وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها.
والجواب: أن يقال إن المعاملات المصرفية لا تختلف عن المعاملات الربوية التي جاء النص بتحريمها والله سبحانه بعث نبيه ﷺ إلى جميع الثقلين وشرع لهم من الأحكام ما يعم أهل زمانه ومن يأتي بعدهم إلى يوم القيامة فيجب أن تعطى المعاملات الجديدة حكم المعاملات القديمة إذا استوت معها في المعنى أما اختلاف الصور والألفاظ فلا قيمة له إنما الاعتبار بالمعاني والمقاصد. ومعلوم أن مقاصد المتأخرين في المعاملات الربوية من جنس مقاصد الأولين وإن تنوعت الصور واختلفت الألفاظ فالتفريق بين المعاملات الربوية القديمة والجديدة بسبب اختلاف الألفاظ والصور مع اتحاد المعنى والمقاصد تفريق باطل وقد جعل النبي ﷺ قول من قال يوم حنين اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط مثل قول بني إسرائيل لموسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة ولم ينظر النبي ﷺ إلى اختلاف الألفاظ لما اتحد المعنى وهكذا عاقب الله بني إسرائيل لما نصبوا الشباك يوم الجمعة ليصيدوا بها الصيد المحرم عليهم يوم السبت ولم يعذرهم بهذه الحيلة مع أنهم لم يأخذوا الصيد من الشباك إلا يوم الأحد وذلك لاتحاد المعنى وإن اختلفت الوسيلة والأمثلة في هذا كثيرة في النصوص الشرعية وقد صح عن الرسول ﷺ أنه قال «لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» وأما التشبيه بالسلم فهو من باب المغالطة والتعلق بما لا ينفع فإن إباحة السلم من محاسن الشريعة الكاملة وقد أباحه الله سبحانه لحاجة العباد إليه وشرط فيه شروطا تخرجه عن المعاملات المحرمة فهو عقد على موصوف في الذمة بصفات تميزه وتبعده عن الجهالة والغرر إلى أجل معلوم بثمن معجل في المجلس يشترك فيه البائع والمشتري في المصلحة المترتبة على ذلك فالبائع ينتفع بالثمن في
стр. 7842
تأمين حاجاته الحاضرة والمشتري ينتفع بالمسلم فيه عند حلوله لأنه اشتراه بأقل من ثمنه عند الحلول وذلك في الغالب فحصل للمتعاملين في عقد السلم الفائدة من دون ضرر ولا غرر ولا جهالة ولا ربا أما المعاملات الربوية فهي مشتملة على زيادة معينة نص الشارع على تحريمها في بيع جنس بجنسه نقدا أو نسيئة وجعله من أكبر الكبائر لماله سبحانه في ذلك من الحكمة البالغة ولما للعباد في ذلك من المصالح العظيمة والعواقب الحميدة التي منها سلامتهم من تراكم الديون عليهم ومن تعطيلهم المشاريع النافعة والصناعات المفيدة اعتمادا على فوائد الربا.
وأما زعم الكاتب إبراهيم أن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد لا تتم مصالح معاشهم إلا بها. . . الخ. فهو زعم لا أساس له من الصحة وقد تمت مصالح العباد في القرون الماضية قبل القرن الرابع عشر وقبل وجود المصارف ولم تتعطل حاجاتهم ولا مشاريعهم النافعة وإنما يأت الخلل وتعطل المصالح من المعاملات المحرمة وعدم قيام المجتمع بما يجب عليه في معاملة إخوانه من النصح والأمانة والصدق والبعد عن جميع المعاملات المشتملة على الربا أو الضرر أو الخيانة أو الغش والواقع بين الناس في سائر الدنيا يشهد بما ذكرنا ولا سبيل إلى انتعاش المصالح وتحقيق التعاون المفيد إلا بسلوك المسلك الشرعي المبني على الصدق والأمانة والابتعاد عن الكذب والخيانة وسائر ما حرم الله على العباد في معاملاتهم كما قال الله سبحانه في كتابه المبين ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ (٢) الآية. وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣).
стр. 7843
وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٢) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ (٣) وقال النبي ﷺ : «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما (٤)» متفق على صحته وعن أبي سعيد ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء (٥)» رواه أحمد والبخاري. وعن جابر ﵁ قال «لعن رسول الله ﷺ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء (٦)» رواه مسلم. وعن عمر بن الخطاب ﵁ قال قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء والبر بالبر ربا إلا هاء وهاء والشعير بالشعير ربا إلا هاء وهاء والتمر بالتمر ربا إلا هاء وهاء (٧)» متفق عليه وقال ﵊: «من غشنا فليس منا (٨)» رواه مسلم وقال ﵊: «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر فقالوا بلى يا رسول الله فقال: (الإشراك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال ألا
стр. 7844
وقول الزور ألا وشهادة الزور) (١)» متفق عليه والأحاديث في هذا المعنى كثيرة. ولا يجوز لأحد من الناس أن يحلل ما حرم الله بالنص قياسا على ما حلل بالنص ومن حاول أن يحلل ما حرم الله من الربا قياسا على ما أحل الله من السلم فقد أتى منكرا عظيما وقال على الله بغير علم وفتح للناس باب شر عظيم وفساد كبير وإنما يجوز القياس عند أهل العلم القائلين به في المسائل الفرعية التي لا نص فيها إذا استوفى الشروط التي تلحق الفرع بالأصل كما هو معلوم في محله وقد حرم الله القول عليه بغير علم وجعله في مرتبة فوق مرتبة الشرك وبين أن الشيطان يدعو إلى ذلك ويأمر به كما يدعو إلى الفحشاء والمنكر قال الله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ (٣) ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (٤) فنسأل الله أن يصلح أحوال المسلمين وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يوفق علماءهم لبيان ما أوجب عليهم من أحكام شرعه والدعوة إلى دينه والتحذير مما يخالفه وأن يكفيهم شر أنفسهم وشر دعاة الباطل وأن يوفق الكاتب إبراهيم للرجوع إلى الحق والتوبة مما صدر منه وإعلان ذلك على الملأ لعل الله يتوب عليه كما قال : ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٥) وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ (٦) ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٧).
стр. 7845
ولا شك أن مقاله يحتاج إلى أكثر مما كتبت ولكن أرجو أن يكون فيما بينته مقنع وكفاية لطالب الحق والله المستعان وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 7846
صفحة فارغة
стр. 7847
دراسة لمقال الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر
موقف الشريعة الإسلامية من المصارف
للدكتور / محمد بن أحمد الصالح (١).
تقديم: الحمد لله والصلاة والسلام على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد: فقد قرأت هذا المقال القيم المتضمن الرد على ما كتبه الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر في موضوع الربا تحت عنوان: موقف الشريعة الإسلامية من المصارف. الصادر من فضيلة الدكتور محمد بن أحمد بن صالح، فألفيته قد أعطى المقام حقه واستوفى الأدلة الدالة على بطلان ما حاوله الدكتور إبراهيم من تحليل أنواع الربا ما عدا مسألة واحدة، وهي: ما إذا أعسر المدين واتفق مع الدائن على التأجيل بفائدة معلومة. ولا ريب أن ما حاوله الدكتور إبراهيم في بحثه المذكور من تحليل أنواع الربا ما عدا المسألة المذكورة، قد حاد فيه عن الصواب بشبه واهية أوضح الدكتور محمد في مقاله المذكور بطلانها وكشف زيفها. فجزاه الله خيرا وضاعف مثوبته وجعلنا وإياه وسائر إخواننا من أنصار الحق.
ومن تأمل نصوص الكتاب والسنة الصحيحة علم تحريم ربا الفضل وربا النسيئة في جميع الصور التي تتعامل بها البنوك وبعض التجار الذين
стр. 7848
لا يتحرجون من المعاملات الربوية. وقد توعد الله المرابين بأشد الوعيد فقال سبحانه ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (١) ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (٢)، وقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٣) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٤)، وصح عن رسول الله ﷺ : «أنه لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال هم سواء (٥)».
والأحاديث في تحريم الربا بأنواعه كلها كثيرة جدا، فالواجب على كل مسلم أن يحذر المعاملات الربوية وأن يبتعد عنها وألا يغتر ببعض من زلت قدمه في تحليلها أو التساهل فيها.
ونسأل الله أن يوفق المسلمين لكل خير وأن يمنحهم الفقه في الدين وأن يوفق أخانا الدكتور محمد بن أحمد للمزيد من العلم النافع والعمل الصالح وأن يشكر له سعيه ويجزل مثوبته.
стр. 7849
وأن يهدي الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر للحق وأن يلهمه رشده ويعيذه من شر نفسه إنه جواد كريم. وصلي الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد.
стр. 7850
بداية الدراسة: يتضمن هذا المقال: محاولة إثبات أن الربا الذي جاء القرآن بتحريمه غير متحقق في معاملة المصارف بالاستدانة منها بفائدة يحددها المصرف ويلتزم المستدين بدفعها إلى المصرف مع أصل الدين، ومن ثم تكون هذه المعاملة مشروعة.
وقبل أن نناقش ما جاء في هذا المقال نحب أن نقرر هنا أمورا: أ) إن إخضاع الشريعة لواقع الناس في معاملاتهم وتصرفاتهم غير جائز شرعا، ومن ثم يجب رفضه؛ لأن الشريعة حاكمة يخضع الناس لأوامرها ونواهيها، وليست محكومة لواقع الناس وأهوائهم وأغراضهم يتبعونها عندما تحلو لهم، وينأون عنها إذا لم تصادف هوى في نفوسهم، يقول الله تعالى في تقرير هذا المبدأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (١). ويقول جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (٢)، ويقول : ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٣).
إذن فمحاولة إضفاء الشرعية على العملية المصرفية المذكورة وما يترتب عليها من فوائد تبريرا لما يتعامل به الناس مع المصارف أمر غير جائز شرعا؛ لأنه هدم للشريعة ومحاولة للتخلص من اتباعها.
ب) إن فقهاء الأمة في كل عصر ومصر مطالبون بإيجاد البديل عن
стр. 7851
المعاملات التي يحتاج إليها الناس في معايشهم ولا تقرها الشريعة، إما بسبب انحراف الناس عن اتباع سنن الشريعة فيها، أو تقليد غير المسلمين في تعاملهم بها، وهذا البديل لا بد أن يكون في ظل الشريعة، فإن كان حكم المعاملة منصوصا عليه طبق عليها، وإلا ففي ميدان السياسة الشرعية التي يبنى فيها الحكم على المصلحة متسع له بشرط ألا يخالف نصا أو إجماعا، فإن أعوزنا النص ولم تسعفنا السياسة الشرعية - ونادرا ما يحصل هذا - حكمنا ببطلان هذه المعاملة؛ لظهور تحقق المفسدة فيها حينئذ.
ج) إن أحكام الشريعة يأخذها المرء من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، إذا كان أهلا للاستنباط منهما، فإن لم يكن أهلا أخذها من أقوال فقهاء أهل الشريعة المعترف بإمامتهم وحذقهم في فهم الكتاب والسنة واستنباط الأحكام منهما.
أما أدعياء الاجتهاد والبحث الذين لم ينشأوا في رحاب الشريعة، ولم يتمرسوا بها، ولكنهم أقحموا أنفسهم في ميدانها لغرض من الأغراض، فهؤلاء لا تؤخذ عنهم شريعة الله ولو ظهرت لهم كتب أو مقالات أو أبحاث تحمل أسمائهم وذلك لعدم الثقة بها والاطمئنان إليها.
د) إن فقهاء الشريعة يقسمون أحكامها إلى قسمين:
١ - أحكام قطعية: ويريدون بها الأحكام التي ثبتت بأدلة قطعية الثبوت وقطعية الدلالة، وهي الأحكام الثابتة بنصوص القرآن الكريم أو السنة المتواترة، إذا كانت دلالتها على المعنى لا تحتمل معنى آخر غير ما تدل عليه بأصل وضعها اللغوي.
٢ - أحكام ظنية: وهي التي ثبتت بأدلة ظنية الثبوت والدلالة معا، أو قطعية الثبوت ظنية الدلالة، أو ظنية الثبوت قطعية الدلالة،
стр. 7852
وهي الأحكام الثابتة بنصوص القرآن الكريم إذا كانت دلالتها تحتمل أكثر من معنى، والأحكام الثابتة بالسنة غير المتواترة، سواء كانت ظنية الدلالة أو قطعيتها.
ولا يعني هذا التقسيم أن الأحكام الظنية لا يجوز العمل بها؛ لأن أدلتها ضعيفة، أو لمعارضة مصلحة لها فتترجح عليها، بل على العكس يجب العمل بها؛ لأن الإجماع قد قام على وجوب العمل بالأحكام الظنية التي بينا حقيقتها، ويؤيد ذلك أن أغلب أحكام الشريعة أحكام ظنية، أما التقسيم المذكور فالغرض منه بيان تنوع الأحكام الشرعية وخصائص كل نوع، وإذن فالتشكيك في قيمة الأحكام الظنية أو توهين العمل بها بقصد أو بدون قصد، أو جعلها عرضة لأهواء بعض المعاصرين يرفضونها بأهوائهم استنادا إلى المصالح التي يزعمونها يعتبر هدما للأحكام الشرعية.
هـ) إن بتر النص والاستشهاد ببعضه الذي يؤيد دعوى المدعى وإغفال البعض الآخر الذي لا يؤيده، أو الاستشهاد بنص مع إغفال النصوص الأخرى وعدم ربط بعضها ببعض يعتبر ذلك كله خارجا عن المنهج السليم في البحث، ويشبه أن يكون من باب الإيمان ببعض الكتاب والكفر بالبعض الآخر وهذا أمر مذموم بنص القرآن الكريم.
وإذن فالإدعاء بأن فلانا من الفقهاء المعترف لهم بالإمامة قال كذا، بدون ذكر صدر القول أو عجزه، أو بدون ربطه بما ذكره هذا الفقيه في مواضع أخرى من مؤلفه أو مؤلفاته قول لا قيمة له في البحث العلمي، وهو منهج مرفوض ومسلك مردود في مجال الإثبات والاستدلال لدى أهل الجدل والبحث والمناظرة من الفقهاء والعلماء.
و) يعرف الفقهاء الربا بأنه: فضل مال بلا عوض لأحد المتعاقدين في
стр. 7853
معاوضة مال ربوي بجنسه ويقسون الربا إلى قسمين: ربا النسيئة وربا الفضل.
فربا النسيئة عبارة عن الزيادة في مقابل الأجل، ومنه الربا الذي كان معروفا في الجاهلية، وهو أن يكون للشخص دين على آخر فيقول الدائن للمدين عند حلول الأجل إما أن تقضي وإما أن تربي، فإن لم يقضي المدين زاده في المال وزاد الدائن في الأجل.
أما ربا الفضل فهو: الزيادة التي لا يقابلها عوض في معاوضة مال بمال، سواء كانت في الأشياء الستة الواردة في الصحيحين وغيرهما، وهي: الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، أو في غيرها بطريق القياس عليها، والربا بقسميه محرم بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقول الله ﵎: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١)، فإن النص يفيد تحريم الربا بجميع أقسامه، لأن - أل - في الربا للجنس، و - أل - الجنسية تفيد العموم كما نص على ذلك الأصوليون، فيكون تحريم جميع أنواع الربا ثابتا بعموم النص القرآني.
أما السنة فالأحاديث الكثيرة في ذم الربا، والوعيد الشديد لمن يمارسه، والتقبيح والتشنيع على من يتعامل به وكذلك الأحاديث الواردة في المنع من ربا الفضل، مثل حديث أبي سعيد الخدري ﵁ المتفق عليه وهو قوله ﵊: «لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، - أي لا تزيدوا - ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبا بناجز (٢)»، وفي لفظ «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر
стр. 7854
والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء (١)» رواه أحمد والبخاري (٢). وفي لفظ «لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا وزنا بوزن مثلا بمثل سواء بسواء (٣)» رواه أحمد ومسلم ففي الأحاديث الثلاثة الصحيحة دلالة على تحريم ربا الفضل؛ لورودها بصيغة النهي الدالة على التحريم والفساد والبطلان كما هو مقرر عند علماء الأصول).
أما الإجماع: فقد اتفق المجتهدون من الأمة من لدن صحابة رسول الله ﷺ حتى يومنا هذا على تحريم الربا بنوعيه ربا النسيئة وربا الفضل، والاختلاف بين الفقهاء ليس في أصل تحريم ربا الفضل، إنما هو في جريان الربا في غير الأصناف الستة الواردة في تلك الأحاديث، وذلك بسبب اختلافهم في مناط الحكم وعلته، بدليل أن الأصناف الربوية الستة التي نص الرسول ﷺ على حرمتها ليست محل خلاف بين أحد من الفقهاء. أما ما روي عن ابن عباس ﵄ من جواز ربا الفضل، فقد صح رجوعه عن هذا القول عندما بلغته الأحاديث الصحيحة بالتحريم التي لم يكن قد اطلع عليها، على أن العلماء لم يسوغوا هذا الخلاف لورود الأحاديث الصحيحة بتحريم ربا الفضل في الصحيحين وغيرهما، والخلاف الذي لا يسوغه العلماء لا قيمة فيه لرأي المخالف، وذكره في الكتب لمجرد الحكاية والتاريخ، وأيضا فقد نقل التحريم عن الجم الغفير من الصحابة رضوان الله عليهم.
وبعد هذه المقدمة الموجزة والتي تضمنت أمورا في غاية الأهمية نتناول مقالة الكاتب بالدراسة والتحليل فنقول:
стр. 7855
١ - إن قول صاحب المقال (إن الربا المجمع على تحريمه هو ربا النسيئة فقط). خطأ فاحش لما قدمنا من الإجماع على أصل تحريمه في الأصناف الستة وإن الاختلاف بينهم إنما هو في غير الأصناف الستة بسبب اختلافهم في مناط الحكم وعلته، أي أنه اختلاف في التطبيق وليس اختلافا في الأصل (١).
٢ - إن ما جاء في المقال من (أن النص عند عقد الدين على الزيادة على أصل الدين في مقابلة الأجل هو ربا الفضل). خطأ أيضا، وهو خلط بين القسمين لأن الزيادة في مقابل الأجل من خصائص النسيئة غالبا، وقد يجتمع النوعان في ربا النسيئة كما لو باع ذهبا بذهب أكثر منه أو أقل إلى أجل أو فضة بفضة أكثر منها أو أقل منها إلى أجل وهكذا ما يشبه ذلك من أصناف الربا، ثم أي فرق بين الزيادة لأجل الأجل في ابتداء عقد الدين، والزيادة لأجل الأجل في المرة الثانية عند عجز المدين عن الوفاء وطلبه التأجيل؟ ولماذا كانت الزيادة في المرة الأولى جائزة مع وجود ربا الفضل والنسيئة ومحرمة عند أنظاره في آخر العقد عند العجز؟. اللهم إن هذا حكم لا يقوم عليه دليل وخلط غير مستقيم.
٣ - إن بعض الكتاب المعاصرين من الذين يدعون التحرر والاجتهاد ويقسمون الربا إلى نوعين: ربا استهلاك وربا استثمار.
ويريدون بربا الاستهلاك الربا الذي يدفعه المدين مع القرض الذي استهلكه في حاجة نفسه وأولاده من طعام وكسوة وسكنى ودواء ودفع حاجة ونحوها.
ويريدون بربا الاستثمار: ما يدفعه المدين مع القرض الذي
стр. 7856
صرفه في توسيع تجارته أو مصانعه أو أرضه بقصد الربح والفائدة. ويقولون إن النوع الأول هو المحرم؛ لأن الغني يستغل حاجة الفقر المحتاج. أما النوع الثاني فإنهم يقولون بجوازه وحله، ومن هؤلاء صاحب المقال الذي بين أيدينا، وسيأتي بيان وجهة نظرهم والرد عليها.
٤ - أما بالنسبة لإضفاء الشرعية على المعاملة المصرفية وهي الاقتراض من المصرف بفائدة تدفع مع أصل الدين حسب اتفاق المصرف مع المدين، إن الكاتب استند في ادعاء هذه الشرعية إلى شبه نوردها ثم نبدي رأينا فيها:
стр. 7857
الشبهة الأولى: إن الزيادة الأولى في الدين المؤجل هي من ربا الفضل وربا الفضل حرم سدا للذريعة، وما كان كذلك فيجوز التعامل به إذا اقتضت مصلحة الناس هذا التعامل، وقد اقتضت المصلحة ذلك لأن معاش الناس لا يتم إلا بهذا التعامل. وقد استند في هذه الشريعة إلى فتوى الشيخ رشيد رضا وأقوال لابن تيمية وابن القيم وابن قدامة وابن حزم - ص ٤ من المقال.
تفنيد هذه الشبهة: نرد على هذه الشبهة بالنقاط التالية: أ- إن الزيادة الأولى ليست من ربا الفضل وحده، بل هي جامعة لربا الفضل والنسيئة كما تقدم لأنها في مقابل التأجيل قطعا، واعتبارها من ربا الفضل وحده قول لا نعلمه لأحد من أهل العلم ممن يعتد بقوله من الفقهاء المتقدمين والمتأخرين، فهو قول باطل وفيه مغالطة وتلبيس.
٢ - إن القول بأن ربا الفضل حرام سدا للذريعة قول باطل لا يقوم على دليل، إذ إن ربا الفضل محرم ابتداء وقصدا، كما تدل عليه
стр. 7858
الأحاديث الخاصة بتحريمه، ونسبة هذا القول لابن القيم خطأ إذ لم يقل به أصلا (١). وإنما تحدث ﵀ عن بيع المعدوم وأشار إلى أن الشريعة تراعي المصالح ولم يتحدث عن ربا الفضل أصلا، وقد ساق الكاتب عبارته عن الأخذ بالمصالح مبتورة محرفة.
٣ - إن القول بجواز التعامل به إذا اقتضت المصلحة ذلك بناء على أن تحريمه مبني على سد الذريعة قول باطل؛ لأن تحريم ربا الفضل ثابت بنصوص السنة الصحيحة الصريحة القوية في دلالتها ومثل هذه لا يجوز معارضتها بالمصلحة؛ لأن المصلحة لا اعتبار لها أمام النصوص الصحيحة، إذ هي لا تعتبر إلا في الوقائع المسكوت عنها، أي التي لم يرد بحكمها نص بالاعتبار أو الإلغاء، أو في الوقائع التي بني الحكم فيها على سد الذريعة ابتداء، على أن القول بتحكيم المصلحة في النصوص قول باطل لم يؤثر إلا عن نجم الدين الطوفي من فقهاء الحنابلة في القرن الثامن، وقد رفضه العلماء قديما وحديثا مبينين بطلانه وفساده إذ لو حكمت المصالح في النصوص تهدمت الشريعة وخضعت لأهواء الناس وفي ذلك ضياع لها والعياذ بالله.
٤ - إن القول بأن معايش الناس لا تتم إلا بهذه المعاملة قول لا يؤيده شيء من النصوص أو واقع المعاملات بين الناس، بل إن النصوص ومعاملات الناس تدل على استقامة الحياة وتمام المعيشة بدون هذه المعاملة الربوية، ولما دخلت هذه المعاملة حياة الناس أوجدت الكثير من النكد والتنغيص وفساد الحالة الاقتصادية، ومما يؤيد ذلك ما
стр. 7859
قرره أساطين الاقتصاد في العالم من أن أكبر ضربة قاصمة توجه إلى اقتصاد أي دولة تأتي من ناحية الربا، ولقد حرمت روسيا الملحدة التعامل بالربا، فهل ضعف اقتصادها وهل أصاب معيشة أهلها شيء من الضنك والضيق والمشقة بسبب عدم التعامل بالربا؟
بل إن ما أصابهم ويصيبهم من الضيق والضنك إنما هو لجور الأنظمة الماركسية. إن اقتراض التجار وأصحاب رؤوس الأموال من الأغنياء لا تدعو إليه حاجة فضلا عن الضرورة، فالتاجر يقترض من المصرف لتوسيع تجارته وصاحب المصنع يقترض للتوسع في صناعته وأصحاب المزارع يقترضون للتوسع في الزراعة ووفرة الإنتاج، وهذه ليست أمورا أساسية لا تتم حياة الناس ومعايشهم إلا بها، وإنما هي أمور توسيعيه لا تشكل حاجة في حياة الناس فضلا عن الضرورة.
وقد يقال إن الأمة في حاجة إلى التوسع في وسائل الإنتاج لتكون قوية وقادرة على مواجهة الأحداث الاقتصادية ومواجهة الدول التي تستغل الدول الإسلامية نتيجة ضعفها المادي والاقتصادي. والجواب عن هذا: إن الحاجة إلى التوسع المذكور تسد من قبل الدولة أو من قبل الأفراد بتكوين الشركات الضخمة والمصانع العملاقة واستصلاح الأراضي البور، وذلك كله وظيفة الدولة وهي وظيفة واجبة كلها ومسؤولة عنها أمام الله .
٥ - أما فتوى الشيخ رشيد رضا التي استند إليها الكاتب في كلامه فإنه ليس ممن يحتج بقوله إذا كان معه غيره فما بالك إذا انفرد وخالف النص، أما ما نقله الكاتب عن ابن قدامة وابن تيمية وابن القيم وابن حزم فهي نصوص بعضها مبتور عن أصله، وبعضها غير
стр. 7860
موافق لما قالوه في غير هذه المواضع وكلا الأمرين غير صالح للاحتجاج.
стр. 7861
الشبهة الثانية: أن الحكمة في تحريم الربا هي إزالة الظلم الناشئ عن استغلال الغني حاجة المحتاج، والظلم غير متحقق في اقتراض كبار التجار وأصحاب رؤوس الأموال من المصارف بالفوائد لتنمية أموالهم وتجارتهم ومصانعهم؛ لأنهم ليسوا محتاجين ويستأنس الكاتب بقول الشيخ رشيد رضا: ولا يخفى أن المعاملة التي ينتفع ويرحم فيها الآخذ والمعطي التي لولاها فاتتهما المنفعة معا لا تدخل في هذا التعليل ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (١).
الرد على هذه الشبهة: إن الشبهة ليست بشيء في مقام الاستدلال لما يأتي: أ) إن حكمة تحريم الربا ليست منحصرة في إزالة الظلم الناشئ عن استغلال الغني حاجة الفقر، بل هناك حكم أخرى للتحريم، منها القضاء على البطالة والكسل بالنسبة للدائنين ودفعهم إلى العمل واستخلاص الرزق بالسعي في الأرض والمشي في مناكبها. ومنها أنه يؤدي إلى أكل أموال الناس بالباطل لعدم العوض المقابل للزيادة الربوية. ومنها أنه يؤدي للعداوة والبغضاء والمشاحنات والخصومات؛ لأنه ينزع عاطفة التراحم من القلوب وتضيع به المودة ويذهب المعروف بين الناس وتحل القسوة محل الرحمة.
стр. 7862
ب) إن هذا الوجه في الاستدلال تعليل بالحكمة والراجح لدى الأصوليين هو عدم التعليل بالحكمة لعدم انضباطها وظهورها.
ج) إنه على فرض جواز التعليل بالحكمة وانحصارها في إزالة الظلم فإنها ليست منحصرة في الفقير المحتاج، بل هي أيضا متحققة أيضا بالنسبة للغني غير المحتاج، إذ هي أكل لماله بالباطل لعدم المقابل للزيادة الربوية من مال أو منفعة أو مصلحة، ويؤيد ذلك أن النص القرآني الوارد في تحريم الربا لم يفرق بين الفقير المحتاج والغني غير المحتاج؟ كما يؤيده أيضا قول الرسول ﷺ في حجة الوداع «(وأول ربا أضعه تحت قدمي هاتين ربا عمي العباس) (١)» ومعروف أن العباس يتعامل مع تجار قريش من الأغنياء، ولم يكن مع الفقراء المحتاجين؛ لأن مكانته من ذلك معروفة بإطعام الحجاج وسقايتهم ومواساة المحتاجين لا يسيغ هذا الإدعاء.
стр. 7863
الشبهة الثالثة: إن عملية الاقتراض من المصرف بفائدة تعتبر من البيع، والبيع جائز حلال، وفي ذلك يقول الكاتب نقلا عن الشيخ رشيد رضا ومقرا لقوله: إن المعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج. ثم يضيف إلى ذلك قولا للشيخ رشيد وهو: أنه ليس في أخذ الربح من صندوق التوفير والمصارف ظلما لأحد ولا قسوة على محتاج حتى في دار الإسلام. اهـ.
الرد على هذه الشبهة: للرد على هذه الشبهة نقول: إن المعاملة المصرفية التي نحن بصدد مناقشتها لا تعتبر بيعا بأي معيار أو قياس من المعايير أو المقاييس الشرعية إذ ليس فيها بائع ومشتري ومبيع وثمن، وإنما هي قرض بفائدة مقابل الأجل وهذا هو الربا بعينه، نعم قد يبيع المقترض ويشتري ويتاجر بما اقترضه ولكن ذلك مع غير المصرف والمصرف لا علاقة له بهذه التجارة؛ لأنه لم يعطه المال مشاركة أو مضاربة
стр. 7864
أو على أي وجه من الوجوه التجارية، وإذن فالادعاء بأن هذه المعاملة من قسم البيع ادعاء باطل وتخرج سخيف لا يقصد منه في نظرنا إلا التمويه على الناس لدفعهم إلى التعامل بالربا.
أما فتوى الشيخ رشيد رضا بحل أخذ الربح من صناديق الادخار والتوفر والمصارف فهي فتوى مخالفة للنصوص الشرعية، إذ لا يجوز أخذ الربح من صندوق التوفر أو من المصارف التي تدفع أرباحا عن الأموال المودعة بها، وذلك لأن صناديق التوفر والمصارف لا تستثمر أموالها في تجارة أو صناعة أو زراعة تحصل منها على أرباح وأموالها تأتي عن طريق إقراضها بفوائد فيأخذ البنك حصة منها ويعطي المدخر أو المودع البعض الآخر، فالكثير من البنوك الآن يعطي المودع ٦% فوائد بينما يأخذ هذا البنك نفسه من المقترض ١٤ % كما أفاد البنك المركزي المصري دار الإفتاء المصرية بذلك، وإذن فما يأخذه المدخر أو المودع يعتبر أكلا للمال بالباطل وهذا ظلم فبطلت هذه الشبهة.
стр. 7865
الشبهة الرابعة: إن خصائص الربا القرآني - في نظر الكاتب - لا تتحقق في المعاملة المصرفية التي نحن بصددها وهي الاقتراض بالفائدة. ويحدد الكاتب خمس خصائص للربا القرآني التي يسميها أسبابا ثم يري أنها ليست متحققة في المعاملة المصرفية، ومن ثم تكون هذه المعاملة جائزة في نظر الشريعة الإسلامية ونستعرض هذه الخصائص وتطبيقها ثم نبين وجه البطلان فيها أو في تطبيقها أو فيهما معا: أ) يرى الكاتب أن الخاصة الأولى من الربا القرآني المحرم هي: أن المدين لا بد أن يكون محتاجا للصدقة عملا بظروف الدين ولذلك فهو مظلوم بأخذ الربا منه.
ويمكن أن نرد شبهة الكاتب ومن سبقه في هذا الميدان بأن النصوص
стр. 7866
القرآنية المحرمة للربا وردت عامة أو مطلقة لم تفرق بين الفقير المحتاج والغني القادر، فتخصيصها أو تقييدها بما يكون مع الفقير المحتاج يحتاج إلى دليل، وما ذكر على أنه دليل للتخصيص أو التقييد لا يعتبر دليلا أو شبه دليل لما يلي: أولا: أن الحث على التصدق لم يرد في كل آيات الربا وحسبنا أن آية التحريم الصريحة هي قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) لم يعقبها الحث على الصدقة.
ثانيا: أن الحث على التصدق الوارد عقب بعض الآيات ليس خاصا بالمدين دينا ربويا، بل يشمله ويشمل غيره، لورود الحث على الصدقة بصيغ عامة.
ثالثا: أن الغرض من الحث على الصدقة في بعض الآيات هو بيان الطريق السوي الأمثل الذي يجب أن يسلكه المرابي بدل طريق الربا المحرم، بل هو حث له ولغيره فلا علاقة للحث على الصدقة التي تكون للفقير المحتاج بحقيقة الربا المحرم.
رابعا: أنه على فرض دلالة الحث على الصدقة على أن الربا المحرم هو الذي يكون مع الفقير المحتاج فإنه لا طريق لذلك إلا الاقتران، ودلالة الاقتران دلالة غير معتبرة عند كثير من العلماء ومن يعتبرها فإنه يقرر أنها دلالة ضعيفة.
خامسا: أن الرسول ﷺ أهدر ربا عمه العباس ﵁ ومن المعروف أن العباس كان يرابي مع التجار الأغنياء ولم يكن يرابى مع المحتاجين من الفقراء كما قررناه من قبل، وهذا يدل على أن الربا المحرم ليس قاصرا على المعاملة مع الفقراء المحتاجين، والرسول ﵊
стр. 7867
مبين لما جاء في القرآن الكريم وكل ذلك يدل على بطلان هذه الخاصة.
سادسا: أن العرب كانوا تجارا وكانت تجارتهم تمتد إلى خارج بلادهم في الشام واليمن فما المانع لهم من التعامل بالربا في التجارة؟ ثم الذي يقول (إنما البيع مثل الربا) هم التجار أو الفقراء المحتاجون للصدقة؟ أليسوا هم التجار الذين يتعاملون بالربا ويقيسونه على البيع ويجعلونه نوعا من أنواع البيع كما يقول بعض كتاب هذا العصر؟ وما دخل الفقراء المحتاجين في جعل الربا مثل البيع وهم لا يزاولون بيعا ولا تجارة؟ ثم أليس في مقابلة الربا بالبيع في قوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (١) ما يشعر بأن العرب كانت تتعامل في الربا للأغراض التجارية؟ إن ذلك كله يدل على أن تحريم الربا نزل في مجتمع كان فريق التجار فيه يتعاملون بالربا، وهو ربا استغلالي وليس ربا استهلاكيا، ومعنى هذا أن تحريم الربا يشمل الربا الاستهلاكي والاستغلالي ومن ثم تبطل شبهتهم ودعواهم في قصر الربا على الربا الاستهلاكي. ثم هل قامت المصارف أو تقوم بإقراض أهل الحاجة والفقر قروضا حسنة بدون فوائد؟ أو أنها سلبتهم البقية الباقية من أموالهم بدون إشفاق على ضعفهم أو رحمة بصغارهم أو مراعاة لحاجتهم وأحوالهم.
سابعا: أن قصر الربا القرآني المحرم على المعاملة مع الفقير المحتاج دون الغني القادر، أو بعبارة أخرى قصره على الربا الاستهلاكي دون الربا الاستغلالي لم يقل به أحد من المفسرين ولا أحد من الفقهاء، ولم يظهر منه شيء في تعريفاتهم للربا على اختلاف مذاهبهم ومناهجهم، ولم يظهر القول به إلا في هذا العصر على لسان من يدعي التحرر والاجتهاد ومن هؤلاء صاحب المقال. ولكنه بكل أسف على حساب الشريعة بإخضاعها لواقع الناس وأهوائهم، إننا لسنا ضد التجديد والاجتهاد بل
стр. 7868
على العكس ندعو إلى فتح أبوابهما على مصاريعها ولكن في إطار نصوص الشريعة وقواعدها الكلية، وفي الحدود المرسومة للاجتهاد والاستنباط من الكتاب والسنة، ونخلص من ذلك كله إلى أن الاحتياج للصدقة ليس خاصية للربا المحرم ولا جزءا من حقيقته ولا وصفا لازما له، وإن الرأي القائل بأن الربا القرآني المحرم هو ربا الاستهلاك أي الربا الذي يأخذه الدائن من الفقير الذي يستهلك الدين في حاجته الضرورية من طعام وشراب وكساء ومأوى ودواء دون ربا الاستغلال أي الربا الذي يأخذه الدائن من الغني الذي يقصد بدينه الاستثمار في التجارة أو الزراعة أو الصناعة، قول باطل لعدم استناده إلى دليل من كتاب أو سنة أو إجماع أو قياس أو لغة أو نظر سليم أو قول لأحد من الفقهاء، بل الأدلة قائمة على تحريم كل من ربا الاستهلاك وربا الاستغلال بما ذكرناه سابقا وبما سيأتي.
ونختم هذه النقطة بفتوى مجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة في مؤتمره الثاني المنعقد في شهر المحرم ١٣٨٥ هـ (مايو ١٩٦٥م) ونصها: والفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق بين ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي (الاستغلالي)، وكثير الربا في ذلك وقليله حرام، والإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا كذلك، ولا يرتفع إثمه إلا إذا دعت إليه ضرورة، وكل امرئ متروك لدينه في تقدير الضرورة. وقد جاء في بحث هيئة كبار علمائنا ما نصه (١): أما الفوائد على بقاء الودائع لدى المودع فأمرها جلي واضح في أنها تجمع بين نوعي الربا، ربا الفضل وربا النسيئة حيث يأخذ المودع زيادة على ما دفع مع التأخير.
ب) يرى الكاتب أن الخاصة الثانية في الربا القرآني هي أن الدائن ينفرد
стр. 7869
وحده بالمنفعة من الربا وهذه الخاصة غير متحققة في المعاملات المصرفية التي نحن بصددها؛ لأن الدائنين فيها وهم الملاك الصغار - نقصد الذين أودعوا أموالهم في البنوك ابتغاء الفائدة - ويمثلهم المصرف لا يختص وحده بالمنفعة دون المدين، بل يشترك مع الكبار في المنفعة بموجب عقد رضائي تجاري لا استغلال فيه. ويوضح الكاتب هذا المعنى فيقول في ص ٦: لأن المدين وهو المالك الكبير مشترك في المنفعة مع الدائن وهو المالك الصغير وذلك باستثماره أموال الدين بما فيه مصلحة الجميع. ونرد على هذا التوجيه بأن المنفعة التي جاءت عن طريق الكبار واشترك فيها الصغار منفعة غير مشروعة، إذ لا سند لها سوى ما ادعاه الكاتب من أنها تمت بموجب عقد تجاري رضائي، وهذه دعوى غير صحيحة إذ ما هو نوع العقد التجاري؟ إن كان بيعا فأين هو البائع؟ إن كان صغار المالكين فهؤلاء لا يعرفهم الآخذ من المصرف ولا يعرفونه، وإن كان المصرف فأين المبيع الذي وقع التعاقد عليه، وإن كان نوع العقد شركة، فتحديد المصرف نسبة معينة يبطل الشركة بإجماع الفقهاء، لماذا تكون هذه النسبة ضئيلة في الغالب؟ ثم إن كانت شركة فلماذا لا يتحمل المصرف الخسارة كما هو الشأن في سائر الشركات، وإن كان نوع المعاملة رهنا فأين العين المرهونة؟ لا شيء من ذلك كله، إذا فأين الحقيقة؟ إن النظر الفقهي السليم لا يمكن أن يكيف هذه المعاملة إلا بأنها قرض بفائدة، وهذا هو عين الربا.
ثم إن قول الكاتب إن المدين دائما يكون من كبار المالكين قول ينقضه الواقع، إذ إن كثيرا ممن يتعامل مع المصارف ليسوا من كبار المالكين، بل فيهم الموظف الذي يقترض بضمان مرتبه وغير الموظف الذي يقترض بضمان أحد القادرين، فهذا التعميم الذي ادعاه الكاتب غير صحيح
стр. 7870
من ناحية الواقع العملي ويؤدي إلى أن تعامل المصرف مع هؤلاء غير جائز شرعا في نظر الكاتب؛ لأن هؤلاء محتاجون إلى الصدقة فيعود هذا التعميم على أصله بالنقض وهو مالا يرضاه الكاتب.
وقول الكاتب إن المالك الكبير يستثمر أموال الدين بما فيه مصلحة الجميع مغالطة مكشوفة، إذ أن المالك الكبير يستثمر أموال الدين لمصلحته فقط ويعطي المصرف الفائدة المتفق عليها فقط دون المشاركة في الربح، والقول بغير هذا مكابرة وإنكار لواقع المعاملة.
ج) ويذهب الكاتب إلى أن الخاصة الثالثة للربا المحرم هي مجرد تنمية لمال الدائن في أموال المدين من تجارة ينتفع بها الطرفان، وإن هذه الخاصة ليست متحققة في المعاملة المصرفية؛ لأنها تجارة من نوع جديد جرى التعارف عليها ودعت إليها حاجة الناس أجمعين حتى أصبحت مصالحهم في معاشهم لا تتم إلا بها وينتفع بها الطرفان المعطي والآخذ، ثم قال والمعاملة التي يقصد بها الاتجار لا القرض للحاجة هي من قسم البيع لا من قسم استغلال حاجة المحتاج، ويؤيد هذا المبدأ في شرعية المنفعة التي لا ضرر فيها على أحد قول ابن قدامة: إن ما فيه مصلحة من غير ضرر بأحد فهو جائز، وإن الشرع لا يرد بتحريم المصالح التي لا ضرر فيها وإنما يرد بمشروعيتها، وقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵁: إن كل ما لا يتم المعاش إلا به فتحريمه حرج وهو منتف شرعا.
ونرد على الكاتب بأن المعاملة المصرفية التي نحن بصددها ليست من التجارة ولا من قسم البيع لعدم سمات التجارة فيها، ولأنه لا يوجد بها مبيع يقع عليه عقد البيع وإنها لا تتم في المصرف على أنها بيع، بل على أنها قرض بفائدة محددة تدفع في كل عام، والتدليل على أنها تجارة بتعارف الناس عليها تعليل غير سليم؛ لأن الناس جميعا لم يتعارفوا عليها
стр. 7871
ولو فرض تعارفهم فهو عرف فاسد لمخالفته نصوص الربا العامة والمطلقة، وكل عرف في مقابل النص فهو عرف فاسد لا يبنى عليه حكم، وكذلك التدليل بأن هذا النوع من المعاملة قد دعت إليه حاجة الناس أجمعين تعليل غير سليم؛ لأن الواقع الفعلي أن حاجة الناس جميعا لا تدعو إلى هذه المعاملة، بل إن هذه المعاملة المصرفية تشكل حرجا للناس في معاملاتهما وتضعف اقتصاد الأمم والشعوب كما قرر ذلك أساطين الاقتصاد في العالم. وكثير من الناس - والحمد لله - يزاولون نشاطهم التجاري بدون أي حاجة إلى هذا النوع من المعاملة، وقول ابن قدامة وابن تيمية وارد في المصالح التي سكت الشارع عليها، فلم يرد باعتبارها أو إلغائها نص من الشارع، كما صرحوا بذلك في كثير من المواضع وصرح به الأصوليون في كلامهم على حجية المصالح المرسلة.
وقول الكاتب إن الدائنين في المعاملات المصرفية هم من صغار المالكين لم يستغلوا المدينين الذين هم جميعهم هنا من كبار المالكين، بل قد تبادلوا المنافع معهم بصورة تجارية وعقد رضائي من غير أن يكون هناك ظالم أو مظلوم: قول غير صحيح لأن جل المنفعة يستأثر بها المدينون الذين هم من كبار الأغنياء، وليس للدائنين وهم صغار المالكين إلا نسبة ضئيلة محدودة وقعت الاستدانة من المصرف على أساسها، وقد أشرنا إلى شيء من ذلك فيما سبق.
د) ويرى الكاتب أن الخاصة الرابعة للربا القرآني تجعل صاحب الدين المرابي عند عجز المدين عن أداء الدين كالذي يتخبطه الشيطان من المس إلى آخر ما جاء في الآية الكريمة؛ لأنه فقد رأس ماله فوق فقده لأرباحه الربوية. وهذه الخاصة ليست متحققة في المعاملة المصرفية لأن المتعاملين فيها من معط وآخذ جميعهم يشعرون بالأمان والاطمئنان وذلك لقيام
стр. 7872
إدارة المصرف نيابة عنهم باتخاذ جميع الإجراءات والضمانات اللازمة لسلامة المعاملة على السواء لمصلحة الدائن والمدين.
والرد على ما ذكره الكاتب في هذه الخاصة: أن التصوير المقترح لمن يأكل الربا ليس تصويرا له عند عجز المدين عن الوفا أو عند تخوفه من عدم الوفاء، وإنما هو تصوير له عند قيامه من قبره كما تظافرت بذلك أقوال المفسرين وعلى رأسهم ابن عباس ومجاهد وابن جبير وقتادة والربيع والضحاك والسدي وابن زيد، ويؤيد ذلك التفسير قراءة ابن مسعود (لا يقومون يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخطبه الشيطان من المس). وإذا لم يكن هذا تصوير للدائن في الدنيا فإنه لا يصلح أن يكون خاصة له، لأن خاصة الشيء تكون لازمة للشيء، والشيء الذي لا يتحقق إلا في الآخرة لا يكون ملازما له في الدنيا لانفكاك الجهة على أن هذا التصوير البشع جزاء المرابي في الآخرة، أي أنه مترف بأكل الربا. وأثر الشيء لا يكون جزءا من حقيقته ولا وصفا له ولا ملازما له ملازمة عقلية لحصول الأثر عقب المؤثر، فانتفى أن يكون هذا الوصف خاصة للربا القرآني.
على أن كلام الكاتب يقصر التصوير على آكل الربا الذي عجز المدين فيه عن الوفاء أو تخوف الدائن من عدم الوفاء مع أن التصوير القرآني يشمل أيضا من سلم له رأس المال والربح، بل إن التصوير قاصر على من سلم له رأس المال والربح بدليل التعبير بيأكلون، ولا يوصف بذلك إلا من سلم له رأس المال والربح، وإذن فكيف يكون هذا التصوير خاصا بالدائن الذي عجز مدينه عن الوفاء. ثم يدلل الكاتب على انتفاء هذه الخاصة في المعاملة المصرفية بأنه لا يوجد فيها خوف من العجز عن الوفاء لقيام المصرف باتخاذ الإجراءات التي تمنع هذا الخوف. . . إلخ.
стр. 7873
ما قاله من الأمن والسلامة في المعاملة المصرفية. نقول ردا على هذا: إن الأمن غير متحقق أيضا في المعاملة المصرفية رغم قيام المصرف بالمراقبة والإشراف، وذلك لحصول الإفلاس من المدين في كثير من الأحيان والواقع الفعلي يؤيد هذا كما ظهر أخيرا من معاملات المدينين مع مصارف القاهرة؛ حيث هربوا عن البلاد وضاع على المصارف ما دفعته إليهم، وكما حدث في سوق المناخ بالكويت، وإذن فالأمن منعدم في عملية المصرف كما هو منعدم في عملية المرابي.
هـ) ويرى الكاتب أن الخاصة الخامسة للربا القرآني هي أن الربا زيادة طارئة في الدين تفرض على المحتاج للصدقة وتشترط عليه بعد حلول أجل الدين وعجز المدين عن الوفاء، وهي زيادة بعقد جديد مستقل عن العقد الأول ولا يقابلها في هذا العقد الجديد إلا تأجيل الاستيفاء من المدين من غير أي نفع مادي للمدين؛ لأن التأجيل لا ينتفع به المدين في طعامه أو تجارته على حين أن الزيادة في الربا للدائن كانت زيادة مالية وقد اقتصرت عليه فقط دون مقابل للمدين، وهذا من أكل أموال الناس بالباطل، ثم قال وهذه الخاصة منتفية في المعاملة المصرفية لأن الزيادة فيها تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية مع مدينين أغنياء من رجال الأعمال وليست طارئة عند حلول الأجل مع المدين المحتاج، وذلك يجعلها ذات صفة تجارية في المعاملات المصرفية أي في مقابل منافع متبادلة. ونقول في الرد على ذلك أن ادعاء الكاتب أن الزيادة في المعاملة المصرفية تشترط في أصل عقد الدين لأغراض تجارية قول ينقضه الواقع؛ لأن العملية المصرفية لا تحدد للدائن نوع نشاطه الاقتصادي ولا نوع التجارة التي يزاولها، وأقصى ما يقوم به المصرف هو التوثق من الدين وكل ما يهمه بعد ذلك هو الحصول على الفائدة المتفق عليها، والمدين بعد ذلك حر في نشاطه ولا يتبادل مع المصرف منفعة ما سوى الفائدة، أما ثمرة نشاط
стр. 7874
المدين بعد الفائدة فكله له هذا إن ربح، أما إذا خسر فلا يتحمل المصرف شيئا من خسارته، وهذا أكبر دليل على أن العلاقة بين المصرف والمدين ليست علاقة تجارية، وإنما هي قرض بفائدة معينة يدفعها المدين في كل عام. على أنه إذا كانت العلة في تحريم الربا القرآني هي مقابلة الزيادة بالأجل فهذا المعنى متحقق في المعاملة المصرفية؛ لأن الزيادة فيها عن الدين في مقابل الأجل فأي فرق بين المعاملتين؟
أما ادعاء الكاتب أن الربا القرآني هو الزيادة الطارئة عند عجز المدين عن الوفاء في مقابل الأجل وذلك بعقد مستقل، فقد سبق إبطال هذا الادعاء وبينا أن الزيادة في ابتداء الدين في مقابل الأجل ربا صريح، والقول بغير هذا قول باطل لا أساس له.
وقد اختتم الكاتب مقارنته بين الربا الذي ورد تحريمه في القرآن وبين المعاملة المصرفية بقوله: يتضح لنا أن المعاملات المصرفية تختلف تماما عن الأعمال الربوية التي حذر منها القرآن الكريم؛ لأنها معاملات جديدة لا تخضع في حكمها للنصوص القطعية التي وردت في القرآن الكريم بشأن حرمة الربا؛ ولهذا يجب علينا النظر إليها من خلال مصالح العباد وحاجاتهم المشروعة اقتداء برسول الله ﷺ في إباحته بيع السلم رغم ما فيه من بيع غير موجود، وبيع ما ليس عند البائع مما قد نهى عنه رسول الله ﷺ في الأصل، وقد أجمع العلماء على أن إباحة السلم كانت لحاجة الناس إليه، وهكذا فقد اعتمد العلماء على السلم وعلى أمثاله من نصوص الشريعة في إباحة الحاجات التي لا تتم مصالح الناس في معاشهم إلا بها، إن المصارف والأعمال المصرفية حاجة من حاجات العباد ولا تتم مصالح معاشهم إلا بها، ولذلك فإنه من غير الجائز التسرع والحكم عليها بأنها من الربا المقطوع فيه، وذلك لأن حظرها يوقع العباد في حرج في معاشهم
стр. 7875
لا مثيل له، بل إن حظرها يهدد كيان الدولة والأمة الإسلامية ويقضي نهائيا على مصالحهم الاقتصادية ويجعلهم تحت رحمة أعدائهم وأعداء دينهم الذين يتحكمون في ثرواتهم، بل يستخدمونها لزيادة قوتهم ضد أمة الإسلام.
وردنا على ما انتهى إليه الكاتب في موضوع الأسباب الذي ألمحنا إليه يتلخص فيما يلي: أ) إنه قد سبق لنا عند مناقشة الأسباب ومقارنتها بيان أن ما ذكره الكاتب من أسباب للربا المحرم بعضه ليس من باب الأسباب، والبعض الآخر متحقق في المعاملة المصرفية وأنه لذلك تنطبق عليها حقيقة الربا المحرم، إذ هي قرض بفائدة محددة في مقابل الأجل وأن القول بغير هذا إما جهل أو مكابرة، ومن ثم فإنه لا يجوز النظر في إباحتها من خلال المصالح المدعاة إذ لا عبرة للمصلحة في مقابل النص.
ب) إن جواز المعاملة المصرفية قياسا على السلم لعلة الحاجة قياس غير سليم من وجهين: الأول: أن علة الحاجة غير متحققة في الفرع وهو المعاملة المصرفية، إذ حاجة الناس تتم دون هذه المعاملة ومن ثم لا حاجة إليها.
الثاني: إن السلم ثابت شرعا بالنصوص الصحيحة الصريحة من السنة المطهرة هذا مع العلم بأنه لو فتح باب إبطال النصوص بالمصالح والحاجات المدعاة؛ لكان في ذلك إبطال الشريعة وهدمها بأهواء الناس والعياذ بالله.
ج) إن حظر المعاملة المصرفية لا يوقع الناس ولا الدولة في حرج لا مثيل له كما يدعي الكاتب، ولا يقضي نهائيا على المصالح الاقتصادية لأن الناس عاشوا ويعيشون بدون هذه المعاملة المصرفية، وتتم مصالحهم المعيشية بدونها بل العكس هو الصحيح، فإن شيوع الربا عن طريق المصارف أو
стр. 7876
غيرها أكبر ضربة توجه إلى اقتصاد الدول والشعوب كما صرح بذلك أساطين الاقتصاد كما أشرنا إلى ذلك آنفا.
د) إن القول بحضر هذه المعاملة ليس مبنيا على ارتياح النفس أو عدم ارتياحها، وإنما هو مبني على النص والإجماع المحرمين لهذه المعاملة التي لا تكييف لها إلا أنها قرض بفائدة محدودة مقابل الأجل، ومع ذلك فإننا نقول بالبديل عنها وهو نظام المضاربة (القراض) المجمع على جوازه شرعا، وهو ما تعامل به المسلمون في سائر العصور إذ لا يتحقق في هذه المعاملة الربا، ويتحمل فيها كل من صاحب المال والعامل نصيبه من الربح والخسارة ومن ثم ينتفي فيها الظلم عن كل منهما.
والخلاصة أن الكاتب لم يوفق في إضفاء الشرعية على معاملة المصارف التي تقرض المستغلين من أصحاب المصانع والمتاجر والعقارات ونحوهم بفائدة محدودة، وأن كل ما ذكره لإثبات هذه الشرعية إنما هي شبهات واهية لا يثبت بها ما يدعيه. ولم يزد على أن جاء بملخص لما سبقه إليه الدكتور معروف الدواليبي في مقاله الذي نشره باللغة الفرنسية عام ١٣٧١ هـ الموافق ١٩٥١م (١)، وقد اطلعت عليه في العام الماضي مكتوبا باللغة العربية. والذي نراه بديلا لهذه المعاملات الربوية هي المضاربة إذا التزم فيها أحكام الشرع التي قررها الفقهاء استنباطا من كتاب الله العزيز وسنة رسوله ﷺ وإجماع فقهاء الأمة.
والله تعالى ولي التوفيق وهو الهادي إلى سواء السبيل.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه.
محمد بن أحمد الصالح
стр. 7877
بل الفائدة المصرفية من ربا النسيئة
رد على بحث الدكتور إبراهيم بن عبد الله الناصر حول "موقف الشريعة الإسلامية من المصارف.
" للدكتور / شوقي أحمد دنيا
الاسم شوقي أحمد دنيا.
الميلاد من مواليد جمهورية مصر العربية.
المؤهل ١) بكالوريوس تجارة قسم الاقتصاد كلية التجارة جامعة الأزهر.
٢) ماجستير في الاقتصاد بعنوان " الإسلام والتنمية الاقتصادية " من تجارة الأزهر.
٣) دكتواره في الاقتصاد بعنوان " تمويل التنمية في الاقتصاد الإسلامي - دراسة مقارنة من تجارة الأزهر.
العمل عضو هيئة التدريس بقسم الاقتصاد الإسلامي - كلية الشريعة - الرياض.
الإنتاج العلمي: من مؤلفاته: (١) دراسات في الاقتصاد الإسلامي " كتاب ".
(٢) أعلام الاقتصاد الإسلامي " كتاب ".
(٣) نقد لكتاب في الفكر الاقتصادي الإسلامي للدكتور فاضل عباس الحسب " بحث منشور ".
(٤) النقود بين الاقتصاد الإسلامي والاقتصاد الوضعي " بحث منشور ".
(٥) تقلبات القوة الشرائية للنقود وأثر ذلك على الائتمان الاقتصادي والاجتماعي " بحث منشور ".
بالإضافة إلى أبحاث أخرى في مؤتمرات وندوات خاصة بالاقتصاد الإسلامي.
стр. 7878
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله محمد بن عبد الله وعلى اله وصحبه ومن عمل بشريعته وتمسك بسنته إلى يوم الدين.
وبعد: فهذه ورقة حول الدراسة التي قدمها الدكتور إبراهيم الناصر المستشار القانوني بمؤسسة النقد السعودي بشأن " موقف الشريعة الإسلامية من المصارف ".
وبداية نحب أن نؤكد على أن مهمة وحدود هذه الورقة هي مجرد مناقشة الورقة التي قدمها الدكتور إبراهيم، وبيان ما فيها وما عليها، مع العلم بأن الموضوع في ذاته هو أكبر بكثير من هذه الورقة، وهو برغم كثرة ما كتب فيه بحاجة إلى بحث معمق يحتاج إلى مزيد من الجهد ومن الوقت، نرجو الله تعالى أن ييسر لنا ولغيرنا ذلك.
ومجمل مناقشتنا يخلص إلى مخالفة الدكتور إبراهيم فيما قدمه من مقدمات وفيما توصل إليه من نتائج. منهجنا في هذه الورقة هو مناقشة التحليلات والمقدمات التي طرحها الأخ الكاتب، وكذلك مناقشة ما توصل إليه من نتائج، مع إعطاء لمحة سريعة عن البديل الإسلامي.
ويمكن إجمال ما قدمه الكاتب في ورقته في صيغتها الثانية الأكثر شمولا وتفصيلا بأنه تناول مفهوم الربا في كل من القرآن والسنة كما فهمه. ثم عرض لموقف بعض العلماء من المصارف مضيفا إلى ذلك. مناقشة لطبيعة الأعمال المصرفية وبوجه خاص ومراكز، بل وأساسي عملية " الإيداع " وبعجالة عملية " الإقراض المصرفي " وخلص من بحثه هذا إلى نتائج تتلخص في أن الأعمال المصرفية الحالية لا تدخل في الربا القرآني المجمع على تحريمه، وإنما هي معاملة مستجدة تخضع للقواعد العامة للشريعة ومقاصدها المتمثلة في تحقيق مصالح الناس.
стр. 7879
ولم يقف عند هذا الحد بل واصل القول مصرحا بأنها حلال استنادا إلى أنها ليست من الربا الذي حرمه القرآن الكريم وعملا بالمصلحة التي نوه بها بعض العلماء واستئناسا بموقف العلماء المعاصرين، كما دعم هذا الموقف بما أشار إليه من أن بعض أنواع الربا حرمت تحريم وسائل لا تحريم مقاصد فتباح عند الحاجة، كما أن فكرة الترخيص معتد بها شرعا وهناك سوابق في إباحة بعض المحظورات كالسلم، كذلك فقد استند إلى التقلبات الكبيرة في قيمة النقود والهبوط المستمر لها، ومن ثم فمن العدل القول بإباحة الفائدة على القروض خاصة إذا ما أخذنا في الحسبان الأهمية الكبيرة التي تحتلها المصارف في حياتنا المعاصرة.
هذه هي الفكرة الأساسية التي تدور حولها ورقة الأخ الكاتب.
وقبل المناقشة التفصيلية لما في هذه الورقة من مقدمات ونتائج نرى من الضروري أولا الإشارة في عجالة وإجمال إلى بعض النقاط الأساسية التي تعتبر بمثابة قواعد أو مسلمات أساسية لا يقوم أي نقاش علمي جاد لهذا الموضوع في غيبتها.
نقاط جوهرية يجب التنويه بها:
١ - القرآن الكريم والسنة الشريفة كلاهما مصدران أساسيان للتشريع الإسلامي، وما تحرمه السنة فهو محرم قطعيا، وتحريمه ليس في الحقيقة قاصرا على السنة بل هو محرم في القرآن وبالقرآن أيضا، قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (١)،
стр. 7880
﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (١)، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢)، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ (٣) ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٤). إذن كافة ما حرم في القرآن أو في السنة سواء كان بنص صريح جزئي من القرآن أو بنص صريح من السنة هو في الحقيقة محرم فيها معا وبها معا، ولا فرق بين هذا وذاك، وليس لهذا درجة تحريم وللثاني درجة أعلى أو أقل.
٢ - مهمة الرسول ﷺ هي تبليغ دين الله وشرعه لمن أرسل إليهم من العباد وتبيينه لهم بيانا واضحا كوضوح الشمس في كبد السماء بل أكثر وضوحا. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٥)، ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ (٦)، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ (٧)، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (٨)، ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ﴾ (٩). ومعنى هذا أنه يجب الإذعان والاعتقاد الكامل بأن الرسول ﷺ قد بين للناس كل ما في القرآن من أحكام ومبادئ وكل ما يريده الله تعالى من عباده، ولم يلتحق بالرفيق الأعلى وهناك شيء من الإسلام غامض أو غير مبين، بل تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها. ومن الواضح أن أهمية