← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7456–7495 · переход к 7461.

стр. 7456

اللغوية والأدبية، وإلى أنه متفق مع أساليب العصر الأول، ولا يخالف ما عهد كبار العلماء من أسلوب عمر بن الخطاب في الكتاب والخطاب] (١). ٢ - أما ما فيها من الآراء التي يخالفها عمر مثل تعديل المسلم؛ لأنه مسلم، وأن الأصل فيه العدالة، إلا من تعرضت عدالته للشك، وهو القاذف، والمتهم في ولائه، أو متهم في نسبه. مع أن الإمام مالكا ﵀ روى أن عمر قال: " والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول". فالذي يظهر لي أنه لا تعارض بين قول عمر في الرسالة، وبين ما رواه مالك عن عمر ﵁ إذ المعنى: أن المسلمين لا يؤسرون بشهادة غير العدول، والعدول يشترط فيهم الإسلام؛ إذ الأصل في المسلم العدالة ما لم تسلب منه بسبب القذف، أو تجريب الكذب عليه، أو الاتهام بتزوير ولائه لأحد غير مواليه، أو انتسابه لغير أهله، فيكون قوله: " لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " تأكيدا لقوله الذي في الرسالة. إذ لا تعارض حتى يقال: إنه رجع عما رآه أولا، وقد جاء في الحديث عن ابن عباس قال: «جاء أعرابي إلى النبي فقال: إني رأيت الهلال - يعني رمضان - فقال: أتشهد أن لا اله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٢)». وعلى فرض وجود التعارض بين ما في الرسالة من عدالة المسلم، وبين ما رواه الإمام مالك من اشتراط العدالة زيادة على الإسلام، فإن هذا غير كاف

стр. 7457

لنفي صحة الرسالة وردها، بل ليس دليلا أصلا؛ إذ يدل على تغير اجتهاد عمر في هذه المسألة، بل يؤيد صحة الرسالة؛ إذ قدوم هذا الرجل يشتكي إليه استغلال الناس لاعتبار أن الأول في المسلمين العدالة، مما يدل على أن عمر قد أمر بهذا أولا كما جاء في الرسالة، ثم رجع عن هذا الأصل، واعتبر العدالة شيئا آخر، فقد يكون مسلما لكنه غير عدل في الشهادة. فرجوع عمر - إن صح - لا يطعن في صدور الرسالة منه، بل يحمل على تغير الاجتهاد، وهو شيء وإنكار الرسالة جميعها شيء آخر. فهو حين كتب الرسالة إلى أبي موسى الأشعري لم تكن شهادة الزور قد فشت، فاكتفي من الشاهد تحقق الإسلام فيه، فلما فشت شهادة الزور شدد فيما يشترط في هذا الشاهد. يقول ابن فرحون بعد ذكر الرسالة: قال ابن سهل: وقول عمر ﵁ في هذه الرسالة: " المؤمنون عدول بعضهم على بعض " رجع عمر ﵀ عن ذلك بما رواه مالك في الموطأ، قال ربيعه: قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: قد جئتك بأمر لا رأس له ولا ذنب، فقال له عمر وما هو؟ فقال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال عمر ﵁: " والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول ". وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة، ونحو ذلك نقله ابن عبد الحكم عن عمر ﵁، وذكر عن الحسن والليث بن سعد من التابعين الأخذ بما في هذه الرسالة في أمر الشهود، والأكثرون على خلافه بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٢) (٣). كما أن مضمون العدالة في الآية ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٤) غير محدود، فترك الله مقاييس هذه العدالة للناس في كل جيل بدليل قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥) وهذه المقاييس تتغير بتغير المكان والزمان والناس،

стр. 7458

وعلى أولي الأمر أن يحددوا بناء على ظروف مجتمعهم وبيئتهم التي يعيشون فيها مقاييس تقاس بها عدالة الناس، فتقبل شهاداتهم بناء عليها أو ترفض. فاشتراط العدالة هو الذي نص عليه القرآن، أما كيفية هذه العدالة ومقاييسها فهو أمر اجتهادي يتعرض لما يتعرض له كل اجتهاد من التغيير والتبديل، وهذا ما حدث بالنسبة لهذه الجملة في رسالة عمر لأبي موسى. أو نقول: إن عمر قصد في الرسالة غير ما في الموطأ؛ إذ يعتبر عمر عدالة المسلم فيما يقول، ويدعي بشكل عام - كما في الرسالة - أما الشهادة فيتشدد فيها كما في القرآن الكريم، لا تقبل إلا من العدل في الظاهر والباطن؛ لذلك قال عمر " لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول ". وسيأتي بإذن الله تعالى زيادة إيضاح لهذه المسألة (١). وبعد هذه المناقشة لاعتراضات منكري رسالة عمر، والرد عليها، يتبين لنا أن ليس هناك مجال للطعن في الرسالة، أو التشكيك في صحتها، سواء أكان ذلك من ناحية سندها أم تعدد رواياتها، أم من الناحية التأريخية، أم من ناحية المتن، وليس هناك بعد هذا إلا التسليم بصحة صدورها عن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -. ثم على فرض التسليم بعدم صحة هذه الرسالة ففي كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ما يستدل به على الأحكام الواردة فيها. فعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - متبع وليس مبتدع.

стр. 7459

القواعد والتوجيهات التي اشتملت عليها رسالة عمر في مجال القضاء: إذا درسنا رسالة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى واليه على البصرة - أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه - وعرضناها على نصوص كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وجدناها لا تخرج عنها قيد أنملة، بل هي

стр. 7460

مستقاة منها، وحاشا الفاروق ﵁ أن يحدث في دين الله ما ليس منه، «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (١)»، وعمر القائل: " إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا " (٢). ومن هنا تبرز أهمية الرسالة؛ إذ هي خلاصة ما استنبطه عمر من نصوص كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في أمور القضاء ونظمه، جمعها في كلمات معدودة؛ ليسهل على القضاة الرجوع إليها، يقول المبرد: [رسالة عمر بن الخطاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري في القضاء جمع فيها جمل الأحكام، واختصرها بأجود الكلام، وجعل الناس بعده يتخذونها إماما، ولا يجد محق عنها معدلا، ولا ظالم عن حدودها محيصا] (٣). وسأذكر هذه القواعد والتوجيهات التي اشتملت عليها الرسالة، ثم أدلل على كل قاعدة، وأذكر آراء العلماء في ذلك بشيء من الاختصار والإيجاز؛ لأن موضع هذه الأحكام كتب الفقه والمذاهب، وإنما أردت أن أبين من خلالها قيمة الرسالة وأهميتها. وأهم هذه القواعد هي: ١ - ضرورة القضاء ووجوبه، وكونه فريضة من فرائض الدين. ٢ - وجوب فهم الدعوى والقضية عند التداعي قبل الحكم. ٣ - وجوب إنفاذ الحكم، والمبادرة إلى ذلك بعد اتضاح الحق، وذلك لحفظ هيبة القضاء وتحقيق الغاية منه. ٤ - وجوب العدل والإنصاف والمساواة بين الخصوم في مجلس القضاء،

стр. 7461

وعدم الحيف والظلم، لئلا ينحصر لسان الخصم وينكسر قلبه؛ فلا يستطيع تأدية حجته فيؤدي ذلك إلى ظلمه. ٥ - وجوب فهم أدلة الأحكام، ولزوم التثبيت في فهمها، وما تدل عليه عند الاشتباه في الحكم. ٦ - إقرار الاجتهاد والقياس. ٧ - الرجوع عن الحكم ونقض القضاء إذا تبين الخطأ في حكمه ومخالفته لكتاب الله وسنة رسوله، أما إذا كان لتجدد اجتهاد فلا ينقضه. ٨ - الأصل عدالة المسلمين، ما لم تخدش هذه العدالة بأحد القوادح: أ - مردود الشهادة بالقذف. ب - مجرب عليه شهادة زور. جـ - متهم في تزويره لنسبه أو ولائه. ٩ - إمهال مدعي البينة والحق الغائب بعض الوقت ليتمكن من إكمال الدعوى، أو ردها إن كان مدعى عليه. ١٠ - من طرق إثبات الدعوى البينة، إن لم تكن فيحلف المدعى عليه، لأن البينة العادلة مقدمة على اليمين الفاجرة. ١١ - الحكم على الظاهر بالبينات، أما السرائر فإلى الله تعالى. ١٢ - درء الحدود والشبهات. ١٣ - لا يجوز للقاضي أن يحكم وهو غضبان، أو مشغول الذهن، بل يجب أن يكون حال القضاء معتدل النفس والجسم، مرتاح الضمير، وعليه بالصبر وسعة الصدر، وعدم التأذي بالخصوم، والتأفف منهم ومن دعاويهم. ١٤ - مراعاة طلب الأجر والثواب في القضاء، ومراقبة الله في السر والعلانية. ١٥ - إقرار الصلح بشروطه. ١٦ - وجوب إخلاص النية في القضاء، وعدم الرياء والسمعة، فمن أرضى الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس.

стр. 7462

١ - ضرورة القضاء ووجوبه: يقول عمر في رسالته لأبي موسى: " فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة " يقول الإمام أحمد بن حنبل ﵀ " لا بد للناس من حاكم أتذهب حقوق الناس؟ (١) ولقد فهم ابن القيم من كلام عمر أن ما يقضي به من الكتاب والسنة هو ما أحكم منهما فقال: يريد به أن ما يحكم به الحاكم نوعان: أحدهما فرض محكم غير منسوخ كالأحكام الكلية التي أحكمها الله في كتابه. والثاني: أحكام سنها رسول الله ﷺ (٢). والذي يظهر لي أن عمر يقصد: أن القضاء فرض على المسلمين أن يقوموا به فهو محكم غير منسوخ وسنة سنها رسول الله ﷺ فيجب علينا اتباعها.

стр. 7463

٢ - فهم القضية المدعاة المطلوب الحكم فيها: قال عمر في رسالته: (فافهم إذا أدلي إليك). على القاضي أن يفهم القضية فهما دقيقا، وذلك بسماع بيان الخصمين، روى الحاكم بسنده عن علي ﵁ قال: «بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن فقلت: تبعثني إلى قوم ذوي أسنان. وأنا حدث السن، قال: " إذا جلس إليك الخصمان فلا تقض لأحدهما حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول (١)» قال علي فما زلت قاضيا. وعلى القاضي أن يدرس القضية دراسة عميقة واعية قبل النطق بالحكم، والإلزام به، ولا يجوز له أن ينطق بالحكم قبل أن يتبين له الحق. قال ابن القيم ﵀[صحة الفهم وحسن القصد

стр. 7464

من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطى عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم، الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة، وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد، والحق والباطل، والهدى والضلال، والغي والرشاد، ويمده حسن القصد وتحري الحق، وتقوى الرب في السر والعلانية، ويقطع مادته اتباع الهوى وإيثار الدنيا، وطلب محمدة الخلق وترك التقوى] (١). والفهم المراد هو فهم القضية وملابساتها، وفهم طرائق الحكم، وأحكام القرآن، يقول ابن القيم: [ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم، أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يحيط به علما. والنوع الثاني: فهم الواجب في الواقع، وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه أو على لسان رسوله في هذا الواقع، ثم يطبق أحدهما على الآخر] (٢). وقد ضرب عمر أروع المثل في التثبت من الادعاء، فلم تأخذه ضخامة الادعاء وهول المنظر، فطلب الخصم حتى يعلم ما عنده، وبناء على سماع ما عند الطرفين يحكم. روى ابن حزم ﵀ قال: [ما رويناه من طريق الكشوري عن الحذافي، نا عبد الملك الذماري، نا محمد الغفاري، حدثني ابن أبي ذئب الجهني عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: أتى عمر بن الخطاب رجل قد فقئت عينه، فقال له عمر: تحضر خصمك؟ فقال له: يا أمير المؤمنين أما بك

стр. 7465

من الغضب إلا ما أرى (١) فقال له عمر: فلعلك قد فقأت عيني خصمك معا، فحضر خصمه قد فقئت عيناه معا، فقال عمر: إذا سمعت حجة الآخر بان القضاء] (٢). يقول محمد شهير أرسلان في وصف القاضي عند سماع القضية المدعاة: [أما القاضي فطبيعة عمله تقتضي أن يكون سلبيا، أي أن يكون هادئا رزينا منصتا صابرا مفكرا، ولا تظهر إيجابيته إلا عند صدور قرار في إدارة الجلسة أو عند صدور الحكم] (٣).

стр. 7466

٣ - سرعة البت في الدعوى والإلزام بالحكم: قال عمر في رسالته لأبي موسى: " فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له ". وقال في رسالة أخرى لمعاوية بن أبي سفيان: " تعاهد الغريب، فإنه إن طال حبسه (١) ترك حقه، وانطلق إلى أهله، وإنما أبطل حقه من لم يرفع به رأسا" (٢). وقال في رسالة أخرى لابن مسعود: " إنا بلغني أنك تقضي ولست بأمير (٣). وكتب إلى أبي موسى الأشعري: " أن لا يقضي إلا أمير، فإنه أهيب للظالم ولشاهد الزور (٤). ومن هذه الآثار نتبين ضرورة الإسراع في البت والحكم في القضية

стр. 7467

المعروضة وعدم التريث إلا إذا كان هناك ما يدعو إلى ذلك لئلا تتعطل مصالح الناس الأخرى، فالتردد على مجلس القضاء طلبا للحكم قد يفوت بعض الوقت الذي يجب أن يصرف إلى مصلحة أخرى. وقد ضرب عمر المثل بالأعرابي الذي ليس له شغل في البلد ووراءه الأشغال الكثيرة في مقر إقامته، قد يدفعه هذا إلى ترك حقه والذهاب دون إنهاء الدعوى والسبب في ترك الحق هو مماطلة القاضي وعدم شعوره وتحسسه لمشاعر الناس. كما أن الحق الذي يحكم به إذا لم تكن له سلطة تنفذه، سواء أكانت السلطة من داخل أنفس المتخاصمين، كما في المحكم، أو سلطة تنفيذية بيد القاضي، أو يأمرهما بالتنفيذ يصبح الحكم عديم الفائدة، إذ قيمة الحكم في الإلزام به. يقول ابن القيم ﵀: [ومراد عمر بذلك: التحريض على تنفيذ الحق إذا فهمه الحاكم، ولا ينفع تكلمه به إن لم يكن له قوة تنفذه، فهو تحريض منه على العلم بالحق والقوة على تنفيذه، وقد مدح الله سبحانه أولي القوة في أمره والبصائر في دينه، فقال: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ﴾ (١). فالأيدي: القوي على تنفيذ أمر الله، والأبصار: البصائر في دينه] (٢).

стр. 7468

٤ - المساواة بين المتخاصمين: قال عمر في رسالته: " واس بين الاثنين في مجلسك ووجهك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولاييأس وضيع من عدلك ". وكتب إلى معاوية بن أبي سفيان: " أدن الضعيف حتى يجترئ قلبه وينبسط لسانه (١) كما طبق عمر - رضي الله تعالى عنه - المساواة على نفسه عندما تداعى مع أبي بن كعب عند زيد بن ثابت، فأتى مع خصمه زيدا في منزله، فلما دخلا عليه قال له عمر: جئناك لتقضي بيننا وفي بيته يؤتى الحكم، فتنحى

стр. 7469

زيد عن صدر فراشه وألقى بوسادة إلى عمر، وقال هاهنا يا أمير المؤمنين، فقال عمر: جرت يا زيد في أول قضائك، ولكن أجلسني مع خصمي فجلسا بين يديه. وعمر بأقواله وأفعاله ينفذ أمر الرسول ﷺ فقد روت أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال: «من ابتلي بالقضاء بين المسلمين فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده (١)». فالإسلام هو دين العدل والمساواة ورفع الظلم عن الجميع، ونصوص القرآن الكريم والسنة المطهرة مليئة بالحض على العدل والإنصاف وعظم أجر العادلين، وقد ذكر الفقهاء - رحمهم الله تعالى - أنواعا من الأشياء التي يجب على القاضي أن يعدل فيها، كالدخول عليه، ومجلسهما منه، وطريقة مخاطبته لهما، والسماع منهما، إذ في تخصيص أحد الخصمين بشيء من البشاشة أو الإقبال ما يدفعه إلى الطمع في الحكم له ضد خصمه فيقوى قلبه وينطلق لسانه، ويجعل الخصم الآخر ييأس من العدل والإنصاف فيضعف قلبه وتنقبض نفسه، ولا ينطلق لسانه فيعجز عن إبداء حجته وعرض قضيته، وفي هذا مفسدة عظيمة وهي عدم الوصول إلى الحق الذي أمر الله به أنبياءه ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ (٢). هذا ولقد انبهر بعض أبناء المسلمين بما لدى الغرب الديمقراطيين من العدل والمساواة بين أفراد الشعب والموطنين، فراحوا يتغنون بالديمقراطية وينادون بها، ناسين أن قضاة الإسلام وحكامه ضربوا أروع المثل في العدل والمساواة بين الناس حكاما ومحكومين، أغنياء وفقراء، شرفاء وسوقة. إذ نظام

стр. 7470

الإسلام لا يعرف المحاباة والمداهنة، فالناس أمام الشرع سواسية. والعدل مطبق على الجميع، لا فرق بين فرد وفرد بل حتى الأعداء يظفرون بالعدل والمساواة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (١). والقضاة هم المعنيون بالدرجة الأولى بتطبيق العدل والإنصاف فنفذوه أروع تنفيذ وحققوه في ربوع المجتمع بأحسن وأجلى صوره منذ أقدم العصور الإسلامية، وعلى شتى مراحل التاريخ الإسلامي. لقد عرف الإسلام العدل قبل الثورة الفرنسية التي نادت بحقوق الإنسان وحريته، فما أعظم الإسلام، وما أحرانا بالرجوع إليه واللوذ بكنفه الرحيم. وصدق الله العظيم ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (٢).

стр. 7471

٥ - فهم مدارك الأحكام: قال عمر في رسالته لأبي موسى: " الفهم، الفهم فيما يتلجلج في صدرك ويشكل عليك، ما لم ينزل في الكتاب، ولم تجر به سنة ". يرى الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - وهو المشهور بالتشدد في تتبع النصوص وتطبيقها والتثبت في روايتها - وجوب فهم أدلة الأحكام التي تتردد في النفس، ولزوم التثبت في فهمها وما تدل عليه عند اشتباه القاضي في دلالتها على الأحكام. فقد كتب في رسالته إلى شريح: " إذا جاءك أمر فاقض فيه بما في كتاب الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فاقض بما سن رسول الله، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله، ولم يسنه رسول الله فاقض بما أجمع عليه الناس، فإن

стр. 7472

جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يسنه رسول الله، ولم يتكلم به أحد، فاختر أي الأمرين شئت، فإن شئت فتقدم واجتهد رأيك، وإن شئت فأخره، ولا أرى التأخير إلا خيرا لك (١). فكون الحكم ينتهي إلى مدرك من كتاب الله تعالى، أو سنة رسوله ﷺ هو ما يشغل ذهن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - لعلمه أن أي حكم لا يكون بهذا الشكل إنما هو حكم بالباطل مرفوض؛ لأن الله تعالى أمر نبيه داود بأن يحكم بين الناس بما أنزل الله، وسماه حقا، فأي حكم بغير ما أنزل الله فهو باطل، قال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ (٢).

стр. 7473

٦ - إقرار الاجتهاد والقياس: قال عمر في رسالته لأبي موسى: واعرف الأشباه والأمثال ثم قس الأمور بعضها ببعض، فانظر أقربها إلى الله وأشبهها بالحق فاتبعه واعمد إليه ". للوصول إلى الحق أذن الله للقاضي بالاجتهاد في تطبيق النصوص على الحوادث وجعل له أجرا عظيما على هذا الاجتهاد، يقول رسول الله ﷺ : «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر (١)». وقال الله تعالى:

стр. 7474

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ (١). فأوجبت الآية الرد بعرض ما يشكل على نصوص الكتاب والسنة. وقال رسول الله ﷺ لمعاذ بن جبل حينما بعثه إلى اليمن: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله، قال: فإن لم تجد في كتاب الله، قال: فبسنه رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد في سنة رسول الله ﷺ ولا في كتاب الله قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله (٢)». فالاجتهاد مطلب شرعي عمل به أصحاب رسول الله ﷺ في حياته وبعد مماته وقد ذكر ابن القيم (٣) طرفا من اجتهادات الصحابة التي علمها رسول الله ﷺ فأقرهم عليها، والأحكام التي قاسوها على نظائرها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وفي هذا يقول: [فالصحابة ﵃ مثلوا الوقائع بنظائرها وشبهوها بأمثالها، وردوا بعضها إلى بعض في أحكامها وفتحوا للعلماء باب الاجتهاد ونهجوا لهم طريقه، وبينوا لهم سبيله] (٤).

стр. 7475

٧ - نقض القضاء: قال عمر في رسالته لأبي موسى: " لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك، فإن مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل ".

стр. 7476

روى ابن القيم بسنده، قال: [وعن عمر أنه لقي رجلا فقال: ما صنعت؟ قال: قضى علي وزيد بكذا، قال: لو كنت أنا لقضيت بكذا، قال: فما منعك والأمر إليك؟ قال: لو كنت أدرك إلى كتاب الله، أو إلى سنة نبيه ﷺ لفعلت، ولكني أدرك إلى رأي، والرأي مشترك، فلم ينقض ما قال علي وزيد] (١). وروي عن عمر أنه قضى في المشركة بإسقاط الإخوة من الأبوين ثم شرك بينهم بعد ذلك، فسئل فقال: " تلك على ما قضينا يومئذ، وهذه على ما قضينا اليوم (٢). يقول ابن القيم: فأخذ أمير المؤمنين في كلا الاجتهادين بما ظهر له أنه الحق، ولم يمنعه القضاء الأول من الرجوع إلى الثاني، ولم ينقض الأول بالثاني، فجرى أئمة الإسلام بعده على هذين الأصلين (٣). والقاضي مقيد وملزم بالحكم بما في كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ وتخريج القضايا على نصوصها، إذ لم يكن في الحادثة نص صريح يشملها يقول الله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ (٤). وإذا لم يلتزم بهذا النهج فإن حكمه مردود، أما إذا كان ملتزما ولكن خفيت عليه بعض النصوص، أو اجتهد في فهم النصوص فلم يوفق فإن عليه الرجوع إلى الصواب الموافق لحكم الله في كتابه وسنة رسوله ﷺ وهذا هو ما حدا بعمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - إلى الكتابة إلى أبي موسى بتبيين وجهة نظره في هذه المسألة. ولقد فهم بعض العلماء - رحمهم الله تعالى - من كلام عمر الذي كتب به إلى

стр. 7477

أبي موسى الأشعري ﵁ في رسالة القضاء المشهورة أن القاضي ينقض جميع ما بان له خطؤه سواء أكان الحكم مبنيا على اجتهاد أم على نص صريح. قال ابن قدامة: [وحكي عن أبي ثور وداود أنه ينقض جميع ما بان له خطؤه؛ لأن عمر ﵁ كتب إلى أبي موسى: " لا يمنعنك قضاء قضيته بالأمس ثم راجعت نفسك فيه اليوم فهديت لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل"؛ ولأنه خطأ فوجب الرجوع عنه كما لو خالف الإجماع، وحكي عن مالك أنه وافقهما في قضاء نفسه] (١). كما فهم بعض آخر من العلماء - رحمهم الله تعالى - من كلام عمر نفسه - أو نقول لقد جمع بين كلام عمر في هذه الرسالة وبين الروايات الأخرى عنه - على أنه لا ينقض ما حكم به، وإنما إذا ظهر له رأي آخر غير ما قضى به، فإنه يعمل به مستقبلا ولا يصر على الأول؛ لأنه قد فعل ذلك (٢). يقول ابن القيم في شرح كلام عمر: [يريد أنك إذا اجتهدت في حكومة ثم وقعت لك مرة أخرى، فلا يمنعك الاجتهاد الأول من إعادته، فإن الاجتهاد قد يتغير، ولا يكون الاجتهاد الأول مانعا من العمل بالثاني، إذا ظهر أنه الحق، فإن الحق أولى بالإيثار؛ لأنه قديم سابق على الباطل، فإن كان الاجتهاد الأول قد سبق الثاني، والثاني هو الحق فهو أسبق من الاجتهاد الأول؛ لأنه قديم سبق على ما سواه، ولا يبطله وقوع الاجتهاد الأول على خلافه، بل الرجوع إليه أولى من التمادي على الاجتهاد الأول] (٣). والذي يترجح أن المسائل الاجتهادية إذا حكم فيها بحكم لا ينقضه، وإذا تجدد له اجتهاد آخر فإنه يحكم به في القضايا اللاحقة. أما القضايا المنصوص عليها في الكتاب والسنة أو أجمع عليها فإنه إذا

стр. 7478

حكم بخلافها فإنه ينقض. وقد ذهب جمهور العلماء (١) - رحمهم الله تعالى - على أن القاضي العدل إذا اجتهد فحكم أنه لا ينقض حكمه، ولا ينقض من قبل قاض آخر إذا لم يكن حكمه جورا، ولم يخالف نصا صريحا من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله ﷺ أو إجماعا. يقول ابن قدامة: [ولنا على نقضه إذا خالف نصا أو إجماعا: أنه قضاء لم يصادف شرطه فوجب نقضه كما لو خالف الإجماع، وبيان مخالفته للشرط: أن شرط الحكم بالاجتهاد عدم النص بدليل خبر معاذ؛ ولأنه إذا ترك الكتاب والسنة فقد فرط فوجب نقض حكمه كما لو خالف الإجماع] (٢).

стр. 7479

٨ - عدالة المسلم: قال عمر في رسالته لأبي موسى: " المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلودا حدا أو مجربا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء قرابة ". وقال: " إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة (١). لقد أكرم الله تعالى هذه الأمة وجعلها وسطا لتكون شاهدة على الناس بما استحفظها من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (٢). والوسط الخيار العدل، فإذا كان المسلمون عدولا بمقتضى إسلامهم فشهادتهم على بعضهم أولى من شهادتهم على الأمم، إلا من نهي عن اعتبار

стр. 7480

عدالته، وأمر برد شهادته كمن جرب عليه شهادة الزور، أو جلد في حد القذف. قال الله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١) ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٢). وفي الصحيحين «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله، قال: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، - وكان متكئا فجلس فقال - ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول الزور، وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلت: لا يسكت (٣)» وفي القذف يقول الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤). وقد طلب الله تعالى في الشهود العدالة فقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٥) وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٦). وهذه الآيات لم تبين مفهوم العدالة، وما تحقق به، ولكن رسول الله ﷺ بينها وهي الإسلام. فالإسلام وحده كاف لتحقق العدالة في الشخص. فقد روى عكرمة عن ابن عباس قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: «إني رأيت الهلال - يعني هلال رمضان - فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمدا رسول الله قال: نعم، قال: يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا (٧)». فالرسول ﵊ اعتبر العدالة متحققة في هذا الشاهد بالإسلام لا غير. وعمر - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى أخذ بهذا وجعله مناط

стр. 7481

العدالة في رأيه، وقد وافقه على ذلك الحسن البصري والليث بن سعد ﵄ (١). ولكن بعض الفقهاء لما كثر الكذب والتزوير، وذهبت خير القرون أضافوا إلى اشتراط الإسلام في العدالة شروطا أخرى. قال ابن قدامة: [معرفة العدالة شرط في قبول الشهادة بجميع الحقوق، وبهذا قال الشافعي وأبو يوسف ومحمد، وعن أحمد رواية أخرى: يحكم بشهادتهما إذا عرف إسلامهما بظاهر الحال، إلا أن يقول الخصم هما فاسقان، وهذا قول الحسن، والمال والحد في هذا سواء لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ولهذا قال عمر ﵁: " المسلمون عدول بعضهم على بعض "] (٢). وعرف ابن حزم العدل - بالإضافة إلى الإسلام - بقوله: [والعدل هو من لم تعرف له كبيرة، ولا مجاهرة بصغيرة، والكبيرة هي: ما سماها رسول الله ﷺ كبيرة، أو ما جاء فيه الوعيد. والصغيرة: ما لم يأت فيه وعيد. برهان ذلك: قول الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ (٣). وليس إلا فاسق أو غير فاسق. فالفاسق هو الذي يكون منه الفسق، والكبائر كلها فسوق، فسقط قبول خبر الفاسق، فلم يبق إلا العدل، وهو من ليس بفاسق] (٤). وقد فهم بعض العلماء أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رجع عن رأيه في الاكتفاء بالإسلام لاعتبار العدالة فقال ابن فرحون: [قال ابن سهل: وقول عمر ﵁ في هذه الرسالة: " المؤمنون عدول بعضهم على بعض "

стр. 7482

رجع عمر ﵀ عن ذلك بما رواه مالك في الموطأ (١). قال ربيعة قدم رجل من أهل العراق على عمر بن الخطاب ﵁ فقال: قد جئتك بأمر لا رأس له ولا ذنب، فقال له عمر: وما هو؟ فقال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال عمر ﵁: " والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول " وهذا يدل على رجوعه عما في هذه الرسالة، (٢). وروى ابن القيم قال: [روى أبو عبيد: ثنا الحجاج، عن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عمر بن الخطاب: " لا يؤسر أحد في الإسلام بشهداء السوء فإنا لا نقبل إلا العدول " (٣). والذي يظهر لي أن ليس في هذا رجوع من عمر. إذ في رسالته ذكر أن المسلم عدل بإسلامه إلا المحدود في القذف، ومن جرب عليه شهادة الزور، أو اتهم في تزوير نسبه. ولا نبحث فيه غير ذلك، أما إذا قدح فيه الخصم ولم يرض شهادته نظر فإن كان قدحه لتعوده التزوير ردت الشهادة لأنها هي المعنية. أما إن ذكر عنه بعض المعاصي، فلا يلتفت إلى قدحه لأنه لا يسلم منها أحد، إذ الله لم يرد من عباده أن يكونوا ملائكة لا يعصون الله، بل ركب فيهم قابلية المعصية، روى مسلم ﵀ أن رسول الله ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم (٤)» وقال ﷺ : «كل ابن آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون (٥)». وقد جعل الله تعالى من صفات المؤمنين التوبة من الذنوب والفواحش، فقال بعد

стр. 7483

أن عدد بعض صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ (٢). ثم إن الله تعالى أسقط شهادة القاذف وحرم قبولها، ولو كان إتيان المحرمات والكبائر ترد به الشهادة لما ذكر الله رد شهادة القاذف واعتبرها عقوبة له، ولاكتفى بردها بما هو معلوم من رد صاحب الكبيرة. والنص عليها يدل على أن إتيان الكبائر والمحرمات غير قادح في الشهادة، فهذا شيء وذاك شيء آخر. فكثير من الناس ربما تسول له نفسه بفعل معصية من المعاصي ولكنه يمتنع أن يشهد بباطل وزور بينما آخرون على العكس من ذلك، يشهدون الزور ويتحدثون في أعراض الناس، ولكنهم لا يقعون في معاص أخرى.

стр. 7484

٩ - إمهال مدعي البينة والحق الغائب: قال عمر في رسالته لأبي موسى: " واجعل لمن ادعى حقا غائبا أمدا ينتهي إليه، أو بينة عادلة، فإنه أثبت للحجة، وأبلغ في العذر، فإن أحضر بينة إلى ذلك الأجل أخذ بحقه وإلا وجهت عليه القضاء ". لاستكمال طرائق الحكم ومسوغاته لا بد من الاطلاع على أدلة الدعوى، ليحكم القاضي من خلالها في القضية المعروضة، وهذه الأدلة قد تكون غائبة عن مجلس الحكم، وقد يكون بعض الشهود مسافرا، فمقتضى العدل والإنصاف أن ينظر مدعي البينة مدة من الزمن كافية لإحضار بينته وأدلة دعواه؛ لذلك أوصى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - قاضيه أبا موسى الأشعري بذلك. يقول ابن القيم ﵀: [هذا من تمام العدل، فإن المدعي قد تكون حجته أو بينته غائبة، فلو عجل عليه بالحكم بطل حقه، فإذا

стр. 7485

سأل أمدا تحضر فيه حجته أجيب إليه، ولا يتقيد ذلك بثلاثة أيام، بل بحسب الحاجة، فإن ظهر عناده ومدافعته للحاكم، لم يضرب له أمدا، بل يفصل الحكومة. فإن ضرب هذا الأمد إنما كان لتمام العدل، فإذا كان فيه إبطال للعدل لم يجب إليه الخصم] (١).

стр. 7486

١٠ - البينة على من ادعى واليمين على من أنكر: قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه -: " البينة على من ادعى واليمين على من أنكر ". معنى البينة: في اللغة: البينة في اللغة: ما يبين به الشيء من الدلالة الواضحة عقلية كانت أو

стр. 7487

محسوسة، قال. الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ (١). وقال: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ (٢). وبان الشيء بيانا اتضح، فهو بين، قال الله تعالى في شأن النساء: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ (٣). أي أن المرأة لا تكاد تستوفي ولا تبين عما في نفسها (٤). فالبينة كل ما يبين الدعوى ويظهر المقصود، وهي حجة المدعي التي يثبت بها دعواه. في الشرع: ورد ذكر البينة في كثير من النصوص الشرعية منها. «البينة أو حد في ظهرك (٥)» قاله ﷺ لهلال بن أمية حينما قذف زوجته. وقوله ﷺ للأشعث بن قيس حين اختصم مع آخر في بئر: «بينتك أو يمينه (٦)».

стр. 7488

وقد اختلف فقهاء الشريعة الإسلامية في تحديد معنى البينة: ١ - فذهب جمهور الفقهاء إلى أن المراد بالبينة الشهود. ٢ - وذهب ابن تيمية (١)، وابن القيم (٢)، وابن فرحون (٣)، وابن حجر العسقلاني (٤) إلى أن البينة هي: كل ما يبين الحق ويظهره من الشهود والإقرار، والقرائن، وغير ذلك. معنى اليمين: هو ضد اليسار، ويطلق على القسم والحلف لأنهم كانوا يتماسحون بأيمانهم فيتحالفون. أحكام اليمين: لا يلجأ القاضي إلى تحليف المدعى عليه إلا عند عجز المدعي عن إقامة البينة. فإذا حلف المدعى عليه اليمين قضى الحاكم بإبرائه، فإن أحضر المدعي بينة بعد ذلك حكم بها القاضي (٥) لقول عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه -: " البينة الصادقة أحب إلي من اليمين الفاجرة ". ومن توجهت إليه اليمين فعليه أن يحلف ولا يترك حقه، وقد أمر عمر بذلك فقال وهو على المنبر يخطب الناس وفي يده عصا: " يا أيها الناس لا تمنعكم اليمين من حقوقكم فوالذي نفسي بيده إن في يدي لعصا " (٦).

стр. 7489

وقد نفذ هذا على نفسه حينما تحاكم وأبي بن كعب إلى زيد بن ثابت في نخل ادعاه أبي، فتوجهت اليمين على عمر فقال زيد: " أعف أمير المؤمنين، فقال عمر: ولم يعف أمير المؤمنين؛ إن عرفت شيئا استحققته بيميني، وإلا تركته، والذي لا إله إلا هو إن النخل لنخلي، وما لأبي فيه حق، فلما خرجا، وهب النخل لأبي، فقيل له: يا أمير المؤمنين هلا كان هذا قبل اليمين؟ فقال: "خفت أن لا أحلف فلا يحلف الناس على حقوقهم بعدي فتكون سنة". أما إذا أبى أن يحلف المدعى عليه فقد اختلف العلماء في ذلك.

стр. 7490

١١ - الأخذ بالأدلة الظاهرة: قال عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى الأشعري ﵁: " إن الله ﵎ تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات ". وقال - رضي الله تعالى عنه - فيما رواه عبد الله بن عقبة قال سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: " إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله ﷺ وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال إن سريرته حسنة ". فالإسلام يبني أحكامه على الأدلة الظاهرة. ولا يأخذ بنظرية الشك التي

стр. 7491

يقول بها رينه ديكارت. ولا بنظرية الغاية تبرر الوسيلة التي يقول بها ميكافيلي، فالأصل في المسلم بل الإنسان عدم الشك، ولا يحصل الاتهام والشك إلا بدليل، كما أن الغاية في الإسلام يجب أن تكون شريفة والوسيلة إليها شريفة أيضا، فلا يؤخذ الأشخاص لمجرد تهمة كاذبة أو ظن آثم، روى البخاري قال: [وقال الأشعث بن قيس قال النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه (١)» وقال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية - أي القسامة - وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة " (٢). يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى - في بيان أن الوسيلة يجب أن تكون شريفة كما أن الغاية يجب أن تكون شريفة فالوصول إلى الجاني مطلب شرعي ولكن يجب الوصول إليه بطريق شرعي. فقال ﵀: [لا يحل الامتحان في شيء من الأشياء بضرب، ولا بسجن، ولا بتهديد؛ لأنه لم يوجب ذلك القرآن، ولا سنة ثابتة، ولا إجماع، ولا يحل أخذ شيء من الدين إلا من هذه الثلاثة النصوص (الأصول) بل قد منع الله تعالى من ذلك على لسان رسوله ﷺ بقوله: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام (٣)»،. فحرم الله تعالى البشر والعرض، فلا يحل ضرب مسلم، ولا سبه إلا بحق أوجبه القرآن، أو السنة الثابتة] (٤).

стр. 7492

وهذا النهج الإسلامي القويم الذي يحترم الإنسان ويحقق له اعتباره ومكانته فلا يعتدي عليه، بل يبقى بريئا وعدلا ما لم يثبت خلاف ذلك قد شرعه الإسلام قبل الثورة الفرنسية التي نادت بحقوق الإنسان، وقبل إعلان هيئة الأمم المتحدة بأكثر من ثلاثة عشر قرنا قرره رسول الله ﷺ ونفذه. روت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار (١)».

стр. 7493

١٢ - درء الحدود بالشبهات: قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه -: " إن الله ﵎ تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات ". يحرص الإسلام على ستر المسلمين وعدم كشف عوراتهم، إذ لا أحد معصوم من الخطيئة، وحصول التوبة بين المسلم وبين ربه خير من إقامة العقوبة عليه.

стр. 7494

روى أبو داود بسنده أن رسول الله ﷺ قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب (٢)». ويطبق الرسول ﷺ هذا عمليا فيلقن المتهم بالزنا والسرقة الحجة، فيعرض عن ماعز ويقول له: لعلك قبلت أو غمزت، أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أنكتها؟ - لا يكني، ويقول للسارق: ما إخالك سرقت، قال: بلى، ثم قال: ما إخالك سرقت. ويطلب من الحكام درء الحدود بالشبهة، روى الترمذي بسنده قال: عن عائشة قالت: قال رسول الله: ﷺ «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (٣)». وفي رواية ابن ماجه: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا (٤)». كما أنه درأ الحد عن المرأة المستكرهة على الزنى، عن وائل بن حجر قال: «استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها رسول الله ﷺ الحد وأقامه على الذي أصابها (٥)». فالإسلام بهذا يكرم الإنسان، ويبقي له اعتباره فلا يعتدي عليه لمجرد الشبه والظنون، التي كثيرا ما تكون كاذبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٦).

стр. 7495

فلا يؤخذ الإنسان إلا بثبوت فعل الخطيئة ببينة عادلة، أو قرينة لا تحتمل غيرها كوجود الحمل في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، أو وجود رائحة الخمر وتقيئوه كما كان عمر يفعل ذلك (١) قال ابن حزم: [فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة لقول رسول الله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام (٢)، وقال: [وأما إذا تبين وجوب الحد فلا يحل لأحد أن يسقطه لأنه من فرائض الله تعالى] (٣).
следующие страницы →