стр. 7561
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 8322
مجلة البحوث الإسلامية
مجموعة من المؤلفين
Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7561–7600 · переход к 7566.
стр. 7562
عدد أحاديث المصنف:
يحوي الكتاب (٢١٠٣٣) حديثا على حسب ترقيم المحقق. ويحتوي الكتاب على أحاديث مكررة كثيرة، بل تجد أن كتاب " أهل الكتاب " في المجلد السادس يتكرر في المجلد العاشر بعنوان " أهل الكتابين " لكن راوي الكتاب الأول يختلف عن راوي الكتاب الثاني، وبمقارنة هذين الكتابين نجد أن معظم الأبواب تكررت مع العلم أنه يوجد عدد لا بأس به من الكتب في كل مجلد لا يوجد في المجلد الآخر. لذلك قال الأشبيلي: " وكتاب أهل الكتابين من رواية النجار أكمل من رواية الكشوري (١). وتكرار الأحاديث قد نستفيد منه أحيانا وذلك بأن يروى الحديث في مكان مختصرا وفي مكان آخر مطولا، ومثال ذلك حديث رقم (١٩١٢٥) ذكر مختصرا بينما ذكر برقم (١٠١٥٩) و (٢٠٠٦٠) مطولا. وأحيانا يذكر للحديث طريقا آخر وذلك يفيدنا في دراسة الإسناد، ومثال ذلك حديث رقم (١٩٣٧٥) ذكره برقم (٩٩٩٦) بنفس الإسناد لكن أضاف إليه طريقين آخرين وهما برقم (٩٩٩٧) و (٩٩٩٨) ولكن ذلك قليل.
стр. 7563
زوائد المصنف:
تقدم الأستاذ يوسف محمد صديق بأطروحة بعنوان: " زوائد مصنف الحافظ عبد الرزاق الصنعاني على الكتب الست " وذلك لنيل شهادة الدكتوراه بإشراف الدكتور محمود الطحان في كلية أصول الدين: جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
- منهجه في الزوائد: قال الباحث: " استعرضت الأحاديث التي في المصنف
стр. 7564
حديثا حديثا ونظرت في كل حديث على حدة ثم بحثت عنه في الكتب الستة فإن كان فيها أو في أحد منها بلفظه أو بنحوه، وهو عن الصحابي نفسه الذي رواه عنه عبد الرزاق في مصنفه تركته، وإن كان غير موجود فيها جميعا أو وجد ولكن عن صحابي آخر اعتبرته زائدا وسجلته "، (١).
وقد بلغت الزوائد " ١٤ ألف حديث زائد " (٢).
قلت: وقد عمل الباحث فهرسا لأطراف الأحاديث الزائدة. وخلال تتبعي لمعظم أحاديث الزوائد تبين لي أن (٩٠%) تقريبا أو يزيد أحاديث موقوفة أو مقطوعة، ونسبة الأحاديث المرفوعة منها قليل جدا، وبهذا يتبين سهولة العمل الذي قام به الباحث حيث إن السنن الأربعة ليس فيها آثارا، وكذا الأمر بالنسبة لصحيح مسلم، أما البخاري فيحوي صحيحه عددا من الآثار. لذلك حينما يقابل الباحث أي أثر في المصنف فإنه ينظر في البخاري فقط، فإن لم يكن فيه فهو قطعا من الزوائد. ولذلك يعتبر المصنف مصدرا خصبا للأحاديث الموقوفة والمقطوعة وما دونها، وكنت أتمنى أن الباحث حاول الحكم على هذه الآثار ولو بشكل مختصر.
стр. 7565
نسبة الجامع إلى المصنف:
يرجح الدكتور محمد رأفت السعيد أن: كتاب الجامع الموجود في آخر مصنف عبد الرزاق هو لشيخه معمر وما عبد الرزاق إلا راوية لهذا الكتاب وذلك لعدة أسباب وهي:
١ - ثبت لدينا أن معمرا ﵀ ألف مؤلفا أسماه " الجامع ". ذكر ذلك في طبقات فقهاء اليمن.
٢ - أن معظم أحاديث الجامع يرويها عبد الرزاق عن معمر حيث بلغت روايات الجامع (١٦١٤) رواية جميعها لمعمر ما عدا (٥٧) رواية. يرى الدكتور
стр. 7566
بأنها مقحمة فيه إقحاما ويرجح بأن الذي أقحمها هو إسحاق بن إبراهيم راوي كتاب الجامع عن عبد الرزاق.
٣ - قال الأشبيلي ﵀: (وحدثني أيضا بالجامع المضاف إلى مصنف عبد الرزاق وهو جامع معمر). والأشبيلي من العلماء المتقدمين حيث توفي سنة (٥٧٥ هـ).
ومع ذلك يقول الدكتور محمد: (على أن الأمر في ذلك لا يتجاوز الشبهة، لأنه يمكن أن يقال: إن عبد الرزاق بفرط تأثره بشيخه معمر قد أخذ كل مروياته أو جلها وجعلها في كتاب الجامع) (١).
وفي الطبعة الثانية لمصنف عبد الرزاق الصادرة عام (١٤٠٣ هـ) صدر كتاب الجامع بالآتي: " كتاب الجامع للإمام معمر بن راشد الأزدي رواية الإمام عبد الرزاق الصنعاني " وظننت أن الشيخ حبيب الرحمن اقتنع بذلك؛ لأن هذا لا يمكن أن يكون تصرفا من الناشر حتى وجدت للشيخ حبيب الرحمن ما يخالف ذلك. ففي مجلة البعث الإسلامي (٢) كتب مقالا حول هذا الموضوع وقال: " ونحن متأكدون من أنه لعبد الرزاق لا لغيره كائنا من كان " ويعجب ممن ينسب الجامع لمعمر فيقول: " لكن من العجائب أن هناك من يدعي أن كتاب الجامع الذي ختم به المصنف لعبد الرزاق هو الجامع لمعمر بن راشد ولم يفطن له محقق الكتاب فألحقه في آخر المصنف ". ثم ذكر الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي الأدلة التي تثبت نسبة الجامع لعبد الرزاق، لكن خلال تتبعي لهذه الأدلة لم أجد دليلا قويا يمكن الاعتماد عليه، فالمرجح عندنا نسبة كتاب الجامع لمعمر بن راشد ودور عبد الرزاق فيه هو الرواية فقط.
стр. 7567
نسبة كتاب المغازي أيضا:
يرجح الأستاذ الدكتور سهيل زكار أن: كتاب المغازي الموجود في مصنف
стр. 7568
عبد الرزاق للإمام الزهري رواه عن تلميذه معمر بن راشد الذي رواه عنه عبد الرزاق ﵀. لذلك أفرده الدكتور سهيل بالطبع وحققه وعلق عليه (١).
كما أن الدكتور محمد مصطفى الأعظمي بعد أن ذكر أن ابن النديم نسب لمعمر كتابا في المغازي قال: " ويبدو أنه كتاب المغازي للزهري مع بعض الإضافات من قبل معمر " (٢).
كما يرى نسبة كتاب المغازي الموجود في المصنف لمعمر الدكتور محمد رأفت السعيد أيضا (٣).
стр. 7569
درجته:
من أهم مميزات مصنف عبد الرزاق علو إسناده وكونه مرجعا أساسيا لكثير من كتب السنة المتأخرة كالمسند والكتب الستة وغيرها، لكنه يستقي نوعية مادته من مصادر قليلة: حيث نجد أنه يكثر بدرجة ملحوظة عن ثلاثة من شيوخه وهم معمر بن راشد وابن جريج والإمام سفيان الثوري ﵏ أجمعين -، ولا شك بأن تنوع مصادر المادة العلمية من الأمور الهامة جدا.
ومصنف عبد الرزاق كتاب نفيس وسفر عظيم يحوي من الكنوز ما لا حصر لها، ولكنه مع ذلك يحوي عددا كثيرا من الأحاديث الضعيفة بل والأحاديث الموضوعة أيضا.
ولنضرب عل الأحاديث الموضوعة مثالا:
أخبرنا عبد الرزاق عن أبيه عن ميناء عن عبد الله بن مسعود قال: «كنت مع النبي ﷺ ليلة وفد الجن. قال: فتنفس، فقلت ما شأنك يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي يا ابن مسعود! قلت: فاستخلف: قال: من؟ قلت: أبو بكر (١)». . . الحديث (٢).
стр. 7570
وفيه ميناء وهو كذاب.
وقال ابن حجر العسقلاني ﵀: " مما أنكر على عبد الرزاق روايته عن الثوري عن عاصم بن عبيد الله عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ «رأى على عمر ثوبا فقال: أجديد هذا أم غسيل (١)». الحديث قال الطبراني في الدعاء: رواه ثلاثة من الحفاظ عن عبد الرزاق وهو مما وهم فيه عن الثوري، والصواب عن عمر عن الزهري عن سالم. انتهى. وقد قال النسائي: ليس هذا من حديث الزهري ا. هـ. " (٢).
قلت: لم أجده بهذا الإسناد في المصنف بل وجدته في المصنف من حديث معمر أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر «أن النبي ﷺ رأى على عمر قميصا أبيض (٣)». . . . . الحديث (٤).
أي أنه في المصنف من الطريق الصحيح، مع العلم أن الإمام أحمد رواه في مسنده عن طريق عبد الرزاق، وصحح إسناده أحمد شاكر (٥). وقال الهيثمي بعد أن عزاه إلى أحمد والطبراني: " ورجالهما رجال الصحيح " (٦).
قلت: فلعل الرواية التي انتقدت عليه بذاك السند إنما هي من حفظه لا من كتابه، أو أنها في أحد كتبه التي لا تطبع كالأمالي في آثار الصحابة أو غيره والله أعلم.
стр. 7571
سبيل الاحتجاج بأحاديث المصنف:
ولعل سائلا يسأل: " إذا كان المصنف يحتوى على الأحاديث الضعيفة والموضوعة فما هو السبيل للاحتجاج بأحاديثه ". قلنا له: أجاب على ذلك الحافظ ابن حجر ﵀ قال: " السبيل لمن أراد الاحتجاج بحديث من السنن
стр. 7572
الأربعة لا سيما سنن ابن ماجه، ومصنف ابن أبي شيبة، ومصنف عبد الرزاق مما الأمر فيه أشد، أو بحديث في المسانيد لأن هذه لم يشترط جامعوها الصحة والحسن: أنه إن كان أهلا للنقل والتصحيح فليس له أن يحتج بشيء من القسمين حتى يحيط به، وإن لم يكن أهلا لذلك فإن وجد أهلا لتصحيح أو تحسين قلده وإلا فلا يقدم على الاحتجاج كحاطب ليل فلعله يحتج بالباطل، وهو لا يشعر؟! " (١).
وقال ولي الله دهلوي بعد أن قسم طبقات الحديث إلى خمس طبقات: " والطبقة الثالثة: مسانيد وجوامع ومصنفات قبل صنف قبل البخاري ومسلم وفي زمانهما وبعدهما جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب. ولم تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار كمسند أبي يعلى ومصنف عبد الرزاق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد بن حميد ومسند الطيالسي وكتب البيهقي والطحاوي والطبراني. وكان قصدهم جمع ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه وتقريبه من العمل، ولم يتداول الفقهاء ما تفردت به كثير تداول. ولم يفحص المحدثون عن صحتها وسقمها كثير فحص. ولم يخدمه لغوي بشرح غريب ولا فقيه بتطبيقه بمذاهب السلف ولا محدث ببيان مشكله ولا مؤرخ بذكر أسماء رجاله، ولا أريد المتأخرين المتعمقين وإنما كلامي في الأئمة المتقدمين من أهل الحديث. فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها، فلا يباشرها للعمل عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل الحديث. نعم ربما يؤخذ فيها المتابعات والشواهد، وقد جعل الله لكل شيء قدرا " (٢).
والخلاصة في ذلك أنه يجب عرض أحاديث المصنف على القواعد الحديثية وذلك بتتبع رجاله تتبعا دقيقا وسبر متنه سبرا واعيا.
стр. 7573
توصيات واقتراحات:
من خلال جولتنا التي عشناها مع المصنف قبل قليل رأينا أنه في حاجة ماسة للأمور التالية:
١ - يجب مراجعته على عدد من المخطوطات ويحرص على المتقدم منها لأصالتها: وإثبات الفروق بين هذه المخطوطات.
٢ - تحقيق صحة نسبة الكتاب لعبد الرزاق وتتبع رواة المصنف تتبعا دقيقا، وتحقيق صحة نسبة الكتب للمصنف خاصة وأنا قد رأينا قبل قليل أن بعض الباحثين يرى نسبة بعض الكتب لشيوخه لا له.
٣ - مقارنة المصنف مع الكتب الحديثة المتأخرة عنه والتي تعتمد عليه كالمسند والكتب الستة وغيرها.
٤ - تخريج أحاديثه تخريجا علميا دقيقا يعتمد فيه على الكتب الأصلية كالمسند والكتب التسعة وغيرها من كتب السنة. ولا يعتمد فيه على الكتب الوسيطة ككنز العمال وتحفة الأشراف وجامع الأصول وتكون هي الأساس.
٥ - الحكم على أحاديثه من حيث الصحة والضعف على حسب القواعد الحديثية المقررة في مصطلح الحديث، ويستنار في ذلك بأحكام المتقدمين عليها.
٦ - إخراج الكتاب بصورة علمية أفضل مما هي عليه الآن. بالإضافة إلى مقارنة أبواب الكتاب مع بعضها البعض والإشارة إلى ما يتكرر من الأحاديث.
٧ - إخراج تهذيب للمصنف يقتصر فيه على الأحاديث النبوية غير المكررة مع مزيد ترتيب وتنظيم وإخراج.
٨ - ضبط غريبه وشرحه والرجوع في ذلك لكتب اللغة كاللسان والقاموس والصحاح وغيرها بالإضافة إلى ترجمة ما يشكل من رجاله.
٩ - وضع فهارس علمية لأطراف الأحاديث، تفصل فيه الأحاديث عن الآثار. وإن كان في ذلك شيء من الصعوبة إلا أن الأمر يقتضي ذلك، لكي يخرج الكتاب بشكل جيد.
هذا ما تيسر طرحه من مقترحات، ولا شك أن هذا يحتاج إلى جهد وعمل
стр. 7574
ليس باليسير، لكن أهمية الكتاب تتطلب منا ذلك، ونسأل الله أن يقيض لكتب السنة رجالا أكفاء يقصدون بعملهم وجه الله إنه ولي ذلك وهو على كل شيء وكيل.
стр. 7575
أمثلة للأحاديث التي رواها الأئمة من طريقه:
(أ) مسند الإمام أحمد:
١ - قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن قتادة عن مطرف عن عائشة أن رسول الله ﷺ كان يقول في سجوده أو ركوعه: «سبوح قدوس رب الملائكة والروح (١)».
٢ - وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عائشة وابن عباس أخبراه: «أن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد (٢)». تقول عائشة: يحذر مثل الذي صنعوا.
(ب) البخاري:
قال البخاري: حدثنا يحيى، حدثنا عبد الرزاق عن معمر عن همام، سمع أبا هريرة عن النبي ﷺ قال: «لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن
стр. 7576
شئت، ارحمني إن شئت، ارزقني إن شئت، وليعزم مسألته إنه يفعل ما يشاء لا مكره له (١)».
(جـ) مسلم:
قال مسلم: حدثنا حجاج بن الشاعر، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا الثوري، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه «أن رجلا نشد في المسجد فقال: " من دعا إلى الجمل الأحمر " فقال النبي ﷺ : لا وجدت إنما بنيت المساجد لما بنيت له (٢)».
(د) وأخيرا من أجمل الأمثلة ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ. قال فقال له رجل من أهل حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة قال: فساء وظراط (٣)».
هذا الحديث رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي جميعهم من طريق الإمام عبد الرزاق.
стр. 7577
الاحتساب الحاجة إليه ومنزلته في الأديان السابقة
الاسم: محمد عثمان صالح.
تاريخ الميلاد: ١٩٤٢ م.
محل الميلاد: مروى - شمال السودان.
الدراسة الجامعية: بكالوريوس شريعة جامعة أم درمان الإسلامية ١٩٦٦ م.
الدراسات العليا: ماجستير ودكتوراه في مقارنة الأديان.
من جامعة أدنبرة بالمملكة المتحدة ١٩٨٢ م.
الوظائف الإدارية والعلمية:
- رئيس سابق لقسم العقيدة ومقارنة الأديان بجامعة أم درمان.
- عميد سابق لكلية الدراسات الإسلامية بأم درمان حتى ١٩٨٢ م.
- حاليا معار للمعهد العالي للجامعة الإسلامية " جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية - بالمدينة المنورة ".
- رئيس قسم الاستشراق فيه.
النشاطات العلمية:
- حضر عديدا من المؤتمرات العلمية.
- يشارك ببعض البحوث والمقالات في الصحف والمجلات.
- له بعض البحوث والكتب تحت الطبع، منها:
- المدخل لدراسة الأديان.
- صراع أهل الأديان.
- الاحتساب وأثره في بناء المجتمع.
النشاطات الأدبية:
- له مشاركات أدبية وخاصة في مجال الشعر.
- عضو اتحاد الأدباء السودانيين.
- من الأعضاء المؤسسين لجامعة الفكر والثقافة الإسلامية بالسودان.
стр. 7578
الاحتساب
الحاجة إليه ومنزلته في الأديان السابقة
وتفضيل أمة الإسلام به.
بقلم: د. محمد عثمان صالح.
(أ) التعريف به:
الاحتساب لغة - هو العد والإحصاء، من الفعل احتسب يحتسب إذا عد، ويأتي أيضا بلفظ الحسبة إذا جاء من الفعل حسب يحسب. والحساب - كما هو معروف - العد والإحصاء. قال الجوهري: " حاسبته من المحاسبة، واحتسب عليه كذا إذا أنكرته عليه. قال ابن دريد: واحتسبت بكذا أجرا عند الله. والاسم الحسبة، وهي الأجر. ولذا يقال لمن مات له ولد أنه احتسب أجره عند الله تعالى.
والإنسان الذي يقوم بما يتعلق بهذا الأمر يسمى (محتسبا) لأن الأصل فيه أن يحتسب أجره عند الله تعالى. ويوضحه قول الرسول الكريم ﷺ : «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)». متفق عليه.
стр. 7579
أما تعريف الاحتساب في الاصطلاح فهو:
أمر بمعروف إذا ظهر تركه. ونهي عن منكر إذا ظهر فعله. وعلى هذا فالاحتساب ينبني على عمودين:
العمود الأول:
" الأمر بالمعروف، والمطلوب فيه دعوة الناس إلى الحق والخير والعدل، إذ المعروف هو كل قصد، أو قول، أو فعل حسنه الشرع وأمر به، وتعارف عليه الناس أنه من أمر الله.
والعمود الثاني:
هو " النهي عن المنكر "، والمطلوب فيه إرشاد الناس، بحبسهم عن الوقوع في الإثم والظلم والشر؛ لأن هذه المعاني تئول كلها إلى المنكر " من العزائم والأقوال والأفعال، التي أنكرها الشرع وقبحها، ونهى عنها، وتعارف الناس على أنها شر فأنكروها فأصبحت لذلك " منكرا ". وبعبارة حديثة الحسبة: هي رقابة اجتماعية يقوم بها الأفراد، أو المجتمع. أو رقابة إدارية تنظمها الدولة تحقيقا للخير والعدل، ودفعا للشر والإثم.
стр. 7580
(ب) حاجة الطبيعة البشرية للاحتساب:
" إن الطبيعة البشرية المتفردة، المتغيرة، في حاجة دائمة للاحتساب الذي هو دعوة متجددة إلى الخير، ونهي مستمر عن الشر. ذلك أن الإنسان - في الغالب - كائن غريب الأطوار، لا يستقر على حال، خاصة في أمر الهدى والضلال، والطاعة والعصيان، أو الكفر والإيمان. . . فهو يحتاج للاحتساب لأمور تتعلق بقلبه، وعقله، ونفسه، وطبعه.
стр. 7581
أولا: فيما يتعلق بقلبه: فإن القلب سمي بذلك؛ لأنه متقلب لا يستقر على حال. كما قال الشاعر فيه وفي حامله:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... وما القلب إلا أنه يتقلب
فهو يتقلب بين غني مطغي، وفقر منسي، وهو في حالة كفره ليس كمثله في حالة إيمانه، وهو في حالة إيمانه بين أصبعين من أصابع الرحمن، ولذا لزم تذكيره، والدعاء له بالثبات، بمثل دعاء المصطفى ﷺ : «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك (١)».
ثانيا: فيما يتعلق بعقله: فإن العقل وحده لا يكفي في الوصول إلى الرشاد، إذ لا يعدو أن يكون في بعض الأحيان مثل آله - لا يحسن استخدامها، فتضر أكثر مما تفيد، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ (٢).
ثالثا: فيما يتعلق بنفسه فهي في جبلتها أمارة بالسوء، فلا بد أن يتولاها صاحبها بالمجاهدة، ويتعهدها المربون بالعناية والتذكير حتى ترتفع من درجة الأمارة؟ إلى درجة (اللوامة) إلى درجة (المطمئنة)؛ لأن الله فطرها قابلة لتنزل الخير والشر قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ (٣) ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ (٤) ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ (٥) ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٦).
رابعا: فيما يتعلق بطبعه مما ركب فيه من ميول وغرائز وجنوح للشهوات يقول الله تعالى مبينا هذا الجانب:
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ (٧).
стр. 7582
ولذا فإن الإنسان إذا ما حصل على بغيته من متاع الدنيا، وسارت معه ريح الشهوات كما يهوى، فإنه ينسى كل شيء حتى نفسه التي بين جنبيه، بل وينسب لها ما ليس لها، ويدعي فيما أوتي من متاع مثل ادعاء قارون:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ (١).
ولذا لزم تذكيره، كي لا يعدو قدره، ويتجاوز حده. . . . ومن طبع الإنسان أيضا حين يحصل مراده، وما تشتهيه نفسه أن يجنح إلى الطغيان، وتلك حقيقة ثابتة قررها القرآن الكريم في قوله :
﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ (٢) ﴿أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (٣).
ومن شأن الطغيان أن يحمل على الظلم، ومن شأن صاحبه أن يكون كنودا جحودا كما جاء بيانه في الآية:
﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ (٤) ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ﴾ (٥) ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ﴾ (٦).
ولكن بإيزاء هذه الصفات التي تصطرع في داخله، نرى أن الله تعالى قد منحه صفات أخرى فيها من السمو والكمال ما يرفعه إلى آفاق عليا - إذا استقام عليها وأخذ بعزائمها، فقد أعطاه منحة العقل، الذي به يعرف الهدى، أعطاه خاصية التعبير الذي به يبين، وميزه بفضيلة التعليم حتى يغاير البهيم. وذلك كله من رحمته - سبحانه - التي تجلت في اسمه الفريد " الرحمن "، قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (٧) ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٨) ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ (٩) ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (١٠). ومن الصفات التي امتن الله تعالى بها على الإنسان، وجعلها من آياته: الرحمة التي أودعت بين جنبيه، والمودة التي تملأ نفسه، والعطف الذي يخالط شغاف
стр. 7583
قلبه، والصبر الذي يتحلى به، والحياء الذي يزينه، والعفة التي ترفعه، والإيمان والتقوى اللذان يحلقان به بعيدا عن دنيا الغافلين.
ولكن هذه الأخلاق قلما تصفو في النفس، وقلما يحتمل الصبر على عنتها معظم الناس، لذا فإن الحق تبارك اسمه يقول:
﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢).
ولا يستثنى من ذلك: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣) بقلوبهم ونطقوا بألسنتهم، ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤) بجوارحهم، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ (٥) وهو أداء الطاعات، وترك المحرمات ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٦) على المصاب، وأذى من يؤذي، ممن يأمرونه بالمعروف، وينهونه عن المنكر (٧).
وعند التأمل في هذه السورة، نعلم أنها قد شخصت الداء وأعطت الناجع من الدواء. . . روي عن الإمام الشافعي ﵁ أنه قال: " لو فكر الناس كلهم في سورة العصر لكفتهم ".
وخلاصة القول نجدها فيما ذكر الإمام ابن تيمية ﵀ إن الأمر والنهي لازمان للإنسان. ". . . وكل البشر على وجه الأرض فلا بد له من أمر ونهي، ولا بد أن يؤمر وينهى، حتى لو أنه وحده لكان يأمر نفسه وينهاها، إما بمعروف، وإما بمنكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ (٨) انتهى.
ولا شك أن هذا الذي قررناه يسقط زعم بعض مرضى القلوب، ممن يرفضون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكنهم يخدعون الناس ببريق الألفاظ الزائفة
стр. 7584
" كاحترام الحرية الشخصية " و " رفض الوصاية على الناس " و " رفض التعصب " و " البعد عن الهوس الديني ".
أما حقيقة ما يريد هؤلاء فهو شيوع الفاحشة، وإباحة المعصية، واتباع الشيطان، ومخالفة أمر الرحمن، وأصدق دليل على هذا نقول - قول الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ (١).
ولنستعرض الآن بعض هذه الألفاظ التي يصرفون بها الناس عن تلقي الهدى، أو الدعوة إليه، لنرى أي مهلكة يريدها هؤلاء للمؤمنين؟ فدعوى الحرية الشخصية (التي راجت في المجتمعات الغربية) تقف في وجه الدعوة إلى الله؛ لأنهم يأخذونها بمعنى (الإباحة، لكل ما هو محظور، وإتيان كل (منكر) والامتناع عن أداء كل ما هو " معروف ". فهم بهذه الدعوة يريدون منع " الاحتساب " على أصحاب المعاصي. وهذه دعوى باطلة لأن حرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخرين، بمعنى أن فاعلي الشرور والآثام إذا تركوا على هواهم فإنهم لا ريب ضارون ومنقصون لحريات الآخرين، فإذا ترك الأمر للسكارى والمدمنين مثلا - على ما يشتهون - كما يكون الحال قبل الأخذ بالأحكام الشرعية أو حين التراخي في تطبيقها - فإنهم لن يتركوا موضعا إلا وتفوح منه رائحة الخمر، ولا يرضيهم إلا أن تكون الخمر والمخدرات في كل ركن وبيت كما كان مشاهدا.
وإذا تركت الأمور لأهل الخنا والفجور، فإنهم لا يرضون بديلا لإشاعة الفاحشة؛ لتعم رائحة الرذيلة كل الأرجاء. . . وإذا تركنا الأمر للطامعين في أموال الناس ومقدرات الأمة، من اللصوص الكبار والمرتشين والغاصبين فكيف الحال ساعتئذ؟. وقد رأى الناس منهم الويلات رأي العين!!.
أما قضية " رفض الوصاية على الآخرين " فإنها بدعة روجها العلمانيون والشيوعيون، ودعاة " الطاهوية " من الجمهوريين. . . لأن هؤلاء يريدون للمجتمع أن يكون بلا دعاة أو رعاة أو آباء مربين أو قوم صالحين، ولذا تركزت
стр. 7585
حملاتهم على من أسموهم برجال الدين في كل المؤسسات الإسلامية، كالقضاء الشرعي والمعاهد العلمية، حتى إذا ما شوهوا صورتهم عند الناس، خلا لهم الجو ليروجوا الباطل من دعوتهم.
﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
إن حال الذين يصرفون الناس عن الحق بهذه الحجة ليس بأفضل من حال زعيم الجاهلية الذي ذمه الله تعالى بقوله:
﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى﴾ (٢) ﴿عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ (٣) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ (٤) ﴿أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى﴾ (٥) ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ (٦) ﴿أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى﴾ (٧).
أو كشأن الجاهلي الآخر الذي نهى الله عن طاعته فقال:
﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ (٨) ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ (٩) ﴿مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ﴾ (١٠) ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (١١) ﴿أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ (١٢) ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (١٣).
فعلى أبناء المسلمين أن ينتبهوا لما يدبر لهم من أخطار، وعلى كافة الأمة الأخذ على أيدي السفهاء. . . وعلى علماء الأمة بيان حالهم الذي يسهل كشفه حتى لو احتمى بعض هؤلاء " بالتقية " وإظهار التكيف مع الأوضاع الجديدة، وعلى أولياء الأمور ورجال الدعوة معرفة المندسين والمدسوسين مهما احتموا بحصون النفاق والمسايرة، وإن معرفتهم يسيرة إذ يقول الله تعالى فيهم:
﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ (١٤) ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ (١٥).
стр. 7586
(ج) الاحتساب في الأديان السابقة:
الدعوة إلى الله تعالى هي طريق كل الدعاة الصادقين، والنهج الرباني لهذه
стр. 7587
الدعوة هو الذي سارت عليه الأنبياء ومن تبعهم من الأمم " منذ أن تفضل الله بهدايته على الإنسان عبر الأزمان، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (١).
وقال سبحانه:
﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (٢).
من هنا نعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كانا في الأديان السابقة، ولذا فإننا نرد دعوى من ادعى أن ذلك الأمر خاص بأمة محمد دون الأمم الأخرى، ذلك أن الإنسان في كل الأزمان وعلى كل الأحوال - كما بينا - يحتاج إلى الهداية، والموعظة، والتذكير، ثم الزجر، والمنع، والردع. . . وحيثما كانت رسالة كانت دعوة، وحيثما كانت دعوة فهناك احتساب.
وصحيح أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصبح ميزة من مميزات أمة محمد ﷺ ؛ لأنها هي التي حافظت عليه حين أضاعته الأمم الأخرى من يهود ونصارى. وهذه الميزة أضحت مناط أفضلية أمة الإسلام على الأمم الأخرى كما سنذكره - إن شاء الله - لكن الاحتساب بمعنى الدعوة أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قديم قدم انحرافات البشرية؛ لأن أمرها على هذا لا يستقيم بدونه، وأول الإشارات فيه تعود إلى عهد نوح ﵇. فقد جاء في القرآن الكريم:
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ (٣) ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ (٤) ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ (٥) ﴿ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا﴾ (٦) ﴿ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ (٧).
стр. 7588
ومن بعد نوح جاء لقمان ﵉ وكانت وصيته لابنه وهو يعظه دليلا على اهتمام واضح بدعوى الاحتساب كما جاء في الآية:
﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ (١).
وهذه الوصية تجمع ثلاث خصال من خصائص الأمة التي تأمن الخسران في الدنيا، وتضمن الجنات في الآخرة: وهذه الخصال هي:
- العمل الصالح المتمثل في الصلاة.
- الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
- الصبر. . الذي هو عدة الدعاة.
ثم جاءت رسالة موسى وهارون ﵉، والتي اهتدى بهداها من شاء الله له الإيمان والنجاة، وضل عنها آخرون من السفهاء البغاة. وترددت في القرآن الكريم أصداء مواقف هؤلاء المؤمنين وأولئك الكافرين، فعن الفئة الأولى المؤمنة يقول تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ (٢).
أما عن الفئة الثانية الباغية فيقول سبحانه:
﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (٣).
ويدور الحوار بين الفئتين حول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. . حتى ليظن بعض أفراد الفئة المؤمنة أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (بالوعظ والتذكير) قد لا يفيد مع المعاندين، ولكن سلامة الفهم عند بعضهم تشير إلى قضية أخرى هامة، وهي أن الاحتساب في حد ذاته أمر واجب، وبه يحصل الإعذار. . . وقد تحصل به التزكية والتسامي على الباطل. وهذا كله نجده في قوله تعالى عن جيل من بني إسرائيل:
стр. 7589
﴿وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (١) ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (٢).
ثم شاع الانحراف في اليهود بعد ذلك حيث طال عليهم الأمد وقست قلوبهم ونسوا حظا مما ذكروا به، وضلوا كما ضلت قبلهم أمم، وكان السبب الأساسي لانحرافهم هو ترك الاحتساب كما قال الصادق المصدوق محمد ﷺ : «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول، يا هذا اتق الله، دع ما تصنع، فإنه لا يحل لك! ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض (٣)».
وفي كتب أنبياء بني إسرائيل في " العهد القديم " دعوة صريحة لإقامة الاحتساب، والحض على الأمر والنهي، وتعلم العلم، ففي سفر الأمثال المنسوب لسليمان ﵇ جاء:
" لتعط الجهال ذكاء، والشاب معرفة وتدبرا. . يا بني لا تسلك في الطريق معهم، امنع رجلك عن مسالكهم؛ لأن أرجلهم تجري إلى الشر، وتسرع إلى سفك الدم ".
ثم يخاطب الجميع قائلا:
" ارجعوا عند توبيخي. . . لأني دعوتكم فأبيتم؟ ومددت يدي وليس من يبالي، بل رفضتم مشورتي " (٤).
وفي سفر أرمياء:
" ويل للرعاة الذين يهلكون، ويبددون غنم رعيتي. . . . هاأنذا أعاقبكم على شر
стр. 7590
أعمالكم. . . لأن الأرض امتلأت من الفاسقين؛ لأنه من أجل اللعن ناحت الأرض وجفت مراعي البرية وصار سعيهم للشر، وجبروتهم للباطل. . . ولو وقفوا في مجلس لأخبروا شعبي بكلامي، وردوهم عن طريقهم الرديء، وعن شر أعمالهم " (١).
ومن أجل أن بني إسرائيل تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يستمعوا لنداءات الأنبياء أو المصلحين الصادقين حكم الله عليهم - من أجل ذلك - بالطرد من رحمته واللعن، قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ (٢) ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (٣).
ويوم أن انصرفوا عن الهدى جاء الإنذار بتصرم عهدهم، كما جاءت البشرى ببزوغ فجر جديد، ونور مضيء، حادي ركبه الرسول النبي الأمي، والمهتدون به هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر. كما جاء وصفهم في التوراة والإنجيل وأكده القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٤).
стр. 7591
(د) تفضيل أمة الإسلام بالاحتساب:
لقد مر بنا قبل قليل أن الله تعالى وصف نبيه محمدا ﷺ في كتبه المقدسة بأنه الرسول النبي الأمي الآمر بالمعروف والناهي عن المنكر، الذي يضع عن أمته إصرهم والأغلال. وذلك بفضل الله ثم بالدعوة الخالصة. ولقد تجاوز فضل الدعوة مداه إذ لم يقف الأمر عند حد الآصار والأغلال بل
стр. 7592
فاضت البركات على أمة البشير النذير حيث تمثلت هديه، وامتثلت أمره، وتأسست باحتسابه، فرفع الله مقامها بإيمانها، وفضلها على سائر الأمم باحتسابها. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ (١)، فجعل الله تعالى هذه الخيرية متعلقة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما علق الأمر والنهي بالإيمان ذاته بل ذلك من أصدق علاماته، كما أن عدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أظهر علامات النفاق.
في المثال الأول يقول سبحانه:
﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (٢).
كما جعل ذلك مع المحافظة على الحدود تاجا لصفات؛ بها يتحقق كمال العبودية لله تعالى. أما الذين يتحلون بذلك التاج فهم:
﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ (٣).
وفي المثال الثاني يقول عز من قائل:
﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٤).
وهم في ذلك إنما يتبعون خطوات الشيطان الذي لا يضره شيء مثل قيام الناس بهذه الفريضة، ولا يسره شيء مثل ترك الناس لها.
стр. 7593
﴿فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (١).
ومن أجل إبعاد الشيطان، وإبطال كيده، أمر الله بالذكر والتذكير وتجنب مخالطة العصاة من أصحاب السوء قال تعالى في كتابه الكريم:
﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٢).
ويقول جل شأنه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ (٣).
стр. 7594
مناهجنا والتربية الإسلامية
للدكتور: محمد عثمان كشميري.
مقدمة:
إن مسألة التعليم في البلاد الإسلامية مسألة مستقلة قائمة بذاتها؛ لأن الأمة الإسلامية أمة خاصة في طبيعتها ووضعها، وهي أمة ذات مبدأ وعقيدة، ورسالة ودعوة، فيجب أن يكون تعليمها خاضعا لهذا المبدأ والعقيدة، وهذه الرسالة والدعوة. و " التعليم " أداة الأجيال التي تؤمن بهذا المبدأ، وتدين بهذه العقيدة، وتحمل هذه الرسالة، وتؤدي هذه الدعوة، وكل تعليم لا يؤدى هذا الواجب أو يغدر بذمته، ويخون في أمانته فليس هو التعليم الإسلامي بل هو التعليم الأجنبي، وليس هو البناء والتعمير بل هو الهدم والتخريب، وأولى للبلاد الإسلامية أن تتجرد منه وتحرم من ثماره المادية، فالأمية خير لها من التعليم الذي يرزأها في طبيعتها وعقيدتها.
إن قضية البحث حول أسلمة المعرفة تأخذ أشكالا ومظاهر واهتمامات متعددة، أهمها قضية ازدواجية المعرفة وجمودها وتخلفها لدي الأمة الإسلامية.
إن أسلمة المعرفة إنما يعني في الحقيقة ذلك المجهود الذي يستوعب هذه العلوم داخل هيكل إسلامي، يهدف استعمالها لجني أكبر مردود للمجتمع الإسلامي. إنها محاولة لفهم ربما لتبني - كل ما هو جيد في هذه العلوم وإدماجه مع العلوم
стр. 7595
الإسلامية (١).
وسوف نستعرض في هذا البحث حقيقة الواقع الإسلامي ومناهجه التربوية، والمشكلات التي تعترضه والمقترحات لتطويره.
стр. 7596
الحضارة الغربية وموقفها من الإنسانية:
في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البشرية - الفترة التي يصل فيها الفزع إلى غايته، والقلق إلى أقصاه - يبدو واضحا إلى أي مدى تخبطت البشرية حين ابتعدت عن الله وعن منهجه للحياة.
لقد تخبطت البشرية ما بين عبادة العقل وعبادة المادة وعبادة الحتمية التاريخية، والحتمية الاقتصادية، والحتمية الاجتماعية، إلى آخر هذه الآلهة المزعومة التي يعبدها الناس في هذا الجهل ليهربوا بها من عبادة الله، فكانت الشعوذة التي تفسد الأعصاب والنفوس، وكان العذاب الذي يمس الأفراد والجماعات، وكان الفزع الدائم من الدمار الرهيب (١).
لقد حققت الحضارة الغربية المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم، ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها ويرفه عنها ويسندها في وقت المحن؛ لأنه يربطها بوجود الله، فقد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن، كما قادته إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية، وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة، وإلى اضطرابات في كل مكان وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة، وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة ذعر واضطراب وبحث عن أسس جديدة وتنقيب عن زاد روحي يرد الإنسانية إلى ثقتها بالمبادئ الإنسانية (٢).
إن حضارة القرن العشرين قد أفقدت وأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة، وفي الضمائر لقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة
стр. 7597
للإنسانية به، لقد انجرفت في إتلافها هذا بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية) منذ عهد ديكارت، لقد حاولت أوربا ونجحت في خطها الجديد هذا. ونجاحها قد يفسر لنا اليوم على المدى البعيد فشلها في الاستمرار عن البحث عن معنى الحياة، وتأكيد القيمة الكيفية، لقد نجحت في إخضاع كل شيء لمقاييس الكم، ولكن نجاحها يفسر بالتالي الأزمة التي تمر بها حضارتها التي فقدت كل مبررات وجودها؛ لأنها أفقدت الوجود وقداسته (١).
وبقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية الكمية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبأ الأثقال الاجتماعية والمادية، إذ لا بد من قاعدة روحية متينة تتحمل هذه الأعباء التي ترزح وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجيا. إن الإنسانية بشطرها المتخلف وبشطرها المتحضر تعاني من هذه الأزمة الخطيرة، والتي هي أخطر أزمة في وجودها على سطح الأرض، ونحن باعتبارنا مسلمين وأمة تشاطر الإنسانية مصيرها، إذا أردنا أن نسد هذا الفراغ في النفوس المتعطشة فلا بد أن نرفع مستوانا إلى مستوى الحضارة أو أعلى منها؛ كي نرفع الحضارة بذلك إلى قداسة الوجود، إلى ربانية الوجود، ولا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله (٢).
إن المشوار الحضاري للأمة الإسلامية طويل وصعب وتعترضه عقبات ومحاذير، وتحيط به متاهات ومشكلات، وتصحبه تحولات في السلوك والأخلاق، وتغيرات في العادات وأساليب الحياة، ولا بد للأمة الإسلامية أن تستعد لكل هذا إذ لا مناص منه. ولأن القضية خطيرة والأمر جد، فإن على مثقفي المجتمع ومفكريه أن يمارسوا دورهم ويقوموا بما هو منتظر منهم من توعية وتبصير للمجتمع لتكوين المناخ الإسلامي الصحيح. إن عملية توعية المجتمع بما تتضمنه من ممارسات وتبعات تستدعي تضافر كل الجهود في المنزل والمدرسة والجامعة والمسجد (٣).
стр. 7598
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلة الحضارة ما لم يرتفع بفكره إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها. . وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر التاريخ. فلنعلن للدنيا بدء فجر جديد لحضارة القيم تتآلف فيه أسس التطور المبني على العلم والإيمان وتقدير الإنسانية، لننفك من التيه المقفر الذي يعيش العالم المعاصر أسيرا له. . تظللنا العقيدة ويغمرنا الإيمان (١).
كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).
стр. 7599
واقع التعليم في العالم الإسلامي والعربي:
يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديا متصلا من الدول الصناعية، وذلك لطبيعة الموقع الاستراتيجي للعالم الإسلامي إلى ثروته البشرية والمادية. لقد أصبح حزام الدول الإسلامية ميدانا للتنافس المتصاعد بين القوى العديدة. إن نزاعات الحدود في المناطق المختلفة أصبحت غالبا موجهة لإيجاد أسواق حاضرة للأسلحة والذخائر لكي تبقى هذه الدول مرتبطة ومنشغلة عن دفع عجلة تقدمها أو رفع معدل نموها، بحيث تظل تحت الخضوع الدائم والتأثير المستمر الواقع عليها من الدول المتقدمة، فضلا عن ذلك فقد ترك المستعمر خلفه في كثير من الدول الإسلامية نماذج من المؤسسات التعليمية التي تتسم بالثنائية والانقسام الحاد (١).
إن غالبية النظام التعليمي السائد حاليا في العالم الإسلامي نظام متوارث من عهود الاستعمار، إنه غير كفء لبعث الشباب المسلم أو لمساعدته في حل مشاكل
стр. 7600
الأمة الإسلامية لقد أثبت - حقيقة - أن له إنتاجية مضادة ويحتاج إلى إصلاح جذري عنيف (١).
ولعل المشكلة العظمى التي نواجهها هي تسليم الكثير، صراحة أو ضمنا، بأن المسلمين لكي يسايروا الرقي العالمي ويلحقوا بعجلة التقدم، فإنه لا بد أن يأخذوا بالمنهج الاجتماعي والاقتصادي الذي أفرزته الأمم التي سبقتهم على هذا الطريق، سواء في الغرب أو في الشرق، وإن تقليد هذه المدنيات هو السبيل إلى الخروج من مظاهر التخلف واللحاق بالأمم المتقدمة.
" إن نظم التعليم في البلاد الإسلامية اليوم نظم تقوم على الازدواج التعليمي، بمعنى أن بكل بلد منها نظامين للتعليم، لا نظاما واحدا، فهنالك نظام يتخذ من الدين الإسلامي محورا له، سواء سمي هذا النظام بالنظام الديني أو النظام القديم، وهناك نظام ثان، يتخذ من العلوم الحديثة محورا له سواء سمي هذا النظام بالنظام الحديث، أو بالنظام الغربي (٢).
والازدواج التعليمي - كما نعلم جميعا - وافد إلينا من الغرب، مع ما وفد إلينا منه من مخترعات تكنولوجية، ومن آراء وأفكار، كان يحكم علاقتنا بها (الإحساس بالتخلف) الذي سيطر علينا فترة من الزمن، أول لقائنا بالغرب في العصور الحديثة، وفي الوقت الذي بدأت حدة الازدواج التعليمي فيه تخف في الغرب. بدأت هذه الحدة ذاتها تزيد في بلاد المسلمين، بفعل الاستعمار الغربي، الذي أراد ذلك لحاجة في نفسه. ".
إن معظم أنظمة التعليم في البلاد العربية والإسلامية لا تزال تستمد أفكارها الرئيسية وتعالج موضوعاتها من وجهة نظر غربية صرفة، لا تشير من بعيد أو قريب