الله أنبتكم .
والآن هلم أخي القارئ نختم مطافنا الحافل بذلك المشهد الرائع،
стр. 7072
الذي نطالعه في الحديث الطويل الذي أخرجه الشيخان وفيه يقص علينا رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وآله خبر أولئك العصاة الذين لم يعملوا خيرا وشملتهم رحمة الله أخيرا، فكانوا آخر من يغادر النار «وقد عادوا حمما- فحما ورمادا- فيلقيهم الله في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة، فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل (١)».
والحبة قبل أن تصير إلى حميل السيل لم تكن لتحمل أي دلالة على الحياة، ولكنها ما إن تستقر في ذلك المقر حتى تدب فيها الحركة، وتشرع كوامنها في التفتح والازدهار.
وتشدني هذه الصورة الشائقة للمتفحمين، وهم يستقبلون نعمة الله، إلى قوله في سوره نوح ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الأَرْضِ نَبَاتًا﴾ (٢) ﴿ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ (٣) فتستوقفني ظاهرة الإنبات مقابلة بالإخراج، فأتساءل عن مدلولها. . وأرجع إلى تقرير المفسرين فلا أراهم يزيدون على القول بعلاقة المشابهة بين خلق الإنسان من عناصر الأرض وخلق النبات منها، وكذلك يقفون في موضوع الخروج والإخراج على المعنى العام للإعادة دون تفكير أو تصور لنوعه.
وأحس هنا باعثا يحفزني على التساؤل: ألا يمكن أن يكون إنشاء الخلق للإنسان الأول على الطريقة نفسها التي أنشأ بها أنواع النبات، وذلك بإيداعه سبحانه بذرة كل من النوعين أحضان الأرض تتفاعل مع عناصرها، حتى إذا شاء إبرازهما أتاح لهما الأسباب المساعدة على النماء فأخذ كل منهما سبيله إلى الظهور على الوجه المقرر له؟. .
стр. 7073
و (الخروج والإخراج) حين يقدر الله عودة الإنسان إلى الحياة ألا يحتملان معنى آخر غير المتبادر من المدلول اللغوي المقابل للدخول والإدخال؟. .
إن الأرض الميتة إذا كان أوان رجعها ساق الله إليها الماء فاهتزت وربت وشرعت بإخراج مضمونها أزواجا من نبات شتى، وعلى هذا يكون من معاني الخروج والإخراج بالنسبة للإنسان أن يهيئ الله الأسباب التي يحرك بها ذلك الأصل- عجب الذنب- الذي (منه يركب الخلق) (١)، كما أخبر على لسان رسوله، وبها يطلق ما كمن فيه من خصائص الجنس البشري، فلا يزال في تفاعله ونموه وتفريعه حتى يستوي على الصورة التي أنشأها أول مرة. . ولذلك تكون عملية البعث جارية على هذا النحو من النظام الإلهي ويكون الإنبات والإخراج على حقيقتهما الماثلة في عودة النبات لاستئناف مسيرته الأولى، وفي عودة الإنسان لأداء حسابه بين يدي مولاه.
стр. 7074
صمام الأمن .
وتأمل معي أخيرا في هذا الشاهد الطريف من ملامح البعث الحسية: هل أتاك نبأ تلك البيوض التي يودعها الجراد أحضان التراب وقد تحجبت في أغلفتها الخاصة، واختلطت مع ذرات الأرض فلا تميزها سوى الأعين الحاذقة الخبيرة!. . وتمر الأيام والشهور وقد تمر السنون وهي في أكياسها دفينة حتى يشاء الله أن تدركها الرطوبة المحيية، فإذا هي تتمطى ثم تتسلل ثم تنتشر لتلتهم كل ما تصل إليه أفواهها التي لا تكل ولا تشبع!.
стр. 7075
وليست هذه البيوض سوى واحدة من آلاف الأشكال التي يتم بها البارئ الحكيم عملية البعث اليومي لأصناف من المخلوقات التي لا يحصيها إلا هو. . ومع ذلك لا تعدم الأذن أن تسمع مغرورا يعلن بوقاحة ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (١) وما أخطر هذا الضرب من المجانين على سلام الإنسانية، التي جعل الله الإيمان بالبعث صمام الأمن في وجودها على هذه الأرض.
فلا اطمئنان للإنسان على نفسه وعرضه وماله إلا في كنفه، وكل شقاء يعتري الفرد والجماعة فمرده إلى فقدانه أو نقصانه. . وصدق الله العظيم القائل في كتابه الحكيم ﴿فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢) وأي ضلال أقتل لصاحبه من قلب سلب نعمة الأمل بلقاء ربه فهو يتخبط في ظلمات اليأس وقد راح يعوض نقصه بالاستكبار عن عبادته، والتكبر على الضعفاء من عباده!!.
ثم من أظلم لنفسه من ﴿الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ (٣) ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ (٤) ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٥).
والحمد لله رب العالمين.
стр. 7076
صفحة فارغة
стр. 7077
إن الدين عند الله الإسلام
عثمان بن جمعة بن عثمان ضميرية.
* عثمان بن جمعة بن عثمان ضميرية:
من مواليد رنكوس في سورية عام ١٩٤٩م، تلقى فيها تعليمه الابتدائي، ثم تخرج من الثانوية الشرعية بدمشق، ومن كليتي الشريعة والتربية بجامعة دمشق، ونال الماجستير في الشريعة من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر.
* وله من البحوث المطبوعة:
- نهج الإسلام في الحرب والسلام.
- التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، وهو البحث الفائز بالمرتبة الأولى في مسابقات التوعية الإسلامية بوزارة المعارف بالرياض.
* وله بحوث قدمت لمسابقات التوعية في المناطق وفازت بالمرتبة الأولى، وهي:
- تربية المراهق في المدرسة الإسلامية.
- الغرائز وتربيتها في المنهج الإسلامي.
* وله تحت الطبع:
- الملكية في الشريعة ومدى تداخل الدولة في تقييدها.
- الحسام المحدود في الرد على اليهود، تحقيق.
الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون، أحمده كما ينبغي لكرم وجهه وعز سلطانه، وأستعينه استعانة من لا حول ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أزلفت وأخرت استغفار من يقر بعبوديته، ويعلم أنه لا يغفر له ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، بعثه الله والناس صنفان:
أحدهما: أهل كتاب، بدلوا من أحكامه، وكفروا بالله، فافتعلوا كذبا صاغوه بألسنتهم، فخلطوه بحق الله الذي أنزل إليهم.
فذكر الله لنبيه ﷺ من كفرهم، فقال ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وصنف: كفروا بالله، فابتدعوا ما لم يأذن به الله، ونصبوا بأيديهم حجارة وخشبا وصورا استحسنوها، ونبزوا أسماء افتعلوها، ودعوها آلهة عبدوها. . . فأولئك العرب.
وسلكت طائفة من العجم سبيلهم في هذا، وفي عبادة ما استحسنوا من حوت ودابة ونار وغيره، فذكر الله لنبيه ﷺ جوابا من جواب بعض
стр. 7078
من عبد غيره من هذا الصنف، فحكى جل ثناؤه عنهم قولهم ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ (١).
فلما بلغ الكتاب أجله، فحق قضاء الله تعالى بإظهار دينه الذي ارتضى، فتح سبحانه أبواب سماواته برحمته، فكان خيرته المصطفى لوحيه، المنتخب لرسالته، المفضل على جميع خلقه، محمدا عبده ورسوله، الذي امتن الله علينا ببعثته (٢)، فقال ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (٣)، فصلى الله تعالى عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين، وبعد:
стр. 7079
الحاجة إلى الرسالة:
فقد كانت منة عظيمة، تلك التي امتنها الله على البشرية، عندما جعل هذا الإنسان أكرم مخلوقاته، وزوده بكل المواهب والملكات التي تساعده على عمارة الأرض، وفق منهج الله وشريعته، ليقوم بأعباء وظيفة الخلافة فيها، وتكفل- سبحانه- باحتياجاته كلها، ورسم له منهجا صالحا لحياته، يتفق وفطرته التي فطره الله عليها، من الإيمان بخالقه ومعبوده ومعرفته- سبحانه- بإلهيته وأسمائه وصفاته وأفعاله، ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على وجه التفصيل، وما كان لهذا الإنسان أن يستقل بوضع منهج متكامل لحياته؛ لما جبل عليه من عجز ونقص وضعف، فاقتضت رحمة الله العزيز الرحيم: أن يبعث الرسل، به معرفين، وإليه داعين، ولمن أجابهم مبشرين، ولمن خالفهم
стр. 7080
محذرين. فكانت هداية الله تعالى ورسالاته ضرورة ملحة وحاجة بشرية، لا غنى عنها، ولا استقامة لحياة الناس بدونها.
وقد تكفل الله رحمة منه وفضلا- بإرسال الرسل وإنزال الكتب والشرائع، لتستقيم حياة الناس ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ (١).
فكان ذلك الموكب الكريم من الرسل، صلوات الله عليهم وسلامه، هداة البشرية من لدن آدم ونوح إلى أن ختموا بمحمد ﷺ وقد جاءوا كلهم من عند الله تعالى! بدين واحد هو الإسلام.
стр. 7081
الإسلام بمعناه العام:
والإسلام، بمعناه العام، هو إسلام الوجه لله تعالى، بمعنى التذلل لطاعته والإذعان لأمره والخضوع الكامل له بالجوارح ظاهرا وباطنا والخلوص من الشرك، بكل صوره وأشكاله ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (١).
стр. 7082
وهو دين جميع الأنبياء ﵈:
وقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة، فأخبر في غير موضع من كتابه: أن الإسلام هو دين جميع الأنبياء والمرسلين من أولهم إلى آخرهم، وهو دين من اتبعهم من الأمم السابقة.
стр. 7083
فقال الله تعالى عن نوح ﵇ ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُونِ﴾ (١) ﴿فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢).
وتلك هي دعوة أبي الأنبياء، إبراهيم ﵇، دعوة الإسلام الخالص الصريح، لا يرغب عنها وينصرف إلا ظالم لنفسه، سفيه عليها، مستهتر بها ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ (٣) ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
ولذلك يندد الله تعالى بمزاعم اليهود والنصارى ويبين لهم حقيقة دين إبراهيم ﵇، فيقول ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٥).
وأخبر الله تعالى عنه وعن ابنه إسماعيل- ﵉ بأنهما مستسلمان لله، خاضعان لطاعته، لا يشركان معه في الطاعة أحدا سواه - ولا في العبادة غيره - فهما مسلمان لله ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٦) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٧).
ولم يكتف إبراهيم ﵇ بذلك، بل تركها كلمة باقية في عقبه، وجعلها وصية لذريته ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٨) ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٩)
стр. 7084
وهي الوصية التي كررها يعقوب- ﵇ في آخر لحظة من لحظات حياته، والتي كانت شغله الشاغل الذي لم يصرفه عنه الموت وسكراته، واستجاب أبناؤه لهذه الوصية والدعوة فأسلموا كما أسلم أبوهم ومن سبقه ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
وأخبر عن يوسف ﵇، وهو يتجه إلى ريه في تسبيح الشاكر الذاكر في كل دعوته، وهو في أبهة السلطان وفي فرحة تحقيق الأحلام: أن يتوفاه ربه- حين يتوفاه- مسلما، فيتم بذلك عليه نعمه في الآخرة- كما أتمها في الدنيا- وأن يلحقه بالصالحين، وهم إخوانه من النبيين والمرسلين ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (٢).
وقال الله تعالى عن موسى ﵇، وقد دعا قومه إلى الإسلام ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ (٣).
وفرعون، عندما أدركه الغرق وعاين الموت، أعلن إيمانه واستسلامه، وهو يوقن أن الإسلام هو دعوة موسى ﵇ ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٤).
وسحرة فرعون، لما رأوا آيات ربهم، وأيقنوا أنهم إليه راجعون، دعوا الله أن يتوفاهم مسلمين لله متابعين لموسى في دينه، فقالوا
стр. 7085
لفرعون ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾ (١).
والإسلام هو دعوة سليمان، ﵇، وقد وجهها أيضا لبلقيس في كتاب كريم ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٢) ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (٣) فاستنار قلب بلقيس لهذه الدعوة، وأعلنت إسلامها وتوحيدها مخلصة لله رب العالمين ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (٤).
وقال تعالى عن أنبياء بني إسرائيل ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا﴾ (٥).
وأخبر الله تعالى عن حواريي عيسى ﵇، فقال ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ (٦).
ولما وجد عيسى- ﵇ من بني إسرائيل الذين أرسل إليهم- الكفر، سألهم من أنصاري إلى الله؟ فاستجاب الحواريون لدعوة الإيمان بالله واتباع عيسى في دينه الإسلامي وأشهدوه على ذلك ليكتبهم الله مع الذين شهدوا بالحق وأقروا له بالتوحيد فلما ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٧) ربنا ﴿آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٨).
стр. 7086
وهذا خبر من الله : أن الإسلام دينه الذي بعث به عيسى والأنبياء قبله، لا النصرانية ولا اليهودية، وتبرئة من الله تعالى لعيسى ممن انتحل النصرانية ودان بها، كما برأ إبراهيم من سائر الأديان غير الإسلام، وذلك احتجاج من الله- تعالى ذكره- لنبيه ﷺ على وفد نجران.
وأمر الله تعالى خاتم النبيين محمدا ﷺ بذلك فقال ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) فهو أول المسلمين من هذه الأمة، لأن إسلام كل نبي متقدم على إسلام أمته، وهو ﵇ يبين قي هذا الدعاء مسارعته إلى الامتثال بما أمر به، فلو لم يكن أحد مسلما لكان هو ﵇ أول مسلم لله تعالى، إذ الإسلام دين الأنبياء جميعا.
وكان رسول الله ﷺ إذا قام إلى الصلاة يستفتح بقولة: «وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين، إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين، لا شريك له، وبذلك أمرت وأنا (من) أول المسلمين (٣)».
стр. 7087
فهو صلى ﷺ على دين التوحيد والإسلام لا اليهودية ولا النصرانية، كما أن إبراهيم كذلك، فعن أبي أمامة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : «إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكن بعثت بالحنيفية السمحاء (١)».
وأخبر الله مخاطبا محمدا ﷺ أنه شرع له من الدين ما وصى به الأنبياء قبله وصية واحدة، وهي إقامة الدين الحق ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ (٢).
ثم يخبر الله تعالى أن دين الأنبياء جميعا دين واحد وملة واحدة، وهو الدعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له، فيقول ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ (٣) ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (٤). ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٥) ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٦).
стр. 7088
إعلان الوحدة الكبرى للدين:
ثم يدعو الله تعالى المسلمين لإعلان الوحدة الكبرى للدين من لدن أبي الأنبياء إبراهيم ﵇ إلى عيسى ابن مريم ﵇ إلى دعوة الإسلام الأخيرة، ويدعو أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الواحد ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
стр. 7089
ولذلك أشار النبي ﷺ إلى حقيقة دين الأنبياء ﵈، وأنه الإسلام فأعلن بذلك الوحدة الكبرى للدين، فقال: «أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة، ليس بيني وبينه نبي، والأنبياء إخوة لعلات، أمهاتهم شتى، ودينهم واحد (١)».
стр. 7090
قاعدة التصور الإسلامي وآثارها:
تلك الوحدة الكبرى بين الرسالات، وبين الرسل جميعا، هي قاعدة التصور الإسلامي، وهي التي تجعل الأمة المسلمة الأمة الوارثة لترات العقيدة- القائمة على دين الله في الأرض، الموصولة بهذا الأصل العريق، السائرة في الدرب على هدى ونور، والتي تجعل من النظام الإسلامي النظام العالمي الذي يملك الجميع الحياة في ظله دون تعصب ولا اضطهاد، والتي تجعل من المجتمع الإسلامي مجتمعا مفتوحا للناس جميعا في مودة وسلام.
وهكذا تتلقى الأمة المسلمة تراث الرسالة كله، وتقوم على دين الله في الأرض، ويشعر المسلمون- من ثم- بضخامة دورهم في هذه الأرض
стр. 7091
إلى يوم القيامة. فهم الحراس على أعز رصيد عرفته البشرية في تاريخها الطويل، وهم المختارون لحمل راية الله- وراية الله وحدها- في الأرض، يواجهون بها رايات الجاهلية المختلفة الشارات، من قومية ووطنية وجنسية وعنصرية وصهيونية وصليبية واستعمارية وإلحادية. . . إلى آخر شارات الجاهلية التي يرفعها الجاهليون في الأرض، على اختلاف الأسماء والمصطلحات، واختلاف الزمان والمكان (١).
стр. 7092
التوحيد قاعدة كل رسالة من عند الله:
وقد جاء الرسل والأنبياء- عليهم الصلاة والسلام- من عند مرسل واحد- سبحانه- بكلمة واحدة هي كلمة التوحيد، ودعوة واحدة هي دعوة التوحيد، فالتوحيد هو قاعدة كل ديانة جاء بها من عند الله رسول. ويقرر الله تعالى في القرآن الكريم هذه الحقيقة ويؤكدها، ويكررها في قصة كل رسول، وعلى لسان كل واحد منهم، كما يقررها إجمالا على وجه القطع واليقين ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ (٢). ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٣). ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلا تُفْسِدُوا فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤). ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ (٥) ﴿إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ (٦) ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى﴾ (٧) ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ (٨) ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (٩) ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (١٠).
التوحيد مفتاح دعوة الرسل:
فالتوحيد هو مفتاح دعوة الرسل، وهو أول ما يدخل به المرء في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، فهو أول واجب وآخر واجب،
стр. 7095
ولهذا قال النبي ﷺ لمعاذ بن جبل ﵁ وقد بعثه إلى اليمن: «إنك تأتي قوما من أهل الكتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده - وفي رواية: فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله- فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن أطاعوا بها فخذ منهم وتوق كرائم أموالهم (١)».
وقال رسول الله ﷺ : «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (٢)».
وقد جعل الإمام البخاري ﵀ هذا الحديث تفسيرا لقوله تعالى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ (٣)، فالتخلية في هذه الآية والعصمة في ذلك الحديث بمعنى واحد (٤).
стр. 7096
حقيقة واحدة:
فكل الرسل- عليهم الصلاة والسلام- قد أدركوا حقيقة "التوحيد"، وكلهم بعثوا بها، وكلهم دعا إلى عبادة الله الواحد، دعا إلى الحقيقة التي تلقاها وأمر أن يبلغها، وكان إدراكهم لها هو المنطق الفطري الناشئ من إيقاع الناموس الواحد في الفطرة الواصلة، كما أن نهوضهم لتبليغها هو النتيجة الطبيعية لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة، وبكونها صادرة إليهم من الله الواحد الذي لا يتعدد. . . ومن ثم كان هناك مصدر واحد يتلقى منه البشر التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الإنسان، ولغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني.
стр. 7097
ثبات. . لا تطور . .
مصدر واحد هو مصدر الرسالات. . . جبهة واحدة لا تتعدد، هي التي أنزلت الكتاب بالحق، هذا الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وهو كتاب واحد في حقيقته جاء به الرسل جميعا، فهو كتاب واحد في أصله، وهي ملة واحدة في مجموعها، وهو تصور واحد في قاعدته: إله واحد، ورب واحد، ومعبود واحد، ومشرع واحد لبني البشر، ثم تختلف التفصيلات بعد ذلك وفق حاجات الأمم والأجيال، ووفق أطوار الحياة والارتباطات، حتى تكون الصورة الأخيرة التي جاء بها الإسلام، وأطلق الحياة تنمو في محيطها الواسع الشامل بلا عوائق بأمر الله ومنهجه وشريعته الحية المتجددة في حدود ذلك المحيط الشامل الكبير.
وهذا الذي يقرره القرآن، في أمر الكتاب، هو النظرية الإسلامية في
стр. 7098
خط سير الأديان والعقائد. . . كل نبي جاء بهذا الدين الواحد في أصله، الذي يقوم على القاعدة الأصلية: قاعدة التوحيد المطلق. . . ثم يقع الانحراف عقب كل رسالة، وتتراكم الخرافات والأساطير حتى يبتعد الناس نهائيا عن ذلك الأصل الكبير، وهنا تجيء رسالة جديدة، تجدد العقيدة الأصيلة، وتنفي ما علق بها من الانحرافات وتراعي أحوال الأمة وأطوارها في التفصيلات.
وهذا الثبات في أصل التصور الإيماني هو الذي يتفق مع وظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه في كل زمان، ومع كل رسول، منذ أقدم الأزمان.
стр. 7099
لا نفرق بين أحد من رسله:
ولذلك كان الإيمان برسل الله جميعا، دون تفريق " هو شرط الإيمان، وعدم الإيمان بواحد منهم هو كفر بهم جميعا، إذ الإيمان لا يتجزأ، فعندما يكفر بواحد من رسل الله يكون قد كذب الله الذي أرسله ولأن جميع الرسل ﵈ جاؤوا بكلمة التوحيد، فإن الله سبحانه يقول عمن يكذب بواحد منهم إنهم يكذبون الرسل- مع أنهم لم يرسل إليهم إلا رسولا واحدا، ليوحي التعبير بأن تكذيب الرسول الواحد هو بمثابة تكذيب الرسل كلهم، لأنهم كلهم يقولون ذات الشي، بلا تغيير- فمن كذب واحدا منهم فقد كذبهم جميعا.
стр. 7100
﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٢) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (٣) ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٤) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٥) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (٦) ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (٨) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (٩) ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٠) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١١) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٢) ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (١٣) ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ﴾ (١٤) ﴿إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾ (١٥).
ولذلك يتوعد الله ﵎ أولئك الذين يكذبون واحدا من الرسل، فيقول ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (١٦) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (١٧).
وذلك هو شأن اليهود والنصارى، الذين كذبوا رسل الله إلى خلقه بوحيه، حيث فرقوا بين الله ورسله في الإيمان، فآمنوا ببعض الأنبياء وكفروا ببعض، بمجرد التشهي والعادة وما ألفوا عليه آباءهم، لا عن دليل قادهم إلى ذلك، فإنه لا سبيل إلى ذلك الدليل. بل بمجرد الهوى والعصبية، فاليهود- عليهم لعائن الله-: آمنوا بالأنبياء إلا عيسى ومحمدا، عليهما الصلاة والسلام، والسامرة منهم: لا يؤمنون بنبي بعد يوشع خليفة موسى بن عمران. والنصارى الضالون: آمنوا بعيسى (١٨) وبالأنبياء من قبله، وكفروا بخاتمهم وأشرفهم محمد ﷺ ومن كلا الفريقين أو الطائفتين من آمن بنبوة محمد ﷺ ولكن على أنه نبي للعرب
стр. 7101
خاصة، وليست رسالة عامة للبشر كافة، ولا لبني إسرائيل - بزعمهم- ونحو هذا من تفرقاتهم التي كانت تعنتا وزورا وضلالة، واتخذوا بين أضعاف ذلك طريقا إلى الضلالة التي أحدثوها، والبدعة التي ابتدعوها، - يدعون الناس إليه، فكفروا عندئذ بالله ورسله على ما يؤدي إليه مذهبهم وتقتضيه آراؤهم وتحكماتهم- وإن لم يصرحوا بأنهم يؤمنون بالله ويكفرون برسله- بل حصل كفرهم بطريق الالتزام. . . فالإيمان ببعض الأنبياء والرسل والكفر ببعضهم الآخر كفر بالله تعالى وتفريق بين الله ورسله، لأنه قد أمرهم بالإيمان بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وما من نبي إلا وقد أخبر قومه بحقيقة دين نبينا محمد ﷺ فمن كفر بواحد كفر بالكل وبالله تعالى أيضا من حيث لا يشعر.
стр. 7102
الكفر بواحد من الرسل كفر بالجميع:
والمقصود: أن من كفر بنبي من الأنبياء فقد كفر بسائر الأنبياء، فإن الإيمان واجب بكل نبي بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض، فمن رد نبوته للحسد أو العصبية أو التشهي يتبين أن إيمانه بمن آمن به من الأنبياء ليس إيمانا شرعيا، إنما هو عن غرض وهوى وعصبية.
стр. 7103
وأخرج الإمام الطبري بسنده عن قتادة في تفسير آية النساء السابقة أنه قال: أولئك أعداء الله، اليهود والنصارى، آمنت اليهود بالتوراة وموسى، وكفروا بالإنجيل وعيسى، وآمنت النصارى بالإنجيل وعيسى، وكفروا بالقرآن وبمحمد ﷺ ، فاتخذوا اليهودية والنصرانية، وهما بدعتان ليستا من الله وتركوا الإسلام، وهو دين الله الذي بعث به رسله.
стр. 7104
التصور الإسلامي لوحدة الرسالة والرسل:
والقرآن الكريم ينكر على هؤلاء وهؤلاء، ويقرر التصور الإسلامي الشامل الكامل عن الإيمان بالله ورسله. وبدون تفريق كذلك بين رسل الله جميعا.
إن التوحيد المطلق لله سبحانه يقتضي توحيد دينه الذي أرسل به الرسل للبشر، وتوحيد رسله الذين حملوا هذه الأمانة للناس، وكل كفر بوحدة الرسل أو وحدة الرسالة هو كفر بوحدانية الله في الحقيقة، وسوء تصور لمقتضيات هذه الوحدانية، فدين الله للبشر ومنهجه للناس هو هو، لا يتغير في أساسه، كما أنه لا يتغير في مصدره.
ولذلك عبر السياق القرآني هنا عمن يريدون التفرقة بين الله ورسله - بأن يؤمنوا بالله ويكفروا بالرسل- وعمن يريدون التفرقة بين الرسل - بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض- عبر عن هؤلاء وهؤلاء بأنهم: ﴿الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (١) و ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ (٢)
أما المسلمون: فهم الذين يشتمل تصورهم الاعتقادي على الإيمان بالله ورسله جميعا بلا تفرقة، فكل الرسل عندهم موضع اعتقاد واحترام، وكل الديانات السماوية عندهم حق، ما لم يقع فيها التحريف، فلا
стр. 7105
تكون عندئذ من دين الله وإن بقي جانب منها لم يحرف، إذ أن الدين وحدة، وهم يتصورون الأمر كما هو في حقيقته: إلها واحدا. . . وموكب الإيمان في حسهم موصول بعقيدة نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد وإخوانهم من الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم جميعا.
﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (١). ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا﴾ (٢) ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (٣).
ولذلك استحقوا الأجر من الله تعالى واستحقوا أن يكونوا هم المؤمنون حقا في مقابل أولئك الكافرين حقا ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٤).
стр. 7106
ولله في هذا حكمة:
والإسلام إنما يتشدد هذا التشدد في توحيد العقيدة في الله ورسله:
أ- لأن هذا التوحيد هو الأساس اللائق بتصور المؤمن له سبحانه.
ب- كما أنه هو الأساس اللائق بوجود منظم غير متروك للتعدد والصدفة والتصادم.
جـ- ولأنه هو العقيدة اللائقة بإنسان يرى وحدة الناموس في هذا الوجود أينما امتد بصره.
стр. 7107
د- ولأنه التصور الكفيل بضم المؤمنين جميعا في موكب واحد يقف أمام صفوف الكفر، وفي حزب واحد يقف أمام أحزاب الشيطان. . . ولكن هذا الصف الواحد ليس هو صف أصحاب الاعتقادات المحرفة - ولو كان لها أصل سماوي- إنما هو صف أصحاب الإيمان الصحيح والعقيدة التي لم يدخلها انحراف.
стр. 7108
هذا الدين وهذه الأمة:
ومن ثم كان الإسلام هو " الدين " الذي لا يقبل الله من الناس غيره، لأنه هو الذي يتفق مع وحدانية الله ومقتضيات هذه الوحدانية، وكان " المسلمون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ (١) المسلمون المعتقدون عقيدة صحيحة، العاملون بهذه العقيدة، لا كل من ولد في بيت مسلم، ولا كل من لاك لسانه كلمة الإسلام. . . .
وفي ظل هذا البيان يبدو الذين يفرقون بين بعض الرسل وبعض منقطعين عن موكب الإيمان، مفرقين للوحدة التي جمعها الله، منكرين للوحدانية التي يقوم عليها الإيمان بالله (٢).
стр. 7109
بين الإيمان والإسلام:
وبعد أن عرفنا الإسلام بمعناه العام، حري بنا أن نتعرف على معناه في لسان اللغة العربية، ثم في اصطلاح الشرع، بمعناه الخاص، ونوازن هذا المعنى بمعنى الإيمان.
معنى الإيمان لغة:
الإيمان له في لغة العرب استعمالان، لأنه تارة يتعدى بنفسه،
стр. 7110
فيكون معناه التأمين، أي إعطاء الأمان، تقول: آمنت فلانا إيمانا، وأمنته تأمينا، بمعنى واحد. قال الله تعالى ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (١) ومنه اسمه تعالى " المؤمن " لأنه أمن عباده من أن يظلمهم.
وتارة يتعدى بالباء أو اللام، فيكون معناه التصديق (٢)، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ (٣) ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ (٤)