع قرابة الخمسين ما بين شعر وقصص وبحوث ثقافية تنطلق جميعها من الرؤية الإسلامية.
стр. 7042
قضية البعث في ضوء الوحي والعقل.
بقلم:
الشيخ محمد المجذوب.
﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (١).
هذه الإشارة الإلهية على صراحتها لا يدرك دلالتها سوى المؤمن الذي أخذ نفسه بأدب القرآن، فهو يتقصى معانيه بكل طاقاته العقلية والشعورية، ولذلك يجد نفسه كل يوم في جديد من هذه المعاني لا تفتأ تفتح لعينيه آفاقا متجددة من أسرار هذا الكتاب، الذي أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير.
لقد كنت أستمع إلى الآيات الكريمة التي رتلها الإمام من سورة (فاطر) أثناء صلاة الفجر، فأسبح في جوها مأخوذا بدلالاتها حتى بلغ قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (٢).
وكأني لا أسمع حروفا وألفاظا بل أشاهد بعين بصيرتي عملية الخلق والتكوين والبعث في مراحلها المتتابعة. . . فأرى الرياح وقد أرسلها البارئ العظيم بصيغة الماضي أرسل فلا تلبث أن تقوم بمهمتها التي وجهت إليها فإذا هي تثير- بصيغة المضارع الدال على الحركة والتجدد- متفرقات من السحاب التي لا تلبث أن تنطلق نحو الجهة التي حددت لها لتصب حمولتها من الماء على الأرض اليابسة، التي فارقت بشاشة
стр. 7043
الحياة، كالميت الذي انقطع عمله، فما إن يمسها ذلك الري حتى تعاودها الحياة بعودة الانفعال والتفاعل والانبهات.
ولكن المشهد لم ينته بعد، فإذا نحن أمام عالم آخر من الوجود المحجوب الذي طالما تساءل عنه الإنسان تشوقا إلى مصيره المجهول، غير أنه على سعته وروعته ولهفته إلى رؤيته لا يكاد يلمع منه سوى الصورة المجملة المقصورة على هاتين الكلمتين ﴿كَذَلِكَ النُّشُورُ﴾ (١) ولذلك فلا مندوحة للعقل من التساؤل هنا عن الصلة بين صدر الآية وخاتمتها، وسرعان ما يجد نفسه تلقاء القضية الكاملة التي تضعه أمام مبدئه ونهايته!.
стр. 7044
من المشهود إلى المحجوب .
إنك ستتذكر حتما هاتيك الصورة المعهودة، التي طالما وقع حسك عليها حين تتلبد السماء بالغيوم، وهي مسوقة بسياط الرياح لتكثف محتوياتها من الذرات المنتشرة، حتى تلقي بها إلى ميت من الأرض ماء غدقا يوقظ هاجع التراب، فينهض لتفجير طاقة الحياة في البذور الدفينة، لتطل من قبورها أعشابا وأشجارا وأثمارا وأزهارا، ولتنشر على البقاع الأخرى المناهل التي تمد الأحياء من بشر وطير وحيوان بكل ما يعوزها من أسباب البقاء.
ولكن الصورة الرائعة لم تستكمل دلالتها بهذه العناصر والمراحل، إذ تحملك من المشهود إلى المحجوب فتذكرك بالمراحل التي تقطعها أنت كذلك في رحلة الحياة، منذ أبدعتك يد الخلاق العظيم من تراب هذه الأرض حتى تصير بك إلى الخمود الذي رأيت مثله في موات الأرض والنبات، وكما أن خمودها لم يعد أن يكون واحدة من مراحل الإبداع الإلهي يستريحان خلاله من الكدح الدؤوب، إلى حين يأتي أمر الله
стр. 7045
بمدد الحياة الجديد، فيستعيدان وجودهما كأتم ما يكون الوجود. . هكذا أنت صائر بقدرة هذا الحكيم العليم بعد الوجود الأول إلى حياة جديدة أخرى، لا كحياة التراب والنبات التي لا وظيفة لها سوى تأمين الحاجات الضرورية للمخلوق؛ الذي سخر الكون المادي لخدمته، بل إلى حياة خاصة بهذا المخلوق الذي ميزه الخلاق الحكيم بالمسؤولية عن أعماله وأقواله، فكان بهذه المسؤولية جديرا بالخلود الذي لا ينقطع، والنعيم أو الجحيم الذي استحقه وفق ميزان العدالة التي لا يضيع عندها عمل عامل ولو مثقال ذرة من الخير أو الشر.
стр. 7046
بين الحياة والموت .
ويستغرقني موضوع البعث حتى ليلاحقني خياله فلا أجد مناصا من معالجته في هذه الخلوة التي أنفرد بها للكتابة، وتتداعى على ذهني الأفكار من هنا وهناك، وأتذكر ذلك المشهد المهيب الذي تعرضه سورة الروم في قول الحي القيوم ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ (١).
فأشخص إلى ذلك التداخل العجيب بين الحياة والموت. فهاهنا حي يخرج من ميت وهناك ميت يخرج من حي. . وهي عملية متجددة أبدا بدلالة الفعل المضارع، ويجب أن تكون مما وقع عليه الحس في وجودنا اليومي. . فأين يحدث هذا. . وكيف؟. .
وسرعان ما انتصبت في بصيرتي صورة الأظفار التي قلمتها آنفا، والشعر الذي قصصته عن رأسي بالجهاز الكهربي. . أليس كلاهما من الأشياء التي توصف بالموت. . أولم يكونا قبيل لحظات يتمتعان بخاصية النوم المستمدة من الكيان الحي الذي يشار به إلي؟. . فتلك هي إذن
стр. 7047
أقرب الصور لخروج الميت من الحي. . فلنبحث عن الصورة المقابلة التي تمثل الحياة وهي خارجة من الميت، وها نحن أولاء نشهدها كل لحظة في انبثاق النبات من أعماق التراب!. . والنبات ما دام محتفظا بخاصية النماء فهو حي، وفي انبثاقه من التراب الجامد أقرب الأمثلة كذلك على خروج الحي من الميت. . وقد رأينا عملية الموت والحياة وهي تتعاور الأرض فبينا نراها هامدة لا أثر للحياة عليها، إذا هي تهتز وتربو بمجرد أن مستها رحمة الله بالغيث المنهمر. . ثم ماذا؟. . ثم توافيك النتيجة المنطقية التي لا تقبل الخلاف، وهي جريان هذا القانون على وجود الإنسان الذي يشارك النبات في مسيرة التطور، من الولادة حتى انطفاء الذبالة الأخيرة. . وفي موعده المقرر بعالم الغيب حيث تفاجئه دعوة الخالق العظيم فإذا هو ينفض عن نفسه غبار الردى ويأخذ طريقه إلى ساحة الحساب!. .
стр. 7048
الرحلة الجديدة .
وما أكاد أفرغ من تملي ذلك المشهد الباهر حتى ترتسم في بصيرتي صورة الحياة بأجمعها، من قبل الولادة حتى قيام الخلق لأداء حسابهم بين يدي ربهم في إطار التفصيل الذي يأخذ بالألباب ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (١).
стр. 7049
إنه نداء موجه من بارئ الكون إلى الناس جميعا فحري بهم أن يتهيئوا لاستماع جوابه بكل ما يملكون من طاقة الوعي. ويخص بالذكر أولئك الذين صرفتهم الغفلة عن مشاهدة الحقائق الناطقة في حيواتهم نفسها، حتى تسلل إلى قلوبهم الشك في إمكان العودة بعد الموت. ويبدأ العرض بمنشأ الإنسان الأول إذ بدأ خلقه من الطين وهي قضية مسلمة لا يختلف فيها عاقلان، وإن غاب عن كثير من المفكرين كيفية الانبثاق الذي أحدث الحركة الحية في ذلك الكائن. . . وتتوالى عملية الخلق إذ تأتي مرحلة التوالد الذاتي حيث تأخذ الحياة سبيلها التكاثري عن طريق التناسل التطوري، فنشهد البذرة الإنسانية في مسيرتها العجيبة نطفة ثم علقة ثم مضغة. . مما لم يكن قد تيسر لأحد من الخلق رصدها قبل العصر الحديث الذي أتيح لذوي التخصص من أهله أن يشاهدوا تلك المراحل عيانا، عن طريق الأشعة الكونية والمناظير الإلكترونية، إلى أن تبرز هذه البذرة خلقا آخر في صورة الطفولة المشهودة.
стр. 7050
شهادة كونية .
ويمضي العرض مع هذا الكائن خلال رحلته الجديدة حتى يبلغ أشده ثم ينتهي إلى أرذل العمر حتى تتعطل ملكاته فتنقطع الصلة بين أمسه ويومه، ويعود كما بدأ لا يستطيع شيئا إلا بمعونة الآخرين. . حتى يحتل مكانه من التراب الذي بدأ منه.
وفجأة يتغير المشهد فإذا نحن أمام ظاهرة الموت تغمر الأرض اليباب، حتى إذا مستها نفحة من رحمة الله استأنفت حركتها نحو النمو والازدهار والإنتاج. . . وقبل أن تتحرك شفاهنا بالتساؤل عن العلاقة بين الظاهرتين نجد أبصارنا وعقولنا مشدودة إلى التعليل الإلهي الشافي الكافي.
стр. 7051
﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١).
فالقضية إذن على غاية من وضوح الدلالة على أننا تلقاء شهادة كونية بأن الله هو الحق الذي لا مندوحة عن الإقرار بربوبيته والتسليم لقدرته التي بأمرها وحكمتها تحققت كل هذه المعجزات المنظورة، وبها ستتحقق المعجزة المنتظرة بعودة الرفات إلى الحياة التي ليس بعدها ممات. . وهي المقدمة القاطعة بـ ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ (٢).
стр. 7052
ونسي خلقه .
وإنه لمن المدهش حقا أن تعمى بعض القلوب عن هذه الحقائق وهي تشهدها أنى اتجهت من هذا الكون بارزة شاخصة تسترعي الانتباه وتثير التفكير، حتى تسمع بعض هؤلاء المضللين يعلن في وقاحة السفهاء ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ (١).
ويبالغ أحدهم في قحته وتعاميه عن هذه الحقيقة إلى حد أن يتحدى نبي الله في إنكارها، ويأتيه بعظم بال يفته في يده ثم ينفخ ذراته في الهواء وهو يقول: (أتزعم أن الله يبعث هذا؟. . .) وسرعان ما يأتيه الجواب من فوق سبع سماوات قرآنا يفحم كل مريد عنيد على وجه الدهر.
﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٢) ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ (٣).
وهل بقي لذلك المغرور ما يقوله وهو يتلقى هذا الرد المخرس الذي يصدم عينيه في كل شيء؟! أفليست إعادة الشيء إلى وضعه الأول أهون وأيسر
стр. 7053
من اختراعه ابتداء. . . وإن كان ذلك صحيحا بالنسبة إلى عمل الإنسان، أفليس هو أحق وأكمل بالنسبة إلى خالق الحياة والموت!!. . وكيف يعتري الشك إنسانا بقدرة ربه على إعادته إلى الحياة بعد الموت، وهو يرى إلى هذه القدرة ماثلة في كل ما يقع عليه البصر والسمع والحس!!!.
﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلاقُ الْعَلِيمُ﴾ (١).
ويا لله ما أروع وأبدع ذلك الاستدارك المخجل لكل معاند ﴿وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ (٢) هذا المغرور المأفون يقدم على وقاحة الإنكار بقدرة ربه ناسيا أن في نفسه وتركيبه، وحتى في لسانه الذي يحركه بمثل هذا الهوس أقرب الأمثلة على أفنه وغروره وتفنيد ضلاله!. .
стр. 7054
الأصل المفقود .
على أن هذا كله من حقه أن يبعثنا على التساؤل كذلك: إذا كان للنبات بذوره التي تحمل خواصه الأساسية، وبها يرجع إلى استئناف حياته من جديد، فهل للإنسان من بذور يعود بها إلى استئناف الحياة كشأن هذا النبات؟. .
الظاهر أن الفصيلة الوحيدة التي يتم بها تواصل النسل الإنساني هي الوسيلة الوحيدة لاستمرار النوع، وهو أمر غير مضمون البقاء. إذ كثيرا ما نرى عقيما ينتهي وجوده بموته. . وقد يذهب الخسف أو الزلزال بأمة فلا تخلف وراءها من أثر. . كالنبتة التي تتلف بذورها فلا ينتظر لها من معاد. . وكالكائنات الحية التي أتى عليها الفناء فلم يبق من دليل على مرورها بالأرض سوى بعض الأحافير. . وبما أن البعث الذي يخبرنا به
стр. 7055
القرآن العظيم هو عام لكل نفس مرت بهذه الحياة وجب أن يكون ثمة (أصل) لا نعرفه منه تنبثق العودة العظمى إلى الحياة الثانية. . . فما هو؟. . وأنى هو؟. .
في صحيح البخاري عن أبي هريرة ﵁ يروي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «ما بين النفختين أربعون، ويبلى كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه، فبه يركب الخلق (١)».
وقد توارد على رواية هذا الخبر العديد من كتب الحديث كمسلم والنسائي وأبي داود وأحمد. . وعلى الرغم من أننا لم نر هذا العجب ولم نعرف عن صفاته سوى ما ورد عنه ﷺ من كونه كحبة الخردل (٢)، فهو من الحقائق المسلمة عند أولي العلم والإيمان لصدورها بحق على لسان المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى. . ومن هنا نطل على (الأصل) المفقود الذي من خلاله نطلع على منطلق الحياة إلى الدار الآخرة.
والظاهر كذلك أن هذا العجب قد خص به الخالق الإنسان دون غيره من سائر الخلق. . وبخاصة عالم النبات الذي زوده من أسباب التجدد بتلك البذور المساعدة على تواصل البقاء على هذه الأرض، حتى إذا بدلت الأرض غير الأرض انتهى دورها، وبدأ دور هذا الإنسان المميز بالتكليف والمعرض للمسؤولية عن أمانة الله، التي أقدم على تحملها بعد أن أحجمت الأرض والسماوات والجبال عن ذلك.
ومع جهلنا التام لماهية هذا العجب فقد فهمنا من كونه الشيء الذي (فيه يركب الخلق) أن له مثل خاصية البذرة النباتية ما إن يتوافر لها الجو الملائم حتى تشرع في التفاعل المتلاحق إلى أن تستكمل صورتها الأولى. .
стр. 7056
بلى شهدنا .
وقديما بحث الإمام أبو محمد بن حزم - في كتابه الفصل- موضوع البذرة وخواصها- وجيناتها المميزة- وكان مما تحدث عنه هناك ما يمكن تسميته بـ (نظرية الكون)، التي تلخص باحتواء البذرة مهما تبلغ من الضآلة على كل خصائص النوع، من جذور وفروع وأوراق وألياف وما لا يحصيه إلا الله من مركباته. . . فمهمتها بعد توافر الوسط الصالح إطلاق كل جزيء منها في سبيله المرسومة حتى يستوفي هيئته المقدرة له.
وهذا مما يذكرنا بمضمون الآية الكريمة من سوره الأعراف حيث يقول جل وعز ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ (١).
ويأتي الحديث الشريف ليفصل لنا مجمل هذا المضمون العجيب بقوله صلوات الله وسلامه عليه وآله - حسب رواية أحمد عن ابن عباس -: «إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم ﵇ بنعمان يوم عرفة، فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها فنثرها بين يديه، ثم كلمهم قبلا) قال (٣)».
وأول ما يتبادر للذهن من مفهوم لهذا الحديث الشريف هو أن في صلب أبي البشر- آدم ﵇ أصول ذراريه جميعا، وأن الله تبارك اسمه قد استخرجهم وأخذ عليهم ميثاق التوحيد، الذي أودعه فطرهم. . ونحن لا نتصور مقدار الصغر الذي كانت عليه هذه الأصول يومذاك، ولكننا لا نستغرب الخبر بعد أن كشف العلم الحديث بعض صفات الذرة التي تنطوي على ما لا يتصور من الطاقة، مع أن أربعين
стр. 7057
مليون ذرة لو رتبت في خط مستقيم لم تتجاوز مقياس البوصة الواحدة!.
فهل يكون الواحد من هذه الأصول هو عجب الذنب الذي يشير إليه الحديث الشريف؟. أو أنها إشارة إلى المقر الذي يكمن فيه هذا الأصل حتى يأتيه داعي الله ليوم الحساب!!!.
وما يهم المفكر هنا بوجه خاص هو أن ثمة أصلا في الإنسان لا يناله البلى ومنه تنطلق أجهزة الحياة لاستعادة هيئته التي حجبها الموت، كما تنطلق بنية النبتة من البذرة المحتوية لكل خواصها.
стр. 7058
من المسؤول .
خلال الربع الثالث من هذا القرن فوجئ الناس بأخبار الأعضاء تزرع في بعض الأجسام، وقد تعددت القلوب التي استعيرت من أجسام لتركب في أجسام غيرها. . وتسابق علماء الأحياء في كشوفهم وتجاربهم المتصلة بهذه الناحية، وكان منها تركيب الخبراء الروس رأس كلب على جسم كلب آخر.
وانطلقت عقيب هذه التجارب أسئلة الفضوليين: هذه القلوب التي تبادلت حملتها، والأدمغة التي يحتمل أن تنقل كالقلوب من أشخاص إلى أشخاص، كيف تؤدي حسابها أمام الله يوم يحشر الخلق للثواب والعقاب؟. أيكون حسابها عن الأجسام التي كانت فيها أم يكون عن الأجسام التي صارت إليها؟!.
حقا إنها لأسئلة محيرة كل التحيير. . ولكن هذه الحيرة لا تلبث أن تتبدد، كالفقاعة التي تتصاعد من أسفل الوعاء فما إن تمس سطحه حتى تفرغ شحنتها في مكانها من الهواء فإذا هي في حكم العدم. . وهذا ما سينتهي إليه المتأمل عندما يعود إلى النظر العميق في وظائف الأعضاء من الجسم الحي.
стр. 7059
وقبل الشروع في ذلك علينا أولا أن نطرح على أنفسنا هذا السؤال: هذا الإنسان الذي نناقش موضوعه. . ما هو؟. . ومن هو؟. . ومن أين يستمد خصائصه الفاعلة؟. .
ليس سؤالنا هذا بالأمر اليسير الباعث على السخرية. . فقبلنا وقف أكابر المفكرين يعانون مثل حيرتنا ثم خرجوا من تساؤلهم إلى مثل هذا السؤال الآخر الذي لم يستطيعوا له جوابا:
أتزعم أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم الأكبر
стр. 7060
موجود فوق المادة .
كل ما علمه الإنسان عن عالمه الأكبر هذا هو أن لكل عضو ولكل جارحة ولكل خلية في جسمه وظيفة خاصة تؤديها في وعي يعجز الحاسبين والحاسبات، ولكن في تعاون شامل بين مجموع عناصره، يؤمن لكل جزيء حقه من الحياة. ولكن ثمة وظيفة أخرى هي الكبرى بالنسبة إلى هذا الكيان العجيب، وهي وظيفة الإشراف الضابط لعمل الكل، فقد يفقد الجسم أحد أعضائه أو جوارحه، كالعين واليد والقدم والبصر والسمع، ومع ذلك يظل ذلك الضابط حاضر العلم بذاته وما حوله، محتفظا بخاصية الإدراك والتذكر والتفكر، حتى تختتم مهمته قي الحياة الدنيا. . وبذلك يتوافر لنا اليقين بأن الأعضاء وسائر الأجزاء المادية من الجسم ليست هي الإنسان، بل هي الوعاء أو الأوعية التي يعمل عن طريقها، كشأن التيار الكهربي الذي ينطلق في الأسلاك فيكون هنا ضوءا وهناك حرارة وهناك حركة. . ويظل التيار هو القوة المؤثرة الأولى التي بانقطاعها يتوقف عمل الأجهزة كلها.
وإذن فالإنسان الذي عليه مدار النقاش لا بد أن يكون موجودا آخر
стр. 7061
فوق المادة، ومن خصائصه الأولى ألا يعتريه البلى الذي يعرض للجسد، بل ينفصل عنه بمجرد انحلال عناصره الحسية، ليواصل وجوده في كينونة أخرى مناسبة له. . وذلك هو السر الذي يطالعنا في مواطن كثيرة من كتاب الله ومن حديث رسوله الأمين صلوات الله وسلامه عليه.
стр. 7062
ذلك هو الإنسان .
١ - ففي القرآن العظيم يقول ربنا تبارك اسمه ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ (١).
فهاهنا أنفس يتوفاها الله بالموت فيمسكها عن العودة إلى الحياة، وأخرى يسكب عليها غيبوبة النوم إلى حين، ثم يطلقها لمواصلة العيش، حتى تستوفي مدتها التي قدرها لها.
والتوفية في كلتا الحالتين إنما هي، والله أعلم، استيفاء المقدار الذي حدد للموت والنوم من قبل القادر الحكيم، الذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماوات والأرض، لأن كل شيء عنده بمقداره ومثل هذا المدلول للتوفية هو المعني في رثاء طرفة على لسان أخته:
عددنا له ستا وعشرين حجة ... فلما توفاها استوى سيدا ضخما
وفي هذا التعبير القرآني دلالة قاطعة على أن للنفس كيانا خاصا قد عين له نطاق محدود من الزمن يقضيه في صحبة الجسد، فإذا استوفاه أمسك بأمر ربه كما يشاء وحيث يشاء إلى حين يشاء.
٢ - ويقول ربنا ﷻ عن نهاية العصاة الذين لم يمنعهم إيمانهم من المقام في مستنقعات الكفر، الذي يعرضهم وأبناءهم للانحراف عن
стр. 7063
سبيل المؤمنين ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (١).
هذا الحوار بين ملائكة الموت وأولئك الخاضعين لأحكام الطواغيت. . إنما يجري بين الفريقين بعد أو أثناء انفصال أرواح هؤلاء عن أبدانهم. ويستحيل أن يحدث ذلك لو كان الموت قد أصاب هذه الأرواح كما أصاب أجسامها، وهو حوار واع يؤكد أن لها كل خواص (الإنسان) الذي كانت تحتل صورته قبل الموت، ولا تفسير لذلك إلا أن هذا المتحدث إنما هو نفسه (الإنسان) الذي تفصل المنية بينه وبين أجزائه الترابية التي انتهت مهمتها.
٣ - وعن الشهداء الذين صدقوا الله ما وعدوه يرينا المولى تباركت أسماؤه هذه الصور السعيدة ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢) ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (٣).
فالشهداء أحياء عند ربهم مرزوقين فرحين مستبشرين. . وهذه أحوال لا يمكن تصورها إلا في أحياء يحتفظون بكل وعيهم الذي عاشوا به من قبل، وإن اختلف النوع بين الحياتين اختلاف العالمين اللذين تنقلوا بينهما. . وفي صحيح مسلم أن «أرواحهم في جوف طير خضر (٤)»، وفي أثر آخر أنها في حواصل طير خفر تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش. وذلك من إكرام ربهم لهم، على حين تكون أرواح الكفرة والفسقة في مقارها المناسبة لها، كما هو الحال بالنسبة إلى آل فرعون الذين يصور لنا الله مصيرهم بقوله الحق ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ (٥).
стр. 7064
فهذا عذاب متصل يبدأ بمرحلة البرزخ عقيب الموت ويمتد إلى ما شاء الله بعد الحساب.
стр. 7065
ليس الموت بالعدم المحض .
والحديث عن الأرواح يستدعي البحث في مصيرها من حيث الاستمرار والانقطاع. . أهي باقية خالدة. . أم أنها كغيرها هن المخلوقات التي تتعرض لتيارات من هذه وتلك؟. .
وقد اختلف العلماء قديما في هذا الموضوع، ولكن أرجح ما وصلوا إليه هو أن روح كل إنسان إنما يبدأ وجوده بنفخة الملك الموكل به، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث ابن مسعود ﵁: «أن خلق ابن آدم يجمع في بطن أمه أربعين يوما نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح (١)». أما متى تنتهي رحلة هذا الروح المخلوق بأمره تعالى من نفخة الملك فلا جواب على ذلك، لأن (الروح لا يلحقه عدم ولا فناء ولا اضمحلال) وقد أخبرنا البارئ سبحانه عن مصير الأشقياء في سورة طه ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَا﴾ (٢) ويكرر المعنى نفسه في سورة فاطر ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾ (٣) فهم مخلدون لا يجدون موتا يريحهم من العذاب ولا تتاح لهم نفحة من الأمن تذيقهم طعم الحياة.
стр. 7066
أما قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ (١).
فقد قال بعض كبار المفسرين إن الصعق شيء غير الموت. وأقول: لعله ضرب من الصدمة الهائلة تضرب الخلق فتشتت وعيهم ثم يعودون إلى رشدهم بالنفخة الثانية. وفي الاستثناء ما ينبئ بأن ثمة من ينجو من ذلك الصعق بإذن الله، ولو كان الصعق هو الموت لكان موتة أخرى، وهو لا يتفق مع الخبر الإلهي ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ (٢) وهي التي حصلت بمفارقة الروح جسدها، إذ ليس الموت في حقيقته بالعدم المحض، بل هو مجرد انتقال من حال إلى حال.
стр. 7067
مناط الثواب والعقاب .
ونتساءل الآن عن الصورة التي يتم بها البعث الموعود، وهو من الأسرار التي اختص بها الخالق العظيم ذاته، فلم يطلعنا على تفصيلاتها إلا قليلا في إشارات الكتاب المجيد، وفي ما أعلم به رسوله. . وكلها متفقة على أنه تعالى يعيد الإنسان كما فطره أول مرة كقوله سبحانه ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾ (١)، ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٢).
وقد رأينا بدء الخلق على الصورة التي تجمع بين الروح والجسد، فكذلك الإعادة بشهادة الحكيم الخبير الذي يقول في سورة التكوير عن بعض ظواهر يوم القيامة ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ (٣) وإنما هو الجمع بين روح الفرد والهيكل المادي، إذ كان الموت قد فصل بينهما فانفرد كل عن الآخر، فإذا جاء موعد الحشر زاوج الله بينهما من جديد.
стр. 7068
وفي الصحيحين عن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله أنه قال: «أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غرلا. . .) (١)» وهي صفات خاصة بالهيكل المادي لا تنصرف لغيره.
بقي أن نسأل أنفسنا أيضا: هذه الأعضاء التي عن طريقها نتعامل مع الإنسان في هذه الدنيا، أهي نفسها التي ستعود ليحتلها الروح يوم البعث؟. . أم هي خلف لها وبديل يخلقها الله بقدرته الخارقة؟.
ليس بالمستغرب في منطق العقل والإيمان أن يعيد سبحانه متفرقات الأجزاء التي دمرها البلى وتناثرت في آلاف بل ملايين الملايين من العناصر الأرضية. . ولكن أي فرق موضوعي بين أجزاء ترابية يستخلصها ربنا بأمره من متاهاتها التي لا يحيط بها علما غيره، وبين أجزاء بديلة يبدعها من جديد، ومن المادة نفسها، ما دامت المسؤولية كلها واقعة على الذات المتحكمة الفاعلة؟. . أو ليس في قول ربنا سبحانه بشأن أهل النار ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ (٢) مما يؤكد هذه الحقيقة وهي كون الروح وحده هو مناط الحساب والعقاب!. .
стр. 7069
الأحلام والرؤى .
ولنتأمل قليلا في حركه الحياة التي نشاهدها في كياننا المادي كله من الأظفار إلى الأشعار إلى الأبشار. . أليست مستمرة التبدل والتجدد حتى ليمكن القول بأن هذا الكيان الذي أخاطبك من خلاله الآن هو موجود آخر غير الذي كان قبل بضع سنوات مثلا!. . وإنها لحقيقة لا مجال فيها للخلاف بين أهل العلم. . وهي تحفزنا لأن نطرح على أنفسنا هذا السؤال الأخر: أي هذه الأجزاء المستمرة التبدل والتجدد هو الذي ترتديه
стр. 7070
الروح يوم النشور. . ثم أيها الذي يشهد علينا أو لنا بين يدي العليم الحكيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟.
ولا يفوتنا أن نتذكر هنا كذلك أن هذا الجسم المكون من عناصر الأرض على اختلافها، من مائع وطيار وجامد، وما لا يحصيه بعد الله سوى ذوي التخصص، قد قضى المبدع العظيم أن يكون موته وتلاشيه سببا في انحلاله إلى كل هذه الأصول، وأن تأخذ كل ذرة منه سبيلها إلى مناسبها، فيلحق بعضها بأجسام أناسي أخرى عن طريق الغذاء أو الدواء أو الهواء. . إلى ما يتصور وما لا يتصور في علم بشر، فكل ذرة منه إذن ستشارك في بناء وعمل الأجسام التي صاحبتها. . ومع يقيننا التام بقدرة الخالق على رجع كل ذرة ونوية إلى أصلها الأول، نوقن كذلك بقدرته على تكوين هذه (الأجزاء الفضلية) - حسب تعبير المرحوم الشيخ حسين الجسر في (الرسالة الحميدية) - تكوينا جديدا على الوجه الذي يشاؤه، وأن كلتا الحالتين في ميزان العظمة الإلهية سواء. . وإنما نستنبط هذا من خبر الوحي عن تبديل جلود أهل النار، مع أن البديل غير المبدل منه. وكفى بهذا دلالة على كون العذاب على الذات وليس الجلود- وأشباهها من أجزاء الهيكل الإنساني - سوى تجسيم لصورة الذات المعذبة. . وهي قضية مشهودة ملموسة في تجارب الإنسان اليومية عن طريق الأحلام والرؤى. . فكم من نائم يعاني أنواع العذاب والآلام، وآخر يتمتع بأصناف النعيم دون أن يشعر بعذابه أو نعيمه جاره أو ضجيعه. . ولا تعليل لذلك إلا بكون الألم واللذة من خصائص الروح دون الجسم.
стр. 7071
الله أنبتكم .
والآن هلم أخي القارئ نختم مطافنا الحافل بذلك المشهد الرائع،
стр. 7072
الذي نطالعه في الحديث الطويل الذي أخرجه الشيخان وفيه يقص علينا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله خبر أولئك العصاة الذين لم يعملوا خيرا وشملتهم رحمة الله أخيرا، فكانوا آخر من يغادر النار «وقد عادوا حمما- فحما ورمادا- فيلقيهم الله في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل (١)».
والحبة قبل أن تصير إلى حميل السيل لم تكن لتحمل أي دلالة على الحياة، ولكنها ما إن تستقر في ذلك المقر حتى تدب فيها الحركة، وتشرع كوامنها في التفتح والازدهار.
وتشدني هذه الصورة الشائقة للمتفحمين، وهم يستقبلون نعمة الله، إلى قوله في سوره نوح ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٢) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٣) فتستوقفني ظاهرة الإنبات مقابلة بالإخراج، فأتساءل عن مدلولها. . وأرجع إلى تقرير المفسرين فلا أراهم يزيدون على القول بعلاقة المشابهة بين خلق الإنسان من عناصر الأرض وخلق النبات منها، وكذلك يقفون في موضوع الخروج والإخراج على المعنى العام للإعادة دون تفكير أو تصور لنوعه.
وأحس هنا باعثا يحفزني على التساؤل: ألا يمكن أن يكون إنشاء الخلق للإنسان الأول على الطريقة نفسها التي أنشأ بها أنواع النبات، وذلك بإيداعه سبحانه بذرة كل من النوعين أحضان الأرض تتفاعل مع عناصرها، حتى إذا شاء إبرازهما أتاح لهما الأسباب المساعدة على النماء فأخذ كل منهما سبيله إلى الظهور على الوجه المقرر له؟. .
стр. 7073
و (الخروج والإخراج) حين يقدر الله عودة الإنسان إلى الحياة ألا يحتملان معنى آخر غير المتبادر من المدلول اللغوي المقابل للدخول والإدخال؟. .
إن الأرض الميتة إذا كان أوان رجعها ساق الله إليها الماء فاهتزت وربت وشرعت بإخراج مضمونها أزواجا من نبات شتى، وعلى هذا يكون من معاني الخروج والإخراج بالنسبة للإنسان أن يهيئ الله الأسباب التي يحرك بها ذلك الأصل- عجب الذنب- الذي (منه يركب الخلق) (١)، كما أخبر على لسان رسوله، وبها يطلق ما كمن فيه من خصائص الجنس البشري، فلا يزال في تفاعله ونموه وتفريعه حتى يستوي على الصورة التي أنشأها أول مرة. . ولذلك تكون عملية البعث جارية على هذا النحو من النظام الإلهي ويكون الإنبات والإخراج على حقيقتهما الماثلة في عودة النبات لاستئناف مسيرته الأولى، وفي عودة الإنسان لأداء حسابه بين يدي مولاه.
стр. 7074
صمام الأمن .
وتأمل معي أخيرا في هذا الشاهد الطريف من ملامح البعث الحسية: هل أتاك نبأ تلك البيوض التي يودعها الجراد أحضان التراب وقد تحجبت في أغلفتها الخاصة، واختلطت مع ذرات الأرض فلا تميزها سوى الأعين الحاذقة الخبيرة!. . وتمر الأيام والشهور وقد تمر السنون وهي في أكياسها دفينة حتى يشاء الله أن تدركها الرطوبة المحيية، فإذا هي تتمطى ثم تتسلل ثم تنتشر لتلتهم كل ما تصل إليه أفواهها التي لا تكل ولا تشبع!.
стр. 7075
وليست هذه البيوض سوى واحدة من آلاف الأشكال التي يتم بها البارئ الحكيم عملية البعث اليومي لأصناف من المخلوقات التي لا يحصيها إلا هو. . ومع ذلك لا تعدم الأذن أن تسمع مغرورا يعلن بوقاحة ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١) وما أخطر هذا الضرب من المجانين على سلام الإنسانية، التي جعل الله الإيمان بالبعث صمام الأمن في وجودها على هذه الأرض.
فلا اطمئنان للإنسان على نفسه وعرضه وماله إلا في كنفه، وكل شقاء يعتري الفرد والجماعة فمرده إلى فقدانه أو نقصانه. . وصدق الله العظيم القائل في كتابه الحكيم ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) وأي ضلال أقتل لصاحبه من قلب سلب نعمة الأمل بلقاء ربه فهو يتخبط في ظلمات اليأس وقد راح يعوض نقصه بالاستكبار عن عبادته، والتكبر على الضعفاء من عباده!!.
ثم من أظلم لنفسه من ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (٣) ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٤) ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٥).
والحمد لله رب العالمين.