وصدق الله إذ يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ (١)، وقد وصف الله الفئة المؤمنة بآيات كريمات في مطلع سورة سميت باسمهم، أعطتهم صفاتا مطمئنة ومريحة؛ لأنهم في يقين ورضا، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (٣) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ (٤) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ (٥) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ (٧) ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٨) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٩) ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ (١٠) ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ (١١) ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١٢).
أما رسول الله ﷺ فقد ترك أمته على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وترك فيهم وصية خالدة تريح النفوس، وتهدئ المجتمعات وتضمن العدالة، وسمو المكانة والاستقرار لمن اتبع ذلك بقوله ﷺ : «تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي ما تمسكتم بهما: كتاب الله وسنتي (١٣)». ففيهما المخرج من كل معضلة، وفيهما الحل لكل مشكلة، وفيهما هدوء البال، وراحة الضمير، والراحة من كل قلق، وفيهما الرابطة القوية بالله عملا وبشرعه منهجا وسلوكا.
فقد قال بعض العارفين: كنت كلما ألم بي مشكلة، أو ضجرت من أمر يقلقني، ألجأ لكتاب الله، فأفتحه وينفتح معه الهدوء والاطمئنان لنفسي؛ لأنني أجد فيه حلا لكل أمر، وخروجا من كل مصيبة.
نسأل الله أن يعيننا على فهم كتاب الله وسنة رسوله الكريم ﵊ وامتثالهما عملا وتطبيقا، والسير وفق شرعهما باستحضارهما في كل وقت، والاهتمام بهما في كل مناسبة، والرضا بما فيهما، والعمل بهما فهما وتحقيقا. والله الموفق لكل خير.
стр. 7422
تحقيق رسالة عمر بن الخطاب
إلى أبي موسى الأشعري
* ناصر بن عقيل بن جاسر الطريفي
* ولد بحائل ١٣٦٧ هـ
* الشهادات العلمية: كلية الشريعة بالرياض ٨٩/ ١٣٩٠ هـ، والماجستير من المعهد العالي للقضاء ٩٣/ ١٣٩٤ هـ، ورسالة الدكتوراه في "القضاء في عهد عمر بن الخطاب ﵁ من كلية الشريعة بالرياض ١٤٠٤ هـ بدرجة مرتبة الشرف الأولى بالفقه".
* العمل: عمل مدرسا بمعهد حائل العلمي، والرياض العلمي، ثم وكيلا لكلية اللغة العربية والعلوم الاجتماعية بالرياض سنة ١٣٩٥ - ١٣٩٧هـ، شارك في مؤتمر الفقه الإسلامي المنعقد في مدينة الرياض في غرة ذي القعدة ١٣٩٦ هـ، والذي نظمته جامعة الإمام حيث عين أمينا مساعدا للمؤتمر.
* العمل الحالي: أستاذ مساعد في كلية الشريعة بالرياض.
стр. 7423
تحقيق رسالة عمر بن الخطاب
إلى أبي موسى الأشعري
وبيان
ما تضمنته من توجيهات للقضاة
للدكتور: ناصر بن عقيل بن جاسر الطريفي
أخذت هذه الرسالة من بين الرسائل التي بعث بها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ إلى قضاته وعماله لما لها من الأهمية في سياسة القضاء ونظمه، ولما أثير حولها من كلام.
والكتب التي أرسل بها عمر كثيرة ومتنوعة، منها ما هو إجابة لأسئلة القضاة واستفساراتهم فيما يشكل عليهم من أمر القضاء مما جد في حياة الناس ويحتاج إلى معرفة حكم الله فيه، ومن هذه الرسائل ما هو نصائح وتوجيهات، وبيان لكيفية التداعي وأحكام الدعوى، وطريقة الفصل في القضايا. وفيما يلي أسوق نماذج من هذه الرسائل:
١ - روى القاضي وكيع قال: [حدثنا إبراهيم بن محسن بن معدان المروزي، قال: أخبرنا عبيدة بن حميد، قال: حدثنا حفص بن صالح أبو عمر الأسدي، عن الشعبي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى معاوية وهو أمير بالشام: (أما بعد: فإني كتبت إليك في القضاء بكتاب لم آلك فيه ونفسي خيرا، فالزم خصالا يسلم دينك، وتأخذ بأفضل حظك عليك، إذا حضر الخصمان فالبينة العدول، والأيمان القاطعة، أدن
стр. 7424
الضعيف حتى يجترئ قلبه، وينبسط لسانه، وتعاهد الغريب، فإنه إن طال حبسه ترك حقه، وانطلق إلى أهله، وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأسا، واحرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء] ٢ - روى ابن القيم قال: [وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى شريح: (إذا وجدت شيئا في كتاب الله فاقض به، ولا تلتفت إلى غيره، وإن أتاك شيء ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله ﷺ فإن أتاك ما ليس في كتاب الله، ولم يسن رسول الله ﷺ فاقض بما أجمع عليه الناس، وإن أتاك ما ليس في كتاب الله ولا سنة رسول الله ﷺ ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فإن شئت أن تجتهد رأيك فتقدم، وإن شئت أن تتأخر، فتأخر، وما أرى التأخر إلا خيرا لك) ذكره سفيان الثوري عن الشيباني عن الشعبي عن شريح أن عمر كتب إليه].
٣ - روى القاضي وكيع: (أن عمر بن الخطاب كتب إلى المغيرة بن شعبة أن يقضي بين الناس، وقال: إن أمير العامة أجدر أن يهاب. وقال: إذا رأيت من الخصم. فأوجع رأسه) (١).، وروى نحوه عبد الرزاق
стр. 7425
بسنده أن عمر كتب به إلى أبي موسى الأشعري فقال: (وكتب إليه ألا يقضي إلا أمير، فإنه أهيب للظالم ولشاهد الزور، وإذا جلس عندك الخصمان فرأيت أحدهما يتعمد الظلم فأوجع رأسه) (١).
٤ - روى القاضي وكيع قال: (حدثنا عبد الملك بن محمد الرقاشي، قال: حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا شعبة، عن فضيل بن معاذ، عن أبي جرير، عن الشعبي، قال: كتب عمر بن الخطاب إلى شريح: (لا تجيزن لامرأة في مالها أمرا حتى يحول عليها حول عند زوجها أو تلد ولدا)، وساقه برواية أخرى قال: حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا سليمان بن حرب، قال: حدثنا حماد بن يزيد، عن مجالد، عن الشعبي: أن عمر كتب إلى شريح: أن اقض بعين الدابة إذا فقئت بربع ثمنها، ولا تجيزن لامرأة هبة شيء حتى تلد بطنا، أو يحول عليها حول، وهي في بيت زوجها ولا تورث حميلا) ٥ - وروى القاضي وكيع قال: [حدثنا أحمد بن منصور الرمادي، قال: حدثنا يزيد بن أبي حكيم، قال: حدثنا سفيان، عن جابر، عن الشعبي، عن شريح قال: كتب إلي عمر: بخمس من صوافي الأمراء: إن الأسنان سواء، والأصابع سواء، وفي عين الدابة ربع ثمنها، وإن الرجل يسأل عند موته عن ولده فأصدق ما يكون عند موته، وجراحة الرجال والنساء سواء إلى ثلث دية الرجل) (٢).
стр. 7426
٦ - روى القاضي وكيع قال: أخبرنا عبد الله بن سعد بن إبراهيم، قال: حدثني عمي، قال: حدثنا أبي عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد الله بن شبرمة: أن قتيلا أصيب في وادعة من همدان ولا يعلم له قاتل، فكتب فيه شريح بن الحارث إلى عمر بن الخطاب، فكتب عمر: (أن خذ من وادعة خمسين رجلا، الخير والخير، ثم استحلفهم بالله ما قتلوا، ولا يعلمون له قاتلا، ففعل ذلك، ففعلوا فكتب إليه شريح: إنهم قد حلفوا، فكتب إليه عمر: بهذا برئوا من الدم، فما الذي يخرجهم من العقل؟ ضع عليهم عقله) (١).
٧ - وذكر ابن الجوزي قال: (عن عبد الله بن عمر قال: كنا مع عمر في منى، فأبصر رجلا يسرع في سيره، فقال: إن هذا الرجل يريدنا، فأناخ ثم ذهب لحاجته، فجاء الرجل فبكى عمر، وقال: ما شأنك؟ قال: يا أمير المؤمنين إني شربت الخمر، فضربني أبو موسى وسود وجهي، وطاف بي، ونهى الناس أن يجالسوني، فهممت أن آخذ سيفي فأضرب أبا موسى، أو آتيك فتحولني إلى بلد لا أعرف فيه، أو ألحق بأرض الشرك، فبكى عمر وقال: ما يسرني أن تلحق بأرض الشرك، وأن لي كذا وكذا، وقال: إني كنت لمن أشرب الناس الخمر في الجاهلية. ثم كتب إلى أبي موسى: إن فلانا أتاني، فذكر كذا وكذا، فإذا أتاك كتابي هذا فمر الناس أن يجالسوه، وأن يخالطوه، فإن تاب فاقبل شهادته، وكساه وأمر له بمائتي درهم) (٢).
إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة التي حفلت بها كتب التأريخ والسير والآثار والفقه، مما كان يكتب به عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى ولاته وقضاته، التي تحمل في ثناياها غزارة التوجيهات والنصائح للقضاة والعمال، وكان دافعه إلى ذلك خشيته أن تزل بالقاضي قدمه في معاملة الناس والقضاء
стр. 7427
عليهم والفصل في خلافاتهم، فيكون عمر المسئول عنها يوم القيامة، لم لم يتفقد رعيته ويشرف على عمله، «وكل راع مسئول عن رعيته (١)».
стр. 7428
أهمية رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري:
تتحدث رسالة القضاء التي كتبها عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى أبي موسى الأشعري ﵁ قاضيه وواليه على البصرة، عن القواعد الأساسية التي يبنى عليها القضاء، ومن عدل بين الخصوم ورجوع إلى الحق، وطرق إجراءات التداعي وسير المحاكمة، والرجوع إلى نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله في كل ما يصدر عن القاضي، فهي رسالة عظيمة الفائدة تحوي ما تشتت من أحكام القضاء، وتجمع ما تفرق من أسس التنظيم والإدارة للقضاء، وهي دستور قويم في نظام القضاء والتقاضي، وسجل حافل جامع لكثير من شئون القضاء ومسائله، تجمعها في كلمات قليلة موزونة تكاد أن تكون قطعة أدبية تحمل عناصر البلاغة والإيضاح.
لذا اهتم بها كثير من الدارسين والمؤلفين، فرواها أجلة من العلماء المتقدمين والمتأخرين من المحدثين والفقهاء، والمؤرخين والأدباء، وتناولوها بالبحث والاستنباط والثناء في كتب السنة والفقه والتأريخ والسير والأدب وغيرها.
стр. 7429
فالفقيه بحاجة إليها يستنبط منها الأحكام والتوجيهات، والأدباء يذكرونها في كتبهم، ويسوقونها في عيون أخبارهم، ليسترشدوا بها في نثرهم، وفصاحتهم، والمؤرخ يحقق نصوصها وروايتها، واللغوي يشرح كلماتها ومفرداتها، ويستنبط القواعد البلاغية في تركيباتها، يقول ابن تيمية ﵀: [ورسالة عمر المشهورة في القضاء إلى أبي موسى الأشعري تداولها الفقهاء، وبنوا عليها واعتمدوا على ما فيها من الفقه وأصول الفقه] (١).
ويقول ابن فرحون: [ونبدأ بذكر رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ المعروفة برسالة القضاء، قال ابن سهل: وهذه الرسالة أصل فيما تضمنته من فصول القضاء ومعاني الأحكام، وعليها احتذى قضاة الإسلام، وقد ذكرها كثير من العلماء وصدروا بها كتبهم، منهم: عبد الملك بن حبيب، وهي:] (٢).
ويقول سيدي محمد المرير: [ومن العجيب أن هذه الرسالة يرويها
стр. 7430
المحدث في جامعه، ويعتمد عليها الفقيه في أحكامه ومسائله، ويستدل بها الأصولي لتأسيس حججه ودلائله، ويجعلها الأديب أنموذجا لنسج خطبه ورسائله، فرحم الله زعيم الأمة وفاتح أقطارها، ومؤسس برامج سياستها الحربية ونظم قضائها] (١).
ويقول الدكتور محمد يوسف موسى: [إنها عهد اعتبره جمهور قضاة الإسلام دستورا لهم، وهو حري بهذا التقدير منهم، ومن رجال القضاء جميعا في كل عصر، ففيه من أصول القضاء ونظمه، ومن قواعد المرافعات، ومن الآداب التي ينبغي أن يأخذ القاضي بها نفسه ما يجعله بحق دستورا يجب اتباعه] (٢).
ويقول الأستاذ ظافر القاسمي: [وفي حدود علمي أنه ترجم إلى أكثر لغات العالم، وقد تعب كثير من العلماء في نقله إلى اللغات الأخرى؛ لأنه مصدر أصلي من مصادر أصول المحاكمات، وكان إميل تيان ممن ترجمه إلى الفرنسية في كتابه: " تأريخ التنظيم القضائي في بلاد الإسلام "، وممن ترجمه إلى الإنكليزية الأستاذ هنري كتن.
وقد اعتبره مؤرخو الآداب العربية من جملة النصوص الهامة التي تدل على صفات أسلوب صدر الإسلام، وترسل الخلفاء، وعلى ما تحلى به الفاروق عمر بن الخطاب من بلاغة في التعبير مع إحكام الفكرة] (٣).
وفي هذه الرسالة يضع عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - القواعد الأساسية للقضاء، وكيفيته وطرقه والهدف منه. وسأورد بإذن الله تعالى هذه الرسالة، وطرق ورودها، وآراء العلماء والباحثين في هذه الطرق، وأشرح مفرداتها، ثم أستخلص القواعد القضائية التي تشتمل عليها هذه الرسالة.
стр. 7431
وقد اعتمدت النص الذي أورده القاضي وكيع بن محمد بن خلف بن حيان المتوفى سنة ٣٠٦ هجرية الذي رواه بسنده قال:
(حدثني علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس، قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة فأخرج إلي كتبا، فرأيت في كتاب منها (١) ثم ساق نص الرسالة.
واعتمدت هذا النص للاعتبارات التالية:
أ - لأن القاضي وكيعا متقدم على غيره إذ توفي سنة ٣٠٦ هـ.
ب - لأن رواية وكيع - كما يظهر من إسناده - تدل على أنها لم تكن من الحفظ، وإنما كانت مكتوبة. وهذا ما يسمى وجادة وهي على
стр. 7432
التحقيق مما يجب العمل به عند حصول الثقة بها؛ إذ إن أبا موسى قبل وفاته أوصى لابنه أبي بردة، فكان هذا الكتاب الذي بخط عمر بن الخطاب عنده - كما نقلنا عن أخبار القضاة آنفا ثم وازنت رواية وكيع برواية ابن القيم (١)، ورواية ابن خلدون (٢). المتوفى سنة ٨٠٨ هـ.
ومن هذه الموازنة لم أجد فارقا بين تلك الروايات اللهم إلا في التقديم أو التأخير، أو إبدال عبارة بأخرى من الألفاظ التي لا يتغير بها المعنى. وهذا يحصل لمن يروي من حفظه. أما رواية وكيع - فكما سلف - أنها لم تكن من الحفظ وإنما كانت وجادة، وكذلك رواية ابن القيم إذ قال بعد سياقه لروايته: [قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا] (٣)، وقال في بداية السند: [فأخرج إلي كتبا فرأيت في كتاب منها، (٤). مما يدل على أنها وجادة مكتوبة، ولكنها غير مسندة إلى معمر البصري؛ إذ إسناد ابن القيم هكذا: [وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة، فأخرج إلي كتبا فرأيت في كتاب منها] (٥).
стр. 7433
نص الرسالة:
أما بعد: فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
стр. 7434
واس (١) بين الاثنين في مجلسك ووجهك، حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس وضيع من عدلك، الفهم الفهم فيما يتلجلج (٢) في صدرك ويشكل عليك، ما لم ينزل في الكتاب ولم تجر به سنة.
واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور بعضها ببعض، فانظر أقربها إلى الله وأشبهها بالحق فاتبعه واعمد إليه.
لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك، وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل.
المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا حدا، أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء قرابة.
واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، أو بينة عادلة، فإنه أثبت للحجة، وأبلغ في العذر، فإن أحضر بينة إلى ذلك الأجل أخذ بحقه، وإلا وجهت عليه القضاء.
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر.
إن الله ﵎ تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم الشبهات.
وإياك والغلق والضجر والتأذي بالناس، والتنكر للخصم في مجالس
стр. 7435
القضاء التي يوجب الله فيها الأجر، ويحسن فيها الذخر، من حسنت نيته، وخلصت فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس.
والصلح جائز فيما بين الناس إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا.
ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شانه الله، فما ظنك بثواب غير الله في عاجل دنيا، وآجل آخرة والسلام.
стр. 7436
طرق رسالة عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري ﵁:
رويت هذه الرسالة بعدة طرق منها:
١ - طريق وكيع المتوفى سنة ٣٠٦، قال: [حدثني علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال: حدثنا إبراهيم بن بشار، قال: حدثنا سفيان، قال: حدثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري - وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة - فأخرج إلي كتبا فرأيت في كتاب منها]، ثم ذكر الرسالة.
٢ - طريق الدارقطني المتوفى سنة ٣٨٥ هـ - في سننه قال: [حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان بن محمد النعماني، حدثنا عبد الله بن عبد الصمد بن أبي
стр. 7437
خداش، نا عيسى بن يونس، نا عبيد الله بن أبي حميد عن أبي المليح الهذلي قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري]، ثم ساق الرسالة.
٣ - طريق ابن حزم - المتوفى سنة ٤٥٦ هـ - قال: فحدثنا بها أحمد بن عمر العذري، ثنا أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي، ثنا أبو سعيد الخليل بن أحمد القاضي السجستاني، ثنا يحيى بن محمد بن صاعد، ثنا يوسف بن موسى القطان، ثنا عبيد الله بن موسى، ثنا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه قال:] (١) ثم ساق الرسالة.
وطريق آخر لابن حزم قال: [وحدثناها أحمد بن عمر، ثنا عبد الرحمن بن الحسن الشافعي، ثنا القاضي أحمد بن محمد الكرجي، ثنا: محمد بن عبد الله العلاف، ثنا أحمد بن علي بن محمد الوراق، ثنا: عبد الله بن سعد، ثنا أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، ثنا سفيان عن إدريس بن يزيد الأودي، عن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري عن أبيه] (٢).
٤ - طرق البيهقي - المتوفى سنة ٤٥٨ هـ في سننه قال: [وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا ابن كناسة، ثنا جعفر بن برقان عن معمر البصري عن أبي العوام البصري، قال: كتب عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄]. وذكرها بأكملها.
стр. 7438
٥ - طريق ابن القيم المتوفى سنة ٧٥١ هـ - قال: [وقال أبو عبيد: ثنا كثير بن هشام عن جعفر بن برقان، وقال أبو نعيم عن جعفر بن برقان، عن معمر البصري، عن أبي العوام، وقال سفيان بن عيينة: ثنا إدريس أبو عبد الله بن إدريس قال: أتيت سعيد بن أبي بردة، فسألته عن رسل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى الأشعري - وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة - فأخرج إليه كتبا فرأيت في كتاب منها] (١) ثم ذكر الرسالة.
وقال عند آخرها [قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا] (٢).
стр. 7439
آراء العلماء والباحثين في رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري ﵄: لقد دار منذ القدم النقاش وحصل اختلاف بين العلماء والباحثين في شأن رسالة عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى قاضيه على البصرة أبي موسى الأشعري ﵁ فبعضهم يؤيدها ويثني عليها ويجعلها أساسا لبحثه واستنباطاته، فيصحح وردوها ومنتها.
وبعضهم يطعن فيها إما من ناحية سندها، أو اختلاف رواياتها، أو تأريخها، أو متنها، أو فيها جميعا.
فأما السند والرواية فقد طعنوا في رواتها، واتهموهم بعدم الثقة وبالانقطاع.
وأما اختلاف الروايات، فإن بين ألفاظ الروايات المتعددة اختلافا مما
стр. 7440
يدل على الوضع، وأما التأريخ فهو أن أبا موسى الأشعري لم يتول قضاء الكوفة.
وأما من ناحية المتن فقد استبعدوا أن تكون من كلام عمر بن الخطاب؛ لأنها اشتملت على اصطلاحات فقهية جدت بعد عصر الصحابة، كما أن فيها بعض الآراء التي ثبت مخالفة عمر لها.
وسأعرض فيما يلي لهذه الاعتراضات وأناقشها بإذن الله تعالى.
стр. 7441
مناقشة حجج منكري رسالة عمر إلى أبي موسى الأشعري:
أ - الطعن في السند:
لقد شن ابن حزم - رحمه الله تعالى - حمله على رسالة عمر إلى أبي موسى وطعن في سندها فقال: [قال أبو محمد: وهذا لا يصح؛ لأن السند الأول فيه عبد الملك بن الوليد بن معدان، وهو كوفي متروك الحديث ساقط بلا خلاف، وأبوه مجهول، وأما السند الثاني فمن بين الكرجي إلى سفيان مجهولون، وهو أيضا منقطع فبطل القول به جملة] (١).
وقال أيضا: [وأما الرسالة عن عمر ففيها: " قس الأمور واعرف الأشباه والأمثال، ثم اعمد إلى أولاها بالحق وأحبها إلى الله فاقض به " وهذه رسالة لا تصح، تفرد بها عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وكلاهما متروك، ومن طريق عبد الله بن أبي سعيد وهو مجهول، ومثلها بعيد عن عمر، وأحب الأشياء إلى الله لا يعرف إلا بإخبار الله ورسوله، وقد حرم تعالى أن تقولوا على الله ما لا تعلمون] (٢).
وقال أيضا: [فإن ادعوا أن الصحابة ﵃ أجمعوا على القول بالقياس قيل لهم: كذبتم بل الحق أنهم كلهم أجمعوا على إبطاله، برهان
стр. 7442
كذبهم: أنه لا سبيل لهم إلى وجود حديث عن أحد من الصحابة ﵃ أنه أطلق الأمر بالقول بالقياس أبدا، إلا في الرسالة المكذوبة الموضوعة على عمر ﵁ فإن فيها: " واعرف الأشباه والأمثال وقس الأمور "، وهذه رسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه أو من هو مثله في السقوط] (١).
ومما لا شك فيه أن ابن حزم له باع طويل في معرفة طرق الرواية والأسانيد والرجال، فهو عالم من الطراز الأول، كما أنه غير متهم في دينه وخلقه. لذلك كان لطعنه في السند وراوي الرسالة وزن واعتبار لا يمكن إغفاله أو تجاهله، وخصوصا أنه عبر عنه بلغة الجزم والقطع، بل بلغة قاسية حين قال في راويها: " عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه وهو ساقط بلا خلاف، وأبوه أسقط منه أو من هو مثله في السقوط " (٢).
كما أن ابن القيم وافقه على انقطاع السند حيث قال: " قال أبو عبيد: فقلت لكثير: هل أسنده جعفر؟ قال: لا " (٣)، ثم قال: " وهذا كتاب جليل تلقاه العلماء بالقبول، وبنوا عليه أصول الحكم والشهادة، والحاكم والمفتي أحوج شئ إليه وإلى تأمله والتفقه فيه" (٤)، ليدفع ما قد يتوهم بأن عدم إسناده يعرضه للطعن في صحته، إذ قبول العلماء له يكسبه نوعا من الإقرار بصحته والموافقة على ما فيه، ويجوز أن جعفرا يعلم الإسناد ولكنه حذفه اختصارا وإلا من أين جاء بالرسالة وهو ثقة.
لكن علماء الحديث لم يوافقوه في سقوط الراوي عبد الملك بن الوليد بن معدان، ولا أبيه الوليد بل عده علماء الرجال من الثقات.
ولم يوافقوه على ورودها من الطرفين اللذين ذكرهما بل ذكروا طرقا أخرى
стр. 7443
موصولة. فقد قال الحافظ ابن أبي حاتم الرازي في الراوي: [عبد الملك بن الوليد بن معدان شيخ بصري روى عن أبيه، وعاصم بن بهدلة روى عنه بدل بن المحبر، وحرمي بن حفص، وأحمد بن عبد الله بن يونس. سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد روى عنه أبو داود الطيالسي، نا عبد الرحمن، قال ذكره أبي عن إسحاق بن منصور عن يحيى بن معين أنه قال: عبد الملك بن الوليد ابن معدان صالح، نا عبد الرحمن قال: سألت أبي عن عبد الملك بن الوليد بن معدان فقال: ضعيف الحديث] (١).
وقال الذهبي: [عبد الملك بن الوليد بن معدان عن عاصم بن أبي النجود قال ابن معين: صالح، وقال أبو حاتم: ضعيف، وقال ابن حبان: يقلب الأسانيد لا يحل الاحتجاج به، وقال البخاري: فيه نظر] (٢).
وقال الشيخ أحمد محمد شاكر ﵀: [أما عبد الملك فهو متوسط، ولم يضعفه أحد جدا إلا المؤلف - يعني به ابن حزم - وأما أبوه فهو ثقة معروف ذكره ابن حبان في الثقات] (٣).
أما عدم مرافقتهم له في ورودها من الطريقين اللذين ذكرهما، فقد سبق وأن ذكرت طرق ورودها - ومنها طريق وكيع عن علي بن محمد بن عبد الملك (٤) إلخ. . . وطريق الدارقطني (٥)، وطريق البيهقي - بل طرق البيهقي (٦) - فلم ينفرد بروايتها عبد الملك بن الوليد بن معدان كما يدعي ابن حزم.
وقال أحمد ﵀ عن طرقه: [وخير هذه الأسانيد - فيما نرى - إسناد سفيان بن عيينة عن إدريس - وهو إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي
стр. 7444
وهو ثقة - أن سعيد بن أبي بردة بن أبي موسى أراه الكتاب وقرأه لديه، وهذه وجادة جيدة في قوة الإسناد الصحيح إن لم تكن أقوى منه، فالقراءة من الكتاب أوثق من التلقي عن الحفظ، وقد نقلها أيضا ابن الجوزي في سيرة عمر بن الخطاب ص ١٣٥ (١) " عن أبي عبد الله بن إدريس - وهو إدريس بن يزيد - قال: أتيت سعيد بن أبي بردة فسألته عن رسائل عمر بن الخطاب التي كان يكتب بها إلى أبي موسى، وكان أبو موسى قد أوصى إلى أبي بردة قال: فأخرج إلي كتبا فرأيت في كتاب منها] (٢) إلخ.
بل إن ابن حجر العسقلاني ﵀ اعتبر اختلاف الروايات حتى ولو كانت منقطعة مما يقوي أصل الرسالة ويشد بعضها أزر بعض، فقال: [وساقه - يعنى رسالة عمر - ابن حزم من طريقين، وأعلهما بالانقطاع، لكن اختلاف المخرج فيهما مما يقوي أصل الرسالة، لا سيما وفي بعض طرقه أن راويه أخرج الرسالة مكتوبة (٣).
стр. 7445
ب - الطعن فيها لاختلاف الروايات وتعددها:
تذرع بعض الباحثين لإبطال رسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري باختلاف الروايات وتعددها، مما يدل على أنها مختلفة؛ إذ لو كانت مكتوبة لما حصل فيها هذا الاختلاف وتعدد الروايات، إذ ما يكتب لا يحصل فيه الاختلاف بخلاف ما يقال، إذ ربما يحصل القول بألفاظ مختلفة من القائل في كل مناسبة، يقول قولا مختلف اللفظ عن الأول، فينقل الراوي ما سمع. أما الرسائل فعادة تكون واحدة، لا عدة رسائل تحمل معنى واحدا إلى شخص واحد. وقد نقل الأستاذ عبد العزيز مصطفي المراغي ما قاله بعض هؤلاء فقال: [كتب الأستاذ مرجو ليوث، أستاذ اللغة العربية في جامعة أكسفورد - سابقا - فصلا عن هذا الكتاب في مجلة الجمعية الآسيوية، عمد فيه للمقارنة بين
стр. 7446
ثلاث روايات اختارها، وهي رواية الجاحظ، وابن قتيبة، وابن خلدون، وحاول أن يجعل من اختلاف الروايات سببا للتشكيك في صحة نسبة الكتاب إلى عمر، وعجب أن يكون هذا الكتاب قد نقل شفاها من عمر لأبي موسى] (١).
فنقول: صحيح أنها رسالة مكتوبة، ولكن الرواة يتناقلونها عن طريق الحفظ، لذلك يقع تعدد الروايات واختلافها، علما بأنه لم يقع اختلاف بينها يذكر، اللهم إلا في اختلاف المفردات اللغوية. فيروي هذا كلمة وغيره يرويها بكلمة أخرى لا تغير المعنى والمقصود، أو يقدم جملة على أخرى. وقد أجاز علماء الحديث رواية الحديث بالمعنى إذا كان لا يحيله، فليس الاختلاف قادحا فيها وموجبا لردها، وخصوصا أنها عن عمر بن الخطاب.
يقول الأستاذ عبد العزيز المراغي: [اختلاف الروايات في الحديث لا يكون سببا قادحا فيه، وموجبا لرده، خصوصا وأن هذا الكتاب عن عمر لا عن الرسول، وهو مكتوب في معنى خاص، لا يغير من شأنه اختلاف الروايات فيه، مادامت كلها تحمل هذا المعنى، والعلماء الخبيرون بالأخبار، وطرق نقلها لم يشكوا في صحة الكتاب، ولم ينقل عن واحد منهم معنى من معاني رده، وقد تولى تفسيره كثير منهم، وإعلام الموقعين لابن القيم يكاد يكون كتابا موضوعا لشرح كتاب عمر، اتخذ التعليق عليه وسيلة للإفاضة في كثير من أسرار التشريع التي نصب ابن القيم نفسه لبيانها والدفاع عنها، ولم يشكك هو، ولا شيخه ابن تيمية في الكتاب من قريب أو بعيد، ولو كان في الكتاب مغمز ما ترددوا في بيانه] (٢).
أما ما ذكره من عجبه أن يكون هذا الكتاب قد نقل شفاها من عمر لأبي موسى الأشعري، فالرد عليه: أن الكتاب لم ينقل كذلك، وإنما هو رسالة مكتوبة بعث بها عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري، وحفظها عنده وقبيل وفاته أوصى لابنه بما عنده من أوراق ومستندات فحفظها عنده ابنه أبو بردة مع غيرها من رسائل عمر بن الخطاب لأبيه، ورواياتها تدور أغلبها على سعيد بن
стр. 7447
أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وفيها يقول الراوي: فأخرج لنا كتبا فيها كتاب عمر إلى أبي موسى (١).
وبهذا يتضح أن الكتاب لم ينقل من عمر إلى أبي موسى شفاها كما يدعي مرجو ليوث، وعلى هذا فلا مدعاة لعجبه، ولا أساس هناك يعتمد عليه في إنكاره له.
стр. 7448
الطعن فيها من الناحية التأريخية
لقد شكك المنكرون لرسالة عمر بن الخطاب لأبي موسى الأشعري فيها من الناحية التأريخية حيث قالوا:
١ - إن الرسالة ورد فيها بعث عمر بن الخطاب إلى قاضيه على الكوفة أبي موسى الأشعري، حيث روى ابن خلدون قال: [وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة، وكتب له في ذلك الكتاب المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة، وهي مستوفاة فيه] (١).
وأبو موسى الأشعري لم تتحدث عنه كتب التأريخ أنه ولي الكوفة لعمر بن الخطاب، وإنما ولي له البصرة، ولم يل الكوفة إلا في عهد عثمان بن عفان - رضي الله تعالى عنه -. يقول حسن إبراهيم حسن: [ومن الثابت أن شريح بن الحارث الكندي كان قاضي الكوفة في عهد عمر، وأن أبا موسى الأشعري تولى قضاء البصرة من قبل عمر أيضا، وهذا يخالف ما ذكره بعض المؤرخين من أن عمر أرسل هذا الكتاب إلى أبي موسى الأشعري، وهو على قضاء الكوفة؛ لأنه لم يتقلد ولاية الكوفة إلا في خلافة عثمان بن عفان] (٢).
وقال الشيخ محمود بن محمد بن عرنوس: [من هذا البيان المختصر
стр. 7449
يظهر أن أبا موسى لم يل الكوفة في زمن عمر، وإنما وليها في زمن عثمان، وإنما كان قاضي الكوفة شريح، فمن هذه الوجهة يمكننا أن نرجح ما يقوله ابن حزم في هذه الرسالة] (١).
٢ - كما أن أبا موسى الأشعري لم يل لعمر بن الخطاب القضاء، وإنما ولي له الإمارة على البصرة، وقضى لعمر في أثناء ولاية أبي موسى للإمارة كعب بن سور (٢).
٣ - لم ترد هذه الرسالة في كتب الأقدمين، وإنما وردت فيمن كتب بعد القرن الثالث الهجري: قال ظافر القاسمي نقلا عن إميل تيان: [وكما لاحظ ذلك مرجليوث، فإن المؤلفين الذين ذكروا كتاب عمر للمرة الأولى هم: الجاحظ، وابن عبد ربه، وابن قتيبة، وما من أحد منهم كان قبل القرن الثالث الهجري - التاسع والعاشر الميلادي - وفي أي نوع كان: التأريخ القضاء، الحديث، سابق على هذا العصر، لا نجد ذكرا لهذا النص الشهير.
وإذا أخذنا على سبيل الإيضاح بين هذه المؤلفات أشهرها التي تناولت تحت عناوين مختلفة القضاء نجد فيها صمتا يدعو إلى الاضطراب حول هذا الموضوع، فمالك بن أنس مؤسس المذهب المالكي الذي عاش في أول القرن الثاني للهجرة (٩٧ - ١٧٩ هـ ٧١٥ - ٧٩٥م) لا يشير في موضع من مؤلفه الشهير (الموطأ) إلى كتاب عمر، والموطأ يؤلف مع ذلك مجموعة من الأحاديث والأحكام، والحكم منسوبة إلى النبي ﷺ وإلى أصحابه، وإلى الشخصيات الهامة لصدر الإسلام، وكذلك الحال بالنسبة إلى مسند الإمام أحمد بن حنبل - رئيس المذهب الحنبلي - والشافعي (المتوفى ٢٠٤/ ٨١٩) لا يشير أية إشارة إلى هذه الوثيقة. وفي مسند زيد بن علي لا نجد أية إحالة على هذا الكتاب] (٣).
стр. 7450
ويتابع الحديث والنقل إلى أن يقول: فمن الممكن إذن أن يبدو غريبا جدا أنه حتى نهاية القرن الثاني للهجرة، أي أكثر من مائة وخمسين سنة بعد وفاة الخليفة عمر، لا نرى نصا يذكر الكتاب الذي تسنده الروايات المتأخرة إلى عمر. إن المؤلفين الذين لاحظنا عندهم هذا الصمت كان يمكن أن يكون لهم أكبر الاهتمام في أن يذكروا في كتاباتهم المتعلقة بالسلطة القضائية هذه الوثيقة المزعومة لو وجدت حقيقة] (١).
وأجيب عن هذا بما يأتي:
أولا: قولهم لم يل الكوفة:
إن أكثر الذين رووا الرسالة لم ينصوا على أن عمر أرسلها إلى قاضيه على الكوفة، وإنما قالوا: أرسلها إلى أبي موسى الأشعري. وابن خلدون ﵀ وحده وهو الذي ذكر أن عمر أرسلها إلى أبي موسى وهو على الكوفة (٢).
ومن الممكن الإجابة على رواية ابن خلدون بما يأتي:
أ - لعلها سبقة قلم من ابن خلدون، أو سجلها من حفظه، فكتب الكوفة بدلا من البصرة لتقاربها في الموقع وتأريخ التأسيس، فتسبق إحداهما على الأخرى في الذهن، فيكاد المرء لا يفرق بينهما.
وخطأ بعض المؤرخين في تحديد الجهة التي كان فيها أبو موسى وقت إرسال الكتاب ليس معناه كذب الكتاب، أو مدعاة للطعن في صحته، وكذلك اختلاف التأريخ في الكوفة والبصرة ليس كافيا لرد الرسالة.
ب - يحتمل أن قولهم: قاضيه على الكوفة، إنما ذكرت في الرواية أيام كون أبي موسى قاضيا عليها - أيام عثمان بن عفان - فهو باعتبار الحال والزمان، ولكنه ليس قاضيا لعمر على الكوفة.
ج - ذكر الطبري (٣) ﵀ وابن الأثير (٤) أن أهل الكوفة طلبوا من عمر بن
стр. 7451
الخطاب - رضي الله تعالى عنه - أن يعزل عنهم واليهم عمار بن ياسر؛ لأنه لا يحسن السياسة، ولا يعلم ما استعمل عليه، ففعل واستشارهم فيمن يوليه عليهم، فطلبوا أبا موسى الأشعري فولاه عليهم، ثم إنهم طلبوا عزله عن الكوفة؛ لأن غلامه يتجر في بعض أرزاقهم، وذلك بعد قرابة سنة من توليته، فعزله عمر عن الكوفة وصرفه إلى البصرة، وبعث إليهم المغيرة بن شعبة.
وبهذا يحتمل أن عمر ﵁ أرسل رسالته في القضاء لأبي موسى في هذه السنة التي تولى فيها أبو موسى على الكوفة ليذكره بأمور القضاء وسياسته، وخاصة عند أناس تكثر لديهم المشاغبة.
ثانيا: قولهم لم يل القضاء، وإنما ولي إمارة البصرة:
من الثابت في كتب التأريخ أن ولاية أبي موسى الأشعري في زمن عمر بن الخطاب للبصرة كانت ولاية عامة، تشتمل الإمارة والقضاء، وفي آخر سنة من خلافة عمر بن الخطاب سنة ثلاث وعشرين يذكر ابن جرير الطبري بصيغة التمريض أنه ولى على قضاء البصرة كعب بن سور، فيقول: [وقيل: كان على قضاء الكوفة في السنة التي توفى فيها عمر بن الخطاب ﵁ شريح وعلى البصرة كعب بن سور، وأما مصعب بن عبد الله، فإنه ذكر أن مالك بن أنس روى عن ابن شهاب أن أبا بكر وعمر ﵄ لم يكن لهما قاض (١).
ثم إنه حتى لو كان مع أبي موسى من يتولى القضاء لما كان هذا مانعا من أن يرسل عمر إلى واليه هذه النصائح في شئون القضاء ليستعين بها في الحكم بين الناس ليرى تطبيقها من قبل القاضي كعب بن سور، وإن عدل عنها رده لما فيها.
ثم في هذا تناقض من الدكتور علي حسن عبد القادر، فهو ينكر أن يكون عمر قد فصل القضاء عن الولاية العامة حيث يقول: [وحقيقة الأمر أنه لم يكن
стр. 7452
هناك قاض مستقل في العصر الأول يقوم بالقضاء على أنه وظيفة مستقلة، وقد جاء عن مالك أنه قال: " إن أبا بكر وعمر لم يكن لهما قاض، حتى كانت الفتنة فاستقضى معاوية " (١).
وهنا يذكر أن أبا موسى لم يكن قاضيا، وإنما كان واليا، والقاضي كعب بن سور.
يقول الدكتور محمد بلتاجي: [وبعد هذه كله نستطيع أن نقول: - ونحن مطمئنون - أننا لو أخذنا بالرواية التي ذكرها الطبري عن مالك من أن عمر لم يكن له - كما لم يكن لأبي بكر - قاض مستقل، أو أخذنا بالرواية الأخرى التي ذكرت أن كعب بن سور كان قاضي عمر على البصرة عند مقتل عمر سنة ٢٣هـ، أو أخذنا باحتمال أن يكون كعب بن سور أبرز الذين كان يستشيرهم أبو موسى عند القضاء بين الناس في البصرة، فليس هناك ما يمنع عقلا أو تأريخا من أن يكون عمر بن الخطاب قد أرسل إلى واليه أبي موسى الأشعري هذه الرسالة الشهيرة] (٢).
ثالثا: قولهم لم تذكرها كتب الأقدمين:
إن عدم ذكر حديث وأثر في كتاب معين لا يعني عدم صحته، إذ كثير من الأحاديث الصحيحة، والآثار الصحيحة لم ترد في كتاب الموطأ، ولا في كتاب صحيح البخاري، قال ظافر القاسمي بعد أن ذكر الشبهة: [هذا صحيح، ولكنه لا يمكن وفقا لعلم مصطلح الحديث أن يكون سببا في رد الكتاب، أو في اعتبار نسبته إلى عمر غير صحيحة؛ لأن البخاري جمع في صحيحه أقل من عشرة آلاف حديث من أصل ثلاثمائة ألف وقع عليها، ولا ريب في أن تعدد كتب الحديث النبوي قد أتاح لنا الفرصة لمعرفة الكثير مما هو من أصول الشريعة وفروعها، فعدم ورود كتاب عمر في المصادر التي أشار إليها تيان، ووروده مثلا عن الدارقطني والبيهقي، على الرغم من أنهما متأخران حتى عن
стр. 7453
الجاحظ والمبرد يدعو إلى اعتبار الحديث ما دام مستجمعا لشروط الصحة، غير أن تيان لم يبلغه ورود الكتاب عند هذين الإمامين من أئمة الحديث] (١).
стр. 7454
د - الطعن في المتن:
١ - قالوا: إن فيه بعض الاصطلاحات الفقهية التي لم تكن معروفة في عصر عمر بن الخطاب، وإنما جدت فيما بعد عصر الصحابة مثل: " واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور بعضها " إلخ. إذ كلمة " القياس " لم تستعمل في معنى الرأي في عصر الصحابة، وإنما كان استعمالها بعد ذلك.
نقل الدكتور علي حسن عبد القادر ما طعن به المستشرق جولدتسيهر ومتزوفلهوزن فقال: [شك بعض الباحثين المحدثين في هذه الرسالة، ورسالة شريح، وفي الرسائل التي جاءت بمعناها كوصية النبي لمعاذ بن جبل لما بعثه إلى اليمن، واحتج بأن هذه الرسائل والوصايا تشتمل على اصطلاحات دقيقة تعتبر وليدة لعصر ما بعد الصحابة، وإذا سلمنا بأن هذه الرسائل والوصايا قد صدرت عن النبي وعن عمر حقا، فإنه من العسير أن نوفق بينها وبين مسلك أهل الحديث في كراهة الأخذ بالرأي والقياس، والتشديد في ذلك تشديدا بينا، ومن ثم فإنهم عمدوا إلى تضعيف هذه الروايات والتهوين من شأنها].
٢ - كما أن فيها بعض الآراء التي يخالفها عمر، مثل قوله: " والمسلمون عدول بعضهم على بعض " فقد روى مالك أن عمر قال: " لا يؤسر (١) المسلمون بغير العدول ". مما يدل على أنه لم يكتف بالإسلام في اعتبار العدالة، بل لا بد من تزكية ومعرفة بالصلاح والاستقامة وعدم
стр. 7455
الكذب والتزوير. يقول ابن حزم: [وفي هذه الرسالة نفسها أشياء خالفوا فيها عمر ﵁ منه قوله فيها: " والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا في حد أو ظنينا في ولاء أو نسب " وهم لا يقولون بهذا، يعني جميع الحاضرين من أصحاب القياس حنفيهم وشافعيهم ومالكيهم. وإن كان قول عمر - لو صح في تلك الرسالة - في القياس حجة فقوله في " أن المسلمين عدول كلهم إلا مجلودا في حد " حجة، وإن لم يكن قوله في ذلك حجة فليس قوله في القياس حجة لو صح، فكيف ولم يصح؟!] (١).
١ - أما قولهم: إن فيها بعض الاصطلاحات الفقهية التي لم تكن معروفة في عصر عمر، فهو قول غير مسلم بدليلين:
أ - ورود هذه الاصطلاحات في هذه الرسالة الثابتة نسبتها إلى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -.
ب - ذكر أئمة اللغة هذه الرسالة في كتبهم مثل: الجاحظ في البيان والتبيين (٢)، والمبرد في الكامل في اللغة والأدب (٣)، وابن قتيبة في عيون الأخبار (٤)، وهؤلاء الأئمة غايتهم في تأليف هذه الكتب جمع صور من بلاغة العرب في الشعر والنثر والخطب والرسائل، وهم من أعرف الناس بالنصوص، ومن أقدرهم على تمييز صحيحها من منحولها، وفصيحها من ركيكها، فلو اعترى كتاب عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى أبي موسى الأشعري ﵁ أية شبهة في أسلوبه ولغته، واصطلاحاته مما يدل على أنه ليس من كلام البلغاء في صدر الإسلام لطرحوه، ولما ذكروه في كتبهم. قال ظافر القاسمي: [نرى في إثبات كل من الجاحظ والمبرد لنص الكتاب في كتابيهما دليلا على صحة الكتاب من الناحية
стр. 7456
اللغوية والأدبية، وإلى أنه متفق مع أساليب العصر الأول، ولا يخالف ما عهد كبار العلماء من أسلوب عمر بن الخطاب في الكتاب والخطاب] (١).
٢ - أما ما فيها من الآراء التي يخالفها عمر مثل تعديل المسلم؛ لأنه مسلم، وأن الأصل فيه العدالة، إلا من تعرضت عدالته للشك، وهو القاذف، والمتهم في ولائه، أو متهم في نسبه. مع أن الإمام مالكا ﵀ روى أن عمر قال: " والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول". فالذي يظهر لي أنه لا تعارض بين قول عمر في الرسالة، وبين ما رواه مالك عن عمر ﵁ إذ المعنى: أن المسلمين لا يؤسرون بشهادة غير العدول، والعدول يشترط فيهم الإسلام؛ إذ الأصل في المسلم العدالة ما لم تسلب منه بسبب القذف، أو تجريب الكذب عليه، أو الاتهام بتزوير ولائه لأحد غير مواليه، أو انتسابه لغير أهله، فيكون قوله: " لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " تأكيدا لقوله الذي في الرسالة. إذ لا تعارض حتى يقال: إنه رجع عما رآه أولا، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان - فقال: أتشهد أن لا اله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٢)».
وعلى فرض وجود التعارض بين ما في الرسالة من عدالة المسلم، وبين ما رواه الإمام مالك من اشتراط العدالة زيادة على الإسلام، فإن هذا غير كاف
стр. 7457
لنفي صحة الرسالة وردها، بل ليس دليلا أصلا؛ إذ يدل على تغير اجتهاد عمر في هذه المسألة، بل يؤيد صحة الرسالة؛ إذ قدوم هذا الرجل يشتكي إليه استغلال الناس لاعتبار أن الأول في المسلمين العدالة، مما يدل على أن عمر قد أمر بهذا أولا كما جاء في الرسالة، ثم رجع عن هذا الأصل، واعتبر العدالة شيئا آخر، فقد يكون مسلما لكنه غير عدل في الشهادة.
فرجوع عمر - إن صح - لا يطعن في صدور الرسالة منه، بل يحمل على تغير الاجتهاد، وهو شيء وإنكار الرسالة جميعها شيء آخر. فهو حين كتب الرسالة إلى أبي موسى الأشعري لم تكن شهادة الزور قد فشت، فاكتفي من الشاهد تحقق الإسلام فيه، فلما فشت شهادة الزور شدد فيما يشترط في هذا الشاهد.
يقول ابن فرحون بعد ذكر الرسالة: قال ابن سهل: وقول عمر ﵁ في هذه الرسالة: " المؤمنون عدول بعضهم على بعض " رجع عمر ﵀ عن ذلك بما رواه مالك في الموطأ، قال ربيعه: قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: قد جئتك بأمر لا رأس له ولا ذنب، فقال له عمر وما هو؟ فقال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال عمر ﵁: " والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول ". وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة، ونحو ذلك نقله ابن عبد الحكم عن عمر ﵁، وذكر عن الحسن والليث بن سعد من التابعين الأخذ بما في هذه الرسالة في أمر الشهود، والأكثرون على خلافه بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢)(٣).
كما أن مضمون العدالة في الآية ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) غير محدود، فترك الله مقاييس هذه العدالة للناس في كل جيل بدليل قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥) وهذه المقاييس تتغير بتغير المكان والزمان والناس،
стр. 7458
وعلى أولي الأمر أن يحددوا بناء على ظروف مجتمعهم وبيئتهم التي يعيشون فيها مقاييس تقاس بها عدالة الناس، فتقبل شهاداتهم بناء عليها أو ترفض. فاشتراط العدالة هو الذي نص عليه القرآن، أما كيفية هذه العدالة ومقاييسها فهو أمر اجتهادي يتعرض لما يتعرض له كل اجتهاد من التغيير والتبديل، وهذا ما حدث بالنسبة لهذه الجملة في رسالة عمر لأبي موسى.
أو نقول: إن عمر قصد في الرسالة غير ما في الموطأ؛ إذ يعتبر عمر عدالة المسلم فيما يقول، ويدعي بشكل عام - كما في الرسالة - أما الشهادة فيتشدد فيها كما في القرآن الكريم، لا تقبل إلا من العدل في الظاهر والباطن؛ لذلك قال عمر " لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول ". وسيأتي بإذن الله تعالى زيادة إيضاح لهذه المسألة (١).
وبعد هذه المناقشة لاعتراضات منكري رسالة عمر، والرد عليها، يتبين لنا أن ليس هناك مجال للطعن في الرسالة، أو التشكيك في صحتها، سواء أكان ذلك من ناحية سندها أم تعدد رواياتها، أم من الناحية التأريخية، أم من ناحية المتن، وليس هناك بعد هذا إلا التسليم بصحة صدورها عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -.
ثم على فرض التسليم بعدم صحة هذه الرسالة ففي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يستدل به على الأحكام الواردة فيها. فعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - متبع وليس مبتدع.
стр. 7459
القواعد والتوجيهات التي اشتملت عليها رسالة عمر في مجال القضاء:
إذا درسنا رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى واليه على البصرة - أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه - وعرضناها على نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجدناها لا تخرج عنها قيد أنملة، بل هي
стр. 7460
مستقاة منها، وحاشا الفاروق ﵁ أن يحدث في دين الله ما ليس منه، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)»، وعمر القائل: " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (٢).
ومن هنا تبرز أهمية الرسالة؛ إذ هي خلاصة ما استنبطه عمر من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في أمور القضاء ونظمه، جمعها في كلمات معدودة؛ ليسهل على القضاة الرجوع إليها، يقول المبرد: [رسالة عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري في القضاء جمع فيها جمل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ولا يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا] (٣).
وسأذكر هذه القواعد والتوجيهات التي اشتملت عليها الرسالة، ثم أدلل على كل قاعدة، وأذكر آراء العلماء في ذلك بشيء من الاختصار والإيجاز؛ لأن موضع هذه الأحكام كتب الفقه والمذاهب، وإنما أردت أن أبين من خلالها قيمة الرسالة وأهميتها.
وأهم هذه القواعد هي:
١ - ضرورة القضاء ووجوبه، وكونه فريضة من فرائض الدين.
٢ - وجوب فهم الدعوى والقضية عند التداعي قبل الحكم.
٣ - وجوب إنفاذ الحكم، والمبادرة إلى ذلك بعد اتضاح الحق، وذلك لحفظ هيبة القضاء وتحقيق الغاية منه.
٤ - وجوب العدل والإنصاف والمساواة بين الخصوم في مجلس القضاء،