← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل أحمد بن حنبل هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغدادي، وشيبان حي من بكر القبيلة المشهورة من قبائل العرب. ولد في ربيع الأول على المشهور سنة ١٦٤ هجرية في بغداد، وكانت أمه قد حملت به في مرو التي كان يقيم فيها أبوه، والمعروف أن أباه مات بعد ولادته عن ثلاثين سنة تقريبا، وأحمد إذ ذاك صغير لا يدرك شيئا بدليل أنه نفى رؤيته لأبيه وجده. وكان جده قد انتقل إلى خراسان، وكان واليا على سرخس في العهد الأموي، ثم انضم إلى صفوف الدعوة العباسية حتى أوذي في هذا السبيل، ويقال: إنه كان قائدا. ***

стр. 807

نشأ أحمد ﵁ يتيما، وقامت على تربيته أمه - صفية بنت ميمونة بنت عبد الملك الشيباني - وترك له أبوه بيتا في بغداد يسكنه وبيتا آخر يغل غلة ضئيلة. وكان في هذا كشيخه الإمام الشافعي في اليتم والفقر والحاجة وعلو الهمة. تشابهت نشأة التلميذ والأستاذ ولكل منهما أم تدفعه إلى التقدم والعلو والزيادة من الخير. نشأ الإمام أحمد ﵁ ببغداد، وتربى فيها تربيته الأولى، وقد كانت بغداد إذ ذاك تموج بالناس الذين اختلفت مشاربهم، وتخالفت مآربهم، وزخرت بأنواع العلوم والمعارف، ففيها القراء والمحدثون والمتصوفة وعلماء اللغة والفلاسفة وغيرهم، فقد كانت حاضرة العالم الإسلامي، وقد توافر فيها ما توافر في حواضر العالم من تنوع المسالك وتعدد السبل وتنازع المشارب ومختلف العلوم حتى إذا أتم حفظ القرآن وعلم اللغة اتجه إلى الديوان ليتمرن على التحرير والكتابة، ولقد قال في ذلك: كنت وأنا غليم أختلف إلى الكتاب، ثم أختلف إلى الديوان وأنا ابن أربع عشرة سنة. وكان وهو صبي محل ثقة الذين يعرفونه من الرجال والنساء حتى إنه ليروى أن الرشيد وهو بالرقة مع جنده وكان أولئك الجند يكتبون إلى نسائهم بأحوالهم فلا يجد النساء غير أحمد يقرأ لهن ما كتب به إليهن، ويكتب لهن الردود ولا يكتب ما يراه منكرا من القول. . . * * * شب أحمد على هذا، واستمر في طلب العلم بعزم صادق وجد، وأمه تشجعه على ذلك، وترشده وتدعوه إلى الرفق بنفسه إذا خشيت عليه الإرهاق، وحكى ذلك أحمد عنها فقال: كنت ربما أردت البكور في الحديث فتأخذ أمي بثيابي وتقول: اصبر حتى يؤذن الناس أو حتى يصبحوا، وكان اتجاهه إلى الأخذ عن رجال الحديث. ويروى أن أول تلقيه كان على القاضي أبي يوسف صاحب أبي حنيفة فقد قال: أول من كتبت عنه الحديث أبو يوسف، وفي تاريخ الحافظ الذهبي قال الخلال: كان أحمد قد كتب كتب الرأي، وحفظها ثم لم يلتفت إليها. اتجه أحمد إلى كتابة الحديث من سنة ١٧٩ حينما كان عمره ست عشرة سنة، واستمر مقيما في بغداد يأخذ عن شيوخ الحديث فيها حتى سنة مائة وست وثمانين، وابتدأ في هذه السنة رحلته إلى البصرة، ثم إلى الحجاز واليمن وغيرها، واستمر ملازما لشيخه هشيم بن بشير بن أبي خازم الواسطي حتى سنة وفاته ١٨٣. قال صالح بن أحمد قال أبي: كتبت عن هشيم سنة ١٧٩، ولزمناه إلى سنة ثمانين وإحدى وثمانين واثنين وثمانين وثلاث. ومات في سنة ثلاث وثمانين. كتبنا عنه كتاب الحج نحوا من ألف حديث وبعض التفسير وكتاب القضاء وكتبا صغارا، فقال صالح: يكون ثلاثة آلاف، قال: أكثر، ثم ارتحل في طلب العلم إلى الحجاز وغيره وقد ذكر ابن كثير تفصيل رحلاته الحجازية في تاريخه البداية والنهاية جزء ١٠ ص ٣٢٦ وكان من أبرز الشخصيات التي التقى بها الإمام أحمد أثناء رحلاته وفي إقامته، الإمام الشافعي ﵁ فقد أخذ عنه، واستفاد منه كثيرا، وكان الشافعي يجله ويقدره ويعول عليه في معرفة صحة الحديث أحيانا، ورشحه الإمام الشافعي

стр. 808

عند الرشيد لقضاء اليمن فأبى أحمد، وقال له: جئت إليك لأقتبس منك العلم تأمرني أن أدخل لهم في القضاء، وكان ذلك في آخر حياة الرشيد، ثم رشحه الشافعي مرة ثانية لقضاء اليمن عند الأمين فأبى أحمد وكان ذلك ١٩٥ هـ. * * * ودخل الشافعي يوما على أحمد بن حنبل فقال: يا أبا عبد الله كنت اليوم مع أهل العراق في مسألة كذا فلو كان معي حديث عن رسول الله ﷺ . فدفع أحمد إليه ثلاثة أحاديث فقال له: جزاك الله خيرا. وقال الشافعي لأحمد يوما: أنتم أعلم بالحديث، والرجال، فإذا كان الحديث الصحيح فعلموني إن شاء يكون كوفيا أو شاميا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحا، وهذا من كمال دين الشافعي وعقله حيث سلم هذا العلم لأهله؛ وقال عبد الوهاب الوراق: ما رأيت مثل أحمد بن حنبل، قالوا له: وأي شيء بان لك من علمه وفضله على سائر من رأيت؟ قال: رجل سئل عن ستين ألف مسألة فأجاب فيها بأن قال (أخبرنا) و (حدثنا). وقال أبو زرعة الرازي: حفظ أحمد بن حنبل بالمذاكرة على سبعمائة ألف حديث، وفي لفظ آخر قال أبو زرعة الرازي: كان أحمد يحفظ ألف ألف، فقيل له: وما يدريك؟ قال: ذكراته فأخذت عليه الأبواب. * * * كان الإمام أحمد يقول: - فاتني مالك فأخلف الله علي بسفيان بن عيينة؛ وفاتني حماد بن زيد فأخلف الله علي إسماعيل ابن علية. وكان ملازما لكتابة الحديث فانشغل بذلك عن كل شيء حتى عن الزواج فلم يتزوج إلا بعد الأربعين. وقيل له: يا أبا عبد الله قد بلغت هذا المبلغ وأنت إمام المسلمين فقال: مع المحبرة إلى المقبرة، فأنا أطلب العلم إلى أن أدخل القبر. وقد روى المزني: أن الشافعي قال: ثلاثة من عجائب الزمان: عربي لا يعرب كلمه وهو أبو ثور، وأعجمي لا يخطئ في كلمة وهو الحسن الزعفراني، وصغير كلما قال شيئا صدقه الكبار وهو أحمد بن حنبل. وقال الشافعي: - خرجت من بغداد ما خلفت بها أحدا أورع ولا أفقه ولا أتقى من أحمد بن حنبل، ولم يزل على ذلك مكبا على الحديث والإفتاء وما فيه نفع المسلمين، والتف حوله أصحابه يأخذون عنه الحديث والفقه وغيرهما، وألف المسند في مدة ستين سنة تقريبا، وكان قد ابتدأ بجمعه في سنة ١٨٠ هـ أول ما بدأ بطلب الحديث، وسيأتي الكلام على المسند إن شاء الله تعالى، وألف في التفسير، وفي الناسخ والمنسوخ، وفي التاريخ، وفي المقدم والمؤخر في القرآن، وفي جوابات القرآن، وألف المناسك الصغير والكبير، وفي حديث شعبة، وألف كتاب الزهد، وكتاب الرد على الجهمية والزنادقة، وكتاب الصلاة، وكتاب السنة وكتاب الورع والإيمان، وكتاب

стр. 809

العلل والرجال، وكتاب الأشربة، وجزءا في أصول السنة، وفضائل الصحابة، وله قصائد متناثرة، وأجزاء في بعض الأصول والمسائل، كما نقل عنه مجموعة من المسائل، منها مسائل الإمام أحمد برواية أبي داود السجستاني صاحب السنن وهي مطبوعة نشرها السيد محمد رشيد رضا بمطبعة المنار وتقع في ٣٢٨ صفحة. وهي أجوبة على بعض المسائل التي سئل عنها الإمام أحمد في الفقه؛ ومنها مسائل ابنه عبد الله بن أحمد، ومسائل إسحاق بن إبراهيم رواية ابن منصور المروزي وهي مخطوطة وتوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق وغير ذلك من مؤلفاته ﵁. * * *

стр. 810

كان في بغداد أيام المأمون تيارات ثقافية متضادة: منها ما كان عليه السلف الصالح من أهل السنة والجماعة الممثل في حلقات أهل الحديث والفقهاء وغيرهم ممن يرجعون إلى النصوص الشرعية. ويثبتون لله ما أثبته لنفسه وما صح عن رسوله ﷺ إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تأويل ولا تعطيل ومن أبرز هؤلاء: الإمام أحمد ومحمد بن نوح وأحمد بن نصر الخزاعي وغيرهم. ومنها تيار المعتزلة القائلين بخلق القرآن وتأويل آيات الصفات وغير ذلك مما هو معروف من مذهبهم: كالقول بالعدل والتوحيد والوعد والوعيد والمنزلة بين المنزلتين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وكان الرشيد يقاوم القول بخلق القرآن فلم يجرؤ أحد عليه مدة حياته كما روي عن محمد بن نوح قال: سمعت هارون الرشيد يقول: بلغني أن بشرا المريسي زعم أن القرآن مخلوق، علي إن أظفرني الله به لأقتلنه قتلة ما قتلها أحد قط، فلما مات الرشيد وتولى الأمين أراد المعتزلة حمله على ذلك فأبى. فلما تولى المأمون الخلافة، وكان يميل إلى المعتزلة ويقربهم وكان أستاذه أبو الهذيل العلاف من زعماء المعتزلة وكذلك قاضيه أحمد بن أبي دؤاد فأشار عليه ابن أبي دؤاد بإظهار القول بخلق القرآن، فأظهر القول بذلك عام ٢١٢ هـ. فكان المأمون يناظر من يغشى مجلسه في ذلك ولكنه لم يلزم بذلك أحدا بل ترك الناس أحرارا فيما يذهبون إليه، فلما كان ٢١٨ هـ رأى المأمون حمل الناس وخصوصا العلماء والقضاة والمفتين على القول بخلق القرآن الكريم؛ وكان المأمون آنذاك في الرقة فأرسل إلى واليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم وهو صاحب الشرطة ببغداد أن يجمع من بحضرته من القضاة ويمتحنهم فيما يقولون ويعتقدون في خلق الله القرآن وإحداثه، ويعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله بمن لا يقول بهذا القول وكان ذلك في ربيع الأول من عام ٢١٨ هـ. فثار العلماء حين سمعوا كتاب المأمون إلى نائبه في بغداد وقال واحد منهم: لقيت ثمانمائة شيخ ونيفا وسبعين فما رأيت أحدا يقول بهذه المقالة - يعني خلق القرآن - وقد حبس وعذب وقتل في هذه المحنة خلائق

стр. 811

لا يحصون كثرة كما يراه القارئ المتتبع لتلك الحقبة من التاريخ، وصارت هذه المحنة هي الشغل الشاغل للدولة والناس خاصتهم وعامتهم وأصبحت حديث مجالسهم وأنديتهم وحاضرتهم وباديتهم في العراق وغيره وقام الجدل فيها بين العلماء، ووقع امتحان الأمراء للعلماء والقضاة والفقهاء والمحدثين في مصر والشام وفارس وغيرها حتى تناول الإمام البخاري وشيوخه الأجلة الأفذاذ: يحيى بن معين وعلي بن المديني ويزيد بن هارون وزهير بن حرب وغيرهم من الأئمة المجمع على جلالتهم وإمامتهم في حفظ السنة المطهرة وعلومها. وأرسل المأمون لصاحب الشرطة في بغداد بأن يوافيه بجواب من امتحن منهم فوافاه بجوابهم وإذا هو يتضمن إنكار هذه المقالة والتشنيع على من قال بها فلم يقتنع المأمون بذلك، فبعث إليه بكتاب ثان يأمره فيه بإشخاص سبعة من المحدثين المشهورين في بغداد أو ثمانية وهم -: محمد بن سعد كاتب الواقدي وأبو مسلم ويحيى بن معين وزهير بن حرب وإسماعيل بن داود وإسماعيل بن أبي مسعود وأحمد بن إبراهيم الدورقي. لكي يمتحنهم وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل. إلا أن ابن أبي دؤاد حذف اسم الإمام أحمد من القائمة لمعرفته بصلابته وشدته في هذا الأمر. * * * ثم أمر المأمون بعد ذلك بحمل الإمام أحمد ومحمد بن نوح إليه في طرسوس فحملا إليه بأغلالهما فأما محمد بن نوح فمات في أثناء الطريق قبل أن يصل. وأما الإمام أحمد ومرافقوه فبلغهم وفاة المأمون قبل وصولهم فعادوا إلى بغداد، وألقي الإمام أحمد في الحبس. ويقال: إن أحمد دعا على المأمون وكانت وفاة المأمون في عام ٢١٨. ثم تولى الخلافة المعتصم، وكان المأمون قد أوصاه بتقريب ابن أبي دؤاد والاستمرار بالقول بخلق القرآن وأخذ الناس بذلك. وكان أحمد في السجن فاستحضره من السجن، وعقد له مجلسا مع ابن أبي دؤاد وغيره؛ وجعلوا يناقشونه في خلق القرآن، وأحمد يستدل عليه بالنصوص الواردة. ويقول لهم: أعطوني دليلا من كتاب الله أو سنة رسول الله ﷺ ، وانفض المجلس ذلك اليوم دون شيء، وأمر المعتصم برده إلى السجن. وفي اليوم التالي أحضر من السجن، وعقد المجلس وكان موقفه رائعا جليلا كموقفه في الأمس ورغم المحاولات والمناقشات صمم الإمام أحمد على كلامه، وفشل القوم كفشلهم بالأمس. وانفض الاجتماع، ورد الإمام أحمد إلى السجن، وفي اليوم الثالث أعيد انعقاد المجلس، وأحضر الإمام أحمد من السجن وأعيدت المناقشة. وكان المعتصم عند عقد مجلس المناظرة قد بسط بمجلسه بساطا، ونصب كرسيا جلس عليه وازدحم الناس إذ ذاك كازدحامهم أيام الأعياد، وكان مما دار بينهم أن قال للإمام أحمد: ما تقول في القرآن؟ فقال: كلام الله غير مخلوق قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (١).

стр. 812

قال: هل عندك حجة غير هذا؟ قال: نعم قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ (١) ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ (٢) ولم يقل خلق القرآن، وقال تعالى: ﴿يس﴾ (٣) ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ﴾ (٤) ولم يقل المخلوق، فقال المعتصم: أعيدوه للحبس وتفرقوا، فلما كان من الغد جلس المعتصم مجلسه ذلك. وقال: هاتوا أحمد بن حنبل فاجتمع الناس، وسمعت لهم ضجة ببغداد فلما جيء به، وقف بين يديه والسيوف قد جردت والرماح قد ركزت والأتراس قد نصبت والسياط قد طرحت. فسأله المعتصم عما يقول بالقرآن. قال: أقول غير مخلوق، وأستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ (٥) الآية، قال: فإن يكن القول من الله تعالى فإن القرآن كلام الله، وأحضر المعتصم له الفقهاء والقضاة فناظروه بحضرته ثلاثة أيام وهو يناظرهم، ويظهر عليهم بالحجج القاطعة ويقول: أعطوني دليلا من كتاب الله أو كلام رسوله ﷺ ، فقال المعتصم قهرنا أحمد وحلف ليضربنه بالسياط، وأمر الجلادين فأحضروا ولما جيء بالسياط نظر إليها المعتصم فقال: ائتوني بغيرها. * * * قال أبو عبد الله: ثم صيرت بين العقابين، والعقابان بضم العين خشبتان يوضع بينهما الرجل ليجلد قاله في تاج العروس، فعلق الإمام أحمد بالعقابين، ورفع حتى صار بينه وبين الأرض مقدار قبضة، قال أحمد: وشدت يداي وجيء بكرسي فوضع له - يعني للمعتصم - وابن أبي دؤاد قائم على رأسه والناس أجمعون قيام ممن حضر، فقال لي إنسان ممن شهدني: خذ بنابي الخشبتين بيدك، وشد عليهما فلم أفهم ما قال. قال: فتخلعت يداي لما شددت، ولم أمسك الخشبتين، قال أبو الفضل - يعني ابنه صالحا - ولم يزل أبي ﵀ يتوجع منهما من الرسغ إلى أن توفي، قال أبو عبد الله فقلت: يا أمير المؤمنين إن رسول الله ﷺ قال: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث (٦)». الحديث. فبم تستحل دمي وأنا لم آت شيئا من هذا. يا أمير المؤمنين اذكر وقوفك بين يدي الله كوقوفي بين يديك، يا أمير المؤمنين راقب الله، فلما رأى المعتصم ثبوت أبي عبد الله وتصميمه لان فخشي ابن أبي دؤاد من رأفته عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن تركته قيل: إنك تركت مذهب المأمون وسخطت قوله، أو أن يقال: غلب خليفتين فهاجه ذلك، وطلب كرسيا جلس عليه، وقام ابن أبي دؤاد وأصحابه على رأسه ثم قال للجلادين: تقدموا وجعل أحدهم يتقدم إلى الإمام أحمد فيضربه سوطين ثم يتنحى ثم يتقدم الآخر فيضربه سوطين، والمعتصم يحرضهم على التشديد في الضرب، ثم قام إليه المعتصم وقال له يا أحمد: علام تقتل نفسك إني والله عليك لشفيق فما تقول؟ فيقول أحمد: أعطوني دليلا من كتاب الله وسنة رسوله حتى أقول به، ثم رجع المعتصم، فجلس فقال للجلاد: تقدم وحرضه على إيجاعه بالضرب ويقول: شدوا قطع الله أيديكم، قال أحمد: فذهب عقلي عند ذلك فلم أفق إلا وقد أفرج عني ثم جيء بي إلى دار إسحاق

стр. 813

ابن إبراهيم فحضرت صلاة الظهر فصليت فقالوا صليت والدم يسيل منك فقلت: قد صلى عمر ﵁ وجرحه يثعب دما وكان ذلك في رمضان سنة ٢١٨. ثم نقل أحمد إلى بيته واستقر فيه حيث لم يقو على السير فلما برئت جراحه، وقوي جسمه خرج إلى المسجد، وصار يدرس في المسجد ويملي الحديث حتى مات المعتصم. فلما تولى الواثق منع الإمام أحمد من الاجتماع بالناس وقال: لا تساكني في بلد أنا فيه فأقام الإمام ببغداد مختفيا لا يخرج إلى صلاة ولا غيرها حتى مات الواثق، وذلك مدة خمس سنوات تقريبا. فلما تولى المتوكل الخلافة سنة ٢٣٢ بقيت المحنة قائمة خلال عامين من حكمه ثم رفعت سنة ٢٣٤ وكانت قد بدأت من السنة الأخيرة من خلافة المأمون وهي سنة ٢١٨ وانتهت في السنة الثانية أو الثالثة من خلافة المتوكل سنة ٢٣٤ حيث أوقف المتوكل أخذ الناس بالمحنة. وأصدر إعلانا عاما في كافة أنحاء الدولة نهى فيه عن القول بخلق القرآن، وتهدد من يخوض في ذلك بالقتل فعم الناس الفرح في كل مكان، وأثنوا على سجايا الخليفة ومآثره ونسوا شروره ورذائله، وسمع الدعاء له من كل جانب، وذكر اسمه مع اسمي الخليفتين أبي بكر وعمر وعمر بن عبد العزيز. وكان المتوكل يكره العلويين، ويسرف في مطاردتهم فجعل المعتزلة يحيكون دسائسهم لدى الخليفة ضد الإمام أحمد، ويتهمونه بالجنوح إلى العلويين، وتتطور المحنة لتأخذ لونا آخر، وتشتد الرقابة على الإمام أحمد وامتدت أعناق أهل الفتنة فاتهموا الإمام أحمد لدى الخليفة أنه يؤوي في بيته أحد العلويين ذوي القدر الخطير ويثور الخليفة فيرسل من فوره إلى بغداد لمفاجأة بيت الإمام أحمد والقبض على العلوي المزعوم، وفي ليلة من الليالي بعد أن نام الناس، وهدأت الحركة وأرخى الليل سدوله على بغداد الهادئة الساكنة سمع أحمد دقا عنيفا على باب داره فقام إلى الباب ففتحه فإذا به أمام رجلين وامرأتين أما الرجلان فهما مظفر حاجب عبد الله بن إسحاق نائب بغداد والآخر ابن الكلبي صاحب البريد. وأما المرأتان فمهمتهما هي مهمة البوليس النسوي في أيامنا هذه. قال مظفر: يقول لك الأمير: إن أمير المؤمنين كتب إليه أن عندك طلبته العلوي، وقال ابن الكلبي: نعم إنك تؤوي في بيتك علويا من أعداء أمير المؤمنين وقد جئنا لأخذه، فقال الإمام أحمد: إني لا أعرف هذا ولا أرى سوى طاعة أمير المؤمنين في العسر واليسر والمنشط والمكره والأثرة. وسكت الإمام قليلا سكتة ذكر فيها حرمانه من المسجد بدون مسوغ، واستأنف يقول: إني أتأسف عن تأخري عن الصلاة وعن حضور الجمعة ودعوة المسلمين، قال ابن الكلبي: قد أمرني أمير المؤمنين أن أحلفك ما عندك طلبته أفتحلف؟ قال أحمد: إن استحلفتني حلفت فأحلفه ابن الكلبي بالله، فحلف وبالطلاق فحلف. وكان نساء الدار والصبيان قد حضروا، وحضر ابنه صالح فقال ابن الكلبي: أريد أن أفتش منزلك ومنزل ابنك صالح، وقام مظفر وابن الكلبي ففتشا البيت وفتشت المرأتان النساء فلم يعثروا على شيء وفتشا بيت صالح، فلم يجدا شيئا وفتشت المرأتان أماكن الحريم وجاءوا بشمعة فأدلوها في البئر، وانصرفوا بعد أن لم يجدوا شيئا. وتولى ابن الكلبي وصف حال الإمام أحمد للمتوكل من احتباسه عن الجمعة والجماعة بدون مسوغ ومن

стр. 814

صدق لهجته فيما يكن لأمير المؤمنين من السمع والطاعة في المنشط والمكره ومن براءته مما عزاه إليه خصومه، وأذن الله بانكشاف الغمة فجاءه بعد يومين كتاب من علي بن الجهم أن أمير المؤمنين قد صح عنده براءتك مما قذفت به وكان أهل البدع قد مدوا أعناقهم فالحمد لله الذي لم يشمتهم بك. وأقبلت الخلافة على الإمام تخطب وده وتطلب المؤانسة بقربه والتبرك بدعائه وأخذت الأيام تدبر مولية عن المعتزلة. فمرض ابن أبي دؤاد بالفالج، وجاء بعض أعيان الدولة يتقربون إلى الإمام أحمد بذكر ما نزل بابن أبي دؤاد ويومئون إلى أن كرامة الإمام على الله أوجبت ذلك القصاص فلم يلتفت إليهم الإمام أحمد وصمت ولم يرد، وظهر عليه التبرم بما قالوا. ومضت الأيام في إدبارها على المعتزلة فغضب الخليفة على ابن أبي دؤاد وقبض على أبنائه وصادر أملاكه وأمواله وجواهره، وأخذ ابن أبي دؤاد إلى بغداد بعد أن أشهد عليه ببيع ضياعه فكان يأتي إلى الإمام أحمد من يحمل إليه تلك الأنباء فيكرم نفسه أن تنزل إلى مستوى الشماتة الرخيص بل كان الخليفة نفسه يرسل إليه كأنه يستفتيه فيما يرى من مصير أموال ابن أبي دؤاود فكان يسكت ولا يجيب بشيء وهو موقف جدير أن يلقي على الناس دروسا في عظمة النفس وشدة الإقبال على جلائل الأمور والانصراف عن سفاسفها وتوافهها رحم الله الإمام أحمد لقد كان إماما في كل مكرمة. ثم أرسل إليه الخليفة المتوكل كتابا يقول فيه: قد صح نقاء ساحتك، وقد أحببت أن آنس بقربك وأتبرك بدعائك وقد وجهت إليك بعشرة آلاف درهم معونة على سفرك وفرح آل أحمد بالعافية تقبل مع السعة والجاه، وحل بالدار نشاط وأنس، ودب فيها بعد الوحشة دبيب الحركة بمن صار يغشاها من رسل الخليفة وكبار رجال الدولة. قال ابنه صالح: لما جاء كتاب المتوكل بالمال ناداني أبي في جوف الليل فقمت إليه فإذا به يبكي فلما رآني قال: ما نمت ليلتي هذه سلمت من هؤلاء حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم. * * * فلما كان الصباح جاء الحسين البزاز والمشايخ فقال: يا صالح جئني بالميزان وبالدراهم ثم أخذ يزن المال ويقول: وجهوا هذا إلى أبناء المهاجرين وهذا إلى أبناء الأنصار وهذا لفلان ليفرق في ناحيته وهذا لفلان وهكذا حتى فرقها كلها فلما فرقها أحس أنه فرق معها كربته وتنفس الصعداء ونفض الكيس ثم تصدق به. وكان لا بد لأحمد من تلبية أمر الخليفة لا خضوعا لقوة السلطان بل وفاء لحق السمع والطاعة الذي فرضه الإسلام لأولي الأمر في غير معصية، فخرج من بغداد إلى سامراء ومعه يعقوب المعروف بقوصرة وهو الرسول الذي حضر إليه من لدن الخليفة بالمال والخطاب وخرج معه بعض بنيه وكان يعقوب شديد السرور بنجاح مهمته فقد قبل أحمد بن حنبل أن يخرج معه، وكان يدرك مبلغ السرور الذي سيدخل قلب أمير المؤمنين بذلك.

стр. 815

نزل الإمام بسر من رأى ضيفا على أمير المؤمنين ولم يكن للخليفة من هم بعد أن عرف كل شيء عن أحمد إلا أن يرضيه، وأن لا يحمله علي شيء يكرهه. عرف الخليفة أن أحمد لا يقبل ماله فلم يكن له بد من النزول على رغبته واحترام إرادته ولكن لا بد من أن يصله في قرابته فليكن المال لأهله وبنيه دون أن يعلم وتسلم صالح ابنه بأمر الخليفة عشرة آلاف على الفور مكان التي فرقها أبوه ببغداد على أبناء المهاجرين والأنصار وسواهم. وعرف رجال القصر لهفة الخليفة وشدة إقباله على أحمد وإكباره له فأقبلوا عليه بمثل ما أقبل سيدهم كل يخطب وده ويبتغي إليه المنزلة ويحاول أن يسره بما يستطيع. أمر الخليفة أن تفرش الدار التي هيئت له بالفرش الوثيرة وأن ترتب له ومن معه من بنيه مائدة شهية واسعة وأمر أن يقطع له ملابس فاخرة: طيلسان وقلنسوة وشارات رسمية من السواد الذي اختارته الدولة العباسية شعارا لها. ويحضر يحيى بن خالد فيقول: إن الخليفة أمرني أن أصير لك مرتبة في أعلى ويصير ولده المعتز في حجرك تؤدبه بما شئت من أدب القرآن وسنة رسول الله ﷺ . وجاء يحيى في اليوم التالي يدعوه أن يركب إلى دار المعتز ويقول في لهجة مهذبة: تركب يا أبا عبد الله فيقول الإمام أحمد: ذاك إليكم وكان يوما مشهودا في القصر ألبسوه هناك الطيلسان وما أمر له به الخليفة من ألوان الثياب والشارات ويقول بعض الخدم: إن الخليفة كان مع أمه مستترين خلف ستار من ستور القصر يرقب في خفاء ما يكون من أحمد، فلما رآه يدخل أخذته خفة وغشيته هزة من الفرح ولمع السرور في عينيه وقال. يا أمه قد أنارت الدار بدخول أحمد. يقول ابنه صالح: لما عاد أبي من القصر إلى الدار التي أعدت له نزع عنه الثياب التي أنعم بها عليه. وجعل يبكي ويقول: سلمت من هؤلاء منذ ستين سنة حتى إذا كان في آخر عمري بليت بهم، ما أحسبني سلمت من دخولي على هذا الغلام فكيف بالخليفة الذي يجب نصحه من وقت أن تقع عيني عليه إلى أن أخرج من عنده؟ ! ثم التفت إلى الملابس وقال لابنه: وجه بهذه الثياب إلى بغداد لتباع وحذار أن يشتري أحد منكم شيئا منها. أما الفرش الوثيرة الطرية فقد نحى نفسه عنها، وألقى بنفسه على مضرية خشنة له، ونظر إلى حجرة في جانب الدار فأمر أن يحول إلى ركن منها وأن لا يسرج فيها سراج قط، وأما المائدة فقد عافها فلم يدخل بطنه شيء منها وكانت شهية حافلة. وأخيرا بلغ الضجر بالإمام أحمد كل مبلغ وبرم بكل شيء وزهد في كل شيء ولم يعد أبغض إليه من أن يلقى رجال الخليفة حتى كان يدعهم مع بنيه في الدهليز، ويقبل على صلاته ما شاء الله، وكان المرض ينزل به فيراه عافية سابغة لما فيه من عافية احتجابه عنهم. اشتكت عينه مرة فلما برئت ضاق ببرئها وقال لولده صالح: ألا تعجب كانت عيني تشتكي فتمكث حينا حتى تبرأ ثم هي في هذه المرة تبرأ في سرعة. والله لقد تمنيت الموت في الأمر الذي كان أيام المعتصم وإني لأتمنى الموت في هذا، إن هذا فتنة الدنيا وكان ذاك فتنة الدين نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن.

стр. 816

وأما مرضه ووفاته فإنه مرض تسعة أيام قال ابنه عبد الله: سمعت أبي يقول: استكملت سبعا وسبعين سنة فحم من ليلته وهو محموم يتنفس تنفسا شديدا، وقال صالح: وكنت قد عرفت علته وكنت أمرضه إذا اعتل. وجاء الفتح بن سهل إلى الباب ليعوده فحجبه وأتى ابن علي بن الجعد فحجبه، وكثر الناس فقال لي: أي شيء ترى؟ قلت: تأذن لهم فيدعون لك قال: أستخير الله تعالى فأذن لهم فجعلوا يدخلون عليه أفواجا، ويسلمون عليه ويرد عليهم بيده، ويسألونه عن حاله، ويدعون له حتى تمتلئ الدار، ثم يخرجون ويدخل فوج آخر، وكثر الناس، وامتلأ الشارع، وأغلقنا باب الزقاق، وجاء رجل من جيراننا قد خضب فسر به، وقال: إني لأرى الرجل يجيء شيئا من السنة فأفرح به فدخل فجعل يدعو له فيقول أبي: ولجميع المسلمين. وجاء رجل فقال: تلطف لي بالإذن عليه فإني قد حضرت ضربه يوم الدار، وأريد أن استحله. فقلت له، فأمسك فلم أزل به حتى قال: أدخله فأدخلته فقام بين يديه وجعل يبكي وقال: يا أبا عبد الله أنا كنت ممن حضر ضربك يوم الدار، وقد أتيتك فإن أحببت القصاص فأنا بين يديك وإن رأيت أن تحلني فعلت. قال: على أن لا تعود لمثل ذلك قال: نعم قال: فإني جعلتك في حل فخرج يبكي وبكى من حضر من الناس ثم قال: وجه فاشتر تمرا وكفر عني كفارة يمين فأخبرته بأني قد فعلت قال: الحمد لله. ثم قال اقرأ علي الوصية فقرأتها فأقرها وكنت أنام إلى جنبه فإذا أراد حاجة حركني فأناوله، وجعل يحرك لسانه ولم يئن إلا في الليلة التي توفي فيها، ولم يزل يصلي قائما أمسكه فيركع ويسجد وأرفعه في ركوعه ولم يزل عقله ثابتا. وتسامع الناس بمرضه وكثروا وسمع السلطان بكثرة الناس فوكل ببابه وباب الزقاق المرابطة وأصحاب الأخبار، ثم أغلق باب الزقاق حتى تعطل بعض الباعة، وحيل بينهم وبين البيع والشراء، وكان الرجل إذا أراد أن يدخل إليه ربما دخل من بعض الدور وربما تسلق، وجاء أصحاب الأخبار فقعدوا على الأبواب وجاءه صاحب ابن طاهر فقال: إن الأمير يقرئك السلام وهو يشتهي أن يراك فقال: هذا مما أكرهه وأمير المؤمنين قد أعفاني مما أكره، وأصحاب الخير يكتبون بخبره إلى العسكر. والبرد تختلف كل يوم وجاء بنو هاشم فدخلوا عليه وجعلوا يبكون، وجاء قوم من القضاة وغيرهم فلم يؤذن لهم فلما كان قبل وفاته بيوم أو يومين قال: ادعوا لي الصبيان بلسان ثقيل فجعلوا ينضمون إليه وجعل يشمهم ويمسح بيده على رؤوسهم وعينه تدمع فقال له رجل: لا تغتم لهم يا أبا عبد الله فأشار بيده فظننا أن معناه إني لم أرد هذا المعنى. وكان يصلي قاعدا ويصلي وهو مضطجع لا يكاد يفتر ويرفع يده في إيماء الركوع واشتدت علته يوم الخميس ووضأته فقال: خلل الأصابع، وثقل ليلة الجمعة فلما كان يوم الجمعة الموافق اثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول عام ٢٤١ توفي صدر النهار لساعتين منه فصاح الناس وعلت الأصوات بالبكاء حتى كأن الدنيا قد ارتجت وامتلأت السكك والشوارع وقال صالح: وجه ابن طاهر يعني نائب بغداد بحاجبه مظفر ومعه غلامين معهما مناديل فيها

стр. 817

ثياب وطيب فقلت: أقرئ الأمير السلام وقل له: إن أمير المؤمنين قد كان أعفاه في حياته مما كان يكره، ولا أحب أن أتبعه بعد موته بما كان يكرهه في حياته. وقد كانت الجارية غزلت له ثوبا عشاريا قوم بثمانية وعشرين درهما ليقطع منه قميصين فقطعنا له لفافتين وأخذ منه فوران لفافة أخرى فأدرجناه في ثلاث لفائف واشترينا له حنوطا وفرغ من غسله وكفناه، وحضر نحو مائة من بني هاشم ونحن نكفنه، وجعلوا يقبلون جبهته حتى رفعناه على السرير، وقال صالح: وجه الأمير ابن طاهر فقال: من يصلي عليه؟ قلت: أنا، فلما صرت إلى الصحراء إذا ابن طاهر واقف فخطا إلينا خطوات وعزانا ووضع السرير فلما انتظرت هنيهة تقدمت وجعلت أسوي صفوف الناس فجاءني ابن طاهر فقبض هذا على يدي ومحمد بن نصر على يدي وقالوا: الأمير. فمانعتهم فنحياني وصلى ولم يعلم الناس بذلك فلما كان من الغد علم الناس فجعلوا يجيئون ويصلون على القبر، ومكث الناس ما شاء الله يأتون فيصلون على القبر فكانت الصفوف من الميدان إلى قنطرة باب القطيعة سوى ما كان في الأطراف والحواري والسطوح والمواضع المتفرقة، ومن كان في السفن في الماء وقد حزر من حضر جنازته فكانوا سبعمائة ألف وقيل: ثمانمائة ألف وقيل: بلغوا ألف ألف وثلاثمائة ألف، وقيل غير ذلك مما يدل على أنهم جمع غفير وكان ﵁ يقول في حال صحته: قولوا لأهل البدع: بيننا وبينكم يوم الجنائز. وقد صنفت في ترجمته مصنفات مستقلة منها: المناقب لأبي الفرج بن الجوزي في مجلد، ومنها لأبي إسماعيل الأنصاري في مجلدين، ومنها لأبي بكر البيهقي في مجلد، ومنها لأبي زهرة مجلد، ومنها لأحمد الدومي في مجلد، وغير ذلك عدا ما في غضون كتب التاريخ والتراجم من ذكر مناقبه وثناء الناس عليه ﵀ وسائر أئمة المسلمين وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. * * *

стр. 818

من مراجع البحث ١ - طبقات الحنابلة للقاضي أبي الحسين بن أبي يعلى. ٢ - ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب. ٣ - المنهج الأحمد للعليمي. ٤ - ابن حنبل لأبي زهرة. ٥ - أصول مذهب الإمام أحمد للدكتور عبد الله العبد المحسن التركي. ٦ - الجزء الأول من المسند طبعة أحمد شاكر. ٧ - أحمد بن حنبل إمام أهل السنة لعبد الحليم الجندي. ٨ - أحمد بن حنبل بين محنة الدين ومحنة الدنيا تأليف أحمد عبد الجواد الدومي. ٩ - أحمد بن حنبل والمحنة تأليف ولتر م. باتون ترجمة عبد العزيز عبد الحق. ١٠ - الإمام الممتحن أحمد بن حنبل نقلا عن مجلة " المسلمون ". ١١ - الفتح الرباني وشرحه بلوغ الأماني لأحمد عبد الرحمن البنا الساعاتي. ١٢ - مناقب الإمام أحمد لابن الجوزي. ١٣ - المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل لعبد القادر بن أحمد بن بدران.

стр. 819

الشيخ عبد الله بن عبد العزيز بن عقيل ولد في مدينة عنيزة من مدن القصيم عام ١٣٣٧ هـ. * أخذ في كنف والده عبد العزيز وكان أديبا شاعرا وطالب علم. * أخذ العلم عن والده ومشائخ بلده كالشيخ عبد الله بن مانع والشيخ سليمان العمري ومن أهم مشائخه الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي، وقرأ عليه التفسير والحديث والفقه وأصوله وعلوم العربية. ومن مشائخه سماحة مفتي السعودية الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ ﵀. تولى القضاء في أبي عريش من مقاطعة جيزان سنة ١٣٥٨ هـ فالخرج سنة ١٣٦٥ هـ فمحكمة الرياض سنة ١٣٦٦ فمحكمة عنيزة سنة ١٣٧٠ هـ حتى أصبح عضوا في دار الإفتاء سنة ١٣٧٥ فمحكمة التمييز بالرياض سنة ١٣٩١ فعضوا في الهيئة القضائية العليا إلى أن اختبر ليكون عضوا بمجلس القضاء الأعلى في هيئتيه العامة والدائمة. * تعين عضوا بمجلس الأوقاف الأعلى. * له نشاط إعلامي إسلامي في الإذاعة وصحيفة الدعوة حيث حرر فيها صفحة الفتاوى عدة سنوات تشكل كتابا ضخما. * له تعليقات على بعض كتب الفقه في جلسته العامة في حلقات المساجد. * شارك في الدعوة والإرشاد عن طريق المحاضرات والندوات.

стр. 820

عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ . «من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن؟ قلت: أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعد خمسا فقال: اتق المحارم تكن أعبد الناس، وارض بما قسم الله لك تكن أغنى الناس، وأحسن إلى جارك تكن مؤمنا، وأحب للناس ما تحب لنفسك تكن مسلما، ولا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب (١)».

стр. 821

محمد محمد خليفة حسان بن ثابت هو شاعر الرسول ﷺ ، المنافح عنه الذي جعل نفسه وعرضه دريئة له، المؤيد بروح القدس ينفث في لسانه ما يدمي مشاعر القرشيين، ويجرح كبرياءهم. هو حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو، ويمتد نسبه إلى النجار فالخزرج حتى يصل إلى عامر بن ماء السماء، ثم ينتهي إلى قحطان، فهو من بني النجار أخوال الرسول، وهو خزرجي، وفي عامر بن ماء السماء يلتقي باللخميين ملوك العراق وبالغساسنة ملوك الشام وأخيرا هو قحطاني. وقد كثر فخر حسان بانتمائه إلى عامر بن ماء السماء الذي يلتقي فيه بمحمد وحيه من المناذرة والغساسنة أولئك الذين أفاضوا عليهم عطاياهم لأنهم جميعا فروع لأصل واحد. وكنيته: أبو الوليد وأبو عبد الرحمن وأبو الحسام. وأمه: الفريعة بنت خالد بن قيس وهي خزرجية كحسان. وكان مولده قبل ميلاد الرسول ﷺ بثمان سنوات، وامتد عمره حتى مات في خلافة معاوية وعمره مائة وعشرون عاما.

стр. 822

ونشأ بين قومه من الخزرج وهم يخوضون مع الأوس في المدينة غمار معارك تعددت أيامها، واصطلى الجانبان بنيرانها، والعربي الذي يعيش بين غبار المعارك ودمائها أحد رجلين: محارب يحمل السلاح فيذود به، ويكسب مجدا ببطولته، أو شاعر يرسل القوافي تثير وتهدد، وتسجل المفاخر، وتذيع الأمجاد، ومن النوع الثاني كان حسان، ومكانة الشاعر في المعارك لا تقل عن مكانة الفارس، فالفارس ساعد القبيلة، والشاعر لسانها يصور مواقفها وأمجادها إذا كانت فيه الموهبة القادرة على التصوير، وكان حسان يختلس نفسه من ضجيج المعارك حينا فيشارك العرب اجتماعاتهم في سوق عكاظ يسمع ما تجود به العبقريات الشاعرة، ويسمع من فيه ما قاله في عامه من روائع يعتد بها في الفخر أو في غيره، وحينا يولي وجهه شطر الشام حيث ينسى بين ظلال نعماء الغساسنة آلام الحرب ومناظر الدماء التي تخلفها المعارك. وعرف حسان كما عرف اليثربيون جميعا دعوة الإسلام بعد بيعة العقبة ولكنه لم يسلم إلا بعد هجرة الرسول ﵊ إلى المدينة. وحين دقت أسماعه أهاجي شعراء قريش للرسول غلت مراجل أحاسيسه، ورآه الرسول خير من يتزعم معركة الدفاع اللساني، فندبه لهذه المهمة ونصب له في مسجده منبرا فراح حسان يصب من فوقه حمم الهجاء على قريش وعلى من عبأتهم من الشعراء لهجاء الرسول. * * *

стр. 823

صدق شاعريته تعمل البيئات عملها في خلق الأديب وتكوين شاعريته، والشاعر الصادق هو ابن بيئته التي تحيط به، وتؤثر فيه، فتلهمه حيث يستلهمها، ويفي لها فيترجم عنها، وتصدق ترجمته كلما صدق تأثره فالبدوي الذي تشد بصره المفاوز الواسعة ويلمح سماءها الصافية أو الماطرة ونجومها الزاهرة، وأرضها المقفرة، أو وديانها المعشبة، وآكامها الصخرية، وجبالها الشامخة وكهوفها وأغوارها السحيقة، ويبصر فوق رمالها الظباء السوائح، وفي سفوح جبالها ووديانها الإبل والأغنام ذلك الذي يبصر كل ذلك خليق به أن يفتن في تصوير ما حوله، وما يلم به بصره، وأن ينتزع صوره من ذلك المحيط حتى يكون بارا ببيئته، وأن يصدق عليه أنه وليدها الذي يحكي عنها حتى يلائم قوله أمزجة قومه وما يألفون من الصور وهو حين يفعل ذلك يكون الترجمان الصادق في تعبيره، والمصور المبدع في تصويره. وشاعر الريف الزاهر الذي يعيش بين أحضان الطبيعة الطبيعية يستلهم جمال الورود وشدو الطيور، وخرير الجداول وفضي النهر في الليل المقمر، وذهبي الجدول عند الأصيل فيلهمه كل ذلك فيضا من الإحساس بالجمال يحكيه شعرا، ويرسله ترانيم شادية مثل ذلك الشاعر عملت فيه بيئته عملها فتجاوب معها وعبر عنها وكأنه الوتر العازف معها في ألحان الحياة.

стр. 824

فكل أولئك حين يصدرون عن وحي بيئاتهم يكون شعرهم مرآة تعكس للأجيال صور تلك البيئات وآثارها في عقولهم وتفكيرهم وتصويرهم وتعبيرهم. فما هي البيئات التي أثرت في حسان وهل صدقت شاعريته ووفت لتلك البيئات؟ لقد عاش حسان في جاهليته وإسلامه بين يثرب والشام. أما يثرب فتكتنفها الجبال، وتحيط بها لابتان من الحجارة السوداء قال في إحداها حسان: ترى اللابة السوداء يحمر لونها ... ويغبر منها كل ربع وفدفد وحولها كثرة من بساتين النخيل والأعناب والفاكهة وكانت سوقا للتجارات الواردة من اليمن والهند والشام، وقد أمدت هذه التجارات أهل يثرب بشيء من الثراء، ولم تنم الحروب الناشبة بين الأوس والخزرج في الجاهلية فكانت الأيام بينهما متصلة الحلقات ومن أيامهم يوم بعاث ويوم سميحة ويوم الدرك ويوم الربيع ويوم البقيع، وقد ورد بعض هذه الأيام في شعر حسان، وكان نصيبه من تلك المعارك نصيب الشاعر المترجم تلك هي بيئته الطبيعية والاجتماعية الأولى. وكانت الشام البيئة الثانية لحسان حيث كان ينزح إلى جوار الغساسنة العام بعد العام فيمدحهم ويقيم بينهم شهورا ويعود بصلاتهم وعطاياهم. وبلاد الشام غنية منذ بعيد بالزراعة والفاكهة والتجارة وعاش ملوكها بين البذخ والنعيم. وتمتع معهم بذلك البذخ الكثير من شعراء العرب ومنهم حسان، وقد شهد حسان في الشام جمال الطبيعة في رياضها وجداولها المنسابة كما شهد مجالس اللهو والغناء، ورأى آثار الحضارتين الرومانية واليونانية اللتين امتدتا إلى الشام أثرا للاتصال والجوار، ولهذه البيئة الثانية أثرها فيه. فلما أسلم حسان شغله الدين الجديد، ورأى في القرآن وما فيه زادا لشاعريته، وكان في مسجد رسول الله ﷺ وما يدور فيه من مسائل الدين والعلم والاقتصاد والسياسة والحرب بيئة ثقافية جديدة لشاعرية حسان، وقد عاش مع الأحداث الدينية والسياسية والاجتماعية التي كانت في حياة الرسول وبعده، وشهد الغزوات، وعاصر المعارك الدائرة بين المسلمين والفرس والروم كما عاصر الخلافات التي كانت بين المسلمين واليهود والتي كانت في سقيفة بني ساعدة بين المهاجرين والأنصار، وعاصر الفتنة الكبرى التي راح ضحيتها عثمان وما كان وراءها من معارك في البصرة وصفين. وقد تفاعلت كل هذه المؤثرات مع مشاعر حسان فأرسل شعره يصور تلك الأحداث بل حمل العبء الأكبر في تصوير الدعوة منذ أسلمه الرسول ﷺ زعامة الدفاع عنه وعن دعوة الإسلام، فنهض حسان بذلك العبء وروح القدس يؤيده. ونضيف إلى تلك المؤثرات مؤثرا جديدا كان له أثره الكبير فيه، وهو أن بيت حسان كان بيت الشعر

стр. 825

والشعراء فقد كان أبوه ثابت شاعرا وكان جده المنذر شاعرا وجد أبيه حرام كان شاعرا وكان عبد الرحمن بن حسان شاعرا وكان حفيده سعيد بن عبد الرحمن شاعرا وكانت ابنة حسان شاعرة فكان حسان في هذا البيت واسطة عقد الشعراء في تلك الأسرة الشاعرة. وقد حدثوا أن حسانا قال يوما: وإن امرأ يسمي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد قال ابنه عبد الرحمن: وإن امرأ نال الغنى ثم لم ينل ... صديقا ولا ذا حاجة لزهيد وأنشد بعد ذلك حفيده سعيد: وإن امرأ لاحى الرجال على الغنى ... ولم يسأل الله الغنى لحسود كما حدثوا أن شاعرنا أرق ليلة فقام يعالج الشعر فقال: وقافية عجت بليل رزينة ... تلقيت من جو السماء نزولها وانقطع الإلهام عنه فلم ينطق فقالت ابنته: أو أجيزك؟ فقال لها: وعندك ذلك؟ قالت: نعم قال: فافعلي، فقالت: يراها الذي لا ينطق الشعر عنده ... ويعجز عن أمثالها أن يقولها فهاج حسان وقال: متاريك أذناب الحقوق إذا التوت ... أخذنا الفروع واجتنينا أصولها فقالت: مقاويل بالمعروف خرس عن الخنا ... كرام معاط للعشيرة سولها وشهد الأصمعي لعبد الرحمن بن حسان بالشاعرية السباقة في قوله في وصف السحاب: كأن الرباب دوين السحاب ... نعام تعلق بالأرجل وكانت شاعرية عبد الرحمن مبكرة حيث قالوا: إن معلم الصبيان أراد معاقبته على تأخره عن موعد الحضور إلى المكتب فقال عبد الرحمن وهو صبي معتذرا: الله أعلم أني كنت منتبذا ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا

стр. 826

بين حسان وشعراء قريش بعد إسلامهم كان حسان ورواة شعره يتناشدون في مسجد الرسول ﷺ أهاجي حسان في القرشيين حيث كانت تستعرض خواطرهم ذكريات الماضي ومواقفه ومعاركه. وخشي عمر في خلافته على وحدة العرب أن يمزقها تذكر الثارات وإحياء الضغائن، فنهى الناس عن تناشد ذلك الشعر المثير لدفين الماضي، ومر يوما بحسان وهو في مسجد الرسول ينشد أهاجيه فأخذ بأذنه وقال له: أرغاء كرغاء البعير؟ فقال حسان: دعنا عنك يا عمر والله لتعلم أني كنت أنشد في هذا المسجد من هو خير منك، فقال عمر: صدقت وانطلق. ووفد على المدينة في خلافة عمر عبد الله بن الزبعري وضرار بن الخطاب وقد كانا من شعراء قريش الذين هجوا رسول الله، فاجتمعا بحسان فقال ابن الزبعري: يا أبا الوليد إن شعرك كان يحتمل في الإسلام ولا يحتمل شعرنا، وقد أحببنا أن نسمعك، فقال حسان: أفتبدآن أم أبدأ؟ قالا: نبدأ نحن فأنشداه أهاجيهما فيه، ففار كالمرجل غضبا، ثم استويا على راحلتيهما يريدان مكة، فخرج حسان حتى دخل على عمر فقص عليه قصتهما، فقال عمر لرسوله، لو لم تدركهما إلا بمكة فارددهما علي، فأدركهما الرسول بالروحاء فردهما، فدعا لهما بحسان، وكان عمر في جماعة من الصحابة، فقال لحسان: أنشدهما مما قلت فيهما، فأنشدهما حتى فرغ، فقال له عمر: أفرغت؟ فقال حسان: نعم، قال عمر: أنشداك في الخلا وأنشدتهما في الملأ، وقال لمن حضر: إني كنت نهيتكم أن تذكروا ما كان بين المسلمين والمشركين من أهاج دفعا للتضاغن، وبث القبيح فيما بينكم فأما إذا أبوا فاكتبوه واحتفظوا به فدونوه، وكان الأنصار يجددونه كلما خافوا عليه البلى. * * *

стр. 827

من مدائحه في الغساسنة أفاض الغساسنة عطاياهم على حسان فلم ينس لهم تلك الأيادي، وأفاض فيهم من المدائح ما بقي خالدا على الزمن، وكم تغنى القيان لجبلة بن الأيهم أحد ملوكهم وهو في القسطنطينية بشعر حسان فاستعرضت خواطره الصور التي أثارها شعر حسان ومن تلك الأغاني التي كن يتغنين بها من شعر حسان قوله في الغساسنة: لله در عصابة نادمتهم ... يوما بجلق في الزمان الأول يمشون في الحلل المضاعف نسجها ... مشي الجمال إلى الجمال البزل الضاربون الكبش يبرق بيضه ... ضربا يطيح له بنان المفصل والخالطون فقيرهم بغنيهم ... والمنعمون على الضعيف المرمل

стр. 828

أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول جلق بكسر الجيم وتشديد اللام المفتوحة: دمشق، البزل بضم الباء وتشديد الزاي المفتوحة جمع بازل وهو ما استكمل السنة الثامنة من الإبل، الكبش: سيد القوم وحاميهم، البيض: جمع بيضة وهي الخوذة والمراد ببنان المفصل: أطراف الأصابع، المرمل: الذي نفذ زاده ويراد به الفقير: وجفنة: أبو ملوك آل غسان وهو مزيقيا: ومارية بنت الأرقم وينتهي نسبها إلى مزيقيا وضرب بقرطيها المثل حيث كان فيهما مائتا دينار، الهرير: صوت الكلاب، شم الأنوف، كناية عن العزة، الطراز، فارسي معرب ومعناه الشكول العظيمة لقد كان هذا الشعر ألحانا وترانيم تتجاوب الأصوات فيه مع الأوتار فتهز الأسماع والقلوب، إنه شعر حسان يمدح في إعجاب وعجب أولئك الذين ينادمهم في دمشق، وهم أولئك الشجعان الذين يلبسون الحلل والدروع المضاعفة النسج، ويمشون مشي الجمال الأقوياء، أولئك الذين لا ينازلون غير الكماة فيطيحون بهم، أولئك الذين طبقوا نظم الإسلام الاجتماعية وإن لم يعرفوا الإسلام فخلطوا بين الأغنياء والفقراء، وكلهم لديهم سواء، وقد أغدقوا كرمهم على المرملين المعدمين، إنهم أولاد جفنة الكرماء الذين جثموا حول قبر أبيهم يعطون العفاة والمجتدين، هم الكرماء بيض الوجوه وهم الأعزاء شم الأنوف. تلك هي الأغاني التي تشنف بها القيان أسماع جبلة ومن حوله فيعيشون مع خواطر حسان وأفكاره، وإن لم يكن معهم حسان. وحسبنا هذا النموذج من شعره الجاهلي الذي وضعه في مصاف النابغين من أمثال النابغة الذبياني. * * *

стр. 829

شعر حسان في الإسلام لم يقف حسان قصائد من شعره على الدعوة الإسلامية وحدها، ولكنه تكلم عن هذه الدعوة وأصولها وما اشتملت عليه في قصائد متفرقة في مدح الرسول ﵊ أو في مراثيه له ولغيره من الصحابة، أو في أهاجيه التي طعن بها قريشا أو بعضا من معاندي قريش. وقد تأثر في شعره الإسلامي إلى حد كبير بالأساليب والمعاني القرآنية، وقد لا نكون مغالين إذا قلنا: إنه قمة شعراء الإسلام تأثرا بالقرآن.

стр. 830

قال من قصيدة يمدح بها الرسول ﵊: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله مشهود يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد نبي أتانا بعد يأس وفترة ... من الرسل والأوثان في الأرض تعبد وأنذرنا نارا وبشر جنة ... وعلمنا الإسلام فالله نحمد وأنت إله الخلق ربي وخالقي ... بذلك ما عمرت في الناس أشهد تعاليت رب الناس عن قول من دعا ... سواك إلها أنت أعلى وأمجد لك الخلق والنعماء والأمر كله ... فإياك نستهدي وإياك نعبد يقدم الشاعر الدليل المرئي على صدق نبوءة محمد ﷺ في خاتم النبوة الذي وسمه الله به بين كتفيه والذي يعلمه الأحبار والرهبان بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء، ثم ذكر الشاعر تكريم الله لنبيه حيث ضم اسم النبي إلى اسمه في الشهادتين اللتين ينطق بهما المؤذن خمس مرات كل يوم كما كرمه باشتقاق اسمه من وصفه فالله محمود واشتق لرسوله من ذلك الوصف اسم محمد، وبين الشاعر أن الله أرسل رسوله بعد أن يئست نفوس المتأملين المتبصرين من الحنفاء في هداية هذه البشرية التي تخر هاماتها للأوثان وبعد فترة من الرسل، والشاعر في هذه المعاني متأثر بالأسلوب القرآن: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ﴾ (١) أنذر بالنار وبشر بالجنة، وعلم الناس الإسلام ورأى الشاعر أن هذا من النعم التي ينبغي أن يحمد الله عليها. ثم أعلن الشاعر عبوديته للخالق، وشهد له بالربوبية، ونزهه عن دعوى المفترين فهو وحده الخالق المنعم والأمر لله وحده ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ (٢) وهو وحده المعبود. في ظلال تلك المعاني الإسلامية عاش الشاعر بأحاسيسه وعقيدته متأثرا بدعوة الحق وبأسلوب القرآن فغير ما قدمنا نرى قوله: وأنت إله الناس ربي وخالقي قد تأثر فيه بقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾ (٣) وقوله: تعاليت رب الناس عن قول من دعا سواك. . . فيه رد على المشركين الذين حكى القرآن إشراكهم في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٤) وعلى اليهود والنصارى الذين حكى القرآن معتقداتهم في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ (٥) وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ (٦)

стр. 831

وقول الشاعر: فإياك نستهدي وإياك نعبد، تأثر فيه بقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (١) ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (٢) ولعلنا بعد هذا أدركنا إلى أي مدى تأثر شعر حسان بالقرآن. * * *

стр. 832

من شعر حسان المرتجل في الوفود بعد أن فتحت مكة تدفقت وفود القبائل العربية على المدينة تعلن إسلامها أو تفاخر الرسول بأمجادها وتكشف عن مكانها وعزتها، وسمي ذلك العام عام الوفود لكثرة الوفود التي قدمت فيه على الرسول وكان بين تلك الوفود وفد تميم وحينما ظهر لهم الرسول قالوا: يا محمد جئنا لنفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا قال: أذنت لخطيبكم فليقل، فقام عطارد بن حاجب فخطب، ولما انتهى قال الرسول لثابت بن قيس: قم فأجب الرجل فخطب ثابت، ثم أذن لشاعرهم الزبرقان بن بدر فبدأ قصيدته بقوله: نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا يقسم الربع والربع: ربع الغنيمة وكانوا إذا غزوا في الجاهلية أخذ الرئيس ربع الغنيمة وحده وذلك ما سمي المرباع ولم يكن حسان في المجلس حين حضر وفد تميم فبعث إليه الرسول فلما حضر سمع قصيدة الزبرقان ولما انتهى منها قال ﵊: قم يا حسان فأجب الرجل فقام حسان يرتجل: إن الذوائب من فهر وإخوتهم ... قد بينوا سنة للناس تتبع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع لا يرقع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رقعوا إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع ولا يضنون عن مولى بفضلهم ... ولا يصيبهم في مطمع طبع أعطوا نبي الهدى والبر طاعتهم ... فما وني نصرهم عنه وما نزعوا إن قال سيروا أجدوا السير جهدهم ... أو قال: عوجوا علينا ساعة ربعوا ما زال سيرهم حتى استقاد لهم ... أهل الصليب ومن كانت له البيع خذ منهم ما أتى عفوا إذا غضبوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعوا فإن في حربهم - فاترك عداوتهم- ... شرا يخاض عليه الصاب والسلع

стр. 833

نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعائف من أظفارها خشعوا لا فخر إن هم أصابوا من عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا جزع كأنهم في الوغى والموت مكتنع ... أسد ببيشة في أرساغها بدع إذا نصبنا لقوم لا ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفرقت الأهواء والشيع الذوائب: الأعالي ويراد منها السادة، فهر: أصل قريش، السجية: الطبيعة، الطبع بتشديد الطاء المفتوحة وفتح الباء: العيب والدنس، الوني: الفتور والضعف، ربع بالمكان: أقام فيه، استقاد لهم أهل الصليب أعطوهم المقادة، الصاب: شجر يعتصر فتخرج منه قطرات إذا وضعت في العين كان كالنار وقيل الصاب: عصارة الصبر، والسلع: نوع من الشجر، الزعانف، السفلة من الناس، الخور بضم الخاء: الضعفاء من الناس، الجزع بضم الجيم والعين جمع جازع: ضد الصابر، المكتنع: القريب، بيشة: موضع تنسب إليه الآساد، الفدع: العوج، الذرع بتشديد الذال المضمومة وضم الراء، كل ما استتر به، الذريعة: جمل يختل به الصيد فيترك مع الصيد حتى يألفه ثم يستتر به الصياد حتى يتمكن من فريسته. عرض الزبرقان بن بدر شاعر تميم مفاخرهم في أنهم الملوك الكرام القاهرون لأعدائهم المطعمون عند القحط الذين يدين لهم السادة والأشراف وينقاد لأمرهم كل مفاخر ولا يفاخرهم أحد، وهم يفخرون على كل أحد. أما حسان فقد رد بما أملاه عليه دينه أولا وهو هداية الناس وتوجيههم إلى تقوى الله واتباع شريعته ثم رد على قول تميم بأنهم القاهرون للأعداء بتهديد ووعيد: (قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم) ثم قابل ذلك بأنهم النافعون للأشياع. فليست حياتهم قصرا على الشر دأب الكثير من قبائل العرب في جاهليتهم، وأمعن حسان في الكشف عن قوة فتك المسلمين فبين أن الناس لا يستطعيون علاج ما يوقعونه بهم فهم الذين لا يقهر حليفهم، وهم السباقون وكل سبق تابع لسبقهم، وهم الذين لا يدنسون حياتهم بعيب، والعقلاء الحلماء الذين لا يركنون إلى الجهل والحمق؛ لأن في أخلاقهم سعة وأنهم أسلموا نفوسهم وطاعتهم لرسول الله ومن ثم آتاهم الله النصر من عنده ووضح الطاعة بأنهم يجدون إذا استنهضوا، ويقفون إذا أمروا. وما زال وضعهم كذلك حتى دان أهل الصليب والبيع. وكشف عن المسلمين في الحروب كشف تهديد فحروبهم شر يخاض فيها الصبر، وهم الشجعان المتسامون بصفاتهم حين يجزع الناس من أظفار الحرب ومخالبها، وليسوا بالفخورين حين ينالون من عدوهم، ولا الضعفاء إذا نيل منهم وهم أسد بيشة يخافهم منازلوهم، ولا يخاتلون في حروبهم فيدبون إلى عدوهم دبيب الصياد المخاتل الذي يتخذ دريئة يخدع بها صيده حتى يصيده، فذلك فعل الجبان وهم ليسوا جبناء، وحسبهم أن يكون رسول الله شيعتهم حين تفرق الأهواء القلوب.

стр. 834

وليس بمعقول بعد هذا الفيض من المعاني والقوة التي أخذت على بني تميم كل سبيل أن يثبتوا في ميدان المفاخرة، وقد قرأ الأقرع بن حابس في وجوه قومه الاقتناع بل الاستسلام فقال: وأبي إن هذا الرجل لمؤتى له، لخطيبه أخطب من خطيبنا، وشاعره أشعر من شاعرنا، وأصواتهم أعلى من أصواتنا ولم يكد يقضي بما قضى حتى خشعت الرؤوس أمام قوة السماء وتأييدها فأعلنوا إسلامهم. ومن عجب أن يرسل حسان ذلك الشعر ارتجالا في موقف التحدي والمفاخرة أمام أرباب البيان وما أعد لهذا الوقف أو ليس يدل هذا على شاعرية دامغة يؤيدها روح القدس؟ * * *

стр. 835

الغزوات والسرايا في شعر حسان غزا المسلمون ثلاثين غزوة قادها رسول الله ﷺ إلا غزوة مؤتة فلم يشهدها، وورد ذكر بعض الغزوات في القرآن، وسجل التاريخ تلك الغزوات في أمانة علمية صادقة، وكان حسان الشاعر المصور لتلك المعارك والشاعر المؤرخ في بعضها حين راح يسرد سرد المؤرخين ما كان من أحداث، وإذا ما راعه موقف بطولة صوره، وإذا ما شاهد فرارا وانكسارا أو جبنا أرسل خواطره وراءه ليقدم للزمن صورته، وقد تغريه مواقف الأهل بالفخر فيشدو ويفتخر، وقد تناول شعر حسان الغزوات والسرايا وكشف عما كان فيها من بطولات وربما أرسل في الغزوة الواحدة أكثر من قصيدة كبدر فقد تناولها في سبع قصائد، ولم يعن حسان كثيرا بتصوير رحى المعارك بل كان مؤرخا في أكثرها أكثر منه شاعرا، ولعل الحقائق التاريخية شغلته عن الاسترسال في الخيال وإبداع الصور وهذه أبيات من قصيدة قالها في غزوة بدر يقول: بنو الأوس الغطارف آزرتها ... بنو النجار في الدين الصليب فغادرنا أبا جهل صريعا وعتبة قد تركنا بالجبوب وشيبة قد تركنا في رجال ذوي حسب إذا نسبوا نسيب يناديهم رسول الله لما قذفناهم كباكب في القليب ألم تجدوا حديثي كان حقا وأمر الله يأخذ بالقلوب فما نطقوا ولو نطقوا لقالوا صدقت وكنت ذا رأي مصيب الغطارف: جمع غطريف: السيد، الدين الصليب: المتين، الجبوب: الأرض الغليظة، الكباكب: جمع كبكبة الجماعة من الناس، القليب: البئر.

стр. 836

في هذه الأبيات نزع حسان إلى الفخر بموقف الأوس وبني النجار في المعركة لنصرة دين الله المتين ثم انتقل إلى بيان مصرع سادة قريش في بدر وهم: أبو جهل وعتبة وشيبة، ثم بين نداء رسول الله ﷺ حين وقف على القليب ينادي أولئك الذين طواهم القليب، وانطوت معهم بعض صفحات العناد، ودفنت كبرياء قريش، ولو أنطقهم الله حين نودوا لقالوا لرسول الله: لقد صدقت دعوتك وكنت صاحب الرأي السديد. وخليق بنا أن نسمي هذا اللون من القول المنظوم نظما لا شعرا فهو كتلك الأراجيز التي نظمت بها قواعد العلوم والتاريخ وليس شعرا يحلق فيه الخيال ويطير ما سمحت له أجواؤه. * * *

стр. 837

حول فرار الحارث بن هشام يوم بدر حين اشتدت رحى القتال في بدر لم يثبت الحارث بن هشام شقيق أبي جهل، وقد رأى أبطال قريش تعصف بهم رياح الموت فآثر الفرار والنجاء من أهوال المعركة وقد عيره الناس بفراره فقال: الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد ووجدت ريح الموت من تلقائهم ... في مأزق والخيل لم تتبدد وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي فصدفت عنهم والأحبة دونهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد وبهذا الأسلوب اعتذر الحارث عن الفرار؛ لأنه لا يضر المسلمين شهود الحارث وإنه ليطمع في يوم يثأر فيه للأحبة الذين خلفهم صرعى في بدر. والحارث هذا هو ابن هشام بن المغيرة وأمه أسماء بنت مخربة وأمها عقاب كانت بنت أمة لرجل من تغلب فكانت جدته لأمه بنت أمة وذلك ما عير به حسان الحارث في كل أهاجيه له، وهذا النسب لم يغب عنه أبو بكر أستاذ علم الأنساب ذلك العلم الذي تلقاه عنه حسان فهجا الكثير من القرشيين دون أن يمس نسب رسول الله ﷺ . وقد تناول حسان فرار الحارث يوم بدر فقال: يا حار قد عولت غير معول ... عند الهياج وساعة الأحساب إذ تمتطي سرج اليدين نجيبة ... مرطى الجراء خفيفة الأقراب والقوم خلفك قد تركت قتالهم ... ترجو النجاء فليس حين ذهاب

стр. 838

هلا عطفت على ابن أمك إذا ثوى ... قمصي الأسنة ضائع الأسلاب جهما لعمرك لو دهيت بمثلها ... لأتاك أجثم شابك الأنياب عجل المليك له فأهلك جمعه ... بشنار مخزية وسوء عذاب لو كنت ضنيء كريمة أبليتها ... حتى ولكن ضنيء بنت عقاب هذه صورة قدمها حسان لفرار الحارث وهي صورة فيها شيء من الحياة والتعبير إذ كشفت عن صورة المعركة في هياجها وصورة الحارث على فرس طويلة اليدين سريعة الجري خفيفة الخاصرة وهو يمعن في الهرب والعدو بها لا يلوي على شيء، ولا يلتفت وراءه لشقيقه وهو يهلك ويضرب بسلاحه بعد أن جرد من كل ما اعتد به من سلاح وهو عاجز ضعيف يجثم كما تجثم الإبل وقد تشابكت أنيابه واختلفت غيظا حين علاه ابن مسعود وراح يحتز رأسه، وقد أعجل الله له ولجمعه الهلاك والعار والعذاب. ثم طعن ذلك الهارب في أصله فهو ليس من أب عربي وأم عربية، ولو كان عربي الأم لطاب معدنه وآثر الموت على الفرار الذي نجا فيه بنفسه تاركا وراءه شقيقه يتخبط في دمه وليس بغريب على ابن بنت الأمة أن يفر من الأهوال. وقد أسلم الحارث يوم الفتح وحسن إسلامه وحارب في عهد الفاروق عمر في حروب الشام وقد مات في طاعون عمواس وقيل: في اليرموك بعد أن جاهد في سبيل الله حق الجهاد لعله يكفر عن مواقفه من الإسلام والمسلمين قبل أن يسعده الله بالإسلام. * * *

стр. 839

على ماء بدر وقد قدم حسان صورة لجيش المسلمين في المغافر والدروع والأسلحة يتقدمون في قوة وجلد وإيمان وثبات إلى ماء بدر حيث وقفت قريش عنده بثلاثة أمثال جيش المسلمين وهي تصر على منعهم من ورود الماء ولكن الرسول ما كان ليتراجع أمام أية قوة وتقدم إلى الماء غير مكترث بتهديد حتى شرب وشرب المسلمون وبقي ماء بدر تحت أيديهم لم تزحرحهم عنه قريش لأنهم مستمسكون بحبل الله، وحبل الله لا يضيعه مؤمن ولا ينقطع من يد مستوثق قال حسان من قصيدة يصور فيها المسلمين: مستشعري حلق الماذي يقدمهم ... جلد النحيزة ماض غير رعديد أعني الرسول فإن الله فضله ... على البرية بالتقوى وبالجود وقد زعمتم بأن تحموا ذماركم ... وماء بدر زعمتم غير مورود وقد وردنا ولم نسمع لقولكم ... حتى شربنا رواء غير تصريد

стр. 840

مستعصمين بحبل غير منجزم ... مستحكم من حبال الله ممدود استشعر الثوب لبسه على جسده مباشرة دون حائل بينه وبين الجسد، الماذي: الدرع البيضاء، الجلد بفتح الجيم: القوي الصبور، النحيزة، الطبيعة، الرعديد: الجبان، الذمار: كل ما يجب على الإنسان حفظه من متاع وحمى وعرض، الرواء بفتح الراء المشددة: الماء الكثير العذب، التصريد: شرب دون الري الاعتصام: التمسك: المنجزم: المنقطع، المستحكم: المستوثق * * *

стр. 841

يوم أحد لم تكد قريش تكسب جولة في أحد حتى هتف شاعرها ابن الزبعري بحسان يناديه: يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل أبلغا حسان عني آية ... فقريض الشعر يشفي ذا الغلل ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل فجاوبه حسان وعارضه بقوله: ذهبت بابن الزبعري وقعة ... كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول إذ شددنا شدة صادقة ... فاجأناكم إلى سفح الجبل ولم يشتف حسان بتلك القصيدة التي عارض بها ابن الزبعري فأرسل حسان قصيدة أخرى منها: ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم ولى البأس منكم إذ حضرتم ... أسرة من بني قصي صميم تسعة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع من القنا مخزوم لم يولوا حتى أبيدوا جميعا ... في مقام وكلهم مذموم وأقاموا حتى أزيروا شعوبا ... والقنا في نحورهم محطوم وقريش تلوذ منا لواذا ... لم يقيموا وخف منها الحلوم لم تطق حمله العوائق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم

стр. 842

أنب التيس بتشديد الباء المفتوحة: صاح عند الوثوب للسفاح، الحزن بفتح الحاء: ما غلظ من الأرض، لحاه، شتمه، الصميم: الخالص، الرعاع: الضعفاء، شعوب بفتح الشين: الموت، لواذا: مستترين، الحلوم: العقول، العاتق: ما بين الكتف والعنق، النجوم هنا: يراد بهم الأشراف. يذكر حسان في هذه الأبيات أن الأهاجي التي يرسلها ابن الزبعري لا تشبه إلا صياح التيوس وأنه لا يكثرت بشتائمهم يرسلها لئيم خامل في قومه، ثم راح يعير قريشا بمقامها في أحد حين تولى حمل اللواء نفر من بني قصي تساقط منهم تسعة تعاقبوا حمل اللواء فسقطوا واحدا إثر آخر، فلما لم تجد قريش لواءها مرفوعا فروا ولكنهم أبيدوا جميعا، وأوردوا المنايا، وقدم الشاعر صورة لقريش تستتر وتستخفى وقد طاشت عقولها من الهول. وقدم الشاعر أكثر من صورة للمعركة المضطربة: صورة الفرار، وصورة الإبادة، وصورة قريش تساق إلى الموت والرماح محطومة في ظهورها، وصورة للمتسللين الذين أذهلهم الخوف فطلبوا الحياة وراء صخور الشعاب بعيدا عن عيون المسلمين (وكل ذلك كان في الفترة الأولى قبل أن تطلع عليهم خيول خالد). * * *

стр. 843

حسان يتحدث عن غزوة الخندق تجمعت جيوش الأحزاب: اليهود وغطفان وقريش حول المدينة بعد أن حفر الخندق حولها وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع استعدادا للقاء الأعداء، وسهر الصحابة يحرسون الثغرات، ثم جاءت آية الله ريحا صرصرا أطارت الخيام والقلوب، ومزق الله الأحزاب شر ممزق ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) بهذا حدث القرآن والتاريخ، وانطلقت شاعرية حسان متأثرة بالقرآن فقال: جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلية الأحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل النبي ومغنم الأسلاب وغدوا علينا قادرين بأيديهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب وكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم في الأجر خير ثواب

стр. 844

عيينة: هو عيينة بن حصن الفزاري قائد غطفان، ابن حرب: أبو سفيان، المتخمطون: شديدو الغضب والحلية: الصورة وفي رواية: حلبة: ويراد بها اجتماع القوم، الأيد: القوة، الريح المعصفة: الشديدة الهبوب. وكان حسان في هذه الأبيات من القصيدة مؤرخا حيث قدم عيينة وأبا سفيان غاضبين في صورة الأحزاب التي اجتمعت وليس لهم من هدف حين جاءوا المدينة غير قتل النبي والظفر بالأسلاب وحينما اعتزوا بقوتهم وكثرتهم ردهم الله على أعقابهم مغيظين وفرقت جموعهم ريح عاصفة وجنود من عند الله وكفى الله المؤمنين القتال وأجزل لهم الثواب وكان حسان في شعره هذا مرددا ما قاله القرآن في سورة الأحزاب. في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٢) وتناول حسان في غير هذه القصيدة أحداثا جانبية في الغزوة كمصرع ابن عبد ود. * * * ولم يتخلف حسان عن تقديم صور لغزوة قريظة وغزوة بني النضير وذي قرد وتناول تلك الغزوات في أكثر من قصيدة وكان صدر قصيدته في بني قريظة: لقد لقيت قريظة ما غطاها ... وحل بحصنها ذل ذليل غطاها: ساءها وقال في غزوتي قريظة وبني النضير: لقد لقيت قريظة ما سآها ... وما وجدت لذلك من نصير أصابهم بلاء كان فيهم ... سوى ما قد أصاب بني النضير سآها: ساءها وغزوة ذي قرد تلك التي أغار فيها عيينة بن حصن على إبل حوامل ذات ألبان لرسول الله صلى الله عليه

стр. 845

وسلم - فاستاقوا تلك الإبل، وركب الأنصار في طلبهم وفيهم قتادة الأنصاري والمقداد فردوا الإبل وفر المغيرون بعد معركة غلبت فيها القلة المؤمنة الكثرة الباغية، وتناول حسان تصوير ذلك في قصيدة فقال: هل هر أولاد اللقيطة أننا ... سلم غداة فوارس المقداد واللقيطة: أم حصن وكان قد التقطها حذيفة مع جوار أخر في سنة مجدبة ثم تزوجها.
следующие страницы →