← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.

стр. 841

يوم أحد لم تكد قريش تكسب جولة في أحد حتى هتف شاعرها ابن الزبعري بحسان يناديه: يا غراب البين أسمعت فقل ... إنما تنطق شيئا قد فعل أبلغا حسان عني آية ... فقريض الشعر يشفي ذا الغلل ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل فجاوبه حسان وعارضه بقوله: ذهبت بابن الزبعري وقعة ... كان منا الفضل فيها لو عدل ولقد نلتم ونلنا منكم ... وكذاك الحرب أحيانا دول إذ شددنا شدة صادقة ... فاجأناكم إلى سفح الجبل ولم يشتف حسان بتلك القصيدة التي عارض بها ابن الزبعري فأرسل حسان قصيدة أخرى منها: ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم ولى البأس منكم إذ حضرتم ... أسرة من بني قصي صميم تسعة تحمل اللواء وطارت ... في رعاع من القنا مخزوم لم يولوا حتى أبيدوا جميعا ... في مقام وكلهم مذموم وأقاموا حتى أزيروا شعوبا ... والقنا في نحورهم محطوم وقريش تلوذ منا لواذا ... لم يقيموا وخف منها الحلوم لم تطق حمله العوائق منهم ... إنما يحمل اللواء النجوم

стр. 842

أنب التيس بتشديد الباء المفتوحة: صاح عند الوثوب للسفاح، الحزن بفتح الحاء: ما غلظ من الأرض، لحاه، شتمه، الصميم: الخالص، الرعاع: الضعفاء، شعوب بفتح الشين: الموت، لواذا: مستترين، الحلوم: العقول، العاتق: ما بين الكتف والعنق، النجوم هنا: يراد بهم الأشراف. يذكر حسان في هذه الأبيات أن الأهاجي التي يرسلها ابن الزبعري لا تشبه إلا صياح التيوس وأنه لا يكثرت بشتائمهم يرسلها لئيم خامل في قومه، ثم راح يعير قريشا بمقامها في أحد حين تولى حمل اللواء نفر من بني قصي تساقط منهم تسعة تعاقبوا حمل اللواء فسقطوا واحدا إثر آخر، فلما لم تجد قريش لواءها مرفوعا فروا ولكنهم أبيدوا جميعا، وأوردوا المنايا، وقدم الشاعر صورة لقريش تستتر وتستخفى وقد طاشت عقولها من الهول. وقدم الشاعر أكثر من صورة للمعركة المضطربة: صورة الفرار، وصورة الإبادة، وصورة قريش تساق إلى الموت والرماح محطومة في ظهورها، وصورة للمتسللين الذين أذهلهم الخوف فطلبوا الحياة وراء صخور الشعاب بعيدا عن عيون المسلمين (وكل ذلك كان في الفترة الأولى قبل أن تطلع عليهم خيول خالد). * * *

стр. 843

حسان يتحدث عن غزوة الخندق تجمعت جيوش الأحزاب: اليهود وغطفان وقريش حول المدينة بعد أن حفر الخندق حولها وجعل المسلمون ظهورهم إلى جبل سلع استعدادا للقاء الأعداء، وسهر الصحابة يحرسون الثغرات، ثم جاءت آية الله ريحا صرصرا أطارت الخيام والقلوب، ومزق الله الأحزاب شر ممزق ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١) بهذا حدث القرآن والتاريخ، وانطلقت شاعرية حسان متأثرة بالقرآن فقال: جيش عيينة وابن حرب فيهم ... متخمطين بحلية الأحزاب حتى إذا وردوا المدينة وارتجوا ... قتل النبي ومغنم الأسلاب وغدوا علينا قادرين بأيديهم ... ردوا بغيظهم على الأعقاب بهبوب معصفة تفرق جمعهم ... وجنود ربك سيد الأرباب وكفى الإله المؤمنين قتالهم ... وأثابهم في الأجر خير ثواب

стр. 844

عيينة: هو عيينة بن حصن الفزاري قائد غطفان، ابن حرب: أبو سفيان، المتخمطون: شديدو الغضب والحلية: الصورة وفي رواية: حلبة: ويراد بها اجتماع القوم، الأيد: القوة، الريح المعصفة: الشديدة الهبوب. وكان حسان في هذه الأبيات من القصيدة مؤرخا حيث قدم عيينة وأبا سفيان غاضبين في صورة الأحزاب التي اجتمعت وليس لهم من هدف حين جاءوا المدينة غير قتل النبي والظفر بالأسلاب وحينما اعتزوا بقوتهم وكثرتهم ردهم الله على أعقابهم مغيظين وفرقت جموعهم ريح عاصفة وجنود من عند الله وكفى الله المؤمنين القتال وأجزل لهم الثواب وكان حسان في شعره هذا مرددا ما قاله القرآن في سورة الأحزاب. في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (١) وقوله: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (٢) وتناول حسان في غير هذه القصيدة أحداثا جانبية في الغزوة كمصرع ابن عبد ود. * * * ولم يتخلف حسان عن تقديم صور لغزوة قريظة وغزوة بني النضير وذي قرد وتناول تلك الغزوات في أكثر من قصيدة وكان صدر قصيدته في بني قريظة: لقد لقيت قريظة ما غطاها ... وحل بحصنها ذل ذليل غطاها: ساءها وقال في غزوتي قريظة وبني النضير: لقد لقيت قريظة ما سآها ... وما وجدت لذلك من نصير أصابهم بلاء كان فيهم ... سوى ما قد أصاب بني النضير سآها: ساءها وغزوة ذي قرد تلك التي أغار فيها عيينة بن حصن على إبل حوامل ذات ألبان لرسول الله صلى الله عليه

стр. 845

وسلم - فاستاقوا تلك الإبل، وركب الأنصار في طلبهم وفيهم قتادة الأنصاري والمقداد فردوا الإبل وفر المغيرون بعد معركة غلبت فيها القلة المؤمنة الكثرة الباغية، وتناول حسان تصوير ذلك في قصيدة فقال: هل هر أولاد اللقيطة أننا ... سلم غداة فوارس المقداد واللقيطة: أم حصن وكان قد التقطها حذيفة مع جوار أخر في سنة مجدبة ثم تزوجها.

стр. 846

كان حسان من طلائع الشعراء المخضرمين في الفخر ففخر في جاهليته بحسبه ونسبه الذي ينتمي إليه ويجتمع فيه مع ملوك الحيرة الغساسنة، فهو كما قدمنا خزرجي من بني النجار، وينتهي في الماضي البعيد إلى مزيقيا الأكبر للخميين ملوك الحيرة والغسانيين ملوك الشام. ولم يغب عنه بعد إسلامه الفخر بذلك النسب القريب والبعيد وكثر بعد إسلامه فخره بأنصاريته. * * *

стр. 847

فخره في الجاهلية لحسان في الجاهلية شعر يزخر بالمفاخر بلسانه ويده وسيفه وكرمه وخلقه ثم بأهله: بشجاعتهم ومكانتهم وأمجادهم وأصولهم وهو حين تفور مشاعره للفخر يذكر المرأة فيناديها لتعلم حقيقته كما فعل عنترة في قوله: " هلا سألت الخيل يا ابنة مالك " كذلك يكشف حسان عن حقيقته لمحبوبته شعثاء فيقول: لعمر أبيك الخير يا شعث ما نبا ... علي لساني في الخطوب ولا يدي (١) لساني وسيفي صارمان كلاهما ... ويبلغ ما لا يبلغ السيف مذودي (٢) وإن أك ذا مال قليل أجد به ... وإن يهتصر عودي على الجهد يحمد (٣) فلا المال ينسيني حياتي وعفتي ... ولا واقعات الدهر يفللن مبردي أكثر أهلي من عيال سواهم ... وأطوي على الماء القراح المبرد وإني لمعط ما وجدت وقائل ... لموقد ناري ليلة الريح أوقدي وهكذا يشير حسان في هذه الأبيات إلى أن له لسانا وسيفا وكلاهما صارم، وأن لسانه أقوى حدة من سيفه ولم يثبت لحسان في جاهليته في إسلامه موقف من مواقف البأس والصرامة كما لم يثبت له إيقاد نار يهتدي بها الساري في دلج الليل وأنه أكثر أهله بعيال غيرهم (إنه الشعر التقليدي) سار فيه حسان على نهج من سبقه من الشعراء الشجعان والكرماء.

стр. 848

وقد فخر حسان بخزرجيته فوضع بين يدي الزمان صورا لمكانتهم بين اليثربيين في قوله: ويثرب تعلم أنا بها ... إذا خافت الأوس جيرانها متى ترنا الأوس في بيضنا ... نهز القنا تخب نيرانها وقد أفاض حسان في الكشف عن مكانة الخزرجيين في هذه القصيدة فهم حماة أهل يثرب في المواطن التي يفزع الأوس من هولها، وهم حملة القنا والرماح، وهم الذين أسلمهم الأوس القياد في مواطن الفزع إلى آخر ما جادت مشاعر الفخر. * * *

стр. 849

تفاخره في شعره الإسلامي لم يغمض الشاعر الطرف عن الماضي بعد إسلامه، بل كان كثير التغني بمفاخر أهله كلما سنحت له فرصة الفخر وما أكثر ما جمع شعره الإسلامي بين مفاخر الجاهلية والإسلام وهذه أبيات من قصيدة جمعت بين فخره الجاهلي والإسلامي حيث يقول: فإن تسألي الأقوام عني فإني ... إلى محتد تنمي إليه المحاتد وجدي خطيب الناس يوم سميحة ... وعمي ابن هند مطعم الطير خالد ومنا قتيل الشعب أوس بن ثابت ... شهيدا وأسنى الذكر مني المشاهد وفي كل دار ربة خزرجية ... وأوسية لي في ذراهن والد كشف حسان في هذه الأبيات عن أصله العظيم الذي ينتمي إليه، وعنى بجده الذي خطب الناس يوم سميحة (وهو يوم من الأيام التي دارت بين الأوس والخزرج، وفني فيه من فني، ثم تداعوا إلى الصلح، وحكموا المنذر بن حرام جد حسان أو ثابت بن المنذر والده فقضى بينهم وتعاهدوا وكان الفضل في ذلك الصلح الذي حقن الدماء لتلك الخطبة التي خطبها في الحيين، وأما عمه ابن هند مطعم الطير فهو خالد بن زيد بن كليب وكان ينحر الإبل للأضياف فيأكل منها الناس والطير، وأما قتيل الشعب فهو أوس بن ثابت أخو حسان وقد قتل يوم أحد وقصد بالمشاهد مشاهد الحروب، ثم بين أن كل دار جامعة سواء أكانت دارا أوسية أم خزرجية له في أعالي تلك الدار أصل. وكم سجل حسان للأجيال مكارم قومه في الجاهلية فهم أولاد عمرو بن عامر وهم الملوك وأبناء الملوك كجفنة والتمتام عمرو بن عامر ... وأولاد ماء المزن وابني محرق وحارثة الغطريف أو كابن منذر ... ومثل أبي قابوس رب الخورنق

стр. 850

وبعد أن تحدث عن أمجاد أصوله انتقل فبين نصرة قومه لرسول الله ﷺ حين أتاهم وقد أظلمت الأرض بين عينيه وبين موقف قريش من محمد ﷺ ومن دعوته فقال: أتانا رسول الله لما تجهمت ... له الأرض يرميه بها كل موفق (١) تطرده أفناء قيس وخندف ... كتائب إلا تغد للروع تطرق (٢) فكنا له من سائر الناس معقلا ... أشم منيعا ذا شماريخ شهق فنحن ولاة الناس في كل موطن ... متى ما نقل في الناس قولا نصدق نوفق في أحكامنا حكماؤنا ... إذا غيرهم في مثلها لم يوفق في هذه الأبيات بين الشاعر تنكر قوم الرسول ﷺ له وتألبهم عليه حين فوقوا سهامهم نحوه واجتمع على طرده أبناء قيس وخندف فلاذ بالأنصار حيث لقي بهم الحصن المنيع الشاهق الذي لا ينال، ثم كشف حسان عن مكانة قومه، وأنهم ولاة الناس وقضاتهم الموفقون في أحكامهم حين لم يوفق غيرهم. وإنا لنلمس في القصيدة كلها قوة في الأسلوب وروعة في التصوير تدفع أحكام أولئك الذين رموا شعر حسان الإسلامي كله بالضعف والحقيقة أن الشاعر حين تثور في نفسه ثورة المفاخر يستوحي من تلك الثورة العبارة العالية والصورة الغالية التي تضعه في مصاف كبار الشعراء. * * *

стр. 851

حسان الثائر لكرامة الأنصار ليس ثمت من ينكر فضل الأنصار وسبقهم وإيواءهم لرسول الله ﷺ ولصحبه من المهاجرين وأن الله أعز بهم الإسلام وأقام بناءه. وأن أولئك الأنصار حين أدوا ما أدوا للإسلام ما كانوا يرتقبون شكرا، ولكن حسان الشاعر بدا له أنهم أقصوا عن المكانة التي يستحقونها حين قدم الرسول ﷺ بني سليم على الأنصار يوم فتح مكة، ولم يكن تقديم الرسول لبني سليم يحمل وراءه تقديمهم على الأنصار ولكن لعل الرسول خاف اشتباك قريش والأحابيش بالأنصار؛ لأنهم هم القوة التي فتكت بسادة قريش في بدر وفي أحد وفي الخندق، ومن ثم أراد الرسول

стр. 852

أن يجنب فتح مكة الدماء؛ لأنه لم يزل يأمل في أن ينسى أهلها الدماء ويقبلوا على الإسلام، أو لعل الرسول أراد أن يبين لقريش أن جيش الفتح ليس قوامه الأنصار، بل ها هي تلك طلائعه تموج في ألف من بني سليم وقد غاب عن حسان رأي الرسول في تقديم بني سليم على الأنصار فثارت شاعريته وقال: وأت الرسول فقل يا خير مؤتمن ... للمؤمنين إذا ما عدل البشر علام تدعى سليم وهي نازحة ... أمام قوم هم آووا وهم نصروا سماهم الله أنصارا لنصرهم ... دين الهدى وعوان الحرب تستعر وجاهدوا في سبيل الله واعترفوا ... للنائبات فما خاموا وما ضجروا والناس ألب علينا ثم ليس لنا ... إلا السيوف وأطراف القنا وزر ونحن جندك يوم النصف من أحد ... إذ حزبت بطرا أشياعها مضر فما ونينا وما خمنا وما خبروا ... منا عثارا وجل القوم قد عثروا هذه صفحة من كفاح الأنصار ينشرها حسان وهي مقبولة من شاعر الرسول الحريص على أن تظل للأنصار مكانتهم في الطليعة بين المسلمين وألا تقصيهم الأيام عن مكانهم، ولعل ذلك الحرص هو الذي فجر أحاسيس الشاعر فنادى الرسول: يا خير مؤتمن على مكانة الأنصار وهو يسوي الصفوف حتى لا تغيب في غمار الأحداث مكانتهم وهم المجاهدون، وتساءل الشاعر علام تقدم سليم وهي بعيدة أمام الأنصار الذين جاهدوا في الله حق الجهاد وما جبنوا في معركة ولا ضجروا من طولها حين تألب العرب عليهم فلم يعصمهم منهم غير السيوف والرماح فهم الذين ثبتوا في أسفل أحد حيث جمعت مضر الأشياع والأحزاب للقضاء على الإسلام والمسلمين ولم تفتر عندئذ للأنصار همة وما نكصوا وما عثروا حين عثر الناس جميعا وتساقطت عزائمهم. وكان جواب الرسول على ثورة حسان خطبته بعد تقسيم غنائم هوازن وألف قلوب القرشيين بالكثير منها وقد ختم الخطبة بقوله: لو سلك الناس شعبا وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، ودعا للأنصار ولأبناء الأنصار، وكان في مقالة رسول الله ﷺ خير ما يقنع حسان ويطمئنه على مكانة الأنصار.

стр. 853

الهجاء في شعر حسان كان الباعث على التهاجي في الجاهلية تلك الأحقاد التي أثارتها العصبيات والمنافرات والمفاخرات، فاندفع الشعراء وراء أحقادهم وأحقاد قبائلهم يطعنون أعداءهم، بل قد يسرفون في طعن الأعراض لتشتفي النفوس حين تدمي الطعنات نفوس الأعداء. وقد وجد هذا اللون مجاله في الصدر الأول للإسلام بعد هجرة رسول الله ﷺ ، وتعبئة قريش الشعراء لهجاء الرسول لإضعاف شأنه وشأن دعوته بين العرب، ولهذا أغرت قريش أولئك الشعراء من أمثال ابن الزبعرى وعمرو بن العاص وأبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم الرسول. وحين طرقت أهاجيهم أسماع الرسول جند طائفة من الشعراء على رأسهم حسان للدفاع عنه والنيل من أعدائه فخاض حسان ميدان الهجاء ولم يقصر هجاءه على الأفراد بل هجا البطون والعشائر والقبائل، فهجا أبا سفيان بن الحارث وابن الزبعرى وعمرو بن العاص، وصفوان بن أمية، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة والحارث بن هشام وأبا جهل والعاص بن المغيرة وحكيم بن حزام، وأبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة وهجا من القبائل والبطون والعشائر: هذيلا، ومزينة، وبني عبد الدار، وبني العوام، وبني المغيرة وهوازن وثقيفا، وبني أسد، وبني الحماس، وبني سهم. وقد احتل الهجاء في ديوان حسان مكانا كبيرا. قال في أبي سفيان بن الحارث قبل أن يسلم في عام الفتح قصائد متعددة قال في بعضها: ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوف نخب هواء (١) بأن سيوفنا تركتك عبدا ... وعبد الدار سادتها الإماء (٢) هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء والبيت الرابع من هذه الأبيات تأثر فيه حسان بالأسلوب القرآني في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (٣) وفي قصيدة أخرى يقول لأبي سفيان: وأنت زنيم نيط في آل هاشم ... كما نيط خلف الراكب القدح الفرد

стр. 854

وإن امرأ كانت سمية أمه ... وسمراء مغلوب إذا بلغ الجهد والنسب الذي خلص لحسان ليطعن منه أبا سفيان دون أن يمس رسول الله ﷺ أنه ابن سمية وهي أم ولد لعبد المطلب، وسمراء أم أبيه الحارث وهي أيضا أم ولد، ولم يكد يبلغ هذا الشعر أبا سفيان حتى قال: إن هذا الشعر لم يغب عنه ابن أبي قحافة حيث كان أبو بكر أعلم قريش بالأنساب، وعنه تلقى حسان علم النسب فعرف كيف يطعن ويسدد الطعن لمن يهجو دون أن يمس أقرباء المهجو من المهاجرين وهجا حسان ابن الزبعرى بعد أن راح يفخر بأصوله فقال له: فلا تفخر فقد غلبت قديما ... عليك مشابه من آل حام وقد رأى حسان أن ابن الزبعرى يغلب على أصوله السواد وهذا يدل على أنه غير عربي لأن العرب ساميون والساميون ليسوا سودا، وإن الشاعر ليعلم حديث الرسول ﷺ «ليس لعربي على أعجمي فضل إلا بالتقوى (١)» ولكنه الهجاء الذي جعل الشاعر يتلمس مغمزا ليطعن منه ابن الزبعرى فنفى عنه العروبة حيث رأى فيه مشابها من آل حام. وطعن صفوان بن أمية بأن أمه كانت أمة لمعمر بن حبيب في قوله: من مبلغ صفوان أن عجوزه ... أمة لجاره معمر بن حبيب وهجا الوليد بن المغيرة بأنه عبد للإبل الشائلة التي جف لبنها بعد الحمل فقال فيه: وأنت ابن المغيرة عبد شول ... قد اندب حبل عاتقك الوطاب والندوب: أثر الجراح، والعاتق: ما بين العنق والمنكب، والوطاب، سقاء اللبن، وبهذا رماه بأنه لم يكن غير عبد تولى رعاية الإبل وأثر هذه الرعاية تلك الندوب التي في عاتقه مما كان يحمل من سقاء اللبن بعد أن يحلب تلك النوق. وطعن الوليد بأنه ينتمي إلى صعقب الحداد الذي نزل في قريش وادعى الانتماء إليها وهو ليس منها واسمه الحقيقي ديسم بن صعقب وذلك في قوله: وصعقب والد لأبيك قين ... لئيم حل في شعب الأروم تسمون المغيرة وهو ظلم ... وينسى ديسم الاسم القديم وتناول حسان العاص بن المغيرة والحارث بن هشام بن المغيرة. وهجا أبا جهل في كثير من ديوانه ومما قال فيه:

стр. 855

سماه معشره أبا حكم ... والله سماه أبا جهل أبقت رياسته لمعشره ... غضب الإله وذلة الأصل وهجا حسان أبا سفيان بن حرب وزوجته كما هجا عمرو بن العاص وأمية بن خلف. وقد هجا هذيلا بسبب موقفها يوم الرجيع (وهو ماء لهذيل بين مكة وعسفان) حين غدروا بوفد رسول الله ﷺ إلى (عضل) ليفقهوهم في الدين حتى إذا بلغوا ماء الرجيع غدر بهم أولئك الذين طلبوا من رسول الله إيفادهم واستصرخوا عليهم الهذليين فحملوا عليهم لأسرهم وتقديمهم إلى أهل مكة ليصيبوا بهم خيرا لأنفسهم، وكان وفد الرسول هم مرثد الغنوي وخالد الليثي، وعاصم بن ثابت وخبيب بن عدي وزيد بن الدثنة وعبد الله بن طارق وقاوم منهم من قاوم فقتل ولان من لان فأسر وخرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم فقاوم في الطريق عبد الله بن طارق وقتل بمر الظهران وأما خبيب وزيد فقد بيعا لقريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة. وقد هزت هذه النكبة قلوب المسلمين وشمل الأسى كل بيت في المدينة وترجم حسان عن مشاعر المسلمين في أكثر من قصيدة هجا بها الهذليين ومما قال: لو خلق اللؤم إنسانا يكلمهم ... لكان خير هذيل حين تأتيها ترى من اللؤم رقما بين أعينهم ... كما كوى أذرع العانات كاويها تبكي القبور إذا ما مات ميتهم ... حتى يصيح بمن في الأرض داعيها مثل القنافذ تخزي أن تفاجئها ... شد النهار ويلفي الليل ساريها إن الشاعر ليتصور أن اللؤم إذا تجسم فصار إنسانا يتكلم لكان ذلك خير من يعبر عن هذيل حين يطرقها طارق أو يلم بها نزيل، وإن اللؤم ليبدو نقشه في عيونهم واضحا كأثر الكي الذي يبدو على أذرع الأتان، هذه صورة أحيائهم أما موتاهم فهم موضع سخط القبور والضجر بهم حتى ليستصرخ داعي القبور بمن في الأرض يطلب الخلاص منهم فكأن بطن الأرض تكره موتاهم واللؤم يمثل أحياءهم ثم أبرز صورة لهم: هي صورة القنافذ التي تستخزي من المفاجأة نهارا فلا ترى إلا ليلا وإن هذيلا لكذلك يتوارى أبناؤها عن أعين الناس نهارا فإذا جن الليل ظهروا يدبون في الأرض. وهجا حسان في جاهليته وإسلامه مزينة، وبني عبد الدار وهجا ثقيفا فقال:

стр. 856

ثقيف شر من ركب المطايا ... وأشباه الهجارس في القتال (١) ولو نطقت رجال الميس قالت ... ثقيف شر من فوق الرحال (٢) وقال في هوازن: أبلغ هوازن أعلاها وأسفلها ... أن لست هاجيها إلا بما فيها تبلى عظامهم إماهم دفنوا ... تحت التراب ولا تفنى مخازيها كأن أسنانهم من خبث طعمتهم ... أظفار خائنة كلت نواسيها وهجا بني الحماس بأكثر من قصيدة ولا يتسع المقام لعرض ما قيل وحسبنا ما قدمنا من الأهاجي التي طعن بها حسان الخارجين على رسول الله ﷺ ومن هجوه أو غدروا بأصحابه أو نالوا من دعوته. * * *

стр. 857

المراثي في شعر حسان لقد عاش حسان مع أحداث الإسلام يسجل ويصور، وكان وفيا لرسول الله ﷺ ولأصحابه مجدهم أحياء وبكاهم شهداء أو موتى، وقد كشفت مراثيه عن عواطف الشاعر المصور لأولئك الراحلين عن دنيا الناس تاركين وراءهم بطولات وتاريخا وآثارا وأخلاقا وأعمالا. رثى أصحاب الرجيع وخص خبيبا بأكثر من مرثية لأواصر القربى التي ربطت بينهما ولكثرة ما هز مشاعره من أنات الثكالى اللواتي بكين خبيبا من حوله، وبكى حمزة وبكى شهداء مؤتة وبكى رسول الله ﷺ حين اختاره الله لجواره بكثير من القصائد حيث أثارت الفاجعة مشاعر حسان فتدفقت عبراته مع الباكين، وضجت أناته مع من هزتهم المصيبة فتجاوب دمع حسان وشعره مع دموع المسلمين حين رأى مسجد الرسول ومعهد ورسوم دياره وقد خيم عليها الأسى وكم وقف بتلك المعاهد والرسوم فبكى ورثى قال: بطيبة رسم للرسول ومعهد ... منير وقد تعفو الرسوم وتهمد وواضح آيات وباقي معالم ... وربع له فيه مصلى ومسجد

стр. 858

عرفت بها رسم الرسول وعهده ... وقبرا به واراه في الترب ملحد ظللت بها أبكي الرسول فأسعدت ... عيون ومثلاها من الجفن تسعد فبوركت يا قبر الرسول وبوركت ... بلاد ثوى فيها الرشيد المسدد وما فقد الماضون مثل محمد ... ولا مثله حتى القيامة يفقد ومن السهل الممتنع في رثاء الرسول قول حسان: كنت السواد لناظري ... فعمى عليك الناظر من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر ورثى حسان عمر حين اغتاله فيروز في أبيات منها: وفجعنا فيروز لا در دره ... بأبيض يتلو المحكمات منيب وعنى بالأبيض: النقي السريرة وبالمنيب: الراجع إلى الله في كل ما أمر به. وعاش حسان أيام فتنة عثمان دامي القلب يرقب الأحداث التي تعصف بالمسلمين، ويرى أصابع ابن سبأ تعبث بالعقول في مصر والكوفة والبصرة وفي غيرها من الحواضر الإسلامية، ثم رأى الفتنة وهي تقلق مضاجع الآمنين في المدينة، ثم رأى الخليفة وهو طعمة للألسنة تنهشه من كل جانب، وفي غمار المطاعن أبصر الثائرين يقذفون الخليفة بالحصى، ثم رأى الثورة تموج شرورها وتصطخب حتى تمزق الخليفة وهو بين يدي كتاب الله، وقد ترجم حسان بعض جوانب الفتنة وهدد وتوعد الثائرين في قوله: إن تمس دار ابن أروى منه خالية ... باب صريع وباب مخرق خرب فقد يصادف باغي الخير حاجته ... فيها ويأوي إليها الذكر والحسب يا أيها الناس أبدوا ذات أنفسكم ... لا يستوي الصدق عند الله والكذب ألا تنيبوا لأمر الله تعترفوا ... بغارة عصب من خلفها عصب فيها حبيب شهاب الحرب يقدمهم ... مستلئما قد بدا في وجهه الغصب في هذه الأبيات يبصر حسان بالغد وما يجر وراءه إن خلت دار عثمان منه وانتهكت حرماتها ثم يهدد الثوار بموقف حاسم تتحرك فيه الجيوش من أطراف الملك الإسلامي وبينهم حبيب بن مسلمة الفهري شهاب الحرب وكان قد بعث به معاوية على رأس القوات التي تقدمت من الشام إلى المدينة حينما قامت الثورة ولكن حبيبا ما كاد يقارب المدينة حتى سمع نعي عثمان فعاد أدراجه بعد أن وقعت الواقعة، وذكر حسان في أبيات مآخذ الثوار على عثمان وما طلبوا منه قال فيها:

стр. 859

ما نقمتم من ثياب خلفة ... وعبيد وإماء وذهب (١) قلتم بدل فقد بدلكم ... سنة حرى وحريا كاللهب (٢) * * *

стр. 860

شعر حسان سجل للأنساب كان شعر حسان سجلا للأنساب التي ربما ضاعت في أعماق التاريخ وبخاصة في أهاجيه التي غاص فيها وراء الأنساب ليرى تناسل مهجوه من أمة وإن بعدت أو من عبد وإن نأى فيرمي مهجوه، ويسدد إليه الطعنات من ذلك الجانب، وإن إبرازه لمثل ذلك في شعره جعل من ذلك الشعر مرجعا لعلماء الأنساب ومن ذلك قوله في هجاء أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب: وإن امرأ كانت سمية أمه ... وسمراء مغلوب إذا بلغ الجهد وبهذا كشف نسب أبي سفيان بأن أمه كانت أم ولد كما كانت سمراء أم أبيه الحارث أمة كذلك وقوله في ابن الزبعري حين هجاه: قسامة أمكم إن تنسبوها ... إلى نسب فتأنفه الكرام وقسامة كانت أمة سوداء لقيس بن عامر الخولاني وهي أم سهم وجمح وهي جدة نائية لابن الزبعري ولكن حسان غاص وراء ذلك النسب حتى بلغ قسامة فرمى بها ابن الزبعري. وكذلك طعنه لصفوان بن أمية حين هجاه بقوله: من مبلغ صفوان أن عجوزه ... أمة لجاره معمر بن حبيب فوصمه بأن أمه كانت أمة لمعمر بن حبيب. وقد رمى قبيلة مزينة بأن أمهم كانت نوبية سوداء فقال في هجاء أحدهم: وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها الحنظب والحنظب نوع من الخنافس وأي تصوير لأنامل النوبية أدق من تشبيها في شكلها وتحركها بالخنافس.

стр. 861

وكم بين شعر حسان من كشف عن أنساب أولئك الذين تناولهم، ولقد كان معلمه الذي يقف به على دوحة الأنساب وفروعها والفروع التي تشابكت بها مع غيرها هو أبو بكر فهو خير ملم بأنساب العرب. * * *

стр. 862

شعر حسان الإسلامي تفور مشاعر الشعراء، وتنفعل أحاسيسهم بالمؤثرات التي تهز القرائح فتفجر ينابيع الشعر، وعلى قدر الانفعال بتلك المؤثرات تكون قوة الشعر أو لينه، ومشاعر الشاعر تختلف انفعالاتها باختلاف المؤثر والزمان والمكان والموقف، ويختلف الشعر تبعا لكل ذلك وتبعا لاختلاف الأغراض، بل قد يتفق الغرض وتختلف فيه القصيدة عن الأخرى، كل ذلك يمكن أن يقال في شعر حسان فلا نحكم له بقوة شعره الجاهلي كله ونرمي شعره الإسلامي باللين والضعف، ونتلمس الأسباب لنصم كل شعره الإسلامي بالضعف. والحق الذي يقال: إن شعر حسان كشعر غيره فيه القوي الرائع وفيه الضعيف، بل إن القصيدة الواحدة للشاعر نرى فيها بيتا يحملنا على أن نحكم له بأنه (عين القصيدة) وإلى جانبه أبيات لا عمق فيها ولا قوة فما لنا نتجنى على حسان المسلم ونتحامل على شعره الإسلامي كله فنصمه بالضعف ولعلنا وفينا بما قدمنا حق شاعر الرسول ﷺ على الأجيال جزاء ما قدم من أعز ما يملكه العربي ليدرأ عن الرسول ألسنة الخائضين وهو العرض حيث قال: فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء جزاه الله عما قدم أحسن الجزاء

стр. 863

الدكتور: محمد محمد خليفة علي ولد سنة ١٩٠٩ بمحافظة بني سويف إحدى محافظات جمهورية مصر العربية، وحفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره، ثم التحق بالأزهر. حصل على الشهادة العالية في كلية اللغة العربية سنة ١٩٣٦ والعالمية مع إجازة التدريس سنة ١٩٣٨ وعين في نفس العام مدرسا في الأزهر وارتقى إلى مدرس أول. فمفتش للغة العربية، فمدير عام لامتحانات الأزهر، فمدير عام للتعليم الثانوي، وانتهت مدة خدمته سنة ١٩٧٥. وفي سنة ١٩٦٦ - ١٩٦٧ حصل على الدكتوراه. في البلاغة والأدب من جامعة الأزهر بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، وندب إلى جانب أعماله للتدريس في المعهد العالي للدراسات الإسلامية والعربية التابع لجامعة الأزهر. وبعد انتهاء خدمته تعاقد مع الجامعة الإسلامية في المدينة للتدريس بها وما زال يقوم بتدريس أدب اللغة في كليتي الشريعة واللغة بالجامعة الإسلامية. مؤلفاته: ١ - كتب في البلاغة والأدب. تدرس في الأزهر من خمسة عشر عاما. ٢ - كتب في الأدب درست في المعهد العالي للدراسات الإسلامية والعربية التابع لجامعة الأزهر. ٣ - تعليق على شرح ابن عقيل في النحو والصرف، درس في المعهد العالي للدراسات الإسلامية والعربية. ٤ - مذكرات في الأدب تدرس حاليا في الجامعة الإسلامية في كليتي الشريعة واللغة. ٥ - كتاب مع نزول القرآن مطبوع. ٦ - كتاب: مع الإيمان في رحاب القرآن " يقوم بطبعه المجلس الأعلى للشئون الإسلامية ". ٧ - كتاب كبير عن الخطابة في صدر الإسلام لم يطبع ". ٨ - قصة شعرية في تاريخ عمر بن الخطاب مطبوعة. ٩ - ديوان شعره لم يطبع. ١٠ - بحوث أدبية في موضوعات مختلفة. ١١ - مقالات إسلامية تنشر في الصحف الإسلامية في مصر وغيرها.

стр. 864

محمد أحمد العزب الأمومة والطفولة في الإسلام يخيل إلي أننا أمام هذا البحث في إطار من حتمية الإجابة عن هذا السؤال: هل هناك فواصل منظورة أو مستورة بين الأمومة والطفولة؟ أم أن هناك وشائج خالدة وواطدة بين الطفولة والأمومة ليس إلى تحديها من سبيل؟ ويخيل إلي. . . أننا حين نخلص إلى إجابة صادقة عن هذا السؤال نكون قد خلصنا من خلال ذلك إلى مواجهة الموضوع هكذا في تبلج وائتلاق. . .

стр. 865

وفي يقيني أننا نسبح في الطين إذا بدأنا مثل هذا البحث هكذا في عفوية عريانة، لا تتعمق حقائق هذه الروابط، ولا تهوم خلف آفاقها البعيدة لمعانقة مشارقها الأصلية. . . ولنبدأ معا. . . هل هناك أمومة بدون طفولة؟ أو طفولة بدون أمومة؟ الذي أعرفه أن " شيئا " لا يمكن أن ينبثق هكذا من " لا شيء " وأن صفة " الأصل " لا نخلعها إلا على ما يحمل في طبيعته الوجودية أفرعا وأغصانا. . . * * * الأمومة لا يمكن أن تتحقق إلا بتحقق مقدماتها. . . وأعني بمقدماتها الإنجاب. . . والطفولة لا يمكن أن تولد من فراغ، أو تنبثق من عدم. . . لا بد لها من أمومة. . . ومن هنا. . . يتأكد لدى البداءة في غير تعمل أو اعتساف، أن تلازما جذريا خالدا ينهض بين الأمومة من جهة. . . والطفولة من جهة أخرى. . . ومن هنا يتحتم كذلك أن تتعانق المجالات وتتشابك، فلا تقوم الحواجز الشاهقة بين طبيعة الحديث عن الأمومة. . . وطبيعة الحديث عن الطفولة. . . قد يقال هنا: ليس من اللازم أن توجد الطفولة ليتحقق معنى " الأمومة " في الأنثى. . . فما أكثر ما رأينا عبر أجيال البشر، ومراحل التاريخ من أمهات، لم يعقبن ذكرا ولا أنثى، ومع ذلك فقد كن أمهات رائدات. . . أليست أمهات المؤمنين - مثلا - لنا أمهات. . . مع انحسام الروابط المادية بيننا وبينهن؟ ". . . قد يقال هذا في مثل هذا الصدد. . . ولكنه لن يخرج عن أن يكون حيلة ذهنية بارعة، تلفتنا عن الحقائق الموضوعية المنشودة في مثل ذلك البحث، لتتوه في مجاهيل التربص الفكري، الذي يترك الأعماق ويطفو على السطح في حركة رعاشة رعناء! نحن لا نجهل أن أمهات المؤمنين لنا أمهات. . . ولا نجهل كذلك أن كل أنثى في تاريخ البشر، مهما كان لونها. . . أو جنسها. . . تتربع على عرش الأمومة " الروحية " للملايين. . . إذا استوت على أفق معين من آفاق التفوق الإنساني. . . ولكننا هنا - في مثل هذا البحث - لسنا بصدد الحديث عن الأمومة بمعناها العائم الغائم، وإنما نحن بصدد الحديث عن الأمومة " النوعية " التي تضم جناحيها على أفراخها الصغار، ساكبة حنان قلبها في حنايا قلوبهم، وناسلة ريش جناحها لتدفئ به قرهم، وسافحة أيامها ولياليها على أصابع الزمن، لترى - بعد رحلة ربداء - إلى أطفالها الصغار، وقد استووا أيقاعا. . . وتعملقوا رجالا. . .

стр. 866

نحن بصدد الحديث عن الأمومة الخالدة، التي عناها الابن البار الرحيم محمد رسول الله صلوات الله عليه وسلامه - بكلماته: «الجنة تحت أقدام الأمهات (١)». ولنا بعد ذلك جولة مترامية المدى مع ألوان أخرى من الأمومات. . . ولكني أتساءل: هل الإسلام هو الدين الوحيد الذي انحنى في غبطة وشمول على الأمومة الحانية. . . والطفولة الخضراء؟ أم أن كل شرائع الأرض والسماء قد عرفت لهذين الكائنين حقهما من العطف. ونصيبهما من الرعاية والتكريم أم أن للإسلام موقفا خاصا يتميز به بين سائر الشرائع، وكافة القوانين؟ يجعل لموقفنا من الأمومة والطفولة على السواء فلسفة خاصة واتجاها فريدا؟ وهذا هو الذي ستجيب عنه هذه الصفحات. . . ولكن. . . قبل أن نمضي مع الإسلام الرائد في رحلته مع الأمومة والطفولة. . . لا بد لنا من إلمامة خاطفة بمكانة كل منهما فيما عدا الإسلام من نظم. . . وفيما سوى الشرق من أرجاء. . . حتى يتسنى لنا من بعد أن نقيم موازنة عادلة بين فلسفة الإسلام في هذا الصدد، وبين فلسفات أخرى نبعت من هنا أو من هناك. . . * * * وأول ما يبدو هنا حين نبغي مقارنة، أو نهدف إلى موازنة. . . المجتمع الجاهلي، الذي جاء الإسلام لتصحيح مفاهيمه وتعديل أوضاعه. كيف كان وضع الأم في هذا المجتمع؟ وكيف كانت رعاية الطفولة فيه؟ أما كيف كان وضع الأم في المجتمع الجاهلي؟ فأبسط ما يقال فيه. . . أنه وضع تؤهل له طبيعة عربية متأبية، ترى في عراقة الأصل، وطيب الوعاء، وشموخ النسب. . . جحافل من المعاني تقاتل في حومة النزال مع الجحافل الضارية. . . حتى لقد كان مجرد تعريض الأم للون من ألوان الضعة، أو شكل من شكول الهوان، يثير في آفاق هذا المجتمع حربا ضارية ضروسا، لا يعلم أحد ما مداها، ولا إلى أي حد ينتهي بها الجماح!! * * * ولقد حدثوا أن عمرو بن هند ملك الحيرة قال يوما لجلسائه: هل تعلمون أحدا من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟

стр. 867

قالوا: نعم. . أم عمرو بن كلثوم. قال. . ولم؟ قالوا: لأن أباها مهلهل بن ربيعة، وعمها كليب وائل أعز العرب. . وبعلها كلثوم بن مالك أفرس العرب، وابنها عمرو بن كلثوم وهو سيد قومه وليث كتيبته، فأرسل عمرو بن هند إلى عمرو بن كلثوم يستزيره ويسأله أن تزور أمه أمه. فأقبل ابن كلثوم من الجزيرة في جماعة من بني تغلب، وأقبلت " ليلى " أمه في ظعن منهم. . وأمر عمرو بن هند برواقه فضرب فيما بين الحيرة والفرات، وأرسل إلى وجوه أهل مملكته فحضروا. . ودخل ابن كلثوم إلى جانب الرواق، وكان بين الاثنين صلة نسب. . قالوا. وقد كان عمرو بن هند أوصى أمه أن تنحي الخدم إذا دعا بالطرف. وتستخدم " ليلى ". فلما فعل قالت هند لزائرتها بعد أن اطمأن بها المجلس: ناوليني " يا ليلى " ذلك الطبق. . فقالت " ليلى " في نفور وأنفة: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت هند عليها وألحت. وإذ ذاك صاحت " ليلى " واذلاه: يا لتغلب! فسمعها ابنها فثار الدم في وجهه. . وانتقض انتفاضة المحموم وقال: لا ذل لتغلب بعد اليوم. ثم نظر حوله فإذا سيف معلق بالرواق ليس هناك سيف غيره، فوثب إليه مهتاجا وأطاح به رأس ابن هند!! وأنشد يومئذ معلقته مرتجلا: أبا هند فلا تعجل علينا ... وأنظرنا نخبرك اليقينا بأنا نورد الرايات بيضا ... ونصدرهن حمرا قد روينا ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا بأي مشيئة عمرو بن هند ... تطيع بنا الوشاة وتزدرينا تهددنا وأوعدنا رويدا ... متى كنا لأمك مقتوينا على آثارنا بيض حسان ... نحاذر أن تقسم أو تهونا إذا لم نحمهن فلا بقينا ... لشيء بعدهن ولا حيينا ومهما يكن من أمر هذه الحادثة. . صدقا، أو إحالة، أو تزييفا. . . فإنها أبدا لا تفقد ظلالها الرائعة العميقة، التي تؤكد دور الأم ومكانتها السامقة في هذا المجتمع الجاهلي العريض. . . * * * أرأيت كيف أن محاولة للتهوين من شأن " أم " كانت سببا في قتل ملك. . وثورة قبيلة؟ إن مثل هذا المجتمع كان من غير شك يقدس الأمومة، ويرى فيها حمى لا بد أن يحمى. . ومعنى خالدا كبيرا لا بد أن يصان. . . * * * وإذا أردنا مزيدا من الوثائق التاريخية التي تؤيد هذا المنزع، وتزكي هذا الاتجاه. . فحسبنا أن نرجع

стр. 868

إلى أسماء طائفة من قبائل العرب، وبطونها. . لنرى كيف كانوا يعتزون حتى بالانتساب إلى الأم. . ويرون في ذلك مفخرة لهم. . وتخليدا لذكراها. . وقلب معي صفحات التاريخ، فستلتقي لا محالة برتل من هذه الأسماء: كبني الخندف. . وهي ليلى بن عمران القضاعية وعنها تشعبت بطون كثيرة من العرب كهذيل، وكنانة، وأسد. . وكأم الخندف: وهي ضرية بنت ربيعة بن نزار التي ينسب إليها حي ضرية. . وكبني جديلة: بنت مدركة بن إياس وإليها تنتسب قبيلة عدوان. . وكذلك بنو جندلة. . وبنو بجيلة. . وبنو العبدية. . ورقاش. . ومزينة وعفراء. . وباهلة. . وسلول. . والعبلات. رهط الثريا بنت عبد الله بن الحارث صاحبة عمرو بن أبي ربيعة نسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد الله بن جاذب (١) هذا قليل من كثير. . لو شئنا أن نتتبعه عبر أجيال العرب لما وسعنا مثل هذا البحث، وليس من همنا أن نحشد هنا نقولا تاريخية مكدسة. . فإنها ليست من غرضنا في هذا الصدد وإنما الذي نهدف إليه. . أن نستشف من خلال حادثة أو حوادث، ما وراء النص من عوامل الفخر بالأم، ونوازع التقديس لمكانتها، وحوافز الثورة لما عساه أن يجرح كبرياءها الأصيل. . * * * ولأن العربي كان يعرف وضع الأمومة وما يعكسه هذا الوضع على أبنائها من ظلال، فقد حرص على أن ينتخب لأولاده أما لا تهون، ولا تطأطئ في مواقف الفخر، ومجالات المباهاة. . قال أعرابي لبنيه: يا بني. . إني قد أحسنت إليكم صغارا، وكبارا، وقبل أن تولدوا. قالوا: وكيف أحسنت إلينا قبل أن نولد؟ قال: اخترت لكم من الأمهات من لا تسبون بها!! قد يقال هنا: إن ذلك كان وحي شعور الرجل المؤمن بدونية المرأة. . إنه كان لونا من ألوان العطف على الكائن الأدنى ليستشعر الحياة. . ويحس الكرامة. . ولم يكن لذلك كله من أثر عميق في نفسية المرأة ينعكس على موقفها. . أو يورق في واقعها الحياتي. . فلقد كانت دائما تعيش في إطار من إحساسها العارم بدونيتها؟!! ولكني لست من هذا الرأي. . ولا أستطيع أن أكون منه. . فليس بصحيح أن ذلك كان إحساس العربي " الرجل " فحسب. . بل كان كذلك إحساس العربية " الأنثى ". . كانت تعرف دورها كأم. . ومكانتها كصانعة أجيال، ومن هنا فقد تأبت على كل ما يشدها إلى الحضيض، أو يعفر جبهات أبنائها. . حدثوا أن سلمى الغفارية وقعت في حبائل الأسر. . وتزوجها الشاعر الفارس عروة بن الورد، وأنجب منها أولادا. . وأحبته ملء عيونها. . ووسع أشواقها. . ولكنها رغم ذلك كله حدثته ذات يوم قائلة: ألا ترى ولدك يعيرون بأمهم ويسمون بني الأخيذة؟

стр. 869

قال: فماذا تريدين؟ قالت: أن تردني إلى قومي حتى يكونوا هم الذين يسلمونني إليك!! هذا موقف من مواقف الصدق الفطري، الذي يوائم طبيعة العربية الحرة، حين تثور في أعماقها المتفتحة نوازع الاستعلاء على نوازع الهبوط. . وحين تنتصر في نفسها كرامة الإنسان على خوالج المحب العاشق المفتون. . هذه نظرة عجلى نلقيها على مكانة الأم في المجتمع الجاهلي. . لنخلص من ذلك إلى أن الأمومة في كل طور من أطوار الزمن معنى تقدسه الأجيال، ولو لم تقم على حراسته شريعة. . حتى ولو لم تؤكده رسالات الهداة المصلحين. * * * وإليك وصية من وصايا مصر القديمة يوجهها والد إلى ولده فيقول: " يا بني " ضاعف الخير لأمك، واحملها إن استطعت كما حملتك. . فطالما تحملت عبئك ولم تلقه علي، وعندما التحقت بالمدرسة وتعلمت الكتابة فيها. . واظبت دوني على الذهاب إليك فالطعام والشراب من دارها كل يوم، فإذا شببت وتزوجت واستقررت في دارك فضع نصب عينيك كيف ولدتك أمك. وكيف حاولت أن تربيك بكل سبيل!! هذه منزلة الأمومة في المجتمع الجاهلي. . وفي غيره من المجتمعات. . فهل كان للطفولة مثل هذه المنزلة؟ أم أن الأمومة قد استأثرت بكل ما هنالك من عواطف الحب، ومشاعر التكريم؟ الذي نعرفه. . وتؤكده السواند التاريخية الصادقة، أن مثل ما قد حظيت به الأمومة في المجتمع الجاهلي - لأنها سبب وجود ومعدة أجيال - قد حظيت به الطفولة في هذا المجتمع؛ لأنها امتداد هذا الوجود، ولأنها لبنات هذه الأجيال. . وهو وضع طبيعي لا ينبو عن فطرة البشر، ولا يصادم حقائق الأشياء. . فهل أستطيع مثلا أن أعشق الأرض الخصبة وهي جرداء من كل شيء. . حتى ولو كانت في أطوائها طبيعة الخصب المعطلة ملء الوجود. . أم تراني أعانقها وأعشق ذراتها بعيوني حين تتفتح هنا عن ثمر. . وتبتسم هناك في شجر. . وتتألق في أرجائها الفساح آلاف الورود؟ إنني أحبها هكذا. . لأنني أحب ما على صدرها الرحيب من معطيات. . فإذا جاء العربي وأحب الأمومة وبارك خطواتها البيضاء. . فلأنه يرى فيها طبيعة الأرض المثمرة، أو طبيعة الشجرة المزهرة، أو طبيعة الأنثى التي تنبثق من أعماقها براعيم الحياة. الطفولة إذا. . أهداب أعين الرجال، وفلذات أكبادهم تمشي على الأرض. . أليس العربي كان

стр. 870

مجنونا بغريزة الاستعلاء، والتفوق على من عداه؟ وكيف يتحقق له ذلك الأمل ما لم يكن له من أبنائه جيل وفير؟ إن أقرب مثل يمكن أن نسوقه هنا في هذا الصدد. . موقف عبد المطلب جد الرسول. . حين نذر - إن رزقه الله عشرة بنين - أن يذبح واحدا منهم تقربا إلى الآلهة، وشكرا لها على عطاياها. . وما أهول الفداء الذي كاد أن يسفح على مذبحه الرهيب دماء عبد الله. . والد النبي العظيم. . إن ذلك لم يكن نتيجة عفوية لنزوة طائشة، أو لوثة حمقاء. . إنه كان وليد إحساس عميق بخطورة الولد في مثل هذه البيئة التي تفجرت عن مثل هذا الوضع الراعب الرهيب!! وتسألني: فما تقول في موقف العربي من طفولة أخرى، غير طفولة الولد. . طفولة البنت؟ لقد نعى القرآن عليه انقباضه الشاحب حين كان يبشر بمولودة أنثى. . ولطالما ارتعشت في ذهنه الأسئلة: أيمسكه على هون؟ أم يدسه في التراب؟ وكم وارى التراب الأصم من طفولات نسائية عزلاء؟!! فأجيبك: أجل. . لقد كان العربي يأسى لأن وليده أنثى. . ولقد كان كذلك يواريه التراب. . أو يوشك أن يواريه التراب؛ لأنه ليس من فصيلة الذكور!! ولكن. . هل فعل الأعرابي ذلك كله لأن طبيعته المركوزة في أعماقه - كإنسان - تعطفه على الذكر، وتباعد بينه وبين الوليدة الأنثى؟ أم أن هناك بواعث خفية، وحوافز خلقية دفعت به إلى مثل هذا التصرف الراعن الوبيل؟ أكاد أؤكد أن الحب - لا الكراهية - هو الذي كان يدفع بالعربي إلى هذا المنحدر. . فلقد كان لفطريته الساذجة يرى في البنت كائنا زجاجي المصير، إن تعرض للخدش أو للتحطيم فلن تلتئم جراحاته النازفة بكل ما على الأرض من قدرات. . كان يحبها أكثر مما يحب الولد. . أو كما يحب الولد. . ولذلك فقد كان يحيا بمشاعره الرهيفة في أبعاد مصيرها المنشود، فيهوله ما قد تتعرض له الأثيرة المرموقة من أذى. . أو ما قد يلحق بها من العار. . فينطلق في حمى ذلك الإحساس المستوفز الطافر إلى مواراتها حية في التراب. . أنا معك في أن أسلوبه في التعبير عن نفسه كان ضربا من الخطأ. . وجنوحا ذاهلا عن سواء الطبيعة. . ولكن. . ألسنا جميعا ذلك الرجل؟ ألسنا نعض الرضيع من كثرة ما نحبه؟. . ألسنا نضمه إلى أحضاننا ضمة هوجاء. . قد تذهب بحياته الغضة. . فإذا هو هباء. . في هباء؟!. . ثم إنني لست عن هذا وحده أتحدث. . أعني: لست عن تصرفه الخاطئ أبحث. . ولكنني أغوص على البواعث البادية أو المستترة وراء هذا التصرف أو ذاك. . لقد كان العربي يحيا في بيئة عريانة ضاحية، متعرضا لانقضاضة من هنا. . أو فجاءة من هناك. . فإذا أبناؤه أشلاء ممزقة. . وإذا بناته سبايا مسترقات. . وهو قد أعد أبناءه من قبل لأمثال هذا المصير. . ولكن

стр. 871

بناته حينما يتعرضن لشيء من ذلك ولو يسير. . فهو شعور يمض العربي. . ويقضه. . ويجعله دائم الأهبة لمصيره المرتقب. . إن لم يكن بتحصين قلاعه - وقليلا ما يستطيع - فليكن بإقفازها مما يحب، أو مما يقدس. . أو مما يأسى لفراقه وضياعه. . واستمع إلى القرآن حيث يقول: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ (١) ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢)! النحل ٥٨، ٩٩ " وحدق معي قليلا في قوله: " على هون " فلعلنا في ظلالها نلتقي. . واستمع معي إلى الشاعر العربي، الذي يرى في الطفلات عالما من العواطف الجياشة والأحاسيس النبيلة المنهمرة التي تشده إلى الحياة، وتعمق صداقته للوجود: لولا بنيات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا. . تمشي على الأرض إن هبت الريح على بعضهم ... امتنعت عيني عن الغمض لقد كانت اهتمامات العربي الجاهلي بالطفولة معادلة تماما لاهتماماته بالأمومة، لا فرق في ذلك بين طفولة " ذكر " وطفولة " أنثى " إلا بمقدار ما تتباين غرائز البشر، وتتباعد طبيعة الأجواء البيئية المختلفة. . وليس في ذلك ما يستغرب أو يعاب؛ لأن طبيعة الحياة هكذا. . حيث لا تجد ههنا نقصا. . لا بد أن تجد ثغرة في كمال!! * * * فإذا انتقلنا إلى مجتمع كالمجتمع المصري القديم لنقف على حقيقة وضع الطفولة فيه، لراعنا ما تلقى هنالك من عطف، وما تحاط به من رعاية وتكريم. . وهذا ورد من متون التوابيت يتحدث على لسان والد نعم بسعادة الدارين بفضل ولده فقال: " أصبح مقعدي في حوزتي، ولم يكن أبي هو الذي وهبه لي، وليست أمي هي التي وهبته لي، ولكنه وريثي الذي أعطاني إياه. . . ". ويكتب صديق إلى صديقه الثري العقيم: " إنك وإن تكن موفور الثراء إلا إنك لم تعمل على أن تهب شيئا لأحد، وأولى بمن لم يكن له ولد أن يتخير لنفسه يتيما يربيه، فإذا نما عنده صب الماء على يده، وأصبح كأنه الولد البكر من صلبه ". . . هكذا. . . نحن إذا على وفاق. . على وفاق من أن كل المجتمعات قد أعطت للأمومة الرائعة والطفولة الخضراء ما

стр. 872

يستأهلان من عطف؛ وما يستحقان من تكريم، على تباين هنا وهناك في " مقادير " العطف والتكريم ومفاهيمهما " كذلك! فإذا انتهينا إلى هذه النتيجة الوامضة الجليلة فماذا يبقى هناك؟ أليس يقال: أي شيء فعله الإسلام في هذا الصدد سوى أنه أقام على هذا الجدار الشامخ سطرا أو سطرين. . أو سطورا؟ ثم ألا يتعارض هذا مع ما أسلفنا من مطالع هذا البحث من أن للإسلام في هذا السبيل فلسفته الخاصة وإطاره الذاتي؟ أجل. . إنه يتعارض في مفاهيم النظرة العجلى والبداءة المبتسرة، التي ترى في كل قانون من قوانين الحياة شكله العدائي الذي لا يلتقي مع غيره من قوانين. . ولكنه لا يتعارض أبدا مع مفاهيم النظرة المستأنية، والبديهة الصافية، التي تحاول في صداقة وحب أن تعقد بين نواميس الحياة، وقوانين الوجود وشائج القربى وأسباب اللقاء. . لقد كان للإسلام توجيهه السليم بالنسبة لغرائز البشر فلقد عدلها لتتسق مع مفاهيمه، وتتساوق مع طبيعته كدين. . إن الإسلام لم يحرق نبات الأرض لأنه نما في ظلال غير ظلاله الفيحاء. . ولكنه مع ذلك أكد شخصيته المميزة، وطبيعته الغنية، وفلسفته النابعة من أعماقه، لا الوافدة إليه من هنا. . أو من هناك. . ومن خلال هذه الصفحات القادمة. سنبصر معا مطالع هذه الفلسفة، ومفاهيم هذه النظرة، لنؤمن معا بأن الإسلام دين رائد فذ، له في عالم الطبائع والمثل والقوانين دور الريادة الحكيمة العالمة، التي تشكل في تاريخ البشرية محورا لا يهتز ومشعلا لا يخبو، ونبعا لا يغيض. . ولنبدأ برحلتنا. . أعني رحلة الإسلام مع الأمومة في القرآن.

стр. 873

الأمومة في القرآن ولعل من الطبيعي جدا أن يلتفت الباحث في موضوع كهذا أول ما يلتفت إلى القرآن الكريم، كتاب الإسلام الخالد، ودستوره الجامع، وموسوعته الشاملة، ليرى كيف أن للأمومة والطفولة فيه ذروة سامقة، وقمة شاهقة، وحديثا مع الأيام لا يبلى. . ولا يمل. أليست الأم مصدر حياة ومرفأ حنان؟ أليست مصدر إشعاع يشكل هذه العجائن الطيعة ويدفع بها إلى خضم الوجود؟ أجل إنها كذلك. . ومن هنا فقد حرص القرآن على

стр. 874

تزكيتها، وتكريمها والارتفاع بها إلى مستوى شاهق نبيل. . وللقرآن في حديثه عن الأمومة أسلوب متميز، وفلسفة معينة، من العسير على كل ذي بديهة متفتحة أن يلمحها من خلال السطور. ولكن. . أليس من الأجمل أن نرجئ الحديث القرآني عن الأم في إطاره العام، حتى نقف أولا مع أمومات ثلاث؟ أم إسماعيل. . وأم موسى. . وأم المسيح؟ إن الحديث القرآني عن هذه الأمومات يبرز لنا إلى حد بعيد ضخامة العبء الذي تنهض به الأمومة من جهة. . وروعة الاحتفاء القرآني بهذه الناهضة بأعبائها من جهة أخرى. . وحين تتكامل هذه الصورة بظلالها المرهفة وأضوائها الوهاجة. . فإنها تعطي من غير شك انطباعها الصادق في هذا الصدد العظيم. . * *

стр. 875

أم إسماعيل (١) وأم إسماعيل هاجر. . هي تلك الجارية الأمة، التي لا حول لها ولا طول. . جاءت بها السيدة سارة إلى فلسطين من مصر. . بعد رحلتها مع زوجها إبراهيم. . حين خرج بدينه إلى هناك، نافضا عن كاهله العظيم غبار الوثنية، وأوقار الضلالات. . وكانت سارة عاقرا. . لا تحمل. . ولا تلد. . فأشارت على الخليل أن يبني بهاجر فبنى! ثم حملت هاجر. . وولدت. . فولدت إلى جوار وليدها المحنة!! قالت سارة لإبراهيم: أنا دفعت إليك جاريتي فلما حملت ترفعت علي!! فرد إبراهيم في حنان صيب. . ورثاء دامع لتلك الأنثى المجروحة الغيرى: هي جاريتك تفعلين بها ما تشائين! حينئذ ظهر الغضب في صوت سارة. . وأقسمت ألا يؤويها وصاحبتها بيت بعد اليوم!!

стр. 876

وبدأت خيوط المأساة تتجمع وتتشابك. . لتنفرج من بعد وتعتنق. . حينما حمل إبراهيم زوجته هاجر وابنها إسماعيل. . وانطلق بها ضاربا في التيه. . وعند ربوة حمراء تسامت أطلال البيت العتيق، ترك إبراهيم وليده الغض. . وأم وليده العزلاء. . وما كان لدى الأم ووليدها من رزق في هذا الوادي الجديب الأجرد. . سوى جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء. . ولا بد للتمر أن ينفد، ولا بد للماء أن يتلاشى. . فماذا يخبئ الغيب لهما من مصير؟ لأفسح أنا المجال لابن عباس يحدثنا حديث هاجر الأم. . وابنها إسماعيل الرسول. . يقول ابن عباس: ". . ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ من أحد. . وليس بها ماء. . فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. . ثم قضى إبراهيم منطلقا. . فتبعته أم إسماعيل. فقالت: يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. . ثم رجعت فانطلق إبراهيم. . حتى إذا كان عند الثنية لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١) وجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء. . حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. . فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر. . هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. . فهبطت من الصفا. . حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. . ثم أتت المروة فقامت عليها. . فنظرت هل ترى أحدا. . فلم تر أحدا. . ففعلت ذلك سبع مرات. . قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما (٢)» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا. . فقالت: صه. . تريد نفسها. . ثم تسمعت أيضا. . فإذا هي بالملك عند موضع

стр. 877

زمزم، فبحث بعقبه. . أو قال بجناحه. . حتى ظهر الماء. . فجعلت تخوضه. . وتغرف منه في سقائها وهو يفور بعدما تغرف فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة. . فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه. . وإن الله لا يضيع أهله. . وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية. . تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. . فكانت كذلك حتى مرت بهم قافلة من جرهم مقبلين عن طريق كداء. . فنزلوا في أسفل مكة. . فرأوا طائرا عائقا: فقالوا: إن هذا الطير ليدور على ماء. . لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. . فأرسلوا جريا أو جريين. . فإذا هم بالماء. . فرجعوا وأخبروهم بالماء. . فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء. فقالوا: أتأذننين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. . ولكن لا حق لكم في الماء. . قالوا: نعم. . وشب الغلام " إسماعيل " وتعلم العربية منهم. . وأعجبهم. . فلما أيفع واكتمل روجوه، وماتت أم إسماعيل. لتترك في الأرجاء حديثا هائلا ضخما. دائما يدوي. . وكيف تنسى ذاكرة الزمن، أو راعية الأيام أم إسماعيل. . وقصة بطولتها الخالدة تلهج بها ملايين الألسن كل يوم. . فيما يتلونه من كتاب الله، وآياته الغراء. * * * إنني ألمح من خلال الجهاد الرائع الذي كابدته أم إسماعيل عبر نزولها في واد غير ذى زرع، وذلك بمعاناتها للظمأ القاتل الرهيب. . ثم مسعاها اللاهف بين الصفا والمروة باحثة عن خيط يشدها ووليدها إلى الحياة. . إني ألمح من خلال ذلك كله. . ليس إنفاذ وعد الله فحسب. . بل كذلك تخليد دور الأمومة الرائعة، التي تحترق لتضيء للملايين. ومع إسدال الستار على هذه القصة القرآنية، نحس من أعماقنا المسلمة عن كثب أن صوت القرآن العظيم غض عذب، يردد في مسامع الإجيال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١)

стр. 878

﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (١) ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (٤) * * *

стр. 879

أم موسى (١) ومع الأصداء الأخيرة الحلوة لهذا الترتيل. . نصعد معا إلى جبل آخر من جبال النور. . لنعانق أبعاد ملحمة أبطالها. . أم. . . ونبي. . وشخوص أشتات متباينة من البشر المتباينين. نحن مع موسى وأمه. . مع الأمومة البطلة الفدائية، التي صممت على أن تهدي الحياة ربيعها الأخضر متمثلا في بشر رسول. . فعاشت من خلال هذا العمل العملاق. . صورة حية وامضة لكل ما في الأمومة من نداوة الحب. . وخصب العاطفة. . وإثراء الوجدان. . وبسالة الإصرار. . نحن مع موسى وأمه إذن من خلال ما يحدثنا به القرآن (٢). وما أصدق حديثه وأعذبه وما أخلد آياته وأروعها. . والقرآن هنا لا يحدثنا عن والد موسى (٣). . وإنما يخص بالذكر أمه. . لأنها كانت بطلة الموقف. . وحاملة عبئه. . والمناضلة بعواطفها الأصلية عن وليدها الأثير. . وتبدأ القصة بداية راعبة. . وشاحبة. . تبدأ برؤيا يراها فرعون. . تؤرق ليله، وترتق نهاره. . وتتركه في خضم متلاطم من الهواجس السافكة. . والوساوس الخانقة، والرؤى الشرهاء فيجمع في ذهول كهنته وسحرته، وكل المعبرين والمنجمين. . ويسألهم تأويل رؤياه. . فيقولون: يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك الملك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك، ويبدل دينك وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه! ". وهنا يجن جنون فرعون. . وينفجر في حناياه طوفان من الغضب العارم. . فيأمر في لوثة حمقاء بقتل كل غلام وليد، حتى لا يعانق الحياة هذا البازغ المنتظر الرهيب!

стр. 880

وبين هذه السحب المتراكمة المخيفة ولد موسى الكليم. . ويا له من ميلاد مفزع. . ذلك الذي يجيء عبر أنهار من دماء سبعين ألف شهيد وليد. . وكأنما أفزع أمه أن يولد لها غلام. . لأنها تعلم مصيره المحتوم. . ونهايته الأكيدة. . إلا أنها بحافز الحب الخلاق الذي يفرش دروبها المؤمنة. . تخبئ وليدها وراء أهداب العين. . وخلف أحناء الضلوع. . ولكن. . إلى متى يا أم موسى؟ وتصيخ في أمومة حادية معذبة. . فإذا بوحي هادئ منغوم يتردد في خلدها المرهف: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ (١) وتفعل الأم ما أمر به الله. . وتلقي وليدها. . في النيل. .! وكأنما جاشت نفسها حسرات بعد أن رأت الأمواج الغاضبة تتدافع في جنون حاملة تابوت وليدها الغض، تتأرجح به يمنة ويسرة. . وتغوص به مرة، وتطفو به أخرى. فهمست وهي تتراجع قافلة إلى دارها في ذهول: أليس كان في قتله راحة أندى من أن أطوح به هكذا في ضباب الضياع؟. . وكادت تتهالك من الأسى. . ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢) * * * ويمضي الموج. . أو يمضي التابوت بالموج. . ليرسو أمام قصر الطاغية. . ويلمحه الجواري إلى جانب الشاطئ يترجرج. . ويتأرجح. . فيلتقطنه. . ويذهبن به إلى آسية امرأة فرعون وتفتح آسية التابوت. . وتعانق صباحها ابتسامة " طفلة " بيضاء ترسم على أعماقها الجديبة صورة الأمل المرتجى. . وبراعم الحب الظامئ اللهيف! وتذهب به إلى فرعون في لهفة ظمأى مستوهبة إياه. . قائلة في ارتعاش أنثوي صارخ: فرعون. . ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٣) وتتنزى انتفاضة الغضب في عيني الطاغية. . مصرا على أن يعانق الطفل مصير آلاف من الأطفال سبقوه. . ولكن آسية اللهيفة ما تزال به - تهدهد ثورته - وتتسرب من نوافذ العاطفة إلى قلبه الصلد. . حتى يتلاشى أو ينهار. . ويأمر فرعون أن يستبقى الغلام. .
следующие страницы →