يقول بها رينه ديكارت.
ولا بنظرية الغاية تبرر الوسيلة التي يقول بها ميكافيلي، فالأصل في المسلم بل الإنسان عدم الشك، ولا يحصل الاتهام والشك إلا بدليل، كما أن الغاية في الإسلام يجب أن تكون شريفة والوسيلة إليها شريفة أيضا، فلا يؤخذ الأشخاص لمجرد تهمة كاذبة أو ظن آثم، روى البخاري قال: [وقال الأشعث بن قيس قال النبي ﷺ : «شاهداك أو يمينه (١)» وقال ابن أبي مليكة: لم يقد بها معاوية - أي القسامة - وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن أرطاة - وكان أمره على البصرة في قتيل وجد عند بيت من بيوت السمانين: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة " (٢).
يقول ابن حزم - رحمه الله تعالى - في بيان أن الوسيلة يجب أن تكون شريفة كما أن الغاية يجب أن تكون شريفة فالوصول إلى الجاني مطلب شرعي ولكن يجب الوصول إليه بطريق شرعي. فقال ﵀: [لا يحل الامتحان في شيء من الأشياء بضرب، ولا بسجن، ولا بتهديد؛ لأنه لم يوجب ذلك القرآن، ولا سنة ثابتة، ولا إجماع، ولا يحل أخذ شيء من الدين إلا من هذه الثلاثة النصوص (الأصول) بل قد منع الله تعالى من ذلك على لسان رسوله ﷺ بقوله: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام (٣)»،. فحرم الله تعالى البشر والعرض، فلا يحل ضرب مسلم، ولا سبه إلا بحق أوجبه القرآن، أو السنة الثابتة] (٤).
стр. 7492
وهذا النهج الإسلامي القويم الذي يحترم الإنسان ويحقق له اعتباره ومكانته فلا يعتدي عليه، بل يبقى بريئا وعدلا ما لم يثبت خلاف ذلك قد شرعه الإسلام قبل الثورة الفرنسية التي نادت بحقوق الإنسان، وقبل إعلان هيئة الأمم المتحدة بأكثر من ثلاثة عشر قرنا قرره رسول الله ﷺ ونفذه. روت أم سلمة - رضي الله تعالى عنها - أن النبي ﷺ قال: «إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار (١)».
стр. 7493
١٢ - درء الحدود بالشبهات:
قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه -: " إن الله ﵎ تولى منكم السرائر ودرأ عنكم الشبهات ".
يحرص الإسلام على ستر المسلمين وعدم كشف عوراتهم، إذ لا أحد معصوم من الخطيئة، وحصول التوبة بين المسلم وبين ربه خير من إقامة العقوبة عليه.
стр. 7494
روى أبو داود بسنده أن رسول الله ﷺ قال: «تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حد فقد وجب (٢)».
ويطبق الرسول ﷺ هذا عمليا فيلقن المتهم بالزنا والسرقة الحجة، فيعرض عن ماعز ويقول له: لعلك قبلت أو غمزت، أو نظرت؟ قال: لا يا رسول الله، قال: أنكتها؟ - لا يكني، ويقول للسارق: ما إخالك سرقت، قال: بلى، ثم قال: ما إخالك سرقت.
ويطلب من الحكام درء الحدود بالشبهة، روى الترمذي بسنده قال: عن عائشة قالت: قال رسول الله: ﷺ «ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة (٣)».
وفي رواية ابن ماجه: «ادفعوا الحدود ما وجدتم له مدفعا (٤)».
كما أنه درأ الحد عن المرأة المستكرهة على الزنى، عن وائل بن حجر قال: «استكرهت امرأة على عهد رسول الله ﷺ فدرأ عنها رسول الله ﷺ الحد وأقامه على الذي أصابها (٥)».
فالإسلام بهذا يكرم الإنسان، ويبقي له اعتباره فلا يعتدي عليه لمجرد الشبه والظنون، التي كثيرا ما تكون كاذبة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ (٦).
стр. 7495
فلا يؤخذ الإنسان إلا بثبوت فعل الخطيئة ببينة عادلة، أو قرينة لا تحتمل غيرها كوجود الحمل في المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، أو وجود رائحة الخمر وتقيئوه كما كان عمر يفعل ذلك (١) قال ابن حزم: [فإن لم يثبت الحد لم يحل أن يقام بشبهة لقول رسول الله ﷺ : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام (٢)، وقال: [وأما إذا تبين وجوب الحد فلا يحل لأحد أن يسقطه لأنه من فرائض الله تعالى] (٣).
стр. 7496
١٣ - سعة الصدر والتحذير من الغضب:
قال الفاروق عمر بن الخطاب في رسالته لأبي موسى الأشعري ﵄ " وإياك والغلق والضجر، والتأذي بالناس، والتنكر للخصم في مجالس القضاء التي يوجب الله فيها الأجر ويحسن فيها الذخر ".
يجب على القاضي أن لا يكون منشغل الذهن حين القضاء بل يجب إزالة جميع الشواغل ومسببات القلق التي تحول بينه وبين كمال معرفته بالحق. فإن رأى من نفسه شيئا من الغضب والقلق والضجر أو البرد الشديد أو الحر الشديد أو العطش أو الجوع ونحو ذلك فلا يجوز له الحكم بين الخصوم حتى تذهب عنه هذه العوارض؛ لئلا يكون الدافع إلى الحكم حالة نفسية تدفعه إلى الاستعجال المخل في الحكم والقضاء.
روى شريح بن الحارث قال: شرط علي عمر حين ولاني القضاء " أن لا أبيع ولا أبتاع، ولا أرتشي، ولا أقضي وأنا غضبان " (١).
قال ابن القيم في شرح كلام عمر: [التحريض على تنفيذ الحق والصبر عليه، وجعل الرضا بتنفيذه في موضع الغضب، والصبر في موضع القلق والضجر والتحلي به، واحتساب ثوابه في موضع التأذي فإن هذا دواء ذلك
стр. 7497
الداء الذي هو من لوازم الطبيعة البشرية وضعفها، فما لم يصادفه هذا الدواء فلا سبيل إلى زواله. هذا مع ما في التنكر للخصوم من إضعاف نفوسهم وكسر قلوبهم، وإخراس ألسنتهم عن التكلم بحججهم خشية معرة التنكر، ولا سيما أن يتنكر لأحد الخصمين دون الأخر فإن ذلك الداء العضال] (١).
стр. 7498
١٤ - مراعاة طلب الأجر والثواب في القضاء:
قال عمر ﵁ في رسالته لأبي موسى ﵁: " مجالس القضاء التي يوجب الله فيها الأجر، ويحسن فيها الذخر، من حسنت نيته وخلصت فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس".
وقال: " فما ظنك بثواب عند الله في عاجل دنيا وآجل آخرة ".
كل عمل المسلم يجب أن ييتغي به وجه الله تعالى، وخاصة القضاء فإنه من أعظم القرب إلى الله تعالى، إذ به يكشف القاضي عن حكم الله تعالى في القضية، فعليه أن يراقب الله تعالى فيعدل بين الناس ابتغاء مرضاة الله وثوابه، وطلبا لثوابه، إذ مدار الأعمال على النيات.
قال ابن القيم ﵀ في شرح كلام عمر: [هذا عبودية الحكام، وولاة الأمر التي تراد منهم، ولله سبحانه على كل أحد عبودية بحسب مرتبته سوى العبودية العامة التي سوى بين عباده فيها، فعلى العالم من عبوديته نشر السنة والعلم الذي بعث الله به رسوله ما ليس على الجاهل، وعليه من عبودية الصبر على ذلك ما ليس على غيره. وعلى الحاكم من عبودية إقامة الحق وتنفيذه وإلزامه من هو عليه به، والصبر على ذلك والجهاد عليه ما ليس على المفتي. وعلى الغني من عبودية أداء الحقوق التي في ماله ما ليس على الفقير] (١).
стр. 7499
١٥ - إقرار الصلح بين المتخاصمين:
قال عمر في رسالته لأبي موسى ﵄: " والصلح جائز فيما بين الناس إلا ما أحل حراما أو حرم حلالا ".
وقال ﵁: " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يورث الضغائن بين الناس " وخاصة إذا كانت بين المتخاصمين قرابة.
قال عمر: " ردوا الخصوم إذا كانت بينهم قرابة، فإن فصل القضاء يورث بينهم الشنآن " (١) فعلى القاضي أن يصلح بين الخصوم إذا لم يتبين له الحق.
كتب عمر إلى معاوية " احرص على الصلح بين الناس ما لم يستبن لك القضاء " (٢).
فالإسلام يحرص على بقاء وشائج الأخوة قوية متينة بين المسلمين، ويرغب في إزالة كل ما يعرضها للضعف والانقطاع فيأمر بالإصلاح ويرشد في آيات كثيرة منها:
﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ (٣).
﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ (٤).
стр. 7500
﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ (١).
وروي أن عمر بن الخطاب ﵁ لا يرى أن يصلح القاضي بين المتخاصمين بمال يدفعه هو؛ لأن ذلك دليل ضعفه عن أن يحكم ويقضي ويلزم؛ ولأنه ربما دفع بعض الناس لافتعال الخصومة من أجل الظفر بدفع القاضي. روى القاضي وكيع بسنده قال: [عن أنس بن سيرين أن عمر استعمل قاضيا فاختصم إليه رجلان في دينار فحل (٢) القاضي دينارا فأعطاه المدعي، فقال عمر: اعتزل قضاءنا " (٣).
والصلح له شروط وأهمها أن يكون متفقا مع شرع الله، فلا يحرم حلالا ولا يحل حراما، فإن كان لا يتفق مع أحكام الله نقضه القاضي إن كانوا عقدوه بمشورته. وعرض عليهم رأيه في الصلح، فإن قبلوه أمضاه عليهم وحكم به.
يقول ابن القيم في شرح كلام عمر: [والصلح الذي يحل الحرام، ويحرم الحلال كالصلح الذي يتضمن تحريم بضع حلال، أو إحلال بضع حرام، أو إرقاق حر، أو نقل نسب، أو ولاء عن محل إلى محل، أو أكل ربا، أو إسقاط واجب، أو تعطيل حد، أو ظلم ثالث، وما أشبه ذلك، فكل هذا صلح جائر مردود، فالصلح الجائز بين المسلمين هو الذي يعتمد فيه رضى الله سبحانه، ورضى الخصمين، فهذا أعدل الصلح وأحقه، وهو يعتمد العلم والعدل، فيكون المصلح عالما بالوقائع، عارفا بالواجب، قاصدا للعدل، فدرجة هذا أفضل من درجة الصائم القائم، كما قال النبي ﷺ «ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصائم والقائم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال إصلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين الحالقة، أما إني لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين (٤)»،.
стр. 7501
وقد اشترط بعض العلماء للصلح أن يلتبس الحكم على القاضي، أما إذا بان له فلا يصلح بينهما بل يحكم بينهما. قال ابن قدامة: [وإذا اتصلت به الحادثة، واستنارت الحجة لأحد الخصمين حكم، وإن كان فيها لبس أمرهما بالصلح، فإن أبيا أخرهما إلى البيان، فإن عجلها قبل البيان لم يصلح حكمه. وممن رأى الإصلاح بين الخصمين شريح وعبد الله بن عتبة وأبو حنيفة والشعبي والعنبري، وروي عن عمر أنه قال: " ردوا الخصوم حتى يصطلحوا فإن فصل القضاء يحدث بين القوم الضغائن " قال أبو عبيد: إنما يسعه الصلح في الأمور المشكلة، أما إذا استنارت الحجة لأحد الخصمين وتبين له موضع الظالم فليس له أن يحملهما على الصلح، ونحوه قول عطاء واستحسنه ابن المنذر، وروي عن شريح أنه ما أصلح بين متحاكمين إلا مرة واحدة] (١).
стр. 7502
١٦ - الإخلاص لله في القضاء:
قال الفاروق عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - في رسالته لأبي موسى ﵁: " ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غير ذلك شأنه الله ".
يجب إخلاص النية لله تعالى لأنها مدار الأعمال قال الله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (١) وقال ﷺ «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٢)». وقال الله
стр. 7503
تعالى في الحديث القدسي الذي رواه أبو هريرة قال رسول الله ﷺ : قال الله ﵎: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه (١)».
وتوعد الله المرائين بعذاب جهنم فقال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ﴾ (٢) ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ﴾ (٤) ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ (٥).
وجعل الحياة من أجل الابتلاء والامتحان في إخلاص العمل والسير به على منهج الله فقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ (٦).
قال الفضيل بن عياض: هو أخلص العمل وأصوبه، فسئل عن معنى ذلك فقال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل، وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل، حتى يكون خالصا صوابا، فالخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة (٧).
قال ابن القيم في شرح قول عمر: [" فمن خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شأنه الله " هذا شقيق كلام النبوة، وهو جدير بأن يخرج من مشكاة المحدث الملهم، وهاتان الكلمتان من كنوز العلم، ومن أحسن الإنفاق منهما نفع غيره، وانتفع غاية الانتفاع، فأما الكلمة الأولى: فهي منبع الخير وأصله، والثانية: أصل الشر وفصله، فإن العبد إذا خلصت نيته لله تعالى، وكان قصده وهمه وعمله لوجهه سبحانه، كان الله معه، فإنه سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون،
стр. 7504
ورأس التقوى والإحسان: خلوص النية لله في إقامة الحق، والله سبحانه لا غالب له، فمن كان معه، فمن ذا الذي يغلبه، أو يناله بسوء؟ فإن كان الله مع العبد فمن يخاف؟ وإن لم يكن معه فمن يرجو؟ وبمن يثق؟ ومن ينصره من بعده؟ فإذا قام العبد بالحق على غيره، وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا] (١)
стр. 7505
شهادة الزور وخطرها
الشيخ عبد الله بن صالح القصير.
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد:
فإن شهادة الزور من أفحش الأقوال وأقبح الأعمال وأخطر الظواهر السيئة تأثيرا في المجتمع وأعظمها ضررا وسوء عاقبة في الدين والدنيا والآخرة. فهي داء عضال ومرض قتال. لذا أحببت أن أخصها بالذكر في هذا المقال تحذيرا للمسلمين منها، وتذكيرا بواجبهم نحوها، فإن الدين النصيحة لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم (١) فالشهادة: هي الإخبار بصحة الشيء عن مشاهدة وعيان، مشتقة من المشاهدة لأن الشاهد يخبر عما حضره أو شاهده فعلمه بيقين، يقال: شهد الشيء حضره، وشهد بالشيء أخبر به، وشهد فلان عند الحاكم لفلان على فلان بكذا إذا حضر وأخبر بما علم به فهو شاهد والجمع شهود (٢).
وأما الزور فأصله - تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل لمن سمعه أنه بخلاف ما هو به مأخوذ من الازورار بمعنى الميل ولهذا يطلق اصطلاحا على كل شيء أميل عن حقيقته لقصد تحسينه من قول أو فعل أو محل فالزور هو الميل
стр. 7506
عن الحق الثابت إلى الباطل الذي لا حقيقة له قولا وفعلا، فهو يطلق على الكلام الباطل (١) ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٢).
وعلى العمل الباطل، ومنه قوله ﷺ : «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور (٣)». وعلى العين الباطلة نفسها ومنه تسمية النبي ﷺ للشعر الذي يوصل به زورا.
فشهادة الزور إذا هي القول المائل عن الحق خبرا أو إنشاء، أو حضور المجلس الذي يعمل فيه بغير الحق قولا أو فعلا أو حالا. فهي قول الباطل وحضوره على ما سيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى.
стр. 7507
أولا: قول الزور:
وهو أعم من شهادة الزور؛ لأنه يعم كل باطل من القول من شهادة أو غيبة أو بهت أو كذب (١) على الله تعالى أو على خلقه فهو من أكبر الذنوب وأعظم المحرمات كما بين الله ذلك بقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢).
فرتب سبحانه المحرمات ترتيبا تصاعديا جعل القول عليه بلا علم في أعلاها، فجعله بعد الشرك في الترتيب مما يدل على أنه أعظم منه وذلك - والله أعلم - لأنه أعم من الشرك، فالشرك من أنواعه حيث إن ادعاء شريك لله قولا أو فعلا هو من القول على الله بلا علم، ولذلك أضافه الله تعالى إلى الكفار الذين: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ (٣).
стр. 7508
فقال تعالى حاكيا عنهم ما قالوه من الزور: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (١).
هذا قولهم في الرسول ﷺ والقرآن، ولهذا كذبهم سبحانه وبين حقيقة قولهم وأنه من زور القول أي كذبه وباطله فقال: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (٢).
فقول الكذب وعمل الباطل هو من شأن الكفار والمشركين الذي يجب على الموحد لله المخلص له أن يجتنبه كما يجتنب الشرك، ولهذا قال سبحانه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (٣).
فأمر سبحانه باجتناب قول الزور كما أمر باجتناب الشرك، فكلاهما أظلم الظلم وأكبر الكبائر. وقول الزور أنواع كثيرة ذكر منها المفسرون - رحمهم الله تعالى - على سبيل المثال: دعاء غير الله. وتعظيم الأنداد، وتحريم ما أحل الله وتحليل ما حرم الله ونحو ذلك، فإن ذلك كله من القول على الله بلا علم ومن الافتراء عليه (٤).
وكذلك من قول الزور الافتراء على الرسول ﷺ مثل ما يتفوه به الكفار الحاقدون قديما وحديثا في حقه ﷺ ، كنسبة السحر والكهانة إليه أو أن النبوة أمر كسبي ليست اصطفاء واجتباء من الله تعالى.
وقولهم - لعنهم الله - ببشرية القرآن وأنه من عند النبي ﷺ من كلامه أو تلقاه عن غيره من اليهود والنصارى وغيرهم. وكذلك قولهم في حق النبي ﷺ في تعدد الزوجات وغيرها من المسائل التي يتفوه بها الكافرون والمنافقون والمستشرقون كذبا وزورا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ (٥).
стр. 7509
وكذلك مما يدخل في قول الزور: الغناء المحرم - بكلماته وآلاته - والاستهزاء والغيبة، والنميمة، والقصص الغرامية الفاجرة، والمسلسلات الداعرة، والأفلام الأفاكة ونحوها. وشهادة الزور من أولى ما يدخل في قول الزور وهي: أن يشهد إنسان لشخص آخر أو عليه بغير ما علم أو سمع، فيقول: رأيت أو سمعت وهو لم ير ولم يسمع، فإن قائل ذلك قائل بالزور وله نصيب مما توعد الله به قائل الزور، ولذلك بين النبي ﷺ أن شهادة الزور تعدل بالشرك بالله تعالى الذي توعد الله عليه بالخلود في النار وحرم الله على صاحبه الجنة، فقال ﷺ فيما رواه أبو داود - وغيره - بسنده عن خريم بن فاتك ﵁ قال: «صلى رسول الله ﷺ صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما فقال: عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله - ثلاث مرات - ثم قرأ: (٤)».
وكيف لا تعدل شهادة الزور بالشرك وهي معدودة على لسان رسول الله ﷺ من أكبر الكبائر كما في حديث أبي بكرة ﵁ وهو في الصحيحين قال: قال رسول الله ﷺ : «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر - ثلاثا - قلنا: بلى يا رسول الله. فقال: الإشراك بالله - وعقوق الوالدين - وجلس وكان متكئا فقال: ألا وقول الزور. قال: فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت (٥)» فقد عظم النبي ﷺ شأن شهادة الزور بثلاثة وجوه من البيان:
١ - أنه ذكرها في سياق بيان كبائر الذنوب، بل إنه ﷺ عدها أكبر الكبائر، ففي الصحيحين عن أنس ﵁ قال «ذكر رسول الله ﷺ الكبائر فقال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وقتل النفس وقال: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: قول الزور. أو قال: شهادة الزور (٦)».
стр. 7510
٢ - الاهتمام عند ذكرها بالفعل والهيئة وذلك ما عبر عنه أبو بكرة بقوله: وجلس وكان متكئا. فإن ذلك يشعر بمزيد الاهتمام عند ذكرها، ويفيد تأكيد تحريم قول الزور عموما، والشهادة به على وجه الخصوص. ويعلل ابن حجر سبب الاهتمام بأنه: كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر - من الشرك وعقوق الوالدين - فإن الإشراك ينبو عنه قلب المسلم والعقوق يصرف عنه الطبع وأما الزور فالحوامل - أي الدوافع - عليه كثيرة كالعداوة والحسد وغيرها. فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه.
٣ - تعظيمه بالقول حيث كرر ﷺ : «ألا وقول الزور (١)» كعادته ﷺ في التأكيد على الأمور المهمة لتفهم عنه وتعرف منزلتها فكرر ﷺ ذكر قول الزور حتى تمنى الصحابة - رضوان الله عليهم - سكوته إشفاقا منهم عليه رحمة به.
وقد ورد التصريح من النبي ﷺ بسوء عاقبة شاهد الزور في الحديث الذي رواه الإمام أحمد وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من شهد على مسلم شهادة ليس لها بأهل فليتبوأ مقعده من النار (٢)».
وروى ابن ماجه والحاكم - وقال صحيح الإسناد - عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال: «لن تزول قدما شاهد الزور يوم القيامة حتى تجب له النار (٣)».
فإذا تبين خطر قول الزور - ومنه الشهادة بغير الحق - ومنزلته من الكبائر وأنه من أكبر الكبائر وأنه يعدل بالشرك الأكبر الذي لا يغفر إلا بالتوبة ويوجب الخلود في النار والحرمان من دخول الجنة وأهله هم الظالمون وما للظالمين من أنصار فإليك
стр. 7511
أمثلة من قول الزور التي يتلبس بها بعض الناس دون مبالاة في سوء عاقبتها وعظيم ضررها عليهم وعلى غيرهم في الدنيا والآخرة منها:
стр. 7512
(١) الشهادة بلا علم لأحد أو عليه عند القاضي أو غيره من جهات الاختصاص في الدولة أو عند أحد من الناس بدافع من حسد أو عداوة أو مراعاة لقرابة أو طمعا في مادة أو ثقة في قول المدعي أو رحمة به أو بالشهود عليه أو لغير ذلك من الأسباب. فإن التهاون في هذه الشهادة قد أصبح شيئا عاديا عند كثير من الناس حتى إنهم يشهدون لمن طلبها منهم ولو كانوا لا يعرفونه ولا يعرفون المشهود عليه. وقد لا يعلمون وجوده على قيد الحياة حقيقة - كالذين يشهدون بالنسب والوصايا ونحوها كالجنايات وحدود الأملاك، وغالب من يتجرأ على شهادة الزور الإحجام عن أداء شهادة الحق لله، ولذلك روي عن النبي ﷺ كما في مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا «إن من بين يدي الساعة - فذكر أشياء - ثم قال: وظهور شهادة الزور وكتمان شهادة الحق (١)». وشهادة الزور فادحة الخطر عظيمة الضرر حيث يترتب عليها عظائم وجرائم منها:
١ - تضليل الحكام عن الحق والتسبب في الحكم بالباطل حيث إن الحكم ينبني على أمور منها البينة والشهادة من أنواعها، فإذا كانت البينة كاذبة أثرت على الحكم فكان بخلاف الحق - والتبعة على الشاهد - ولذلك قال ﷺ كما في الصحيح «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي ولعل أحدكم ألحن بحجته من الآخر فأقضي له نحو ما أسمع (٢)».
٢ - الظلم لمن شهد له بأن ساق إليه ما ليس بحق بسبب شهادة الزور فوجبت له النار لقوله ﷺ كما في الصحيح «من قضيت له من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه فإنما هو قطعة من النار (٣)».
стр. 7513
٣ - الظلم لمن شهد عليه حيث أخذ منه ماله أو حقه بالشهادة الكاذبة فيتعرض الشاهد بذلك لدعوة المشهود عليه بغير الحق ظلما ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب (١) فهي لا ترد بل يرفعها الله تعالى فوق السحاب ويقول: «وعزتي وجلالي لأنصرك ولو بعد حين (٢)».
٤ - تخليص المجرمين من عقوبة الجريمة بتبرئتهم من الجريمة بالشهادة الباطلة، وبذلك تقوض دعائم الأمن حيث يتجرأ الناس على ارتكاب الجرائم واقتراف الآثام وادعاء ما ليس لهم اتكالا على وجود تلك الفئة المجرمة التي تحرف شهادة الزور مقابل أطماع مادية أو حمية جاهلية.
٥ - وبالجملة فإنه يترتب على شهادة الزور إباحة المحرمات وانتهاك الحرمات وإزهاق النفوس المعصومة وأكل الأموال بالباطل، والحكم والمحكوم له أو عليه بالباطل خصماء لشاهد الزور عند أحكم الحاكمين يوم القيامة.
стр. 7514
(ب) تزكية الإنسان بما ليس أهلا له:
فإن التزكية شهادة من المزكي للمزكى بمضمونها فإذا كانت حال المزكى وواقعه بخلاف مضمون التزكية، فإن المزكي شاهد بالزور حيث شهد بخلاف الحق أو بما لا يعلم حقيقته. وكثير من الناس يتهاون بهذه المسألة فيزكي شخصا لوظيفة ليس لها بأهل، أو يثني عليه بقيامه بوظيفته والواقع بخلاف ذلك، أو يعتذر له عن تقصيره في الواجب عليه بعذر غير صحيح، أو يشهد له أنه قام بمهمة في وقت معين وهو لم يباشرها ولم يأت جهتها. وقد يستشار الإنسان في شخص لتزويج أو شركة أو صحبة فيزكيه مثلا، أو يطعن فيه وحقيقة الأمر ليست كذلك. فإن كل ذلك من الغش للمسلمين والظلم لهم حيث إنه قول كذب وشهادة باطلة وقد قال ﷺ «الدين النصيحة (١)» وأخبر أن «المستشار مؤتمن (٢)» وجعل
стр. 7515
«من حق المسلم على أخيه أن ينصح له إذا استنصحه» وقال ﷺ : «من غشنا فليس منا (١)»، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ (٢).
فيجب على الإنسان أن يزكي بما علم وأن يشهد بما ظهر له وعرفه بسماع أو مشاهدة أو معاشرة ونحوها من طرق المعرفة، وأن يكون قصده وجه الله فيما يشهد به لأحد من الناس له أو عليه. وليعلم أن الشهادة بمثل هذه الأمور خطيرة، فإن كانت كاذبة فضررها أعم وأعظم من شهادة الزور عند القضاة على عظمها؛ لأن هذه الأمور تتعلق بمصالح عموم المسلمين فيعمهم الضرر بتولية شئونهم من ليس أهلا لها، أو الاطلاع على أسرارهم من ليس منهم ونحو ذلك، فالشهادة الكاذبة في هذه الأمور من أعظم قول الزور ومن التعاون على الإثم والعدوان ومن تضييع الأمانة ووسد الأمر إلى غير أهله والغش لرعاة المسلمين ورعيتهم. ففيها من الضرر والفساد ما لا يحصيه إلا الله.
стр. 7516
(ج) القول في دين الله بغير الحق:
فإن ذلك من أعظم الفتنة ومن أخطر أسباب الصد عن سبيل الله ومن أقوى عوامل إضلال الناس وهو من الجرأة على الله وهو من أوضح الأدلة على جهل قائله - خاصة إذا تبين له الحق فلم يرجع إليه - أو على نفاقه وإلحاده، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ﴾ (١).
стр. 7517
وقد «قال النبي ﷺ في قوم كان معهم رجل به جراحه - وهم في سفر - فأصابته جنابة فسأل أصحابه: هل لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: إنما عليك الغسل. فاغتسل فمات. فقال النبي ﷺ حين بلغه الخبر: قتلوه قتلهم الله ألا سألوا إذ لم يعلموا إنما شفاء العي السؤال (١)».
فما أكثر هذا الصنف من الناس - اليوم - الذين يفتون الناس بما لا يعلمون صحته ويتصدرون لما ليسوا أهلا له لجهلهم العظيم بحقيقة أنفسهم وما يتكلمون فيه وما ينبني على فتاواهم من فساد وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ (٣) ومثلهم أولئك الذين يحرمون ما أحل الله لهم من طعام ونساء وسكن ومركوب ونحوه لأدنى سبب فيحلفون بتحريم ذلك عند أتفه الأمور تكريما لأحد أو توفيرا عليه أو منعا له من شيء أو تأديبا أو حمية جاهلية فيتجرءون على الله وشرعه وينتهكون حرماته تعظيما لأشياء عادية بسيطة ولكن أكثرهم لا يعلمون أن ذلك من زور القول الذي أمروا باجتنابه وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ (٤).
وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (٥).
وأخطر من هؤلاء وأولئك قوم يكتمون الحق مع علمهم به ويظهرون الباطل ويدعون إليه الناس ويزينونه لهم بما يسمونه به من زخرف القول أسماء يخترعونها من قبل أنفسهم تزويرا للحقائق وكذبا على الله ورسوله وفتنة للعامة كأولئك
стр. 7518
الذين يجعلون من خلق الله أنداد يدعونهم ويتضرعون إليهم، ويقبلون أعتابهم ويحجون إليهم، ويقسمون بهم، وينادونهم عند الشدائد وحال الرخاء، ويدعون الناس إلى اتباعهم على ذلك الشرك برب العالمين، ويظهرون للناس أن ذلك من محبتهم ومن حقهم على الناس. ويخترعون لذلك المناسبات العديدة والذكريات الموسمية، ويؤلفون لهم مناسك تتلى بكل مناسبة، ويسوقون استدلالا على ذلك حشدا من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والقصص الخرافية والرؤى المنامية، بل وأحلام اليقظة، حيث يصرحون أنهم يرون من يزعمون محبته وتلقوا عنه العديد من النصائح والأوراد والبشارات وقصدهم في ذلك التشبيه على العامة والتغرير بهم لنهب أموالهم وطلب المنزلة عندهم واستعبادهم لهم إلى غير ذلك من الأغراض الدنيئة والمطامع السافلة.
وعلى شاكلة هؤلاء في قول الزور وصناعة الإفك لقصد الإفساد ونشر الفساد قوم منحرفون فكرا وسلوكا وعقيدة وخلقا، وهم الداعون إلى تبرج النساء واختلاطهن بالأجانب والخروج على شريعة الله وهدي رسوله في شتى الميادين، شعارهم الدعوة إلى التجديد والتطور والتحرير وتحصيل حقوق النساء المسلوبة - زعموا - وحقيقتهم رفع شعار العلمانية والمناداة بالمبادئ الماسونية والولع بما كان عليه الكفار شرقا وغربا من انحراف وهمجية اتباعا للهوى وذلة للأعداء وإشباعا للشهوات وحبا للباطل، ومن عظم البلية وشدة الفتنة أنهم يستدلون على باطلهم وأهوائهم المنحرفة بنصوص شرعية - مع عدم إيمانهم بها على الحقيقة - يسوقونها في غير سياقها الشرعي ويحرفون فيها الكلم عن مواضعه ويضربون بعضها ببعض وغالب ما يستدلون به منها منقول من كتابات أسيادهم المستشرقين وغيرهم من شياطين الإنس الذين خاضوا المعركة ضد الإسلام منذ سنين طويلة وفي أمصار عديدة؛ فصار شأن هؤلاء اليوم بين المسلمين شأن سلفهم من المنافقين في عصور الإسلام الأولى الذين يأخذون شبهاتهم وأفكارهم من اليهود
ثانيا: حضور الأماكن التي يفعل فيها الباطل ويعرض:
فإن ذلك هو المعنى الآخر لشهادة الزور فإن حضور مجالس الباطل ومشاهدته ومخالطة أهله حال تلبسهم به وظهورهم بمظهره دون نكير عليهم أمر عظيم
стр. 7521
الحرمة شديد الخطر حيث يدل على ضعف الإيمان أو على انتفائه بالكلية إذ لا يقر المنكر إلا عاجز أو فاسد، والعاجز أقل أحواله هجر المكان أو الشخص لقوله ﷺ في الحديث الصحيح: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان، وفي رواية وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة خردل (١)».
وقد قال تعالى في شأن قوم حضرتهم الوفاة حال إقامتهم مع أهل المنكر حال استطاعتهم على مفارقتهم والبعد عنهم ومع ذلك لم يفعلوا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢) ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾ (٣) ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ (٤) وقد روى الإمام أحمد في مسنده وأبو داود في سننه عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقى الرجل - يعني على المعصية - فيقول: يا هذا اتق الله ودع ما تصنع فإنه لا يحل لك. ثم يلقاه من الغد فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض (٥)» ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٦) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٧).
стр. 7522
فكان من أسباب اللعن والسخط الذي تعرض له أولئك القوم هو حضور مجالس المعاصي ومخالطة العصاة حال معصيتهم ومؤاكلتهم ومشاربتهم ومجالستهم، ولذلك نهى الله تعالى عباده المؤمنين عن حضور المجالس التي تشتمل على الخوض في آيات الله والاستهزاء بها والكفر فيها فيفعل في تلك المجالس ما يضاد ما جاءت به آيات الله من الأمر بالطاعة والتعاون على البر والتقوى والأمر بترك المعصية والتعاون على الإثم والعدوان، فقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١).
وذكر الرحمن من جليل أعمال عباده المخلصين في عبادته والمتبعين لنبيه ﷺ أنهم ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٢).
قال الإمام ابن كثير (٣) والأظهر من السياق أن المراد بـ ﴿لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٤) أي لا يحضرون الزور، وإذا اتفق مرورهم به مروا ولم يتدنسوا منه بشيء ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٥).
ثم ساق ما رواه ابن أبي حاتم بسنده عن ابن مسعود: أنه مر بلهو فلم يقف، فقال رسول الله ﷺ : «لقد أصبح ابن مسعود وأمسى كريما» واللهو من اللغو وكلاهما داخلان في الزور المنهي عن قوله وفعله وحضوره؛ لأنه باطل لميله عن الحق كما سبق، ولذلك تنوعت عبارات المفسرين - رحمهم الله تعالى - في المراد بالزور وفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ (٦)
فمنهم من قال: هو الشرك، ومنهم من قال: هو الغناء. ومنهم من قال: هو الكذب، ومنهم من قال: هو أعياد المشركين، ومنهم من قال: شرب الخمر (٧) واختلاف
стр. 7523
عبارتهم في تفسيره هو من اختلاف التنوع فليس اختلاف تضاد؛ لأن كل ما ذكروه ﵏ هو من أنواع الباطل الذي يزوره أهله بتحسينه إلى الناس وتزيينه في أعينهم ليتبعوهم عليه. فمعنى الآية إخبار الله تعالى أن عباده لا يحضرون شيئا من الباطل لا شركا ولا كذبا ولا غناء ولا عيدا من أعياد الجاهلية، ولا يحضرون موائد الخمر والقمار فتميزوا بأنهم لا يحضرون شيئا مما يوصف شرعا بأنه باطل وزور. وإذا كانوا لا يحضرونه فمن باب أولى أن لا يقولوا به ولا يفعلوه، فلا يشهدون بما لم يستيقنوا صحته أو عرفوا بطلانه، ولا يفعلون شيئا من الباطل، ولا يكثرون سواد أهله ويعمرون مجالسهم لكمال، لبغضهم للزور وأهله ومحبتهم للحق وأهله فهم كما قال ربهم سبحانه في وصفهم: ﴿يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (١).
فدلت آية سورة الفرقان السابقة وهي قوله تعالى في وصف عباده: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٢) أنه يتعين على المسلم الحق أن يتجنب مواطن الزور واجتماعات أهلها لما تشتمل عليه من الفسوق والعصيان وينبعث منها من الفتنة والضلالة خوفا من ربه وشحا بدينه وحذرا من مكر أعدائه ومن هذه المواطن:
стр. 7524
(أ) الأماكن والتجمعات التي يحتفل بها بأعياد ميلاد الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - والصالحين أو من تعتقد فيه الولاية والزعماء والأحزاب والمنشئات ونحوها؛ لأنها مناسبات محدثة لا أصل لها في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فهي مناسبات جاهلية؛ لأنها من أحكامها ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (١).
стр. 7525
وقد حكم الله لأهل الإسلام بعيدين: الأضحى والفطر وهو العليم الحكيم. ولأن أعياد الجاهلية من أخص شرائع الكفر، وأظهر شعائره فحضورها دليل الموافقة عليها، فموافقتهم موافقة في عمل من أخص ما يتميزون به من أسباب سخط الله فتحرم موافقتهم فيها كما تحرم موافقتهم في سائر شرائع الجاهلية وشعائرها. ولا ريب أن موافقتهم قد تنتهي بالشخص إلى الكفر في الجملة، وأقل أحوالها أنها معصية للرسول ﷺ الذي أمر بمزايلة المشركين ومفارقتهم. وكذلك موافقة أهل البدع حقيقتها موافقة لهم في أمر أحدثوه وقد قال ﷺ : «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (١)»، وقال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)»، (٣). ونفى الإيمان عمن لم يكن هواه تابعا لما جاء به النبي ﷺ كما في قوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به (٤)». ووصف ﷺ خطر الإحداث في الدين فقال: «وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار (٥)».
فليس من شأن المؤمن المخلص في طاعة الله ومتابعة رسوله أن يرضى بالبدع والمحدثات والضلالات التي هي شر الأمور.
стр. 7526
(ب) تجمعات المكاء والتصدية: وهي المجالس التي يعلوها الضجيج ويأخذ أهلها بما كان عليه المشركون من المظاهر والأقوال والحال. حيث ترتفع فيها الأصوات من غير طائل، وتفوه أهلها بفاحش القول والعبادة، كما قال تعالى في المشركين: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ (١).
فالمكاء هو الصفير، والتصدية التصفيق ويتكلمون عند أدنى الأسباب وأبسط المؤثرات بما لا يعقلون معناه ولا يدركون عواقبه نتيجة الانفعال والحماس، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢).
стр. 7527
ويتمادون في غيهم وضلالهم وهم في غمرة انفعالهم، فإذا دعوا إلى الخير والحق استهزءوا بالداعي وما يدعو إليه: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (١).
وإذا مشوا على الأرض مشوا مشية تتأذى منها الأرض ويشتكي منها الخلق وهي التي نهى الله عنها بقوله على لسان لقمان: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ (٢) ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ (٣).
فحضور هذه التجمعات مما يذهب الوقار، ويميت الغيرة، ويذهب المروءة، ويغضب الله وقد وصف الله تعالى صالحي عباده بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٤).
стр. 7528
(ج) مجالس تفعل فيها عظائم المنكرات وكبائر الذنوب من إعلان ترك الصلاة، أو تناول المسكرات وأنواع المخدرات، أو إبرام العقود المحرمة كالربا والرشوة وغيرها من صور أكل أموال الناس بالباطل، أو ليستباح فيها الزنا أو تنتهك فيها حرمة شهر رمضان بالفطر - دون عذر شرعي - أو يحصل فيها التواطؤ على الكيد للإسلام وأهله بعقد المؤتمرات ورسم الخطط لإشعال الفتنة بين المسلمين وتأجيج نار العداوة والفرقة بينهم ونحو ذلك، فإن ذلك كله من شهادة الزور أي حضوره: وقد لعن رسول الله ﷺ من شهد الباطل مقرا له سواء كان منتفعا أو غير منتفع ونفى عنه الإيمان لاشتراكه في التواطؤ والرضا بالباطل فقد «لعن رسول ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه (١)» «ولعن
стр. 7529
- ﷺ في الخمر عشرة عاصرها ومعتصرها وشاربها وحاملها والمحمولة إليه وساقيها وبائعها وآكل ثمنها والمشتري لها والمشتراة له (١)». وروي عنه ﷺ أنه قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر (٢)».
стр. 7530
(د) مجالس الكذب التي يعرض فيها الباطل مسموعا أو مرئيا عبر المسلسلات والأفلام والمسرح وغيرها من الوسائل والتي يقوم بتنفيذ الأدوار فيها عملاء الماسونية والصهيونية من النصارى والمنحرفين من أبناء المسلمين يستهزئون من خلالها بالشعائر والقيم الإسلامية والأخلاق والفضائل، ويغرون الناس فيها بالجرائم كالسرقة والاختطاف والنهب وإفساد المرافق العامة، ويدفعونهم إلى الاستهانة بالأنظمة، ويزينون لهم الفواحش من الزنا واللواط وغيرهما من أنواع الشذوذ الجنسي ومقدماته ووسائله وذرائعه، ويهيجونهم إلى تعاطي المخدرات وترويجها والتفنن في ذلك. ويسهلون عليهم الخروج على سلطة الآباء والأمهات. ويقذفون في أذهانهم المبادئ الوثنية والعقائد الشركية والوثنية من نصرانية وغيرها والأفكار الحزبية الجاهلية ونحوها مما يخدم المصالح الماسونية ويحقق الأغراض والمصالح الاستعمارية في البلاد الإسلامية. فإن المجالس التي تعرض فيها هذه الأمور وغيرها وتمارس فيها من قبل بعض الحاضرين هي حقيقة مواطن عدوى ومصادر فتنة وخلايا فساد ومعاول هدم بما تنشره من الشر وأنواع الزور الذي تتفنن في عرضه بوسائل ساحرة فاتنة منها الصوت والصورة والمظهر والفكرة والرحلة والعشرة والشريط والنشرة إلى غير ذلك من وسائل الغزو التي تفنن فيها الأعداء. لذا وجب هجر هذه المواطن المزورة؛ لما تنشره من الفتنة في الأرض والفساد الكبير ولما فيها من الخطر العظيم والضرر البالغ الذي لا يقتصر على من حضره بل يتعداه إلى سائر طبقات المجتمع وعموم جهاته إضافة إلى ما تجلبه من سخط الجبار وعذاب النار والخزي والذلة والعار في الدنيا والآخرة.