(أ) قسم الترجمة .
يضم هذا القسم أعدادا كبيرة من المترجمين المجيدين للغات الإغريقية
стр. 7632
واللاتينية والأسبانية وغيرها، وكان أغلبهم من النصارى والصقالبة واليهود، وقليل من المسلمين، نذكر منهم: عبد الله الصقلي، ومحمد النباتي، والبسياسي، وأبا عثمان الخزار الملقب باليابسة، ومحمد بن سعيد، وعبد الرحمن بن إسحاق بن الهيثم، وحسداي بن شبروط (١)، وقد ساهمت هذه المجموعة في ترجمة كتاب الطب الذي أهداه إمبراطور الروم إلى الخليفة الناصر والذي سبق الحديث عنه، وكان الخلفاء الأمويون يعتنون بهذا القسم أشد الاعتناء، يجزلون العطاء للعاملين فيه مما ساعد على ترجمة العديد من الكتب الإغريقية في مجالات الطب والهندسة والفلسفة والفلك وغير ذلك في مجالات العلوم المختلفة.
стр. 7633
(ب) قسم التدقيق والمراجعة .
يعمل في هذا القسم نخبة من العلماء المعروفين بغزارة علمهم ودقة استنباطهم وحذقهم في القياس، والضاربين بقسط وافر في اللغة والأدب وعلوم الدين وعلوم الحياة، كل حسب تخصصه ومواهبه، وكانت مهمة هذا القسم مراجعة الكتب وتصحيحها والتعليق عليها بعد نقدها وتفنيدها، نذكر منهم: الرباجي محمد بن يحيى بن عبد السلام الأزدي النحوي، وكان ضليعا في علم النحو، وقد استأدبه الخليفة الناصر على ابنه المغيرة، وفي عهد الحكم زاول مهنة المراجعة والتدقيق في مكتبته وأوسع له هذا الخليفة في الجراية والعطاء (١).
ومن المدققين أيضا محمد بن أبي الحسين الفهري القرطبي، ومحمد بن معمر الجياني، وكانا خبيرين في النحو وعلم اللغة، وقد كلفهما الحكم بتدقيق وتهذيب ما لم يهذبه أبو علي القالي من كتابه " البارع في اللغة " حيث قام المؤلف بتصحيح كتاب الهمزة وكتاب العين، ثم توليا المدققان الباقي منه بالتصحيح والتهذيب، ولما اكتمل الكتاب، خرج بخط فصيح في مائة وأربعة وستين جزءا وعدد أوراقها أربع آلاف وأربع مائة وست وأربعون ورقة، ورفعاه إلى الحكم المستنصر الذي قام هو أيضا بالمقابلة بينه وبين كتاب العين للخليل بن أحمد، وأضاف عليه إضافات أخرى (٢).
стр. 7634
(جـ) قسم الوراقين
يضم هذا للقسم مجموعات كبيرة من الوراقين الذين يقومون بنسخ الكتب وتزيينها بالصور وتجليدها ثم عرضها في المكتبة، نذكر منهم الأديب اللغوي محمد بن أبي الحسين الفهري، وعباس بن عمرو بن هارون الصقلي، الذي عينه الحكم وراقا في مكتبته، وكان يأنس إليه كثيرا ويوسع له في الرزق (١).
ومما ساعد على ظهور مهنة الوراقة هذه والتي لعبت دورا بارزا في تكوين مكتبة الأمويين ظهور الورق وانتشاره في الأندلس، حيث تأسس أول مصنع لصناعة الورق عام ٩٥٠ م في مدينة شاطبة ينتج جمع أنواع الورق بما فيها الأبيض والملون (٢) والذي ساعد بطبيعة الحال على تأليف الكتب، وسهل تداولها بين الناس، جعل أهل الأندلس أحذق الناس في الوراقة (٣).
وأعمال النسخ من الأعمال الأساسية للوراقين، وقد أعدت لهم غرف خاصة، زودت بمستلزمات النسخ من مقاعد ومحابر وأقلام وأوراق، ويشترط فيمن يمتهن مهنة النسخ جودة الخط ووضوحه وصحته، وأن يكون على حظ كبير من المعرفة والثقافة، حاضر الذهن يقظا متنبها لما يكتب، معروفا بالأمانة والصدق بين الناس.
وطريقة النسخ المتبعة غالبا أن يقوم الناسخ بنسخ المخطوط مباشرة من مخطوط آخر أمامه، فإذا انتهى من نسخه يدفعه إلى قسم المراجعة والتدقيق للتأكد من صحة ما نسخ، وإذا ما طلب أكثر من نسخة كان يجلس مجموعة من النساخ بعدد النسخ المطلوبة، ويملي عليهم شخص آخر من المخطوط المراد نسخه، ثم تدفع النسخ جميعها للمراجعة والتدقيق (٤).
فإذا ما انتهى النساخ من عملهم تمر الكتب على قسم الزخرفة لتزيين صفحاتها وتحليتها بالذهب والفضة وبعض الرسومات الجميلة، ثم تمر بعد ذلك إلى قسم التجليد ليبطن بعضها بالديباج والحرير، ثم تجلد بالأدم الجيد المجلوب من مدينة مالقة بالأندلس، والتي كانت من أكبر مراكز صناعة الجلود الفاخرة والتجليد الممتاز (٥).
стр. 7635
(د) قسم الفهرسة .
يقوم هذا القسم بفهرسة الكتب التي في المخازن وتصنيفها وتنظيمها حتى يسهل تناولها واستعمالها، وقد كانت مكتبة الأمويين مرتبة حسب المواضيع، فقد كان لكل موضوع فهارسه الخاصة، وهو نظام قريب من الفهرسة الموضوعية السائدة الآن في بعض المكتبات، ويتميز هذا النوع من الفهرسة بالسهولة وسرعة حصر محتويات المكتبة، فهي مكتوبة في مجلدات تستعمل كالكتب يمكن الرجوع إليها بسهولة، فلا غرو أن يرد في بعض الروايات العربية حصرا لأمهات الكتب في مكتبة الحكم، فيروي المقري نقلا عن ابن حزم (أن عدد الفهارس التي فيها تسمية الكتب أربع وأربعون فهرسة، وفي كل فهرسة عشرون ورقة ليس فيها إلا أسماء الدواوين). وهذه الفهارس هي على ما يبدو فهارس الدواوين الشعرية، فكيف يكون إذن سائر الموضوعات من فلسفة وعلوم دينية ونحوية وتاريخية وطبية وعلمية. . إلخ؟.
стр. 7636
(هـ) قسم التأليف:
مهمة هذا القسم الإشراف على تأليف الكتب لحساب المكتبة الأموية، وينحصر عمله في اتجاهين: تلقي المؤلفات من خارج الأندلس، أو يوصى بالتأليف لأحد العلماء المبرزين في الأندلس، ومن أمثلة الاتجاه الأول مراسلة أبي الفرج الأصفهاني صاحب كتاب " الأغاني " للحصول منه على أول نسخة من هذا الكتاب، كما وضحنا سابقا، بل كانوا في بعض الأحيان تتم مراسلة مع المؤلف نفسه وإغرائه بالهجرة أو الرحيل إلى الأندلس، كما حدث مع أبي علي القالي صاحب كتاب (الأمالي) الذي ترك العراق ورحل إلى الناصر الأموي واستقبله استقبالا طيبا في قرطبة، وكان يتم الاتصال بين المؤلفين في المشرق الإسلامي عن طريق بعض الرسل المبعوثين على نفقة الخلافة الأموية، وكان أغلبهم ممن يمتهن الوراقة ولهم دراية بصناعة الكتب، وينتشرون في البلدان لانتخاب غرائب التواليف والبحث عنها ومن جملة هؤلاء الرسل: محمد بن طرخان في بغداد،
стр. 7637
وأبو إسحاق محمد بن القاسم بن شعبان، وأبو عمر محمد بن يوسف بن يعقوب الكندي في مصر، وهما من أكبر فقهاء المالكية، وكان الحكم يدر عليهما أموالا كثيرة لاقتناء الكتب النادرة التي تظهر لدى علماء مصر.
ومن أمثلة الاتجاه الثاني، وهو تكليف بعض علماء الأندلس التأليف في تخصصات معينة، أبو عبد الله بن محمد بن أحمد بن يحيى الذي ألف للحكم كتبا في الفقه (١) ومحمد بن الحارث الخشني. الذي ألف لمكتبة الأمويين مجموعة ضخمة من الكتب منها " تاريخ قضاة قرطبة " وقد نقل عنه ابن الفرضي في كتابه (تاريخ علماء الأندلس) كثيرا في تراجم الرجال، ومن كتبه أيضا: فضائل الإمام مالك، ومناقب سحنون، وفقهاء المالكية، وتاريخ الأفريقيين، وكتاب الرواة عن مالك، وكتاب التعريف وكتاب الاقتباس، وكتاب المولد والوفاة، وكتاب النسب، وأغلب هذه الكتب تعد من كتب الطبقات التي تثبت غزارة علم الخشني وقوة إداركه بالأخبار وأسماء الرجال وأنسابهم.
ومن مصنفات الخشني في الفقه: كتاب الاتفاق والاختلاف في مذهب مالك، وكتاب رأي مالك الذي خالفه فيه أصحابه وكتاب الفتيا، وكتاب المحاضر، وكتاب التحاصر والمغالاة، وهذه المجموعة من كتب الفقه على ما يبدو كانت بتكليف من الناصر الأموي وابنه الحكم؛ لتدعيم المذهب المالكي مذهب أهل السنة والجماعة في الأندلس، وذلك للوقوف أمام دعاة المذهب الإسماعيلي الذي حاول الفاطميون في الشمال الأفريقي تسريبه إلى الأندلس.
стр. 7638
برمجة التأليف:
والمتأمل في أغلب المصنفات التي صنفت لمكتبة الأمويين بناء على طلب الخليفة الناصر وابنه الحكم، يقف على ملاحظة هامة جديرة بالدراسة الموضوعية وهي ربط التأليف الخاص بالمكتبة بالاتجاهات العامة والسياسة العليا للدولة سواء على الصعيد المحلي أو الصعيد الخارجي.
فقد تألق نجم الدولة وبلغت ذروة مجدها في عصر الناصر مما دفعه إلى إلغاء
стр. 7639
نظام الإمارة وإعلان الخلافة الأموية، وبذلك أظهر استقلال بلاده وانفصالها سياسيا عن الخلافة العباسية في بغداد، واستتبع ذلك أن يبرز شخصية بلاده العلمية في إطار مستقل عن المشرق الإسلامي، فنرى الناصر يكلف العالم الأندلسي " مطرف بن عيسى الغساني " أن يؤلف كتابا عن كور الأندلس فيؤلف له كتاب " المعارف في أخبار كورة البيرة وأهلها وبوائرها وأقاليمها وغير ذلك من منافعها " (١).
ثم ينحى التأليف بعد ذلك منحى جديدا، وتظهر بعض الكتب الأندلسية التي تعارض الكتب المشرقية، فنرى ابن فرج الجياني الأديب الأندلسي المعروف يؤلف كتابا سماه (الحدائق) عارض فيه كتاب (الزهرة) لابن داود الأصفهاني، وكان كتاب ابن داود يتكون من مائة باب في كل باب مائة بيت من الشعر، أما كتاب الجياني فقد جاء في مائتي باب، في كل باب مائتا بيت من الشعر ليس في أبوابه تكرار، وكل أشعاره من شعر الأندلسيين، وقد أثنى عليه ابن حزم قائلا: " أحسن الاختيار ما شاء، وأجاد فبلغ الغاية، فأتى الكتاب فردا في معناه " (٢).
ثم تظهر النزعة القومية في التأليف، وتظهر بعض المؤلفات الخاصة بتاريخ بني أمية في المشرق والمغرب، فنرى الخليفة الحكم المستنصر يكلف عبد الله بن محمد بن الصفار الأديب الأندلسي أن يؤلف في أشعار خلفاء بني أمية على غرار كتاب الصولي الذي ألفه في أشعار بني العباس، ويهتم الخليفة الأموي بهذا الأمر اهتماما بالغا، إلى درجة أنه أمر بأن يفرد له مكان في دار الخلافة المطلة على النهر، وانكب ابن الصفار على دراسة أشعار بني العباس أولا، ثم قام بتأليف الكتاب الذي كلف به في مجلد صالح، ثم خرج به الحاجب إلى الحكم فسر به سرورا عظيما (٣).
وكانت لسياسة الأمويين تجاه أعدائهم الفاطميين في الشمال الأفريقي أثرها الواضح في برمجة التأليف، فكان الخليفة الناصر يخشى أن تتسرب مبادئ التشيع إلى بلاده، وتعدد الفرق المذهبية بها، وتصاب الأندلس من جراء ذلك بتمزق جبهته الداخلية، التي وحدها المذهب المالكي، مذهب أهل السنة والجماعة في هذه
стр. 7640
البلاد؛ لذا نراه يحظر على علماء الأندلس التأليف في مسائل الفلسفة أو الفكر الاعتزالي أو الشيعي، حتى استقر في أذهان الأندلسيين أن تناول أمثال هذه الأفكار تعد كفرا وخروجا عن الدين القويم، ويروي المقدسي عن الأندلسيين قولهم: " لا نعرف إلا كتاب الله وموطأ مالك " (١) وظل هذا الحظر قائما طوال عهد الناصر مدعما من السلطة الحاكمة من جهة، ومن حرص فقهاء المالكية على سلامة العقيدة من جهة أخرى إلى أن رحل الفاطميون إلى مصر.
وبعد رحيل الفاطميين إلى مصر نهجت الحكومة الأموية نهجا آخر في التأليف، حيث أمر الحكم باتساع حركة التأليف لتشمل شتى أنواع الفكر - بما فيه فكر خصومه من الفاطميين - حيث لم يعد هناك ما يهدد أمن بلاده، وأصبح لديه ولدى شعبه من الوعي الديني ما يضمن عدم انحراف عقيدتهم، فيطلب من العلماء التصنيف في أخبار الفاطميين وأنسابهم، فنرى معاوية بن هشام المرواني - المعروف بابن الشباني - يؤلف له كتابا في نسب العلويين اسمه " التاج السني في نسب آل علي " وهو كتاب يحتوي على أخبار الشيعة في المغرب والأندلس.
أما فيما يخص شئون الشمال الأفريقي، فقد كلف الحكم " محمد بن يوسف الوراق " بتأليف كتاب ضخم في إفريقية ومسالكها وممالكها وحروبها والقائمين عليها، وألف له أيضا في أخبار تيهرت ووهران وتنس وسجلماسة ونكور وغيرها تواليف حسانا، ثم أهداها للحكم (٢).
стр. 7641
المنهج العلمي في التأليف:
عرفنا فيما سبق أن الخليفة الحكم المستنصر كان قارئا واعيا وذا بصيرة مستنيرة لما يقرأه، وتشير الرواية الإسلامية أنه قلما خلا كتاب من كتب مكتبته إلا وعليه تعليق بخط يده كانت هذه التعليقات موضع تقدير واستفادة من العلماء الذين عاصروه، وأتوا بعده، فاعترفوا له بالعلم وسعة الاطلاع (١).
стр. 7642
المبحث الثالث: أثر المكتبة الفكري في شعوب غرب أوربا:
قبل الحديث عن الأثر الحضاري الذي تركته مكتبة الأمويين في شعوب غرب أوربا، أود أن أثير نقطة هامة كان لها الفضل الأكبر في هذا التأثير الحضاري، وقد أشار إليها كثير من المؤرخين المنصفين من الغرب، وهي سياسة التسامح الحكيمة والهادفة التي سار عليها الأمويون في الأندلس مع رعاياهم من النصارى واليهود، حيث لم يستثنوهم من تولي الوظائف العامة بما فيها العمل في قصر الخلافة ومكتبته الكبرى، فقد كانت تعيش طوائف مسيحية ويهودية كثيرة العدد في عاصمة الخلافة، تمارس طقوسها الدينية في حرية تامة، وينعمون بالأمن والرخاء في ظل حماية الدولة الإسلامية لهم، ويشاركون المسلمين في حياتهم العامة، فسرت إليهم العادات الإسلامية، وأقبلوا على تعلم اللغة العربية وآدابها، وكتبوا بها مؤلفاتهم العلمية، وشاركوا مشاركة فعالة في خدمة الكتب والحركة العلمية في الأندلس، فقد كان منهم مترجمون ونساخون ومجلدون، واقتنى الكثيرون منهم مكتبات كبرى أغلب كتبها باللغة العربية، ولعل هذه النعمة التي نعم بها هؤلاء المسيحيون الأسبان في ظل الحضارة الإسلامية في الأندلس، والتي شهد بها المطران " الفيرو القرطبي " alvaro de cordoba عندما أصبح مطران العاصمة، وكان متعصبا لبني جلدته حيث كتب يقول: ". . . من الذي يعكف اليوم بين أتباعنا من المؤمنين بديننا على دراسة الكتب المقدسة، أو يرجع إلى كتاب أي عالم من علمائها ممن كتبوا في اللغة اللاتينية؟ من منهم يدرس الإنجيل أو الأنبياء أو الرسل؟ إننا لا نرى غير شبان مسيحيين هاموا حبا باللغة العربية، يبحثون عن كتبها ويقتنونها، ويدرسونها في شغف، ويعلقون عليها، ويتحدثون بها في طلاقة، ويكتبون بها في جمال وبلاغة، ويقولون فيها الشعر في رقة وأناقة. يا للحزن! مسيحيون يجهلون كتابهم وقانونهم ولاتينيتهم، وينسون لغتهم نفسها؛ لأن الفصاحة العربية تسكرهم، ولا يكاد الواحد منهم يستطيع أن يكتب رسالة معقولة لأخيه مسلما عليه، وتستطيع أن تجد جمعا لا يحصى يظهر تفوقه وقدرته وتمكنه من اللغة العربية.
стр. 7643
ولعل في شهادة هذا القس المتعصب ما يقيم دليلا قويا شهد به أعداء الإسلام، على ما تتميز به الحضارة الإسلامية من طابع إنساني رفيع، فهي تكفل للإنسان إنسانيته مهما كان جنسه ودينه، ولا تسلبه حقوقه الإنسانية في طلب العلم والتعلم، وفي الوقت الذي فتح فيه الأمويون أبواب مكتباتهم وجامعاتهم العلمية أمام كل طالب علم، يستوي في ذلك المسلم وغير المسلم، نرى أبناء المسلمين اليوم يعانون كثيرا من الأزمات في طلب العلم وتحصيله، حيث تقوم بعض المؤسسات العلمية في الغرب بحبس الكثير من النتائج العلمية ولا سيما في مجالات العلم والتكنولوجيا، وتناسى هؤلاء القوم أنهم تعلموا على أيدي علماء بررة، لا يكتمون علما ولا يحبسون أسراره عن أحد عملا بقول نبي الإسلام - صلوات الله عليه: «من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة (١)»، (٢). فشتان إذن بين حضارتين: حضارة ترى العلم فرض كفاية إن لم يوجد في الأمة من يقوم به أثمت الأمة جميعها فلا تحول بينه وبين طلابه من أجل إسعاد البشرية، وحضارة تضن به وتقصره على أبنائها من أجل السيطرة والاستعلاء.
ولم يقتصر التأثير الفكري على نصارى أهل الأندلس، بل امتد ليعم أثره شعوب غرب أوربا قاطبة، وهذه حقيقة لا مراء فيها، فتشير الروايات إلى تأثر الإيطاليين والألمان والفرنسيين بمؤثرات الفكر الإسلامي عن طريق صقلية والأندلس إبان القرن الرابع الهجري، العاشر الميلادي.
فقد نقل شاباط بن إبراهيم، وكان يهوديا، علوم الطب من (بالرمو) عاصمة صقلية إلى شبه الجزيرة الإيطالية، وفي سنة ٩٥٣ م بعث الإمبراطور أوتو الكبير " جان غورتز " في بعثة سياسية إلى الخليفة عبد الرحمن الناصر في الأندلس، وقد مكث فيها ثلاث سنوات تعلم أثناءها اللغة العربية، وعندما رجع إلى ألمانيا حمل معه مجموعة كبيرة من الكتب العربية، ويرجح الدكتور محمد ماهر حمادة أن بعضها كان كتبا علمية، مستدلا على ذلك بالازدهار الملحوظ في دراسة العلوم خلال القرن الحادي عشر (٣).
стр. 7644
كما كانت كثير من المدن الأندلسية مراكز علمية كبرى ساهمت في نقل الفكر الإسلامي إلى أوربا، مثل قرطبة، إشبيلية، بطليوس، بلنسية، سرقسطة طليطلة، وقد شهدت الأخيرة أكبر حركة لتأثر الأوربيين بالفكر الإسلامي، فقد غصت مكتباتها وجوامعها بالكتب العربية في شتى العلوم المختلفة، ولا سيما العلمية، وأنشئت فيها مدرسة للترجمة من العربية إلى اللاتينية أغلبها من اليهود والنصارى الذين يجيدون اللغتين، وقاموا بنقل العديد من المؤلفات العربية ولا سيما بعد سقوط هذه المدينة في أيدي ألفونسو السادس الذي شجع حركة الترجمة هذه، ولم يأت القرن الثالث عشر إلا وكانت معظم المؤلفات العربية تدرس في أوربا (١).
ويكفينا في هذا المقام شهادة " أنجل جنثالث بالنسيا " palencia مؤلف تاريخ الفكر الأندلسي والذي نقله عن الأسبانية " الدكتور حسين مؤنس " يقول: " إن الفضل في قيام الدراسات الطبية في أوربا يرجع إلى ما كتبه العرب. العرب الذين كانوا يبعثون بالسفراء لاستجلاب الكتب القيمة ما بين إغريقية ولاتينية، ويقيمون المراصد لدراسة الفلك، ويقومون بالرحلات ليستزيدوا من العلم بالتاريخ الطبيعي، وينشئون المدارس لتدرس فيها العلوم بشتى صنوفها " (٢).
стр. 7645
الخاتمة
:
وبعد، فهذه مكتبة الأمويين في قرطبة، وقد نظمت تنظيما علميا على نحو ما رأينا، فكانت لؤلؤة زمانها، وسراج العلم في عصرها، ولا غرو في ذلك، فإن دورها في توطيد الصلات العلمية بين المشرق الإسلامي ومغربه لا ينكر، وتأثيرها الفكري في شعوب أوربا لا يجحد، ورحم الله الناصر الأموي وطيب ثراه بما أسداه للمسلمين وللإنسانية جمعاء، فقد أثمرت جهوده الطيبة في خدمة العلم والعلماء، وتألقت على يديه تلك المكتبة العظمى التي سطرت صفحة مشرقة في تاريخ الفكر الإسلامي والحضارة الإسلامية.
стр. 7646
صفحة فارغة
стр. 7647
صفحة فارغة
стр. 7648
صفحة فارغة
стр. 7649
الجهاد في الأفغان جهاد
إسلامي يجب على
المسلمين دعمه ومساندته.
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد،
فبمناسبة فراغ الحجاج من أداء مناسكهم وتقديم هديهم وضحاياهم لله سبحانه، يسرني أن أذكر المسلمين في كل مكان بإخوان لهم يقدمون أنفسهم وأموالهم جهادا في سبيل الله، وإعلاء لكلمته، وحماية لأوطان المسلمين، وإنقاذا لها من مكائد العدو الظالم الغاشم، وهم إخواننا في الله والمجاهدون في سبيله من أبناء الأفغان، ولبيان الحقيقة يسرني أن أخبر إخواني المسلمين أن هذا الجهاد قد أوشك على إنهاء عامه الثامن، والشعب الأفغاني المجاهد يحمل سلاحه، ويرفع رايته أمام أشرس قوى الأرض وأعتاها وهو ثابت لا يتراجع، صلب لا يتزعزع ولسان حاله ومقاله يردد قول الله: ﴿قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ﴾ (١) ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٣) ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (٤).
стр. 7650
وهم إذ يقفون كالجبال الرواسي فإنهم بحمد الله لا يزالون في نشاط متزايد، وهمم عالية وصبر ومصابرة في مقارعة الأعداء لإخراجهم من بلادهم بالقوة بدون قيد ولا شرط إن شاء الله، ثقة بالله سبحانه واعتمادا عليه وإيمانا بما وعد به من النصر لمن نصر دينه وجاهد في سبيله، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (١).
وما كان أغلب الناس يتوقعون أن يقف شعب أعزل فقير صغير أمام دولته التي باعت نفسها للكافرين، وأمام الاتحاد السوفييتي والعالم الشرقي والدول التي تدور في فلكه، ما كان الناس يظنون أن هذا الشعب الذي جعل الله جهاده مفخرة للأمة الإسلامية - سيقف طويلا طودا شامخا أمام هذه القوى الكافرة الغاشمة، وهذا هو ظن روسيا التي كانت تحسبها نزهة مريحة وسفرا قاصدا، وظنها هذا هو الذي أرداها فخسرت وخابت وانزلقت أقدامها على سفوح جبال الجهاد في أرض الأفغان، وكانت تحسب أنها ستجد أمر الأفغان كأمر عدد من الدول التي انهارت أمامها في يوم أو يومين.
ولقد اطلعت على إحصائية للمجاهدين عن نتائج المعارك في العام الأخير، فكانت النتيجة بحمد الله تشرح الصدر، وتسر القلب، وتدل على توفيق إلهي وتأييد رباني لهؤلاء المجاهدين الشعث الغبر، الذين أذل الله بهم أعتى قوى الكفر في عصرنا.
يقول التقرير:
لقد سقط للروس ثلاثمائة طائرة وطائرتان، وحطم المجاهدون ألفا ومائتين وثلاثا وستين دبابة، وثلاثة آلاف سيارة وسيارتين، وتسعة وسبعين سلاحا ثقيلا، وغنموا سبعا وثلاثين دبابة، ومائة وإحدى وستين سيارة، وثلاثمائة وثمانية وعشرين سلاحا ثقيلا، وأربعة آلاف ومائة واثنين وتسعين سلاحا خفيفا، وقتل المجاهدون سبعمائة وثمانية وسبعين ضابطا، وجرحوا تسعمائة ضابط، وقتلوا من جند الكفر
стр. 7651
عشرين ألفا وتسعة وستين جنديا، وجرحوا خمسة عشر ألفا وخمسمائة وستة وثلاثين جنديا، وأسروا ألفين وستمائة وتسعة، وانضم إليهم من الجنود أربعة آلاف وسبعمائة وأحد عشر.
هذه الأرقام عن مصادر المجاهدين التي عودت العالم رواية الأخبار كما هي بدون مجازفة.
وهذه النتيجة فوق أنها تبهج نفوس المؤمنين، فإنها تبين مدى ضخامة المعركة، وشراسة القتال، وأنها حرب طاحنة لم تشهد بعض الأقطار التي اشتركت في الحرب العالمية الثانية مثلها.
ولقد أحرز المجاهدون انتصارات عظيمة في الأشهر الأخيرة، رغم تصعيد الروس للمعركة إلى ذروتها، وبعد أن ألقوا ما في جعبتهم من أفتك الأسلحة التي اهتزت لها جبال الأفغان، وصمد أمامها ودحرها - بإذن الله - الرجال الصادقون.
ولقد شد الجهاد الأفغاني إليه أعصاب المؤمنين، ولفت أنظار العالم أجمع، ولا زالت القلوب والعيون مبهورة بما يجري على أرض أفغانستان ويتابع الناس مسلمهم وكافرهم هذا الجهاد، وهم يترقبون نتيجته باهتمام بالغ.
ولقد وقف المسلمون بمشاعرهم الطيبة مع الجهاد الأفغاني، ولكن هذا الشعور لم يتبع بخطى عملية كافية في واقع الأمر. فلم يلقوا بثقلهم في المعركة، وإن ما قدمه بعضهم من مال وما بذله بعضهم من جهد لا يتناسب مع حجم هذا الجهاد ولا مع حجم الأمة الإسلامية وإمكاناتها المتاحة، وليس هناك تناسب بين الحاجات الملحة المفروضة على المسلمين التي يفرضها حجم وثقل المعركة وأثرها في واقع الحياة، وبين ما قدمه المحسنون من أبناء هذه الأمة.
وإن أخوة الإسلام لها حقوق وواجبات، ونصرة المسلمين بعضهم بعضا من الفرائض التي افترضها رب العزة من فوق سبع سماوات فقال سبحانه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١)، وقال سبحانه
стр. 7652
﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ (١) الآية. وقال النبي ﷺ : «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه (٢)» متفق على صحته.
فمساعدة إخواننا المجاهدين والمهاجرين الأفغان ومناصرتهم فرض عين على المسلمين اليوم بالمال والنفس أو بأحدهما حسب الاستطاعة، وخاصة أصحاب الكفايات والإمكانات من دعاة وأطباء ومهندسين ومعلمين، وقد أبلغنا المطلعون أن حاجتهم إلى الدعاة الحكماء أكبر من حاجتهم إلى الأطباء، وأن حاجتهم إلى الرجال لا تقل عن حاجتهم إلى المال، وإن كان عوزهم للمال شديدا وحاجتهم إليه ملحة.
ولقد حصلت كرامات أثناء هذا الجهاد حدث بها الثقات يصل مجموعها إلى حد التواتر، وعقيدة أهل السنة والجماعة أن الكرامات مستمرة في المسلمين إما لإقامة حجة وإما لحاجة، ولا ينكر وقوعها إلا جاهل أو مبتدع، وإن صرف الزكاة للمجاهدين عامة من أوجب الواجبات وأعظم القربات.
كما أن نصرة هذا الجهاد من أعظم الواجبات على المسلمين ترجيحا لمصلحة الدين ونصرة للمسلمين، ومراعاة لمقاصد الشريعة؛ لأن الجهاد في أفغانستان يمر بمرحلة حساسة، إما أن ينتصر المسلمون وإما أن تنتصر الشيوعية - والعياذ بالله - التي إن انتصرت فستعمل على مسح القرآن والسنة من أفغانستان، وستعمل على اجتثاث الدين من أصوله، وهذه هي الماحقة - والعياذ بالله - ولا يمكن للمسلم أن يتردد لحظة في اختيار نصرة المسلمين الأفغان على الشيوعية الكافرة المدمرة، فكيف يتردد مسلم بعد هذا في مساندته ومعاونته للمجاهدين الأفغان؟.
كما يجب على المجاهدين بذل مزيد من الجهد لتوحيد صفوفهم وجمع كلمتهم وإصلاح ذات بينهم.
стр. 7653
وختاما أسأل الله العلي العظيم أن يجمع كلمة المجاهدين على الحق وأن يوحد صفوفهم، وأن يوفق المسلمين حكاما ومحكومين إلى مساندتهم ونصرتهم، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويصلح أحوال المسلمين في كل مكان، ويمنحهم الفقه في الدين، وينصرهم على عدوهم؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز.
رئيس المجلس التأسيسي
لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة
والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7654
أثر المرأة في حياتكم سؤال
من مجلة الجيل إلى سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين وعلى آله وصحبه ومن سار على دربهم إلى يوم الدين وبعد:
فإن للمرأة المسلمة أثرا كبيرا في حياة كل مسلم، فهي المدرسة الأولى في بناء المجتمع الصالح، وخاصة إذا كانت هذه المرأة تسير على هدى من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ؛ لأن التمسك بهما يبعد كل مسلم عن الضلال في كل شيء، وضلال الأمم وانحرافها لا يحصل إلا بابتعادها عن نهج الله ، وما جاء به أنبياؤه ورسله - عليهم الصلاة والسلام - قال ﷺ : «تركت فيكم أمرين لا تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنتي (١)».
ولقد جاء في القرآن الكريم كما فصلت السنة المطهرة: أهمية المرأة أما وزوجة وأختا وبنتا مالها من حقوق وعليها من واجبات.
والأهمية تكمن فيما يلقى عليها من أعباء وما تتحمل من مشاق تفوق في بعضها أعباء الرجل.
لذلك كان من أهم الواجبات شكر الوالدة وبرها وحسن صحبتها وهي مقدمة في ذلك على الوالد قال تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٢).
стр. 7655
وجاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: «يا رسول الله: من أحق الناس بحسن صحابتي، قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أمك. قال ثم من؟ قال: أبوك (١)» ومقتضى ذلك أن يكون للأم ثلاثة أمثال ما للأب من البر.
ومكانة الزوجة وتأثيرها على هدوء النفوس أبانته الآية الكريمة قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٢).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (٣) المودة هي المحبة، والرحمة هي الرأفة فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو الرحمة بها بأن يكون لها منه ولد.
ولقد كان للوقفة الفريدة التي وقفتها خديجة ﵂ أكبر الأثر في تهدئة روع رسولنا ﷺ عندما شاهد جبريل ﵇ بين السماء والأرض لأول مرة، فقالت: أبشر فوالله لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق.
وأيضا لا ننسى أثر عائشة ﵂ حيث أخذ عنها الحديث كبار الصحابة وكثير من النساء الأحكام المتعلقة بهن.
وبالأمس القريب وعلى زمن الإمام محمد بن سعود ﵀ نصحته زوجته بأن يتقبل دعوة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ عندما عرض عليه دعوته فإن لنصيحتها له أكبر الأثر في اتفاقهما على تجديد الدعوة ونشرها، حيث نلمس بحمد الله اليوم أثر ذلك برسوخ العقيدة في أبناء هذه الجزيرة.
стр. 7656
ولا شك أن لوالدتي - رحمة الله عليها - فضلا كبيرا وأثرا عظيما في تشجيعي على الدراسة والإعانة عليها ضاعف الله مثوبتها وجزاها عني خير الجزاء.
ولا شك في أن البيت الذي تسوده المودة والمحبة والرأفة والتربية الإسلامية سيؤثر على الرجل، فيكون بإذن الله موفقا في أمره ناجحا في أي عمل يسعى إليه من طلب علم أو كسب تجارة، أو زراعة إلى غير ذلك من أعمال.
والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 7657
الجواب المفيد
في حكم التصوير
لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
السؤال: ما قولكم في حكم التصوير الذي قد عمت به البلوى وانهمك فيه الناس؟ تفضلوا بالجواب الشافي عما يحل منه وما يحرم. أثابكم الله تعالى.
الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد فقد جاءت الأحاديث الكثيرة عن النبي ﷺ في الصحاح والمسانيد والسنن دالة على تحريم تصوير كل ذي روح، آدميا كان أو غيره، وهتك الستور التي فيها الصور، والأمر بطمس الصور، ولعن المصورين وبيان أنهم أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأنا أذكر لك جملة من الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا الباب، وأذكر بعض كلام العلماء عليها، وأبين ما هو الصواب في هذه المسألة إن شاء الله.
ففي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى
стр. 7658
الله عليه وسلم - قال الله تعالى: «ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي، فليخلقوا ذرة أو ليخلقوا حبة أو ليخلقوا شعيرة (١)» لفظ مسلم.
وفيهما أيضا عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون (٢)».
ولهما عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم (٣)» لفظ البخاري.
وروى البخاري في الصحيح عن أبي جحيفة - رضي الله تعالى - عنه أن النبي ﷺ «نهى عن ثمن الدم وثمن الكلب وكسب البغي ولعن آكل الربا وموكله والواشمة والمستوشمة والمصور (٤)».
وعن ابن عباس ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول «من صور صورة في الدنيا كلف أن ينفخ فيها الروح، وليس بنافخ (٥)» متفق عليه.
وخرج مسلم عن سعيد بن أبي الحسن قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال: إني رجل أصور هذه الصورة فأفتني فيها، فقال له: ادن مني. فدنا منه، ثم قال: ادن مني، فدنا منه حتى وضع يده على رأسه فقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله ﷺ سمعت رسول الله ﷺ يقول: «كل مصور في النار ويجعل له بكل صورة صورها نفسا فتعذبه في جهنم (٦)» وقال: «إن كنت لا بد فاعلا فاصنع الشجر وما لا نفس له (٧)».
وخرج البخاري قوله: «إن كنت لا بد فاعلا (٨)» إلخ في آخر الحديث الذي قبله بنحو ما ذكره مسلم.
وخرج الترمذي في جامعه، وقال حسن صحيح عن أبي الزبير عن جابر رضي
стр. 7659
الله عنه قال: «نهى رسول الله ﷺ عن الصورة في البيت، ونهى أن يصنع ذلك (١)».
وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: «دخل علي النبي ﷺ وقد سترت سهوة لي بقرام فيه تماثيل، فلما رآه هتكه وتلون وجهه، وقال: " يا عائشة أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله " قالت عائشة: فقطعناه فجعلنا منه وسادة أو وسادتين (٢)» رواه مسلم (٣).
وعن عائشة ﵂ قالت: «قدم رسول الله ﷺ من سفر وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيه تماثيل، فلما رآه رسول الله ﷺ هتكه وقال: أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله. قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين (٤)» خرجه البخاري ومسلم، وزاد بعد قوله «هتكه: وتلون وجهه (٥)». اهـ.
وعنها قالت: «قدم النبي ﷺ من سفر وعلقت درنوكا فيه تماثيل، فأمرني أن أنزعه فنزعته (٦)». رواه البخاري ورواه مسلم بلفظ: وقد سترت على بابي درنوكا فيه الخيل ذوات الأجنحة، فأمرني فنزعته.
وعن القاسم بن محمد «عن عائشة أيضا قالت: اشتريت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله ﷺ قام على الباب فلم يدخل فعرفت في وجهه الكراهية. قالت: يا رسول الله أتوب إلى الله وإلى رسوله؛ ما أذنبت؟ قال: ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لتقعد عليها وتوسدها. فقال رسول الله ﷺ : إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة ويقال لهم أحيوا ما خلقتم وقال: إن البيت الذي فيه الصور لا تدخله الملائكة (٧)». رواه البخاري ومسلم. زاد مسلم من رواية ابن الماجشوني قالت: «فأخذته فجعلته مرفقتين، فكان يرتفق بهما في البيت (٨)».
وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 7660
«لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة (١)». متفق عليه. واللفظ لمسلم.
وخرج مسلم عن زيد بن خالد عن أبي طلحة مرفوعا قال: «لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا تماثيل (٢)».
وفي صحيح البخاري عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : «أن جبريل ﵇ قال: لا ندخل بيتا فيه كلب ولا صورة (٣)».
وخرج مسلم عن عائشة وميمونة مثله.
وخرج مسلم أيضا عن أبي الهياج الأسدي قال: قال لي علي ﵁: ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله ﷺ أن لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرا مشرفا إلا سويته. وخرج أبو داود بسند جيد عن جابر ﵁ «أن النبي ﷺ أمر عمر بن الخطاب زمن الفتح، وهو بالبطحاء، أن يأتي الكعبة فيمحوا كل صورة فيها، فلم يدخلها النبي ﷺ حتى محيت كل صورة فيها (٤)».
وخرج أبو داو الطيالسي في مسنده «عن أسامة قال: دخلت على رسول الله ﷺ في الكعبة ورأى صورا؟ فدعا بدلو من ماء فأتيته به فجعل يمحوها ويقول: قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون» قال الحافظ: إسناده جيد.
قال: وخرج عمر بن شبه من طريق عبد الرحمن بن مهران، عن عمير مولى ابن عباس، «عن أسامة أن النبي ﷺ دخل الكعبة فأمرني فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل الثوب ويضرب به على الصور ويقول: قاتل الله قوما يصورون ما لا يخلقون» اهـ.
وخرج البخاري في صحيحه عن عائشة: «أن النبي ﷺ لم يترك في بيته شيئا فيه تصاليب إلا نقضه (٥)». رواه الكشميهني بلفظ " تصاوير " وترجم عليه البخاري ﵀ بـ " باب نقض الصور " وساق هذا الحديث.
стр. 7661
وفي الصحيحين عن بسر بن سعيد عن زيد بن خالد عن أبي طلحة أن النبي ﷺ قال: «إن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة (١)». قال بسر: ثم اشتكى زيد فعدناه فإذا على بابه ستر فيه صورة، فقلت لعبيد الله الخولاني ربيب ميمونة زوج النبي ﷺ : ألم يخبرنا زيد عن الصور يوم الأول؟ فقال عبيد الله: ألم تسمعه حين قال: إلا رقما في ثوب؟ وفي رواية لهما من طريق عمرو بن الحارث عن بكير الأشج عن بسر، فقلت لعبيد الله الخولاني: ألم يحدثنا في التصاوير؟ قال: إنه قال: إلا رقما في ثوب. ألم تسمعه؟ قلت: لا. قال: بلى قد ذكر ذلك.
وفي المسند وسنن النسائي عن عبيد الله بن عبد الله أنه دخل على أبي طلحة الأنصاري يعوده فوجد عنده سهل بن حنيف، فأمر أبو طلحة إنسانا ينزع نمطا تحته، فقال له سهل: لم تنزع؟ لأنه فيه تصاوير، وقد قال فيها رسول الله ﷺ ما قد علمت. قال: ألم يقل إلا رقما في ثوب؟ قال: بلى، ولكنه أطيب لنفسي اهـ. وسنده جيد وأخرجه الترمذي بهذا اللفظ، وقال: حسن صحيح.
وخرج أبو داود والترمذي والنسائي بإسناد جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «أتاني جبريل فقال لي: أتيتك البارحة فلم يمنعني أن أكون دخلت إلا أنه كان على الباب تماثيل، وكان في البيت قرام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ومر بالكلب فليخرج، ففعل رسول الله ﷺ ، وإذا بالكلب لحسن أو حسين كان تحت نضد لهم فأمر به فأخرج (٢)». هذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي نحوه ولفظ النسائي: «استأذن جبريل على النبي ﷺ فقال: (ادخل) فقال: كيف أدخل وفي بيتك ستر فيه تصاوير؟ فإما أن تقطع رءوسها أو تجعل بساطا يوطأ، فإنا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه تصاوير (٣)». اهـ.
وفي الباب من الأحاديث غير ما ذكرنا كثير، وفي هذه الآحاديث وما جاء في معناها دلالة ظاهرة على تحريم التصوير لكل
стр. 7662
ذي روح، وأن ذلك من كبائر الذنوب المتوعد عليها بالنار.
وهي عامة لأنواع التصوير سواء كان للصورة ظل أم لا، وسواء كان التصوير في حائط أو ستر أو قميص أو مرآة أو قرطاس أو غير ذلك؛ لأن النبي ﷺ لم يفرق بين ما له ظل وغيره، ولا بين ما جعل في ستر أو غيره بل لعن المصور، وأخبر أن المصورين أشد الناس عذابا يوم القيامة، وأن كل مصور في النار وأطلق ذلك ولم يستثن شيئا.
ويؤيد العموم أنه لما رأى التصاوير في الستر الذي عند عائشة هتكه وتلون وجهه وقال: «إن أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله (١)»، وفي لفظ أنه قال عندما رأى الستر: «إن أصحاب هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: أحيوا ما خلقتم (٢)» فهذا اللفظ ونحوه صريح في دخول المصور للصور في الستور ونحوها في عموم الوعيد.
وأما قوله في حديث طلحة وسهل بن حنيف «إلا رقما في ثوب (٣)» فهذا استثناء من الصور المانعة من دخول الملائكة لا من التصوير، وذلك واضح من سياق الحديث، والمراد بذلك إذا كان الرقم في ثوب ونحوه يبسط ويمتهن، ومثله الوسادة الممتهنة، كما يدل عليه حديث عائشة المتقدم في قطعها الستر، وجعله وسادة أو وسادتين. وحديث أبي هريرة وقول جبريل للنبي ﷺ : «فمر برأس التمثال الذي في البيت يقطع فيصير كهيئة الشجرة، ومر بالستر فليقطع فليجعل منه وسادتان منبوذتان توطآن، ففعل ذلك النبي ﷺ (٤)».
стр. 7663
ولا يجوز حمل الاستثناء على الصورة في الثوب المعلق أو المنصوب على باب أو جدار أو نحو ذلك؛ لأن أحاديث عائشة صريحة في منع مثل هذا الستر ووجوب إزالته أو هتكه كما تقدم ذكرها بألفاظها.
وحديث أبي هريرة صريح في أن مثل الستر مانع من دخول الملائكة حتى يبسط أو يقطع رأس التمثال الذي فيه فيكون كهيئة الشجرة، وأحاديثه ﵊ لا تتناقض بل يصدق بعضها بعضا. ومهما أمكن الجمع بينها
стр. 7664
بوجه مناسب ليس فيه تعسف وجب وقدم على مسلكي الترجيح والنسخ، كما هو مقرر في علم الأصول ومصطلح الحديث، وقد أمكن الجمع بينها هنا كما ذكرناه فلله الحمد.
وقد رجح الحافظ في الفتح الجمع بين الأحاديث بما ذكرته آنفا، وقال: قال الخطابي: والصورة التي لا تدخل الملائكة البيت الذي هي فيه ما يحرم اقتناؤه، وهو ما يكون من الصور التي فيها الروح مما لم يقطع رأسه أو لم يمتهن. اهـ.
وقال الخطابي أيضا - رحمه الله تعالى: إنما عظمت عقوبة المصور؛ لأن الصور كانت تعبد من دون الله، ولأن النظر إليها يفتن وبعض النفوس إليها تميل.
وقال النووي ﵀ في شرح مسلم (باب تحريم تصوير صورة الحيوان وتحريم اتخاذ ما فيه صورة غير ممتهنة بالفرش ونحوه، وأن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتا فيه صورة أو كلب.
قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو من الكبائر؛ لأنه متوعد عليه بهذا الوعيد الشديد المذكور في الأحاديث، وسواء صنعه بما يمتهن أو بغيره فصنعته حرام بكل حال؛ لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان في ثوب أو بساط أو درهم أو دينار أو فلس أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير صورة الشجر ورجال الإبل وغير ذلك مما ليس فيه صورة حيوان فليس بحرام.
هذا حكم نفس التصوير. وأما اتخاذ المصور فيه صورة حيوان؛ فإن كان معلقا على حائط أو ثوبا ملبوسا أو عمامة أو نحو ذلك مما لا يعد ممتهنا فهو حرام، وإن كان في بساط يداس ومخدة ووسادة ونحوها مما يمتهن فليس بحرام إلى أن قال: لا فرق في هذا كله بين ما له ظل وما لا ظل له.
هذا تلخيص مذهبنا في المسألة، وبمعناه قال جماهير العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. وهو مذهب الثوري ومالك وأبي حنيفة وغيرهم.
стр. 7665
وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل، ولا بأس بالصور التي - ليس لها ظل. وهذا مذهب باطل فإن الستر الذي أنكر النبي ﷺ الصورة فيه لا يشك أحد أنه مذموم، وليس لصورته ظل مع باقي الأحاديث المطلقة في كل صورة. اهـ (١).
قال الحافظ بعد ذكره لملخص كلام النووي هذا: قلت ويؤيد التعميم فيما له ظل وما لا ظل له ما أخرجه أحمد في حديث علي ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أيكم ينطلق إلى المدينة فلا يدع بها وثنا إلا كسرة، ولا صورة إلا لطخها (٢)» أي طمسها. الحديث.
وفيه «من عاد إلى صنعة شيء من هذا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٣)».
(قلت) ومن تأمل: الأحاديث المتقدمة تبين له دلالتها على تعميم التحريم وعدم الفرق بين ما له ظل وغيره كما تقدم توضيح ذلك.
فإن قيل: قد تقدم في حديث زيد بن خالد عن أبي طلحة أن بسر بن سعيد الراوي عن زيد قال: ثم اشتكى زيد فعدناه، فإذا على بابه ستر فيه صورة. . فظاهر هذا يدل على أن زيدا يرى جواز تعليق الستور التي فيها الصور.
فالجواب: أن أحاديث عائشة المتقدمة وما جاء في معناها دالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، وعلى وجوب هتكها، وعلى أنها تمنع دخول الملائكة، وإذا صحت الأحاديث عن رسول الله ﷺ لم تجز معارضتها بقول أحد من الناس ولا فعله كائنا من كان، ووجب على المؤمن: اتباعها والتمسك بما دلت عليه ورفض ما خالفه كما قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٤).
وقال تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥).
стр. 7666
فقد ضمن الله سبحانه في هذه الآية الهداية لمن أطاع الرسول. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
ولعل زيدا ﵁ لم يعلم الصورة التي في الستر المذكور أو علمها لكن استجازه؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي ﷺ : «إلا رقما في ثوب (٢)» فيكون معذورا لعدم علمه بها، وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها، ومتى خالف العبد الأحاديث الصحيحة الصريحة اتباعا للهوى أو تقليدا لأحد من الناس استوجب غضب الرب ومقته، وخيف عليه من زيغ القلب وفتنته كما حذر سبحانه من ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣).
وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) الآية.
وتقدم في حديث أبي هريرة الدلالة على أن الصورة إذا قطع رأسها جاز تركها في البيت؛ لأنها تكون كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن تصوير الشجر ونحوها مما لا روح فيه جائز كما تقدم صريحا من رواية الشيخين عن ابن عباس.
ويستدل بالحديث المذكور أيضا على: أن قطع غير الرأس من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة؛ لأن النبي ﷺ أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغا لبقاء
стр. 7667
الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﵊.
ولأن النبي ﷺ أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه، وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده.
وبذلك يتبين لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع.
ولا فرق في هذا بين الصور المجسدة وغيرها من المنقوشة في ستر أو قرطاس أو نحوها، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم، بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظمين أشد؛ لأن الفتنة به أعظم، ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله، كما وقع ذلك لقوم نوح، وتقدم في كلام الخطابي الإشارة إلى هذا.
وقد كانت الصور في عهد الجاهلية كثيرة معظمة معبودة من دون الله، حتى بعث الله نبيه محمدا ﷺ فكسر الأصنام، ومحا الصور وأزال الله به الشرك ووسائله، فكل من صور صورة أو نصبها أو عظمها، فقد شابه الكفار فيما صنعوا، وفتح للناس باب الشرك ووسائله، ومن أمر بالتصوير أو رضي به، فحكمه حكم فاعله في المنع، واستحقاق الوعيد؛ لأنه قد تقرر في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم تحريم الأمر بالمعصية والرضا بها كما يحرم فعلها وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
стр. 7668
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) فدلت الآية على أن من حضر المنكر ولم يعرض عن أهله فهو مثلهم.
فإذا كان الساكت عن المنكر مع الإنكار أو المفارقة مثل من فعله، فالآمر بالمنكر أو الراضي به يكون أعظم جرما من الساكت، وأسوأ حالا، وأحق بأن يكون مثل من فعله، والأدلة في هذا المعنى كثيرة يجدها من طلبها في مظانها.
وبما ذكرناه في هذا الجواب من الأحاديث وكلام أهل العلم يتبين لمريد الحق أن توسع الناس في تصوير ذوات الأرواح في الكتب والمجلات والجرائد والرسائل خطأ بين ومعصية ظاهرة، يجب على من نصح نفسه الحذر منها، وتحذير إخوانه من ذلك بعد التوبة النصوح مما قد سلف.
ويتبين له أيضا مما سلف من الأدلة أنه لا يجوز بقاء هذه التصاوير المشار إليها على حالها بل يجب قطع رأسها أو طمسها ما لم تكن في بساط ونحوه مما يداس ويمتهن، فإنه لا بأس بتركها على حالها كما تقدم الدليل على ذلك في أحاديث عائشة وأبي هريرة، وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه.
وقد ثبت في الصحيحين «عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسر بهن إلي فيلعبن معي (٢)».
قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه
стр. 7669
منسوخ، وإليه مال ابن بطال وحكي عن ابن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ.
وقد ترجم ابن حبان " الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب " وترجم له النسائي " إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات " فلم يقيد بالصغر، وفيه نظر.
قال البيهقي بعد تخريج الأحاديث: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي - إلى أن قال - وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر «عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر - فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها - قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس. قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لهل أجنحة؟ فضحك (١)» - إلى أن قال - قال الخطابي: في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة.
قلت: وفي الجزم به نظر لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتهما أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال " في خيبر " ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض اهـ. المقصود من كلام الحافظ (٢).
إذا عرفت ما ذكره الحافظ - رحمه الله تعالى - فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حلها شكا لاحتمال أن يكون إقرار النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور، فيكون ذلك منسوخا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها، إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهنا، كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، ومال إليه ابن بطال، ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما
стр. 7670
قاله الجمهور لمصلحة التمرين؛ ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان، ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسما لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملا بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (١)»، وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٢)» والله أعلم.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.