الحضارة الغربية وموقفها من الإنسانية:
في هذه الفترة الحرجة التي تمر بها البشرية - الفترة التي يصل فيها الفزع إلى غايته، والقلق إلى أقصاه - يبدو واضحا إلى أي مدى تخبطت البشرية حين ابتعدت عن الله وعن منهجه للحياة.
لقد تخبطت البشرية ما بين عبادة العقل وعبادة المادة وعبادة الحتمية التاريخية، والحتمية الاقتصادية، والحتمية الاجتماعية، إلى آخر هذه الآلهة المزعومة التي يعبدها الناس في هذا الجهل ليهربوا بها من عبادة الله، فكانت الشعوذة التي تفسد الأعصاب والنفوس، وكان العذاب الذي يمس الأفراد والجماعات، وكان الفزع الدائم من الدمار الرهيب (١).
لقد حققت الحضارة الغربية المعجزات في عالم الاكتشافات وعالم العلوم، ولكنها فقدت في أعماق نفسها البعد الذي كان يروح عليها ويرفه عنها ويسندها في وقت المحن؛ لأنه يربطها بوجود الله، فقد قادت العالم إلى حربين شاملتين خلال ربع قرن، كما قادته إلى انقسام بين الكتلتين الشرقية والغربية، وإلى تهديد دائم بحرب ثالثة، وإلى اضطرابات في كل مكان وإلى جوع وعري وبؤس في ثلاثة أرباع المعمورة، وأن النظام العالمي كله اليوم في حالة ذعر واضطراب وبحث عن أسس جديدة وتنقيب عن زاد روحي يرد الإنسانية إلى ثقتها بالمبادئ الإنسانية (٢).
إن حضارة القرن العشرين قد أفقدت وأتلفت قداسة الوجود في النفوس وفي الثقافة، وفي الضمائر لقد أتلفت القداسة لأنها اعتبرتها شيئا تافها لا حاجة
стр. 7597
للإنسانية به، لقد انجرفت في إتلافها هذا بسبب منشأ ثقافتها التي يطلق عليها اليوم (العلمية) منذ عهد ديكارت، لقد حاولت أوربا ونجحت في خطها الجديد هذا. ونجاحها قد يفسر لنا اليوم على المدى البعيد فشلها في الاستمرار عن البحث عن معنى الحياة، وتأكيد القيمة الكيفية، لقد نجحت في إخضاع كل شيء لمقاييس الكم، ولكن نجاحها يفسر بالتالي الأزمة التي تمر بها حضارتها التي فقدت كل مبررات وجودها؛ لأنها أفقدت الوجود وقداسته (١).
وبقدر ما تراكمت الإمكانيات الحضارية الكمية اضمحلت القاعدة الأخلاقية الروحية المعنوية التي تتحمل في كل مجتمع عبأ الأثقال الاجتماعية والمادية، إذ لا بد من قاعدة روحية متينة تتحمل هذه الأعباء التي ترزح وهي في خضم الأشياء التي تنتجها التكنولوجيا. إن الإنسانية بشطرها المتخلف وبشطرها المتحضر تعاني من هذه الأزمة الخطيرة، والتي هي أخطر أزمة في وجودها على سطح الأرض، ونحن باعتبارنا مسلمين وأمة تشاطر الإنسانية مصيرها، إذا أردنا أن نسد هذا الفراغ في النفوس المتعطشة فلا بد أن نرفع مستوانا إلى مستوى الحضارة أو أعلى منها؛ كي نرفع الحضارة بذلك إلى قداسة الوجود، إلى ربانية الوجود، ولا قداسة لهذا الوجود إلا بوجود الله (٢).
إن المشوار الحضاري للأمة الإسلامية طويل وصعب وتعترضه عقبات ومحاذير، وتحيط به متاهات ومشكلات، وتصحبه تحولات في السلوك والأخلاق، وتغيرات في العادات وأساليب الحياة، ولا بد للأمة الإسلامية أن تستعد لكل هذا إذ لا مناص منه. ولأن القضية خطيرة والأمر جد، فإن على مثقفي المجتمع ومفكريه أن يمارسوا دورهم ويقوموا بما هو منتظر منهم من توعية وتبصير للمجتمع لتكوين المناخ الإسلامي الصحيح. إن عملية توعية المجتمع بما تتضمنه من ممارسات وتبعات تستدعي تضافر كل الجهود في المنزل والمدرسة والجامعة والمسجد (٣).
стр. 7598
إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته ولا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلة الحضارة ما لم يرتفع بفكره إلى الأحداث الإنسانية، وما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها. . وما الحضارات المعاصرة، والحضارات الضاربة في ظلام الماضي، والحضارات المستقبلة إلا عناصر للملحمة الإنسانية منذ فجر التاريخ. فلنعلن للدنيا بدء فجر جديد لحضارة القيم تتآلف فيه أسس التطور المبني على العلم والإيمان وتقدير الإنسانية، لننفك من التيه المقفر الذي يعيش العالم المعاصر أسيرا له. . تظللنا العقيدة ويغمرنا الإيمان (١).
كما قال تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).
стр. 7599
واقع التعليم في العالم الإسلامي والعربي:
يواجه العالم الإسلامي اليوم تحديا متصلا من الدول الصناعية، وذلك لطبيعة الموقع الاستراتيجي للعالم الإسلامي إلى ثروته البشرية والمادية. لقد أصبح حزام الدول الإسلامية ميدانا للتنافس المتصاعد بين القوى العديدة. إن نزاعات الحدود في المناطق المختلفة أصبحت غالبا موجهة لإيجاد أسواق حاضرة للأسلحة والذخائر لكي تبقى هذه الدول مرتبطة ومنشغلة عن دفع عجلة تقدمها أو رفع معدل نموها، بحيث تظل تحت الخضوع الدائم والتأثير المستمر الواقع عليها من الدول المتقدمة، فضلا عن ذلك فقد ترك المستعمر خلفه في كثير من الدول الإسلامية نماذج من المؤسسات التعليمية التي تتسم بالثنائية والانقسام الحاد (١).
إن غالبية النظام التعليمي السائد حاليا في العالم الإسلامي نظام متوارث من عهود الاستعمار، إنه غير كفء لبعث الشباب المسلم أو لمساعدته في حل مشاكل
стр. 7600
الأمة الإسلامية لقد أثبت - حقيقة - أن له إنتاجية مضادة ويحتاج إلى إصلاح جذري عنيف (١).
ولعل المشكلة العظمى التي نواجهها هي تسليم الكثير، صراحة أو ضمنا، بأن المسلمين لكي يسايروا الرقي العالمي ويلحقوا بعجلة التقدم، فإنه لا بد أن يأخذوا بالمنهج الاجتماعي والاقتصادي الذي أفرزته الأمم التي سبقتهم على هذا الطريق، سواء في الغرب أو في الشرق، وإن تقليد هذه المدنيات هو السبيل إلى الخروج من مظاهر التخلف واللحاق بالأمم المتقدمة.
" إن نظم التعليم في البلاد الإسلامية اليوم نظم تقوم على الازدواج التعليمي، بمعنى أن بكل بلد منها نظامين للتعليم، لا نظاما واحدا، فهنالك نظام يتخذ من الدين الإسلامي محورا له، سواء سمي هذا النظام بالنظام الديني أو النظام القديم، وهناك نظام ثان، يتخذ من العلوم الحديثة محورا له سواء سمي هذا النظام بالنظام الحديث، أو بالنظام الغربي (٢).
والازدواج التعليمي - كما نعلم جميعا - وافد إلينا من الغرب، مع ما وفد إلينا منه من مخترعات تكنولوجية، ومن آراء وأفكار، كان يحكم علاقتنا بها (الإحساس بالتخلف) الذي سيطر علينا فترة من الزمن، أول لقائنا بالغرب في العصور الحديثة، وفي الوقت الذي بدأت حدة الازدواج التعليمي فيه تخف في الغرب. بدأت هذه الحدة ذاتها تزيد في بلاد المسلمين، بفعل الاستعمار الغربي، الذي أراد ذلك لحاجة في نفسه. ".
إن معظم أنظمة التعليم في البلاد العربية والإسلامية لا تزال تستمد أفكارها الرئيسية وتعالج موضوعاتها من وجهة نظر غربية صرفة، لا تشير من بعيد أو قريب
стр. 7601
إلى الفكر الإسلامي أو إلى علمائه. فما تأثير هذا على طلابنا وموجهي التربية في بلادنا وخاصة من نعدهم ليربوا لنا أجيالنا الناشئة؟ إن التفتح على كل التجارب الإنسانية النافعة، والاستفادة منها، والتفاعل معها من واقع الواثق بفكره وذاته وثقافته، أمر ضروري ومطلوب. ولكن لا بد أن يكون في حدود قيم ديننا وظروفنا وإمكانياتنا، ولا يقتلعنا من جذورنا الثقافية أو يشككنا في مقدرتنا وشخصيتنا الإسلامية العربية. إن التعليم الذي نعطيه لأبنائنا في المدارس ليس مرتكزا على القاعدة الإسلامية ولا يستمد من الروح الإسلامية. ثم ماذا في حياتنا إلا القليل من بقايا الفكر الإسلامي والتصور الإسلامي والسلوك الإسلامي. ينبغي أن نكون صريحين مع أنفسنا، وواقعنا بعيد بعدا كبيرا عن الإسلام وإن كانت فيه بين الحين والحين في بعض بلدان العالم الإسلامي بقايا من الإسلام» (١). إن نظمنا التعليمية السائدة في العالم الإسلامي تشكوا من ضعف في غرس الفضيلة والعقيدة في الجيل الجديد. كما تشكو من تقصير في إعداد الناشئة للحياة المعاصرة لا سيما في حقل التقنيات وفي الاتصال بالحياة العملية والاقتصادية. إن نظمنا التعليمية السائدة ومعظمها مستورد من الغرب تجعل هدف التعليم حفظ المعلومات لاجتياز الامتحانات بدل أن تفسح للطالب المجال الكافي لهضم المادة والتفكير والتحقيق والتطبيق فالهدف هو المعلومات وليس الطالب. يقول الشيخ أبو الحسن الندوي: «لقد أهملت المراكز التربوية كلها جانب العاطفة والحب والإيمان واعتبرته من خصائص بعض النظم التي كانت محدثة دخيلة على الإسلام والتي تنافي في نظر بعض قادة التعليم ورجال الفكر روح الشريعة الإسلامية والطريقة السلفية، مع أنه حاجة من حاجات البشر ومطلب
стр. 7602
من مطالب الإسلام إذا نقي مما التصق به في العهود الأخيرة، وقد اتصف بهذا الجانب الرعيل الأول من المسلمين من الصحابة والتابعين لهم بإحسان، ولولا هذا الإيمان القوي والولوع والحب العميق وقوة العاطفة لما ظهرت منهم هذه الروائع الإيمانية والبطولات التي لا نظير لها في تاريخ الأمم ".
إن إهمال هذا الجانب قد جنى على نظامنا التعليمي جناية كبيرة، وأفقده العمق والرقة والسمو، وقوة المقاومة، وصلاحية الإبداع، وإشعال القرائح وتدفقها، فأصبح نظامنا التعليمي نظاما خشبيا جامدا لا حياة فيه ولا حركة، ولا نمو فيه ولا ازدهار، وأصبحت مراكزنا الثقافية وجامعاتنا الإسلامية مراكز حياة رتيبة جامدة يسود عليها الركود، ويهيمن عليها الجمود، وتتحكم فيها القوانين واللائحات.
إن أهم نقاط الضعف التي جعلت تعليمنا يبتعد عن أصالته هو عدم اعتماد فلسفة تربوية مستمدة من فلسفتنا الحياتية الكلية لتوجيه البحث في العلوم المختلفة بنوعيها الطبيعي والإنساني، والعلاج يكمن في أسلمة هذه العلوم، وإعادة النظر في طرق البحث المستعملة في بعضها، ومن ثم يجب أن تدرس هذه العلوم بطريقة تساعد على بيان عظمة الخالق وترسيخ إيماننا به، وإحكام سيطرتنا على الطبيعة والكون واستغلال ثرواتهما.
كما أن هناك قضية أكبر ألا وهي مشكلة التغريب الثقافي الذي تتعرض له الأجيال الإسلامية، وهو تغريب ناجم عن التبعية للأجنبي في الشرق والغرب فكرا وسلوكا، وعن الانجذاب إلى ثقافته، انطلاقا من فكرة شاعت - بتأثير الثقافة الأجنبية نفسها - قوامها أن هناك نموذجا ثقافيا واحدا ووحيدا، هو النموذج الغربي، وأن كل ابتعاد عنه عجز وتخلف. إن هذا التغريب ما يزال يحول بيننا وبين أن نختار طريقنا الثقافي الإسلامي المتميز، اختيارا واعيا، وإن الخلاص منه وكسر التبعية للغرب هما اللذان يمكنانا من أن نحقق التكامل
стр. 7603
بين ثقافتنا وثقافة سوانا، من دون عقد أو خوف أو رفض عاطفي، فلك أن التضامن الحقيقي، والحوار الخصب بين الثقافات، هو الذي يتم في إطار عملها جميعها، من أجل رفض النموذج الذي يريد أن يستلبها كلها، وينفيها جميعا.
وقد عرفت البلاد العربية الأهداف الحقيقية لهذا التغريب، ولمستها لمس اليد، عن طريق تجربة الجزائر مع الاستعمار الفرنسي، فلقد استهدفت استراتيجية التغريب التي ساقها المستعمر - كما هو معروف - العزل القسري للتراث العربي الإسلامي، وطمس الهوية الثقافية الراسخة في الجزائر، والقضاء على اللغة العربية، لغة القرآن، ذلك عن طريق السعي إلى استئصال المناعة الإسلامية، والجذور الإسلامية، التي تقف وحدها عقبة كأداء في طريق بلوغ الأهداف الاستعمارية.
ومما يزيد في خطورة التغريب، والتبعية، للنموذج الحضاري الأجنبي في الغرب والشرق، أن هذا النموذج قد وصل إلى طريق مسدود، وفشل في بناء مجتمع جدير بالإنسان، وإن الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والنفسية، التي يعاني منها هذا النموذج الحضاري، التي أطنب في الحديث عنها الغربيون أنفسهم إلى فشله في علاج مشكلات العالم المتقدم نفسه، وإلى توسيعه للهوة القائمة بين البلدان المتقدمة والبلدان النامية، وتعاظم اللا مساواة بين الشعوب، واستغلال ثرواتها المادية والبشرية.
وإن الخلل الأساسي في هذا النموذج هو فشله في تحقيق التوازن بين التطهر العلمي والتكنولوجي من جانب، والتطور الإنساني الروحي من جانب آخر، بحيث جعل الإنسانية أكثر تقدما في الظاهر، دون أن يجعلها أكثر سعادة، وبحيث نأى بها عن رسالتها الحقيقية، رسالة تسخير الكون لخدمة الإنسان، ولتحقيق المزيد من إنسانيته وقيمه.
стр. 7604
إن الملجأ الحقيقي الذي يحمي الحضارة العالمية جملة - والحضارات القديمة خاصة - هو في سعي الثقافات المختلفة إلى العودة إلى فواتها، وينابيعها الأصيلة، لتبحث فيها عن طريق الخلاص وليتكون من تفاعل هذه الثقافات فيما بينها بعد ذلك طريق جديد للإنسانية جمعاء، والثقافة الإسلامية التي جعلها الدين الإسلامي شاهده على الناس رحمة للعالمين، مدعوة خاصة إلى أن تعود إلى أصولها وينابيعها، حفاظا على ذاتها، وسعيا لهداية الإنسانية، بل أن ارتباطها بهويتها هو سبيلها إلى النجاح في معارك التحرير التي تخوضها، ولا سيما مع العدو الصهيوني، ومع القوى الطامعة في خيراتها.
إن الدعوة إلى الرجوع إلى الإسلام وأسلمة المعرفة ليست مجرد دعوة إلى تراث ماض يجب الحفاظ عليه، بل هي إلى مصدر حيوي دينامي متجدد متطور على مر العصور والأزمان، ويمتلك من المرونة في قواعده العامة المتعلقة بتنظيم الحياة ما يجعله صالحا لكل زمان ومكان، فضلا عن ذلك، فإن هذا الرجوع سيكون ربطا لحاضرنا بماضينا، وتأصيلا لفكرنا الفلسفي والتربوي، وتأكيدا لشخصيتنا الثقافية والتربوية، وتحصينا لعقول أبنائنا ضد أخطار الاستشراق ودسائس أعداء الإسلام (١).
стр. 7605
الطرق والوسائل الواجب اتباعها نحو أسلمة المعرفة:
وضع منهاج للتعليم الإسلامي:
يعلم المطلعون على حقائق العلوم وفلسفة التعليم، أن للعلوم والكتب روحا وضميرا، كالكائنات الحية، وهو باطن هذه العلوم، والروح السارية في الكتب. فالعلوم التي أنشأها الإسلام، وصاغها في قالبه، قد سرت فيها روح الإيمان بالله، والتقوى والخشية لله، والفضيلة والإيمان بالآخرة والعلوم التي وضعها اليونان أو رتبوها اشتملت على خرافاتهم، وعلى روحهم الجاهلية، وكذلك العلوم التي دونتها أمم أوروبا الملحدة، والكتب التي ألفها أدباؤها وفلاسفتها، وقد سرى
стр. 7606
فيها الإلحاد والجمود، والإيمان بالماديات والمحسوسات فقط، وقلة التقدير لما لا يأتي تحت الحس والوزن، والعد والتجربة، وما لا يحصل له لذة أو نفع محسوس في الأخلاق، وسرت هذه الروح في علمهم وفلسفتهم وأدبهم وشعرهم وقصصهم وتمثيلهم.
فلا يكون من الحكمة التعليمية، ومن النصح للمسلمين نقل هذه العلوم، والكتب المؤلفة فيها إلى الشيء المسلم بروحها وضميرها، بل يجب أن تلون هذه العلوم من جديد تلوينا إسلاميا، وتؤلف فيها كتب مبتكرة، وتشيع بالروح الدينية، وتستخرج منها نتائج لا تعارض الدين، بل تؤيده وتبعث اليقين والإيمان، وهكذا يجب أن يعمل مع التاريخ والجغرافية، والعلوم الطبيعية، فلكل منها اتصال بالدين وكل منها مؤثر في الدين.
والحاصل أننا في البلاد الإسلامية في حاجة ملحة إلى نظام تعليمي إسلامي في الروح والوضع، والسبك والترتيب، لا يخلو كتاب من الكتب التي تعلم مبادئ اللغة إلى آخر كتاب يدرس في العلوم الطبيعية، أو الآداب الإنجليزية من روح الدين والإيمان، هذا إذا أردنا أن ينشأ جيل يفكر بالعقل الإسلامي، ويكتب بقلم مسلم، ويدير دفة البلاد بسيرة مسلم وخلقه، ويدير سياسة التعليم والمالية بمقدرة مسلم وبصيرة مسلم، وتكون البلاد الإسلامية إسلامية حقا في عقلها وتفكيرها، وسياستها وماليتها وتعليمها.
стр. 7607
وفيما يلي بعض المقترحات التي يمكن تبنيها في نظامنا التعليمي:
القرآن الكريم:
على التربية الاهتمام ب القرآن الكريم وجعله مادة أساسية في المنهج ، فكتاب الله العظيم الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ (١) هو أقوى شيء في
стр. 7608
تكوين العقول والأخلاق والنفوس، وهو يمد التلميذ بذخيرة لغوية تنفعه نفعا كبيرا في حياته العلمية، وبذخيرة من الأساليب التي لا يستطيع البشر الإتيان بها، وبذخيرة من العقيدة والإيمان. ولقد أثبتت البحوث التي أجرتها إدارة التعليم على الطلبة الذين يحفظون القرآن الكريم في مساجد الأحياء، أن ٩٠ % من هؤلاء الطلاب مبرزون في جميع دروسهم الأخرى بما فيها الرياضيات والعلوم والجغرافيا.
لهذا فإنه يجب على الأمة الإسلامية رعاية مراكز تحفيظ القرآن، والعمل على تعميمها بواسطة ربطها بالمساجد، وإنشاء مدارس خاصة بها، وليس تدني مستوى الخرجين في العالم الإسلامي اليوم - بصفة عامة - في اللغة والفكر، والعقيدة والسلوك والقيم والأخلاق إلا نتيجة من نتائج حرمانهم من الثقافة القرآنية في الصغر، وتقليص مراكز تحفيظ القرآن التي كانت سائدة في الأحياء والقرى كالكتاتيب والمساجد، واستبدال ذلك بآيات متناثرة على مدى التعليم قبل الجامعي تحفظ لتنسى دون نطق سليم أوفهم رشيد (١).
وإذا أريد لأجيال المسلمين القادمة أن تحفظ من الانصهار تحت وطأة التحديات المعاصرة، علينا أن نعيد لمراكز تحفيظ القرآن الكريم مجدها وانتشارها، وجعل القرآن الكريم مادة أساسية في جميع مناهج التعليم النظامي على مدى مراحله قبل الجامعي.
стр. 7609
الحديث والسيرة النبوية:
يجب أن يهتم المنهج الإسلامي بتدريس الحديث النبوي والسيرة الشريفة للمصطفى ﷺ لتعميق الإيمان، وترسيخ العقيدة في نفوس التلاميذ، باعتبار أن الحديث مكمل للقرآن ومفسر لآياته وأحكامه كما أن دراسة
стр. 7610
السيرة النبوية وما احتوت عليه من مضامين عميقة وصور شامخة للإسلام، والتي هي أجمل شيء في الوجود، التي ترقى إلى الأفئدة وتأخذ سبيلها إلى النفوس بغير شفيع ووسيط.
كما يجب أن يتضمن المنهج فصولا مختارة من تاريخ الخلفاء الراشدين والصحابة - رضوان الله عليهم - ليستشعر التلميذ تاريخ أمته، ويستلهم ما خلفوه من تراث عامر بالبطولة والعطاء، وليتصور كذلك عمق إيمانهم ومحنتهم وحسن بلائهم وجهادهم وفتوحاتهم، وزهدهم واستقامتهم. وهو تاريخ يملأ القلب إيمانا وحماسة، ويشجع على التقليد ويرتقى بإنسانية الفرد من حب الذات والأنانية إلى الإيثار والتضحية والوفاء.
стр. 7611
(٣) الاهتمام باللغة العربية:
يجب على المنهج الإسلامي العناية باللغة العربية - لغة القرآن - وجعلها مادة إجبارية في كل العالم الإسلامي؛ لأنها مفتاح فهم القرآن والدين - وهي أساس التراث ووعاء الثقافة. إن فهم اللغة العربية والحذق بها هو الطريق إلي معرفة القرآن الكريم والتعمق في أسراره وأحكامه؛ لأن عروبة القرآن (أي نزوله بلسان عربي مبين) يحتم على كل مسلم أن يعرف اللغة العربية ويتمرس بها، كما أن الإلمام بها يقود الأمة الإسلامية إلى الوحدة التي تطمح إليها.
كما أنه من واجب الدول الإسلامية دعم مراكز تعليم اللغة العربية في العالم أجمع وبين أبناء المسلمين الذين لا يحسنون التحدث بها، كذلك العمل على تنشيط وتوسيع الجهود الرامية إلى ترجمة أمهات الكتب في مختلف مجالات المعرفة، ففي عصر النهضة الإسلامية انفتحت الثقافة العربية على جميع الثقافات الأخرى دون أن تفقد شخصيتها الأصيلة، كما اهتم العرب بتعلم اللغات الأجنبية ولكنهم أصروا على أن لا يكون التعليم والبحث والكتابة بغير لغة القرآن الكريم؛ اعتزازا بإسلامهم ولغتهم وحرصا على إشاعة المعرفة وتوفيرها لجميع الأمة الإسلامية، وعدم اقتصارها على نفر ممن يعرفون اللغة الأجنبية.
стр. 7612
(٤) الاهتمام بتدريب المعلم:
تشترط التربية الإسلامية فيمن يقوم بدور المربي شروطا خاصة أهمها الصلاح والعلم والفن (أي الفهم لأساليب التربية وطرائقها وواجباتها، ولنفسية المتعلمين واستعداداتهم وملكاتهم).
فالصلاح وحده لا يصنع معلما، والعلم وحده لا يصنع مربيا، ولكن لا بد من هذه الشروط الثلاثة مجتمعة لتكوين المربي الناجح، ولا يمكن التنازل عن أي منها، وذلك لأن المربي هو الذي يعد أجيال المستقبل، وأي نقص ظاهر فيه أو في سلوكه لا بد وأن ينعكس على تلك الأجيال مضاعفا متفاقما.
ومن هنا كان من الواجب التدقيق في اختيار المعلمين وحسن إعدادهم، خاصة أولئك الذين يقومون بمهمة التربية في مراحلها الأولى حيث تشكل شخصيات الصغار.
فلا يكفي أن يكون المربي متمكنا من مادته، ملما بأحدث النظريات التربوية، محبا للعمل، بل يجب أن يكون قبل كل شيء إنسانا مؤمنا ورعا صالحا، مدركا لجسامة مسئوليته، متميزا بمحبته لطلابه وقدرته على اكتساب محبتهم وتقديرهم، وبالتالي سهولة الوصول إلى قلوبهم وعقولهم (١).
فالجهد التربوي في الإسلام هو في أساسه جهد في مجال الدعوة الإسلامية، والإعداد لإقامة المجتمع الإسلامي الأمثل والمحافظة عليه وتطويره، فإذا لم يكن المربي مؤمنا بذلك ملما بتفاصيله، ملتزما بتعاليمه، فأنى له أن يربي جيلا مؤمنا عالما ملتزما.
وبما أن عملية إعداد المعلم تعتبر جزءا لا يتجزأ من العملية التربوية، فيجب أن تكون فلسفتها وأهدافها وأسسها ومحتواها وأساليبها ووسائلها ومنهجيتها هي تلك التي تميز التربية الإسلامية المستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.
стр. 7613
أيضا يجب بذل كل تعاون في إقامة التدريب المستمر لرفع مستوى المعلم بصفة عامة، ولإعداده بصفة خاصة ليعمل في ضوء الجديد الذي ننشده للتعليم، وذلك لكي يتسنى له الفهم الصحيح، ولكي يتمكن من المعرفة المطلوبة التي تيسر له رفع مستواه العلمي والثقافي والمسلكي بالقدر الكافي المتطور، الذي يستطيع أن يغذي النشء بأسلوب يساير روح العصر ويتفق معه، فالمعلم هو الأداة الحقة التي ينفذ بها المنهج المقترح، وإعداده بالمفهوم الجديد لنهجنا هو الخطوة الأولى لضمان تنفيذه بنجاح، وأن لا تقتصر دراسة من يتخصصون في مواد الدين على هذه المواد وحدها، بل يجب أن تمتد هذه الدراسة إلى الإحاطة بالعلوم الحديثة وهضمها، إذ بذلك يمكننا تطبيق واقعية الارتباط القائم بين مفاهيم إسلامنا، وهذه العلوم الحديثة، وبذلك يصبح المتخصصون في هذه المواد قادرين أن يحكموا على كل مفهوم حديث بما يتبين لهم نتيجة لهذه الدراسة بعد تفكير تحليلي وبحث منطقي، كما أن يكون في توجيه إعداد مدرسي المواد الحديثة قدر يمكنهم من تفهم مواد الدين؛ لكي يستشعروا قدرة الله في ظواهر الكون والحياة، وأن يعرفوا أن العلم يقود للإيمان وأن يغرسوا هذا المفهوم في طلابهم كي يتعودوه وينشأوا عليه ويعملوا وفقا لمنهجهم.
стр. 7614
(٥) إزالة الازدواج التعليمي:
إن عملية تقسيم التربية إلى دينية ودنيوية قد انتقلت عدواه إلى بلاد المسلمين من النظم التربوية العلمانية، فالإسلام إضافة إلى اهتمامه الزائد بالتخصص في الدراسات الإسلامية إلا أنه في تاريخه الطويل لم يعرف هذا الازدواج التعليمي، ولم يهمل أي جانب من جوانب المعرفة الإنسانية، وهذا هو سر ما نراه من معرفة تامة بعلوم الدين لدى علماء الطبيعة والكيمياء والطب والجغرافيا وتاريخ المسلمين.
والفصل بين المعارف إلى دينية ودنيوية قد عزل العلوم الدينية عن ركب الحياة ومشاكلها وتطورها، مما زهد الناس فيها ودعاهم إلى هجرها، كما عزل العلوم الدنيوية عن الحكمة وجعلها تدور في الأطر المادية للأشياء فقط. إنه لا يمكن
стр. 7615
رفض المعارف فهي تراث الإنسانية كلها ووسيلتها إلى عمران الحياة على الأرض، وأيضا لا يمكن فرضها بصورتها الحالية التي تنطلق من منطلق إلحادي منكر وأسس علمانية صرفة.
والحل يكمن في أن تقوم جميع مؤسسات التعليم في العالم الإسلامي على تحرير التعليم في كل مراحله من آثار التبعية الفكرية والثقافية، بتكوين هيئات ومراكز بحث وتخطيط توفر لها ما تحتاج إليه في ميدان إعادة صياغة المناهج، بما يعيد إليها إسلاميتها ويكفل لها البعد عن العلمانية والإلحاد.
كذلك إيجاد التقارب بين العلماء الشرعيين والعلماء الطبيعيين، والعمل على إعادة فحص شاملة للثقافة الإسلامية؛ لإدراكها وامتصاصها والتكامل معها بغية تحقيق هذا الأمل في أسلمة المعارف العلمية والفلسفية.
стр. 7616
(٦) ترشيد ابتعاث أبناء المسلمين إلى الخارج:
إن التوسع الهائل في ابتعاث شبابنا إلى الخارج بدون ضوابط وضمانات قد تهدر القيمة الأساسية المرجوة من ورائه، إن طلب العلم فرض واجب على كل مسلم ومسلمة والحكمة ضالة المسلم، فحيث وجدها فهو أحق بها، غير أن هناك تخوفا من فتنة طلاب البعثات في البلاد الخارجية خصوصا لدى الطلاب المتخرجين حديثا من المرحلة الثانوية.
ولكي لا يهزم الهدف الأساسي لمبدأ الابتعاث يجب أن يقتصر ابتعاث الطلاب على المجالات العلمية غير المتوفرة في العالم الإسلامي، مع حسن اختيار العناصر الصالحة من الطلاب فكرا وسلوكا وعقيدة، كذلك ضرورة توفير مجالات الدراسات الإسلامية والعربية في جميع الجامعات الإسلامية، والحد من إرسال البعثات إلى الخارج في مثل هذه التخصصات.
стр. 7617
(٧) تدعيم مراكز البحث العلمي:
التوسع في إنشاء مراكز البحث العلمي والمعاهد والمؤسسات التعليمية
стр. 7618
الإسلامية في العالم الإسلامي وخارجه، والحث على إنشاء المزيد منها بحيث تقوم هذه المراكز والمؤسسات، بتحقيق حاجة العاملين في المنظمات الإسلامية مع كشف خطط أعداء الإسلام، وتزويد الحركة الإسلامية بالخطط والوسائل اللازمة لمقاومتهم.
كما أنه يجب توجيه الرسائل العلمية التي تسجل في الجامعات الإسلامية لدراسة الفكر التربوي الإسلامي والإسلام وتحديات العصر، وإذا نجحت الدول الإسلامية في إعداد الباحثين الذين يعرفون كيف يتناولون تراثنا التربوي، وكيف يعالجونه، وكيف يتعاملون معه، وكيف يستفيدون منه، فسنكون - ولا شك - قد فتحنا الباب على مصراعيه نحو مستقبل نستطيع أن نتعامل فيه مع الأفكار التربوية الأجنبية دون ما خوف من أن ننقلها - كما نفعل اليوم - إلى نظم التعليم الإسلامية؛ لأنها في هذه الحالة ستعرف طريقها إلى التأقلم والتكيف - وفق - فلسفة إسلامية تخدم مجتمعا مسلما ناهضا عرف قدر نفسه فعرف الآخرون قدره.
стр. 7619
ملخص البحث:
إن مسألة التعليم في البلاد الإسلامية مسألة مستقلة بذاتها؛ لأن الأمة الإسلامية أمة خاصة في طبيعتها ووصفها وهي أمة ذات مبدأ وعقيدة ورسالة ودعوة، فيجب أن يكون تعليمها خاضعا لهذا المبدأ وهذه العقيدة، وكل تعليم لا يؤدي هذا الواجب أو يغدر بذمته فليس هو التعليم الإسلامي، بل هو التعليم الأجنبي، وليس هو البناء والتعمير بل هو الهدم والتخريب.
إنه لمما يؤسف أن غالبية النظام التعليمي السائد في معظم البلدان الإسلامية نظام متوارث عن عهود الاستعمار ولا يزال يستمد أفكاره ويعالج موضوعاته من وجهة نظر غربية صرفة، لا تشير من بعيد أو قريب إلى الفكر الإسلامي أو إلى علمائه، فما تأثير هذا على طلابنا وموجهي التربية في بلادنا.
وهذا البحث يتطرق إلى وصف طبيعة وواقع النظام التعليمي في البلاد الإسلامية، ومدى ملاءمته للعقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي، والتعرف على الأسباب التي أدت إلى وجود مثل هذا النظام.
وكذلك يتعرض البحث إلى الحضارة الغربية وموقفها من الإنسانية، وتأثير ذلك على طبيعة الأنظمة التعليمية الإسلامية إن هي أخذت مبادئ الحضارة الغربية وطبقتها.
وفي الختام يحاول الباحث إيراد أهمية المنهج الإسلامي وضرورة وجود فلسفة تربوية إسلامية تتضمن جميع المواد الدراسية، وأسلمة المعارف التي ترد إلى العالم الإسلامي من الغرب، وذلك بترجمتها واختيار الأفضل منها، واستبعاد الشاذ والغريب وما لا يلائم عقيدتنا وإسلامنا، وقد تضمن الختام عدة توصيات مقترحة نحو أسلمة المعرفة في العالم الإسلامي بجعلها عين الاعتبار في المنهج الإسلامي وهي كالآتي:
стр. 7620
١ - الاهتمام بالقرآن الكريم.
٢ - الاهتمام بالحديث والسيرة.
٣ - الاهتمام باللغة العربية.
٤ - الاهتمام بتدريب المعلم.
٥ - إزالة الازدواج التعليمي.
٦ - ترشيد ابتعاث أبناء المسلمين إلى الخارج.
٧ - تدعيم مراكز البحث العلمي.
стр. 7621
Abstract
Islamic World has it، s own unique educationl system، in its nature and quality. Islamic Education should maintain the principles of Islam which it would lead to fulfill the needs and philosophy of Moslim. If the Islamic Education system is not taking these principles into consideration، then this would guide the society to the wrong direction ; by changing the aims and goals of the Islamic teaching. Islamic belief، thoughts and philosophy are considered to be the corner stone in the Islamic Educational Sustem. Unfortunately، the majority of Moslim World was colonized andover - run for along period of time، by different out side powers. usually، the occupiers would try to spread their ideas and philosophy through the educational system.
In this article، the researcher will discuss the Islamic Educational System، showing its advantage to people. He will discuss the Western Educational system and its influences over the society and how it effects the educational system as a whole.
The researcher will summerize the effectiveness and accuarcy of the Islamic Educational System to the Muslim People. He suggested the following ideas which it would comply with the Islamic curriculim:
١. Consideration of the Quran.
٢. Consideration of Al-Hadeeth.
٣. Consideration of the Arabic Language.
٤. Training teachers.
٥. Avoid imitating non-Islamic Systems.
٦. Establishing research ceters.
стр. 7622
مكتبة الأمويين
الدكتور محمد إبراهيم زغروت.
ولد عام ١٩٤٣ م في مدينة فاقوس إحدى مدن محافظة الشرقية بجمهورية مصر العربية، وتلقى تعليمه الإعدادي والثانوي بها.
تلقى تعليمه العالي في كلية دار العلوم جامعة القاهرة وتخرج فيها عام ١٩٧٠ م ثم عمل مدرسا للغة العربية والتربية الدينية في المدارس الثانوية بمصر.
حصل على ماجستير في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية عام ١٩٨١ م، وعمل محاضرا للتاريخ الإسلامي والعسكري في كلية الطيران والدفاع الجوى بصنعاء.
حصل على درجة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بمرتبة الشرف الأولى من كلية دار العلوم، ويعمل الآن في وظيفة أستاذ مساعد للثقافة الإسلامية بكلية الملك خالد العسكرية بالرياض.
أما من حيث الإنتاج العلمي فإن للكاتب مجموعة من الأبحاث والمقالات قد نشرت في مجلات المملكة العربية السعودية، كمجلة الدارة، ومجلة التوعية الإسلامية في الحج، ومجلة الجندي المسلم، ومجلة الدفاع التي تصدر من وزارة الدفاع، ومجلة كلية الملك خالد العسكرية، وما زالت لدى الكاتب مجموعة من الأبحاث التي لم تنشر، وبعض الكتب تحت الطبع الآن.
стр. 7623
مكتبة الأمويين الإسلامية في قرطبة وتأثيرها الفكري في شعوب غرب أوربا
الدكتور محمد إبراهيم زغروت
стр. 7624
مقدمة عامة
:
إن التأريخ للمكتبات الإسلامية تأريخ للفكر الإسلامي طوال حقبه المختلفة، وذلك لأن الدور الذي لعبته المكتبات في تاريخ الحضارة ولا سيما في القرن الرابع الهجري جد وخطير، فقد قامت هذه المكتبات بنشر الثقافة الإسلامية وتوطيد الصلات العلمية بين المسلمين وغيرهم من شعوب أوروبا، فقد امتدت إشعاعات هذه المكتبات لتبدد دياجير الجهل التي رانت على عقول أهل هذه القارة خلال القرون الوسطى، مما كان لها أكبر الأثر في بناء الفكر الأوربي وتوجيهه وجهة حضارية، ما زال الأوروبيون إلى اليوم ينعمون بجني ثمارها.
وتشير روايات التاريخ الأندلسي إبان تلك الحقبة التاريخية أن مكتبة كبرى قد تكونت في قرطبة في عهدي الخليفتين عبد الرحمن الناصر الأموي وابنه الحكم المستنصر، قد ضارعت في عظمتها وتأثيرها الثقافي أشهر مكتبات ذلك العصر في بغداد والإسكندرية والقيروان وغيرها من مكتبات، وقد حظيت هذه المكتبة باعتناء الأمراء والخلفاء من بني أمية، فكانوا يشجعون العلماء والأدباء وأرباب الفكر في أي مكان، ويغدقون عليهم العطايا والهبات حتى تم لهم استقطاب كل حركة علمية أو فكرية بزغت في أي بلد من البلدان وشجعوا أهلها في الهجرة إلى
стр. 7625
الأندلس حتى غدت قرطبة خلال هذه الفترة مهرجانا علميا وثقافيا كبيرا يموج بالعلماء والأدباء والمفكرين في شتى المجالات.
فلا غرو إذا أن تحظى مكتبة الأمويين بدراسة موضوعية جادة توضح الأثر الحضاري الذي لعبته في ازدهار الحضارة التي نعم بها مسلمو الأندلس وفاضت بخيرها على شعوب أوربا، متخطية كل الحواجز المكانية والعنصرية لتمديد العون لهذه الشعوب، وتزيد من حصيلة إبداعها الفكري وتنشطه، وتساهم بدورها الإنساني الفريد في دفع حركة التقدم الحضاري لشعوب الأرض والتي لا سبيل لها سوى نشر المعرفة وتنمية الصلات العلمية والودية بين الأمم والشعوب.
ومن هذا المنطلق انفتحت نوافذ الفكر الإسلامي في الأندلس أمام الشعوب الأوروبية، وأقبل طلاب العلم وعشاق المعرفة للاغتراف من معينه والنهل من موارده التي لا تنضب، وبدأت عملية الاحتكاك الثقافي والعلمي في أجمل صورها، وتعددت وسائل التأثير والنقل العلمي في شتى مجالات العلم والمعرفة.
وكان لهذا الاحتكاك الثقافي والتأثر العلمي بثقافة المسلمين الراقية آثاره الواضحة، والتي يمكن رصدها في تاريخ الفكر الأسباني خاصة، والفكري الأوربي عامة حتى وقتنا الحالي، وقد اعترف المنصفون من المفكرين والباحثين الأسبان وغيرهم بهذه الحقيقة التي لا مراء فيها.
وقد اشتمل هذا البحث على مقدمة عامة، وثلاثة مباحث وخاتمة على النحو التالي:
المبحث الأول: نشأة المكتبة وتطورها.
المبحث الثاني: تنظيم المكتبة ويضم:
(أ) قسم الترجمة. (ب) قسم التدقيق. (ج) قسم الوراقين. (د) قسم الفهرسة. (هـ) قسم التأليف:
١ - برمجة التأليف. ٢ - المنهج العلمي في التأليف.
المبحث الثالث: أثر المكتبة الفكري في شعوب غرب أوربا.
الخاتمة.
стр. 7626
المبحث الأول: نشأة المكتبة وتطورها
:
اشتهرت الأسرة الأموية بحبها للعلم وإكبارها للعلماء، ويظهر ذلك واضحا منذ أن وطئت أقدامهم أرض الأندلس، فكان عبد الرحمن الداخل (١٣٨ هـ ٧٥٦ م) - وهو أول أمير أموي - معروفا باتساع ثقافته وحسن قريضه للشعر وتقربه من العلماء، وقد اتخذ من قرطبة دارا لإمارته وقام بتجميلها وإحاطتها بسور كبير، وشيد بها المباني الضخمة والحمامات والفنادق، وانبنى بظاهرها قصر الرصافة (١) وبرزت قرطبة بدورها الحضاري وغشيها العلماء والأدباء من كل بلد.
ونهج الأمراء الأمويون من بعده نفس النهج في عنايتهم بالعلم والأدب ونشر الثقافة الإسلامية بين شعوبهم، فقد أشار ابن سعيد إلى أن مكتبة كبرى للأمويين أسست في قرطبة في عهد الأمير عبد الرحمن بن الحكم " الأوسط " (٢٠٦ هـ - ٨٢١ م) وقد زودها بكتب كثيرة اشتراها من المشرق الإسلامي (٢)، وعلى ما يبدو أن هذه المكتبة كانت النواة الأولى لمكتبة الخلافة الأموية الكبرى في قرطبة، والتي تألقت في القرن الرابع الهجري.
ولا غرو أن تتألق مكتبة الأمويين في هذه الحقبة التاريخية ويبرز دورها الحضاري واضحا، وقد أولاها الخليفة عبد الرحمن الناصر وابنه الحكم جل اهتمامهما وعظيم رعايتهما، فإن شغفهما الكبير بجمع الكتب قد طبقت الآفاق ووصلت إلى مسامع الناس في كل مكان. فها هو الإمبراطور " قسطنطين " السابع حاكم بيزنطة لم يجد شيئا يتقرب به إلى قلب الناصر حينما عزم على عقد معاهدة معه سوى أن يهديه كتابا جديدا لم يعرفه من قبل، وهو كتاب " ديوسقوريدس " في الطب، وجاءت رسله إلى قرطبة تحمل ذلك الكتاب في مجلد جميل مكتوبا باللغة الإغريقية، وقد ذهبت حروفه، وزينت صفحاته بالرسوم الجميلة لبعض النباتات والأشجار التي ورد ذكرها في الكتاب، ولم يكتف إمبراطور بيزنطة بذلك، بل أوفد بعد ذلك " نقولا الراهب " ليقوم بترجمته من اللغة الإغريقية إلى اللغة العربية (٣).
стр. 7627
وإذا كان هذا هو شأن الناصر، فإن ابنه الحكم لم يكن أقل منه شأنا في هذا الصدد، فقد بلغ حرصه على اقتناء الكتب أنه كان يبذل جهدا كبيرا في الحصول عليها أو شرائها قبل أن تظهر أو تشيع في مواطنها ". . . وكان يبعث في الكتب إلى الأقطار رجالا من التجار، ويسرب إليهم الأموال لشرائها حتى جلب منها إلى الأندلس ما لم يعهدوه " (١) وقد أرسل إليه رجاله الذين بعثهم إلى المشرق لاقتناء الكتب أن أبا الفرج الأصفهاني قد أوشك أن ينتهي من تأليف كتابه " الأغاني " فبعث إليه ألف دينار من الذهب، وحصل منه على نسخة مبكرة من ذلك الكتاب قبل أن يشيع في العراق (٢).
وقد أثمرت جهود الحكم عن تكوين مكتبة كبرى لم يحفل بمثلها حاكم من قبل، حيث غصت خزائنها بالعديد من الكتب النادرة، يقول في وصفها ابن حزم: " أخبرني بكية الخصي - وكان على خزانة العلوم والكتب بدار بني مروان - أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين فقط، وأقام للعلم والعلماء سلطانا نفقت فيها بضائعه من كل قطر " (٣).
ولم تقتصر همة هذا الخليفة على جمع الكتب فقط، وإنما كان على قدر كبير من الفهم والإدراك لما تحتويه من معلومات وأفكار، وكان يقضي أغلب وقته في القراءة والاطلاع، وقد ضاقت بها خزائن مكتبته، واستغرق نقلها ستة أشهر (٤).
والغريب أنه لا يقوم بقراءة هذه الكتب فحسب، وإنما كان يعلق على كل كتاب يقرأه بخط يده، ويدلي فيه برأيه، وكان يكتب عليه اسم صاحبه وكنايته وألقابه ونسبه ومولده ووفاته، وما يستتبع ذلك من غرائب وحكايات صادفت المؤلف في حياته (٥).
وهواية جمع الكتب واقتنائها لم تكن وقفا على الأمراء والخلفاء والأمويين على نحو ما وضحنا، وإنما كانت هواية قد تأصلت أيضا في نفس الشعب الأندلسي قبل حكامه، حتى صارت عندهم من علامات الرفعة والسؤدد، لا يستغني الرجل منهم عن تأسيس مكتبة في بيته حتى وإن لم يكن على قدر من المعرفة
стр. 7628
فكل همه أن يقال عنه: فلان عنده خزانة كتب، والكتاب الفلاني ليس عند أحد غيره، والكتاب الذي بخط فلان قد تحصل عليه وظفر به، ولعل في القصة التي رواها المقري نقلا عن الحضرمي الذي غشى سوق الكتب في قرطبة لشراء أحد الكتب ما يؤكد هذه الهواية: " قال الحضرمي: أقمت بقرطبة ولازمت سوق كتبها مدة أترقب فيه وقوع كتاب لي بطلبه اعتناء، إلى أن وقع وهو بخط فصيح وتفسير مليح، ففرحت به أشد الفرح، فجعلت أزيد في ثمنه، فيرجع إلى المنادي بالزيادة إلى أن بلغ فوق حده، فقلت له: يا هذا. . . أرني من يزيد في هذا الكتاب حتى بلغه إلى ما يساوي، قال: فأراني شخصا عليه لباس رئاسة، فدنوت منه وقلت له: أعز الله سيدنا الفقيه، إن كان لك غرض في هذا الكتاب تركته لك، فقد بلغت به الزيادة بيننا فوق حده، قال: فقال لي: لست بفقيه، ولا أدري ما فيه، ولكني أقمت خزانة كتب، واحتفلت فيها لأتجمل بها بين أعيان البلد، وبقي فيها موضع يساوي هذا الكتاب، فلما رأيته حسن الخط جيد التجليد استحسنته، ولم أبال بما أزيد فيه، والحمد لله على ما أنعم به من الرزق فهو كثير. قال الحضرمي: فأحرجني وحملني على أن قلت له: نعم لا يكون الرزق كثيرا إلا عند مثلك " يعطى الجوز لمن لا أسنان له " وأنا الذي أعلم ما في هذا الكتاب وأطلب الانتفاع به يكون الرزق عندي قليلا، وتحول قلة ما بيدي بيني وبينه (١).
تلك هي هواية جمع الكتب التي تمكنت في قلوب الأندلسيين، وكان لها أكبر الأثر في نشر الثقافة الإسلامية ومحو أمية الكثيرين منهم، ويقول " دوزى ": إن أغلب الناس في الأندلس خلال القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي أصبحوا قادرين على القراءة والكتابة (٢).
ولكن الأحداث التي توالت على الخلافة الأموية بعد عهد المستنصر قد أثرت على هذه المكتبة تأثيرا بالغا، حيث قام المنصور بن أبي عامر بحرق كتب الفلسفة والفلك ليرضي فقهاء الأندلس ويكسب تأييدهم له (٣)، وحين قضي على خلافة بني أمية وزال ملكهم وتوزعت الأندلس إلى دويلات، وبدأ ما عرف في التاريخ بعصر الطوائف، بيعت تلك المكتبة وتوزعت كتبها في دويلات الأندلس القائمة آنذاك (٤).
стр. 7629
وعلى الرغم من مرارة هذه الأحداث التي أودت بمكتبة الأمويين في قرطبة، فإن هواية جمع الكتب والنهضة العلمية والأدبية التي نماها الخليفة الناصر وابنه الحكم لم تتوقف، فقد انتهى الحال بهذه المكتبة إلى أيدي عشاق الكتب، وانتهى بها المطاف إلى خزائنهم في إشبيلية والمرية وبطليوس وطليطلة وسرقسطة وبلنسية وغيرها من أمراء الطوائف الذين عبروا عن هويتهم العلمية والأدبية، وكانوا سببا في تعدد المكتبات الخاصة في بلاد الأندلس، حيث كثر هواة الكتب وراجت تجارة الوراقة، ويكفي أن نضرب لذلك مثلا واحدا، فقد ذكر المؤرخون أن الوزير أحمد بن عباس جمع في مكتبته بالمرية وحدها ما يزيد على الأربعمائة ألف كتاب، فضلا عن الرسائل والكراسات (١).
ونخلص من هذا السرد التاريخي لمكتبة الأمويين في قرطبة أنها قامت بدورها الحضاري في نشر الثقافة الإسلامية إبان القرن الرابع، وظل تأثيرها في تحبيب الأندلسيين لجمع الكتب واقتنائها وحفظ التراث العربي والإسلامي باقيا، حتى بعد انتهاء عصر خلافة بني أمية وزوال مكتبتهم في قرطبة، حيث بدأ ملوك الطوائف يقلدون الخلفاء الأمويين في تعلقهم بالعلم والعلماء، وتشجيع الكتاب والمؤلفين، وجمع الكتب النادرة، وإقامة المكتبات الخاصة بحواضرهم والتي تليق بجلال القدر وأبهة الحكم في عواصمهم، ففي الوقت الذي انعدمت فيه مركزية الحكم، تعددت المكتبات الكبرى بتعدد الدويلات التي أقامتها ملوك الطوائف، وحوت خزائنهم الآلاف من المجلدات والمخطوطات النادرة في شتى فروع العلم والمعرفة، وظلت هواية جمع الكتب التي وضع أساسها الخليفة الناصر متمكنة في نفوس الناس بالأندلس طوال حكم المسلمين بها إلى أن استولى الملك فرناندو على غرناطة - آخر معقل إسلامي في الأندلس - وفي عام ١٤٩٢م أصدر أمره بجمع المخطوطات الإسلامية من أيدي المسلمين، وجمع منها وقتذاك مليونين من المخطوطات وتم إحراقها في ميدان باب الرملة في غرناطة على مشهد ومرأى من الجماهير.
стр. 7630
المبحث الثاني: تنظيم المكتبة:
كانت مكتبة الأمويين في قرطبة دارا علمية بمعنى الكلمة، فلم تكن مجرد دار لخزن الكتب وفهرستها على نحو ما هو مألوف الآن فقط، وإنما نظمت تنظيما دقيقا لتوفر الغاية المرجوة منها، وقد أقيمت هذه المكتبة بقصر الخلافة في قرطبة (١). وإن كانت المصادر التي وقعت بين أيدينا لم تمدنا بمعلومات وافية عن وصف بناء المكتبة، إلا أنه من المرجح أن بناءها قد لقي عناية فائقة من الناصر الذي عني بقصر قرطبة عناية عظيمة، حتى قيل إنه لم يبق فيه (بنية إلا وله فيها أثر محدث إما بتجديد أو بتزييد) (٢) وحسبك ببناء يتسع لأربعمائة ألف كتاب فكيف يكون اتساعه وعدد حجراته؟ لقد كانت عدد غرف مكتبة الخلفاء الفاطميين أربعين غرفة في قصورهم الداخلية (٣) فمن المحتمل أن تكون عدد غرف مكتبة الأمويين في قصر الخلافة مساويا له إن لم يفقه عددا، وقد زودت بالبسط والسجاجيد والستائر والمقاعد، ونظمت حجراتها على نحو يكفل الراحة لروادها، فكانت هناك غرفا للمطالعة وأخرى من أجل المناظرات والاجتماعات والبحث، ومخازن خاصة لخزن الكتب قد أعدت إعدادا خاصا، ونوعا آخر من الغرف تضم الهيئات العاملة في المكتبة عن النساخين والرسامين والخطاطين والمترجمين والمدققين. وغيرهم، وقد زودت هذه الحجرات بما يلزم العاملين من أحبار وأوراق وأدوات كتابية وأصماغ وأصباغ. ولعل في وصف المقري لمكتبة الحكم وإن كان مختصرا ما يعضد وصفنا لها: " وقد جمع في قصره الحذاق في صناعة النسخ والمهرة في الضبط والإجادة في التجليد فأوعى في ذلك كله. . " (٤) وسوف نقوم الآن بوصف سريع لأهم أقسام المكتبة لنقف على كيفية إعداد الكتب فيها.
стр. 7631
(أ) قسم الترجمة .
يضم هذا القسم أعدادا كبيرة من المترجمين المجيدين للغات الإغريقية
стр. 7632
واللاتينية والأسبانية وغيرها، وكان أغلبهم من النصارى والصقالبة واليهود، وقليل من المسلمين، نذكر منهم: عبد الله الصقلي، ومحمد النباتي، والبسياسي، وأبا عثمان الخزار الملقب باليابسة، ومحمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم، وحسداي بن شبروط (١)، وقد ساهمت هذه المجموعة في ترجمة كتاب الطب الذي أهداه إمبراطور الروم إلى الخليفة الناصر والذي سبق الحديث عنه، وكان الخلفاء الأمويون يعتنون بهذا القسم أشد الاعتناء، يجزلون العطاء للعاملين فيه مما ساعد على ترجمة العديد من الكتب الإغريقية في مجالات الطب والهندسة والفلسفة والفلك وغير ذلك في مجالات العلوم المختلفة.
стр. 7633
(ب) قسم التدقيق والمراجعة .
يعمل في هذا القسم نخبة من العلماء المعروفين بغزارة علمهم ودقة استنباطهم وحذقهم في القياس، والضاربين بقسط وافر في اللغة والأدب وعلوم الدين وعلوم الحياة، كل حسب تخصصه ومواهبه، وكانت مهمة هذا القسم مراجعة الكتب وتصحيحها والتعليق عليها بعد نقدها وتفنيدها، نذكر منهم: الرباجي محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي النحوي، وكان ضليعا في علم النحو، وقد استأدبه الخليفة الناصر على ابنه المغيرة، وفي عهد الحكم زاول مهنة المراجعة والتدقيق في مكتبته وأوسع له هذا الخليفة في الجراية والعطاء (١).
ومن المدققين أيضا محمد بن أبي الحسين الفهري القرطبي، ومحمد بن معمر الجياني، وكانا خبيرين في النحو وعلم اللغة، وقد كلفهما الحكم بتدقيق وتهذيب ما لم يهذبه أبو علي القالي من كتابه " البارع في اللغة " حيث قام المؤلف بتصحيح كتاب الهمزة وكتاب العين، ثم توليا المدققان الباقي منه بالتصحيح والتهذيب، ولما اكتمل الكتاب، خرج بخط فصيح في مائة وأربعة وستين جزءا وعدد أوراقها أربع آلاف وأربع مائة وست وأربعون ورقة، ورفعاه إلى الحكم المستنصر الذي قام هو أيضا بالمقابلة بينه وبين كتاب العين للخليل بن أحمد، وأضاف عليه إضافات أخرى (٢).
стр. 7634
(جـ) قسم الوراقين
يضم هذا للقسم مجموعات كبيرة من الوراقين الذين يقومون بنسخ الكتب وتزيينها بالصور وتجليدها ثم عرضها في المكتبة، نذكر منهم الأديب اللغوي محمد بن أبي الحسين الفهري، وعباس بن عمرو بن هارون الصقلي، الذي عينه الحكم وراقا في مكتبته، وكان يأنس إليه كثيرا ويوسع له في الرزق (١).
ومما ساعد على ظهور مهنة الوراقة هذه والتي لعبت دورا بارزا في تكوين مكتبة الأمويين ظهور الورق وانتشاره في الأندلس، حيث تأسس أول مصنع لصناعة الورق عام ٩٥٠ م في مدينة شاطبة ينتج جمع أنواع الورق بما فيها الأبيض والملون (٢) والذي ساعد بطبيعة الحال على تأليف الكتب، وسهل تداولها بين الناس، جعل أهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة (٣).
وأعمال النسخ من الأعمال الأساسية للوراقين، وقد أعدت لهم غرف خاصة، زودت بمستلزمات النسخ من مقاعد ومحابر وأقلام وأوراق، ويشترط فيمن يمتهن مهنة النسخ جودة الخط ووضوحه وصحته، وأن يكون على حظ كبير من المعرفة والثقافة، حاضر الذهن يقظا متنبها لما يكتب، معروفا بالأمانة والصدق بين الناس.
وطريقة النسخ المتبعة غالبا أن يقوم الناسخ بنسخ المخطوط مباشرة من مخطوط آخر أمامه، فإذا انتهى من نسخه يدفعه إلى قسم المراجعة والتدقيق للتأكد من صحة ما نسخ، وإذا ما طلب أكثر من نسخة كان يجلس مجموعة من النساخ بعدد النسخ المطلوبة، ويملي عليهم شخص آخر من المخطوط المراد نسخه، ثم تدفع النسخ جميعها للمراجعة والتدقيق (٤).
فإذا ما انتهى النساخ من عملهم تمر الكتب على قسم الزخرفة لتزيين صفحاتها وتحليتها بالذهب والفضة وبعض الرسومات الجميلة، ثم تمر بعد ذلك إلى قسم التجليد ليبطن بعضها بالديباج والحرير، ثم تجلد بالأدم الجيد المجلوب من مدينة مالقة بالأندلس، والتي كانت من أكبر مراكز صناعة الجلود الفاخرة والتجليد الممتاز (٥).
стр. 7635
(د) قسم الفهرسة .
يقوم هذا القسم بفهرسة الكتب التي في المخازن وتصنيفها وتنظيمها حتى يسهل تناولها واستعمالها، وقد كانت مكتبة الأمويين مرتبة حسب المواضيع، فقد كان لكل موضوع فهارسه الخاصة، وهو نظام قريب من الفهرسة الموضوعية السائدة الآن في بعض المكتبات، ويتميز هذا النوع من الفهرسة بالسهولة وسرعة حصر محتويات المكتبة، فهي مكتوبة في مجلدات تستعمل كالكتب يمكن الرجوع إليها بسهولة، فلا غرو أن يرد في بعض الروايات العربية حصرا لأمهات الكتب في مكتبة الحكم، فيروي المقري نقلا عن ابن حزم (أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين). وهذه الفهارس هي على ما يبدو فهارس الدواوين الشعرية، فكيف يكون إذن سائر الموضوعات من فلسفة وعلوم دينية ونحوية وتاريخية وطبية وعلمية. . إلخ؟.