← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7176–7215 · переход к 7181.

стр. 7176

أن كل ما بدأ الله بتحويله وتبديله من جنس إلى جنس، مثل جعل الخمر خلا، والدم منيا، والعلقة مضغة، ولحم الجلالة الخبيث طيبا، وكذلك بيضها ولبنها، والزرع المستسقى بالنجس إذا سقي بالماء الطاهر، وغير ذلك، فإنه يزول حكم التنجس، ويزول حقيقة النجس واسمه التابع للحقيقة، وهذا ضروري لا يمكن المنازعة فيه، فإن جميع الأجسام المخلوقة في الأرض، فإن الله يحولها من حال إلى حال، ويبدلها خلقا بعد خلق، ولا التفات إلى مواردها وعناصرها، وأما ما استحال بسبب كسب الإنسان كإحراق الروث حتى يصير رمادا، ووضع الخنزير في الملاحة حتى يصير ملحا، ففيه خلاف مشهور، وللقول بالنظير اتجاه. انتهى المقصود (١). وقد سبق أنه يختار القول بالطهارة. وأما المعنى فقد جاء في فتح القدير أن الشرع رتب وصف النجاسة على تلك الحقيقة، وتنتفي الحقيقة بانتفاء بعض أجزاء مفهومها، فكيف بالكل، فإن الملح غير العظم واللحم، فإذا صار ملحا ترتب حكم الملح عليه (٢) انتهى المقصود. القول الثاني: إن استحالة النجس، وزوال أعراض النجاسة عنه، وتبدلها بأوصاف طيبة لا تصيره طاهرا، وممن قال بهذا القول أبو يوسف، وهو أحد القولين في مذهب مالك، وهو قول الشافعي فيما كان نجسا نجاسة عينية. وإحدى الروايتين في مذهب أحمد وهي المقدمة. جاء في فتح القدير أن أبا يوسف يرى أن الأشياء النجسة لا تطهر بانقلاب عينها، وفي التجنيس اختار قول أبي يوسف كذا قال: خشبة أصابها بول فاحترقت، ووقع رمادها في بئر يفسد الماء، وكذلك رماد العذرة والحمار إذا مات في مملحة لا يؤكل الملح هذا كله قول أبي يوسف (٣) انتهى. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وهو أحد قولي أصحاب مالك (٤).

стр. 7177

وقال الشيرازي ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا شيئان: أحدهما: جلد الميتة إذا دبغ، والثاني: الخمر - ثم قال صاحب المهذب: وإن حرق العذرة والسرجين حتى صار رمادا لم تطهر (١). وقال ابن قدامة: ظاهر المذهب أنه لا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمر إذا انقلبت بنفسها خلا، وما عداه لا يطهر كالنجاسات إذا احترقت فصارت رمادا، والخنزير إذا وقع في الملاحة وصار ملحا، والدخان الصاعد من وقود النجاسة (٢) وقال المرداوي على قول ابن قدامة: ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة. قال: هذا المذهب وعليه جماهير الأصحاب ونصروه (٣). واستدل لهذا القول بما ذكره أبو يوسف من أن الرماد أجزاء تلك النجاسة فتبقى النجاسة من وجه فالتحقت بالنجس من كل وجه احتياطا (٤). وما ذكره الشيرازي بقوله: لأن نجاستهما - أي العذرة والسرجين - لعينهما (٥). وأما ابن قدامة فقد استدل لذلك بأنها نجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر كالدم إذا صار قيحا أو صديدا (٦).

стр. 7178

(ج) هل تطهر الخمر بالاستحالة: اتفق أهل العلم - فيما نعلم - على أن الخمر إذا تخللت بنفسها فإنها تكون طاهرة. قال شيخ الإسلام: اتفقوا على أن الخمر إذا انقلبت بفعل الله بدون قصد صاحبها وصارت خلا أنها تطهر (١). وأما إذا خللت فقد اختلف العلماء

стр. 7179

في ذلك فمنهم من يقول بطهارتها ومنهم من يقول بنجاستها. وممن قال بأنها طاهرة الحنفية والمالكية وابن حزم، ومن وافقهم جاء في بداية المهتدي وشرحها الهداية: وإذا تخللت الخمر حلت، سواء صارت خلا بنفسها أو بشيء يطرح فيها، ولا يكره تخليلها (١). وفي الحطاب: ولو تخللت الخمر بإلقاء شيء فيه كالخل والملح والماء ونحوه يطهر الخل وما ألقى فيه (٢). وقال ابن حزم: إذا تخللت الخمر أو خللت فالخل حلال (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى. أما السنة فقوله ﷺ : «نعم الإدام الخل (٤)» رواه مسلم والأربعة من حديث جابر، ووجه الدلالة أنه ﷺ عم ولم يخص. وعورض هذا الاستدلال بحديث أنس، «أن النبي ﷺ سئل عن الخمر تتخذ خلا فقال: "لا (٥)». أخرجه مسلم. وعن أنس أن «أبا طلحة سأل النبي ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال أهرقها قال: أفلا نجعلها خلا قال: "لا (٦)» رواه أبو داود في كتاب الأشربة. ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث بحمل الحديث الأول على الخمر إذا تخللت بنفسها، والخل الذي لم يكن أصله خمرا، وحمل الثاني على ما إذا خللت بفعل فاعل قاصدا، وعلى هذا فلا دلالة في الحديث الأول على طهارة الخمر إذا خللت قصدا، وأما الدليل من جهة المعنى فقد جاء في البداية وشرحها، أنه بالتخليل يزول الوصف المفسد وتثبت صفة الصلاح من حيث تسكين الصفراء وكسر الشهوة والتغذي به والإصلاح مباح وكذا الصالح للمصالح اعتبارا بالمتخلل بنفسه وبالدباغ والاقتراب لإعدام الفساد فأشبه الإراقة والتخليل أولى لما فيه من إحراز مال يصير حلالا في الثاني فيختاره من ابتلي به، وقد يجاب عن ذلك بأنه دليل اجتهادي في مقابل نص والاجتهاد مع النص، والنص هو حديث أنس الذي رواه مسلم «سئل عن الخمر اتخذ خلا فقال: "لا (٧)». الحديث وقد سبق (٨).

стр. 7180

القول الثاني أن الخمر إذا خللت لا تكون طاهرة. ومن قال بهذا الشافعية، والحنابلة، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد جاء في المهذب " وإن خللت بخل أو ملح لم تطهر " (١). وقال ابن قدامة: وإن خللت لم تطهر، وقال المرداوي تعليقا على ذلك: اعلم أن الخمرة يحرم تخليلها على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب (٢). وقال شيخ الإسلام: والصحيح أنه إذا قصد تخليلها لا تطهر بحال (٣). واستدل لهذا القول بالسنة والأثر والمعنى، أما السنة فما رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة عن أنس ﵁ أن «أبا طلحة سأل رسول الله ﷺ عن أيتام ورثوا خمرا قال أهرقها، قال: أفلا أجعلها خلا؟ قال: " لا (٤)». وجه الدلالة أنه نهاه عن التخليل فدل على أنه لا يجوز. وأجاب الطحاوي عن ذلك فقال: إنه محمول على التغليظ والتشديد؛ لأنه كان في ابتداء الإسلام كما ورد ذلك في سؤر الكلب، بدليل أنه ورد في بعض طرقه الأمر بكسر الدنان، وتقطيع الزقاق، رواه الطبراني في معجمه، حدثنا معاذ بن المثنى، ثنا مسدد، ثنا معتمر، ثنا ليث عن يحي بن عباد، عن أنس، عن أبي طلحة، قال «قلت يا رسول الله إني اشتريت خمرا لأيتام في حجري، فقال أهرق الخمر، وكسر الدنان (٥)» انتهى. ورواه الدارقطني أيضا، وروى أحمد في مسنده، حدثنا الحكم بن نافع، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم عن حمزة بن حبيب، عن ابن عمر ﵁ «أن النبي ﷺ شق زقاق الخمر بيده في أسواق المدينة»، وقد تقدم بتمامه في أحاديث تحريم الخمر، وهذا صريح في التغليظ؛ لأن فيه إتلاف مال الغير، وقد كان يمكن إراقة الدنان والزقاق وتطهيرها، ولكن قصد بإتلافها التشديد

стр. 7181

ليكون أبلغ في الردع، انتهى بواسطة الزيلعي (١). ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حمله على التغليظ على خلاف الظاهر، فيحتاج إلى دليل يدل على ذلك، فإن وجد وإلا فالأصل بقاء دلالة الحديث على التحريم (٢). كما سبق - وأما الأثر، فقول عمر ﵁ لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشترى خل خمر أهل الكتاب، ما لم يعلموا أنهم تعمدوا إفسادها انتهى. استدل به شيخ الإسلام وذكر أنه صحيح (٣). وأما المعنى فقال شيخ الإسلام: إن اقتناء الخمر محرم، فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة (٤)

стр. 7182

ثانيا: أنواع استحالة المياه المتنجسة بسبب اختلاف أسبابها: استحالة المياه المتنجسة قد تكون بصب ماء طهور عليها، أو نزح بعضه، أو زوال التغير بنفسه، وقد تكون برمي تراب ونحوه فيها، وقد تكون بسقي النباتات بها، وشرب الحيوانات إياها، وقد تكون بتبخيره وتقطيره مثلا. وفيما يلي الكلام على كل نوع: (١) استحالة المياه المتنجسة بصب ماء طهور عليها، أو نزح بعضه، أو زوال التغير بنفسه . نذكر فيما يأتي طريقة كل مذهب إجمالا، ثم نتبعها بالتفصيل نظرا لاختلافهم من حيث الجملة في طريقة التطهير - فالحنفية يرون أن نزح مقدار من ماء البئر المتنجس مطهر لما بقي من الماء، لكن يختلف مقدار ما ينزح لتحصل به الطهارة للباقي باختلاف نوع النجاسة واختلاف أحوالها، وأما المالكية فإذا زال تغيره بمكاثرة ما لمادة فيه أو بإدخال ماء آخر طهر، وإن زال بنفسه ففي الإرشاد الظاهر عودة إلى أصله، وقيل إن زال بالنقص المجرد فقولان أيضا.

стр. 7183

وأما الشافعية، فإنهم يقسمون الماء ثلاثة أقسام: أحدها أن يكون أكثر من القلتين، والثاني أن يكون قلتين، والثالث أن يكون دون القلتين - فإن كان أكثر من قلتين - فإنه يطهر بطرق ثلاث: بإضافة ماء إليه يزول به التغير وهذا متفق عليه، أو بأخذ بعضه حتى يزول التغير بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، وهذا بلا خلاف أيضا، أو بزوال التغير بنفسه بطلوع الشمس أو الريح أو مرور الزمان وهذا هو المذهب. وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكر إلا بأخذ بعضه فإنه لا يطهر، وهذا محل اتفاق. وإن كان دون القلتين وكاثره بماء حتى بلغ قلتين طهر بلا خلاف عندهم. وأما الحنابلة فهم كالشافعية في تقسيم الماء إلى ثلاثة أقسام: فإن كان أكثر من قلتين وهو غير متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة، وبنزح كثير يزول معه التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، وبزوال التغير بمكثه. وإن كان قلتين وهو متغير بالنجاسة طهر بالمكاثرة فقط، وإن كان متغيرا بها طهر بالمكاثرة المذكورة إذا أزالت التغير أو بتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه. وإن كان دون القلتين وهو متغير طهر بالمكاثرة بقلتين طاهرتين يزول بهما التغير، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة. وأما طريقتهم تفصيلا فهي ما يلي:

стр. 7184

أ - طريقة الحنفية: جاء في بداية المبتدي وشرحها، وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكذا نزح ما فيها طهارة لها بإجماع السلف ومسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار دون القياس. وإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سودانية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين بحسب كبر الدلو وصغرها، يعني بعد إخراج الفأرة لحديث أنس ﵁ أنه قال في الفأرة إذا ماتت في البئر وأخرجت من ساعتها نزح منها عشرون دلوا، والعصفورة ونحوها تعادل الفأرة في الجثة

стр. 7185

فأخذت حكمها، والعشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب. فإن ماتت فيها حمامة ونحوها كالدجاجة والسنور نزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين. وفي الجامع الصغير أربعون أو خمسون، وهو الأظهر لما روي عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر نزح منها أربعون دلوا، وهذا لبيان الإيجاب، والخمسون بطريق الاستحباب، ثم المعتبر من كل بئر دلوها الذي يستقى به منها، وقيل دلو يسع فيها صاح، ولو نزح منها بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلوا جاز لحصول المقصود. وإن ماتت فيها شاة أو كلب أو آدمى نزح جميع ما فيها من الماء لأن ابن عباس وابن الزبير ﵄ أفتيا بنزح الماء كله حين مات زنجي في بئر زمزم، فإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها صغر الحيوان أو كبر لانتشار البلة في أجزاء الماء. وإن كانت البئر معينا لا يمكن نزحها أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء. وطريقة معرفته أن تحفر حفرة مثل موضع الماء من البئر ويصب فيها ما ينزج منها إلى أن تمتلئ أو ترسل فيها قصبة، ويجعل لمبلغ الماء علامة ثم ينزح منها عشرة دلاء مثلا، ثم تعاد القصبة فينظر كم انتقص، فينزح لكل قدر منها عشرة دلاء - وهذان عند أبي يوسف ﵀ وعند محمد ﵀ نزح مئتا دلو إلى ثلثمائه، فكأنه بنى قوله على ما شاهد في بلده وعند أبي حنيفة ﵀ في الجامع الصغير في مثله ينزح حتى يغلبهم الماء ولم يقدر الغلبة بشيء كما هو دأبه، وقيل يؤخذ بقول رجلين لهما بصارة في أمر الماء وهذا أشبه بالفقه

стр. 7186

٢ - طريقة المالكية: قال الشيخ خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فاستحسن الطهورية وعدمها أرجح.

стр. 7187

وقد شرح الحطاب ذلك فقال: يعني أن الماء إذا تغير بالنجاسة، ثم زال تغيره، فلا يخلو إما أن يكون بمكاثرة ماء مطلق خالطه أم لا، فالأول طهور باتفاق، قاله في التوضيح وذلك كالبئر ينزح منها حتى يزول التغير، وكالصهريج يتغير بميتة، فيترك حتى يكثر ماؤه بمطر ونحوه، وقد جهل أبو محمد بعضهم في قوله في ما جل قليل الماء وقعت فيه فأرة يطين حتى يكثر ماؤه ثم يشرب، قال فإن فعل شرب، وتجهيله في تأخير طرحه. الثاني: إما أن يكون بإلقاء شيء فيه غير الماء، ولم يذكره المصنف، وسيأتي حكمه، أو من نفسه فلا شيء ومنه ما إذا نزع من الماء الذي لا مادة له بعضه فزال تغيره، فذكر المصنف تبعا لابن الحاجب وابن بشير وغيرهم في طهوريتة قولين: استحسن بعض الشيوخ القول بالطهورية، ورجح ابن يونس عدم الطهورية، فاعترض عليه ابن غازي فيما ذكره عن ابن يونس، وفي التوضيح بأنه لم يوجد في كلامه إلا الكلام على حكم زوال النجاسة إذا زال عينها بالماء المضاف، وسيأتي - وذكر ابن مرزوق في شرحه على المختصر نحو ذلك، وقال ما معناه إن المصنف حمل كلام ابن يونس على نفس ما نحن فيه، فهو وهم وإن أراد أن يقيسه عليه فبعيد - وقد رأيت من كلام ابن مرزوق شرح الفصلين الأولين من المختصر، وفيه نحو ما ذكره ابن غازي - وقال ابن غازي لم يعرفه ذلك الإمام ابن عرفة من نقل ابن يونس ولا غيره، ممن قبل ابن بشير، فقال: وقول ابن بشير في طهورية النجس يزول تغيره بلا نزح قولان لا أعرفه، فبقي وجدان القولين معا في المذهب وإن كان لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود ولا يلتفت لما حكى أبو زيد القابس من رد بعضهم على ابن عرفه بقول يونس لا أن الراد مقلد لخليل في نقله كالشارح، نعم أغفل ابن عرفه ما ذكر ابن رشد في رسم القسمة من سماع عيسى، وذكر بعض كلام ابن رشد، ولنأت بأكثر مما يتضح به المقصود. قال: وسئل ابن وهب عن الجب من ماء السماء تموت فيه الدابة، وتنشق والماء كثير لم يتغير منه إلا ما كان قريبا منها، فلما أخرجت وحرك الماء ذهبت الرائحة، هل يتوضأ به ويشرب قال: إذا أخرجت الميتة فلينزح منه حتى يذهب دسمها، والرائحة، واللون إن كان به لون، إذا كان الماء كثيرا على ما وصفت طاب إذا فعل ذلك به. قال ابن القاسم الأخير فيه، ولم أسمع مالكا رخص فيه قط. ابن رشد قول ابن

стр. 7188

وهب وهو الصحيح على أصل مذهب مالك الذي رواه المدنيون عنه أن الماء لا ينجسه إلا ما غير أحد أوصافه، على ما جاء عنه ﵊ في بئر بضاعة، وقد روى ابن وهب، وابن أبي أويس عن مالك، في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة، فيتغير لون الماء وريحه، ثم يطيب بعد ذلك، أنه لا بأس به انتهى - فظهر وجود القولين أحدهما: قول ابن القاسم فيما نزح بعضه، فأحرى إذا لم ينزح منه شيء؛ لأنه لما لم يعتبر ذهاب التغير مع النزح كان عدم اعتباره مع عدم النزح أولى، بناء على أن المعتبر مخالطة المغير فيجب بقاء حكمه وإن زال التغير. والثاني رواية ابن وهب وابن أبي أويس، وقد صححه ابن رشد، وهو الذي ارتضاه صاحب الطراز، وشيخه أبو بكر الطرطوش بضم الطاءين وبينهما راء. قال الطراز: ولقد عاينت في صهريج دار الشيخ أبي بكر هرا قد انتفخ وتزلع وتغير منه ريح الماء وطعمه ولونه فنزع الهر وترك الصهريج حتى ينزح فأقام شهرا ثم رفع منه الماء فإذا هو سالم الأوصاف فشرب ذلك الماء في داره وفيها ما يزيد على سبعين من أهل العلم وطلبته ولم ينزح منه دلو انتهى. ولعل المصنف أشار إليهما بالاستحسان ثم أن كلامهما فيما لا مادة له أو لم ينزح منه شيء فما له مادة أو نزح بعضه أولى بالطهورية، وانظر ما الذي أنكره ابن عرفة هل القول بالطهورية أو القول بعدمها وليس في كلامه ما يدل على ذلك صريحا غير أن المتبادر من كلامه إنما هو إنكار القول بالطهورية كما يفهم ذلك من كلام ابن ناجي في شرح المدونة في الكلام على من توضأ من ماء ماتت فيه دابة، وكذا ذكر ابن الفاكهاني في شرح الرسالة القولين وشهر عدم الطهورية ونصه: أما إن كان المخالط نجسا فإن غير أحد أوصاف الماء فلا خلاف في نجاسته قليلا أو كثيرا مادام متغيرا فإن زال تغيره بعد فقولان: - أحدهما أنه كالبول فلا ينتقل حكمه وهو المشهور. والثاني أنه يرجع إلى أصله من الطهارة أو التطهير وكذلك إن أزيل بعض الماء وسلمت أوصافه فالقولان انتهى. تنبيهان - وبعد أن ذكر حكم الماء المتغير بطاهر قال - الثاني إن زال تغيره بمخالطة ماء مطلق قليل فظاهر كلام المصنف أن فيه قولين، وقال البساطي في شرحه ولو جعل المصنف محل النزاع

стр. 7189

إذا زال التغير بنفسه سلم من المطالبة بالنقل فيما إذا زال بقليل المطلق. وقال في المغني بعد أن ذكر الخلاف فيما زال تغيره بنفسه وألحق الشيخ خليل في مختصره به إذا زال التغير بمطلق يسير، وهو في عهدته انتهى - قلت وكلام ابن الإمام يقتضي ثبوت الخلاف فيه، فإنه قال إذا كاثره الطهور حتى غلب عليه، وزال به التغير، فالأظهر نفي الخلاف فيه إن انتهى إلى ما لو رفع فيه جملة هذا التغير كان كثيرا، أو ثبوته إن انتهى إلى ما لو وقع فيه كان قليلا، وقد أطلق بعض من تكلم على هذه المسألة القول بطهوريته عند ذهاب التغير بالتكاثر ولا ينفى؛ لأن هذا الماء لما تغير لنجاسة كان نجسا فطرو ماء عليه كطروه عليه فيجب لذلك أن يراعى كثرته وقلته انتهى المقصود (١). وقال ابن المواق على قول خليل: وإن زال تغير النجس لا بكثرة مطلق فاستحسن الطهورية وعدمها أرجح قال: ابن عرفة قول ابن بشير في طهورية النجس يزول تغيره بلا نزح قولان لا أعرفه. والذي ينبغي أن تكون به الفتوى هو قول مالك في رواية ابن وهب وابن أبي أويس عنه في جباب تحفر بالمغرب فتسقط فيها الميتة فتغير لونه وريحه ثم يطيب الماء بعد ذلك أنه لا بأس به انتهى فترك نقل هذه الرواية ونقل غيرها قصور (٢)

стр. 7190

٣ - طريقة الشافعية: قال الشيرازي: إذا أراد تطهير الماء النجس نظر فإن كانت نجاسته بالتغير وهو أكثر من قلتين طهر بأن يزول التغير بنفسه وبأن يضاف إليه ماء آخر وبأن يؤخذ بعضه لأن النجاسة بالتغير وقد زال. وقال النووي شرحا لذلك: إذا زال تغير الماء النجس وهو أكثر من قلتين نظر إن زال بإضافة ماء آخر إليه طهر بلا خلاف سواء كان الماء المضاف طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا أو سواء صب الماء عليه أو نبع عليه، وإن زال بنفسه أي بأن لم يحدث فيه شيئا، بل زال تغيره بطلوع الشمس أو الريح أو مرور الزمان طهر أيضا على المذهب وبه قطع

стр. 7191

الجمهور، وحكى المتولي عن أبي سعيد الإصطخري أنه لا يطهر، لأنه شيء نجس فلا يطهر بنفسه، وهذا ليس بشيء؛ لأن سبب النجاسة التغير فإذا زال طهر لقوله ﷺ «إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس (١)» وإن زال بأخذ بعضه طهر بلا خلاف، بشرط أن يكون الباقي بعد الأخذ قلتين، فإن بقي دونهما لم يطهر بلا خلاف ويتصور زوال تغيره بأخذ بعضه بأن يكون كثيرا لا يدخله الريح، فإذا نقص دخلته وقصرته وكذا الشمس فيطيب. " (٢) وقال الشيرازي أيضا: وإن كان قلتين طهر بجميع ما ذكرناه إلا بأخذ بعضه فإنه لم يطهر لأنه نقص عن القلتين وفيه نجاسة. وعلق النووي عليه فقال: هذا الذي قاله متفق عليه. وقال الشيرازي أيضا: وإن كانت نجاسته بالقلة بأن يكون دون القلتين طهر بأن يضاف إليه ماء حتى يبلغ قلتين ويطهر بالمكاثرة، وإن لم يبلغ قلتين طهر كالأرض النجسة طرح عليها ماء حتى غمر النجاسة، ومن أصحابنا من قال لا يطهر لأنه دون القلتين وفيه نجاسة والأول أصح لأن الماء إنما ينجس بالنجاسة إذا وردت عليه، وههنا ورد الماء عليها فلم ينجس إنما لو نجس لم يطهر الثوب إذا صب عليه الماء. وعلق النووي على ذلك فقال: أما المسألة الأولى، وهي إذا كاثره فبلغ قلتين فيصير طاهرا مطهرا بلا خلاف سواء كان الذي أورده عليه طاهرا أو نجسا قليلا أو كثيرا لقوله ﷺ «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٣)». . . . وأما المسألة الثانية وهي إذا كوثر بالماء ولم يبلغ قلتين فهل يطهر، فيه الوجهان اللذان ذكرهما المصنف، وذكر دليلهما، وهما مشهوران، لكن الأصح عند المصنف وسائر العراقيين أنه يطهر، وبه قطع منهم شيخهم أبو حامد، وهو قول ابن سريج، والصحيح عند الخراسانيين لا يطهر، وبه قطع منهم القاضي حسين، وقال إمام الحرمين: وإن صح عند ابن سريج قوله

стр. 7192

بالطهارة فهو من هفواته، إذ لا معنى لغسل الماء من غير أن يبلغ قلتين، قال: فلا يتمارى في فساده وكذا صحح البغوي والرافعي عدم الطهارة وهو الأرجح. (١)

стр. 7193

٤ - طريقة الحنابلة: قال عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة: في تطهير الماء النجس: هو ثلاثة أقسام: - أحدها: ما دون القلتين، فتطهيره بالمكاثرة بقلتين طاهرتين، إما أن يصب فيه أو ينبع فيه فيزول بها تغيره إن كان متغيرا، وإن لم يكن متغيرا طهر بمجرد المكاثرة؛ لأن القلتين لا تحمل الخبث ولا تنجس إلا بالتغير؛ ولذلك لو ورد عليها ماء نجس لم ينجسها ما لم يتغير به فكذلك إذا كانت واردة، ومن ضرورة الحكم بطهارتهما طهارة ما اختلطتا به. القسم الثاني أن يكون وفق القلتين فلا يخلو من أن يكون غير متغير بالنجاسة فيطهر بالمكاثرة المذكورة لا غير، الثاني أن يكون متغيرا فيطهر بأحد أمرين بالمكاثرة المذكورة إذا زالت التغير وبتركه حتى يزول تغيره بطول مكثه. القسم الثالث: الزائد عن القلتين فله حالان: - أحدهما: أن يكون نجسا بغير التغير فلا طريق إلى تطهيره بغير المكاثرة. الثاني: أن يكون متغيرا بالنجاسة فتطهيره بأحد أمور ثلاثة: المكاثرة، أو زوال تغيره بمكثه، أو أن ينزح منه ما يزول به التغير ويبقى بعد ذلك قلتان فصاعدا، فإنه إن بقي ما دون القلتين قبل زوال تغيره لم يبق التغير علة تنجسه، لأنه تنجس بدونه، فلا يزول التنجيس بزواله، ولذلك طهر الكثير بالنزح وطول المكث، ولم يطهر القليل، فإن الكثير لما كانت علة تنجيسه التغير زال تنجيسه بزوال علته، كالخمرة إذا انقلبت خلا والقليل علة تنجيسه الملاقاة لا التغير فلم يؤثر زوال التنجيس انتهى. ولشيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ كلام في

стр. 7194

قاعدة التطهير للمياه وعدم الفرق بين المياه والمائع، والجواب على شبهة من فرق بينهما قال: إذا عرف أصل هذه المسألة فالحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها كالخمر لما كان الموجب لتحريمها ونجاستها هي الشدة، فإذا زالت بفعل الله تعالى طهرت، بخلاف إذا زالت بقصد الآدمي على الصحيح، كما قال عمر بن الخطاب ﵁ لا تأكلوا خل خمر إلا خمرا بدأ الله بفسادها، ولا جناح على مسلم أن يشتري خل خمر من أهل الكتاب إذا لم يعلم أنهم تعمدوا فسادها؛ وذلك لأن اقتناء الخمر محرم فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرما، والفعل المحرم لا يكون سببا للحل والإباحة. وأما إذا اقتناها لشربها واستعمالها خمرا فهو لا يريد تخليلها، وإذا جعلها الله خلا كان معاقبة له بنقيض قصده، فلا يكون في حلها وطهارتها مفسدة، وأما سائر النجاسات فيجوز التعمد لإفسادها لأن إفسادها ليس بمحرم كما لا يحد شاربها؛ لأن النفوس لا يخاف عليها بمقاربتها المحظور كما يخاف من مقاربة الخمر؛ ولهذا جوز الجمهور أن تدبغ جلود الميتة، وجوزوا أيضا إحالة النجاسة بالنار وغيرها. والماء لنجاسته سببان: (أحدهما) متفق عليه، والآخر مختلف فيه، فالمتفق عليه التغير بالنجاسة، فمتى كان الموجب لنجاسته التغير فزال التغير كان طاهرا كالثوب المضمخ بالدم إذا غسل عاد طاهرا - (والثاني) القلة فإذا كان الماء قليلا ووقعت فيه نجاسة ففي نجاستة قولان للعلماء: فذهب الشافعي وأحمد في إحدى الروايات عنه أنه ينجس ما دون القلتين - وأحمد في الرواية المشهورة عنه يستثني البول والعذرة المائعة، فيجعل ما أمكن نزحه نجسا بوقوع ذلك فيه - ومذهب أبي حنيفة ينجس ما وصلت إليه الحركة - ومذهب أهل المدينة وأحمد في الرواية الثالثة أنه لا ينجس ولو لم يبلغ قلتين، واختار هذا القول بعض الشافعية كإحدى الروايات. وقد نصر هذه الرواية أصحاب الشافعي كما نصر الأول طائفة كثيرة من أصحاب أحمد، لكن طائفة من أصحاب مالك قالوا إن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة، ولم يحدوا ذلك بقلتين. وجمهور أهل المدينة أطلقوا القول، فهؤلاء لا ينجسون أشياء إلا بالتغير ومن سوى بين الماء والمائعات كإحدى الروايتين عن أحمد، وقال بهذا القول الذي هو رواية عن أحمد قال في المائعات كذلك كما قاله الزهري وغيره فهؤلاء لا ينجسون شيئا

стр. 7195

من المائعات إلا بالتغير كما ذكره البخاري في صحيحه لكن على المشهور عن أحمد اعتبار القلتين في الماء. وكذلك في المائعات إذا سويت به - فنقول إذا وقع في المائع القليل نجاسة فصب عليه مائع كثير فيكون الجميع طاهرا إذا لم يكن متغيرا - وإن صب عليه ماء قليل دون القلتين وصار الجميع كثيرا فوق القلتين ففي ذلك وجهان في مذهب أحمد (أحدهما) وهو مذهب الشافعي في الماء أن الجميع طاهر (والوجه الثاني) أنه لا يكون طاهرا حتى يكون المضاف كثيرا، والمكاثرة المعتبرة أن يصب الطاهر على النجس، ولو صب النجس على الطاهر الكثير كان كما لو صب الماء النجس على ماء كثير طاهر أيضا، وكذلك مطهر له إذا لم يكن متغيرا وإن صب القليل الذي لاقته النجاسة على قليل لم تلاقه النجاسة، وكان الجميع كثيرا فوق القلتين كان كالماء القليل إذا ضم إلى القليل. وفي ذلك الوجهان المتقدمان. وهذا القول الذي ذكرناه في المائعات كالماء هو الأظهر في الدلالة، بل لو نجس القليل من الماء لم يلزم تنجس الأشربة والأطعمة ولهذا أمر مالك بإراقة ما ولغ فيه الكلب من الماء القليل كما جاء في الحديث ولم يأمر بإراقته من الأطعمة والأشربة، واستعظم إراقة الطعام والشراب بمثل ذلك، وذلك لأن الماء لا ثمن له في العادة بخلاف أشربة المسلمين وأطعمتهم، فإن في نجاستها من المشقة والحرج ما لا يخفى على الناس وقد تقدم أن جميع الفقهاء يعتبرون رفع الحرج في هذا الباب فإذا لم ينجسوا الماء الكثير للحرج فكيف ينجسون نظيره من الأطعمة والأشربة، والحرج في ذلك أشق، ولعل المائعات الكثيرة لا تكاد تخلو من نجاسة. (فإن قيل) الماء يدفع النجاسة عن غيره فمن نفسه أولى وأحرى بخلاف المائعات (قيل) الجواب من وجوه (أحدها) أن الماء إنما دفعها عن غيره؛ لأنه يزيلها عن ذلك المحل وتنتقل معه فلا يبقى على المحل نجاسة وأما إذا سقطت فيه فإنما كان طاهرا لاستحالتها فيه لا لكونه أزالها عن نفسه، ولهذا يقول أصحاب أبي حنيفة إن المائعات كالماء في الإزالة، وهي كالماء في التنجيس، فإذا كانت كذلك لم يلزم من كون الماء يزيلها إذا زالت معه أن يزيلها إذا كانت فيه. ونظير الماء الذي فيه النجاسة الغسالة المنفصلة عن المحل وتلك نجسة قبل طهارة المحل. وفيها بعد طهارة المحل ثلاثة أوجه، هل هي طاهرة أو مطهرة أو

стр. 7196

نجسة، وأبو حنيفة نظر إلى هذا المعنى فقال الماء ينجس بوقوعها فيه وإن كان يزيلها عن غيره كما ذكرناه، فإذا كانت النصوص وقول الجمهور على أنها لا تنجس بمجرد الوقوع مع الكثرة كما دل عليه قول النبي ﷺ : «الماء طهور لا ينجسه شيء (١)». وقوله: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث (٢)» فإنه إذا كان طهورا يطهر به غيره علم أنه لا ينجس بالملاقاة إذ لو نجس بها لكان إذا صب على النجاسة ينجس بملاقاتها، فحينئذ لا ينجس بوقوع النجاسة فيه لكن إن بقيت عين النجاسة حرمت، وإن استحالت زالت فدل ذلك على أن استحالة النجاسة بملاقاته لها فيه لا ينجس، وإن لم تكن قد زالت عن المحل فإن من قال إنه يدفعها عن نفسه كما يزيلها عن غيره فقد خالف المشاهدة. وهذا المعنى يوجد في سائر الأشربة من المائعات وغيرها. (الوجه الثاني) أن يقال غاية هذا أن يقتضي أنه يمكن إزالة النجاسة بالمائع، وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد كما هو مذهب أبي حنيفة وغيره، وأحمد جعله لازما لمن قال إن المائع لا ينجس بملاقاة النجاسة، وقال: يلزم على هذا أن تزال به النجاسة، وهذا لأنه إذا دفعها عن نفسه دفعها عن غيره كما ذكروه في الماء، فيلزم جواز إزالة النجاسات بكل مائع طاهر مزيل للعين قلاع للأثر على هذا القول. وهذا هو القياس فنقول به على هذا التقدير - وإن كان لا يلزم من دفعها عن نفسه دفعها عن غيره لكون الإحالة أقوى من الإزالة فيلزم من قال إنه يجوز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات إن لكون المائعات كالماء فإذا كان الصحيح في الماء أنه لا ينجس إلا بالتغير إما مطلقا وإما مع الكثرة فكذلك الصواب في المائعات. وفي الجملة التسوية بين الماء والمائعات ممكن على التقديرين. وهذا مقتضى النص والقياس في مسألة إزالة النجاسات وفي مسألة ملاقاتها للمائعات الماء وغير الماء. ومن تدبر الأصول المنصوصة المجمع عليها والمعاني الشرعية المعتبرة في الأحكام الشرعية تبين له أن هذا هو أصوب الأقوال، فإن نجاسة الماء والمائعات بدون التغير بعيد عن ظواهر النصوص والأقيسة وكون حكم النجاسة يبقى في مواردها بعد إزالة النجاسة بمائع أو غير مائع بعيد عن الأصول وموجب القياس ومن كان فقيها

стр. 7197

خبيرا بمآخذ الأحكام الشرعية، وزال عنه الهوى، تبين له ذلك، ولكن إذا كان في استعمالها فساد فإنه ينهى عن ذلك كما كان ينهى عن ذبح الخيل التي يجاهد عليها والإبل التي يحج عليها والبقر التي يحرث عليها ونحو ذلك؛ لما في ذلك من الحاجة إليها لا لأجل الخبث كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ لما كان في بعض أسفاره مع الصحابة، فنفدت أزوادهم فاستأذنوه في نحر ظهورهم فأذن لهم ثم أتى عمر ﵁ فسأله أن يجمع الأزواد فيدعو الله بالبركة فيها ويبقى الظهر، ففعل ذلك فنهيه لهم عن نحر الظهر كان لحاجتهم إليه للركوب لا لأن الإبل محرمة. فلهذا ينهى عما يحتاج إليه من الأطعمة والأشربة عن إزالة النجاسة بها كما ينهى عن الاستنجاء بما له حرمة من طعام الإنس والجن وعلف دواب الإنس والجن ولم يكن ذلك لكون هذه الأعيان لا يمكن الاستنجاء بها؛ بل لحرمتها فالقول في المائعات كالقول في الجامدات. (الوجه الثالث) أن يقال إحالة المائعات للنجاسة إلى طبعها أقوى من إحالة الماء وتغير الماء بالنجاسات أسرع من تغير المائعات فإذا كان الماء لا ينجس بما لا يقع فيه من النجاسة لاستحالتها إلى طبيعته فالمائعات أولى وأحرى. (الوجه الرابع) أن النجاسة إذا لم يكن لها في الماء والمائع طعم ولا لون ولا ريح، فلا نسلم بأن يقال بنجاسته أصلا كما في الخمر المنقلب أو أبلغ. وطرد ذلك في جميع صور الاستحالة فإن الجمهور على أن المستحيل من النجاسات طاهر كما هو المعروف عن الحنفية والظاهرية وهو أحد القولين في مذهب مالك وأحمد ووجه في مذهب الشافعي. (الوجه الخامس) أن دفع المائعات للنجاسة عن نفسها كدفع الماء لا يختص بالماء بل هذا الحكم ثابت في التراب وغيره فإن العلماء اختلفوا في النجاسة إذا أصابت الأرض وذهبت بالشمس أو الريح أو الاستحالة هل تطهر على قولين. (أحدهما) تطهر وهو مذهب أبي حنيفة وأحد القولين في مذهب الشافعي

стр. 7198

وأحمد وهو الصحيح في الدليل فإنه قد ثبت عن ابن عمر أنه قال كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في مسجد النبي ﷺ ولم يكونوا يرشون شيئا من ذلك. وفي السنن أنه قال إذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه فإن كان بهما أذى فليدلكهما بالتراب، فإن التراب لهما طهور، وكان الصحابة كعلي بن أبي طالب ﵁ وغيره يخوضون في الوحل ثم يدخلون فيصلون بالناس ولا يغسلون أقدامهم. وأوكد من هذا «قوله ﷺ في ذيول النساء إذا أصابت أرضا بعد أرض خبيثة فتلك بتلك، وقال يطهره ما بعده (١)»، وهذا هو أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقد نص عليه أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد الشالنجي التي شرحها كريم (٢) بن يعقوب الجوزجاني وهي من أجل المسائل. وهذا لأن الذيول تتكرر ملاقاتها للنجاسة فصارت كأسفل الخف وكمحل الاستنجاء. فإذا كان الشارع قد جعل الجامدات تزيل النجاسة من غيرها لأجل الحاجة كما في الاستنجاء بالأحجار وجعل الجامد طهورا علم أن ذلك وصف لا يختص بالماء، وإذا كانت الجامدات لا تنجس بما استحال إليها من النجاسة فالمائعات أولى وأحرى؛ لأن إحالتها أشد وأسرع. (٣)

стр. 7199

ب - الاستحالة برمي تراب ونحوه فيها: اختلف أهل العلم في ذلك، فمنهم من قال بعدم الطهارة، ومنهم من قال بالطهارة، وفيما يلي ذكر القولين مع الأدلة والمناقشة: أما القائلون بأنه لا يطهر فبعض الشافعية وبعض الحنابلة ومن وافقهم من أهل العلم. قال الشيرازي: وإن طرح فيه تراب أو جص فزال التغير، ففيه قولان وقال النووي في شرح المهذب وصحيح ألا ترون أنه لا يطهر وهو المختار وقيد النووي صورة المسألة بأن يكون مكدرا ولا تغير له أما إذا صفا فلا يبقى خلاف بل إن كان التغير موجودا فنجس قطعا وإلا فطاهر قطعا صرح به المتولي وغيره ولا فرق بين أن يكون التغير بالطعم أو اللون أو الرائحة ففي الجميع قولان. (١).

стр. 7200

وقال ابن قدامة. وإن كوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغير لم يطهر. قال في المبدع تعليقا على ذلك: طهور أو بغير الماء كالتراب والخل ونحوهما لا مسك فأزال التغير لم يطهر على المذهب (١). وقال المرداوي: اعلم أن الماء النجس تارة يكون كثيرا وتارة يكون يسيرا فإن كان كثيرا وكوثر بماء يسير أو بغير الماء لم يطهر على الصحيح من المذاهب وعليه جماهير الأصحاب، انتهى المقصود (٢). واستدل لهذا بأنه كما أنه لا يطهر إذا طرح فيه كافور أو مسك فزالت رائحة النجاسة فلا يطهر هنا ونوقش بأنه قياس مع الفارق لأن الكافور يجوز أن تكون الرائحة باقية فيه دائما لم تظهر لغلبة رائحة الكافور والمسك ذكر ذلك الشيرازي في المهذب. واستدل أيضا بأنه وقع الشك في زوال التغير، وإذا وقع الشك في سبب الإباحة لم تثبت الإباحة، كما لو رأى شاة مذبوحة في موضع فيه مسلمون ومجوس، وشك هل ذبحها المجوسي أو المسلم لا تباح، ذكر ذلك النووي في شرح المهذب وبأنه لا يدفع النجاسة عن نفسه فعن غيره من باب أولى، ذكره في المبدع. وبأنه يستر النجاسة قاله ابن عقيل، نقله عنه صاحب المبدع. القول الثاني إنه طاهر وهذا قول المالكية إذا لم تظهر فيه أوصاف الملقى، وهو أحد القولين في مذهب الشافعي وأحمد. جاء في مواهب الجليل: وأما إذا زال التغير بإلقاء تراب فيه أو طين فقال في الطراز: إنه لم يظهر فيه لون الطين ولا ريحه ولا طعمه وجب أن يطهر انتهى (٣)

стр. 7201

وقال الشيرازي: وقال - أي الشافعي - في حرملة يطهر وهو الأرجح (١) وعلق النووي على ذلك فقال: اختلف المصنفون في الأصح من القولين فصحح المصنف هنا وفي التنبيه وشيخه القاضي أبو الطيب وأبو العباس الجرجاني والشاشي وغيرهم الطهارة وهو اختيار المزني والقاضي أبي حامد (٢) وقال ابن قدامة: ويتخرج أن يطهر (٣). وعلق على ذلك صاحب المبدع فقال: وقاله بعض أصحابنا (٤) واستدل لذلك بأن علة النجاسة زالت وهي التغير أشبه ما لو زال بالمكاثرة (٥) وبأنه لو زال بطول المكث طهر فأولى أن يطهر إذا كان يطهر بمخالطته لما دون القلتين (٦).

стр. 7202

جـ - الاستحالة بسقي النباتات بها وشرب الحيوانات إياها: أما الاستحالة بسقي النباتات بها فقد تكلم أهل العلم في حكم ذلك، فمنهم من قال إن هذه الزروع طاهرة مباحة، ومنهم من قال إنها نجسة محرمة. وممن قال بطهارتها أبو حنيفة وبعض المالكية، والشافعي، وهو قول في مذهب أحمد. قال ابن المواق على قول خليل "وزرع بنجس " ابن يونس: القمح النجس يزرع فينبت وهو طاهر وكذلك الماء النجس يسقى به شجر أو بقل فالثمرة والبقلة طاهرتان (١). وقال ابن قدامة: قال ابن عقيل يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم ولا يحكم بتنجيسها. . . وهذا قول أكثر الفقهاء منهم أبو حنيفة والشافعي (٢)

стр. 7203

واستدل لهذا بالأثر والمعنى أما الأثر فهو أن سعد بن أبي وقاص ﵁ كان يدمل أرضه بالعذرة ويقول: مكتل عرة مكتل بر. قال ابن قدامة: والعرة عذرة الناس استدل بهذا الأثر ابن قدامة (١) وأما المعنى فإن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان ويصير لبنا (٢). القول الثاني: إنها لا تطهر وهو المقدم عند الحنابلة وبه قال من وافقهم من أهل العلم. قال ابن قدامة: وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات وسمدت بها (٣) وقال المرداوي على قول ابن قدامة " وما سقي بالماء النجس من الزروع والثمر محرم، قال: وينجس بذلك وهو المذهب نص عليه، وعليه جماهير الأصحاب (٤) وقيد ذلك بالمغني، فقال: فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات (٥) واستدل لهذا القول بالسنة والمعنى. أما السنة فما ذكره ابن قدامة في المغني: قال وروى عن ابن عباس ﵄ قال «كنا نكري أراضي رسول الله ﷺ ونشترط عليهم أن لا يدملوها بعذرة الناس»، وأما المعنى فإنها تتغذى بالنجاسات وتترقى فيها أجزاؤها والاستحالة لا تطهر (٦) وأما شرب الحيوانات إياها فإننا نذكر كلام العلماء وأدلتهم في حكم لحوم

стр. 7204

الجلالة وألبانها مع المناقشة، ومن أوسع ما جاء في ذلك: ما ذكره ابن قدامة ﵀ قال: قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها، قال القاضي في المجرد، هي التي تأكل القذر. فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان، وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها وتحديد الجلالة بكونه أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد ولا هو ظاهر كلامه لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرا في مأكولها يعفى عن اليسير. وقال الليث إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها إلا الرجيع. وقال ابن أبي موسى في الجلالة روايتان إحداهما أنها محرمة، والثانية أنها مكروهة غير محرمة، وهذا قول الشافعي، وكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها لأن الحيوانات لا تنجس بأكل النجاسات بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسا، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس، ولنا ما روى ابن عمر قال «نهى رسول الله ﷺ عن أكل الجلالة وألبانها (١)» رواه أبو داود وروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الإبل الجلالة وأن يؤكل لحمها ولا يحمل عليها إلا الأدم، ولا يركبها الناس حتى تعلف أربعين ليلة»، رواه الخلال بإسناده. ولأن لحمها يتولد من النجاسة فيكون نجسا كرماد النجاسة. وأما شارب الخمر فليس ذلك أكثر غذائه، وإنما يتغذى الطاهرات، وكذلك الكافر في الغالب. وتزول الكراهية بحبسها اتفاقا، واختلف في قدره، فروي عن أحمد أنها تحبس ثلاثا سواء أكانت طائرا أم بهيمة. وكان ابن عمر إذا أراد أكلها حبسها ثلاثا، وهذا قول أبي ثور، لأن ما طهر حيوانا طهر الآخر كالذي نجس ظاهره. والأخرى تحبس الدجاجة ثلاثا والبعير والبقرة ونحوهما يحبس أربعين، وهذا قول عطاء في الناقة والبقرة لحديث عبد الله بن عمرو. ولأنها أعظم جسما وبقاء علفهما فيهما أكثر من بقائه في الدجاجة والحيوان الصغير (٢).

стр. 7205

ومن هذا أن القول بطهارة النجاسات والمياه بالاستحالة في الحيوانات والنباتات إلى لحم وعظم ولبن وغير ذلك هو قول أكثر الفقهاء، لتغيرها من فساد إلى صلاح وتبدل حقيقتها الخبيثة إلى حقيقة أخرى يشملها وصف الطيب في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ (٢) فكان ما تولد عنها بالاستحالة طاهرا حلالا أكله وشربه.

стр. 7206

د - حكم استعمال مياه المجاري بعد استحالتها وزوال أعراض النجاسة منها: مما تقدم يتبين أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بصب ماء طهور فيه باتفاق أو بطول مكث أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه أو برمي تراب ونحوه فيه على الراجح عند الفقهاء لزوال الحكم بزوال علته. وعلى هذا فإذا كانت مياه المجاري المتنجسة - وهي بلا شك كثيرة تتخلص بالطرق الفنية الحديثة مما طرأ عليها من النجاسات فإنه يمكن حينئذ أن يحكم بطهارتها لزوال علة تنجسها، وهي تغير لونها أو طعمها أو ريحها بالنجاسة، والحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وبذلك تعود هذه المياه إلى أصلها، وهي الطهورية ويجوز استعمالها في الشرب ونحوه وفي إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل به الطهارة من الأحداث والأخباث، إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع استعمالها فيما ذكر، محافظة على النفس، وتفاديا للضرر لا لنجاستها، ولكن لو استعملها في إزالة الأحداث أو الأخباث صحت الطهارة. وينبغي للمسلمين أن يستغنوا عن ذلك ويجتنبوه اكتفاء بالمياه الأخرى ما وجدوا إلى ذلك سبيلا احتياطا للصحة، واتقاء للضرر وتنزها عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع والفطر السليمة، هذا ما تيسر وبالله التوفيق والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه. عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 7207

قرار رقم ٦٤ في ٢٥/ ١٠ / ١٣٩٨ هـ الحمد لله وحده، وصلى الله وسلم على من لا نبي بعده، محمد وعلى آله وصحبه، وبعد: ففي الدورة الثالثة عشرة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الآخر من شهر شوال ١٣٩٨ هـ بمدينة الطائف، وبناء على رغبة المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي، في إحالة موضوع الاستفتاء الوارد إلى الرابطة من رئيس تحرير جريدة (مسلم نيوز) الصادرة بكيب تاون إلى هيئة كبار العلماء لإعداد بحث في الموضوع، وتقرير ما تراه الهيئة نحوه، والمتضمن الإفادة بأن المسلمين في تلك الجهة يواجهون مشكلة كبيرة بسبب ما أقدم عليه مجلس مشروع التحقيقات العالمية والصناعية الذي يعمل على إنتاج ماء للشرب النقي من مياه المجاري، وأنهم يسألون عن حكم استعمال هذه المياه بعد تنقيتها للوضوء. بناء على ذلك فقد اطلع المجلس على البحث المعد في ذلك من قبل اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء كما اطلع المجلس على خطاب معالي وزير الزراعة والمياه رقم ١/ ١٢٩٩ وتاريخ ٣٠/ ٥ / ١٣٩٨ هـ وبعد البحث والمداولة والمناقشة قرر المجلس ما يلي: بناء على ما ذكره أهل العلم من أن الماء الكثير المتغير بنجاسة يطهر إذا زال تغيره بنفسه أو بإضافة ماء طهور إليه، أو زال تغيره بطول مكث أو تأثير الشمس ومرور الرياح عليه أو نحو ذلك لزوال الحكم بزوال علته. وحيث إن المياه المتنجسة يمكن التخلص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إن تنقيتها وتخليصها مما طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لإعمال التنقية يعتبر من أحسن وسائل الترشيح والتطهير، حيث يبذل الكثير من

стр. 7208

الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات كما يشهد بذلك، ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممن لا يتطرق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم. لذلك فإن المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة بحيث تعود إلى خلقتها الأولى لا يرى فيها تغير بنجاسة في طعم ولا لون ولا ريح، ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها، كما يجوز شربها إلا إذا كانت هناك أضرار صحية تنشأ عن استعمالها فيمتنع ذلك محافظة على النفس، وتفاديا للضرر لا لنجاستها. والمجلس إذ يقرر ذلك يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب متى وجد إلى ذلك سبيل احتياطا للصحة واتقاء للضرر وتنزها عما تستقذره النفوس وتنفر منه الطباع. والله الموفق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هيئة كبار العلماء رئيس الدورة محمد بن علي الحركان عضو ... عضو عبد العزيز بن عبد الله بن باز ... عبد الرزاق عفيفي إبراهيم بن محمد آل الشيخ ... عبد المجيد حسن عبد الله خياط ... عبد الله بن محمد بن حميد سليمان بن عبيد ... عبد العزيز بن صالح راشد بن خنين ... محمد بن جبير عبد الله بن غديان ... صالح بن غصون عبد الله بن قعود ... عبد الله بن منيع صالح بن لحيدان

стр. 7209

مشروع التكافل الاجتماعي الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله وآله وصحبه. . وبعد: فبناء على ما رآه مجلس هيئة كبار العلماء في دورته الخامسة الاستثنائية، المنعقدة بمدينة الرياض في شهر ربيع الأول عام ١٤٠١ هـ من كتابة بحث عن مشروع التكافل الإسلامي، الذي قدمه الدكتور عثمان أحمد إلى رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، فأحيل منها إلى سماحة الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد، فأحاله سماحته إلى أمانة مجلس هيئة كبار العلماء لعرضه على المجلس - بناء على ذلك أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بيانا يتضمن ما يأتي: - ١ - كلمة مجملة عما ذكره مقدم المشروع من الداعي لكتابة مشروع التكافل الإسلامي والعمل به بعد التأكد من موافقته الشرع. ٢ - مدى تمشي هذا المشروع مع أحكام الشريعة الإسلامية. ٣ - إمكان إقامة مشروع للتكافل والتعاون الإسلامي وسهولة تطبيقه. وفيما يلي تفصيل ذلك بحول الله وقوته أولا: كلمة موجزة عما ذكره مقدم المشروع من الداعي إلى وضع مشروع للتكافل الإسلامي للعمل به بعد التأكد من موافقته لأحكام الشريعة الإسلامية. ذكر واضع المشروع أن الأحوال الاقتصادية الصعبة التي واجهت المسلمين في كل زمان ومكان مع إعراضهم عن الإسلام زمنا طويلا، وعدم معرفتهم بطرقه السليمة في الاقتصاد وجعلتهم يلجئون في معاملاتهم إلى طرق غير مشروعة، ويرتمون في أحضان البنوك الربوية وشركات التأمين الاستغلالية فيبرمون معهم من العقود ويتبادلون معهم من المنافع ما يخالف شرع الله

стр. 7210

تعالى، ويوجب سخطه مع ما فيه من استنزاف تلك البنوك والشركات لأموالهم، والتحكم في اقتصادهم. فكان لزاما على ولاة المسلمين من علماء وحكام أن يعودوا بالمسلمين إلى التمسك بالإسلام، تفقها لأحكامه وعملا بها عامة، وأن يوجدوا على ضوء شريعة الله تعالى وفي نطاق أحكامها حلا لمشكلتهم الاقتصادية، لينقذوا أنفسهم ورعيتهم من مطامع أهل الأثرة الممقوتة، والاستغلال المحرم البغيض وذلك بإيجاد مؤسسات ومصارف إسلامية، وجمعيات تعاونية، تستمد نظامها من كتاب الله تعالى وسنة نبينا محمد ﷺ ، وما يرجع إليهما من الثروة الفقهية التي ورثناها من سلفنا الصالح وفي ذلك الكفاية والغنى عن كل نظام وضع على غير قواعد الإسلام كما أن فيه الخلاص من براثين الاستغلال الجائر، والنجاة من سخط الله بسبب الوقوع فيما حرمه سبحانه من الربا والغرر والخداع في العقود والمعاملات وأكل أموال الناس بالباطل. هذا مما دعا إلى كتابة المشروع وتقديمه إلى هيئة علمية إسلامية للتأكد من سلامته مما حرم الله وكفايته في تحقيق ما يراد من التعاون وفي إنقاذ المسلمين مما حرم الله عليهم.

стр. 7211

ثانيا: مدى تمشي هذا المشروع مع أحكام الشريعة الإسلامية: أولا: نص ما يتعلق بمشروع التكافل الإسلامي:. . . . . أما بالنسبة لفكرة التكافل الإسلامي فتكون تحت اسم جماعة إسلامية منظمة تتمتع بعضوية كبيرة من المسلمين كما يستحسن أن تكون أيضا متمتعة بالإعفاء الضريبي من الحكومة وبالتالي فإنه يمكنها جمع الاشتراكات من أعضاء "التكافل الاجتماعي" بصفة جمعية خيرية وليست بصفة شركة أو هيئه تأمينية تخضع لقوانين ومعاملات معقدة. وتسدد اشتراكات الأعضاء على أقساط سنوية ثابتة لا تتغير بسن العضو أو مرتبته الاقتصادية أو الاجتماعية أو حجم عائلته. وعضوية المشروع تكون للمسلمين المتمتعين بالإقامة الدائمة أو الجنسية لبلاد أمريكا الشمالية.

стр. 7212

التمويل: تمويل صندوق التكافل الإسلامي يكون أساسا من: ١ - الاشتراكات السنوية للأعضاء. ٢ - التبرعات والهبات. ٣ - الاستثمارات. بالنسبة للاشتراكات السنوية يقوم العضو بدفع قسط سنوي في السنة الأولى لاشتراكه يبلغ ضعف القسط السنوي العادي لتكوين ما يسمى بنواة الصندوق. أما القسط السنوي العادي فتقريبا يعادل حوالي ١٠٠ دولار أمريكي بالتناسب للمنافع التي تعود على العضو في حالة إصابته في حادثة تمنعه عن الكسب أو لورثته في حالة وفاته. وهذا القسط في الواقع لا يمثل اشتراكا بمعنى الكلمة بل هو شبه تبرع للجماعة المتكافلة لا حق له في المطالبة به في حالة انسحابه من الجماعة أو توقفه عنى دفع الأقساط لأسباب غير معقولة. المنافع: في حالة وفاة العضو يقوم الصندوق بدفع المبالغ التالية إلى ورثته: ١ - ١٠٠٠٠ عشرة آلاف دولار دفعة واحدة لأرملته أو ٢٥٠ دولارا شهريا لمن هو أقل من ٦٥ سنة أو ١٥٠ دولار لمن هو فوق ٦٥ سنة. ٢ - ٥٠٠٠ خمسة آلاف دولار دفعة واحدة لكل طفل من أطفال المتوفى الذين هم أقل من ١٨ سنة أو أقل من ٢٢ سنة إن كانوا يدرسون دراسات جامعية كل الوقت وبالنسبة للفتيات غير المتزوجات إذا لم يكن لهن عائل شرعي فيرفع حد السن عنهن. ٣ - أما بالنسبة للإصابة الدائمة التي تمنعه عن الكسب من جراء حادث فيقوم الصندوق بدفع ٤٠٠ دولار شهريا للعضو حتى سن ٦٥ سنة. ٤ - هذه المنافع غير ثابتة، ومعرضة للزيادة والنقصان على حسب الحصيلة أو المتوفر في الصندوق، وكذلك حسب مستوى المعيشة في أمريكا الشمالية، إذا كانت الحصيلة والمتوفر في الصندوق يسمح بذلك. ٥ - لجميع أعضاء الجماعة التي تقوم بالإشراف على هذا المشروع الحق

стр. 7213

في الانضمام إلى (التكافل الإسلامي) وتعتبر عضوية الجماعة لازما لذلك. ٦ - للجماعة المشرفة الحق في استثمار بعض تبرعات المشروع بالطرق المشروعة، وبعد خصم المصاريف وضمان وجود احتياطي كاف في الصندوق لتغطية أي كارثة، يحق لهذه الجماعة استعمال بعض صافي الأرباح في مشروعات إسلامية مثل تمويل المدارس الإسلامية أو مخيمات الشباب الصيفية، أو توزيع نشرات وكتب إسلامية على المحتاجين والمؤسسات وغير ذلك من مثل هذه المشروعات. ٧ - يعتبر هذا المشروع تجربة إذا كللت بالنجاح إن شاء الله ينظر في إضافة برنامج لتغطية البديل للتأمين الصحي والتأمين على السيارات بما يتفق ووجهة الشرع. . انتهى بعرض هذا النص على قواعد الشريعة الإسلامية، وخاصة ما يتعلق منها بمسائل الربا، ومسائل الغرر تبين لنا ما يأتي: أولا: أن ما جاء في فقرة " أ " مما يتعلق بمشروع التكافل الإسلامي قد يعتبر عقد معاوضة اشتمل على ربا وغرر، فكان حراما. وبيان ذلك أن المساهمين قد تعاقدوا على التزام أن يعوض كل منهم عند إصابته مما اجتمع لديهم من المال أو يعوض ورثته بعد وفاته منه، فكان عقد معاوضة. ومن البين أن هذا العوض يدفع مؤخرا عند الإصابة أو الوفاة، وقد يزيد عما دفعه المساهم فيجتمع فيه ربا الفضل والنسا، وقد يساويه أو ينقص فيكون فيه ربا النسا، ومع وجود هذه الاحتمالات يكون فيه غرر، لتحقق الجهالة فيما سيدفع من العوض قدرا وزمنا. وقد يجاب عن ذلك بأن ما اتفق عليه المساهمون عقد تبرع أصالة لا يقصد من ورائه النماء والاستغلال والربح كما في التأمين على الحياة وسائر التأمينات التجارية، وقد ثبت شرعا أن الأعمال بالنيات وأن الأمور بمقاصدها، وعلى هذا لا يضر الجهل بما سيدفع من

стр. 7214

التعويضات ولا تأخيرها أو زيادتها عما سبق دفعه من أقساط، فلا خطر ولا مقامرة ولا ربا في ذلك. ثانيا: جاء في فقرة " ب " هذه الكلمة: " بالتناسب للمنافع التي تعود على العضو في حالة إصابته في حادثة تمنعه من الكسب أو لورثته في حالة وفاته " وهي محل نظر. ثالثا: لو ترك تحديد ما يصرف من الصندوق للمساهم عند الإصابة ولورثته بعد وفاته وأدمجت فقرة - جـ - مع رقم - ٤ - وجعلا فقرة واحدة كان أوفق وأحسن تنسيقا، فتكون هكذا: جـ - في حالة الوفاة أو الإصابة يقوم مجلس الإدارة المسئول عن مال الجمعية الخيرية بتقدير ما يصرف من الصندوق للمساهم عند إصابته، ولورثته بعد وفاته، مع مراعاة حالة الجمعية المالية، ومستوى المعيشة وقتئذ، فتكون هذه المنافع غير ثابتة. . الخ. رابعا: تحذف كلمة " أو مخيمات الشباب الصيفية " من رقم - ٦ - أو تقيد بما يجعلها أهلا للصرف عليها من صندوق الجمعية الخيرية. وبعد، فالمشروع مجمل وغير واف بالمقصود، فلا بد من مشروع كامل عام شامل لحل المشاكل الاقتصادية على ضوء الشريعة الإسلامية.

стр. 7215

٣ - إمكان إقامة مشروع للتكافل الإسلامي وسهولة تطبيقه: إذا صدق عزم أهل العلم بأحكام الإسلام وشؤون الاقتصاد على التخلص من التأمينات التجارية الاستغلالية الممقوتة، واتجهوا بإخلاص إلى رسم طريق الإنقاذ من ويلاتها سهل عليهم نظام للتكافل الإسلامي على منهج الشريعة الإسلامية الغراء، ونصحوا ولاة أمور المسلمين بتطبيقه في أممهم، وبينوا فوائده ومزاياه دينا ودنيا، ترغيبا للمسلمين في العمل بمقتضاه والاستغناء به عما سواه، إرضاء لله وحفاظا لثروتهم من أن يخدعهم عنها أصحاب شركات التأمين الاستغلالية ويبتزوها منهم بالأساليب البراقة والطرق الملتوية، وإذا كان
следующие страницы →