← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

وعدمه، فإنه إن لم يقع الخطر ظلت أمواله وحقوقه ومصالحه سليمة، وإن وقع الخطر عليها أحياها التعويض، فوقوع الخطر وعدمه بالنسبة إليه سيان بعد عقد التأمين، وهذا ثمرة الأمان والاطمئنان الذي منحه إياها المؤمن نتيجة للعقد في مقابل القسط، وهنا المعاوضة الحقيقية على أن عنصر الاحتمال قد قبله الفقهاء في الكفالة ولو عظم، فقد نصوا على أن الإنسان لو قال لآخر: تعامل مع فلان وما يثبت لك عليه من حقوق فأنا كفيل به، صحت الكفالة هكذا، رغم الاحتمال في وجود الدين في المستقبل وجهالة مقداره؟. وصرحوا بصحة تعليقها على الخطر المحض في الشرط الملائم، كما لو قال الشخص لدائن: إن أفلس مدينك فلان أو مات في هذا الشهر مثلا أو إن سافر فأنا كفيله، فإن الكفالة تنعقد صحيحة ويلتزم بموجبها إن وقع الشرط. فعلى فرض وجود غرر في عقد التأمين ليس هو من الغرر الممنوع شرعا، بل من النوع المقبول، فإن قيل: إن الأمان ليس مالا يقابل بعوض؟ قلنا: إن الأمان أعظم ثمرات الحياة، وهو الذي امتن الله به على قريش بقوله: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ﴾ (١) ﴿الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢) وإن الإنسان يسعى ويكد ويكدح ويبذل أغلى الأثمان من ماله وراحته في سبيل الحصول على الأمان والاطمئنان لنفسه ولأسرته ولحقوقهم ولمستقبلهم، فأي دليل في الشرع يثبت أنه لا يجوز الحصول عليه لقاء مقابل؟ هذا تحكم في شرع الله. وإننا نجد في بعض العقود القديمة المتفق بين جميع المذاهب الفقهية على شرعيتها ما يشهد لجواز بذل المال بطريق التعاقد بغية الاطمئنان والأمان على الأموال، ذلك هو عقد الاستئجار على الحراسة (٣).

стр. 8192

وأجاب الأستاذ أبو زهرة عن ذلك فقال: ولقد قرر المانعون لعقد التأمين غير التعاوني أن فيه غررا، فمحل العقد فيه غير ثابت، وغير محقق الوجود، فيكون كبيع ما تخرجه شبكة الصائد وكبيع ما يكون في بطن الحيوان، ووجه المشابهة أن المبيع في هذه الصور غير معلوم محله، وغير مؤكد الوجود، بل الوجود فيه احتمالي، وكذلك التأمين غير التعاوني محل العقد غير ثابت، فما هو محل العقد؟ أهو المدفوع من المستأمن، أم المدفوع من الشركة المؤمنة، أم هما معا باعتبار أن ذلك العقد من الصرف، ولا يكون مخرجا إلا على ذلك النحو، ولا شك أن ما يدفعه المستأمن غير متعين، فقد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وقد يكون كل ما نص عليه في الاتفاق، وما تدفعه الشركة قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، وفي الكثير لا تدفع شيئا، بل ترد ما أخذت مضافا إليه بعض ما كسبت، فهل يكون كل ذلك خاليا من الغرر؟. ويقرر الأستاذ أن التفاوت في المبادلات لا يمنع الصحة، ونقول: إنه لا تفاوت هنا فقط، إنما هو الاحتمال وعدم التعيين، والاختلاف في قيم الأبدال في المعاوضات العادية لا احتمال فيها، وحيث كان الاحتمال فهو الغرر والقمار فليس ثمة بدل يتعين قليلا أو كثيرا، ولذلك قرر فقهاء القانون المدني أن عقد التأمين عقد محله احتمالي ولا مانع عندهم من جوازه، ولكن الأستاذ الجليل مصطفى الزرقا يقول: لا غرر مطلقا، بل لا احتمال في محل العقد، فإن كل العقد هو الأمان (١).

стр. 8193

ب - عقود التأمين فيها جهالة توجب التحريم. وقبل ذكر كلام المحدثين في الاستدلال بذلك والمناقشة نذكر كلام الفقهاء في المصادر التي رجع إليها المانعون في استدلالهم على تحريم التأمين.

стр. 8194

لقد وردت أدلة في حكم بيع المجهول نذكر منها ما فيه كفاية، ثم نذكر كلام الفقهاء في حكم بيع المجهول. أما الأدلة فمنها ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «نهى رسول الله ﷺ عن لبستين وعن بيعتين، ونهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل ثوبه، وينبذ الآخر بثوبه ويكون ذلك بيعهما عن غير نظر ولا تراض (١)» الحديث. هذه رواية البخاري ومسلم إلا أن اللفظ للبخاري. قال ابن الأثير: الملامسة والمنابذة قد مر تفسيرهما في الحديث ونزيدها هنا بيانا. قال: هو أن يقول إذا لمست ثوبي أو لمست ثوبك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يلمس المبيع من وراء ثوب ولا ينظر إليه، ثم يقع البيع عليه، وهذا هو بيع الغرر والمجهول. وأما المنابذة فهي أن يقول أحد المتبايعين للآخر: إذا نبذت إلي الثوب ونبذته إليك فقد وجب البيع، وقيل: هو أن يقول: إذا نبذت إليك الحصاة فقد وجب البيع. وقال الفقهاء نحو ذلك في الملامسة والمنابذة وهذا لفظهم. قالوا الملامسة: أن يقول: مهما لمست ثوبي فهو مبيع منك، وهو باطل؛ لأنه تعليق وعدول عن الصيغة الشرعية، وقيل: معناه أن يجعل اللمس بالليل في ظلمة قاطعا للخيار، ويرجع ذلك إلى تعليق اللزوم وهو غير نافذ، قالوا: والمنابذة في معنى الملامسة، وقيل: معناه أن يتنابذ السلع وتكون معاطاة فلا ينعقد بها البيع عند الشافعي ﵀ (٢).

стр. 8195

ومنها ما رواه البخاري ومسلم ومالك وغيرهم عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ «نهى عن بيع حبل الحبلة (١)»، وكان بيعا يبتاعه أهل الجاهلية، وكان الرجل يبتاع لحم الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها، هذه رواية الموطأ، وفي رواية البخاري ومسلم قال «كان أهل الجاهلية يبتاعون لحوم الجزور إلى حبل الحبلة (٢)»، وحبل الحبلة أن تنتج الناقة ما في بطنها ثم تحمل التي نتجت، فنهاهم النبي ﷺ عن ذلك، وفي أخرى للبخاري نحوه وقال: ثم تنتج التي في بطنها، وفي أخرى له قال: «كانوا يبتاعون الجزور إلى حبل الحبلة فنهى النبي ﷺ عنه (٣)»، ثم فسره نافع: أن تنتج الناقة ما في بطنها. قال ابن الأثير: " حبل الحبلة " مصدر سمي به المحمول كما سمي بالحمل، وإنما أدخلت عليه التاء للإشعار بمعنى الأنوثة فيه، وذلك أن معناه أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن يكون أنثى، وإنما نهى عنه؛ لأنه غرر، والحبل الأول يراد به ما في بطن النوق، والثاني حبل الذي في بطن النوق (٤). وأما معنى المجهول في اللغة والاصطلاح، فقال أحمد بن فارس بن زكريا في مادة "جهل " الجيم والهاء واللام أصلان: أحدهما خلاف العلم. . . فالأول الجهل نقيض العلم، ويقال للمفازة التي لا علم بها مجهل (٥). وقال الفيروز أبادي: " جهله " كسمعه جهلا وجهالة ضد علمه (٦). وقال أيضا: والجهل نقيض العلم، جهله يجهله جهلا وجهالة، وجهل

стр. 8196

عليه أظهر الجهل كتجاهل وهو جاهل. . . والجهل على ثلاثة أضرب: الأول: خلو النفس من العلم هذا هو الأصل وقد جعل بعض المتكلمين الجهل معنى مقتضيا للأفعال الخارجة عن النظام، كما جعل العلم معنى مقتضيا للأفعال الجارية على النظام. الثاني: اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه. الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل، سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا، كمن ترك الصلاة عمدا، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (١) فجعل فعل الهزو جهلا (٢). وقال ابن منظور في مادة "جهل ": الجهل نقيض العلم، وقد جهله فلان جهلا وجهالة وجهل عليه وتجاهل أظهر الجهل، عن سيبويه. . . والمعروف في كلام العرب جهلت الشيء إذا لم تعرفه (٣). انتهى المقصود.

стр. 8197

وأما كلام الفقهاء: فقد ذكر السمرقندي من البيوع الفاسدة هذا النوع، فقال: منها أن يكون المبيع مجهولا أو الثمن مجهولا جهالة توجب المنازعة؛ لأنها مانعة عن التسليم والتسلم، وبدونهما يكون البيع فاسدا؛ لأنه لا يفيد مقصوده، بيانه: إذا اشترى شاة من قطيع، أو اشترى أحد الأشياء الأربعة بكذا على أنه بالخيار بين أن يأخذ واحدا منها ويرد الباقي، أو اشترى أحد الأشياء الثلاثة، أو أحد الشيئين ولم يذكر فيه الخيار، فأما إذا ذكر الثلاثة أو الاثنين وشرط الخيار لنفسه بين أن يأخذ واحدا ويرد الباقي فهذا جائز

стр. 8198

استحسانا اعتبارا بشرط الخيار ثلاثة أيام. وهل يشترط فيه ذكر مدة خيار الشرط، اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه لا يشترط، وكذا إذا باع العبد بمائة شاة من هذا القطيع ونحوه، لا يجوز لجهالة الثمن. فأما الجهالة التي لا تفضي إلى المنازعة فلا تمنع الجواز، فإنه إذا باع قفيزا من صبرة معينة بدراهم، أو باع هذا العدل من الثياب بكذا ولا يعرف عددها، أو باع هذه الصبرة بكذا ولا يعرف عدد القفزان جاز لما ذكرنا، وعلى هذا: إذا اشترى شيئا لم يره، بأن اشترى فرسا مجللا، أو جارية منتقبة، أو كرى حنطة في هذا البيت، أو عبدا تركيا في هذا البيت، فإنه يجوز إذا وجد كذلك وللمشتري الخيار، وعند الشافعي فاسد، ولو باع هذا العبد بقيمته فهو فاسد؛ لأن القيمة تعرف بالحزر والظن، وكذا لو اشترى عدلا زطيا أو جرابا هرويا بقيمته لما قلنا، ولو اشترى بحكم البائع أو المشتري أو بحكم فلان فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول، وكذلك لو اشترى شيئا بألف درهم إلا دينارا أو بمائة دينار إلا درهما؛ لأن معناه إلا قدر قيمة الدينار، وهذه جهالة مفضية إلى المنازعة. ولو باع وقال هو بالنسيئة كذا وبالنقد كذا فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول، وكذا لو قال بعت إلى أجل كذا أو كذا فهو فاسد؛ لأن الأجل مجهول، ولو باع إلى الحصاد والدياس أو إلى رجوع الحاج وقدومهم فالبيع فاسد لما ذكرنا، ولو باع عدلا زطيا برأس مال أو برقمه ولا يعلم المشتري رقمه ولا رأس ماله فهو فاسد؛ لأن الثمن مجهول ... (١). وقال القرافي: الفرق الثامن والمئتان بين قاعدة ما يمنع فيه الجهالة وبين قاعدة ما يشترط فيه الجهالة، بحيث لو فقدت فيه الجهالة فسد:

стр. 8199

أما ما تفسده الجهالة فهو البياعات كما تقدم، وكثير من الإجارات، ومن الإجارات قسم لا يجوز تعيين الزمان فيه، بل يترك مجهولا، وهو الأعمال في الأعيان كخياطة الثياب ونحوها، لا يجوز أن يعين زمان الخياطة بأن يقول له اليوم مثلا، فتفسد؛ لأن ذلك يوجب الغرر بتوقع تعذر العمل في ذلك اليوم، بل مصلحته ونفي الغرر عنه أن يبقى مطلقا، وكذلك الجعالة لا يجوز أن يكون العمل فيها محدودا معلوما؛ لأن ذلك يوجب الغرر في العمل بأن لا يجبر الآبق في ذلك الوقت ولا بذلك السفر المعلوم، بل نفي الغرر عن الجعالة بحصول الجهالة فيها، والجهالة في هذين القسمين شرط إن كانت في غيرهما مانعا، وههنا قاعدة شرعية تعرف بجمع الفرق، وهي أن يكون المعنى المناسب يناسب الإثبات والنفي أو يناسب الضدين، ويترتبان عليه في الشريعة وهو قليل في الفقه، فإن الوصف إذا ناسب حكما نافى ضده، أما اقتضاؤه لهما فبعيد كما تقدم بيانه في الجعالات والإجارات. ومن ذلك أيضا الحجر يقتضي رد التصرفات وإطلاق التصرفات في حالة الحياة صونا لمال المحجور عليه على مصالحه، وتنفذ وصاياه صونا لماله على مصالحه؛ لأنا لو رددنا الوصايا لحصل المال للوارث ولم ينتفع به المحجور عليه، فصار المال على المصالح يقتضي تنفيذ التصرفات ورد التصرفات، وكذلك القرابة توجب البر بدفع المال، وتوجب المنع من دفع المال إذا كان زكاة، فيحرموا إياها وتعطى لغيرهم بسبب القرابة، وكذلك أقرباء رسول الله ﷺ يجب برهم بسد خلاتهم بالمال، ويحرم دفع المال إليهم إذا كان زكاة، فصار قربهم من رسول الله ﷺ يوجب دفع المال ومنع المال باعتبار مالين ونسبتين، وكذلك كل معنى يوجب مصلحة أو يفسده ويوجب نقيضها في محل آخر، وباعتبار نسبة آخرى، فإنه يوجب الضدين وهو ضابط جميع الفرق، وسمي بذلك؛ لأنه يجمع المفرقات وهي الأضداد، فكذلك الجهالة توجب الإخلال بمصالح العقود في البياعات وأكثر أنواع الإجارات فكانت مانعة، ووجودها يوجب تحصيل مصلحة عقد

стр. 8200

الجعالة حتى يبقى المجعول له على طلبه، فيجبر الآبق فلا يذهب عمله المتقدم مجانا، فإنا إذا قيدنا عليه العمل وقدرناه معلوما، فإذا فعل ذلك العمل المعلوم ولم يجد الآبق ذهب عمله مجانا فضاعت مصلحة العقد (١). وقال الغزالي في كلامه على شروط البيع قال: " الخامس العلم " وليكن المبيع معلوم العين والقدر والصفة؛ أما العين فالجهل به مبطل، ونعنى به أنه لو قال: بعت منك عبدا من العبيد أو شاة من القطيع بطل. ولو قال: بعت صاعا من هذه الصبرة، وكانت معلومة الصيعان صح، ونزل على الإشاعة وإن كانت مجهولة الصيعان لم يصح على اختيار القفال لتعذر الإشاعة ووجود الإبهام، وإبهام ممر الأرض المبيعة كإبهام نفس المبيع، وبيع بيت من دار دون حق الممر جائز على الأصح، أما القدر فالجهل به فيما في الذمة ثمنا أو مثمنا مبطل، كقوله بعت بزنة هذه الصنجة، ولو قال بعتك هذه الصبرة كل صاع بدرهم؛ صح وإن كانت مجهولة الصيعان؛ لأن تفصيل الثمن معلوم وإن لم يعلم جملته، والغرر ينتفي به، فإن كان معينا فالوزن غير مشروط، بل يكفي عيان صبرة الحنطة والدراهم، فإن كان تحتها دكة تمنع تخمين القدر فيخرج على قولي بيع الغائب لاستواء الغرر، وقطع بعض المحققين بالبطلان لعسر إثبات الخيار مع جريان الرؤية. أما الصفة ففي اشتراط معرفتها بالعيان قولان: اختار المزني الاشتراط، وأبطل البيع ما لم يره، ولعله أصح القولين. . . (٢) وقال ابن قدامة في التمثيل لمفهوم الشرط السادس من شروط البيع " الجهالة " قال:

стр. 8201

ولا يجوز بيع الحمل في البطن، واللبن في الضرع، والمسك في الفأر، والنوى في الثمر، ولا الصوف على الظهر، وعنه يجوز بشرط جزه في الحال، ولا يجوز بيع الملامسة، وهو أن يقول: بعتك ثوبي هذا على أنك متى لمسته فهو عليك بكذا، أو يقول: أي ثوب لمسته فهو لك بكذا، ولا بيع المنابذة، وهو أن يقول: أي ثوب نبذته إلي فهو علي بكذا. . . (١) إلخ ما ذكره من الأمثلة. وقد أجاب الأستاذ الزرقا عن هذا الدليل، فقال: إن فقهاء الحنفية كانوا في قضية الجهالات التي تصاحب العقود عباقرة في تحليلهم الدقيق لطبيعة الجهالة وتمييزهم في آثارها بحسب أنواعها، فهم لا يحكمون ببطلان العقد وإفساده متى داخلته الجهالة مطلقا دون تمييز كما يفعل سواهم، بل يميزون بين جهالة تؤدي إلى مشكلة تمنع تنفيذ العقد وجهالة لا تأثير لها في التنفيذ، فالنوع الأول وهو الجهالة التي تمنع التنفيذ هو الذي يمنع صحة العقود، كما لو قال شخص لآخر " بعتك شيئا وأجرتك شيئا بكذا " ولم يعين الشيء، أو عينه ولكن لم يعين الثمن أو الأجرة، وقبل الآخر العقد بهذه الجهالة، وكذا لو باع شاة من قطيع تتفاوت آحاده، فهذا كله وأمثاله لا يصح؛ لأن هذه الجهالة تتساوى معها حجج الفريقين ويقع القاضي في مشكلة منها تمنع التنفيذ؛ لأن البائع والمؤجر يريدان تسليم الأدنى وأخذ الأعلى بحجة عدم التعيين، والمشتري والمستأجر يريدان أخذ الأعلى وإعطاء الأدنى بحجة عدم التعيين ذاتها أيضا، فالجهالة حجة متساوية للطرفين فتمنع التنفيذ، فتمنع صحة العقد. أما الجهالة التي لا تؤدي إلى هذه النتيجة فلا تؤثر في العقد مهما عظمت، كما لو صالح شخص آخر على جميع الحقوق التي له عليه كافة

стр. 8202

" ولا يعرفان مقدارها وأنواعها " لقاء بدل معين، فإن الصلح يصح وتسقط الحقوق، ذلك؛ لأن الجهالة فيها غير مانعة؛ لأن الحقوق في سقوطها لا تحتاج إلى تنفيذ، بخلاف بدل الصلح؛ لأنه يحتاج إلى تنفيذ فيجب معلوميته، وبخلاف ما لو صالحه على بعض حقوقه دون بيان هذا البعض فإن الصلح لا يصح؛ لأن الحقوق غير المصالح عنها باقية تحتاج إلى تنفيذ فيجب معرفتها. هذه نظرية الحنفية في قضية الجهالة المصاحبة تكوين العقد، وعليها بنوا صحة الوكالة العامة خلافا للشافعية، كما بنوا صحة الكفالة بما سيثبت من الحقوق كما سبقت الإشارة إليه، وينطبق هذا المبدأ على أقساط التأمين على الحياة، نجد أن الجهالة فيها هي من النوع غير المانع كما هو واضح؛ لأن مبلغ كل قسط عند حلول ميعاده هو مبلغ معلوم، أما كمية الأقساط فهي التي فيها الجهالة، وهي لا تمنع التنفيذ مادام المؤمن قد تعهد بأن يدفع التعويض المتفق على دفعه عند وفاة المؤمن له إلى أسرته مثلا في أي وقت حصلت الوفاة ضمن المدة المحددة بالعقد، ومهما بلغ عدد الأقساط قلة أو كثرة، وذلك نظير ما قال الحنفية من صحة بيع محتويات صندوق مغلق دون معرفة أنواعها وكمياتها، فإنهم يرون أن هذه الجهالة رغم فحشها لا تمنع تنفيذ العقد وفقا لما اتفق عليه الطرفان؛ لأن البائع التزم بإرادته التنازل عن هذا المبيع مهما بلغ لقاء الثمن المعين، والمشتري قد قبله مهما بلغ أيضا، فكل منهما يمكن إلزامه بإرادته الواضحة (١).

стр. 8203

ج: قالوا: عقود التأمين من القمار والقمار ممنوع، فتكون عقود التأمين ممنوعة: وقبل ذكر كلام المحدثين في هذا الدليل نذكر ما يستدل به من

стр. 8204

القرآن على تحريم القمار وبيان معناه، وأنه من الميسر الذي دلت النصوص على تحريمه. أما ما يستدل به على تحريم القمار فقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١) الآية. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٢) وأما معناه وبيان أنه من الميسر الذي دلت النصوص على تحريمه. فقال ابن منظور في مادة "قمر": وقامر الرجل مقامرة وقمارا راهنه، وهو التفاخر والقمار والمقامرة، وتقامروا لعبوا القمار، وقميرك الذي يقامرك. عن ابن جني: وجمعه أقمار عنه أيضا، وهو شاذ كنصير وأنصار، وقد قمره يقمره قمرا، وفي حديث أبي هريرة من قال: تعال أقامرك فليتصدق بقدر ما أراد أن يجعله خطرا في القمار. الجوهري: قمرت الرجل أقمره بالكسر إذا لاعبته فيه فغلبته، وقامرته فقمرته أقمره بالضم إذا فاخرته فيه فغلبته، وتقمر الرجل غلب من يقامره (٣). وقال ابن جرير: وأما الميسر فإنها المفعل من قول القائل: يسر لي هذا الأمر إذا وجب لي، فهو ييسر لي يسرا وميسرا، والياسر الواجب بقداح أوجبت ذلك أو مباحة أو غير ذلك، ثم قيل للمقامر ياسر ويسر، كما قال الشاعر: فبت كأنني يسر غبين ... يقلب بعدما اختلج القداحا كما قال النابغة: أو ياسر ذهب القداح بعرفي ... أسف بآكله الصديق مخلع

стр. 8205

يعنى بالياسر المقامر، وقيل للمقامر ميسر، وكان مجاهد يقول نحو ما قلنا في ذلك، ثم ساق ﵀ جملة من الآثار عن مجاهد ومحمد بن سيرين وغيرهما أن القمار من الميسر (١). وقال القرطبي: الرابعة قوله تعالى: والميسر الميسر قمار العرب بالأزلام، قال ابن عباس: كان الرجل في الجاهلية يخاطر الرجل على أهله وماله فأيهما قمر صاحبه ذهب بماله وأهله فنزلت الآية. وقال مجاهد ومحمد بن سيرين والحسن وابن المسيب وعطاء وقتادة ومعاوية بن صالح وطاووس وعلي بن أبي طالب ﵁ وابن عباس أيضا: كل شيء فيه قمار من نرد وشطرنج فهو الميسر، حتى لعب الصبيان بالجوز والكعاب، إلا ما أبيح من الرهان في الخيل والقرعة في إفراز الحقوق على ما يأتي. وقال مالك: الميسر ميسران؛ ميسر اللهو وميسر القمار، فمن ميسر اللهو النرد والشطرنج والملاهي كلها، وميسر القمار ما يتخاطر الناس عليه، قال علي بن أبي طالب: الشطرنج ميسر العجم، وكل ما قومر به فهو ميسر عند مالك وغيره من العلماء (٢). وقال ابن كثير: وقال موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵁ قال: الميسر هو القمار، وقال الضحاك عن ابن عباس قال: الميسر هو القمار، كانوا يتقامرون في الجاهلية إلى مجيء الإسلام، فنهاهم الله عن هذه الأخلاق القبيحة، وقال مالك عن داود بن الحصين إنه سمع سعيد بن المسيب يقول: كان ميسر العرب في الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (٣).

стр. 8206

وفيما يلي كلام المحدثين في الاستدلال على تحريم التأمين لكونه قمارا: قال الشيخ محمد بخيت المطيعي مفتي الديار المصرية في رسالته "السوكرتاه ": عقد التأمين عقد فاسد شرعا، وذلك لأنه معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع، فهو قمار معنى- ص ٢٤ - ويقول الشيخ أحمد إبراهيم في التأمين على الحياة: أما إذا مات المؤمن له قبل إيفاء جميع الأقساط وقد يموت بعد دفع قسط واحد فقط، وقد يكون الباقي مبلغا عظيما جدا؛ لأن مبلغ التأمين على الحياة موكول تقديره إلى طرفي العقد على ما هو معلوم، فإذا أدت الشركة المبلغ المتفق عليه كاملا لورثته أو لمن جعل له المؤمن ولاية قبض ما التزمت به الشركة بعد موته، ففي مقابل أي شيء دفعت الشركة هذا المبلغ؟ أليس هذا مخاطرة ومقامرة؟ وإذا لم يكن هذا من صميم المقامرة ففي أي شيء تكون المقامرة إذن، على أن المقامرة حاصلة أيضا من ناحية أخرى، فإن المؤمن له بعد أن يوفي جميع ما التزمه من الأقساط يكون له كذا، وإن مات قبل أن يوفيها كلها يكون لورثته كذا، أليس هذا قمارا ومخاطرة حيث لا علم له ولا للشركة بما سيكون من الأمر على التعيين (١). المناقشات لهذا الدليل: المناقشة الأولى لمصطفى الزرقا: قال: إن القمار لعب بالحظوظ ومقتلة للأخلاق العملية والفعالية الإنسانية، وقد وصفه القرآن الكريم بأنه حبالة من حبائل الشيطان، ووسيلة من وسائله، يوقع بها بين الناس- وهم المقامرون لاعبو الميسر- العداوة والبغضاء ويلهيهم بها عن ذكر الله وعن الصلاة فأين القمار الذي

стр. 8207

هو من أعظم الآفات الخلقية والأدواء الاجتماعية، وشلل للقدرة المنتجة في الإنسان في كل نواحي النتاج العلمي والاقتصادي، أين هذا من نظام يقوم على أساس ترميم الكوارث الواقعة على الإنسان في نفسه أو ماله في مجال نشاطه العملي، وذلك بطريق التعاون على تجزئة الكوارث وتفتيتها ثم توزيعها وتشتيتها. ثم إن عقد التأمين يعطي المستأمن طمأنينة وأمانا من نتائج الأخطار الجائحة التي لولا التأمين من نتائجها إذا وقعت فإنها قد تذهب بكل ثروته أو قدرته فتكون حالقة ماحقة. فأين هذا الأمان والاطمئنان لأحد المقامرين في ألعاب القمار التي هي بذاتها الكارثة الحالقة فهل يسوغ تشبيه الشيء بضده وإلحاقه بنقيضه؟. ومن جهة ثالثة عقد التأمين من قبيل المعاوضة وهذه المعاوضة مفيدة فائدة محققة للطرفين، ففيها من حيث النتائج النهائية ربح اكتسابي للمؤمن، وفيها أمان للمستأمن من قبل تحقق الخطر وتعويضه بعد تحقيقه. فأين هذه المعاوضة في القمار؟ وما هي الفائدة التي عادت على الخاسر فيه من ربح الفائز؟. فالقمار ليس عامل التحريم الشرعي فيه عاملا اقتصاديا فقط حتى يوازن المانعون بينه وبين التأمين من حيث العوض المالي والعنصر الاحتمالي فقط، وإنما العامل في تحريم القمار شرعا هو عامل خلقي واجتماعي في الدرجة الأولى كما أشار إليه القرآن نفسه (١). وأجاب الأستاذ أبو زهرة على مناقضة الأستاذ مصطفى الزرقا: لقد أثار بعض العلماء شبهة في عقد التأمين غير التعاوني وهو أن فيه قمارا وكسبا بالباطل، فالشخص قد يدفع عشرين فيكسب مائة، وقد يدفع

стр. 8208

مائة ويسترد مائة، وأن الشركة قد تخسر مائتين وقد تكسب من مستأمن واحد ألفا، وأن ما يأخذه المستأمن أو ورثته أخذ بغير حق، ولاشيء في عقد التأمين يعد محقق الأخذ والعطاء، وأنه بهذا إن لم يكن مقامرا ففيه معنى القمار أو شبهته، ولكن الأستاذ مصطفى ينفي هذا التشابه نفيا باتا؛ لأن القمار لعب وهذا جد، ولأن القمار يؤدي إلى البغضاء ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهذا ليس فيه شيء من ذلك، ويرده بأن هذا عقد فيه التزامات متبادلة وليس القمار فيه هذا المعنى. وبالحق إن الذين شبهوه بالقمار قد لاحظوا عنصر المخاطرة، وعدم التناسق بين المكسب والخسارة، وعدم التقابل العادل في حال الكسب، وادعاء أن القمار دائما لعب - غريب؛ لأن العرب كانوا يستقسمون بالأزلام فيحكمونها في القسمة، ويعتبرون القسمة بها عادلة، وقد نهى الله عنها في قوله تعالى ﴿وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (١) واعتبر ذلك في المحرمات مع الخمر إذ قال سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٢) وهذا بلا ريب من أنواع القمار فليس كل قمار لعبا. وأما الفرق الثاني وهو أن عقود التأمين ليس فيها صد عن ذكر الله وعن الصلاة وليس فيها إيغار للحقد والحسد والبغضاء، فنقول: إن هذه حكم وأوصاف مناسبة، وليست علة يسير معها الحكم طردا أو عكسا، بحيث يكون إن وجدت ويكون الحل إن لم تكن، ومن الذين يشربون الخمر من تبدو مودتهم وعطفهم فهل يمنع التحريم بالنسبة لهم؟ وأن كون عقد التأمين عقد معاوضة لا يمنع منه معنى القمار، بل إننا نقول إنه غير متعين أن يكون عقد معاوضة؛ لأن البدلين غير ثابتين، ولا يوجد محل عقد متعين يكون أحد البدلين، بل هو غير متعين، وأي معاوضة بين من يدفع عشرين فيأخذ مائتين، ثم أليس هذا ربا، وهذا

стр. 8209

ما نراه فيما قرره الأستاذ مزيلا للشبهة، بل نرى أن مع القمار ربا مؤكدا، في حال ما إذا مات المستأمن قبل المدة؛ لأنه يدفع نقدا قليلا ويأخذ بدله نقدا كثيرا، وهذا بلا ريب ربا أو معاملة لم يحلها أحد من الأئمة. اهـ (١). وقد علق الأستاذ مصطفى الزرقا على ذلك فقال: كرر الأستاذ أبو زهرة ما يقال من أن التأمين على الحياة ينطوي على عملية قمار، وأوضح ذلك بأن العقود تقوم عادة على المساواة بين ما يؤخذ وما يعطى. أما في التأمين على الحياة فإن التعويض الذي يؤخذ من شركة التأمين حال الوفاة يكون أعظم كثيرا من مجموع الأقساط المدفوعة، فهذا التفاوت في العوضين يجعل التأمين على الحياة من قبيل القمار. وجوابنا على ذلك أقول: إن المساواة في الأبدال ليست واجبة فقها إلا في حالتين: الحالة الأولى: ضمان المتلفات، فهذه يجب فيها التعادل المطلق بقدر الإمكان، ففي الأموال المثلية يضمن الشيء بمثله؛ لأن المثل يخلف الأصل صورة ومعنى، وفي القيميات يضمن الشيء بقيمته، وهي سعره الذي يساويه في السوق بين الناس؛ لأن القيمة عند عدم المثل تعتبر خلفا للأصل معنى، وإن لم تخلفه صورة، كما هو معروف في علم أصول الفقه. الحالة الثانية: عقود المعاوضات في الأموال الربوية إذا قوبلت بجنسها كالقرض والصرف. وفقهاؤنا يقسمون الأشياء التي يتناولها الضمان إلى نوعين: أشياء مضمونة بذواتها كالمتلفات، وهذه يجب فيها التساوي، فيضمن الشيء منها بمثله أو قيمته، وأشياء مضمونة بغيرها كالمبيع في عقد البيع، فالمبيع مضمون على المشتري بالثمن لا بالقيمة، والثمن هو العوض المتفق عليه

стр. 8210

بالتراضي في عقد البيع، سواء أكان قليلا أم كثيرا، فللإنسان أن يبيع الشيء النفيس الثمين بالثمن البخس وبالعكس؛ لأن الأساس في التقويم هنا إنما هو الإرادة، هذا مع ملاحظة أن البيع لا ينطوي على أية فكرة تعاونية، بل هو معاوضة تجارية بحتة، ومع ذلك جاز فيه شرعا هذا التفاوت بين العوضين في القيمة ما دام الأساس في التقويم فيه إنما هو الإرادة. فعقد التأمين على الحياة كذلك أساس الالتزام فيه بتقدير التعويض إنما هو الإرادة، وليس كضمان المتلفات، فلا يجب فيه التعادل ولا سيما أنه عقد من نوع جديد قائم على أساس ونظام تسايرت واندمجت فيهما فكرتا المعاونة والمعاوضة، فهو أولى من البيع بقبول التفاوت وعدم التساوي فيه بين ما يؤخذ وما يعطى فأين هذا من القمار؟ (١). قد يقال: إن تعليق الأستاذ مصطفى الزرقا على كلام الأستاذ أبي زهرة ﵀ يحمل رده في طيه، فإنه ذكر لوجوب المساواة بين البدلين في المعاوضات حالتين، وذكر أن الثانية منهما عقود المعاوضات الربوية إذا قوبلت بجنسها، ومن المعروف أن العوضين في عقود التأمين - حسب واقعه - من الأموال الربوية، فوجب أن يتساويا عند وحدة الجنس، وأن تكون المعاوضة يدا بيد، ولم يتحقق ذلك في عقود التأمين، بل تفاوت العوضان، وعجل أحدهما وأخر الآخر، فلزم أن تكون عقود التأمين ربوية مع ما فيها من الخطر والمقامرة. ويمكن أن يجاب عن شبهة وجود الربا في عمليات التأمين بأن عمليات التأمين ليست نقودا بنقود، وإنما هي بيع وشراء، فالمؤمن له يشتري الأمان من المؤمن بما يدفعه له من أقساط، والمؤمن يعطيه الأمان، فإذا وقع ما يخل بالأمان اتجه الضمان على ذلك، فدفع المؤمن للمؤمن له ما يقابل ما ضمنه له من أمان عجز عن تحقيقه له.

стр. 8211

ونوقش ذلك بأن المعاوضة في التأمين تقع بين ما يدفعه المؤمن من الأقساط مقدما ومبلغ التأمين الذي تعهد المؤمن بدفعه للمؤمن له أو عنه أو للمستفيد، ثم نشأ عن ذلك ما سمي أمانا، وليس فيه بيع ولا شراء لأمان.

стр. 8212

المناقشة الثانية: للصديق محمد الأمين الضرير قال: والواقع أنه ليس من اليسير اعتبار التأمين من القمار، فإن القمار في الأصل هو الرهان على اللعب بشيء من الآلات المعدة له، ومنه الميسر الذي حرمه الله في القرآن ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) يقول أبو حيان في تفسيره: الميسر قمار أهل الجاهلية، فقد كان عرب الجاهلية يطلقون لفظة الميسر غالبا على المقامرة بالأقداح لاقتسام الجزور، فكلمة القمار في الأصل أعم من كلمة الميسر، ولكن الفقهاء أطلقوا الميسر على جميع ضروب القمار. وعن ابن سيرين ومجاهد وعطاء كل شيء فيه خطر- وهو ما يأخذه الغالب في النضال والرهان ونحوهما - فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالجوز. وذكر صاحب البحر الزخار ضابطا للقمار عند كلامه على السبق هو أن يكون كل من المتسابقين غانما أو غارما نحو- إن سبقتني فلك عشرة وإلا فهي لي عليك -. والقانون يحرم المقامرة في حين أنه يجيز عقد التأمين ولا يعتبره من القمار. ويفرق شراح القانون بين التأمين والمقامرة بأن التأمين يقوم على التعاون بين المستأمنين، ذلك التعاون الذي يؤدي إلى توزيع بين أكبر

стр. 8213

عدد ممكن من الأفراد بدلا من أن يقع عبء الكارثة على فرد واحد. ويؤدي أيضا إلى كفالة الأمان للمستأمن والمؤمن معا، فالمستأمن واثق من الحصول على ما التزم المؤمن بأدائه، والمؤمن واثق أيضا من وفاء ما التزم به؛ لأن التعويض سيدفع من الرصيد المشترك الذي تعاون المستأمنون على جمعه لا من مال المؤمن الخاص، وهذا الأمان هو الغاية الأساسية التي يسعى إليها كل مستأمن. فالشخص الذي يؤمن على حياته أو يؤمن على ماله ضد الحريق - مثلا - إنما يفعل ذلك بغرض التحصين عن خطر محتمل لا يقوى على تحمله وحده، وهذه المعاني غير موجودة في المقامرة، فإن المقامر لا يتحصن من خطر وإنما يوقع نفسه في الخطر، وهو عرضة لأن يفقد ماله جريا وراء ربح غير محقق بطبيعته موكول للحظ. وعلى هذا فلست أرى ما يبرر قياس التأمين على المقامرة قياسا صحيحا، فالتأمين جد والمقامرة لعب، والتأمين يعتمد على أسس علمية، والمقامرة تعتمد على الحظ، وفي التأمين ابتعاد عن المخاطر وكفالة للأمان واحتياط للمستقبل، وفي المقامرة خلق للمخاطر، وابتعاد عن الأمان، وتعرض لمتاعب المستقبل، فكيف يستويان؟ (١). ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بما يأتي: أولا- ما ذكره من أن الميسر أخص من القمار، وأن الفقهاء هم الذين أطلقوا الميسر على جميع ضروب القمار- مردود بما تقدم من المنقول عن الصحابة والتابعين من أن كل قمار ميسر، وأن الميسر القمار كله. . . . . إلخ. ثانيا- ما ذكره من أن القانون يحرم المقامرة في حين أنه يجيز عقد التأمين ولا يعتبره قمارا، وأن شراح القانون يفرقون بين التأمين والمقامرة. . إلخ

стр. 8214

- مردود بأن رجال القانون والتأمين ليسوا مرجعا في بيان الأحكام الشرعية، ومجرد تسميتهم التأمين تعاونا لا يكسبه معنى التعاون شرعا، بل يرجع في ذلك إلى واقع نظام التأمين وعقوده وتلحق بقاعدتها، ونظيرها عند فقهاء الشريعة اسما وحكما، وبالرجوع إلى واقعة يتبين أنها من العقود المالية التجارية. ثالثا - ما ذكره من الفروق بين القمار والتأمين تقدم جوابه في كلام الأستاذ أبي زهرة.

стр. 8215

المناقشة الثالثة: للأستاذ أحمد محمد دانش. قال: هذا الاعتراض لا يقول به إلا من يجهل التأمين جهلا تاما، فالتأمين لا يسمى تأمينا إذا لم يتم بين فردين، والتأمين قائم أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة أو على نظرية التعاون بين أفراد كثيرين، والأصل في التأمين أن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، ولكنه يحفظ بها ماله على نفسه. كل هذه الأسس تتعارض تماما مع الأسس التي يقوم عليها الميسر أو المقامرة، ففي الميسر يخلق الإنسان الفرصة التي يتحقق بها المكسب أو الخسارة خلقا، فهو مثلا يقذف بلية أو كرة في صحن دائري مرقم، والرقم الذي تقف عليه الكرة هو الرقم الكاسب وباقي الأرقام تعتبر خاسرة، ويدخل المقامر فيضع بعض ماله على رقم من هذه الأرقام معتمدا على الصدفة أو الحظ، فإن وقفت الكرة على الرقم الذي اختاره، كسب، وإلا فهو من الخاسرين، ويأتي بمجموعة من الورق المرقم متحد في الشكل مختلف في اللون والرقم كورق "الكوتشينه " ويقامر ببعض ماله على الورقة التي يسحبها من هذه المجموعة ذات لون معين أو رقم محدد، فإن جاء اللون الذي عينه أو الرقم الذي حدده فقد كسب وإلا فهو من الخاسرين

стр. 8216

هذا هو أساس المقامرة أن تخلق الصدفة خلقا وأن تعرض نفسك ومالك لحكم هذه الصدفة التي تخلقها، ورائدك أن تخلق ربحا وأنت في الغالب من الخاسرين، والميسر كما ترى فيه منفعة، ولكن فيه إثم، وإثمه أكبر من نفعه، وهو رجس من عمل الشيطان يجب اجتنابه والبعد عنه. أما التأمين فعلى العكس من ذلك، إذ أن الضرر الذي نخشاه واقع لا محالة، فالمشاهد - مثلا - أنه ما من سنة مرت بدون خسارة لحقت بعض الناس من حريق منازلهم أو محاصيلهم أو متاجرهم، والذي لا نعلمه؛ لأنه في ضمير الغيب هو من الذي سيصيبه الضرر، فإن تركت الأمور تجري في أعنتها بدون أن تعقلها، فإنك سوف لا تبيتن خالي البال، أما إن عقلتها وذلك بتعاونك مع زملائك من أصحاب المنازل والمحاصيل والمتاجر، وسلحت نفسك بعقد التأمين فتوكل على الله فسوف لا يصيبك الضرر حتى ولو حل بالمنزل الذي تملكه أو المتجر الذي تديره، فعقد التأمين لا يمنع ولا يرد القضاء، ولكنه يحقق اللطف وهو الوسيلة التي يتحقق بها الإنسان من إجابة دعائه عندما يدعو "اللهم إنا لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه " والرجل الذي يكسب عيشه بنفسه وكده واجتهاده، يرى أنه لو مات فإنه يترك وراءه ذرية ضعافا، وأن الخير فيما قاله الرسول - صلوات الله عليه - «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس (١)» والسبيل إلى ذلك هو الادخار عن طريق التأمين؛ لأن الادخار وحده قد لا يكفي إذا كان حبل الأجل قصيرا لتكوين المال اللازم لوقايتهم شر السؤال، وإنما الذي يكفي هو الادخار مع التعاون بين القادرين. وعقد التأمين على الحياة هو العقد الوحيد الذي يجمع بين هاتين الصفتين، وهو ليس قمارا إذا أخذ الورثة المبلغ المؤمن قبل انتهاء المدة وإنما هو تعاون، والشخص لا يقامر بحياته ليأخذ ورثته المبلغ المؤمن، ولكنه في الحقيقة يدخره قرشا قرشا لو امتد به الأجل كما رأينا في المثل الذي ضربناه سابقا.

стр. 8217

ثم هو يتعاون مع زملائه بمبلغ آخر يكفي إذا ما ضم إلى ما يدفعه الآخرون لتكملة ما تركه الذين سبق إليهم حكم القدر. ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بما يأتي: أولا- إن تحريم عقود التأمين مبني على أنها عقود معاوضة تجارية فيها مخاطرة لا على مجرد تسميتها عقود تأمين، ولا على قلة عدد الأطراف المتعاقدين أو كثرتهم، وقيام التأمين أساسا على نظرية الأعداد الكبيرة والأفراد الكثيرة، وأن لا يربح المتعاقد من عملية التأمين، بل يراعى أن يكون الربح أصالة لشركات التأمين وقيام التأمين على هذا من التعسف في وضع نظامه، والاحتياط بالشروط للاستئثار باتخاذه طريقا للتجارة والربح دون المؤمن له، وهذا الاحتياط لا يدفع ما في عقود التأمين من المخاطرة والمقامرة، بل جمع إلى ذلك آفة أخلاقية هي الأثرة الممقوتة في المعاوضات المالية. ثانيا- ما ذكر في المناقشة من أن في التأمين تعاونا على بعث الطمأنينة وتحمل الأخطار، مردود بأن القصد الأول في عقود التأمين إلى المعاوضة التجارية للكسب، وقد يتم التعاون تبعا، وليس كل عقود المعاوضة تضمنت منفعة أو تعاونا مشروعة، بل قد يكون فيها من الخطر والإثم ما يطغى على ما فيها من التعاون والنفع كما في عقود التأمين. ثالثا - ما ذكر في المناقشة من أمثلة للقمار إنما هو بيان لأنواع منه، وليس الميسر والقمار قاصرا على ذلك، بل يعم كل ما فيه مخاطرة. رابعا - ما ذكر في المناقشة من الحث على الاحتياط لمن قد يخلفه من بعده من ورثة ضعفاء والاستدلال على هذا بحديث: «إنك إن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم فقراء يتكففون الناس (١)» - فهو مما جاءت به الشريعة، ولا نزاع فيه بين المسلمين، ولكن ينبغي له أن يجتهد لهم فيما

стр. 8218

ينفعهم به في حياته وبعد مماته من طرق مشروعة وليس منها التأمين المعروف، وطرق الكسب الحلال كثيرة متنوعة لا يحتاج الإنسان معها إلى الارتكاس في عقود التأمين.

стр. 8219

المناقشة الرابعة للشيخ الحجوي: قال: وأما من زعم من علماء الوقت أن ضمان المال "السكرتاه " من الميسر والقمار المحرم بنص القرآن فهو خروج عن محل الاستنباط المعقول، فإن في المعنى المراد من لفظ الميسر اختلافا بين أهل العلم حتى قال ابن العربي في الأحكام في سورة البقرة: ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله، فما حرم الله فعله وجهلناه حمدنا الله عليه وشكرناه هـ[عدد ٦٣ ج ١]، وإذا كان ابن العربي يجهله ولم يحقق ما هو كان مجملا، والمجمل لا تقوم به حجة كما هو مقرر في الأصول. كيف نلحق الضمان بأمر مجهول وهو الميسر، وقد حكى ابن الجصاص وغيره أقوالا في تفسيره فسقط الاستدلال بآية الميسر. ولم يقم له بها حجة لا لإجمالها على أن القمار أو الخطار أو الميسر الذي هو محرم بإجماع ولا يختلف فيه اثنان هو أن ينزل هذا مائة وهذا مائة ويلعبان لعبا فمن غلب أخذ جميع المائتين، كما عند الزرقا في شرح الموطأ عدد [٣٢٦ ج ٢] ومثله للحافظ في فتح الباري، فانظره. ومن ذلك خطار أبي بكر مع أبي بن خلف لما نزل قوله تعالى ﴿الم﴾ (١) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (٢) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (٣) وكان ذلك قبل تحريمه، انظر الكشاف وحديثه في الترمذي حسن صحيح غريب بألفاظ مختلفة، وما أبعد هذه الصورة من صورة الضمان بعد السماء من الأرض، والفروق بينهما أظهر من أن تبين فكيف تقاس إحداهما على الأخرى. انتهى (٤).

стр. 8220

ويمكن أن يجاب عن هذه المناقشة بأنه ليس كل اختلاف في تفسير آية أو حديث يقتضي الإجمال في ذلك، فقد يكون اختلاف تنوع أو اختلافا في التعبير، وما ذكر في تفسير الآية من الأقوال بعضه من الاختلاف في التعبير، وبعضه من اختلاف التنوع فلا يوجب إجمالا في الآية، وعلى هذا يكون الاستدلال بالآية قائما. ومعنى جهل ابن العربي للميسر عدم معرفته باللعب به عمليا لقوله: "ما كنا نشتغل به بعد أن حرمه الله " لا عدم معرفته بتفسيره وبيان معناه لغة وشرعا.

стр. 8221

د - قالوا التأمين يتضمن ربا النساء والفضل وكل منهما ممنوع . وبيانه أن ما تدفعه شركة التأمين للمستأمن أو لورثته عند حصول الخطر المحدد في العقد له ثلاث حالات: إما أن يكون أقل أو أكثر مما دفعه المستأمن، أو يكون مساويا له وفي كل ذلك يكون دفع الشركة لصاحب الحق واقعا بعد دفعه أقساط التأمين بفترة هي في الحقيقة مجهولة النهاية عند العقد، فهو ربا فضل من جهة ما إذا دفعت الشركة للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه لها، ونسيئة بالنظر إلى أن وقت الدفع مؤجل، فهو في الحقيقة بيع دراهم بدراهم مثلا إلى أجل، فتبين أن في حالة التساوي يكون فيه ربا النساء، وفي حالة الزيادة يكون فيه ربا الفضل والنساء، وكل منهما محرم بانفراده فكيف إذا اجتمعا. هذا من جهة. ومن جهة أخرى شركات التأمين تستثمر احتياطي أموالها بطريق الربا، وأن المستأمن في التأمين على الحياة إذا بقي حيا بعد انقضاء المدة المحددة بالعقد يسترد الأقساط التي دفعها مع فائدة التأمين، وهذا محرم شرعا (١)

стр. 8222

وأجاب الأستاذ الزرقاء عن ذلك قائلا: إننا إنما نتكلم في التأمين من حيث هو نظام قانوني، ولا نتكلم فيما تقوم به الشركات من أعمال وعقود أخرى مشروعة أو ممنوعة، كما أن أخذ المستأمن في التأمين على الحياة فائدة ربوية علاوة على مبلغ الأقساط التي يستفيدها إذا ظل حيا بعد المدة في العقد، ليس من ضرورة التأمين على الحياة ولوازمه من حيث كونه نظاما تأمينيا، بل هذا شرط يشرط في العقد يمكن الحكم عليه وحده دون الحكم على نظام التأمين في ذاته، وهنا يجب الانتباه إلى نقطة عظيمة الأهمية في هذا البحث وهي أننا إذا وجدنا أن قواعد الشريعة ونصوصها لا تقتضي منع التأمين، فإنما نحكم بصحته من حيث كونه نظاما يؤدي بمقتضى فكرته الأصلية وطريقته الفنية إلى مصلحة مشروعة، ولا نحكم شرعا بصحة كل شرط يشرطه العاقدان فيه ربا ولو سوغه القانون. وحكمنا بالمشروعية على النظام في ذاته ليس معناه إقرار جميع الأساليب التعاملية والاقتصادية التي تلجأ إليها شركات التأمين، ولا إقرار جميع ما يتعارف بعض الناس في بعض الدول أو الأماكن من التأمين فيه، بل إن نظام التأمين في ذاته إذا كان صحيحا شرعا فإن كل شرط يشرطه في عقده بعد ذلك وكل أسلوب تتعامل به شركات التأمين هو أمر منفصل عن الحكم بصحة النظام في ذاته، وخاضع لمقاييس الشريعة في الشروط العقدية والمحل العقدي، فقد يحكم على عقد التأمين بعدم صحة شرط غير مقبول شرعا ورد فيه كما أباحت الشريعة البيع والإجارة وسائر العقود المشروعة في ذاتها، وفي الوقت نفسه يمنع فيها بعض شروط يشرطها العاقدان منافية لقواعد الشريعة، وقد تبطل الشروط هذه العقود، وليس معنى ذلك أن العقد في ذاته غير مشروع، ففي بعض الدول اليوم تقوم شركات التأمين على تأمين الأشخاص المرشحين للانتخابات العامة من فشلهم في تلك الانتخابات للكراسي النيابية أو البلدية ونحوها، وقواعد الشريعة

стр. 8223

تأبى مثل هذا الموضوع وليس من ضرورة قبول نظام التأمين شرعا قبول مثل هذه الحالات (١). وجواب آخر: على أي أساس يبنى هذا الاعتراض؟ الواقع من الأمر أن قسط التأمين على الحياة يتكون من جزئين: ١ - جزء يغطي الضرر المادي الذي يقع على الورثة عند وفاة عائلهم، وهذا الجزء أو هذا النوع من التغطية صورة طبق الأصل لما سبق شرحه من أنواع التأمين الأخرى - أي أنه للتعاون بين الأعضاء وهو مباح كما سبق لنا القول. ٢ - والجزء الثاني يدخر ويتجمع باستمرار مدة العقد لكي يسلم للعضو إذا كان على قيد الحياة في آخر مدة التعاقد، فإذا لم يستمر هذا الجزء، وهو ممكن طبعا ورأينا حبسه في الخزائن حتى يحين موعد تسليمه، فإن عملية التأمين تصبح عملية ادخار محض مضافا إليها عملية تعاون، وأعتقد أنه لا اعتراض مطلقا لأحد على ذلك؛ لأنه ليس هناك استثمار أو فائدة أو ربا أو شبه الربا، وبذلك يكون العقد على هذه الصورة مباحا وحلالا. انتهى المقصود (٢). ويمكن أن يناقش جواب الأستاذ مصطفى الزرقا بما يأتي: أولا - أنه تسليم بتحريم عقود التأمين التي اشترط فيها الربا. ثانيا - أنه على تقدير الدخول على إسقاط شرط نسبة ربوية على مبلغ التأمين لا يمكن التخلص مما في التأمين من ربا النساء في أي حال، ولا من ربا الفضل عند تفاوت العوضين؛ لأن تأجيل مبلغ التأمين أو عوض الخطر أصيل في التعاقد، وتماثل العوضين مشكوك فيه للجهالة بما يئول

стр. 8224

إليه الأمر في المستقبل، والشك في التماثل كتحقق التفاضل، فيتبين أنه لا يتأتى التخلص من الربا في عقود التأمين إلا بالقضاء على التأمين المعروف واجتثاثه من أصوله. ويمكن أن يناقش الجواب الآخر بأن تكون قسط التأمين من جزأين جزء يغطي الضرر والآخر يدخر لا أثر له في الحكم بحل أو بحرمه، فإن الحكم بذلك مبني على ما في عقود التأمين من ربا الفضل والنساء، لا على تجزئة المبلغ وتوزيعه إلى جهات نفع أو ضر، فمآلها وتوظيفها بعد استحقاقها أو الحصول عليها له حكم آخر.

стр. 8225

هـ- قالوا: التأمين من قبيل الرهان، والرهان ممنوع شرعا إلا في صور معينة مستثناة ليس منها عقد التأمين. وفيما يلي بيان معنى الرهان، ودليل حكمه شرعا، ثم كلام بعض العلماء على الأدلة، ثم بيان وجه كون التأمين رهانا مع مناقشة ذلك. أما معنى الرهان فقال فيه ابن منطور نقلا عن ابن الأعرابي: والرهان والمراهنة المخاطرة، وقد راهنه وهم يتراهنون وأرهنوا بينهم خطرا بدلوا منه ما يرضى به القوم بالغا ما بلغ فيكون لهم سبقا، وراهنت فلانا على كذا مراهنة خاطرته. وأما دليل حكم الرهان من الشرع ففي المسند لأحمد من حديث أنس ﵁ أنه قيل له: «أكنتم تراهنون على عهد رسول الله ﷺ أو كان رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، والله لقد راهن رسول الله ﷺ على فرس له يقال له سبحة فسبق الناس فبش لذلك وأعجبه (١)». وقد راهن الصديق ﵁ المشركين وعلم بذلك رسول الله ﷺ وأذن له فروى الترمذي في جامعه في حديث سفيان الثوري عن

стр. 8226

حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «في قول الله تعالى: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم أولياؤهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال: أما إنهم سيغلبون فذكروه لهم فقالوا: اجعلوا بيننا وبينكم أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ألا جعلت إلى دون العشر، قال سعيد والبضع ما دون العشر، قال ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله: قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم (٩)»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي جامعه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم﴾ (١٠) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١١) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (١٢) إلى قوله ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١٣) وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٤) ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥) وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة ﴿الم﴾ (١٦) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١٧) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (١٨) ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١٩) فقال ناس من قريش: فذلك بيننا وبينكم بزعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، قال: وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع وهو ثلاث سنين إلى سبع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه. قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن

стр. 8227

يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين؛ لأنه قال ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١) قال: أسلم عند ذلك ناس كثير. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الجامع أيضا من حديث ابن عباس «أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر في مناحبته: ألا أخفضت. وفي لفظ: ألا احتطت، فإن البضع من الثلاث إلى التسع (٢)». من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس. قال ابن القيم: وقوله في الحديث "مناحبته " فالمناحبة المخاطرة، وهي المراهنة من النحب وهو النذر، وكلاهما مناحب هذا بالعقد وهذا بالنذر وقوله: ألا أخفضت. يجوز أن يكون من الخفض وهو الدعة، والمعنى هلا نسفت المدة فكنت في خفض من أمرك ودعة، ويجوز أن يكون من الخفض الذي هو من الانخفاض، أي هلا استزلتم إلى أكثر مما اتفقتم عليه. وقوله في اللفظ الآخر: هلا احتطت، هو من الاحتياط، أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجل أقصى ما ينتهي إليه البضع فإن النص لا يتعداه. وقوله " وذلك قبل تحريم الرهان " من كلام بعض الرواة ليس من كلام أبى بكر ولا النبي ﷺ . وقال ابن القيم أيضا: وقد اختلف أهل العلم في أحكام هذا الحديث ونسخه على قولين: فادعت طائفة نسخه بنهي النبي ﷺ عن الغرر والقمار، قالوا: ففي الحديث دلالة على ذلك وهو قوله، وذلك قبل تحريم الرهان، قالوا: ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل (٣)». والسبق بفتح السين والباء، وهو الحظ الذي وقع عليه الرهان، وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك والشافعي وأحمد. وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ، وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها. قالوا: والرهان لم يحرم جملة فإن النبي ﷺ راهن في تسبيق الخيل كما تقدم، وإنما الرهان المحرم على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين. وأما الرهان

стр. 8228

على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، كما راهن عليه الصديق فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النصال أو سباق الخيل والإبل أدنى من هذا في الدين وأقوى؛ لأن الدين قام بالحجة والبرهان وبالسيف والقصد الأول إقامته بالحجة والسيف منفذ. قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد - فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة الذي به تفتح القلوب ويعز الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى، وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل فكيف يلحق به أكله بالحق، قالوا: والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام، ولا أقر رسول الله ﷺ على قمار فضلا عن أن يأذن فيه وهذا تقرير قول الفريقين (١). وقال ابن العربي في أثناء الكلام على فقه حديث مراهنة أبي بكر للمشركين، قال: إن الله حرم أكل المال بالباطل، ومنه المناحبة على رهن، وقد كان ذلك يجري في صدر الإسلام كما كان يجري سائر الأحكام قبل بيان وجود الحلال والحرام حتى أنزل الله الآيات وفصل ذلك كله تفصيلا، ولم يبق من ذلك شيء يستعمل إلا في سباق الخيل ونحوه تحريضا على الجهاد وتحضيضا به على التأهب للأعداء والاستعداد المبين في بحث الجهاد. وأما بيان كون التأمين رهانا فإن كلا من التأمين والرهان معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع، وقد أجاب الأستاذ مصطفى الزرقا على ذلك

стр. 8229

فقال: والجواب على هذه الشبهة قد أصبح واضحا من الجواب عن الشبهة السابقة - يشير بذلك إلى الجواب عن قياس التأمين على القمار- فالمراهن معتمد على المصادفات والحظوظ كالمقامر، وقد يضيع في التلهي به أوقاته ويقتل فعاليته ونشاطه كالمقامر. وأبرز المفارقات بين التأمين والرهان أن الرهان ليس فيه أية صلة بترميم أضرار الأخطار العارضة على النشاط الاقتصادي المنتج من ميدان الحياة الإنسانية، لا بطريق التعاون على تفتيت تلك الأضرار وتشتيتها ولا بطريق تحمل فردي غير تعاوني ولا يعطي أحدا من المتراهنين أي أمان أو طمأنينة كما هو الأثر المباشر في عقد التأمين، وفي هذا ما يكفي لهدم هذه الشبهة (١). ونوقش هذا الجواب بأنه قد أصبح واضحا أيضا من الجواب عن مناقشة الاستدلال على تحريم التأمين بقياسه على القمار، وأيضا فالمتعاقدان في التأمين يعتمدان على المصادفات والحظوظ، وغاية ما يحتاط به من إحصاء وتنسيق ومقاصة ونحوها أن يخفف قدر الخطر شيئا ما، لكن لا يزال الخطر فاحشا بالنسبة للمتعاقدين، فإن شركات التأمين وإن احتاطت بعملياتها الفنية للكسب فالخطر لا يزال يساورها بشدة بالنسبة لكل مستأمن وحده، بل لا يزال يساورها بالنسبة لمجموع المستأمنين وإن كان أقل من سابقه، فلم يخرج التأمين بذلك عن شبهة الوثيق بالقمار، ثم ليس كل ما كان نافعا ومساعدا على ترميم الأخطار، ودفع الأضرار يكون جائزا حتى يغلب نفعه ضره، وخيره شره، وهيهات أن يتحقق ذلك في التأمين.

стр. 8230

وو قالوا: التأمين من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل المال الباطل ممنوع .
следующие страницы →