← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8156–8195 · переход к 8161.

стр. 8156

بضمان المؤمن كل ما يرجع فيه على المؤمن له من الأضرار التي أصاب بها غيره كحوادث السيارات والعمل. . كما يتناول التأمين على الأموال بتعويض المؤمن له عن الخسارة التي تصيبه في ماله. من سرقة أو حريق أو موت حيوان أو تلف زرع أو سيارة ونحو ذلك. ٤ - للتأمين وظائف: - منها أنه من عوامل إنماء الصناعة والتجارة بضمانه لرءوس أموالهما وتعويض التجار والصناع عما يصيبهم فيما يصدرون ويستوردون. . الخ، ومنها أنه أحد العوامل في إقامة البنوك والمصارف التي لها خدماتها في المرافق الكثيرة للحكومات والأمم. . ومنها أنه يساعد على تكوين رءوس الأموال للشركة والمستأمنين ولتكوين رءوس الأموال أثر بالغ في نماء الاقتصاد وسد الحاجات، وقد أجمل بعض من كتب في التأمين وظائفه في الأمان والائتمان وتكوين رءوس الأموال. . ٥ - أسس التأمين الفني: يقوم التأمين الفني على ثلاثة أمور: - أ- التعاون بين المستأمنين تحت إشراف المؤمن وتنظيمه، وهذا يحقق أمرين: - أولا- تجزئة المخاطر بتوزيع نتائجها على عدد كثير من المستأمنين حيث تدفع مما تحصل من الأقساط التي دفعوها دون شعور منهم بعبء ثقيل. ثانيا- كفالة الأمان للمؤمن بتوفر عدد كثير من المشتركين، وللمستأمن لثقته بقدرة الشركة على الوفاء بعد تكوين الرصيد.

стр. 8157

ب- المقاصة بين المخاطر بتنظيم توزيعها بين المستأمنين توزيعا عادلا، ويتوقف ذلك على المتشابه بين المخاطر وأن تكون عددا كثيرا لا نادرا، وأن لا تقع في زمن واحد، وأن تتحد في موضوعها وقيمتها. ب- جدول الإحصاء: تعتبر قواعد الإحصاء أساسا لقبول التأمين وتقدير قسطه وتقدير مبلغ التأمين وغير هذا مما يتوقف على الإحصاء.

стр. 8158

٦ - أركان التأمين وعناصره: - يرى جماعة ممن كتب في التأمين الفرق بين عناصر التأمين وأركانه، فجعلوا أركانه ثلاثة: التراضي بين المتعاقدين، ومحل التأمين، والسبب الباعث للمتعاقدين على إبرام عقد التأمين، وعند الشرح يفسرون محل التأمين بالخطر أو بثلاثة أمور: الخطر، والقسط، ومبلغ التأمين، ويفسرون السبب بالمصلحة التأمينية، وهؤلاء يرون أن عناصر التأمين هي: الخطر، والقسط، ومبلغ التأمين، والمصلحة التأمينية. ويرى جماعة آخرون منهم أن أركان التأمين وعناصره شيء واحد وهي: الخطر المؤمن منه، والأقساط التي يدفعهما المستأمن ومبلغ التأمين، والمصلحة التأمينية. . وبالمقارنة يتبين ما بين الرأيين من تداخل، والثاني منهما هو الظاهر. ٧ - خصائص عقد التأمين: - لعقد التأمين خصائص هي: - أولا: أنه من عقود التراضي فيعتبر فيه الإيجاب والقبول، ويخضع للقواعد العامة التي تحكم سائر العقود الرضائية.

стр. 8159

ثانيا: أنه عقد احتمالي، لأن كلا من المتعاقدين لا يعرف وقت العقد مدى كسبه أو خسارته حيث إنه تابع لأمر غير محقق الحصول أو غير معروف وقت حصوله ولذا قيل إنه من عقود الغرر، وإن نظم المؤمن عملياته وبناها على الإحصاء. ثالثا: أنه عقد مستمر لاستمرار المستأمن في سداد الأقساط واستمرار عهدة المؤمن إلى السداد. رابعا: أنه عقد إذعان، لإذعان المستأمن إلى قبول الشروط التي وضعها المؤمن دون مناقشة أو تعديل، ولذا حمى المسئولون المستأمن في تنظيم عقد التأمين فأبطلوا الشروط التعسفية، وفسروا ما كان غامضا في العقد لمصلحة المستأمن. خامسا: أنه عقد معاوضة، لالتزام المؤمن بمبلغ التأمين مقابل الأقساط التي يدفعها المستأمن. سادسا: أنه عقد ملزم للمتعاقدين، حيث ينشأ عنه التزامات متقابلة لكل منهما. سابعا: أنه من العقود المسماة التي تخضع للأحكام والقواعد المقررة في قانون المحاكم بخلاف العقود غير المسماة في القانون المحلي، فإنها تخضع للنظرية العامة للالتزام وللشروط التي اتفق عليها الطرفان. ثامنا: أنه من عقود حسن النية، لإذعان المستأمن للشروط دون مناقشة ولعدم معرفة المؤمن بحال المستأمن تفصيلا، ولذا يجب ألا يخفي كل من الطرفين عن الآخر شيئا من الأمور الجوهرية. تاسعا: أنه عقد تجاري يقصد المؤمن به الربح، وأما بالنسبة للمستأمن فهو تجاري إن تعلق بشئون تجارته.

стр. 8160

عاشرا: أنه عقد يؤخذ فيه بالسبب القريب في التسبب كتلف أمتعة من إلقائها حين الحريق أو تهدم بنيان من إطفاء الحريق بالماء، ولا يؤخذ فيه بالسبب البعيد كالزلازل والبراكين. . . ٨ - حلول المؤمن لحل المستأمن: - يحل المؤمن محل المستأمن بما دفع من تعويض عن الحريق ونحوه في الدعاوى التي للمستأمن قبل من تسبب في ضرره، ويكون ذلك في حدود المبلغ الذي دفعه المؤمن للمستأمن ما لم يكن من أحدث الضرر قريبا للمستأمن أو صهرا له يعيش معه أو يكون تابعا للمستأمن مسئولا عنه، وإذا تعذر الحلول بتنازل المستأمن عن مطالبة المتسبب برئت ذمة المؤمن من مسئولية التأمين براءة تامة أو جزئية حسب الأحوال. ٩ - وثيقة التأمين- أو بوليصة التأمين: - هي عقد بين المؤمن والمستأمن يبرم بعد اتخاذ إجراءات بينهما من المؤمن لمصلحته لإثبات حق كل منهما، وتشتمل على ما يلي: - أ- أسماء المتعاقدين ومحل إقامتها واسم المستفيد إن كان معينا. ب- وصف محل التأمين وصفا كاملا يتضمن بيان نوعه وجنسه ومحل خزنه إن كان مالا ومحل ونوع عمله إن كان شخصا. ج- وصف الخطر المؤمن منه وصفا دقيقا تنتفي معه الجهالة. د- مقدار سعر التأمين الذي يمكن أن يحتسب قسط التأمين على ضوئه.

стр. 8161

هـ- مقدار القسط الدوري وتعيين وقته، وطريق سداده. وبيان مدة العقد وتحديد نفاذه بذكر تأريخ ابتدائه وتاريخ انتهائه. ز- المبلغ المؤمن به، ويسمى رأسمال بوليصة التأمين. ح- الشروط الخاصة بالعقد المتعلقة بمصالح طرفيه. ط- توقيع طرفي العقد- المؤمن والمؤمن له وتأريخ التوقيع. ولوثائق التأمين تقسيمات عدة باعتبارات مختلفة: - أ- فتنقسم باعتبار مدة سريان العقد إلى وثيقة سنوية، وإلى وثيقة لفترة قصيرة- أي دون السنة- وإلى وثيقة لفترة طويلة- أيما أطول من سنة- وإلى وثيقة سفرية، وهي التي يتوقف أمد نفاذها على المدة التي يكمل فيها النقل، ولقصر المدة وطولها تأثير في إضافة زيادة إلى القسط وعدم الإضافة، وفي تعجيل دفع كامل القسط وعدم تعجيله. ب- وتنقسم من حيث نطاق ضمان العقد إلى وثيقة اعتيادية، وهي التي تضمن شيئا معينا من خطر معين، وهي أكثر الوثائق شيوعا، وإلى وثيقة عائمة، وهي التي تضمن شروطا عامة لتغطية شحنات متعددة لمدة غير محدودة بمبلغ تأمين إجمالي وبموجبها يلتزم المستأمن بدفع قسط التأمين بنسبة المبلغ الإجمالي مقدما ويكون قابلا للتسوية عند انتهاء عمليات الشحن، وإلى وثيقة عامة، وهي التي تصدر بالتأمين من أخطار متعددة يخشى حدوثها على أموال مختلفة، ولذا يستوفى بموجبها قسط تأمين إجمالي يشمل كافة الأخطار المؤمن منها. ج- وتنقسم من حيث قيمة التأمين إلى وثيقة محدودة، وهي التي حددت فيها قيمة التأمين بالنسبة لقيمة محل التأمين وقت العقد،

стр. 8162

وإلى وثيقة غير محدودة، وهي التي لم يجر فيها تحديد قيمة التأمين بالنسبة لقيمة المحل، فإن زادت قيمة محل التأمين على مبلغ التأمين فليس للمستأمن حق المطالبة بمقابل هذه الزيادة عند تحقق الخطر، وإن نقصت قيمة المحل عن مبلغ التأمين كان للمستأمن المطالبة برد نسبة معينة من قسط التأمين تحسب على أساس الفرق بين مبلغ التأمين وقيمة محل التأمين.

стр. 8163

١٠ - المشاركة في التأمين: - قد يؤمن شخص على شيء معين ضد خطر معين عند عدد من شركات التأمين، وتتجاوز جملة مبالغ التأمين القيمة الحقيقية لمحل التأمين، فيكون لمجموع شركات التأمين حق توزيع الخسارة بينهم حال الخطر على محل التأمين، كل منهم بنسبة مبلغ التأمين الذي التزم به، منعا للمؤمن له من أن يتخذ التأمين طريقا تجاريا للربح، كما أن للمؤمن له الحق في مطالبتهم بإعادة نسبة من قسط التأمين حسب نظام معروف يحكم بينهم في ذلك. ويشترط لتطبيق مبدأ المشاركة في التأمين ما يأتي: - أ- أن يقوم نفس الشخص بالتأمين على محل معين لدى مؤمنين عدة. ب- أن تشترك وثائق التأمين في تغطية نفس الأخطار. ج- أن تحمي هذه الوثائق مصلحة تأمينية معينة. د- أن تكون مبالغ التأمين في هذه الوثائق زائدة عن قيمة المحل. هـ- أن تكون هذه الوثائق سارية المفعول وقت تحقق الخطر.

стр. 8164

١١ - التأمين الاقتراني وإعادة التأمين: قد تختلف الأخطار التي جمعها المؤمن في طبيعتها وقيمتها فتعرضه لشدة الخطر، ولذا يحتاج إلى تنسيقها ليخفف عن نفسه، فيلجأ إلى التأمين الاقتراني أو إعادة التأمين، ويتبين الفرق بينهما مما يأتي: - أ- التأمين الاقتراني أن يحتفظ المؤمن لنفسه بجملة من التأمينات المتناسقة في حدود قدرته ويعرض ما بقي على مؤمنين آخرين، وعند تحقق الخطر يقوم كل من المؤمنين بما التزم به في حدود حصته مرتبطا بالمؤمن له مستقلا عن غيره من المؤمنين. ب- إعادة التأمين هي عقد يبرم بين هيئتين من هيئات التأمين تسمى الأولى معطية، والثانية معيدة، فتحيل الأولى بمقتضى العقد حصصا من الأخطار التي لديها إلى الثانية التي تتعهد بقبولها حسب شروط العقد، وتعتبر إعادة التأمين توثيقا للتأمين الأول، وكفالة له فقط. ونظرا لعدم التضامن بين المؤمنين في التأمين الاقتراني واختلاف إدارات شركات التأمين في نشاطها ووفائها، وتأخر دفع التعويض للمؤمن له نتيجة لذلك، ونظرا إلى زيادة الثقة في إعادة التأمين وتعجيل دفع التعويض لوحدة المسئول أمام المؤمن له وهو المؤمن الأول رغب المستأمنون في الشركات التي تلجأ في التنسيق إلى إعادة التأمين دون التي تلجأ إلى التأمين الاقتراني. ١٢ - نظريات التأمين: تتنوع نظريات التأمين تبعا للأسس التي بنيت عليها: اقتصادية، أو فقهية، أو فنية.

стр. 8165

أ- فللتأمين نظريتان من الناحية الاقتصادية، إحداهما التأمين للحاجة، والباعث على ذلك حاجة الإنسان إلى إشباع رغبته من متطلبات الحياة أو إزالة ضرورته الواقعة أو المتوقعة. والثانية التأمين للأمن، والباعث عليه خوف وقوع خطر على نفسه أو أملاكه فيؤمن ليطمئن قلبه. ب- وللتأمين من الناحية المدنية وقد تسمى الفقهية نظريتان: الأولى: التأمين عن الضرر والباعث عليه الرغبة في الحصول على التعويض عن الضرر الذي يصيبه عند وقوعه، والثانية التأمين في مقابل، بناء على أن التأمين عقد مبادلة بين الأقساط الدورية ومبلغ التأمين. ب- وللتأمين من الناحية الفنية نظريتان: الأولى: المقاصة المنظمة لتوزيع الأخطار على المستأمنين على ضوء أسس فنية، والثانية: نظرية المقاولة فنيا، بناء على أن كلا من مؤسسي شركات التأمين محترف، فكل مؤسسي شركة يديرون مقاولة على نظم معروفة، ويقومون بمقاصة على قواعد معلومة لديهم. . والله الموفق، وصلى الله على نبينا محمد وآله وسلم.

стр. 8166

الثاني: ذكر اختلاف الباحثين في حكمه وأدلة كل فريق منهم مع المناقشة: - اختلف الباحثون من الفقهاء في حكم عقد التأمين التجاري فمنهم من منعه مطلقا ومنهم من أجازه مطلقا، ومنهم من فصل في ذلك، وفيما يلي ذكر ما قيل في ذلك من الأدلة والمناقشة:

стр. 8167

ذكر كلام المانعين: أ- قال الباجي: ومن دفع إلى رجل داره على أن ينفق عليه حياته. روى ابن المواز عن أشهب: لا أحب ذلك، ولا أفسخه إن وقع، وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ، وقال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز إذا قال: لا ينفق عليه حياته (١). ٢ - قال ابن عابدين: وسئلت، في رمضان سنة أربعين ومائتين وألف عما إذا جرت العادة بين التجار أنهم يستأجرون مركبا من مراكب أهل الحرب لحمل بضائعهم وتجاراتهم، ويدفعون للمراكبي الحربي الأجرة المشروطة، وتارة يدفعون له مبلغا زائدا على الأجرة لحفظ البضائع بشرط ضمان ما يأخذه أهل الحرب منها، وأنه إن أخذوا منه شيئا فهو ضامن لصاحبها جميع قيمة ذلك، فاستأجر رجل من التجار رجلا حربيا، كذلك ودفع له مبلغا تراضيا عليه على أنه إن أخذ أهل الحرب منه شيئا من تلك البضاعة يكون ضامنا لجميع ما يأخذونه، فسافر بمركبه فأخذه منه بعض القطاع في البحر من أهل الحرب، فهل يلزمه ضمان ما التزم حفظه وضمانه بالعوض أم لا. فأجبت: الذي يظهر من كلامهم عدم لزوم الضمان لأن ذلك المراكبي أجير مشترك والخلاف في ضمان الأجير المشترك بينهم، والمذهب أنه لا يضمن ما هلك في يده وإن شرط عليه الضمان فيما في يده كما في التنوير، ثم إذا هلك ما بيده بلا صنع منه ولا يمكنه دفعه والاحتراز عنه كالحرق والغرق وخروج قطاع الطريق والمكابرين لا يضمن بالاتفاق، لكنه في مسألتنا لما أخذ أجرة

стр. 8168

على الحفظ بشرط الضمان صار بمنزلة المودع إذا أخذ أجرة على الوديعة، فإنها إذا هلكت يضمن والفرق بينه وبين الأجير المشترك أن المعقود عليه في الإجارة هو العمل، والحفظ واجب عليه تبعا، أما المودع بأجرة فإن الحفظ واجب عليه مقصودا ببدل، فلذا ضمن كما صرح بذلك الإمام فخر الدين الزيلعي في باب ضمان الأجير، وهنا لما أخذ البدل بمقابلة الحفظ الذي كان واجبا عليه تبعا صار الحفظ واجبا عليه قصدا بالبدل فيضمن، لكن يبقى النظر في أنه هل يضمن مطلقا أو فيما يمكن الاحتراز عنه والذي يظهر الثاني؛ لاتفاقهم في الأجير المشترك على عدم ضمانه فيما لا يمكن الاحتراز عنه، فالظاهر أن المودع بأجر كذلك؛ لأن الموت والحريق ونحوهما مما لا يمكن ضمانه والتعهد بدفعه، وقد صرحوا بأن إغارة القطاع المكابرين مما لا يمكن الاحتراز عنه، فلا يضمن في صورتها حيث كان أخذ البضاعة من القطاع المكابرين الذي لا يمكن مدافعتهم، لكن ذكر في التنوير قبيل باب كفالة الرجلين- قال لآخر: اسلك هذا الطريق؛ فإنه آمن، فسلك وأخذ ماله، لم يضمن، ولو قال إن كان مخوفا وأخذ فأنا ضامن، ضمن، وعلله في الدر المختار عن الدرر بأنه ضمن الغار صفة السلامة للمغرور نصا- انتهى. أي بخلاف المسألة الأولى فإنه لا يضمن لأنه لم يصرح بقوله: فأنا ضامن، وهذا إذا كان المال مع صاحبه، وفي صورتنا المال مع الأجير، وقد ضمن للمستأجر صفة السلامة نصا فيقتضي ضمانه بالأولى، وإن لم يمكن الاحتراز لكن الظاهر أن مسألة التغرير المذكورة مشروطة بما إذا كان الضامن عالما بخطر الطريق ليتحقق كونه غارا وإلا فلا تغرير، وسياق المسألة في (جامع الفصولين) في فصل الضمانات يدل على ما قلنا، فإنه نقل عن فتاوي ظهير الدين. قال له اسلك هذا الطريق فإنه آمن فسلك فأخذه اللصوص -

стр. 8169

لا يضمن، ولو قال لو مخوفا وأخذ مالك فأنا ضامن والمسألة بحالها ضمن، فصار الأصل أن المغرور إنما يرجع على الغار لو حصل الغرور في ضمن المعارضة أو ضمن الغار صفة السلامة للمغرور، فصار كقول الطحان لرب البر اجعله في الدلو فجعله فيه فذهب من النقب إلى الماء، وكان الطحان عالما به يضمن إذ غره في ضمن العقد وهو يقتضي السلامة انتهى. وحاصله أن الغار يضمن إذا صرح بالضمان أو كان التغرير في ضمن عقد المعاوضة وإن لم يصرح بالضمان كما في مسألة الطحان، وقد صرح فيها بكون الطحان عالما بالنقب، وما ذاك إلا ليتحقق كونه غارا كما يشير إليه تسميته بذلك لأن من لا علم له بذلك لا يسمى غارا، فلو لم يكن العلم شرطا في الضمان لكان حقه أن يعبر عنه بالآمر لا بالغار، ويؤيد ذلك أيضا أنه في (جامع الفصولين) نقل بعد ذلك عن المحيط أن ما ذكره من الجواب في قوله: فإن أخذ مالك فأنا ضامن، مخالف لما ذكره القدوري: إن ما قال لغيره من غصبك من الناس أو من بايعت من الناس فأنا ضامن لذلك فهو باطل. انتهى. فأجاب عنه في (نور العين) بقوله: يقول الحقير لا مخالفة أصلا، والقياس مع الفارق؛ لأن عدم الضمان في مسألة القدوري من جهة عدم التغرير فيها بخلاف ما نحن فيه فافترقا، والعجب من غفلة مثل صاحب المحيط مع ما له من فضل وذكاء، البحر المحيط انتهى. فقد أفاد أنه لا بد من التغرير، وذلك بكونه عالما بخطر الطريق كما قلناه، ففي مسألتنا إن كان صاحب المركب غر المستأجر بأن كان عالما بالخطر يكون ضامنا وإلا فلا، هذا ما ظهر لي والله تعالى أعلم. لكن ينبغي تقييد المسألة بما إذا كان صاحب المال غير عالم بخطر الطريق؛ لأنه إذا كان عالما لا يكون مغرورا، لما في القاموس غره غرا وغرورا وغرة بالكسر فهو مغرور

стр. 8170

وغرير خدعه وأطمعه بالباطل فاغتر، هو وفي المغرب الغرة بالكسر الغفلة ومنه أتاهم الجيش وهم غارون أي غافلون، وفي الحديث نهى عن بيع الغرور والخطر الذي لا يدرى أيكون أم لا، كبيع السمك في الماء والطير في الهواء، فقد ظهر أن العالم بما قصد غيره أن يغره به لا يكون مغرورا، أرأيت صاحب البر لو كان عالما بنقب الدلو وأمره الطحان بوضعه فيه هل يكون مغرورا بل هو مفرط مضيع لماله لا أثر لقول الطحان معه، ففي مسألتنا لا بد أن يكون الأجير عالما بخطر الطريق والمستأجر غير عالم به فيضمن، وإن كان الأجير غير عالم أو المستأجر عالما فلا ضمان على الأجير لعدم تحقق التغرير، والله تعالى أعلم (١).

стр. 8171

٣ - وقال الشيخ محمد بخيت المطيعي: ورد علينا خطاب من بعض العلماء المقيمين بالأناضول بالروملي الشرقي بولاية سلانيك العثمانية، إلى أن قال: " ورد خطابكم تذكرون به أن المسلم يضع ماله تحت ضمانة أهل قومبائية السوكرتاه أصحابها مسلمون وذميون أو مستأمنون، ويدفع لهم نظير ذلك مبلغا من الدراهم حتى إذا هلك ماله الذي وضعه تحت ضمانهم يضمنونه له بمبلغ مقرر بينهم من الدراهم، وتستفهمون عما إذا كان له شرعا أن يضمنهم ماله المذكور إذا هلك بحرق ونحوه أم لا يكون له ذلك، وعما إذا كان يحل له ما أخذه من الدراهم إذا ضمنوا له ما هلك من ماله أم لا يحل له ذلك، وعما إذا كان يشترط في حل ما يأخذه من الدراهم بدلا من ماله الهالك أن يكون كل من العقد وأخذ الدراهم المذكورة في غير دار الإسلام، فإذا هلك الموضوع تحت الضمان

стр. 8172

كان لصاحبه أن يأخذ الدراهم المقررة بدلا من ماله الهالك، ويتسلمها في دار الإسلام من وكيلهم الذمي أو المستأمن فيها، وعما إذا كان يحل لأحد الشركاء أن يعقد ذلك بغير دار الإسلام، وأن يأخذ بدل ماله الهالك أيضا في غير دار الإسلام، ثم يعود بما أخذه إلى دار الإسلام أو يبعث به إلى شريكه أو وكيله بها أم لا يحل له ذلك أيضا. وقلتم إن ذلك مما عمت به البلوى في الديار التي أنتم بها الآن، وأنكم راجعتم ما لديكم من كتب المذهب، فلم تقفوا على شيء تطمئنون به في حكم ذلك. وأجاب: أن المقرر شرعا أن ضمان الأموال إما أن يكون بطريق الكفالة أو بطريق التعدي والإتلاف. أما الضمان بطريق عقد الكفالة فليس متحققا هنا قطعا لأن شرطه أن يكون المكفول به دينا صحيحا لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء أو عينا مضمونة بنفسها بأن يجب على المكفول عنه تسمليمها بعينها للمكفول له، فإن هلكت ضمن له مثلها في المثليات وقيمتها في القيميات، وذلك كالمغصوب والمبيع بيعا فاسدا. ثم أورد أمثلة أخرى ثم قال: وعلى ذلك لا بد من كفيل يجب عليه الضمان، ومن مكفول له يجب تسليمه للمكفول له، وبدون ذلك لا يتحقق عقد الكفالة، ولا شبهة أنها لا تنطبق على العقد المذكور، فإن المال الذي جعله صاحبه تحت ضمان أهل القومبانية لم يخرج عن يده ولا يجب عليه تسليمه لأحد غيره، فلم يكن دينا عليه أداؤه ولا عينا مضمونة عليه بنفسها يجب عليه تسليم عينها قائمة أو مثلها أو قيمتها هالكة، فأهل القومبانية لو ضمنوا يضمنون مالا للمالك وهو لم يزل تحت يده يتصرف فيه كيف يشاء، فلا يكون شرعا من ضمان الكفالة.

стр. 8173

وقال: في الضمان بالتعدي أو الإتلاف (فهذا الضمان إنما يكون على المتعدي كالغاصب إذا هلك مغصوبه أو على المتلف كالشريك الموسر إذا أعتق نصيبه في عبد مشترك وأتلف بالعتق نصيب الشريك الآخر، وأهل القومبانية لم يتعد واحد منهم على ذلك المال ولم يتلفه ولم يتعرض له بأدنى ضرر بل إن المال هلك بالقضاء والقدر، ولو فرض وجود متعد أو متلف فالضمان عليه دون غيره، فلا وجه حينئذ لضمان أهل القومبانية من هذا الطريق أيضا). إذا علم ما تقدم كان هذا العقد هو عبارة عن أن الإنسان يلتزم بدفع مقدار معين من الدراهم لأهل تلك القومبانية في نظير التزامهم أن يدفعوا له في حياته أو لورثته بعد موته مقدارا معينا من الدراهم إذا هلك ذلك الإنسان نفسه، وهو ما يسمونه سوكرتاه الحياة والنفس، أو إذا أهلك المال الذي وضعه تحت ضمانهم وهو ما يسمونه سكرتاه الأموال، مع كون المال المذكور باقيا تحت يد مالكه وفي تصرفه ولم يدخل تحت يد أحد من أهل القومبانية بوجه من الوجوه، فيكون هذا العقد عقد التزام لما لا يلزم شرعا - إلى أن قال- " والعقد المذكور لا يصح أن يكون سببا شرعيا لوجوب الضمان، ولا يجوز أن يكون عقد المضاربة كما فهمه بعض العصريين؛ لأن عقد المضاربة يلزم فيه أن يكون المال من جانب المضارب والربح على ما شرطا والعقد المذكور ليس كذلك؛ لأن أهل القومبانية يأخذون المال على أن يكون لهم يعملون فيه لأنفسهم فيكون عقدا فاسدا شرعا، وذلك لأنه معلق على خطر تارة يقع وتارة لا يقع، فهو قمار معنى ". وقد صرح في شرح السير الكبير (بأن حكم الحربي المستأمن في دار الإسلام حكم أهل الذمة، قال: " وعلى هذا

стр. 8174

لا يحل أخذ ماله بعقد فاسد، كما لا يحل أخذ مال الذمي به، وقد صرحوا في معتبرات المذهب بأن المسلم المستأمن في غير دار الإسلام يحل له أن يأخذ مالهم برضاهم ولو بربا أو قمار؛ لأن المحرم هو الغدر والخيانة، فما أخذه برضاهم وليس فيه غدر ولا خيانة يكون حلالا على أي وجه أخذه، وقد صرحوا أيضا بأن دار الإسلام محل إجراء الأحكام الشرعية دون غير دار الإسلام، وأنه لا يحل لمسلم في دار الإسلام أن يعقد مع المستأمن الذي فيها وليس منها إلا ما يحل من القعود مع المسلمين. ثم قال: وعلى ذلك إما أن تكون مباشرة العقد في دار الإسلام وأخذ بدل الهالك فيها أيضا، ففي هذه الصورة لا يحل لمسلم أخذ ذلك البدل ولا يطيب له، بل إن قبضه ملكه ملكا خبيثا، وأما أن تكون مباشرة العقد في غير دار الإسلام وأخذ بدل الهالك في غيرها أيضا، ففي هذه الصورة يحل له ما أخذه من البدل ويطيب له؛ لأنه إنما أخذه برضاهم في دارهم بدون غدر ولا خيانة، وإما أن تكون مباشرة العقد في غير دار الإسلام، ولكن أخذ بدل المال الهالك في دار الإسلام ففي هذه الصورة لا يحل أخذ ذلك البدل لما علمت أنه لا يحل لمسلم أن يأخذ في دار المسلم من مال المستأمن فيها وليس منها إلا ما يلزم ذلك المستأمن شرعا وهذا المال لم يلزمه شرعا، وإما أن تكون مباشرة العقد بدار الإسلام ولكن أخذ بدل المال الهالك كان بغيرها، وفي هذه الصورة يحرم مباشرة العقد والإقدام عليه في دار الإسلام؛ لأن العقود الفاسدة منهي عن مباشرتها شرعا، ولكن مع ذلك يحل أخذ بدل المال الهالك متى كان الأخذ بغير دار الإسلام وبرضاهم. فالحاصل أن المدار في حل أخذ بدل المال الهالك منهم على أن يكون ما أخذ من مالهم

стр. 8175

وفي بلادهم وبرضاهم لا يضر في ذلك كون الأخذ مبنيا على سبب فاسد شرعا. ٤ - لقد ورد سؤال إلى الشيخ محمد رشيد رضا ﵀ عن التأمين، هذا نصه: رجل يضمن محل تجارته من الحريق في إحدى شركات الضمان "السيكورتاه " على مبلغ معين من المال، وقدر الله واحترق ذلك المحل، فهل يجوز له شرعا مطالبة شركات الضمان بهذا المبلغ ويكون حلالا أم لا؟ وهل كل أنواع الضمانات ضد الحريق والحياة والغرق والسرقة شرعية يجوز عملها أم لا؟. فأجاب بقوله: كل ما في السؤال الأول فهو من المعاملات المالية غير المشروعة في الإسلام؛ فلم يرد بها نص من الشارع، ولم يقرها بالاجتهاد إمام عادل، وإنما هي من العقود الحادثة عند أولي المدنية المادية في هذا العصر ومن التزمها في غير دار الإسلام والعدل لزمته شاء أم أبى، وإنما هو مخير في أخذ ما ثبت له دون ما ثبت عليه، وللمؤمن في غير دار الإسلام أن يأكل مال أهلها بعقودهم ورضاهم فهو لا يكلف معهم التزام أحكام دار الإسلام التي يلتزمونها، ولكن عليه أن يحاسب نفسه على إضاعة ماله باختياره فيما له مندوحة عنه (١). ٥ - وأجاب أيضا عن التأمين على الحياة فقال: لم يذكر السائل كيفية هذا الضمان ولا عقده والمشهور أن هذه العقود التي تشبه الميسر "القمار" في كون الذي يعطي المال لشركة الضمان لا يعطيها إياه في مقابلة عمل تعمله له أو منفعة تسديها إليه، وإنما يرجو بذلك

стр. 8176

أن تأخذ ورثته منها أكثر مما أعطى إن هو مات قبل المدة المعينة، وجمهور الفقهاء يصرحون بأن مثل هذا العقد باطل ومحرم لما فيه من إضاعة المال الواجب حفظه وعدم بذله إلا فيما فيه منفعة دينية أو دنيوية معلومة أو مظنونة، وليس كل العقود التي يحكم الفقهاء ببطلانها محرمة دينا، فإنهم قد يشترطون شروطا اجتهادية لا يحكم قاضيهم ولا ينفذ أميرهم الحكم إلا إذا تحققت في العقد، وإن لم يكن في ترك الشروط منها مخالفة لأمر الله ورسوله، وقد صرح بعض الفقهاء بحل جميع العقود والشروط التي يتعاقد الناس عليها ويشترطونها إذا لم تكن مخالفة للكتاب والسنة الصحيحة وهذا هو الصواب (١).

стр. 8177

٦ - وقال إبراهيم الجبالي: وأما شركات التأمين على الأموال والأرواح فقد تغلغل الميل إليها في نفوس الكثير من الناس خصوصا من المستنيرين إلى حد يصعب معه اقتلاعه من عقولهم، وأقوى حجة لهم في تبريرها أن يقول لك أحدهم: إني أدفع القليل ليطمئن قلبي على الكثير، فأنا رابح الطمأنينة حال السلامة والعوض إذا ما طرأ ما أخشاه، والشركة رابحة المال الذي تأخذه مني ومن سواي؛ فكلا الطرفين مستفيد. ونقول له: أليس أمرك دائرا بين أن تدفع بلا مقابل وذاك إذا قدرت لك بسلامة المال أو تأخذ ما لا حق لك فيه وترزأ غيرك ممن دفع وهو لم يجن عليك فيما إذا عطب مالك؟ أو ليس الأمر على كلا التقديرين أن هناك دفعا وغرما من أحد الجانبين بدون مقابل من الجانب الآخر؟ فإنه لا قيمة لما دفعه المؤمن بالنسبة لما يأخذه على فرض عطبه، كما أن طمأنينته عليه التي زعم أنه استفادها في حالة سلامة ماله لا دخل لشركة التأمين فيما إذا

стр. 8178

لم تكن حارسة عليه، ولا تستطيع أن تقف في وجه المقادير وتصاريف الزمان. وأما التأمين على الحياة فهو أبعد عن العقل السليم وأوجب للدهشة والاستغراب، فما كانت الشركة لتطيل له عمرا، وما كانت لتبعد عنه قدرا، ولكنها التعللات بالأماني، وما أشبهها بشئون الدجالين والمشعوذين، سيقول لك قائلهم نفس المقالة الأولى أو قريبا منها، سيقول: إني متى دفعت ولو قسطا واحدا فإذا فاجأتني المنية استحق ورثتي ما أمنت به على حياتي فكان لهم بذلك عزاء وسلوة عن فقدي، وإذا بقيت المدة المضروبة لي استرجعت كل ما دفعت بأرباحه، فأنا مستفيد على كلتا الحالتين، وللشركة فائدتها أيضا، وهي التصرف في تلك الأموال مما يجتمع لها مني ومن غيري، فيتكون لها رأس مال عظيم تستغله فيما ترى من المشروعات التجارية، ومفاجآت العطب قليلة، فغرمها نادر لا يؤثر فيها؛ لأن كل امرئ حريص على حياته وماله محافظ عليهما جهد استطاعته، فكل واحد يعمل لمصلحتها من حيث يعمل لمصلحة نفسه، فكلا الطرفين مستفيد. ونقول له: ليكن كل ما تقول، فما خرجت عن أنها معاملة فيها غرم أحد الطرفين حتما بلا مقابل، وما كانت العدالة إلا في المعاوضة، وأن يكون من كل طرف عوض يعادل ما استفاده، وأن يكون بين العوضين مناسبة تحقق المعادلة ولو التقريبية حتى تستقيم روح العدالة، فأما وأحد الطرفين غارم حتما بلا غنم، أو غانم حتما بلا غرم فلا عدالة، بل هي المقامرة والميسر، غير أنه لبس ثوبا لماعا وجاء من قوم أوليناهم ثقتنا العمياء، وأخذنا منهم كل ما قالوه بالتقليد الأعمى، وما منشأ ذلك إلا أن جماعة منهم بهروا الناس بقوة استخدامهم للمادة واستنباطهم لقوى

стр. 8179

الطبيعة مما لا نغمطهم حقهم فيه، فكان لمجموعهم في النفوس عزة الغلبة، فأسلم الناس القياد لهم شأن كل غالب مع كل مغلوب، وإلا فمتى وزنت تلك التصرفات بميزان العقل السليم والنقد النزيه وجدت ضررها أكبر من نفعها، وهكذا شأن أغلب المضار المنهي عنها لمصلحة المجتمع تجد ضررها أكبر من نفعها، فلا تكاد ترى شيئا تمخض للضرر بدون وجه نفع، وتمخض للنفع بدون وجه ضرر، حتى إن الخمر والميسر وهما ما هما في الضرر لم يخلوا عن نفع ما، ولكنه ضئيل إذا قيس بكبير ضررهما كما قال جل شأنه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) وشأن التشريع الصحيح أن يعتمد على الموازنة بين النفع والضرر فما غلب نفعه أحله وما غلب ضرره حرمه، والله عليم حكيم (٢). ٧ - وقال الشيخ عبد الرحمن تاج بعد عرضه لصورة التأمين: إن عقود التأمين على الصورة التي قدمناها ليس لها مسوغ من الوجهة الشرعية الإسلامية حتى في الحالة التي لا يشترط فيها على الشركة - أي عقد التأمين على الحياة - دفع فوائد ربوية مع أصل مبلغ التأمين المتفق عليه لصاحب العقد على فرض بقائه حيا إلى نهاية المدة المعينة، فإن العقد ذاته فاسد مشتمل على شروط فاسدة وعلى طريقة يستباح بها أكل أموال الناس بالباطل، ومثل ذلك يقال في حكم التأمين على الأموال (٣).

стр. 8180

أدلة المانعين مطلقا: أ- التأمين عقد من عقود الغرر وعقود الغرر ممنوعة. وقبل ذكر كلام المحدثين في الاستدلال بهذا الدليل ومناقشتهم نذكر معنى الغرر لغة واصطلاحا وأقسامه، وبيان ما يكون من أقسامه سببا في تحريم العقد وما لا يكون: معنى الغرر لغة واصطلاحا: لما ذكر أحمد بن فارس بن زكريا أن الغرر له أصول ثلاثة صحيحة وذكر منها النقصان قال: ومن الباب بيع الغرر، وهو الخطر الذي لا يدرى أيكون أم لا، كبيع العبد الآبق والطائر في الهواء، فهذا ناقص لا يتم البيع فيه أبدا (١). ونقل ابن منظور عن أبي زيد: والغرر الخطر، «ونهى رسول الله ﷺ عن بيع الغرر (٢)»، وهو مثل بيع السمك في الماء، والطير في الهواء، والتغرير حمل النفس على الغرر، وقد غرر بنفسه تغريرا وتغرة، كما يقال حلل تحليلا وتحلة، وعلل تعليلا وتعلة، وقيل: بيع الغرر المنهي عنه ما كان له ظاهر يغر المشتري وباطن مجهول. يقال: إياك وبيع الغرر. قال بيع الغرر أن يكون على غير عهدة ولا ثقة، قال الأزهري، ويدخل في بيع الغرر البيوع المجهولة التي لا يحيط كنهها المتبايعان حتى تكون معلومة، وفي حديث مطرف: إن لي نفسا واحدة وإني أكره أن أغرر بها، أي: أحملها على غير ثقة، قال: وبه سمي الشيطان غرورا؛ لأنه يحمل الإنسان على محابه وراء ذلك ما يسوءه كفانا الله فتنته، وفي حديث الدعاء: وتعاطي ما نهيت عنه تغريرا، أي: مخاطرة وغفلة عن عاقبة أمره، وفي الحديث: لأن أغتر بهذه الآية

стр. 8181

يريد قوله تعالى ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ﴾ (١) وقوله ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ (٢) المعنى أن أخاطر بتركي مقتضى الأمر بالأولى- أحب إلي من أن أخاطر بالدخول تحت الآية الأخرى (٣). وقال ابن الأثير: الغرر ماله ظاهر تؤثره وباطن تكرهه، فظاهره يغر المشتري وباطنه مجهول (٤). وأما كلام الفقهاء، فقد قال السمرقندي في أثناء الكلام على أنواع البيوع الفاسدة قال: ومنها أن يكون في المبيع وفي ثمنه غرر مثل بيع السمك في الماء وهو لا يقدر على تسليمه بدون الاصطياد والحيلة، وبيع الطير في الهواء، أو بيع مال الغير على أن يشتريه فيسلمه إليه؛ لأنه باع ما ليس بمملوك له للحال، وفي ثبوته غرر وخطر (٥). وأما المذهب المذهب المالكي فإن القرافي ﵀ ذكر بحثا في الفرق بين الجهالة والغرر من حيث الحقيقة والأثر، نصه ما يلي: اعلم أن العلماء قد يتوسعون في هاتين العبارتين فيستعملون إحداهما موضع الأخرى، وأصل الغرر هو الذي لا يدري هل يحصل أم لا، كالطير في الهواء، والسمك في الماء، وأما ما علم حصوله وجهلت صفته فهو المجهول، كبيعه ما في كمه، فهو يحصل قطعا، لكن لا يدري أي شيء هو. فالغرر والمجهول كل واحد منهما أعم من الآخر من وجه وأخص من وجه، فيوجد كل واحد منهما مع الآخر وبدونه، أما وجود الغرر بدون الجهالة، فكشراء العبد الآبق المعلوم قبل الإباق لا جهالة فيه، وهو غرر؛ لأنه

стр. 8182

لا يدري هل يحصل أم لا، والجهالة بدون الغرر كشراء حجر يراه لا يدري أزجاج هو أم ياقوت، مشاهدته تقتضي القطع بحصوله فلا غرر، وعدم معرفته تقتضي الجهالة به. وأما اجتماع الغرر والجهالة فكالعبد الآبق المجهول الصفة قبل الإباق. ثم الغرر والجهالة يقعان في سبعة أشياء في الوجود كالآبق قبل الإباق، والحصول إن علم الوجود كالطير في الهواء، وفي الجنس كالسلعة لم يسمها، وفي النوع كعبد لم يسمه، وفي المقدار كالبيع إلى مبلغ رمي الحصاة، وفي التعيين كثوب من ثوبين مختلفين، وفي البقاء كالثمار قبل بدو صلاحها، فهذه سبعة موارد للغرر والجهالة، ثم الغرر والجهالة ثلاثة أقسام: كثير ممتنع إجماعا كالطير في الهواء، وقليل جائز إجماعا كأساس الدار وقطن الجبة، ومتوسط اختلف فيه هل يلحق بالأول أو الثاني، فلارتفاعه عن القليل ألحق بالكثير، ولانحطاطه عن الكثير ألحق بالقليل، وهذا هو سبب اختلاف العلماء في فروع الغرر والجهالة. اهـ (١). وقال محمد بن علي بن حسين بعد ذكره للأقسام السبعة المتقدمة، وبقى الجهل بالأجل إن كان هناك أجل، والجهل بالصفة، فهذه تسعة موارد للغرر من جهة الجهالة (٢). وقال القرافي: الفرق الرابع والعشرون بين قاعدة ما تؤثر فيه الجهالات والغرر، وقاعدة مالا يؤثر فيه ذلك من التصرفات. وردت الأحاديث الصحيحة في «نهيه ﵇ عن بيع الغرر (٣)» «وعن

стр. 8183

بيع المجهول» واختلف العلماء بعد ذلك، فمنهم من عممه في التصرفات وهو الشافعي، فمنع من الجهالة في الهبة والصدقة والإبراء والخلع والصلح وغير ذلك. ومنهم من فصل وهو مالك بين قاعدة ما يجتنب فيه الغرر والجهالة، وهو باب المماكسات والتصرفات الموجبة لتنمية الأموال، وما يقصد به تحصيلها، وقاعدة ما لا يجتنب فيه الغرر والجهالة وهو ما لا يقصد لذلك، وانقسمت التصرفات عنده ثلاثة أقسام: طرفان وواسطة، فالطرفان أحدهما معاوضة صرفة، فيجتنب فيه ذلك إلا ما دعت الضرورة إليه عادة كما تقدم أن الجهالات ثلاثة أقسام، فكذلك الغرر والمشقة، وثانيهما: ما هو إحسان صرف لا يقصد به تنمية المال، كالصدقة والهبة والإبراء فإن هذه التصرفات لا يقصد بها تنمية المال. بل إن فاتت على من أحسن إليه بها لا ضرر عليه، فإنه لم يبذل شيئا، بخلاف القسم الأول إذا فات بالغرر والجهالات ضاع المال المبذول في مقابلته، فاقتضت حكمة الشرع منع الجهالة فيه، أما الإحسان الصرف فلا ضرر فيه، فاقتضت حكمة الشرع وحثه على الإحسان التوسعة فيه بكل طريق بالمعلوم والمجهول فإن ذلك أيسر لكثرة وقوعه قطعا، وفي المنع من ذلك وسيلة إلى تقليله، فإذا وهب له عبده الآبق جاز أن يجده فيحصل له ما ينتفع به، ولا ضرر عليه إن لم يجده؛ لأنه لم يبذل شيئا وهذا فقه جميل، ثم إن الأحاديث لم يرد فيها ما يعم هذه الأقسام حتى نقول يلزم منه مخالفة منصوص صاحب الشرع، بل إنما وردت في البيع ونحوه، وأما الواسطة بين الطرفين فهو النكاح. . . إلخ (١). وقال محمد علي حسين مبينا أقسام الجهالة والغرر ما نصه: وذلك أن الغرر والجهالة كما يؤخذ مما مر ثلاثة أقسام، وقسم

стр. 8184

أبو الوليد الغرر إلى ثلاثة أقسام: كثير وقليل ومتوسط، وجعل الكثير عبارة عن القسمين الأولين في هذا التقسيم، فقال في بداية المجتهد: الفقهاء متفقون على أن الغرر الكثير في المبيعات لا يجوز، وأن القليل يجوز، ويختلفون في أشياء من أنواع الغرر؛ لترددها بين الغرر الكثير والقليل. اهـ (١). وأما المذهب الشافعي فقد قال النووي: وأما النهي عن بيع الغرر فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل في مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق والمعدوم والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في البطن، وبيع بعض الصبرة مبهما، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك، كل هذا بيع باطل؛ لأنه غرر من غير حاجة، وقد يحتمل بعض الغرر بيعا إذا دعت إليه الحاجة، كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي في ضرعها لبن فإنه يصح البيع؛ لأن الأساس تابع للظاهر من الدار، ولأن الحاجة تدعو إليه فإنه لا يمكن رؤيته، وكذا القول في حمل الشاة ولبنها، وكذلك أجمع المسلمون على جواز أشياء فيها غرر حقير منها: أنهم أجمعوا على صحة بيع الجبة المحشوة وإن لم ير حشوها، ولو بيع حشوها بانفراده لم يجز، وأجمعوا على جواز إجارة الدار والدابة ونحو ذلك شهرا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة وعشرين، وأجمعوا على جواز دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي قدر مكثهم، وأجمعوا على جواز الشرب من السقاء بالعوض مع جهالة قدر المشروب واختلاف عادة الشاربين وعكس هذا، وأجمعوا على بطلان بيع الأجنة في

стр. 8185

البطون والطير في الهواء. قال العلماء: مدار البطلان بسبب الغرر والصحة مع وجوده ما ذكرناه، وهو أنه إن دعت الحاجة إلى ارتكاب الغرر ولا يمكن الاحتراز عنه إلا بمشقة - وكان الغرر حقيرا - جاز البيع، وإلا فلا، وما وقع في بعض مسائل الباب من اختلاف العلماء في صحة البيع فيها وفساده - كبيع الغائبة - مبني على هذه القاعدة، فبعضهم يرى أن الغرر حقير فيجعله كالمعدوم فيصح البيع، وبعضهم يراه ليس بحقير فيبطل البيع، والله أعلم (١). قال الخطابي على هذا الحديث: قال الشيخ أصل الغرر هو ما طوي عنك علمه وخفى عليك باطنه وسره، وهو مأخوذ من قولك: طويت الثوب على غره، أي: على كسره الأول، كل بيع كان المقصود منه مجهولا غير معلوم، ومعجوز عنه غير مقدور عليه فهو غرر، وذلك مثل أن يبيعه سمكا في الماء، أو طيرا في الهواء، أو لؤلؤا في البحر، أو عبدا آبقا، أو جملا شاردا، أو ثوبا في جراب لم يره ولم ينشره، أو طعاما في بيت لم يفتحه، أو ولد بهيمة لم يولد، أو ثمرة شجرة لم تثمر، ونحوها من الأمور التي لا تعلم ولا يدرى هل تكون أو لا، فإن البيع مفسوخ فيها. وإنما نهى النبي ﷺ عن هذه البيوع تحصينا للأموال أن تضيع، وقطعا للخصومة والنزاع أن يقعا بين الناس فيها، وأبواب الغرر كثيرة، وجماعها ما دخل في المقصود منه الجهل (٢).

стр. 8186

وأما الغرر عند الحنابلة، فقد قال موسى الحجاوي: الخامس - أي شروط البيع - أن يكون مقدورا على تسليمه، فلا يصح بيع آبق علم مكانه أو جهل ولو لقادر على تحصيله، وكذا جمل شارد وفرس غائر

стр. 8187

ونحوهما ولا نحل ولا طير في الهواء، يألف الطير الرجوع أو لا، ولا سمك في لجة ماء (١). وأما كلام بعض الفقهاء المعاصرين، فقال الصديق محمد الأمين الضرير: عقد التأمين من العقود الاحتمالية عند جمهرة رجال القانون؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يعرف وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطا واحدا ثم تقع الكارثة فيستحق ما التزم المؤمن به، وقد لا تقع الكارثة مطلقا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا ماديا، وكذلك المؤمن لا يستطيع أن يحدد ما يعطي أو يأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وإن كان يستطيع إلى حد كبير أن يعرف ما يأخذ وما يعطي بالنسبة لمجموع المستأمنين عن طريق الاستعانة بقواعد الإحصاء، وقد يحدث في حالات نادرة أن تطرأ ظروف غير متوقعة تؤدي إلى زيادة تحقق الخطر كزيادة نسبة الوفيات لحدوث وباء، أو زيادة نسبة الحريق في المحصول لحدوث الجفاف، فتضطر شركات التأمين في مثل هذه الأحوال لدفع مبالغ أكثر مما كانت تتوقع، والعقد الاحتمالي هو عقد الغرر، وقد ورد في الحديث الصحيح النهي عن بيع الغرر، وقاس الفقهاء عقود المعاوضات المالية على البيع. وعقد التأمين من عقود المعاوضات المالية فيؤثر فيه الغرر كما يؤثر في سائر عقود المعاوضات، وقد قسم الفقهاء الغرر بالنسبة لتأثيره في عقود المعاوضات المالية ثلاثة أقسام: ١ - غرر كثير، وهذا يؤثر في عقود المعاوضات فيفسدها إجماعا كبيع الطير في الهواء إلا ما دعت الضرورة إليه عادة. ٢ - غرر يسير، وهذا لا تأثير له إجماعا كقطن الجبة وأساس الدار.

стр. 8188

٣ - غرر متوسط وهذا مختلف فيه، فبعض الفقهاء يلحقه باليسير وبعضهم يلحقه بالكثير. والغرر في التأمين ليس يسيرا قطعا فهو إما من الغرر الكثير أو المتوسط، وأرجح أنه من الغرر الكثير؛ لأن من أركان عقد التأمين التي لا يوجد بدونها " الخطر" والخطر هو حادثة محتملة لا تتوقف على إرادة أحد الطرفين، والتأمين لا يجوز إلا من حادث مستقبل غير محقق الوقوع، فالغرر عنصر ملازم لعقد التأمين، ومن الخصائص التي يتميز بها. وهذا يجعله من الغرر المنهي عنه. يقول الباجي في المنتقى: نهيه ﷺ عن بيع الغرر يقتضي فساده ومعنى بيع الغرر - والله أعلم - ما كثر فيه الغرر وغلب عليه حتى صار البيع يوصف ببيع الغرر، فهذا الذي لا خلاف في المنع منه. وهذا الضابط ينطبق على عقد التأمين، وقد أورد الباجي في أثناء كلامه عن بيع الغرر مسألة توافق صورة من صور التأمين على الحياة تعرف في اصطلاح علماء القانون "بالتأمين لحال البقاء براتب عمري وهو أن يتعهد المؤمن بدفع إيراد لمدى الحياة نظير مبلغ متجمد يدفعه له المستأمن ". يقول الباجي (ومن دفع إلى رجل داره على أن ينفق عليه حياته، روى ابن المواز عن أشهب: لا أحب ذلك ولا أفسخه إن وقع. وقال أصبغ: هو حرام؛ لأن حياته مجهولة ويفسخ. وقال ابن القاسم عن مالك: لا يجوز إذا قال على أن ينفق عليه حياته، قال الصديق محمد الضرير: فهذه الصورة من صور التأمين غير جائزة عند هؤلاء الفقهاء لما فيها من غرر، ويفسخ العقد إن وقع إلا عند أشهب، فإنه لا يفسخ العقد مع منعه له ابتداء (١).

стр. 8189

وقد أجاب الأستاذ مصطفى الزرقا عن كون عقد التأمين فيه غرر بقوله: إن الغرر في اللغة العربية هو الخطر، والمراد به في هذا المقام الشرعي أن يكون أصل البيع الذي شرع طريقا لمعاوضة محدودة النتائج والبدلين، قائما على مخاطرة أشبه بالقمار والرهان بحيث تكون نتائجه ليست معاوضة محققة للطرفين، بل ربحا لواحد وخسارة لآخر بحسب المصادفة. وبالنظر فيما نهى عنه النبي ﷺ من البيوع تطبيقا لما نهى من الغرر يتضح لنا المقصود من الغرر في الحديث النبوي. فقد نهى النبي ﵇ تطبيقا لذلك عن بيع المضامين، وهي ما سوف ينتج من أصلاب فحول الإبل الأصيلة من أولاد. ونهى عن بيع الملاقيح، وهي ما ستنتجه إناث الإبل الأصيلة من نتاج. ونهى أيضا عن ضربة القانص، وهي بيع ما ستخرجه شبكة الصياد البحري من السمك أو ما يقع في شبك الصياد البري من حيوان أو طير. . . ونهى أيضا عن بيع ضربة الغائص، وهي ما سيخرجه الغواص من لؤلؤ في غوصته المقبلة، ونهى أيضا عن بيع الثمار على الأشجار في بداية انعقادها قبل أن يبدو صلاحها وتأمن العاهة، وقال للسائل عنها: «أرأيت لو منع الله الثمرة فبم يستحل أحدكم مال أخيه (١)» تلك المناهي النبوية تطبيق للنهي عن الغرر وهي كما يرى من طبيعة واحدة تدل على نوع المقصود وقد قرر الفقهاء بناء على هذا النظر عدم انعقاد بيع الأشياء غير مقدورة التسليم، أي: التي لا يستطيع البائع فيها التنفيذ العيني بتسليم المبيع ذاته، ولو كانت معيبة بذاتها لا جهالة فيها عند العقد، كبيع طير في الهواء، أو سمكة في الماء لا يمكن أخذها إلا بصيد؛ لأن صيدها غير موثوق بإمكانه فيكون ذلك غررا، وإذا نظرنا أيضا إلى أن عنصر المغامرة والاحتمال والمخاطرة في حدوده الطبيعية، قلما تخلو منه أعمال الإنسان

стр. 8190

وتصرفاته المشروعة باتفاق المذاهب. فالتجارة والزراعة والكفالة وسائر الأعمال والتصرفات التي يبتغى من ورائها مكاسب حيوية هي معرضة للأخطار، وفاعلها مقدم على قدر من الغرر، والمغامرة لا تخلو منه طبيعة الأشياء، إذا نظر ذلك وتأملنا في أنواع التصرفات التي خصها النبي ﷺ بالنهي تطبيقا للنهي عن الغرر، ومنها ما قد علل النبي ﵇ نفسه نهيه عنه بالغرر، أدركنا أن الغرر المنهي عنه هو نوع فاحش متجاوز لحدود الطبيعة، بحيث يجعل العقد كالقمار المحض، اعتمادا على الحظ المجرد في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل، فلا يصلح أن يكون أساسا يعتمد عليه في تصرفات اقتصادية كما في الأمثلة المتقدمة لأنها ترتكز على أسس موهومة. فإذا طبقنا هذا المقياس على نظام التأمين وعقده وجدنا الفرق كبيرا، فعقد التأمين فيه معاوضة محققة النتيجة فور عقده حتى إني لأنتقد على القانونيين عدة من العقود الاحتمالية دون تحفظ، فالتأمين فيه عنصر احتمالي بالنسبة إلى المؤمن فقط، حيث يؤدي التعويض إلى المستأمن إن وقع الخطر المؤمن عنه، فإن لم يقع لا يؤدي شيئا، على أن هذا الاحتمال أيضا إنما هو بالنسبة إلى كل عقد تأمين على حده، لا بالنسبة إلى مجموع العقود التي يجريها المؤمن، ولا بالنسبة إلى نظام التأمين في ذاته؛ لأن النظام وكذا مجموع العقود يرتكزان على أساس إحصائي ينفي عنصر الاحتمال حتى بالنسبة للمؤمن عادة. أما بالنسبة إلى المستأمن فإن الاحتمال فيه معدوم؛ ذلك لأن المعاوضة الحقيقية في التأمين بأقساط إنما هي بين القسط الذي يدفعه المستأمن وبين الأمان الذي يحصل عليه، وهذا الأمان حاصل للمستأمن بمجرد العقد دون توقف على الخطر المؤمن منه بعد ذلك؛ لأنه بهذا الأمان الذي حصل عليه واطمأن إليه لم يبق بالنسبة إليه فرق بين وقوع الخطر

стр. 8191

وعدمه، فإنه إن لم يقع الخطر ظلت أمواله وحقوقه ومصالحه سليمة، وإن وقع الخطر عليها أحياها التعويض، فوقوع الخطر وعدمه بالنسبة إليه سيان بعد عقد التأمين، وهذا ثمرة الأمان والاطمئنان الذي منحه إياها المؤمن نتيجة للعقد في مقابل القسط، وهنا المعاوضة الحقيقية على أن عنصر الاحتمال قد قبله الفقهاء في الكفالة ولو عظم، فقد نصوا على أن الإنسان لو قال لآخر: تعامل مع فلان وما يثبت لك عليه من حقوق فأنا كفيل به، صحت الكفالة هكذا، رغم الاحتمال في وجود الدين في المستقبل وجهالة مقداره؟. وصرحوا بصحة تعليقها على الخطر المحض في الشرط الملائم، كما لو قال الشخص لدائن: إن أفلس مدينك فلان أو مات في هذا الشهر مثلا أو إن سافر فأنا كفيله، فإن الكفالة تنعقد صحيحة ويلتزم بموجبها إن وقع الشرط. فعلى فرض وجود غرر في عقد التأمين ليس هو من الغرر الممنوع شرعا، بل من النوع المقبول، فإن قيل: إن الأمان ليس مالا يقابل بعوض؟ قلنا: إن الأمان أعظم ثمرات الحياة، وهو الذي امتن الله به على قريش بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (١) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) وإن الإنسان يسعى ويكد ويكدح ويبذل أغلى الأثمان من ماله وراحته في سبيل الحصول على الأمان والاطمئنان لنفسه ولأسرته ولحقوقهم ولمستقبلهم، فأي دليل في الشرع يثبت أنه لا يجوز الحصول عليه لقاء مقابل؟ هذا تحكم في شرع الله. وإننا نجد في بعض العقود القديمة المتفق بين جميع المذاهب الفقهية على شرعيتها ما يشهد لجواز بذل المال بطريق التعاقد بغية الاطمئنان والأمان على الأموال، ذلك هو عقد الاستئجار على الحراسة (٣).

стр. 8192

وأجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال: ولقد قرر المانعون لعقد التأمين غير التعاوني أن فيه غررا، فمحل العقد فيه غير ثابت، وغير محقق الوجود، فيكون كبيع ما تخرجه شبكة الصائد وكبيع ما يكون في بطن الحيوان، ووجه المشابهة أن المبيع في هذه الصور غير معلوم محله، وغير مؤكد الوجود، بل الوجود فيه احتمالي، وكذلك التأمين غير التعاوني محل العقد غير ثابت، فما هو محل العقد؟ أهو المدفوع من المستأمن، أم المدفوع من الشركة المؤمنة، أم هما معا باعتبار أن ذلك العقد من الصرف، ولا يكون مخرجا إلا على ذلك النحو، ولا شك أن ما يدفعه المستأمن غير متعين، فقد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وقد يكون كل ما نص عليه في الاتفاق، وما تدفعه الشركة قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وفي الكثير لا تدفع شيئا، بل ترد ما أخذت مضافا إليه بعض ما كسبت، فهل يكون كل ذلك خاليا من الغرر؟. ويقرر الأستاذ أن التفاوت في المبادلات لا يمنع الصحة، ونقول: إنه لا تفاوت هنا فقط، إنما هو الاحتمال وعدم التعيين، والاختلاف في قيم الأبدال في المعاوضات العادية لا احتمال فيها، وحيث كان الاحتمال فهو الغرر والقمار فليس ثمة بدل يتعين قليلا أو كثيرا، ولذلك قرر فقهاء القانون المدني أن عقد التأمين عقد محله احتمالي ولا مانع عندهم من جوازه، ولكن الأستاذ الجليل مصطفى الزرقا يقول: لا غرر مطلقا، بل لا احتمال في محل العقد، فإن كل العقد هو الأمان (١).

стр. 8193

ب - عقود التأمين فيها جهالة توجب التحريم. وقبل ذكر كلام المحدثين في الاستدلال بذلك والمناقشة نذكر كلام الفقهاء في المصادر التي رجع إليها المانعون في استدلالهم على تحريم التأمين.

стр. 8194

لقد وردت أدلة في حكم بيع المجهول نذكر منها ما فيه كفاية، ثم نذكر كلام الفقهاء في حكم بيع المجهول. أما الأدلة فمنها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وعن بيعتين، ونهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض (١)» الحديث. هذه رواية البخاري ومسلم إلا أن اللفظ للبخاري. قال ابن الأثير: الملامسة والمنابذة قد مر تفسيرهما في الحديث ونزيدها هنا بيانا. قال: هو أن يقول إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المبيع من وراء ثوب ولا ينظر إليه، ثم يقع البيع عليه، وهذا هو بيع الغرر والمجهول. وأما المنابذة فهي أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا نبذت إلي الثوب ونبذته إليك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع. وقال الفقهاء نحو ذلك في الملامسة والمنابذة وهذا لفظهم. قالوا الملامسة: أن يقول: مهما لمست ثوبي فهو مبيع منك، وهو باطل؛ لأنه تعليق وعدول عن الصيغة الشرعية، وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل في ظلمة قاطعا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم وهو غير نافذ، قالوا: والمنابذة في معنى الملامسة، وقيل: معناه أن يتنابذ السلع وتكون معاطاة فلا ينعقد بها البيع عند الشافعي ﵀ (٢).

стр. 8195

ومنها ما رواه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع حبل الحبلة (١)»، وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع لحم الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، هذه رواية الموطأ، وفي رواية البخاري ومسلم قال «كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة (٢)»، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وفي أخرى للبخاري نحوه وقال: ثم تنتج التي في بطنها، وفي أخرى له قال: «كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة فنهى النبي ﷺ عنه (٣)»، ثم فسره نافع: أن تنتج الناقة ما في بطنها. قال ابن الأثير: " حبل الحبلة " مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل، وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، وذلك أن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن يكون أنثى، وإنما نهى عنه؛ لأنه غرر، والحبل الأول يراد به ما في بطن النوق، والثاني حبل الذي في بطن النوق (٤). وأما معنى المجهول في اللغة والاصطلاح، فقال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة "جهل " الجيم والهاء واللام أصلان: أحدهما خلاف العلم. . . فالأول الجهل نقيض العلم، ويقال للمفازة التي لا علم بها مجهل (٥). وقال الفيروز أبادي: " جهله " كسمعه جهلا وجهالة ضد علمه (٦). وقال أيضا: والجهل نقيض العلم، جهله يجهله جهلا وجهالة، وجهل
следующие страницы →