← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7666–7705 · переход к 7671.

стр. 7666

فقد ضمن الله سبحانه في هذه الآية الهداية لمن أطاع الرسول. وقال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١). ولعل زيدا ﵁ لم يعلم الصورة التي في الستر المذكور أو علمها لكن استجازه؛ لأنه لم تبلغه الأحاديث الدالة على تحريم تعليق الستور التي فيها الصور، فأخذ بظاهر قول النبي ﷺ : «إلا رقما في ثوب (٢)» فيكون معذورا لعدم علمه بها، وأما من علم الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم نصب الستور التي فيها الصور فلا عذر له في مخالفتها، ومتى خالف العبد الأحاديث الصحيحة الصريحة اتباعا للهوى أو تقليدا لأحد من الناس استوجب غضب الرب ومقته، وخيف عليه من زيغ القلب وفتنته كما حذر سبحانه من ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ (٣). وفي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ (٤). وقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ (٥) الآية. وتقدم في حديث أبي هريرة الدلالة على أن الصورة إذا قطع رأسها جاز تركها في البيت؛ لأنها تكون كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن تصوير الشجر ونحوها مما لا روح فيه جائز كما تقدم صريحا من رواية الشيخين عن ابن عباس. ويستدل بالحديث المذكور أيضا على: أن قطع غير الرأس من الصورة كقطع نصفها الأسفل ونحوه لا يكفي ولا يبيح استعمالها، ولا يزول به المانع من دخول الملائكة؛ لأن النبي ﷺ أمر بهتك الصور ومحوها، وأخبر أنها تمنع من دخول الملائكة إلا ما امتهن منها، أو قطع رأسه، فمن ادعى مسوغا لبقاء

стр. 7667

الصورة في البيت غير هذين الأمرين فعليه الدليل من كتاب الله أو سنة رسوله ﵊. ولأن النبي ﷺ أخبر أن الصورة إذا قطع رأسها كان باقيها كهيئة الشجرة، وذلك يدل على أن المسوغ لبقائها خروجها عن شكل ذوات الأرواح ومشابهتها للجمادات. والصورة إذا قطع أسفلها وبقي رأسها لم تكن بهذه المثابة لبقاء الوجه، وفيه من بديع الخلقة والتصوير ما ليس في بقية البدن، فلا يجوز قياس غيره عليه عند من عقل عن الله ورسوله مراده. وبذلك يتبين لطالب الحق أن تصوير الرأس وما يليه من الحيوان داخل في التحريم والمنع؛ لأن الأحاديث الصحيحة المتقدمة تعمه، وليس لأحد أن يستثني من عمومها إلا ما استثناه الشارع. ولا فرق في هذا بين الصور المجسدة وغيرها من المنقوشة في ستر أو قرطاس أو نحوها، ولا بين صور الآدميين وغيرها من كل ذي روح، ولا بين صور الملوك والعلماء وغيرهم، بل التحريم في صور الملوك والعلماء ونحوهم من المعظمين أشد؛ لأن الفتنة به أعظم، ونصب صورهم في المجالس ونحوها وتعظيمها من أعظم وسائل الشرك وعبادة أرباب الصور من دون الله، كما وقع ذلك لقوم نوح، وتقدم في كلام الخطابي الإشارة إلى هذا. وقد كانت الصور في عهد الجاهلية كثيرة معظمة معبودة من دون الله، حتى بعث الله نبيه محمدا ﷺ فكسر الأصنام، ومحا الصور وأزال الله به الشرك ووسائله، فكل من صور صورة أو نصبها أو عظمها، فقد شابه الكفار فيما صنعوا، وفتح للناس باب الشرك ووسائله، ومن أمر بالتصوير أو رضي به، فحكمه حكم فاعله في المنع، واستحقاق الوعيد؛ لأنه قد تقرر في الكتاب والسنة وكلام أهل العلم تحريم الأمر بالمعصية والرضا بها كما يحرم فعلها وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (١).

стр. 7668

وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) فدلت الآية على أن من حضر المنكر ولم يعرض عن أهله فهو مثلهم. فإذا كان الساكت عن المنكر مع الإنكار أو المفارقة مثل من فعله، فالآمر بالمنكر أو الراضي به يكون أعظم جرما من الساكت، وأسوأ حالا، وأحق بأن يكون مثل من فعله، والأدلة في هذا المعنى كثيرة يجدها من طلبها في مظانها. وبما ذكرناه في هذا الجواب من الأحاديث وكلام أهل العلم يتبين لمريد الحق أن توسع الناس في تصوير ذوات الأرواح في الكتب والمجلات والجرائد والرسائل خطأ بين ومعصية ظاهرة، يجب على من نصح نفسه الحذر منها، وتحذير إخوانه من ذلك بعد التوبة النصوح مما قد سلف. ويتبين له أيضا مما سلف من الأدلة أنه لا يجوز بقاء هذه التصاوير المشار إليها على حالها بل يجب قطع رأسها أو طمسها ما لم تكن في بساط ونحوه مما يداس ويمتهن، فإنه لا بأس بتركها على حالها كما تقدم الدليل على ذلك في أحاديث عائشة وأبي هريرة، وأما اللعب المصورة على صورة شيء من ذوات الأرواح فقد اختلف العلماء في جواز اتخاذها للبنات وعدمه. وقد ثبت في الصحيحين «عن عائشة قالت: كنت ألعب بالبنات عند النبي ﷺ وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله ﷺ إذا دخل يتقمعن منه، فيسر بهن إلي فيلعبن معي (٢)». قال الحافظ في الفتح: استدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور البنات واللعب من أجل لعب البنات بهن، وخص ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدريبهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن، قال: وذهب بعضهم إلى أنه

стр. 7669

منسوخ، وإليه مال ابن بطال وحكي عن ابن أبي زيد عن مالك: أنه كره أن يشتري الرجل لابنته الصور، ومن ثم رجح الداودي أنه منسوخ. وقد ترجم ابن حبان " الإباحة لصغار النساء اللعب باللعب " وترجم له النسائي " إباحة الرجل لزوجته اللعب بالبنات " فلم يقيد بالصغر، وفيه نظر. قال البيهقي بعد تخريج الأحاديث: ثبت النهي عن اتخاذ الصور، فيحمل على أن الرخصة لعائشة في ذلك كانت قبل التحريم، وبه جزم ابن الجوزي - إلى أن قال - وأخرج أبو داود والنسائي من وجه آخر «عن عائشة قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو خيبر - فذكر الحديث في هتكه الستر الذي نصبته على بابها - قالت: فكشف ناحية الستر على بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي. قالت: ورأى فيها فرسا مربوطا له جناحان، فقال: ما هذا؟ قلت: فرس. قال: فرس له جناحان؟ قلت: ألم تسمع أنه كان لسليمان خيل لهل أجنحة؟ فضحك (١)» - إلى أن قال - قال الخطابي: في هذا الحديث أن اللعب بالبنات ليس كالتلهي بسائر الصور التي جاء فيها الوعيد، وإنما أرخص لعائشة فيها لأنها إذ ذاك كانت غير بالغة. قلت: وفي الجزم به نظر لكنه محتمل؛ لأن عائشة كانت في غزوة خيبر بنت أربع عشرة سنة، إما أكملتهما أو جاوزتها أو قاربتها، وأما في غزوة تبوك فكانت قد بلغت قطعا، فيترجح رواية من قال " في خيبر " ويجمع بما قال الخطابي؛ لأن ذلك أولى من التعارض اهـ. المقصود من كلام الحافظ (٢). إذا عرفت ما ذكره الحافظ - رحمه الله تعالى - فالأحوط ترك اتخاذ اللعب المصورة؛ لأن في حلها شكا لاحتمال أن يكون إقرار النبي ﷺ لعائشة على اتخاذ اللعب المصورة قبل الأمر بطمس الصور، فيكون ذلك منسوخا بالأحاديث التي فيها الأمر بمحو الصور وطمسها، إلا ما قطع رأسه أو كان ممتهنا، كما ذهب إليه البيهقي وابن الجوزي، ومال إليه ابن بطال، ويحتمل أنها مخصوصة من النهي كما

стр. 7670

قاله الجمهور لمصلحة التمرين؛ ولأن في لعب البنات بها نوع امتهان، ومع الاحتمال المذكور والشك في حلها الأحوط تركها، وتمرين البنات بلعب غير مصورة حسما لمادة بقاء الصور المجسدة، وعملا بقوله ﷺ : «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك (١)»، وقوله في حديث النعمان بن بشير المخرج في الصحيحين مرفوعا «الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمها كثير من الناس فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام كالراعي يرعى حول الحمى يوشك أن يقع فيه (٢)» والله أعلم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 7671

حديث شريف عن ابن عمر ﵄ قال: «أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل (١)»، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك (رواه البخاري).

стр. 7672

تنويه واعتذار نعتذر للإخوة القراء عن الخطأ المطبعي الذي وقع في العدد السادس عشر بالصفحة ٢٢٢ السطر الثاني حيث كتب اسم عبد المطلب والصواب عبد اللطيف.

стр. 7673

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ (١) (سورة الأنعام الأية ٧٠)

стр. 7674

المشرف العام سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد لجنة الإشراف الدكتور عبد العزيز بن محمد العبد المنعم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين الشيخ أحمد بن عبد الرزاق الدويش الدكتور محمد بن سعد الشويعر

стр. 7675

مجلة البحوث الإسلامية مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد - الرياض الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء رئيس التحرير محمد بن سعد الشويعر مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا

стр. 7676

المحتويات الافتتاحية وجوب عبادة الله وحده وبيان أسباب النصر على الأعداء لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧ موضوع العدد: بحث الشفعة اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣ الفتاوى: فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ٧١ من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١١٧ بحوث في الفقه: تعقيب على مقال الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر: (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) سماحة الشيخ عبد العزيز ابن عبد الله بن باز ١٢١ دراسة لمقال الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر: (موقف الشريعة الإسلامية من المصارف) الدكتور محمد بن أحمد الصالح ١٣٧ بل الفائدة المصرفية من ربا النسيئة الدكتور شوقي أحمد دنيا ١٦٣

стр. 7677

تراجم: من أفذاذنا العلماء الشيخ محمد بن إبراهيم الشيخ عبد الله بن سليمان المنيع ٢١١ من أعلام المجددين شيخ الإسلام ابن تيمية الدكتور صالح بن فوزوان الفوزان ٢٣٩ تحقيق مخطوطة: مخطوطة (التمييز في معرفة أقسام الألفات) تحقيق الدكتور علي حسين البواب ٢٦٥ دراسة في السنة: أحاديث الصحيحين بين الظن واليقين الشيخ حافظ ثناء الله الزاهدي ٢٨٩ مقابلة وكلمة: مقابلة مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أجرتها صحيفة تكبير الباكستانية ٣٢٩ وجوب أداء الصلاة في الجماعة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٣٧

стр. 7678

صفحة فارغة

стр. 7679

الافتتاحية وجوب عبادة الله وحده وبيان أسباب النصر على أعداء الله. سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد فإن أهم واجب على المكلف وأعظم فريضة عليه أن يعبد ربه سبحانه رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم القائل في كتابه الكريم ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) وأخبر سبحانه في موضع آخر في كتابه أنه خلق الثقلين لعبادته فقال ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (٢)

стр. 7680

وهذه العبادة التي خلق الله الثقلين من أجلها هي توحيده، بأنواع العبادة من الصلاة والصوم والزكاة والحج والركوع والسجود والطواف والذبح والنذر والخوف والرجاء والاستغاثة والاستعانة والاستعاذة وسائر أنواع الدعاء ويدخل في ذلك طاعته سبحانه في جميع أوامره وترك نواهيه على ما دل عليه كتابه الكريم وسنة رسوله الأمين عليه من ربه أفضل الصلاة والتسليم وقد أمر الله سبحانه جميع الثقلين بهذه العبادة التي خلقوا لها وأرسل الرسل جميعا وأنزل الكتب لبيان هذه العبادة وتفصيلها والدعوة إليها والأمر بإخلاصها لله وحده، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (١) وقال : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) ومعنى قضى في هذه الآية أمر وأوصى وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣) والآيات في هذا المعنى في كتاب الله كثيرة وقال : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٥) وقال : ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٦).

стр. 7681

وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (١)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (٣) ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ (٤). فهذه الآيات المحكمات وما جاء في معناها من كتاب الله كلها تدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده وأن ذلك هو أصل الدين وأساس الملة كما تدل على أن ذلك هو الحكمة في خلق الجن والإنس وإرسال الرسل وإنزال الكتب فالواجب على جميع المكلفين العناية بهذا الأمر والتفقه فيه والحذر مما وقع فيه الكثيرون من المنتسبين إلى الإسلام من الغلو في الأنبياء والصالحين والبناء على قبورهم واتخاذ المساجد والقباب عليها وسؤالهم والاستغاثة بهم واللجاء إليهم وسؤالهم قضاء الحاجات وتفرج الكروب وشفاء المرضى والنصر على الأعداء إلى غير ذلك من أنواع الشرك الأكبر وقد صح عن رسول الله ﷺ ما يوافق ما دل عليه كتاب الله ، ففي الصحيحين عن معاذ بن جبل ﵁ «أن النبي ﷺ قال له: أتدري ما حق الله على العباد وما حق العباد على الله؟ فقال معاذ: قلت الله ورسوله أعلم. فقال النبي ﷺ : " حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا (٥)» الحديث، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال «من مات وهو يدعو لله ندا دخل النار (٦)»

стр. 7682

وخرج مسلم في صحيحه عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة ومن لقيه يشرك به شيئا دخل النار (١)» والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وهذه المسألة هي أهم المسائل وأعظمها وقد بعث الله نبيه محمدا ﷺ بالدعوة إلى التوحيد والنهي عن الشرك فقام بتبليغ ما بعثه الله به ﵊ أكمل قيام وأوذي في الله أشد الأذى فصبر على ذلك وصبر معه أصحابه ﵃ على تبليغ الدعوة حتى أزال الله من الجزيرة العربية جميع الأصنام والأوثان ودخل الناس في دين الله أفواجا وكسرت الأصنام التي حول الكعبة وفي داخلها وهدمت اللات والعزى ومناة وكسرت جميع الأصنام التي في قبائل العرب ثم توجه المسلمون بالدعوة والجهاد إلى خارج الجزيرة وهدى الله بهم من سبقت له السعادة من العباد ونشر الله بهم الحق والعدل في غالب أرجاء المعمورة وصاروا بذلك أئمة الهدى وقادة الحق ودعاة العدل والإصلاح وسار على سبيلهم من التابعين وأتباعهم بإحسان أئمة الهدى ودعاة الحق ينشرون دين الله ويدعون الناس إلى توحيد الله ويجاهدون في سبيل الله بأنفسهم وأموالهم لا يخافون في الله لومة لائم فأيدهم الله ونصرهم وأظهرهم على من ناوأهم ووفى لهم بما وعدهم به في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ (٢). وقوله : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٣) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٤) ثم غير الناس بعد

стр. 7683

ذلك وتفرقوا وتساهلوا بأمر الجهاد وآثروا الراحة واتباع الشهوات وظهرت فيهم المنكرات إلا من عصم الله سبحانه. فغير الله عليهم وسلط عليهم عدوهم جزاء بما كسبوا وما ربك بظلام للعبيد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (١) فالواجب على جميع المسلمين حكومات وشعوبا الرجوع إلى الله سبحانه وإخلاص العبادة له وحده والتوبة إليه مما سلف من تقصيرهم وذنوبهم والبدار بأداء ما أوجب الله عليهم من الفرائض والابتعاد عما حرم عليهم والتواصي فيما بينهم بذلك والتعاون عليه. ومن أهم ذلك إقامة الحدود الشرعية وتحكيم الشريعة بين الناس في كل شيء والتحاكم إليها وتعطيل القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله وعدم التحاكم إليها وإلزام جميع الشعوب بحكم الشرع، كما يجب على العلماء تفقيه الناس في دينهم ونشر التوعية الإسلامية بينهم والتواصي بالحق والصبر عليه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتشجيع الحكام على ذلك كما يجب محاربة المبادئ الهدامة من شيوعية واشتراكية وبعثية وتعصب للقوميات وغيرها من المبادئ والمذاهب المخالفة للشريعة. وبذلك يصلح الله للمسلمين ما كان فاسدا ويرد لهم ما كان شاردا ويعيد لهم مجدهم السالف وينصرهم على أعدائهم ويمكن لهم في الأرض كما قال تعالى وهو أصدق القائلين: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣)

стр. 7684

وقال سبحانه: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ (١) ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (٢). والله المسؤول سبحانه أن يصلح قادة المسلمين وعامتهم وأن يمنحهم الفقه في الدين ويجمع كلمتهم على التقوى ويهديهم جميعا صراطه المستقيم وينصر بهم الحق ويخذل بهم الباطل وأن يوفقهم جميعا للتعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله وخيرته من خلقه نبينا وإمامنا سيدنا محمد بن عبد الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه. الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد

стр. 7685

موضوع العدد: الشفعة إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء الحمد لله وحده، وبعد: فبناء على ما تقرر في الدورة السابعة لهيئة كبار العلماء المنعقدة في النصف الأول من شهر شعبان عام ١٣٩٥ هـ من إدراج موضوع الشفعة بالمرافق الخاصة في جدول أعمال الدورة الثامنة المتقرر انعقادها في أول ربيع الثاني عام ١٣٩٦ هـ وحيث إن دراسة أي موضوع يستلزم إعداد بحث فيه، فقد أعدت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بحثا في الموضوع يشتمل على تعريف الشفعة في اللغة وفي الاصطلاح الشرعي وعلى مستند مشروعيتها وحكمة ذلك، وعلى مجموعة من مسائل الشفعة مما هي موضع خلاف بين أهل العلم وفي مقدمة ذلك الشفعة بالمرافق الخاصة، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.،،.

стр. 7686

الشفعة في اللغة: الشفعة من شفع يشفع شفعا كمنع، بمعنى الضم والزيادة، وتطلق أيضا فيراد بها المال المشفوع فيه وتطلق ويراد بها تملك ذلك المال، قال في المصباح المنير: شفعت الشيء شفعا من باب نفع ضممته إلى الفرد وشفعت الركعة جعلتها ثنتين، ومن هنا اشتقت الشفعة وهي مثال غرفة لأن صاحبها يشفع ماله بها، وهي اسم للملك المشفوع مثل اللقمة اسم للشيء الملقوم، وتستعمل بمعنى التملك لذلك الملك ومنه قولهم: من ثبت له شفعة فأخر الطلب بغير عذر بطلت شفعته، ففي هذا المثال جمع بين المعنيين فإن الأولى للمال والثانية للتملك. أهـ. وفي لسان العرب: الشفع من الأعداد ما كان زوجا تقول كان وترا فشفعته بآخر وشفعة الضحى ركعتا الضحى- إلى أن قال- وسئل أبو العباس عن اشتقاقها في اللغة فقال: الشفعة الزيادة وهو أن يشفعك فيما تطلب حتى تضمه إلى ما عندك فتزيده وتشفعه بها أي تزيده بها أي أنه كان وترا واحدا فضم إليه ما زاده وشفعه به. اهـ.

стр. 7687

الشفعة في الاصطلاح الشرعي: اختلف الفقهاء رحمهم الله تعالى في تعريف الشفعة تبعا لاختلافهم في موجباتها وشروطها وفيمن لهم حق الشفعة، فذهب الحنفية إلى أن الشفعة حق تملك المرء ما بيع من عقار أو ما هو في حكم العقار مما هو متصل بعقاره من شركة أو جوار بمثل الثمن الذي قام عليه المشتري وذلك لدفع ضرر الشراكة أو الجوار.

стр. 7688

وذهب المالكية إلى أن الشفعة استحقاق شريك أخذ مبيع شريكه بثمنه. قوله شريك قيد أخرج به الجار والشريك في حق المبيع. وقوله مبيع قيد أخرج- الموهوب بلا عوض وكذا الموروث (١). وذهب الشافعية إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه المنتقل عنه من يد من انتقلت إليه بمثل العوض المسمى (٢). وذهب الحنابلة إلى أن الشفعة استحقاق الشريك انتزاع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه إن كان مثله أو دونه بعوض مالي بثمنه الذي استقر عليه العقد، فقوله: الشريك قيد خرج به الجار والشريك في حق المبيع. وقوله: إن كان مثله أو دونه قيد خرج به الكافر فلا شفعة له على مسلم وقوله بثمنه الذي استقر عليه العقد خرج به الموهوب والموروث وما كان صداقا أو عوض خلع أو نحوهما (٣). مما تقدم تتضح العلاقة بين المعنيين اللغوي والشرعي فإذا كانت الشفعة لغة بمعنى الضم والزيادة فإن الشفيع بانتزاعه حصة شريكه من يد من انتقلت إليه بضم تلك الحصة إلى ما عنده فيزيد بها تملكه فالضم والزيادة موجودان في المعنيين اللغوي والشرعي غير أن الشفعة في عرف الشرع اعتبر فيها قيود جعلتها أخص من معناها في اللغة.

стр. 7689

مشروعية الشفعة: الشفعة ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع:

стр. 7690

أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وقد ثبت في الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة فيما لم يقسم (٢)». وأما السنة فقد ورد بمشروعيتها جملة أحاديث وآثار نذكر منها ما يلي: ١) روى البخاري في صحيحه وأبو داود والترمذي في سننهما بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وضعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣)». . ولمسلم بسنده إلى جابر قال «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة ما لم تقسم ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك وإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به حتى يؤذنه (٤)». وفي رواية للترمذي «من كان له شريك في حائط فلا يبيع نصيبه من ذلك حتى يعرضه على شريكه (٥)». ٢) ولأبي داود بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «إذا قسمت الدار وحددت فلا شفعة فيها». قال الشوكاني في النيل ورجال إسناده ثقات ورواه ابن ماجه بمعناه. ٣) وللترمذي بإسناده إلى ابن عباس ﵄ أن النبي ﷺ قال: «الشريك شفيع والشفعة في كل شيء (٦)» ورجاله ثقات إلا أنه أعل بالإرسال كما قال الترمذي. وفي رواية للطحاوي بإسناده إلى جابر بن عبد الله ﵄ «أن النبي ﷺ قضى بالشفعة

стр. 7691

في كل شيء»، قال الشوكاني في النيل إسناد حديث جابر لا بأس برواته كما قاله الحافظ. ٤) وللبخاري وأبي داود والنسائي واللفظ للبخاري بإسناده إلى عمرو بن الشريد قال وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دارك فقال سعد والله ما أبتاعهما فقال المسور والله لتبتاعنهما فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة فقال أبو رافع لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١)» ما أعطيتكها بأربعة آلاف وأنا أعطى بها خمسمائة دينار فأعطاه إياها. هـ) ولأحمد والأربعة بإسنادهم إلى جابر بن عبد الله ﵄ قال قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢)» قال في البلوغ ورجاله ثقات. قال الصنعاني في شرحه: أحسن المصنف بتوثيق رجاله وعدم إعلاله وإلا فإنهم قد تكلموا في هذه الرواية بأنه انفرد بزيادة قوله: إذا كان طريقهما واحدا، عبد الملك بن أبي سليمان العرزمي. قلت وعبد الملك ثقة مأمون لا يضر انفراده كما عرف في الأصول وعلوم الحديث. ٦) وفي الموطأ أن عثمان بن عفان ﵁ قال: إذا وقعت الحدود في الأرض فلا شفعة فيها ولا شفعة في بئر ولا في فحل النخل. قال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا. ٧) ولابن ماجه بسند ضعيف إلى ابن عمر ﵄: الشفعة

стр. 7692

كحل العقال ورواه ابن حزم وزاد: فإن قيدها مكانه ثبت حقه وإلا فاللوم عليه. وأخرج عبد الرزاق عن شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وأما الإجماع، فقد أجمع أهل العلم على القول بها ولم يعرف فيها مخالف إلا ما نقل عن أبي بكر بن الأصم من إنكارها بحجة أن في إثباتها إضرارا بأرباب الأملاك حيث إن المشتري يحجم عن الشراء إذا علم أن ما يشتريه سينتزع منه فيتضرر الملاك بذلك. وقد رد ابن قدامة ﵀ شبهته في معرض بحثه إجماع الأمة على القول بالشفعة فقال: وأما الإجماع فقال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على إثبات الشفعة للشريك الذي لم يقاسم فيما بيع من أرض أو دار أو حائط والمعنى في ذلك أن أحد الشريكين إذا أراد أن يبيع نصيبه وتمكن من بيعه لشريكه وتخليصه مما كان بصدده من توقع الحصة والاستخلاص فالذي يقتضيه حسن العشرة أن يبيعه منه ليصل إلى غرضه من بيع نصيبه وتخليص شريكه من الضرر فإذا لم يفعل ذلك وباعه لأجنبي سلط الشرع الشريك على صرف ذلك إلى نفسه. ولا نعلم أحدا خالف هذا إلا الأصم فإنه قال لا تثبت الشفعة لأن في ذلك إضرارا بأرباب الأملاك فإن المشتري إذا علم أنه يؤخذ منه إذا ابتاعه لم يبتعه ويتقاعد الشريك عن الشراء فيستضر المالك. وهذا ليس بشيء لمخالفته الآثار الثابتة والإجماع المنعقد قبله. والجواب عما ذكره من وجهين: أحدهما: أنا نشاهد الشركاء يبيعون ولا يعدم من يشتري منهم غير شركائهم ولم يمنعهم استحقاق الشفعة من الشراء.

стр. 7693

الثاني: أنه يمكنه إذا لحقته بذلك مشقة أن يقاسم فيسقط استحقاق الشفعة. اهـ (١).

стр. 7694

دفع شبه القول بمنافاتها للقياس. لقد تكلم بعض أهل العلم في الشفعة من حيث زعم بعضهم منافاتها لبعض الأصول والمبادئ الشرعية فقال السرخسي: وزعم بعض أصحابنا ﵏ أن القياس يأبى ثبوت حق الشفعة لأنه يتملك على المشتري ملكا صحيحا له بغير رضاه وذلك لا يجوز فإنه من نوع الأكل بالباطل وتأيد هذا بقوله ﷺ : «لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه (١)» ولأنه بالأخذ يدفع الضرر عن نفسه على وجه يلحق الضرر بالمشتري في إبطال ملكه عليه وليس لأحد أن يدفع الضرر عن نفسه بالإضرار بغيره. اهـ (٢). وأورد ابن القيم ﵀ شبهة لنفاة الحكم والتعليل والقياس فقال: وحرم أخذ مال الغير إلا بطيب نفس منه ثم سلطه علما أخذ عقاره وأرضه بالشفعة. وقد رد ﵀ على هذه الشبهة وعلى دعوى منافاة مشروعية الشفعة لأصول الشريعة ومبادئها فقال: من محاسن الشريعة وعدلها وقيامها بمصالح العباد ورودها بالشفعة، ولا يليق بها غير ذلك، فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله. وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به.

стр. 7695

ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب، فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض، شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة، وانفراد كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة، وانفراد أحد الشريكين بالجملة، إذا لم يكن على الآخر ضرر في ذلك فإن أراد بيع نصيبه وأخذ عوضه كان شريكه أحق به من الأجنبي وهو يصل إلى غرضه من العوض من أيهما كان فكان الشريك أحق بدفع العوض من الأجنبي، ويزول عنه ضرر الشركة، ولا يتضرر البائع لأنه يصل إلى حقه من الثمن، وكان هذا من أعظم العدل وأحسن الأحكام المطابقة للعقول والفطر ومصالح العباد. اهـ (١)

стр. 7696

الحكمة في مشروعية الشفعة لا شك أن الشريعة الإسلامية تهدف بتشريعاتها إلى تحقيق العدل وتعميم الرخاء وتحصيل المصالح ودرء المفاسد فهي عدل الله بين عباده ورحمته بين خلقه وظله في أرضه وحكمته الدالة عليه. والشفعة شرع الله شرعها تعالى بلسان رسوله ﷺ فلا شك أن لمشروعيتها حكمة اقتضاها عدله تعالى بين عباده ورحمته بين خلقه، ولا شك أن من الحكمة في مشروعيتها إزالة الضرر بين الشركاء أو الضرر مطلقا فإن الشركات في الغالب تعتبر موطنا للخصومات ومحلا للتضرر والتعديات قال تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ (١) قال ابن القيم ﵀: ولما كانت الشركة منشأ الضرر في الغالب فإن الخلطاء يكثر فيهم بغي بعضهم على بعض شرع الله سبحانه رفع هذا الضرر بالقسمة تارة وانفراد

стр. 7697

كل من الشريكين بنصيبه، وبالشفعة تارة وانفراد أحد الشريكين بالجملة. اهـ (١). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في الشفعة: فإنها شرعت لتكميل الملك للشفيع لما في الشركة من التضرر. اهـ (٢). ونقل علي حيدر عن مجمع الأنهر: أن الحكمة في مشروعيتها دفع ما ينشأ من سوء الجوار من الضرر على وجه التأييد كإيقاد النار وإعلاء الجدار وإثارة الغبار ومنع ضوء النهار وإقامة الدواب والصغار. اهـ (٣). وباستعراض ما تقدم من تعاريف الشفعة لدى أهل العلم وحكمة مشروعيتها يتضح ما يلي: ا) اتفاقهم على القول بالشفعة على وجه الإجمال. ٢) اتفاقهم على ثبوت الشفعة للشريك المسلم بشرطه. ٣) اتفاقهم على عدم اعتبار رضا الشريك والمشفوع عليه في انتزاع الشفيع حصة شريكه من يد من انتقلت إليه. ٤) اتفاقهم في الجملة على ثبوت الشفعة في العقار. ٥) اختلافهم في سبب الشفعة حيث اتفق الأئمة الثلاثة مالك، والشافعي، وأحمد على أن الشفعة خاصة للشريك فلا شفعة بجوار ولا بمرفق خاص مشترك كطريق وبئر ومسيل وخالف في ذلك الإمام أبو حنيفة حيث أثبت الشفعة بالجوار وبالمرافق الخاصة ووافقه في ذلك الإمام أحمد في رواية عنه في الشفعة بالمرافق الخاصة.

стр. 7698

٦) اختلافهم في الشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار كالحمام الصغير والحانوت. ٧) اختلافهم في الشركة في المنقولات هل فيها شفعة. ٨) اختلافهم في الكافر هل له حق الشفعة على المسلم حيث اتفق الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك والشافعي على إثبات الشفعة له على المسلم وخالفهم في ذلك الإمام أحمد حيث منعها عنه بحجة أنه ليس له مثل حق المسلم. ٩) اختلافهم فيما إذا انتقلت الحصة إلى الغير بعوض غير مسمى. ١٠) اختلافهم في الوقف هل تثبت فيه وبه الشفعة. ١١) اختلافهم في شفعة غير المكلف كالصبي والمجنون. ١٢) اختلافهم في شفعة الغائب. ١٣) اختلافهم في إرث الحق في الشفعة.

стр. 7699

وفيما يلي ذكر بعض من أقوال أهل العلم فيما اختلفوا فيه مما ذكر. ١ - الاشتراك فيما لا يقبل القسمة من العقار: اختلف أهل العلم في ثبوت الشفعة بالشركة فيما لا يقبل القسمة من العقار كالحمام الصغير والحانوت فذهب جمهور الشافعية والحنابلة إلى أن الشركة في ذلك لا تعتبر سببا للأخذ بالشفعة لأن الشفعة مشروعة لدفع ضرر مؤنة القسمة واستحداث المرافق وهذا غير موجود فيما لا يقبل القسمة، فانتفت الشفعة. قال في المنهاج: وكل ما لو قسم بطلت منفعته المقصودة، كحمام ورحى لا شفعة فيه على الأصح اهـ (١). وقال في المجموع: ولا تجب إلا فيما تجب قسمته عند الطلب، فأما

стр. 7700

مالا تجب قسمته كالرحى والبئر الصغيرة والدار الصغيرة فلا تثبت فيه الشفعة، وقال أبو العباس: تثبت فيه الشفعة لأنه عقار فتثبت فيه الشفعة قياسا على ما تجب قسمته والمذهب الأول لما روي عن أمير المؤمنين عثمان ﵁ أنه قال: لا شفعة في بئر والأرف تقطع كل شفعة ولأن الشفعة إنما تثبت للضرر الذي يلحقه بالمقاسمة وذلك لا يوجد فيما لا يقسم. اهـ (١). وذكر الشربيني وجه الخلاف في المذهب في ذلك فقال: هذا الخلاف مبني على ما مر من أن علة ثبوت الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة واستحداث المرافق إلخ. . . والثاني مبني على أن العلة دفع ضرر الشركة فيما يدوم وكل من الضررين حاصل قبل البيع ومن حق الراغب فيه من الشريكين أن يخلص صاحبه منهما بالبيع له فإذا باع لغيره سلطه الشرع على أخذه منه لما روى مسلم عن جابر: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة ربعة أو حائط لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٢)». اهـ (٣). وقال ابن قدامة ﵀: الشرط الثالث أن يكون المبيع مما يمكن قسمته فأما ما لا يمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والرحى الصغير والعضادة والطريق الضيقة والعراص الضيقة فعن أحمد روايتان، إحداهما: لا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي. . والثانية فيها الشفعة- إلى أن قال- والأول ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال «لا شفعة في فناء ولا طريق ولا منقبة» والمنقبة الطريق الضيقة رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، وروي عن عثمان رضي

стр. 7701

الله عنه أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل. ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها ويمكن أن يقال أن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وقولهم إن الضرر ههنا أكثر لتأبده، قلنا إلا أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية وفي الشفعة ههنا ضرر غير موجود في محل الوفاق وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق. اهـ (١). وقد اختلفت الرواية عن الإمام مالك ﵀ في ذلك قال أبو عبد الله المواق: قال ابن رشد: الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من الأصول دون ما لا ينقسم وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك في المدونة قال مالك إذا كانت نخلة بين رجلين فباع أحدهما حصته فلا شفعة لصاحبه فيها وفي المدونة أيضا قال مالك في الحمام الشفعة وهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الأرض لما في قسم ذلك من الضرر وقاله مالك وأصحابه أجمع. اهـ (٢). وذهب الحنفية ومن وافقهم من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى ثبوت الشفعة في العقار مطلقا سواء أمكن قسمته أم لم تمكن وهذا القول رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أصحابه كما اختاره بعض أصحاب الشافعي كأبي العباس بن سريج وهو رواية المهذب عن الإمام مالك ﵀.

стр. 7702

قال السرخسي: واستحقاق الشفعة في الحمام والرحى قولنا- وذكر توجيه ذلك- بأنه لدفع ضرر البادئ بسوء المجاورة على الدوام وذلك فيما لا يحتمل القسمة موجود لاتصال أحد المالكين بالآخر على وجه التأبيد والقرار وحجتنا في ذلك ما روينا من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشفعة في كل شيء ربع أو حائط (١)». ولأن الحمام لو كان مهدوما فباع أحد الشريكين نصيبه كان للشريك الشفعة وما يستحق بالشفعة مهدوما يستحق بالشفعة مثبتا كالشقص من الجدار ثم أجاب عن القول بأن علة الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة وأنه لا قسمة فيما لا يقبلها فقال: وبهذا يتبين أن مؤونة المقاسمة إن كانت لا تلحقه في الحال فقد تلحقه في الثاني وهو ما بعد الانهدام إذا طلب أحدهما قسمة الأرض بينهما. اهـ (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة قسمة الإجبار كالقرية والبستان ونحو ذلك وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار وإنما يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة على قولين، أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي كابن سريج وطائفة من أصحاب أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وهي رواية المهذب عن مالك وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله. والثاني: لا تثبت فيه الشفعة- ثم قال- والقول الأول أصح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٣)»، ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة

стр. 7703

والحائط أن يكون مما يقبل القسمة فلا يجوز تقييد كلام رسول الله ﷺ بغير دلالة من كلامه لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا ففي الصحيحين «عن النبي ﷺ أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)». فلم يمنع الشفعة إلا مع إقامة الحدود وصرف الطرق وهذا الحديث في الصحيح عن جابر وفي السنن عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢)». فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى- إلى أن قال- وأيضا فمن المعلوم أنه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد، وظن من ظن أنها تثبت لرفع ضرر المقاسمة لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة. ولو كان ضرر المشاركة (٣) أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل فإن شريعة الله منزهة عن مثل هذا. وأما قولهم هذا يستلزم ضرر الشريك البائع فجوابه أنه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين فإن العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. اهـ (٤).

стр. 7704

وقال ابن قدامة ﵀: في معرض توجيه القول بثبوت الشفعة فيما لا تمكن قسمته بعد أن ذكر أنه رواية عن الإمام أحمد ﵀: ووجه هذا عموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١)» وسائر الألفاظ العامة ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره. اهـ (٢). وسئل الشيخ حمد بن ناصر والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله عن الشفعة في أرض لا تمكن قسمتها إجبارا فأجابا: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد الأولى أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته فأما ما لا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والعضادة والطريق الضيقة فلا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة. قال الموفق في المغني وهو ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا في طريق ولا في منقبة». والمنقبة الطريق الضيق رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، والرواية الثانية تثبت الشفعة فيه وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج ورواية عن مالك واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين، قال الحارثي وهو الحق لعموم قوله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم وسائر الألفاظ ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره وهذا هو المفتى به عندنا وهو الراجح. اهـ (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ إجابة لسؤال وجه إليه عن رأيه في اشتراط أن تكون الشفعة في أرض تجب قسمتها ما نصه:

стр. 7705

وأما المسألة الثانية وهي أنهم ﵏ لم يثبتوا الشفعة إلا في العقار الذي يمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته فهذا ضعيف أيضا لأن حديث جابر المرفوع «قضى ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم (١)» - وهو في الصحيح - صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم سواء أمكنت قسمته بلا ضرر أم لا. ومن جهة المعنى الذي أثبت الشارع الشفعة فيه للشريك لإزالة ضرر الشركة وهذا المعنى موجود في الأرض التي لا يمكن قسمتها أكثر من غيرها لتمكنه في غيرها بإزالة ضرر الشركة في القسمة فيما يقسم بلا ضرر وأما ما لا يمكن قسمته إلا بضرر فهو أعظم ضررا من غيره فكيف لا تثبت به وهذا هو الصحيح وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد. اهـ (٢).
следующие страницы →