﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (١).
وقد جعل الله لشريعته خاتمة الشرائع، ورسالته خاتمة الرسالات، لأن فيها الكمال والشمول لما يصلح الناس وأحوال معيشتهم ومعادهم، ولم يترك ﷺ خيرا إلا دعا الناس إليه، أو شرا إلا وحذرهم منه، كما قال ﷺ : «تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك (٢)». وكما في قوله ﷺ : «ما بعث الله من نبي إلا كان حقا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم وينذرهم شر ما يعلمه لهم (٣)». خرجه مسلم في صحيحه.
وقوله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا أبدا ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي (٤)». . ففي كتاب الله أمر بالدعوة إلى دين الله دين الحق الذي لا يقبل سبحانه من البشر سواه، قال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (٥). وقال سبحانه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٦) وفي سنة رسول الله ﷺ حث على الدعوة. وتوضيح لما يجب أن يؤديه المسلم نحو دين الله بتوضيحه لسائر البشر فهو أمانة ملقاة على عواتق أهل العلم ولا تبرأ ذممهم إلا بذلك نحو إخوانهم المسلمين بالتوضيح والنصح، قال ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا - وشبك بين أصابعه (٧)». رواه البخاري ومسلم، وقال ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا
стр. 7142
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى (١)». متفق عليه.
فالمسلمون في أي مكان وزمان واجب عليهم التناصح فيما بينهم، والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر عليه، قال تعالى ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (٢) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٣) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٤). وقال تعالى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (٥). وقال ﵊: «الدين النصيحة الدين النصيحة الدين النصيحة قالوا لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (٦)».
فالواجب على المسلم الامتثال لأوامر الله وطاعة رسوله ﷺ ، والنصح لله ولعباده لأن في ذلك السعادة كلها في الدنيا والآخرة، والعزة للمسلمين لا تكون إلا بذلك حيث يعلي سبحانه كلمتهم وينصرهم على أعدائهم مهما كثروا وتعاونوا.
ولقد سمعنا وقرأنا الأخبار عن كثير من إخواننا المسلمين في المجتمعات التي غالبية سكانها من غير المسلمين، وما يحصل عليهم من التسلط والتضييق في إقامة شعائر دينهم لإبعادهم عنه، إما بالإكراه أو بطرق أخرى. فنسأل الله لهم ولجميع المسلمين الثبات على الإسلام والعافية من مكائد الأعداء.
ولا شك أنهم على ثغرة مهمة من ثغور الإسلام، ويحتاجون والحالة هذه إلى كل مساعدة وعون سواء من الناحية السياسية وهذا خاص بالحكومات الإسلامية من العرب وغيرهم التي لديها غيرة على الإسلام،
стр. 7143
ولها علاقات مع تلك الدول، بإرسال المندوبين وبعث الرسائل والتأكيد على ممثلياتها وما إلى ذلك من الوسائل والأساليب التي تعين إخوانهم في تلك الأقليات، وترفع معنوياتهم، وتشعر من يتسلط عليهم بأن لهم إخوانا في العقيدة يهتمون بأمرهم ويتابعون أخبارهم ويغارون عليهم. وسوف يرتفع الضيم والظلم عن المسلمين- إن شاء الله- عندما تشعر تلك الدول وغيرها أن وراء هذه القلة المسلمة دول تتألم لآلامهم، وتهتم بشؤونهم، فتنصاع لمطالبهم، وترفع يدها عن ظلمهم، ولا سيما أن غالب تلك الدول بحاجة إلى البلاد الإسلامية في الشؤون الاقتصادية وغيرها.
والقلة المسلمة في كل مكان لا شك أنهم في أمس الحاجة إلى المساعدة المادية والمعنوية، لإقامة المساجد وبناء المدارس، ونحو ذلك مما يعينهم في عملهم الإسلامي، وواجب على كل مسلم أن يعينهم بقدر طاقته مع إرسال الدعاة لهم، لتعليمهم العقيدة الصحيحة، واللغة العربية والعلوم الإسلامية، لأن الكثير منهم في جهل كبير بأمور دينهم. وبهذه المناسبة نحب أن نشير إلى أن للرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد -بحمد الله- جهودا في مختلف البلاد الإسلامية والبلاد التي فيها أقليات، وتشاركها في ذلك رابطة العالم الإسلامي وبعض الدول والمؤسسات الأخرى، أسأل الله أن ينفع بهذه الجهود وأن يجعلها خالصة لوجهه الكريم، وأن يوفق القائمين على ذلك لما يحب ويرضى.
فقد قامت الرئاسة بمواصلة نشر رسالة الإسلام في ربوع إفريقيا وأوروبا، وأجزاء من أمريكا وآسيا واستراليا، لإيصال كلمة الحق إلى الناس عبر المحاضرات والدروس والكتب واللقاءات والاتصالات بشتى
стр. 7144
الطبقات، وبأنواع الثقافات، ومن خلال المساجد والمدارس والجمعيات والمؤسسات الإسلامية التي تدعمها وتساهم في تأسيسها وبنائها، بواسطة دعاتها المنبثين في سائر أرجاء الأرض، فالرئاسة توجه نشاطاتها فيما يقرب من خمسين بلدا في إفريقيا وحدها ولها أكثر من ألف داعية هناك، يبلغون كلمة الإسلام، ويدعون إلى دين الله في المساجد والمجتمعات والمناسبات المتعددة ويقومون بالتدريس والوعظ وإرشاد الناس بالحسنى إلى صراط الله المستقيم، وإلى العقيدة الصحيحة التي بلغها نبينا محمد ﷺ لأمته، وسار على نهجها الصفوة الأولى من هذه الأمة.
وقد نفع الله بجهود هؤلاء الدعاة وأخبار أعمالهم ظاهرة بحمد الله، حيث أسلم علي أيديهم من أراد الله هدايته.
أما في أمريكا وأوروبا واستراليا فقد قامت الرئاسة ضمن جهود أخرى بإرسال العديد من الوفود، وذلك لمعايشة هذه الأقليات المسلمة وتقصي الحقائق عن أوضاع المسلمين، وتقويم أعمالهم، ومعرفة ما يستجد بشأنهم وإيجاد الحلول لما يعترضهم من مشكلات، وبيان ما ينقصهم في علمهم الإسلامي.
وقد تمخض عن ذلك إرسال الكثير من الدعاة والمدرسين إلى البلدان المحتاجة التي يوجد فيها أقليات مسلمة، ودعم الجمعيات والمراكز في بناء منشآتها ماديا ومعنويا مع تزويدهم بأمهات الكتب والمراجع العلمية، والنصح والإرشاد لهم، لعل الله ينفع بذلك.
وعلى سبيل المثال يوجد لهذه الرئاسة دعاة في بريطانيا عددهم (٢٣) داعية، وفي فرنسا (١٥) داعية، وفي البرتغال داعية، وفي الدنمارك داعيان، وفي ألمانية الغربية (٥) دعاة، وفي اليونان (٤) دعاة، وفي إيطاليا داعية، وفي بلجيكا (٥) دعاة، وفي تركيا (٨) دعاة، وفي جزر
стр. 7145
الكناري داعية، وفي جزر المارتينك داعية، وفي سوسرا داعية، وفي قبرص (٣) دعاة، وفي هولندا داعية، وفي النمسا داعية، وفي الولايات المتحدة الأميريكية (٣١) داعية، وفي كندا (٧) دعاة، وفي البرازيل (٩) دعاة، وفي الأرجنتين داعية، وفي البحر الكاريبي داعية، وفي ترينيداد (٣) دعاة، وفي سورينام داعيان، وفي غويانا داعيان، وفي جزر فيجي داعيان، وفي استراليا (٥) دعاة، وفي نيوزيلندا داعية واحد. .
أما في آسيا فتقوم الرئاسة بتوفير عدد لا بأس به من الدعاة في البلدان التي يوجد بها أقليات إسلامية لنشر الدعوة الإسلامية بينهم المبنية على أساس من العقيدة الصحيحة حسبما أخذها السلف الصالح عن رسول الله ﷺ وفهمها أصحابه رضوان الله عليهم.
كما وضعت مكاتب ومشرفين لمتابعة أعمال الدعاة، وتوزيعهم حسب حاجة تلك البلدان وبحث ما فيه مصلحة لدعم الجمعيات الإسلامية المعروفة بسلامة الاتجاه بعد التأكد من حاجتهم بالكتب الإسلامية والكتابة إلى المؤسسات التعليمية لتزويدهم بالمقررات المدرسية كما تقوم بالمساهمة في إكمال مشروعاتهم التي تعود على المسلمين هناك بالنفع في دينهم ودنياهم كالمساهمة في بناء المساجد وترميمها وتزويدها بالمصاحف، وتوثيق المؤسسات الإسلامية للاطمئنان على سلامة القائمين على العمل وصدقهم، وذلك بإعطائهم توصيات خاصة لمحبي الخير لمساعدتهم في عملهم الخيري، وإرسال الوفود من الرئاسة لتفقد أحوال الأقليات ومعرفة احتياجاتهم الضرورية.
وللرئاسة عدد من الدعاة في بلدان أخرى بقارة آسيا يوجد بها أقليات إسلامية كالهند التي يوجد بها (٩) دعاة، والفلبين (٦) دعاة، وتيلاند (٣٧) داعية، ونيبال (١٥) داعية، وسريلانكا (١٤) داعية، واليابان
стр. 7146
(٥) دعاة، وكوريا داعية، وسنغافورة داعيان. وكل ما ذكرت من عمل الرئاسة ودعمها للجمعيات الإسلامية والمراكز الإسلامية وإرسال الدعاة وغير ذلك من أعمال إسلامية كله إنما يتم بفضل الله سبحانه ثم بفضل حكومتنا الرشيدة وعلى رأسها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد حفظه الله من كل سوء ونصر به الحق وفسح في أجله على خير عمل. . .
وبهذه المناسبة التي تعقدها ندوة الشباب العالمية لبحث أوضاع الأقليات الإسلامية في العالم، أوصي إخواني الدعاة جميعا بتقوى الله والعمل بإخلاص في تبليغ هذا الدين مستحضرين ما جاء في كتاب الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، في فضل الدعوة وآداب الدعاة، حيث قال سبحانه ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (١). ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (٣).
وما ثبت عن رسول الله ﷺ في الأحاديث الصحيحة التي منها قوله ﷺ : «من دل على خير فله مثل أجر فاعله (٤)». وقوله ﷺ لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ لما بعثه إلى خيبر: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٥)».
ووصيتي لإخواني المسلمين في الأقليات الإسلامية وفي كل مكان أن يتقوا الله وأن يتفقهوا في دينهم ويسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم، وأن يحرصوا على تعلم اللغة العربية ليستعينوا بها على فهم كتاب الله عز
стр. 7147
وجل وسنة نبيه ﷺ ، وأول ذلك الاهتمام بكتاب الله فهما وعملا، كما جاء في الحديث الصحيح: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه (١)». ثم قراءة كتب الحديث الموثوقة المعتبرة، وغيرها من كتب الفقه والعقيدة المعتمدة عند أهل السنة والجماعة. وأن يتلقوا كل ذلك على أيدي علماء معروفين بالصلاح والتقوى وحسن العقيدة والعلم الصحيح.
وعلى الإخوة العلماء في المجتمعات ذات الأقلية المسلمة أن ينشطوا في مجال الدعوة إلى الله بين إخوانهم وغيرهم، ولهم الأجر والثواب من الله .
وهذا العمل من أجل الأعمال وأعظمها كما تقدم في قوله تعالى ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٢) ثم بعد ذلك يجب عليهم تبليغ هذا الدين إلى من حولهم من الأمم الأخرى، لأن دين الإسلام للناس كافة قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (٣) وهذه المجتمعات بأشد الحاجة إلى هذا الدين، والداعي إلى الله يحصل له الأجر العظيم إذا كان سببا في هداية هؤلاء وإرشادهم لما خفي عليهم من أمور دين الإسلام كما تقدم في قول النبي ﷺ لعلي بن أبي طالب: «فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (٤)».
فبهذه الدعوة يدخل في دين الله، دين الإسلام إن شاء الله أفواج ويقل عدد الكفار فتصبح الغلبة إن شاء الله تعالى للمسلمين، وإن لم يتمكن المسلم في تلك البلاد من الدعوة فعليه أن يلتزم بدينه وأن يتخلق بالأخلاق والآداب الإسلامية لأنها دعوة بالفعل، ولأنها محببة لذوي
стр. 7148
العقول الصحيحة فيتأثر الناس غالبا بهذه الصفات الحميدة. ولقد دخل الإسلام إلى بعض دول شرق آسيا بأخلاق التجار من الأمانة والصدق في المعاملة.
ومتى عجز المسلم عن إظهار دينه في بلد إقامته، بحيث لا يأمن على دينه وعرضه وماله، فإنه يجب عليه الهجرة إلى بلاد آمنة يستطيع أن يؤدي شعائر دينه بأمن وراحة بال، عملا بالآيات والأحاديث الواردة في ذلك.
ولا يفوتني أن أشكر القائمين على هذه الندوة جهودهم الطيبة في خدمة الإسلام والمسلمين.
نسأل الله لنا ولهم ولجميع المشاركين في هذا المؤتمر التوفيق والسداد وصلاح النية والعمل إنه جواد كريم وصلى الله على نبينا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 7149
أسئلة.
مقدمة من جريدة البلاد إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين. . أما بعد:
فهذه إجابة موجزة عن أسئلة تقدمت بها إلي صحيفة البلاد وأسأل الله التوفيق لإصابة الحق:
السؤال الأول: متى تعتبر المرأة طالقا؟ وما الحكمة من إباحة الطلاق؟
الجواب: تعتبر المرأة طالقا إذا أوقع زوجها عليها الطلاق وهو مكلف مختار ليس به مانع من موانع وقوع الطلاق كالجنون والسكر ونحو ذلك. وكانت المرأة طاهرا طهرا لم يجامعها فيه، أو حاملا أما إن كان الزوج مجنونا أو مكرها أو سكران ولو آثما في أصح قولي أهل العلم، أو قد اشتد به الغضب شدة تمنعه من التعقل لمضار الطلاق لأسباب واضحة تؤيد ما ادعاه من شدة الغضب مع تصديق المطلقة له في ذلك أو شهادة البينة المعتبرة بذلك، فإنه لا يقع طلاقه في هذه الصور لقوله ﷺ «رفع القلم عن ثلاثة الصغير حتى يبلغ، والنائم حتى يستيقظ والمجنون حتى يفيق) (١)».
ولقوله ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٢).
فإذا كان المكره على الكفر لا يكفر، إذا كان مطمئن القلب بالإيمان، فالمكره على الطلاق من باب أولى، إذا لم يحمله على الطلاق سوى الإكراه.
стр. 7150
ولقوله ﷺ : «لا طلاق ولا عتاق في إغلاق (١)». خرجه أحمد وأبو داود، وابن ماجه وصححه الحاكم.
وقد فسر جمع من أهل العلم منهم الإمام أحمد ﵀ الإغلاق بالإكراه والغضب الشديد.
وقد أفتى عثمان ﵁ الخليفة الراشد وجمع من أهل العلم بعدم وقوع طلاق السكران الذي قد غير عقله السكر، وإن كان آثما.
أما الحكمة في إباحة الطلاق فهي من أوضح الواضحات لأن الزوج قد لا تناسبه المرأة وقد يبغضها كثيرا لأسباب متعددة كضعف العقل وضعف الدين وسوء الأدب ونحو ذلك. فجعل الله فرجا في طلاقها وإخراجها من عصمته حيث قال سبحانه ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ (٢) وقال ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) الآية.
السؤال الثاني: متى يباح الطلاق وما هي شروط صحته؟.
الجواب: يباح الطلاق إذا دعت الحاجة إليه ولم يتيسر الإصلاح.
أما شروط صحته فتعلم من جواب السؤال الأول.
السؤال الثالث: الطلاق في حال الغضب هل يقع؟.
الجواب: تقدم الجواب عن هذا السؤال في جواب السؤال الأول.
السؤال الرابع: ما هي أسباب الطلاق من وجهة نظر سماحتكم؟.
الجواب: للطلاق أسباب كثيرة، منها عدم الوئام بين الزوجين بأن لا تحصل محبة من أحدهما للآخر، أو من كل منهما. ومنها سوء خلق المرأة، أو عدم السمع والطاعة لزوجها في المعروف، ومنها سوء خلق الزوج وظلمه للمرأة وعدم إنصافه لها. ومنها عجزه عن القيام بحقوقها أو
стр. 7151
عجزها عن القيام بحقوقه. ومنها وقوع المعاصي من أحدهما أو من كل واحد منهما، فتسوء الحال بينهما بسبب ذلك. حتى تكون النتيجة الطلاق، ومن ذلك تعاطي الزوج المسكرات أو التدخين، أو تعاطي المرأة ذلك. ومنها سوء الحال بين المرأة ووالدي الزوج أو أحدهما، وعدم استعمالها السياسة الحكيمة في معاملتهما أو أحدهما.
ومنها عدم عناية المرأة بالنظافة والتصنع للزوج باللباس الحسن والرائحة الطيبة والكلام الطيب والبشاشة الحسنة عند اللقاء والاجتماع.
السؤال الخامس: من أسباب الطلاق يا سماحة الشيخ عدم رؤية الزوج لزوجته قبل الدخول عليها، وديننا الإسلامي قد أباح ذلك فما تعليق سماحتكم حول هذا الموضوع؟.
الجواب: لا شك أن عدم رؤية الزوج للمرأة قبل النكاح قد يكون من أسباب الطلاق، إذا وجدها خلاف ما وصفت له. ولهذا شرع الله سبحانه للزوج أن يرى المرأة قبل الزواج حيث أمكن ذلك. فقال ﷺ : «(إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل، فإن ذلك أحرى إلى أن يؤدم بينهما) (١)»، رواه أحمد وأبو داود بإسناد حسن. وصححه الحاكم من حديث جابر ﵁. وروى أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه «عن المغيرة بن شعبة ﵁: أنه خطب امرأة. فقال النبي ﷺ : (انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما) (٢)».
وروى مسلم في صحيحه «عن أبي هريرة ﵁: أن رجلا ذكر لرسول الله ﷺ أنه خطب امرأة. فقال له ﷺ : (أنظرت إليها؟. فقال: لا. قال: اذهب فانظر إليها) (٣)».
وهذه الأحاديث وما جاء في معناها كلها تدل على شرعية النظر
стр. 7152
للمخطوبة قبل عقد النكاح، لأن ذلك أقرب إلى التوفيق وحسن العاقبة. وهذا من محاسن الشريعة التي جاءت بكل ما فيه صلاح العباد وسعادة المجتمع في العاجل والآجل فسبحان الذي شرعها وأحكمها وجعلها كسفينة نوح من ثبت عليها نجا ومن خرج عنها هلك.
السؤال السادس: الإسلام لم يضع الطلاق إلا كحل أخير للفصل بين الزوجين. ووضع حلولا أولية قبل اللجوء إلى الطلاق فلو تحدثنا يا سماحة الشيخ عن هذه الحلول التي وضعها الإسلام لفض النزاع بين الزوجين قبل اللجوء إلى الطلاق؟.
الجواب: قد شرع الله الإصلاح بين الزوجين واتخاذ الوسائل التي تجمع الشمل وتبعد شبح الطلاق. ومن ذلك الوعظ والهجر والضرب اليسير إذا لم ينفع الوعظ والهجر، كما في قوله سبحانه ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١).
ومن ذلك بعث الحكمين من أهل الزوج وأهل الزوجة عند وجود الشقاق بينهما، للإصلاح بين الزوجين كما في قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢).
فإن لم تنفع هذه الوسائل ولم يتيسر الصلح واستمر الشقاق، شرع للزوج الطلاق إذا كان السبب منه، وشرع للزوجة المفاداة بالمال إذا لم يطلقها بدون ذلك إذا كان الخطأ منها أو البغضاء لقوله سبحانه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ (٣)
стр. 7153
الآية.
ولأن الفراق بإحسان خير من البقاء مع الشقاق والخلاف، وعدم حصول مقاصد النكاح التي شرع من أجلها.
ولهذا قال سبحانه ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ (١) وصح «عن رسول الله ﷺ أنه أمر ثابت بن قيس الأنصاري ﵄ لما لم تستطع زوجته البقاء معه لعدم محبتها له وسمحت بأن تدفع إليه الحديقة التي أمهرها إياها أن يقبل الحديقة ويطلقها تطليقة ففعل ذلك (٢)». رواه البخاري في الصحيح.
السؤال السابع: كيفية الحد من اللجوء إلى الطلاق يا سماحة الشيخ؟.
الجواب: يعلم جواب السؤال المذكور من جواب السؤال الذي قبله.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 7154
فتوى من
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
في حكم صلاة الجمعة في القرى
السؤال:
ما حكم إقامة صلاة الجمعة في القرى، هل هي واجبة أم لا؟
الجواب:
لا يخفى أن الحق ضالة المؤمن متى وجدها أخذها، ولا يخفى أيضا أن المرجع في مسائل الخلاف هو كتاب الله وسنة رسوله وصفوته من خلقه نبينا محمد ﷺ كما قال الله سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ (٢) وقال : ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٣).
وقد تأملت أدلة الفريقين بوجوب إقامة صلاة الجمعة في القرى والقائلين بعدم وجوبها وعدم صحتها. ورأيت أدلة أصحاب القول الأول وهم الجمهور أوضح وأكثر وأصح، ومما يوضح ذلك أن الله سبحانه فرض على عباده إقامة صلاة الجمعة في قوله تعالى:
стр. 7155
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ (١) الآية.
وقول النبي ﷺ : «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين (٢)» رواه الإمام مسلم في صحيحه.
ولأن النبي ﷺ أقام صلاة الجمعة في المدينة وهي في أول الهجرة في حكم القرى وأقر أسعد بن زرارة على إقامة صلاة الجمعة في نقيع الخضمات وهو في حكم القرية ولم يثبت أنه ﷺ أنكر ذلك والحديث في ذلك حسن الإسناد ومن أعله بابن إسحاق فقد غلط لأنه قد ثبت تصريحه بالسماع، ولأنه ﷺ قال «صلوا كما رأيتموني أصلي (٣)»، وقد رأيناه صلى الجمعة في المدينة من حين هاجر إليها، ولأنه ﷺ أقر أهل جواثا وهي قرية من قرى البحرين على إقامة صلاة الجمعة، والحديث بذلك مخرج في صحيح البخاري ولأنها إحدى الصلوات الخمس في يوم الجمعة فوجب أداؤها على أهل القرى كأهل الأمصار وكصلاة الظهر في حق الجميع في غير يوم الجمعة وإنما تركت إقامتها في البادية والسفر لعدم أمره ﷺ للبوادي والمسافرين بإقامتها، ولأنه ﷺ لم يقمها في السفر فوجبت إقامتها فيما سوى ذلك ومعلوم أن الذي سوى ذلك هو القرى والأمصار، ولأن في إقامتها مصالح عظيمة من جمع أهل القرية في مسجد واحد ووعظهم وتذكيرهم كل أسبوع بما شرع الله في خطبتي الجمعة وبما ذكرنا من الأدلة يتضح لكل منصف صحة قول الجمهور وأنه أقرب إلى الحق من قول من خالفهم وأنه أنفع للمسلمين في أمر دينهم ودنياهم وأقرب إلى براءة الذمة وصلاح الأمة أما أثر علي ﵁ فهو موقوف عليه، ولا يصح المرفوع كما نبه على ذلك غير واحد منهم النووي ﵀ مع
стр. 7156
أن في صحة الموقوف نظرا لأن في أسانيده عند عبد الرزاق الثوري ﵀ ولم يصرح بالسماع وهو موصوف بالتدليس وجابرا الجعفي والحارث الأعور وكلاهما ضعيف.
وفي سنده عند ابن أبي شيبة الأعمش ولم يصرح بالسماع وهو مدلس معروف لكن عنعنته وعنعنة الثوري محمولة على السماع فيما خرجه البخاري ومسلم ﵄ في الصحيحين. أما في غير الصحيحين فليس هناك مانع من تعليل روايتهما بذلك إذا لم يصرحا بالسماع.
هذا ما ظهر لي وأسأل الله أن يوفقني وسائر إخواني لإصابة الحق وأن يمن علينا جميعا بإيثار الحق على ما سواه وأن يعيذنا جميعا من التعصب واتباع الهوى في جميع الأحوال إنه ولي ذلك والقادر عليه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7157
حديث شريف
عن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: «مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكير فحامل المسك إما أن يحذيك وإما أن تبتاع منه وإما أن تجد منه ريحا طيبة. ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه رائحة خبيثة (١)»
رواه البخاري
كتاب الذبائح والصيد - باب المسك
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 7160
مجلة البحوث الإسلامية
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 7161
المحتويات
الافتتاحية
كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
بحث الهيئة:
١ حكم استحالة النجس إلى طاهر اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣
٢ مشروع التكافل الاجتماعي اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٤٢
الفتاوى
الفتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٤٩
فتوى في إخراج الأرز في زكاة الفطر لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧٩
حول الشهادتين معناهما وما تستلزمه كل منهما للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الجبرين ٨١
من أعلام المجددين الإمام أحمد بن حنبل ﵀ للدكتور صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان ١٢٩
مجال عمل المرأة في الإسلام الدكتور / محمد بن أحمد الصالح ١٤٣
أثر الإيمان في إشاعة الاطمئنان الدكتور / محمد بن سعد الشويعر ١٥٦
تحقيق رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري الدكتور ناصر بن عقيل بن جاسر الطريفي ١٩٥
شهادة الزور وخطرها للشيخ عبد الله بن صالح القصير ٢٥٥
عبد الرزاق بن همام الصنعاني ومصنفه بقلم أحمد بن عبد الرحمن الصويان ٢٧٣
стр. 7162
الاحتساب: الحاجة إليه ومنزلته في الأديان السابقة وتفضيل أمة الإسلام به الدكتور محمد عثمان صالح ٣٠١
مناهجنا والتربية الإسلامية الدكتور محمد عثمان كشميري ٣١٥
مكتبة الأمويين الإسلامية في قرطبة وتأثيرها الفكري في شعوب غرب أوربا الدكتور / محمد محمد إبراهيم ٣٣٤
الجهاد الأفغاني- جهاد إسلامي يجب على المسلمين دعمه ومساندته لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٥٤
أثر المرأة في حياتكم سؤال من مجلة الجيل إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٥٩
الجواب المفيد في حكم التصوير لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٦٢
стр. 7163
صفحة فارغة
стр. 7164
الافتتاحية
كيف نحارب الغزو الثقافي الغربي والشرقي.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه.
وبعد فمما لا شك فيه أن أخطر ما تواجهه المجتمعات الإسلامية في الوقت الحاضر هو ما يسمى بالغزو الثقافي بأسلحته المتنوعة، من كتب وإذاعات وصحف ومجلات وغير ذلك من الأسلحة الأخرى، ذلك أن الاستعمار في العصر الحديث قد غير من أساليبه القديمة؛ لما أدركه من فشلها، وعدم فعاليتها، ومحاربة الشعوب واستماتتها في الدفاع عن دينها وأوطانها ومقدراتها وتراثها، حيث إن الأخذ بالقوة وعن طريق العنف والإرهاب مما تأباه الطباع؛ وتنفر منه النفوس، لا سيما في الأوقات الحاضرة، بعد أن انتشر الوعي بين الناس، واتصل الناس بعضهم ببعض، وأصبح هناك منظمات وهيئات كثيرة تدافع عن حقوق الشعوب، وترفض الاستعمار عن طريق القوة، وتطالب بحق تقرير المصير لكل شعب، وأن لأهل كل قطر حقهم الطبيعي في سيادتهم على أرضهم، واستثمار مواردهم، وتسيير دفة الحكم في أوطانهم، حسب ميولهم ورغباتهم وطريقتهم في الحياة، وحسب ما تدين به تلك الشعوب من معتقدات ومذاهب وأساليب مختلفة للحكم، مما اضطر معه إلى الخروج عن هذه الأقطار بعد قتال عنيف وصدامات مسلحة وحروب كثيرة دامية.
стр. 7165
ولكنه قبل أن يخرج من هذه الأقطار فكر في عدة وسائل، واتخذ كثيرا من المخططات بعد دراسة واعية، وتفكير طويل، وتصور كامل لأبعاد هذه المخططات، ومدى فعاليتها وتأثيرها، والطرق التي ينبغي أن تتخذ للوصول إلى الغاية التي يريد، وأهدافه تتلخص في إيجاد مناهج دراسية على صلة ضعيفة بالدين، مبالغة في الدهاء والمكر والتلبيس، ركز فيها على خدمة أهدافه، ونشر ثقافته، وترسيخ الإعجاب بما حققه في مجال الصناعات المختلفة، والمكاسب المادية في نفوس أغلب الناس، حتى إذا ما تشربت بها قلوبهم، وأعجبوا بمظاهر بريقها ولمعانها، وعظيم ما حققته وأنجزته من المكاسب الدنيوية والاختراعات العجيبة، لا سيما في صفوف الطلاب والمتعلمين الذين لا يزالون في سن المراهقة والشباب، اختارت جماعة منهم ممن انطلى عليهم سحر هذه الحضارة لإكمال تعليمهم في الخارج في الجامعات الأوربية والأمريكية وغيرها، حيث يواجهون هناك بسلسلة طويلة من الشبهات والشهوات على أيدي المستشرقين والملحدين بشكل منظم، وخطط مدروسة وأساليب ملتوية في غاية المكر والدهاء - وحيث يواجهون الحياة الغربية بما فيها من تفسخ وتبذل وخلاعة وتفكك ومجون وإباحية.
وهذه الأسلحة وما يصاحبها من إغراء وتشجيع، وعدم وازع من دين أو سلطة، قل من ينجو من شباكها، ويسلم من شرورها - وهؤلاء بعد إكمال دراستهم وعودتهم إلى بلادهم، وتسلمهم المناصب الكبيرة في الدولة، أخطر من يطمئن إليهم المستعمر بعد رحيله، ويضع الأمانة الخسيسة في أيديهم لينفذوها بكل دقة بل بوسائل وأساليب أشد عنفا وقسوة من تلك التي سلكها المستعمر، كما وقع ذلك فعلا في كثير من البلاد التي ابتليت بالاستعمار، أو كانت على صلة وثيقة به، أما الطريق إلى السلامة من هذا الخطر، والبعد عن مساوئه وأضراره، فيتلخص في إنشاء الجامعات والكليات والمعاهد المختلفة بكافة اختصاصاتها؛ للحد من الابتعاث إلى الخارج، وتدريس العلوم بكافة أنواعها مع العناية بالمواد الدينية والثقافة الإسلامية في جميع الجامعات والكليات والمعاهد، حرصا على سلامة عقيدة الطلبة، وصيانة أخلاقهم وخوفا على
стр. 7166
مستقبلهم - وحتى يساهموا في بناء مجتمعهم على نور من تعاليم الشريعة الإسلامية، وحسب حاجات ومتطلبات هذه الأمة المسلمة، والواجب التضييق من نطاق الابتعاث إلى الخارج، وحصره في علوم معينة لا تتوافر في الداخل.
فنسأل الله التوفيق لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد، وحماية المسلمين من كل ما يضرهم في عقائدهم وأخلاقهم، إنه جواد كريم، وهذا المقام مع ما ذكرنا آنفا يحتاج إلى مزيد من العناية في إصلاح المناهج، وصبغها بالصبغة الإسلامية على وجه أكمل، والاستكثار من المؤسسات العلمية التي يستغني بها أبناء البلاد عن السفر إلى الخارج - واختيار المدرسين والمدرسات والمديرين والمديرات، وأن يكون الجميع من المعروفين بالأخلاق الفاضلة، والعقيدة الطيبة والسيرة الحسنة والغيرة الإسلامية والقوة والأمانة؛ لأن من كان بهذه الصفات أمن شره ورجي خيره، وبذل وسعه في كل ما من شأنه إيصال المعلومات إلى الطلبة والطالبات سليمة نقية.
أما إذا اقتضت الضرورة ابتعاث بعض الطلاب إلى الخارج؛ لعدم وجود المعاهد الفنية المتخصصة، لا سيما في مجال التصنيع وأشباهه، فأرى أن يكون لذلك لجنة علمية أمينة لاختيار الشباب الصالح في دينه وأخلاقه، المتشبع بالثقافة والروح الإسلامية، واختيار مشرف على هذه البعثة معروف بعلمه وصلاحه ونشاطه في الدعوة؛ ليرافق البعثة المذكورة، ويقوم بالدعوة إلى الله هناك، وفي الوقت نفسه يشرف على البعثة ويتفقد أحوالها وتصرفات أفرادها، ويقوم بإرشادهم وتوجيههم وإجابتهم عما قد يعرض لهم من شبه وتشكيك وغير ذلك.
وينبغي أن تعقد لهم دورة قبل ابتعاثهم ولو قصيرة، يدرسون فيها جميع المشاكل والشبهات التي قد تواجههم في البلاد التي يبتعثون إليها، ويبين لهم موقف الشريعة الإسلامية منها، والحكمة فيها، حسب ما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وكلام أهل العلم مثل أحكام الرق، وتعدد الزوجات بصفة عامة، وتعدد أزواج النبي ﷺ بصفة خاصة وحكم الطلاق
стр. 7167
وحكمة الجهاد ابتداء ودفاعا، وغير ذلك من الأمور التي يوردها أعداء الله على شباب المسلمين؛ حتى يكونوا على استعداد تام للرد على ما يعرض لهم من الشبه. أما عن مجابهة الغزو المتمثل في الإذاعات والكتب والصحف والمجلات والأفلام التي ابتليت بها المجتمعات الإسلامية في هذا العصر، وأخذت تشغل أكثر أوقات المرء المسلم والمرأة المسلمة، رغم ما تشتمل عليه في أكثر الأحيان من السم الزعاف، والدعاية المضللة، فهي من أهم المهمات لحماية الإسلام والثقافة الإسلامية من مكائده وشره مع التأكيد على دعاة الإسلام وحماته للتفرغ لكتابة البحوث والنشرات والمقالات النافعة، والدعوة إلى الإسلام، والرد على أصناف الغزو الثقافي، وكشف عواره، وتبيين زيفه، حيث إن الأعداء قد جندوا كافة إمكاناتهم وقدراتهم، وأوجدوا المنظمات المختلفة والوسائل المتنوعة، للدس على المسلمين والتلبيس عليهم، فلا بد من تفنيد هذه الشبهات وكشفها، وعرض الإسلام عقيدة وتشريعا وأحكاما وأخلاقا عرضا شيقا صافيا جذابا، بالأساليب الطيبة العصرية المناسبة، وعن طريق الحكمة والموعظة الحسنة، والجدال بالتي هي أحسن من طريق جميع وسائل الإعلام حسب الطاقة والإمكان؛ لأن دين الإسلام هو الدين الكامل الجامع لكل خير، الكفيل بسعادة البشر، وتحقيق الرقي الصالح والتقدم السليم والأمن والطمأنينة والحياة الكريمة، والفوز في الدنيا والآخرة.
وما أصيب المسلمون إلا بسبب عدم تمسكهم بدينهم كما يجب، وعدم فهم الأكثرين لحقيقته، وما ذلك إلا لإعراضهم عنه، وعدم تفقههم فيه، وتقصير الكثير من العلماء في شرح مزاياه، وإبراز محاسنه وحكمه وأسراره، والصدق والصبر في الدعوة إليه، وتحمل الأذى في ذلك بالأساليب والطرق المتبعة في هذا العصر، ومن أجل ذلك حصل ما حصل اليوم من الفرقة والاختلاف، وجهل الكثير بأحكام الإسلام والتباس الأمور عليهم.
ومعلوم أنه لن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، والذي صلح به أولها هو اتباع كتاب الله الكريم، وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة
стр. 7168
والتسليم كما قال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٣) وقد وعدهم الله سبحانه على ذلك النصر المبين، والعاقبة الحميدة، كما قال سبحانه، وهو أصدق القائلين ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤) وقال سبحانه ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ (٥) وقال ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٦) وقال سبحانه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٧) والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولما حقق سلفنا الصالح هذه الآيات الكريمات قولا وعملا وعقيدة، نصرهم الله على أعدائهم، ومكن لهم في الأرض ونشر بهم العدل، ورحم بهم العباد وجعلهم قادة الأمة، وأئمة الهدى، ولما غير من بعدهم غير عليهم كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٨)
стр. 7169
فنسأل الله سبحانه أن يرد المسلمين حكومات وشعوبا إلى دينهم ردا حميدا، وأن يمنحهم الفقه فيه، والعمل به والحكم به، وأن يجمع كلمتهم على الحق، ويوفقهم للتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه، إنه سميع قريب وصلى الله وسلم على نبينا وسيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه بإحسان.
الرئيس العام.
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
стр. 7170
بحث الهيئة
حكم استحالة النجس إلى طاهر
التكافل الاجتماعي
стр. 7171
صفحة فارغة
стр. 7172
حكم استحالة النجس إلى طاهر
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد:
بناء على ما تقرر في الدورة الثانية لهيئة كبار العلماء المنعقدة في الرياض في النصف الثاني من ربيع الأول سنة ١٣٩٦ هـ من إعداد بحث في حكم استعمال المياه المتنجسة بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة عنها، أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في ذلك مشتملا على تمهيد في بيان معنى الاستحالة، وإيضاح هذا المعنى بكلام أهل العلم في حكم استحالة النجس إلى طاهر بالإحراق أو غيره، وهل تطهر الخمر بالاستحالة، ثم بيان كلام أهل العلم في حكم استعمال المياه المتنجسة بعد استحالتها، وزوال أعراض النجاسة عنها. وبالله التوفيق.
أولا التمهيد:
(أ) معنى الاستحالة لغة:
جاء في معنى حال: كل شيء تغير عن الاستواء إلى العوج فقد حال في معنى واستحال وهو مستحيل (١) ومعناها اصطلاحا انقلاب حقيقة إلى حقيقة أخرى (٢)
стр. 7173
(ب) استحالة النجس إلى حقيقة أخرى بالإحراق أو غيره هل تكسب الطهارة:
اختلف أهل العلم في ذلك، فذهب قوم إلى القول بالطهارة، وممن قال بذلك أبو حنيفة، ومحمد، وأكثر الحنفية والمالكية، وسواء عندهم ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه. ووافقهم الشافعية في النجس لمعنى فيه كجلد الميتة، وأما
стр. 7174
الحنابلة فمنهم من يقول بالطهارة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو مذهب الظاهرية، وفيما يلي ذكر نصوصهم في ذلك، وأدلتهم مع المناقشة. جاء في البحر الرائق: من الأمور التي يكون بها التطهير انقلاب العين - ومضى إلى أن قال - وإن كان في غيره - أي الخمر - كالخنزير والميتة تقع في المملحة فتصير ملحا يؤكل، والسرجين والعذرة تحترق فتصير رمادا تطهر عند محمد (١).
وقال أيضا وضم إلى محمد أبا حنيفة في المحيط وكثيرا من المشائخ اختاروا قول محمد، وفي الخلاصة وعليه الفتوى وفي فتح القدير أنه المختار (٢).
والمالكية يذهبون إلى أن ما استحال إلى صلاح فهو طاهر وإن ما استحال إلى فساد كان نجسا جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه من الطاهر لبن الآدمي ولو كافرا لاستحالته إلى الصلاح (٣).
ثم جاء في موضع آخر، إذا تغير القيء وهو الخارج من الطعام بعد استقراره في المعدة كان نجسا، وعلة نجاسته الاستحالة إلى فساد فإن لم يتغير كان طاهرا (٤).
واعتبر المالكية كذلك أن المسك طاهر، ففي الخطاب الحكم بطهارة المسك؛ لأنها استحالة عن جميع صفات الدم، وخرجت عن اسمه إلى صفات، وإلى اسم يختص به، وطهرت بذلك كما يستحيل الدم وسائر ما يتغذى به الحيوان من النجاسات إلى اللحم فيكون طاهرا. انتهى (٥).
وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه، وما هو نجس لمعنى فيه، فأما الأشياء النجسة لمعنى فيها فإنها طاهرة قال في المهذب " ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، والثاني: الخمر " (٦).
стр. 7175
وقال ابن قدامة: ويتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة (١) وقال المرداوي: وعنه بل تطهر وهي مخرجة من الخمرة إذا انقلبت بنفسها، خرجها المجد، واختار الشيخ تقي الدين وصاحب الفائق فحيوان متولد من نجاسة كدود الجروح والقروح وصراصير الكنيف طاهر نص عليه (٢) انتهى المقصود.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحا من الملاحة، أو صارت رمادا، أو صارت الميتة والدم والصديد ترابا كتراب المقبرة، فهذا فيه خلاف - وبعد ذكره للخلاف قال: والصواب أن ذلك كله طاهر إذ لم يبق شيء من النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها (٣).
وقال ابن حزم: إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام، فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم وانتقل إلى اسم آخر وارد على حلال طاهر فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئا آخر ذا حكم آخر (٤).
وقال أيضا إذا أحرقت العذرة أو الميتة أو تغيرت فصارت رمادا أو ترابا فكل ذلك طاهر (٥). واستدل لذلك بالكتاب والسنة والاستقراء والمعنى وأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ (٦) وجه الدلالة أن هذه الأشياء بعد استحالتها وزوال أوصاف النجاسة عنها، صارت طيبة فهي طاهرة، وقد يعارض ذلك بأن القول بأنها طيبة وهو محل النزاع، ولا يصح الاستدلال بمحل الخلاف، وقد يجاب عن ذلك بأن العبرة بالواقع لا بالدعوى، وواقعها أنها طيبة، فيسلم الدليل، وأما السنة فما ورد من الأدلة في طهارة المسك وجلود الميتة مأكولة اللحم بعد الدبغ ونحو ذلك في الأدلة.
وأما الاستقراء فقد ذكره شيخ الإسلام فقال بعد كلام سبق - الاستقراء دلنا
стр. 7176
أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس، مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك، فإنه يزول حكم التنجس، ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه، فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض، فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق، ولا التفات إلى مواردها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادا، ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا، ففيه خلاف مشهور، وللقول بالنظير اتجاه. انتهى المقصود (١).
وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة. وأما المعنى فقد جاء في فتح القدير أن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل، فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (٢) انتهى المقصود.
القول الثاني: إن استحالة النجس، وزوال أعراض النجاسة عنه، وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا، وممن قال بهذا القول أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية. وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة. جاء في فتح القدير أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي التجنيس اختار قول أبي يوسف كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت، ووقع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح هذا كله قول أبي يوسف (٣) انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحد قولي أصحاب مالك (٤).
стр. 7177
وقال الشيرازي ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، والثاني: الخمر - ثم قال صاحب المهذب: وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (١).
وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٢) وقال المرداوي على قول ابن قدامة: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة. قال: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٣).
واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة فتبقى النجاسة من وجه فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٤). وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستهما - أي العذرة والسرجين - لعينهما (٥). وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا أو صديدا (٦).
стр. 7178
(ج) هل تطهر الخمر بالاستحالة:
اتفق أهل العلم - فيما نعلم - على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة. قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر (١). وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء
стр. 7179
في ذلك فمنهم من يقول بطهارتها ومنهم من يقول بنجاستها. وممن قال بأنها طاهرة الحنفية والمالكية وابن حزم، ومن وافقهم جاء في بداية المهتدي وشرحها الهداية: وإذا تخللت الخمر حلت، سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها، ولا يكره تخليلها (١). وفي الحطاب: ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيه كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقى فيه (٢). وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر أو خللت فالخل حلال (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى. أما السنة فقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل (٤)» رواه مسلم والأربعة من حديث جابر، ووجه الدلالة أنه ﷺ عم ولم يخص.
وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس، «أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال: "لا (٥)». أخرجه مسلم. وعن أنس أن «أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا قال: "لا (٦)» رواه أبو داود في كتاب الأشربة.
ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها، والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قاصدا، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا، وأما الدليل من جهة المعنى فقد جاء في البداية وشرحها، أنه بالتخليل يزول الوصف المفسد وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والاقتراب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل أولى لما فيه من إحراز مال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به، وقد يجاب عن ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص والاجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم «سئل عن الخمر اتخذ خلا فقال: "لا (٧)». الحديث وقد سبق (٨).
стр. 7180
القول الثاني أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة. ومن قال بهذا الشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد جاء في المهذب " وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر " (١).
وقال ابن قدامة: وإن خللت لم تطهر، وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب (٢).
وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى، أما السنة فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أن «أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: " لا (٤)». وجه الدلالة أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز.
وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان، وتقطيع الزقاق، رواه الطبراني في معجمه، حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث عن يحي بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة، قال «قلت يا رسول الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال أهرق الخمر، وكسر الدنان (٥)» انتهى.
ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في مسنده، حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب، عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة»، وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد