← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 7701–7740 · переход к 7706.

стр. 7701

الله عنه أنه قال: لا شفعة في بئر ولا فحل. ولأن إثبات الشفعة في هذا يضر بالبائع لأنه لا يمكنه أن يتخلص من إثبات الشفعة في نصيبه بالقسمة وقد يمنع المشتري لأجل الشفيع فيتضرر البائع وقد يمتنع البيع فتسقط الشفعة فيؤدي إثباتها إلى نفيها ويمكن أن يقال أن الشفعة إنما تثبت لدفع الضرر الذي يلحقه بالمقاسمة لما يحتاج إليه من إحداث المرافق الخاصة ولا يوجد هذا فيما لا ينقسم. وقولهم إن الضرر ههنا أكثر لتأبده، قلنا إلا أن الضرر في محل الوفاق من غير جنس هذا الضرر وهو ضرر الحاجة إلى إحداث المرافق الخاصة فلا يمكن التعدية وفي الشفعة ههنا ضرر غير موجود في محل الوفاق وهو ما ذكرناه فتعذر الإلحاق. اهـ (١). وقد اختلفت الرواية عن الإمام مالك ﵀ في ذلك قال أبو عبد الله المواق: قال ابن رشد: الشفعة إنما تكون فيما ينقسم من الأصول دون ما لا ينقسم وهذا أمر اختلف فيه أصحاب مالك في المدونة قال مالك إذا كانت نخلة بين رجلين فباع أحدهما حصته فلا شفعة لصاحبه فيها وفي المدونة أيضا قال مالك في الحمام الشفعة وهو أحق أن تكون فيه الشفعة من الأرض لما في قسم ذلك من الضرر وقاله مالك وأصحابه أجمع. اهـ (٢). وذهب الحنفية ومن وافقهم من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى ثبوت الشفعة في العقار مطلقا سواء أمكن قسمته أم لم تمكن وهذا القول رواية عن الإمام أحمد اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وغيره من أصحابه كما اختاره بعض أصحاب الشافعي كأبي العباس بن سريج وهو رواية المهذب عن الإمام مالك ﵀.

стр. 7702

قال السرخسي: واستحقاق الشفعة في الحمام والرحى قولنا- وذكر توجيه ذلك- بأنه لدفع ضرر البادئ بسوء المجاورة على الدوام وذلك فيما لا يحتمل القسمة موجود لاتصال أحد المالكين بالآخر على وجه التأبيد والقرار وحجتنا في ذلك ما روينا من حديث جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: «الشفعة في كل شيء ربع أو حائط (١)». ولأن الحمام لو كان مهدوما فباع أحد الشريكين نصيبه كان للشريك الشفعة وما يستحق بالشفعة مهدوما يستحق بالشفعة مثبتا كالشقص من الجدار ثم أجاب عن القول بأن علة الشفعة دفع ضرر مؤونة القسمة وأنه لا قسمة فيما لا يقبلها فقال: وبهذا يتبين أن مؤونة المقاسمة إن كانت لا تلحقه في الحال فقد تلحقه في الثاني وهو ما بعد الانهدام إذا طلب أحدهما قسمة الأرض بينهما. اهـ (٢). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: اتفق الأئمة على ثبوت الشفعة في العقار الذي يقبل القسمة قسمة الإجبار كالقرية والبستان ونحو ذلك وتنازعوا فيما لا يقبل قسمة الإجبار وإنما يقسم بضرر أو رد عوض فيحتاج إلى التراضي، هل تثبت فيه الشفعة على قولين، أحدهما: تثبت وهو مذهب أبي حنيفة واختاره بعض أصحاب الشافعي كابن سريج وطائفة من أصحاب أحمد كأبي الوفاء بن عقيل وهي رواية المهذب عن مالك وهذا القول هو الصواب كما سنبينه إن شاء الله. والثاني: لا تثبت فيه الشفعة- ثم قال- والقول الأول أصح فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «من كان له شريك في أرض أو ربعة أو حائط فلا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه فإن شاء أخذ وإن شاء ترك فإن باع ولم يؤذنه فهو أحق به (٣)»، ولم يشترط النبي ﷺ في الأرض والربعة

стр. 7703

والحائط أن يكون مما يقبل القسمة فلا يجوز تقييد كلام رسول الله ﷺ بغير دلالة من كلامه لا سيما وقد ذكر هذا في باب تأسيس إثبات الشفعة وليس عنه لفظ صحيح صريح في الشفعة أثبت من هذا ففي الصحيحين «عن النبي ﷺ أنه قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)». فلم يمنع الشفعة إلا مع إقامة الحدود وصرف الطرق وهذا الحديث في الصحيح عن جابر وفي السنن عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (٢)». فإذا قضى بها للاشتراك في الطريق فلأن يقضي بها للاشتراك في رقبة الملك أولى وأحرى- إلى أن قال- وأيضا فمن المعلوم أنه إذا أثبت النبي ﷺ الشفعة فيما يقبل القسمة فما لا يقبل القسمة أولى بثبوت الشفعة فيه فإن الضرر فيما يقبل القسمة يمكن رفعه بالمقاسمة وما لا يمكن فيه القسمة يكون ضرر المشاركة فيه أشد، وظن من ظن أنها تثبت لرفع ضرر المقاسمة لا لضرر المشاركة كلام ظاهر البطلان فإنه قد ثبت بالنص والإجماع أنه إذا طلب أحد الشريكين القسمة فيما يقبلها وجبت إجابته إلى المقاسمة. ولو كان ضرر المشاركة (٣) أقوى لم يرفع أدنى الضررين بالتزام أعلاهما ولم يوجب الله ورسوله الدخول في الشيء الكثير لرفع الشيء القليل فإن شريعة الله منزهة عن مثل هذا. وأما قولهم هذا يستلزم ضرر الشريك البائع فجوابه أنه إذا طلب المقاسمة ولم يمكن قسمة العين فإن العين تباع ويجبر الممتنع على البيع ويقسم الثمن بينهما وهذا مذهب جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد. اهـ (٤).

стр. 7704

وقال ابن قدامة ﵀: في معرض توجيه القول بثبوت الشفعة فيما لا تمكن قسمته بعد أن ذكر أنه رواية عن الإمام أحمد ﵀: ووجه هذا عموم قوله ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم (١)» وسائر الألفاظ العامة ولأن الشفعة ثبتت لإزالة ضرر المشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره. اهـ (٢). وسئل الشيخ حمد بن ناصر والشيخ عبد الله بن الشيخ محمد رحمهما الله عن الشفعة في أرض لا تمكن قسمتها إجبارا فأجابا: هذه المسألة اختلف الفقهاء فيها وفيها قولان للعلماء هما روايتان عن أحمد الأولى أن الشفعة لا تثبت إلا في المبيع الذي تمكن قسمته فأما ما لا تمكن قسمته من العقار كالحمام الصغير والعضادة والطريق الضيقة فلا شفعة فيه وبه قال يحيى بن سعيد وربيعة والشافعي وهذا هو المذهب عند المتأخرين من الحنابلة. قال الموفق في المغني وهو ظاهر المذهب لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: «لا شفعة في فناء ولا في طريق ولا في منقبة». والمنقبة الطريق الضيق رواه أبو الخطاب في رؤوس المسائل، والرواية الثانية تثبت الشفعة فيه وهو قول أبي حنيفة والثوري وابن سريج ورواية عن مالك واختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين، قال الحارثي وهو الحق لعموم قوله ﷺ الشفعة فيما لم يقسم وسائر الألفاظ ولأن الشفعة تثبت لإزالة الضرر بالمشاركة والضرر في هذا النوع أكثر لأنه يتأبد ضرره وهذا هو المفتى به عندنا وهو الراجح. اهـ (٣). وقال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ إجابة لسؤال وجه إليه عن رأيه في اشتراط أن تكون الشفعة في أرض تجب قسمتها ما نصه:

стр. 7705

وأما المسألة الثانية وهي أنهم ﵏ لم يثبتوا الشفعة إلا في العقار الذي يمكن قسمته دون ما لا تمكن قسمته فهذا ضعيف أيضا لأن حديث جابر المرفوع «قضى ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم (١)» - وهو في الصحيح - صريح في عموم الشفعة في كل عقار لم يقسم سواء أمكنت قسمته بلا ضرر أم لا. ومن جهة المعنى الذي أثبت الشارع الشفعة فيه للشريك لإزالة ضرر الشركة وهذا المعنى موجود في الأرض التي لا يمكن قسمتها أكثر من غيرها لتمكنه في غيرها بإزالة ضرر الشركة في القسمة فيما يقسم بلا ضرر وأما ما لا يمكن قسمته إلا بضرر فهو أعظم ضررا من غيره فكيف لا تثبت به وهذا هو الصحيح وهو أحد القولين في مذهب الإمام أحمد. اهـ (٢).

стр. 7706

٢ - الاشتراك في المنقولات: لا يخلو أمر المنقول من حالين إما أن يكون متصلا بالأرض كالبناء والغراس مما يباع مع الأرض فهذا يؤخذ بالشفعة تبعا لأصله قال ابن قدامة ﵀ بعد أن حكاه قولا واحدا في المذهب بغير خلاف: ولا نعرف فيه بين من أثبت الشفعة خلافا. اهـ (١). وإما أن يكون منفصلا عنه كالزرع والثمرة وغيرهما من المنقولات فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الشفعة لا تثبت فيه تبعا ولا منفردا لأن الشفعة بيع في الحقيقة وما كان منفصلا لا يدخل في البيع تبعا. قال الشربيني في شرحه قول صاحب المنهاج: لا تثبت في منقول. ما نصه: لا تثبت الشفعة في منقول كالحيوان والثياب سواء أبيعت وحدها أم

стр. 7707

مضمومة إلى أرض للحديث المار فإنه يخصها بما تدخله القسمة والحدود والطرق وهذا لا يكون في المنقولات ولأن المنقول لا يدوم بخلاف العقار فيتأبد فيه ضرر المشاركة والشفعة تملك بالقهر فناسب مشروعيتها عند شدة الضرر والمراد بالمنقول ابتداء لتخرج الدار إذا انهدمت بعد ثبوت الشفعة فإن نقضها يؤخذ بالشفعة. اهـ. وقال أيضا في شرحه قول صاحب المنهاج: وكذا ثمر لم يؤبر في الأصح. ما نصه: ويأخذ الشفيع الشجر بثمرة حدثت بعد البيع ولم تؤبر عند الأخذ لأنها قد تبعت الأصل في البيع فتبعته في الأخذ بخلاف ما إذا أبرت عنده فلا يأخذها لانتفاء التبعية. أما المؤبرة عند البيع إذا دخلت بالشرط فلا تؤخذ لما سبق من انتفاء التبعية فتخرج بحصتها من الثمن. اهـ (١). وقال ابن قدامة ﵀: القسم الثاني ما لا تثبت فيه الشفعة تبعا ولا مفردا وهو الزرع والثمرة الظاهرة تباع مع الأرض فإنه لا يؤخذ بالشفعة مع الأصل، ثم ذكر توجيه ذلك بقوله لأنه لا يدخل في البيع تبعا فلا يؤخذ بالشفعة كقماش الدار وعكسه البناء والغراس وتحقيقه أن الشفعة بيع في الحقيقة لكن الشارع جعل له سلطان الأخذ بغير رضا المشتري فإن بيع الشجر وفيه ثمرة غير ظاهرة كالطلع غير المؤبر دخل في الشفعة لأنها تتبع في البيع فأشبهت الغراس في الأرض، وأما ما بيع مفردا من الأرض فلا شفعة فيه سواء كان مما ينقل كالحيوان والثياب والسفن والحجارة والزرع والثمار أو لا ينقل كالبناء والغراس إذا بيع مفردا وبهذا قال الشافعي وأصحاب الرأي. اهـ (٢).

стр. 7708

وذهب الحنفية إلى أن التمرة في الأرض تابعة للأرض في استحقاق الشفعة استحسانا إذا شرطها المبتاع، وأما القياس فإن الشفيع لا يأخذها لأنها في حكم المنفصل أشبه المتاع في الدار قال في الهداية: " ومن ابتاع أرضا وعلى نخلها ثمر أخذها الشفيع بثمرها " ومعناه إذا ذكر الثمر في البيع لأنه لا يدخل من غير ذكر وهذا الذي ذكره استحسان وفي القياس لا يأخذه لأنه ليس بتبع ألا يرى أنه لا يدخل في البيع من غير ذكر فأشبه المتاع في الدار، وجه الاستحسان أنه باعتبار الاتصال صار تبعا للعقار كالبناء في الدار وما كان مركبا فيه فيأخذه الشفيع. اهـ (١). وأما ما كان منفصلا عن الأرض كأثاث الدار والعروض والسفن والحيوانات وغير ذلك من المنقولات فلا شفعة فيها لأن الشفعة إنما وجبت لدفع ضرر سوء الجوار على الدوام والملك في المنقول لا يدوم مثل دوامه في العقار فلا تلحق به (٢). واختلفت الروايات عن الإمام مالك ﵀ في الثمرة على الأرض هل تؤخذ بالشفعة أم لا. قال ابن رشد: فتحصيل مذهب مالك أنها في ثلاثة أنواع: أحدها مقصود وهو العقار من الدور والحوانيت والبساتين. . والثاني ما يعلق بالعقار مما هو ثابت لا ينقل ولا يحول كالبئر. . والثالث ما تعلق بهذه كالثمار وفيها عنه خلاف. اهـ (٣). وقد ذكر ابن رشد في مقدماته أن النخل يوم الابتياع لا تخلو من ثلاثة أوجه، الأول ألا يكون فيها ثمرة أصلا أو يكون فيها ثمرة إلا أنها لم تؤبر وهذه الحال لا خلاف في أن الشفيع يأخذ النخل بثمرته، الثاني أن يكون فيها يوم الابتياع ثمرة مؤبرة وقد ذكر الخلاف في استحقاق

стр. 7709

الثمرة تبعا للأصل فذكر أن قول المدنيين في المدونة وهو قول أشهب وأكثر الرواة أنه لا حق للشفيع في الثمرة إذا لم يدركها حتى أبرت وأصل الخلاف في ذلك هل الأخذ بالشفعة كالأخذ بالبيع أو أن الثمرة تصير غلة بالإبار، والثالث أن يكون في النخل يوم الابتياع ثمرة قد أزهت وهذا الوجه وهذا الوجه الثاني فيه الخلاف بين أحاب مالك وقد قال ابن القاسم في المدونة أن الشفيع أحق بها ما لم تجد ويأخذها الشفيع بحكم الاستحقاق لا بحكم الشفعة. (١). وأما المنقولات المنفصلة كالسفن والحيوانات والأثاث وغيرها فلا شفعة فيها. قال في المدونة: قلت ولا شفعة في دين ولا حيوان ولا سفن ولا بر ولا طعام ولا في شيء من العروض ولا سارية ولا حجر ولا في شيء من الأشياء سوى ما ذكرت لي كان يقسم أو لا يقسم في قول مالك؟ قال: نعم لا شفعة في ذلك ولا شفعة فيما ذكرت لك. اهـ (٢). وذهب بعض أهل العلم إلى أن الشفعة ثابتة في كل شيء حتى في الثوب لما روى الترمذي بسند جيد عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس مرفوعا: «الشريك شفيع والشفعة في كل شيء (٣)»، ورواه مرسلا وصحح المرسل. قال الحافظ: ورواه الطحاوي بلفظ: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل شيء» ورجاله ثقات (٤). ولأن الشفعة شرعت لدفع ضرر المشاركة. وهذا القول رواية عن الإمام أحمد. قال ابن قدامة ﵀ في معرض كلامه على الشفعة في المنقولات ما نصه: واختلف عن مالك وعطاء فقالا مرة كذلك ومرة قالا الشفعة في كل شيء في

стр. 7710

الثوب. قال ابن أبي موسى وقد روي عن أبي عبد الله رواية أخرى أن الشفعة واجبة فيما لا ينقسم كالحجارة والسيف والحيوان وما في معنى ذلك اهـ (١). وقال في حاشية الروض المربع للشيخ عبد الله العنقري على قول الشارح فلا شفعة في منقول كسيف ونحوه ما نصه: قوله فلا شفعة في منقول إلى قوله ونحوها. قال في الإنصاف: والرواية الثانية فيه الشفعة اختاره ابن عقيل وأبو محمد الجوزي والشيخ تقي الدين قال الحارثي: وهو الحق، وعنه يجب في كل مال، حاشا منقولا ينقسم. اهـ (٢). وممن قال بذلك ابن حزم ففي المحلى ما نصه: الشفعة واجبة في كل جزء بيع مشاعا غير مقسوم بين اثنين فصاعدا من أي شيء كان مما ينقسم ومما لا ينقسم من أرض أو شجرة واحدة فأكثر أو عبد أو ثوب أو أمة أو من سيف أو من طعام أو من حيوان أو من أي شيء بيع. اهـ (٣)

стр. 7711

٣ - الجوار: لا يخلو أمر الجار من حالين إما أن يكون شريكا لجاره في مرافق خاصة كشرب ومسيل وطريق غير نافذ ونحو ذلك وإما ألا يشاركه في شيء من ذلك فإن كان شريكا لجاره في المرافق الخاصة فقد ذهب جمهور أهل العلم من المالكية والشافعية والحنابلة إلى القول بعدم الشفعة في ذلك لما في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «إنما

стр. 7712

جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)»، ولما روى مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ﷺ قال «الشفعة في كل شرك في أرض وربع أو حائط (٢)». حيث دل الحديثان على حصر الشفعة فيما هو مشترك ولم يقسم فإذا قسم فلا شفعة ولأن الشفعة مشروعة لرفع ضرر الاشتراك والمقاسمة ولما في المقاسمة من احتمال نقص قيمة حصة الشريك بعد المقاسمة لما تستلزمه المقاسمة في الغالب من إحداث مرافق خاصة لما يقتسم. قال في المدونة: قلت لابن القاسم أرأيت لو أن قوما اقتسموا دارا بينهم فعرف كل رجل منهم بيوته ومقاصره إلا أن المساحة بينهم لم يقتسموها أتكون الشفعة بينهم أم لا في قول مالك؟ قال: قال مالك لا شفعة بينهم إذا اقتسموا، قلت وإن لم يقتسموا المساحة وقد اقتسموا البيوت فلا شفعة بينهم في قول مالك؟ قال نعم. . . . . قلت أرأيت السكة غير النافذة تكون فيها دار لقوم فباع بعضهم داره أيكون لأصحاب السكة الشفعة أم لا في قول مالك؟ قال لا شفعة لهم عند مالك قلت ولا تكون الشفعة في قول مالك بالشركة في الطريق؟ قال نعم لا شفعة بينهم إذا كانوا شركاء في طريق. ألا ترى أن مالكا قال لا شفعة بينهم إذا اقتسموا الدار. اهـ (٣). وقال ابن رشد في معرض تعداد ما لا شفعة فيه: وكذلك لا شفعة عنده في الطريق ولا في عرصة الدار. اهـ (٤). وقال الشربيني على قول صاحب المنهاج: ولا شفعة إلا لشريك. ما نصه: ولا شفعة إلا لشريك في رقبة العقار فلا تثبت للجار لخبر البخاري المار ولا للشريك

стр. 7713

في غير رقبة العقار كالشريك في المنفعة فقط. . . . . ولو باع دارا وله شريك في ممرها فقط التابع لها فإن كان دربا غير نافذ فلا شفعة له فيها، لانتفاء الشركة فيها. اهـ (١). وقال النووي: وأما المقسوم فهل تثبت فيه الشفعة بالجوار، فيه خلاف، فذهب الشافعي ومالك وأحمد وجماهير العلماء لا تثبت بالجوار وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز والزهري ويحيى الأنصاري وأبي الزناد وربيعة ومالك والأوزاعي والمغيرة بن عبد الرحمن وأحمد وإسحاق وأبي ثور. اهـ (٢). وذكر ابن قدامة ﵀ أن الشفعة لا تثبت إلا بشروط أربعة أحدها أن يكون الملك مشاعا غير مقسوم فأما الجار فلا شفعة له. ثم ذكر من اختار هذا القول من أهل العلم ومن خالفه كأبي حنيفة وغيره ثم وجه القول بحصر الشفعة في الملك غير المقسوم فقال: ولنا قول النبي ﷺ «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٣)»، وروى ابن جريج عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أو عن أبي سلمة أو عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة (٤)». رواه أبو داود. ولأن الشفعة تثبت في موضع الوفاق على خلاف الأصل لمعنى معدوم في محل النزاع فلا تثبت فيه وبيان انتفاء المعنى هو أن الشريك ربما دخل عليه شريك فيتأذى به فتدعوه الحاجة إلى مقاسمته أو يطلب الداخل المقاسمة فيدخل الضرر على الشريك بنقص قيمة ملكه وما يحتاج

стр. 7714

إلى إحداثه من المرافق وهذا لا يوجد في المقسوم- إلى أن قال- إذا ثبت هذا فلا فرق بين كون الطريق مفردة أو مشتركة. قال أحمد في رواية ابن القاسم في رجل له أرض تشرب هي وأرض غيره من نهر واحد فلا شفعة له من أجل الشرب إذا وقعت الحدود فلا شفعة. اهـ (١). وقال البهوتي ﵀: ومن أرضه بجوار أرض لآخر ويشربان من نهر أو بئر واحدة فلا شفعة بذلك. اهـ (٢). وذهب الحنفية ومن وافقهم من أهل العلم إلى أن الشفعة تثبت للخليط في حق المبيع إذا لم يكن ثم من يحجبه عنه كوجود خليط في المبيع نفسه وذلك لما روى الحسن عن سرة أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار (٣)». رواه الترمذي وقال حديث حسن صحح. وعن جابر أن النبي ﷺ قال: «الجار أحق بداره ينتظر به إذا كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا» رواه الترمذي وقال حديث حسن. وقال الحافظ في البلوغ رواه أحمد والأربعة ورجاله ثقات. ولأن اتصال ملكه به يدوم ويتأبد فهو مظنة التضرر بالاختلاط في حقوق المبيع كالشركة. قال في الهداية في معرض توجيهه القول بثبوت الشفعة للخليط في حق المبيع ثم للجار ما نصه: ولنا ما روينا ولأن ملكه متصل بملك الدخيل اتصال تأبيد وقرار فيثبت له حق الشفعة عند وجود المعاوضة بالمال اعتبارا بمورد الشرع. وهذا لأن الاتصال على هذه الصفة إنما انتصب سببا فيه دفع ضرر الجوار إذ هو مادة المضار على ما عرف وقطع هذه المادة بتملك الأصل أولى. اهـ (٤). . وقد قال بثبوت الشفعة بالشركة في مصالح

стр. 7715

العقار بعض الحنابلة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم وصاحب الفائق وهو اختيار الحارثي. قال أبو الحسن المرداوي: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ﵀ في رواية أبي طالب وقد سأله عن الشفعة، فقال إذا كان طريقهما واحدا لم يقتسموا فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة وهذا هو الذي اختاره الحارثي. . . . . وذكر ظاهر كلام الإمام أحمد المتقدم ثم قال وهذا الصحيح الذي يتعين المصير إليه ثم ذكر أدلته وقال في هذا المذهب جمعا بين الأخبار دون غيره فيكون أولى بالصواب. اهـ (١). . وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وقد تنازع الناس في شفعة الجار على ثلاثة أقوال أعدلها هذا القول إنه إن كان شريكا في حقوق الملك ثبتت له الشفعة وإلا فلا. اهـ (٢). . وقال ابن القيم ﵀: والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه وهو قول البصريين وغيرهم من فقهاء الحديث إنه إن كان بين الجارين حق مشترك من حقوق الأملاك من طريق أو ماء أو نحو ذلك ثبتت الشفعة وإن لم يكن بينهما حق مشترك ألبتة بل كان كل واحد منهما متميزا ملكه وحقوق ملكه فلا شفعة وهذا الذي نص عليه أحمد في رواية أبي طالب فإنه سأله عن الشفعة لمن هي فقال إذا كان طريقهما واحدا، فإذا صرفت الطرق وعرفت الحدود فلا شفعة وهو قول عمر بن عبد العزيز وقول القاضيين سوار بن عبيد الله وعبيد الله بن الحسن العنبري - إلى أن قال- والقياس الصحيح يقتضي هذا القول فإن الاشتراك في حقوق الملك شقيق الاشتراك في الملك والضرر

стр. 7716

الحاصل بالشركة فيها كالضرر الحاصل بالشركة في الملك أو أقرب إليه، ورفعه مصلحة للشريك من غير مضرة على البائع ولا على المشتري. فالمعنى الذي وجبت لأجله شفعة الخلطة في الملك موجود في الخلطة في حقوقه، فهذا المذهب أوسط المذاهب وأجمعها للأدلة وأقربها إلى العدل وعليه يحمل الاختلاف عن عمر ﵁ حيث قال لا شفعة فيما إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق وحيث أثبتها فيما إذا لم تصرف الطرق فإنه قد روي عنه هذا وهذا وكذلك ما روي عن علي ﵁ قال: إذا حدت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة، ومن تأمل أحاديث شفعة الجار رآها صريحة في ذلك وتبين له بطلان حملها على الشريك، وعلى حق الجوار غير الشفعة. وأجاب ﵀ عن حديث أبي هريرة: «فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (١)» بأن تصريف الطرق داخل في وقوع الحدود ومن كل وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق. (٢). . وسئل الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ هل تثبت الشفعة بالشركة في الطريق والبئر والشركة في السيل فأجاب: تثبت للجار إذا كان شريكا في الطريق والبئر ولا تثبت الشفعة بالشركة بالجدار ولا بالشركة في السيل. وأجاب ابنه عبد الله بما نصه: قولك هل تثبت الشفعة بالشركة في البئر والطريق ومسيل الماء فالمفتى به عندنا أنها تثبت بذلك كما هو اختيار الشيخ تقي الدين وغيره من العلماء. وسئل الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀ عن ثبوت الشفعة بالشركة بالسيل فأجاب: المذهب عدم ثبوت الشفعة بالطريق، والسيل مثله، واختيار الشيخ التشفيع بمرافق الأملاك من الطرق والبئر والسيل وهو

стр. 7717

الذي عليه الفتوى عند أئمة الدعوة لحديث «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (١)» ولمفهوم حديث «(فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة) (٢)» وهو الذي نفتي به. اهـ (٣). . وقال ابن حزم: والشفعة واجبة وإن كانت الأجزاء مقسومة إذا كان الطريق إليها واحدا متملكا نافذا أو غير نافذ لهم فإن قسم الطريق أو كان نافذا غير متملك لهم فلا شفعة حينئذ، كان ملاصقا أو لم يكن. برهان ذلك قول رسول الله ﷺ : «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٤)» فلم يقطعها ﵇ إلا باجتماع الأمرين وقوع الحدود وصرف الطرق لا بأحدهما دون الآخر. اهـ (٥). . وأما الجار غير الشريك فقد ذهب الحنفية إلى القول بحقه في الأخذ بالشفعة على شرط انتفاء من هو أحق منه بها كالخليط في المبيع أو في حقه وذهب إلى القول بذلك ابن شبرمة والثوري وابن أبي ليلى. قال في الهداية: الشفعة واجبة للخليط في نفس المبيع ثم للخليط في حق المبيع كالشرب والطريق ثم للجار. أفاد هذا اللفظ ثبوت حق الشفعة لكل واحد من هؤلاء وأفاد الترتيب. جار الدار أحق بالدار ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا. ولقوله ﵊: «جار الدار أحق بالدار ينتظر له وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا) (٦)». ولقوله ﵊: «الجار أحق بسقبه قيل يا رسول ما سقبه قال شفعته (٧)». ويروى: «الجار أحق بشفعته (٨)» - إلى أن قال- وأما الترتيب فلقوله ﵊: «الشريك أحق من

стр. 7718

الخليط والخليط أحق من الشفيع،» فالشريك في نفس المبيع والخليط في حقوق المبيع والشفيع هو الجار) اهـ (١).

стр. 7719

أدلة القائلين بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الجار أو الشريك في حق المبيع ومناقشتها: استدل القائلون بقصر الشفعة على الشريك في المبيع دون الشريك في حق المبيع أو الجار بما يأتي: (١) ما في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: «قضى النبي ﷺ بالشفعة في كل ما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)»، وفي لفظ: «إنما جعل النبي ﷺ الشفعة في كل ما لم يقسم (٢)» ... إلخ (٢) ما في صحيح مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة لم تقسم ربعة أو حائط ولا يحل له أن يبيع حتى يؤذن شريكه (٣)» إلى آخر الحديث. (٣) ما روى الشافعي بإسناده إلى أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة (٤)». (٤) ما في سنن أبي داود بإسناد صحيح إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إذا قسمت الأرض وحددت فلا شفعة فيها (٥)». (٥) ما في الموطأ بإسناده إلى أبي هريرة ﵁ قال: «قضى رسول الله ﷺ بالشفعة فيما لم يقسم فإذا صرفت الطرق ووقعت الحدود فلا شفعة (٦)».

стр. 7720

(٦) ما ذكره سعيد بن منصور بإسناده إلى عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵃ أجمعين قال إذا صرفت الحدود وعرف الناس حدودهم فلا شفعة بينهم. فهذه الأحاديث والآثار تدل على أن الشفعة مشروعة فيما هو مشاع غير مقسوم ولأن الضرر اللاحق بالشركة هو ما توجبه من التزاحم في المرافق والحقوق والأحداث والتغيير والإفضاء إلى التقاسم الموجب لنقص قيمة الملك بالقسمة. أما إذا قسمت الأرض فوقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة حينئذ لانتفاء الضرر بذلك. ووجه القائلون بذلك القول حصر الشفعة للشريك دون غيره وأجابوا عن الأحاديث الواردة بالشفعة للجار فقال ابن القيم ﵀: قالوا: وقد فرق الله بين الشريك والجار شرعا وقدرا ففي الشركة حقوق لا توجد في الجوار فإن الملك في الشركة مختلط وفي الجوار متميز ولكل من الشريكين على صاحبه مطالبة شرعية ومنع شرعي أما المطالبة ففي القسمة وأما المنع فمن التصرف، فلما كانت الشركة محلا للطلب ومحلا للمنع كانت محلا للاستحقاق بخلاف الجوار فلم يجز إلحاق الجار بالشريك وبينهما هذا الاختلاف، والمعنى الذي وجبت به الشفعة رفع مؤونة المقاسمة وهي مؤونة كثيرة، والشريك لما باع حصته من غير شريكه فهذا الدخيل قد عرضه لمؤونة عظيمة فمكنه الشارع من التخلص منها بانتزاع الشقص على وجه لا يضر بالبائع ولا بالمشتري، ولم يمكنه الشارع من الانتزاع قبل المبيع لأن شريكة مثله ومساو له في الدرجة فلا يستحق عليه شيئا إلا ولصاحبه مثل ذلك الحق عليه فإذا باع صار المشتري دخيلا والشريك أصيل فرجح جانبه وثبت له الاستحقاق.

стр. 7721

قالوا: وكما أن الشارع يقصد رفع الضرر عن الجار فهو أيضا يقصد رفع الضرر عن المشتري ولا يزيل ضرر الجار بإدخال الضرر على المشتري فإنه محتاج إلى دار يسكنها هو وعياله فإذا سلط الجار على إخراجه وانتزاع داره منه أضر به إضرارا بينا. وأي دار اشتراها وله جار فحاله معه هكذا وطلبه دارا لا جوار لها كالمتعذر عليه أو كالمتعسر فكان من تمام حكمة الشارع أن أسقط الشفعة بوقوع الحدود وتصريف الطرق لئلا يضر الناس بعضهم بعضا ويتعذر على من أراد شراء دار لها جار أن يتم له مقصوده وهذا بخلاف الشريك وإن المشتري لا يمكنه الانتفاع بالحصة التي اشتراها والشريك يمكنه ذلك بانضمامها إلى ملكه فليس على المشتري ضرر في انتزاعها منه وإعطائها ما اشتراها به. قالوا: وحينئذ فتعين حمل أحاديث شفعة الجوار على مثل ما دلت عليه أحاديث شفعة الشركة فيكون لفظ الجار فيها مرادا به الشريك. ووجه هذا الإطلاق المعنى والاستعمال. أما المعنى فإن كل جزء من ملك الشريك مجاور لملك صاحبه فهما جاران حقيقة وأما الاستعمال فإنهما خليطان متجاوران ولذا سميت الزوجة جارة كما قال الأعشى: أجارتنا بيني فإنك طالقة فتسمية الشريك جارا أولى وأحرى. وقال حمل بن مالك: كنت بين جارتين لي. . هذا إن لم يحتمل إلا إثبات الشفعة فأما إن كان المراد بالحق فيها حق الجار على جاره فلا حجة فيها على إثبات الشفعة وأيضا فإنه إنما أثبت له على البائع حق العرض عليه إذا أراد البيع، فأين ثبوت حق الانتزاع من المشتري ولا يلزم من ثبوت هذا الحق ثبوت حق الانتزاع. اهـ (١).

стр. 7722

وقد ناقش القائلون بثبوت الشفعة للجار هذه الأدلة بما يأتي: (١) بالنسبة لحديث جابر فإن قوله: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)». . فقد ذكر أبو حاتم بأنه مدرج من قول جابر قالوا ويؤيد ذلك أن مسلما لم يخرج هذه الزيادة وأجيب عن ذلك بأن الأصل أن كل ما ذكر في الحديث فهو منه حتى يثبت الإدراج. بدليل فضلا عن أن هذه الزيادة قد وردت في حديث آخر كحديث أبي هريرة. (٢) وأما القول بأن العقار إذا كان مقسوما معروف الحدود مصرفة طرقه فلا ضرر على مالكه بتداول الأيدي المجاورة فغير صحيح. ذلك أن من الضرر الذي قصد الشارع رفعه ضرر سوء الجوار فإن الجار قد يسيء الجوار غالبا فيعلي الجدار ويتتبع العثار ويمنع الضوء ويشرف على العورة ويطلع على العثرة ويؤذي جاره بأنواع الأذى وقد أجمعت الأدلة على ثبوت الشفعة للشريك لدفع الضرر الناشئ عنه اشتراك في الغالب فإذا ثبتت الشفعة في الشركة في العقار لإفضائها إلى المجاورة فحقيقة المجاورة أولى بالثبوت فيها. (٣) وأما الاحتجاج بما في صحيح البخاري: «فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (٢)»، فعلى فرض انتفاء الإدراج من جابر فإن الجار المشترك مع غيره في مرفق خاص ما، مثل أن يكون طريقهما واحدا أو أن يشتركا في شرب أو مسيل أو نحو ذلك من المرافق الخاصة لا يعتبر مقاسما مقاسمة كلية بل هو شريك لجاره في بعض حقوق ملكه وإذا كان طريقهما واحدا لم تكن الحدود كلها واقعة بل بعضها حاصل وبعضها منتف إذ وقوع الحدود من كل

стр. 7723

وجه يستلزم أو يتضمن تصريف الطرق (١). (٤) وأما القول بأن الشفعة شرعت للشريك لدفع ضرر المقاسمة فغير مسلم به فمشروعيتها لرفع الضرر مطلقا سواء كان الضرر ناتجا عن المقاسمة أم عن الاشتراك. وتخصيص الشفعة برفع ضرر معين دون غيره من الأضرار تخصيص يحتاج إلى ما يسنده شرعا، وأيضا فلو كانت الشفعة مشروعة لدفع ضرر المقاسمة فقط لثبتت مشروعيتها في المنقولات المشتركة لرفع ضرر المقاسمة فيها.

стр. 7724

أدلة القائلين بثبوت الشفعة بحق المبيع والجوار ومناقشتها: استدل القائلون بثبوت الشفعة بالمرافق الخاصة وبالجوار بما يأتي: ١ - ما روى البخاري في صحيحه عن عمرو بن الشريد قال " وقفت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي إذ جاء أبو رافع مولى النبي ﷺ فقال يا سعد ابتع مني بيتي في دارك فقال سعد والله ما أبتاعهما فقال المسور والله لتبتاعنهما فقال سعد والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو مقطعة فقال أبو رافع لقد أعطيت بها خمسمائة دينار ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «الجار أحق بسقبه (١)» ما أعطيتكها بأربعة وأنا أعطي بها خمسمائة دينار فأعطاها إياه ". وجه الدلالة من ذلك قوله: «الجار أحق بسقبه (٢)» أي بقربه أي إن الجار أحق بالدار من غيره لقربه ويدل على أن المقصود بأحقية الجار شفعته الأحاديث الآتية: ٢ - روى أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي بإسناده إلى جابر بن عبد

стр. 7725

الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ «الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا (١)» وقد حسنه الترمذي. ٣ روى أحمد وأبو داود والترمذي وصححه عن سمرة أن النبي ﷺ قال: «جار الدار أحق بالدار من غيره (٢)». ٤ - روى أحمد والنسائي وابن ماجه عن الشريد بن سويد قال: «قلت يا رسول الله أرضي ليس لأحد فيها شرك ولا قسم إلا الجوار فقال: " الجار أحق بسقبه ما كان (٣)». . . كما استدلوا من جهة المعنى بقولهم: واللفظ لابن القيم ﵀: إن حق الأصيل وهو الجار أسبق من حق الدخيل وكل معنى اقتضى ثبوت الشفعة للشريك فمثله في حق الجار فإن الناس يتفاوتون في الجوار تفاوتا فاحشا ويتأذى بعضهم ببعض ويقع بينهم من العداوة ما هو معهود والضرر بذلك دائم متأبد ولا يندفع ذلك إلا برضا الجار إن شاء أقر الدخيل على جواره وإن شاء انتزع الملك بثمنه واستراح من مؤونة المجاورة ومفسدتها وإذا كان الجار يخاف التأذي على وجه اللزوم كان كالشريك يخاف التأذي بشريكه على وجه اللزوم. . . . . فوجب بحكم عناية الشارع ورعايته لمصالح العباد إزالة الضررين جميعا على وجه لا يضر البائع. اهـ (٤).

стр. 7726

المناقشة: أجاب القائلون بحصر الشفعة في الشريك دون غيره بما يأتي: (١) بالنسبة لحديث أبي رافع ﵁ فقد ذكر الحافظ بن حجر

стр. 7727

في معرض شرحه هذا الحديث وإيراده وجه استدلال الحنفية به على ثبوت الشفعة للجار، وإلزام الشافعية بالقول به لكون الجار حقيقة في المجاور مجازا في الشريك قال ما نصه: إن محل ذلك عند التجرد، وقد قامت القرينة هنا على المجاز فاعتبر للجمع بين حديثي جابر وأبي رافع، فحديث جابر صريح في اختصاص الشفعة بالشريك وحديث أبي رافع مصروف الظاهر اتفاقا لأنه يقتضي أن يكون الجار أحق من كل أحد حتى من الشريك. والذين قالوا بشفعة الجار قدموا الشريك مطلقا ثم المشارك في الطريق ثم الجار على من ليس بمجاور فعلى هذا يتعين تأويل قوله (أحق) بالحمل على الفضل أو التعهد ونحو ذلك. اهـ (١). . (٢) بالنسبة لحديث جابر: «الجار أحق بشفعة جاره إلخ (٢)»، فقال الترمذي: لا نعلم أحدا روى هذا الحديث غير عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن جابر وقد تكلم شعبة في عبد الملك من أجل هذا الحديث- ثم قال- سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال لا أعلم أحدا رواه عن عطاء غير عبد الملك تفرد به ويروى عن جابر خلاف هذا. اهـ. . . . قال شعبة سها فيه عبد الملك فإن روى حديثا مثله طرحت حديثه ثم ترك شعبة التحديث عنه. وقال أحمد: هذا الحديث منكر. وقال ابن معين: لم يروه غير عبد الملك وقد أنكروه عليه. اهـ (٣). وقد أجاب ابن القيم ﵀ عن الطعن في حديث جابر فقال: إن عبد الملك هذا حافظ ثقة صدوق ولم يتعرض له أحد بجرح

стр. 7728

ألبتة، وأثنى عليه أئمة زمانه ومن بعدهم، وإنما أنكر عليه من أنكر هذا الحديث ظنا منهم أنه مخالف لرواية الزهري عن أبي سلمة عن جابر عن النبي ﷺ : «الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة (١)». ولا تحتمل مخالفة العرزمي لمثل الزهري وقد صح هذا من رواية جابر عن الزهري عن أبي سلمة عنه ومن رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه. ومن حديث يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عنه، فخالفهم العرزمي ولهذا شهد الأئمة بإنكار حديثه ولم يقدموه على حديث هؤلاء - إلى أن قال - وحديث جابر الذي أنكره من أنكره على عبد الملك صريح فيه فإنه قال: الجار أحق بسقبه ينتظر به وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا. فأثبت الشفعة بالجوار مع اتحاد الطريق ونفاها به مع اختلاف الطريق بقوله: فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. فمفهوم حديث عبد الملك هو بعينه منطوق حديث أبي سلمة فأحدهما يصدق الآخر ويوافقه لا يعارضه ويناقضه وجابر روى اللفظين- إلى أن قال- وحديث أبي رافع الذي رواه البخاري يدل على مثل ما دل عليه حديث عبد الملك فإنه دل على الأخذ بالجوار حالة الشركة في الطريق فإن البيتين كانا في نفس دار سعد والطريق واحد بلا ريب. اهـ (٢). (٣) وأما حديث الشريد بن سويد فقال الخطابي: قد تكلم أهل الحديث في إسناده واضطراب الرواة عنه فقال بعضهم عن عمرو بن الشريد عن أبي رافع وقال بعضهم عن أبيه عن أبي رافع وأرسله بعضهم. وذكر ابن قدامة ﵀ عن ابن المنذر قوله: الثابت عن رسول

стр. 7729

الله ﷺ حديث جابر الذي رويناه وما عداه من الأحاديث فيها مقال (١). وأجيب عن ذلك بما ذكره ابن القيم ﵀ عن البخاري بخصوص حديث الشريد بن سويد أو عمرو بن الشريد قال: قال البخاري هو أصح عندي من رواية عمرو عن أبي رافع - يعني حديث أبي رافع مع سعد بن أبي وقاص - وقال أيضا كلا الحديثين عندي صحيح (٢). وقال ابن حزم في معرض مناقشته: الأحاديث والآثار التي استدل بها أهل هذا القول ما نصه: ثم نظرنا في حديث عمرو بن الشريد عن أبي رافع عن أبيه فوجدناه لا متعلق لهم به لأنه ليس فيه إلا الجار أحق بسقبه وليس فيه للشفعة ذكر ولا أثر وقد حدثنا أبو نعيم الفضل بن دكن حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي قال: سمعت عمرو بن الشريد يحدث عن الشريد عن النبي ﷺ قال: «المرء أحق وأولى بصقبه (٣)»، قلت لعمرو ما صقبه، قال الشفعة، قلت زعم الناس أنها الجوار قال الناس يقولون ذلك، فهذا راوي الحديث عمرو بن الشريد لا يرى الشفعة بالجوار ولا يرى لفظ ما روي يقتضي ذلك فبطل كل ما موهوا به. ثم لو صحت هذه الأحاديث ببيان واضح أن الشفعة للجار لكان حكمه ﵊ وقوله وقضاؤه فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة يقضي على ذلك كله ويرفع فكيف ولا بيان في شيء منها اهـ (٤).

стр. 7730

(٤) وأما حديث سمرة ففي سماع الحسن من سمرة مقال معروف لدى علماء الحديث. قال يحيى بن معين لم يسمع الحسن من سمرة وإنما هي صحيفة وقعت إليه وقال غيره لم يسمع الحسن من سمرة إلا حديث العقيقة، وقد أجاب عن ذلك ابن القيم ﵀ حيث قال قد صح سماع الحسن من سمرة وغاية هذا أنه كتاب ولم تزل الأمة تعمل بالكتب قديما وحديثا وأجمع الصحابة على العمل بالكتب وكذلك الخلفاء بعدهم وليس اعتماد الناس في العلم إلا على الكتب فإن لم يعمل بما فيها تعطلت الشريعة وقد كان رسول الله ﷺ يكتب كتبه إلى الآفاق والنواحي فيعمل بها من تصل إليه ولا يقول هذا كتاب وكذلك خلفاؤه من بعده والناس إلى اليوم. فرد السنن بهذا الخيال البارد الفاسد من أبطل الباطل والحفظ يخون والكتاب لا يخون. اهـ (١). ويمكن أن يجاب عن قول ابن القيم ﵀ بأن الغالب على طالب العلم أن يسجل كل ما عن له من صحيح وضعيف وما له وجه وما لا وجه له على أمل أن يتم له النظر لإبعاد ما لا وجه له ولا صحة ويحتمل أن يعاجله الأجل قبل ذلك بخلاف ما يؤلفه طالب العلم وينشره بين الناس فإنه بنشره يعتبر في حكم المقتنع بوجاهته وصحة ما فيه مما يراه وكذا ما يكتبه الوالي إلى عماله أو غيرهم فإنه يكتب ما يكتب عن اقتناع بوجاهة ما كتبه. (٥) وأما الاحتجاج على مشروعية الشفعة للجار بالمعنى فقد أجاب عن ذلك ابن القيم ﵀ وسبق نقل ذلك عنه (٢). .

стр. 7731

٤ - الشفعة فيما انتقل إلى الغير بعوض غير مسمى: إذا انتقل ما يجب فيه الشفعة إلى الغير بعوض غير مسمى فقد ذهب الحنفية إلى نفي الشفعة فيه قال في الهداية: ولا شفعة في الدار التي يتزوج الرجل عليها أو يخالع المرأة بها أو يستأجر بها دارا أو غيرها أو يصالح بها عن دم عمد أو يعتق عليها عبدا لأن الشفعة عندنا إنما تجب في مبادلة المال بالمال لما بينا. وهذه الأعواض ليست بأموال فإيجاب الشفعة فيها خلاف المشروع وقلب الموضوع- إلى أن قال- أو يصالح عنها بإنكار. . . . لأنه يحتمل أنه بذل المال افتداء ليمينه وقطعا لشغب خصمه كما إذا أنكر صريحا. اهـ (١). . وذهب المالكية إلى إثباتها قال في المدونة، قلت أرأيت إن تزوجت على شقص من دار أو خالعت امرأتي على شقص من دار أيكون في ذلك الشفعة في قول مالك قال نعم مثل النكاح والخلع. قلت فبماذا يأخذ الشفيع في الخلع والنكاح والصلح في دم العمد الشقص. قال أما في النكاح والخلع فقال لي مالك يأخذ الشفيع الشقص بقيمته وأرى الدم العمد مثله يأخذه بقيمته اهـ (٢). وذهب الشافعية إلى ثبوت الشفعة فيما أخذ بعوض غير مالي قال الشربيني على قول صاحب المنهاج: وإنما تثبت في ملك بمعاوضة ملكا لازما متأخرا عن ملك الشفيع كمبيع ومهر وعوض خلع وصلح دم ونجوم وأجرة ورأس مال مسلم. قال: بمعاوضة محضة كالبيع أو غير محضة كالمهر، أما البيع فبالنص والباقي بالقياس عليه بجامع الاشتراك في المعاوضة مع لحوق الضرر. اهـ (٣).

стр. 7732

وأما الحنابلة فالصحيح من المذهب أنه لا شفعة فيه لأنه مملوك بلا مال أشبه الموهوب والموروث ولأنه يمتنع أخذه بمهر المثل وبقيمته لأنها ليست عوض الشقص. قال المرداوي: قوله ولا شفعة فيما عوضه غير المال كالصداف وعوض الخلع والصلح عن دم العمد في أحد الوجهين وأطلقهما في الهداية والمذهب والمستوعب والتلخيص والمحرر والرعاية الكبرى والفروع والفائق. وظاهر الشرح الإطلاق، أحدهما لا شفعة في ذلك وهو الصحيح من المذهب قال في الكافي: لا شفعة فيه ظاهر المذهب. قال الزركشي هذا أشهر الوجهين عند القاضي وأكثر أصحابه قال ابن منجا هذا أولى. قال الحارثي أكثر الأصحاب قال بانتفاء الشفعة، منهم أبو بكر وابن أبي موسى وأبو علي بن شهاب والقاضي وأبو الخطاب في رؤوس المسائل وابن عقيل والقاضي يعقوب والشريفان أبو جعفر وأبو القاسم الزبدي والعكبري وابن بكروس والمصنف وهذا هو المذهب ولذلك قدمه في السنن. اهـ وهو ظاهر كلام الخرقي وصححه في التصحيح والنظم وجزم به في العمدة والوجيز والمنور والحاوي الصغير وغيرهم وقدمه في المغني والشرح وشرح الحارثي وغيرهم. والوجه الثاني: فيه الشفعة اختاره ابن حامد وأبو الخطاب في الانتصار وابن حمدان في الرعاية الصغرى وقدمه ابن رزين في شرحه. فعلى هذا القول يأخذه بقيمته على الصحيح. اهـ (١).

стр. 7733

٥ - الشفعة بشركة الوقف: اختلف العلماء ﵏ في جواز الشفعة في الوقف فذهب الحنفية

стр. 7734

إلى أن لا شفعة للوقف ولا في الوقف لأنه لا مالك له معين. قال في الدر المختار ما نصه: ولا شفعة في الوقف ولا له نوازل ولا بجواره. . . . . قال المصنف قلت وحمل شيخنا الرملي الأول: على الأخذ به، والثاني: على أخذه بنفسه إذا بيع، وأما إذا بيع بجواره أو كان بعض المبيع ملكا وبعضه وقفا وبيع الملك فلا شفعة للوقف. وقال في الحاشية: قوله أو كان بعض المبيع ملكا إلخ. حاصله أنه لا شفعة له بجوار ولا بشركة فهو صريح بالقسمين كما أشار إليه الشارح بنقل عبارة النوازل ونبهنا عليه. قوله فلا شفعة للوقف إذ لا مالك له. اهـ (١). وقال الكاساني في معرض تعداده شروط الأخذ بالشفعة ما نصه: ومنها ملك الشفيع وقت الشراء في الدار التي يأخذها بالشفعة لأن سبب الاستحقاق جوار الملك والسبب إنما ينعقد سببا عند وجود الشرط والانعقاد أمر زائد على الوجود فإذا لم يوجد عند البيع كيف ينعقد سببا، فلا شفعة له بدار يسكنها بالأجار والإعارة ولا بدار باعها قبل الشراء ولا بدار جعلها مسجدا ولا بدار جعلها وقفا وقضى القاضي بجوازه أو لم يقض على قول من يجيز الوقف لأنه زال ملكه عنها لا إلى أحد. اهـ (٢). وذهب المالكية إلى أنه لا شفعة بالوقف إلا للواقف نفسه بشرط أن يضيف ما يأخذ بالشفعة إلى ما أوقفه أو أن يجعل ذلك للناظر بأن ينص في ولايته على الأخذ بالشفعة إلى ما أوقفه أو أن يجعل ذلك للناظر بأن ينص في ولايته على الأخذ بالشفعة ليضاف إلى الوقف أو أن يؤول الوقف إلى الموقوف عليهم فلهم حق الأخذ بالشفعة ولو لم يوقفوا أو أن يؤول النظر أو الاستحقاق إلى بيت المال فللسطان الأخذ له بالشفعة.

стр. 7735

قال أبو البركات أحمد الدردير في معرض تعداد من يجوز لهم الأخذ بالشفعة ما نصه: أو كان الشفيع محبسا لحصته قبل بيع شريكه فله الأخذ بالشفعة ليحبس الشقص المأخوذ أيضا قال منها دار بين رجلين حبس أحدهما نصيبه على رجل وولده وولد ولده فباع شريكه في الدار نصيبه فليس للذي حبس ولا للمحبس عليهم أخذ بالشفعة إلا أن يأخذ المحبس فيجعله في مثل ما جعل نصيبه الأول. انتهى. وهذا إذا لم يكن مرجعها له وإلا فله الأخذ ولو لم يحبس كأن يوقف على عشرة مدة حياتهم أو يوقف مدة معينة فله الأخذ مطلقا كسلطان له الأخذ بالشفعة لبيت المال. قال سحنون في المرتد يقتل وقد وجبت له شفعة، إن للسلطان أن يأخذها إن شاء لبيت المال. اهـ (١). وذهب الشافعية إلى أن الوقف إن كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين ونحو ذلك فلا شفعة به وإن كان خاصا فلا شفعة لواقفه لزوال ملكه عنه وقد اختلف علماء الشافعية في ثبوت الشفعة للموقوف عليه العين لاختلاف ما نقل عن الشافعي ﵀ هل يملك الموقوف عليه رقبة الوقف أم لا؟ قال في المجموع: وإما إذا كانت حصة الخليط وقفا نظر في الوقف فإن كان عاما كالوقف على الفقراء والمساكين أو كان خاصا لا يملك كالوقف على جامع فلا يستحق به شفعة في المبيع وإن كان خاصا على مالك الوقف على رجل بعينه أو على جماعة بأعيانهم فلا يملك به الواقف شفعة لزوال ملكه من الوقف فأما الموقف عليه فقد اختلف قول الشافعي هل يكون مالكا لرقبة الوقف أم لا على قولين أحدهما يستحق به الشفعة لثبوت ملكه واستضراره بسوء المشاركة،

стр. 7736

والوجه الثاني لا شفعة له لأنه ليس بتام الملك ولا مطلق التصرف. اهـ (١). وذهب جمهور الحنابلة إلى القول بنفي الشفعة عن الخلطة بالوقف لأن من شروط الأخذ بالشفعة أن يكون الشفيع مالكا لما يشفع به والوقف لا يعتبر ملكا تماما لمن هو بيده سواء كان ناظرا أو موقوفا عليه لأنه ليس مطلق التصرف فيه. قال ابن قدامة ﵀: ولا شفعة لشركة الوقف ذكره القاضيان ابن أبي موسى وأبو يعلى وهو ظاهر مذهب الشافعي لأنه لا يؤخذ بالشفعة فلا تجب فيه كالمجاور وغير المنقسم ولأننا إن قلنا هو غير مملوك فالموقوف عليه غير مالك وإن قلنا هو مملوك فملكة غير تام لأنه لا يفيد إباحة التصرف في الرقبة فلا يملك به ملكا تاما. وقال أبو الخطاب إن قلنا هو مملوك وجبت به الشفعة لأنه مملوك بيع في شركة شقص فوجبت الشفعة كالطلق ولأن الضرر يندفع عنه بالشفعة كالطلق فوجبت فيه كوجوبها في الطلق. وإنما لم يستحق بالشفعة لأن الأخذ بها بيع وهو مما لا يجوز بيعه. اهـ (٢). وللشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀ رأي في ثبوت الشفعة به فقد قال ما نصه: فلو باع الشريك الذي ملكه طلق فلشريكه الذي نصيبه وقف الشفعة لعموم الحديث المذكور ووجود المعنى. بل صاحب الوقف إذا لم يثبت له شفعة يكون أعظم ضررا من صاحب الطلق ليتمكن المالك من البيع بخلاف مستحق الوقف فانه يضطر إلى بقاء الشركة. وأما استدلال

стр. 7737

الأصحاب بقولهم: إن ملكه ناقص فالحديث لم يفرق بين الذي ملكه ناقص أو كامل. ومنعنا إياه من البيع لتعلق حقوق من بعده به. فالصواب إثبات الشفعة إذا باع الشريك سواء كان شريكه صاحب ملك طلق أو مستحقا للوقف. اهـ (١). وقال المنقور نقلا عن جمع الجوامع: للوقف ثلاث صور، الأولى: إذا كان البعض وقفا والبعض ملكا فبيع الملك، هل يأخذ رب الوقف بالشفعة؟ على وجهين. والثانية: إذا كان كذلك وبيع الوقف حيث جاز بيعه هل يأخذ الشريك بالملك؟ على وجهين. المختار نعم. الثالثة: إذا كان الكل وقفا وبيع البعض حيث جاز بيعه فهل يجوز لرب الوقف الآخر الأخذ بها؟ على وجهين. الصحيح لا يجوز. اهـ (٢). . ولعل مصدر الاختلاف في ذلك الخلاف هل لجهات الوقف شخصية اعتبارية تكون أهلا للإلزام والالتزام كالحال في جماعة المسلمين حيث يتكافؤون ويسعى بذمتهم أدناهم فيكون الوقف ملكا لهم فإذا تصرف بعضهم أو النائب عنهم وهو الناظر تصرفا فيه مصلحة للوقف وغبطة لجهاته كان كتصرفهم جميعا أم أن الوقف لا مالك له في الحقيقة وأن الإصابة الاعتبارية وهم وخيال لا مجال لها في واقع الأمر وحقيقته.؟

стр. 7738

٦ - شفعة غير المسلم: اتفق الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك والشافعي على القول بجواز شفعة غير المسلم. قال السرخسي: والذكر والأنثى والحر

стр. 7739

والمملوك والمسلم والكافر في حق الشفعة سواء لأنه من المعاملات وإنما ينبني الاستحقاق على سبب متصور في حق هؤلاء وثبوت الحكم بثبوت سببه اهـ (١). وفي المدونة ما نصه: قيل لابن القاسم هل لأهل الذمة شفعة في قول مالك فقال سألت مالكا عن المسلم والنصراني تكون الدار بينهما فيبيع المسلم نصيبه هل للنصراني فيه شفعة قال نعم أرى ذلك له مثل ما لو كان شريكه مسلما. اهـ (٢). وقال النووي: وأما قوله ﷺ فمن كان له شريك فهو عام يتناول المسلم والكافر والذمي فتثبت للذمي الشفعة على المسلم كما تثبت للمسلم على الذمي هذا قول الشافعي ومالك وأبي حنيفة والجمهور. اهـ (٣). وانفرد الإمام أحمد ﵀ عنهم بمنع شفعة الكافر على المسلم لأن تسليط الكافر على المسلم يعتبر سبيلا إليه قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ (٤) قال ابن قدامة ﵀ على قول الخرقي " ولا شفعة لكافر على مسلم ": وجملة ذلك أن الذمي إذا باع شريكه شقصا لمسلم فلا شفعة له عليه روي ذلك عن الحسن والشعبي وروي عن شريح وعمر بن عبد العزيز أن له الشفعة وبه قال النخعي وإياس بن معاوية وحماد بن أبي سليمان والثوري ومالك والشافعي والعنبري وأصحاب الرأي لعموم قوله

стр. 7740

صلى الله عليه وسلم: «لا يحل له أن يبيع حتى يستأذن شريكه وإن باعه ولم يؤذنه فهو أحق به (١)»، ولأنه خيار ثابت لدفع الضرر بالشراء فاستوى فيه المسلم والكافر كالرد بالعيب. ولما روى الدارقطني في كتاب العلل بإسناده عن أنس أن النبي ﷺ قال: «لا شفعة لنصراني». وهذا يخص عموم ما احتجوا به ولأنه معنى بتملك به يترتب على وجود ملك مخصوص فلم يجب للذمي على المسلم كالزكاة ولأنه معنى يختص العقار فأشبه الاستعلاء في البنيان بحقيقة أن الشفعة إنما تثبت للمسلم دفعا للضرر عن ملكه فقدم دفع ضرره على دفع ضرر المشتري، ولا يلزم من تقديم دفع ضرر المسلم على المسلم تقديم دفع ضرر الذمي فإن حق المسلم أرجح ورعايته أولى ولأن ثبوت الشفعة في محل الإجماع على خلاف الأصل رعاية لحق الشريك المسلم وليس الذمي في معنى المسلم فيبقى فيه على مقتضى الأصل. ا (٢). هـ وقد نصر ابن القيم ﵀ القول بنفي شفعة الكافر على المسلم وناقش القائلين بثبوتها ورد عليهم قولهم فقال ما نصه: ولهذا لم يثبت عن واحد من السلف لهم حق شفعة على مسلم وأخذ بذلك الإمام أحمد وهي من مفرداته التي برز بها على الثلاثة لأن الشقص يملكه المسلم إذا أوجبنا فيه شفعة لذمي كنا قد أوجبنا على المسلم أن ينقل الملك في عقاره إلى كافر بطريق القهر للمسلم وهذا خلاف الأصول. والشفعة في الأصل إنما هي من حقوق أحد الشريكين على الآخر بمنزلة الحقوق التي تجب للمسلم على المسلم كإجابة الدعوة وعيادة المريض وكمنعه أن يبيع على بيع أخيه أو يخطب على خطبته. قال عبد الله بن أحمد: سألت أبي عن الذمي اليهودي والنصراني لهم شفعة قال: لا، وكذلك نقل أبو طالب وصالح
следующие страницы →