← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8226–8265 · переход к 8231.

стр. 8226

حبيب بن أبي عمرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس «في قول الله تعالى: كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم أولياؤهم أهل الأوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر ﵁، فذكره أبو بكر لرسول الله ﷺ فقال: أما إنهم سيغلبون فذكروه لهم فقالوا: اجعلوا بيننا وبينكم أجلا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجلا خمس سنين، فلم يظهروا، فذكروا ذلك للنبي ﷺ فقال: ألا جعلت إلى دون العشر، قال سعيد والبضع ما دون العشر، قال ثم ظهرت الروم بعد، قال فذلك قوله: قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم (٩)»، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي جامعه أيضا عن نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت ﴿الم﴾ (١٠) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١١) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ (١٢) إلى قوله ﴿بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١٣) وكانت فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم عليهم لأنهم وإياهم أهل كتاب، وذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (١٤) ﴿بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ﴾ (١٥) وكانت قريش تحب ظهور فارس لأنهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان ببعث، فلما أنزل الله هذه الآية خرج أبو بكر الصديق يصيح في نواحي مكة ﴿الم﴾ (١٦) ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ (١٧) ﴿فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ (١٨) ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١٩) فقال ناس من قريش: فذلك بيننا وبينكم بزعم صاحبكم أن الروم ستغلب فارس في بضع سنين أفلا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى، قال: وذلك قبل تحريم الرهان فارتهن أبو بكر والمشركون وتواضعوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم نجعل البضع وهو ثلاث سنين إلى سبع سنين، فسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه. قال: فسموا بينهم ست سنين، قال: فمضت الست سنين قبل أن

стр. 8227

يظهروا فأخذ المشركون رهن أبي بكر، فلما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس فعاب المسلمون على أبي بكر تسميته ست سنين؛ لأنه قال ﴿فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ (١) قال: أسلم عند ذلك ناس كثير. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي الجامع أيضا من حديث ابن عباس «أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر في مناحبته: ألا أخفضت. وفي لفظ: ألا احتطت، فإن البضع من الثلاث إلى التسع (٢)». من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عباس. قال ابن القيم: وقوله في الحديث "مناحبته " فالمناحبة المخاطرة، وهي المراهنة من النحب وهو النذر، وكلاهما مناحب هذا بالعقد وهذا بالنذر وقوله: ألا أخفضت. يجوز أن يكون من الخفض وهو الدعة، والمعنى هلا نسفت المدة فكنت في خفض من أمرك ودعة، ويجوز أن يكون من الخفض الذي هو من الانخفاض، أي هلا استزلتم إلى أكثر مما اتفقتم عليه. وقوله في اللفظ الآخر: هلا احتطت، هو من الاحتياط، أي هلا أخذت بالأحوط وجعلت الأجل أقصى ما ينتهي إليه البضع فإن النص لا يتعداه. وقوله " وذلك قبل تحريم الرهان " من كلام بعض الرواة ليس من كلام أبى بكر ولا النبي ﷺ . وقال ابن القيم أيضا: وقد اختلف أهل العلم في أحكام هذا الحديث ونسخه على قولين: فادعت طائفة نسخه بنهي النبي ﷺ عن الغرر والقمار، قالوا: ففي الحديث دلالة على ذلك وهو قوله، وذلك قبل تحريم الرهان، قالوا: ويدل على نسخه ما رواه الإمام أحمد وأهل السنن من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل (٣)». والسبق بفتح السين والباء، وهو الحظ الذي وقع عليه الرهان، وإلى هذا القول ذهب أصحاب مالك والشافعي وأحمد. وادعت طائفة أنه محكم غير منسوخ، وأنه ليس مع مدعي نسخه حجة يتعين المصير إليها. قالوا: والرهان لم يحرم جملة فإن النبي ﷺ راهن في تسبيق الخيل كما تقدم، وإنما الرهان المحرم على الباطل الذي لا منفعة فيه في الدين. وأما الرهان

стр. 8228

على ما فيه ظهور أعلام الإسلام وأدلته وبراهينه، كما راهن عليه الصديق فهو من أحق الحق، وهو أولى بالجواز من الرهان على النصال أو سباق الخيل والإبل أدنى من هذا في الدين وأقوى؛ لأن الدين قام بالحجة والبرهان وبالسيف والقصد الأول إقامته بالحجة والسيف منفذ. قالوا: وإذا كان الشارع قد أباح الرهان في الرمي والمسابقة بالخيل والإبل لما في ذلك من التحريض على تعلم الفروسية وإعداد القوة للجهاد - فجواز ذلك في المسابقة والمبادرة إلى العلم والحجة الذي به تفتح القلوب ويعز الإسلام وتظهر أعلامه أولى وأحرى، وإلى هذا ذهب أصحاب أبي حنيفة وشيخ الإسلام ابن تيمية، قال أرباب هذا القول: والقمار المحرم هو أكل المال بالباطل فكيف يلحق به أكله بالحق، قالوا: والصديق لم يقامر قط في جاهلية ولا إسلام، ولا أقر رسول الله ﷺ على قمار فضلا عن أن يأذن فيه وهذا تقرير قول الفريقين (١). وقال ابن العربي في أثناء الكلام على فقه حديث مراهنة أبي بكر للمشركين، قال: إن الله حرم أكل المال بالباطل، ومنه المناحبة على رهن، وقد كان ذلك يجري في صدر الإسلام كما كان يجري سائر الأحكام قبل بيان وجود الحلال والحرام حتى أنزل الله الآيات وفصل ذلك كله تفصيلا، ولم يبق من ذلك شيء يستعمل إلا في سباق الخيل ونحوه تحريضا على الجهاد وتحضيضا به على التأهب للأعداء والاستعداد المبين في بحث الجهاد. وأما بيان كون التأمين رهانا فإن كلا من التأمين والرهان معلق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع، وقد أجاب الأستاذ مصطفى الزرقا على ذلك

стр. 8229

فقال: والجواب على هذه الشبهة قد أصبح واضحا من الجواب عن الشبهة السابقة - يشير بذلك إلى الجواب عن قياس التأمين على القمار- فالمراهن معتمد على المصادفات والحظوظ كالمقامر، وقد يضيع في التلهي به أوقاته ويقتل فعاليته ونشاطه كالمقامر. وأبرز المفارقات بين التأمين والرهان أن الرهان ليس فيه أية صلة بترميم أضرار الأخطار العارضة على النشاط الاقتصادي المنتج من ميدان الحياة الإنسانية، لا بطريق التعاون على تفتيت تلك الأضرار وتشتيتها ولا بطريق تحمل فردي غير تعاوني ولا يعطي أحدا من المتراهنين أي أمان أو طمأنينة كما هو الأثر المباشر في عقد التأمين، وفي هذا ما يكفي لهدم هذه الشبهة (١). ونوقش هذا الجواب بأنه قد أصبح واضحا أيضا من الجواب عن مناقشة الاستدلال على تحريم التأمين بقياسه على القمار، وأيضا فالمتعاقدان في التأمين يعتمدان على المصادفات والحظوظ، وغاية ما يحتاط به من إحصاء وتنسيق ومقاصة ونحوها أن يخفف قدر الخطر شيئا ما، لكن لا يزال الخطر فاحشا بالنسبة للمتعاقدين، فإن شركات التأمين وإن احتاطت بعملياتها الفنية للكسب فالخطر لا يزال يساورها بشدة بالنسبة لكل مستأمن وحده، بل لا يزال يساورها بالنسبة لمجموع المستأمنين وإن كان أقل من سابقه، فلم يخرج التأمين بذلك عن شبهة الوثيق بالقمار، ثم ليس كل ما كان نافعا ومساعدا على ترميم الأخطار، ودفع الأضرار يكون جائزا حتى يغلب نفعه ضره، وخيره شره، وهيهات أن يتحقق ذلك في التأمين.

стр. 8230

وو قالوا: التأمين من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل المال الباطل ممنوع .

стр. 8231

وفيما يلي دليل حكم أكل المال بالباطل، وبيان معناه ووجه اشتمال عقد التأمين على أكل أموال الناس بالباطل. أما دليل الحكم فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (١) الآية. وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢) وأما معناه فقد اتفق العلماء على أنه لا يجوز أكل مال الغير بالباطل، واختلفوا في تفسيره ففسره أحمد بن فارس بذهاب الشيء (٣) وذكر معنى ذلك الفيروز أبادي (٤). وقال ابن جرير في تفسير آية النساء: لا يأكل بعضكم أموال بعض بما حرم عليه من الربا والقمار وغير ذلك من الأمور التي نهاكم الله عنها، ورجح هذا القول (٥). وقال أبو حيان في تفسير آية البقرة "بالباطل" قال الزجاج: بالظلم، وقال غيره: بالجهة التي لا تكون مشروعة فيدخل في ذلك الغصب والنهب والقمار وحلوان الكاهن والخيانة والرشا، وما يأخذه المنجمون، وكل ما لم يأذن في أخذه الشرع (٦). وقال في تفسير آية النساء: والباطل هو كل طريق لم تبحه الشريعة فيدخل فيه السرقة والخيانة والغصب والقمار وعقود الربا وأثمان البياعات الفاسدة. وقد اختلف السلف في تفسير قوله (بالباطل) فقال ابن عباس

стр. 8232

والحسن: هو أن يأكله بغير عوض، وعلى هذا التفسير قال ابن عباس: هي منسوخة إذ يجوز أكل المال بغير عوض إذا كان هبة أو صدقة أو تمليكا أو إرثا أو نحو ذلك مما أباحت الشريعة أخذه بغير عوض. وقال السدي: هو أن يأكل بالربا والقمار والبخس والظلم وغير ذلك مما لم يبح الله تعالى أكل المال به. وعلى هذا تكون الآية محكمة وهو قول ابن مسعود والجمهور، وقال بعضهم: الآية مجملة؛ لأن معنى قوله (بالباطل) بطريق غير مشروع، ولما لم تكن هذه الطريق المشروعة مذكورة هنا على التفصيل صارت الآية مجملة (١). ويمكن أن يقال في وجه اشتمال عقد التأمين على أكل أموال الناس بالباطل: إن ما يدفعه المستأمن مبلغ محدود، وقد يأخذ أقل منه أو أكثر أو مثله أو لا يأخذ شيئا، ففي حالة ما إذا لم يأخذ المستأمن شيئا أو أخذ أقل مما دفع فبأي حق تستحق الشركة ما أخذته بدون مقابل شرعي، وبأي وجه يستحق ورثة المستأمن أو المستفيد مبلغ التأمين إذا توفي قبل أن يدفع كامل الأقساط. وقد يستدل لدخول أخذه على ما وصف في عموم أكل المال بالباطل ما ثبت في صحيح مسلم وغيره من طريق أبي الزبير عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لو بعت من أخيك ثمر فأصابته عاهة فلا يحل لك أن تأخذ شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ (٢)». كما يدل لدخوله في عموم الآية ما تقدم من أدلة التحريم.

стр. 8233

الرأي الثاني الجواز مطلقا: نذكر فيما يلي كلام طائفة ممن قالوا بالجواز مطلقا، أو نسب إليهم القول بذلك، ثم نتبعه بأدلتهم مع المناقشة.

стр. 8234

أولا- ما نقل عن بعضهم من القول بالجواز: ١ - سئل الشيخ محمد عبده عن رجل يريد أن يتعاقد مع جماعة على أن يدفع لهم مالا من ماله الخاص على أقساط متساوية ليعملوا فيه بالتجارة، واشترط معهم أنه إذا قام بما ذكره، وانتهى الاتفاق بانتهاء الأقساط المعينة، وكانوا قد عملوا في ذلك المال، وكان حيا، فيأخذ ما يكون له من المال مع ما يخصه من الأرباح، وإذا مات في أثناء تلك المدة فيكون لورثته أو لمن يكون له حق الولاية في ماله أن يأخذ المبلغ، تعلق مورثهم مع الأرباح، فهل مثل هذا التعاقد الذي يكون مفيدا لأربابه بما ينتجه لهم من الربح جائزا شرعا؟ الجواب: إنه لو صدر مثل هذا التعاقد بين ذلك الرجل وهؤلاء الجماعة على الصفة المذكورة كان ذلك جائزا شرعا، ويجوز لذلك الرجل بعد انتهاء الأقساط، والعمل في المال، وحصول الربح أن يأخذ لو كان حيا ما يكون له من المال مع ما خصه من الربح، وكذا يجوز لمن يوجد بعد موته من ورثته، أو من له ولاية التصرف في ماله بعد موته أن يأخذ ما يكون له من المال مع ما أنتجه من الربح (١). لقد نقلت اللجنة هذه الفتوى وجوابها نظرا إلى أن شركات التأمين تحتج بها على الجواز وبمطالعتها يتبين أنها ليست في موضوع التأمين. ٢ - وقال الحجوي: كأنها - يريد عقود التأمين - عندي جمعية اكتتابية خيرية لإعانة المنكوبين بنظام والتزام، تأخذ من مائة ألف رجل شيئا قليلا ما تعوض به نكبة رجل مثلا، واستنباطها من قاعدة القليل في الكثير كثير، لذلك يبقى لها ما يقوم بأجرة قيامها على ذلك، وربما ربحت أرباحا عظيمة إذا قلت نكبات المضمونين فيها (٢).

стр. 8235

٣ - قال عبد الرحمن عيسى: يجور شرعا التأمين لدى شركات التأمين ضد أخطار الملكية، وضد أخطار المسئولية المدنية، وكذلك التأمين على الحياة، وضد سائر الأخطار الشخصية في الصناعات والمهن الخطيرة، ويجوز في غير الصناعات والمهن الخطرة إذا كان تأمينا مختلطا (١). ٤ - وقال محمد يوسف موسى: إن التأمين بكل أنواعه ضرب من ضروب التعاون التي تفيد المجتمع، والتأمين على الحياة يفيد المؤمن كما يفيد الشركة التي تقوم بالتأمين أيضا، وأرى شرعا أنه لا بأس إذا خلا من الربا، بمعنى أن المؤمن عليه إذا عاش المدة المنصوص عليها في عقد التأمين استرد ما دفعه فقط دون زيادة، أما إذا لم يعش المدة المذكورة حق لورثته أن يأخذوا قيمة التأمين - أي التعويض - وهذا حلال شرعا (٢). ٥ - وقال مصطفى الزرقا: الشرع الإسلامي لم يحصر الناس في الأنواع المعروفة قبلا من العقود، بل للناس أن يبتكروا أنواعا جديدة تدعوهم حاجتهم الزمنية إليها بعد أن تستوفي الشرائط العامة المشار إليها (٣). وقال أيضا: لا يوجد مانع من قواعد الشريعة الإسلامية يمنع جواز نظام التأمين في ذاته، وبهذا يثبت حله شرعا (٤). ٦ - وقال عبد الوهاب خلاف: بجواز عقد التأمين على الحياة، وأنه عقد مضاربة وسيأتي توجيهه لهذا الدليل وبيان رأيه في كون عقد التأمين صار عقد مضاربة (٥).

стр. 8236

٧ - ومن القائلين بالجواز الأستاذ طه السنوسي، وسيأتي رأيه مفصلا ضمن استدلاله بولاء الموالاة على جواز عقد التأمين.

стр. 8237

ثانيا- أدلة من أجازوا التأمين مطلقا مع المناقشة ، وأمام كل دليل استدل به الفقهاء المعاصرون على الجواز نذكر كلام العلماء السابقين في المصادر التي اعتمد عليها الفقهاء المعاصرون في استدلالهم على الجواز. ١ - قياس عقد التأمين على ولاء الموالاة: فيما يلي كلام المفسرين وغيرهم على آية ولاء الموالاة، ثم كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل. قال أبو جعفر النحاس: باب ذكر الآية السابقة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) فمن أصح ما روي في هذه الآية إسنادا وأجله قائلا ما حدثناه أحمد بن شعيب، قال: أخبرني هارون بن عبد الله، قال: حدثنا أبو أسامة قال: حدثني إدريس بن يزيد، قال: حدثنا طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) فإنه كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرثون الأنصار دون رحم، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم حتى نزلت الآية ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ﴾ (٣) قال نسختها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) قال من النصر والنصح والرفادة يوصى له وهو لا يرث، قال أبو عبد الرحمن: إسناده صحيح. قال أبو جعفر: فحمل هذا الحديث وأدخل في المسند على أن الآية ناسخة، وليس الأمر عندي كذلك، والذي يجب أن يحمل عليه الحديث أن يكون (ولكل جعلنا موالي) ناسخا لما كانوا يفعلونه، وأن يكون (والذين عقدت أيمانكم) غير ناسخ ولا منسوخ، ولكن فسره ابن عباس

стр. 8238

وسنبين العلة في ذلك عند آخر هذا الباب، ولكن ممن قال إن الآية منسوخة سعيد بن المسيب كما حدثنا جعفر بن مجاشع، قال: حدثنا إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا مروان بن أبي الهذيل أنه سمع الزهري يقول أخبرني سعيد في قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) قال الحلفاء في الجاهلية، والذين كانوا يتبنون، فكانوا يتوارثون على ذلك حتى نزلت ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) فنزع الله ميراثهم وأثبت لهم الوصية. وقال الشعبي: كانوا يتوارثون حتى أزيل ذلك، وممن قال إنها منسوخة الحسن وقتادة، كما قرأ علي عبد الله بن أحمد بن عبد السلام عن أبي الأزهر قال: حدثنا روح عن أشعب عن الحسن ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٣) قال: كان الرجل يعاقد الرجل على أنهما إذا مات أحدهما ورثه الآخر فنسختها آية المواريث، وقال قتادة: كان يقول ترثني وأرثك وتعقل عني وأعقل عنك فنسختها ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٤) وقال الضحاك: كانوا يتحالفون فيتعاقدون على النصرة والوراثة، فإذا مات أحدهم قبل صاحبه كان له مثل نصيب أبيه، فنسخ ذلك بالمواريث، ومثل هذا أيضا مروي عن ابن عباس مشروحا، كما حدثنا بكر بن سهل قال: حدثنا أبو صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: وقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٥) كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات قبل صاحبه ورثه الآخر فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٦) قال: هو أن يوصي له بوصية، فهي جائزة من ثلث مال الميت فذلك المعروف، وممن قال إنها محكمة مجاهد وسعيد بن جبير، كما قرأ على إبراهيم بن موسى الحوريني

стр. 8239

عن يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا وكيع بن سفيان عن منصور عن مجاهد في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) قال من العقل والمشورة والرفدة، وقال سعيد بن جبير فآتوهم نصيبهم من العون والنصرة. قال أبو جعفر: وهذا أولى مما قيل في الآية إنها محكمة لعلتين، إحداهما أنه إنما يجعل النسخ على ما لا يصح المعنى إلا به وما كان متنافيا، فأما ما صح معناه وهو متلو فبعيد من الناسخ والمنسوخ. والعلة الأخرى الحديث عن النبي ﷺ الصحيح الإسناد كما حدثنا أحمد بن شعيب قال: أنبأنا عبد الرحمن بن محمد، قال: حدثنا إسحاق الأزرق عن زكريا بن أبي زائدة عن سعيد بن إبراهيم عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال «لا حلف في الإسلام، وأيما حلف كان في الجاهلية فإن الإسلام لم يزده إلا شدة (٢)». فبين بهذا الحديث أن الحلف غير منسوخ، وبين الحديث وقول مجاهد وسعيد بن جبير أنه في النصر والنصيحة والعون والرفدة، ويكون ما في الحديث الأول من قول ابن عباس نسختها، يعني ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ﴾ (٣)؛ لأن الناس يتوارثون في الجاهلية بالتبني وتوارثوا في الإسلام بالإخاء ثم نسخ هذا كله فرائض الله بالمواريث (٤). وقال الجصاص: باب ولاء المولاة: قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٥) روى طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٦) قال: كان المهاجر يرث الأنصاري دون ذوي رحمه بالأخوة التي آخى الله بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ (٧)

стр. 8240

نسخت ثم قرأ ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (١) قال: من النصر والرفادة، ويوصي له، وقد ذهب الميراث، وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٣) يقول: إلا أن يوصوا لأوليائهم الذين عاقدوا لهم وصية، فهو لهم جائز من ثلث مال الميت، فذلك المعروف. وروى أبو بشر عن سعيد بن جبير في قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) قال: كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية، فيموت فيرثه، فعاقد أبو بكر رجلا فمات فورثه، وقال سعيد بن المسيب: هذا في الذين كانوا يتبنون رجلا ويورثونهم، فأنزل الله فيهم أن يجعل لهم من الوصية، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة. قال أبو بكر: قد ثبت بما قدمنا من قول السلف أن ذلك كان حكما ثابتا في الإسلام، وهو الميراث بالمعاقدة والموالاة، ثم قال قائلون إنه منسوخ بقوله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (٥) وقال آخرون: ليس بمنسوخ من الأصل، ولكنه جعل ذوي الأرحام أولى من موالي المعاقدة، فنسخ ميراثهم في حال وجود القرابات، وهو باق لهم إذا فقدوا الأقرباء في الأصل الذي كان عليه. [واختلف الفقهاء في ميراث الموالاة؛ فقال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد وزفر: من أسلم على يدي رجل ووالاه وعاقده، ثم مات ولا وارث له غيره فميراثه له.

стр. 8241

وقال مالك وابن شبرمة والثوري والأوزاعي والشافعي: ميراثه للمسلمين، وقال يحيى بن سعيد: إذا جاء من أرض العدو فأسلم على يده، فإن ولاءه لمن والاه، ومن أسلم من أهل الذمة على يدي رجل فولاؤه للمسلمين عامة، وقال الليث بن سعد: من أسلم على يدي رجل فقد والاه، وميراثه للذي أسلم على يده إذا لم يدع وارثا غيره. وقال أبو بكر: الآية توجب الميراث للذي والاه وعاقده على الوجه الذي ذهب إليه أصحابنا؛ لأنه كان حكما ثابتا في أول الإسلام، وحكم الله به في نص التنزيل ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ (١) فجعل ذوي الأرحام أولى من المعاقدين الموالي، فمتى فقد ذوو الأرحام وجب ميراثهم بقضية الآية، إذ كانت إنما نقلت ما كان لهم إلى ذوي الأرحام إذا وجدوا، فإذا لم يوجدوا فليس في القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخها، فهي ثابتة الحكم مستعملة على ما تقتضيه من إثبات الميراث عند فقد ذوي الأرحام، وقد ورد الأثر عن النبي ﷺ بثبوت هذا الحكم وبقائه عند عدم ذوي الأرحام، وهو ما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا يزيد بن خالد الرملي وهشام بن عمار الدمشقي، قال: حدثنا يحيى بن حمزة عن عبد العزيز بن عمر (٢) قال: سمعت عبد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب، عن تميم الداري أنه قال: «يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي الرجل من المسلمين؟ قال: هو أولى الناس بمحياه ومماته (٣)». فقوله هو أولى الناس بمحياه ومماته يقتضي أن يكون أولاهم بميراثه؛ إذ ليس بعد الموت بينهما ولاية إلا في الميراث، وهو في معنى قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٤) يعني ورثة، وقد روي نحو قول أصحابنا في ذلك عن عمر وابن

стр. 8242

مسعود والحسن وإبراهيم، وروى معمر عن الزهري أنه سئل عن رجل أسلم فوالى رجلا هل بذلك بأس؟ قال: لا بأس به، قد أجاز ذلك عمر بن الخطاب، وروى قتادة عن سعيد بن المسيب قال: من أسلم على يدي قوم ضمنوا جرائره وحل لهم ميراثه، وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: إذا أسلم الكافر على يدي رجل مسلم بأرض العدو أو بأرض المسلمين فميراثه للذي أسلم على يديه، وقد روى أبو عاصم النبيل عن ابن جريح عن أبي الزبير عن جابر قال: «كتب النبي ﷺ على كل بطن عقوله، وقال: لا يتولى مولى قوما إلا بإذنهم (١)». وقد حوى هذا الخبر معنيين: أحدهما: جواز الموالاة؛ لأنه قال إلا بإذنهم، فأجاز الموالاة بإذنهم. والثاني: أن له أن يتحول بولاية إلى غيره، إلا أنه كرهه إلا بإذن الأولين، ولا يجوز أن يكون مراده ﵇ في ذلك إلا في ولاء الموالاة؛ لأنه لا خلاف أن ولاء العتاقة لا يصح النقل عنه، وقال ﷺ : «الولاء لحمة كلحمة النسب (٢)». فإن احتج محتج بما حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا أبو داود قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن بشر وابن نمير وأبو أسامة عن زكريا، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، عن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ «لا حلف في الإسلام وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة (٣)». قال: فهذا يوجب بطلان حلف الإسلام ومنع التوارث به. قيل له: يحتمل أن يريد به نفي الحلف في الإسلام على الوجه الذي كانوا يتحالفون عليه في الجاهلية، وذلك؛ لأن حلف الجاهلية كان على أن يعاقده فيقول: هدمي هدمك، ودمي دمك، وترثني وأرثك، وكان في هذا الحلف أشياء قد حظرها الإسلام، وهو أنه كان يشرط أن يحامي عليه، ويبذل دمه دونه، ويهدم ما يهدمه، فينصره على الحق والباطل، وقد أبطلت الشريعة هذا الحلف، وأوجبت معونة المظلوم على الظالم حتى

стр. 8243

ينتصف منه وأن لا يلتفت إلى قرابة ولا غيرها، قال الله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا﴾ (١) فأمر الله تعالى بالعدل والقسط في الأجانب والأقارب، وأمر بالتسوية بين الجميع في حكم الله تعالى، فأبطل ما كان عليه أمر الجاهلية من معونة القريب والحليف على غيره ظالما كان أو مظلوما، وكذلك النبي ﷺ قال: «انصر أخاك ظالما أو مظلوما " قالوا: يا رسول الله، أنصره إذا كان مظلوما فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: أن ترده عن الظلم، فذلك معونة منك له (٢)» وكان حلف الجاهلية أن يرثه الحليف دون أقربائه، فنفى النبي ﷺ بقوله «لا حلف في الإسلام (٣)» التحالف على النصرة، والمحاماة من غير نظر في دين أو حكم، وأمر باتباع أحكام الشريعة دون ما يعقده الحليف على نفسه، ونفى أيضا أن يكون الحليف أولى بالميراث من الأقارب، فهذا معنى قوله ﷺ : «لا حلف في الإسلام (٤)» وأما قوله «وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة (٥)» فإنه يحتمل أن الإسلام زاده شدة وتغليظا في المنع منه وإبطاله، فكأنه قال: إذا لم يجز الحلف في الإسلام ما فيه من تناصر المسلمين وتعاونهم، فحلف الجاهلية أبعد من ذلك. انتهى المقصود (٦).

стр. 8244

وقال أبو بكر بن العربي: المسألة الرابعة قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) اختلف الناس فيه وابن عباس، فتارة قال: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر، فأنزل الله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (٢)

стр. 8245

يعني تؤتوهم من الوصية جميلا وإحسانا في الثلث المأذون فيه، وتارة قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة حالف النبي ﷺ بينهم، فكان الأنصاري يرث المهاجري، والمهاجري يرث الأنصاري فنزلت هذه الآية، ثم انقطع ذلك فلا تواخي بين أحد اليوم. وقال ابن المسيب: نزلت في الذين كانوا يتبنون الأبناء، فرد الله الميراث إلى ذوي الأرحام والعصبة، وجعل لهما نصيبا في الوصية. وقد أحكم ذلك ابن عباس في الصحيح بيانا بما رواه عن رسول الله ﷺ برهانا، قال البخاري عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في الصحيح، ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (١) قال ورثة، والذين عقدت أيمانكم، فكان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة التي آخى بها النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٢) نسخت. ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) من النصرة والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصي له، وهذه غاية ليس لها مطلب (٤). وقال القرطبي بعد ذكره لرواية البخاري عن ابن عباس المتقدمة قال: قال أبو الحسن بن بطال وقع في جميع النسخ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٥) قال نسختها ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) والصواب أن الآية الناسخة ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٧) والمنسوخة ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٨) وكذا رواه الطبري في روايته. وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٩) قوله تعالى في الأنفال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (١٠) وروي هذا عن ابن عباس وقتادة والحسن البصري وهو الذي انتبه أبو عبيد في كتاب " الناسخ والمنسوخ " له. وفيها قول آخر رواه الزهري عن سعيد بن المسيب قال: أمر الله عز

стр. 8246

وجل الذين تبنوا غير أبنائهم في الجاهلية وورثوا في الإسلام أن يجعل لهم نصيبا في الوصية، ورد الميراث إلى ذوي الرحم والعصبة. وقالت طائفة: قوله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (١) محكم وليس بمنسوخ، وإنما أمر الله المؤمنين أن يعطوا الحلفاء أنصباءهم من النصرة والنصيحة وما أشبه ذلك، ذكره الطبري عن ابن عباس ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) من النصرة والنصيحة والرفادة ويوصى لهم، وقد ذهب الميراث، وهو قول مجاهد والسدي، قلت: واختاره النحاس، ورواه سعيد بن جبير، ولا يصح النسخ فإن الجمع ممكن كما بينه ابن عباس فيما ذكره الطبري، ورواه البخاري عنه في كتاب التفسير (٣). وقال أيضا ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٤) يعني بالحلف، عن قتادة، وذلك أن الرجل كان يعاقد الرجل فيقول: دمي دمك، وهدمي هدمك، وثأري ثأرك، وحربي حربك، وسلمي سلمك، وترثني وأرثك، وتطلب بي وأطلب بك، وتعقل عني وأعقل عنك. فيكون للحليف السدس من ميراث الحليف ثم نسخ (٥). وقال ابن حجر على قوله ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٦) كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجري الأنصاري دون ذوي رحمه للأخوة. وهكذا حملها ابن عباس على من آخى النبي ﷺ بينهم، وحملها غيرهم على أعم من ذلك، فأسند الطبري عنه قال: كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما الآخر، فنسخ ذلك، ومن طريق سعيد بن جبير قال: كان الرجل يعاقد الرجل فيرثه، وعاقد أبو بكر مولى فورثه. وقال أيضا على قوله: فلما نزلت ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ﴾ (٧) نسخت. هكذا وقع في هذه الرواية أن ناسخ ميراث الحليف هذه الآية. وروى

стр. 8247

الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس قال: كان الرجل يعاقد الرجل فإذا مات ورثه الآخر، فأنزل الله ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا﴾ (١) يقول إلا أن توصوا لأوليائكم الذين عاقدتم. ومن طريق قتادة كان الرجل يعاقد الرجل في الجاهلية فيقول: دمي دمك، وترثني وأرثك، فلما جاء الإسلام أمروا أن يؤتوهم نصيبهم من الميراث وهو السدس، ثم نسخ بالميراث، فقال: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ (٢) ومن طرق شتى عن جماعة من العلماء كذلك وهذا هو المعتمد. ويحتمل أن يكون النسخ وقع مرتين؛ الأولى حيث كان المعاقد يرث وحده دون العصبة فنزلت ولكل وهي آية الباب، فصاروا جميعا يرثون، وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس ثم نسخ ذلك آية الأحزاب، وخص الميراث بالعصبة، وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوهما، وعلى هذا يتنزل حديث ابن عباس، ثم نسخ ذلك آية الأحزاب وخص الميراث بالعصبة وبقي للمعاقد النصر والإرفاد ونحوها وعلى هذا يتنزل بقية الآثار، وقد تعرض له ابن عباس في حديثه أيضا، لكن لم يذكر الناسخ الثاني ولا بد منه. والله أعلم. وقال أيضا على قوله: ثم قال ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣) من النصر والرفادة والنصيحة وقد ذهب الميراث ويوصي له: كذا وقع فيه، وسقط منه شيء بينه الطبري في روايته عن أبي كريب عن أبي أسامة بهذا الإسناد، ولفظه: ثم قال ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٤) من النصر إلخ، فقوله من النصر يتعلق بآتوهم لا بعقدت ولا بأيمانكم، وهو وجه الكلام. انتهى المقصود (٥). وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما " المؤاخاة " فإن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار لما قدم المدينة كما آخى بين سلمان الفارسي

стр. 8248

وبين أبي الدرداء، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، وكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، حتى أنزل الله تعالى ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١) فصاروا يتوارثون بالقرابة، وفي ذلك أنزل الله تعالى ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٢) وهذا هو المحالفة. واختلف العلماء هل التوارث بمثل ذلك عند عدا القرابة والولاء محكم أو منسوخ على قولين: أحدهما أن ذلك منسوخ، وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، ولما ثبت في صحيح مسلم عنه أنه قال: «لا حلف في الإسلام، وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزد الإسلام إلا شدة (٣)». والثاني: أن ذلك محكم وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في الرواية الأخرى (٤). وأما كلام الفقهاء المعاصرين في هذا الدليل: فقال الأستاذ طه السنوسي: ولاء الموالاة في التشريع الإسلامي هو عبارة عن رابطة قانونية بين شخصين بمقتضاها يتعاقدان على أن يعقل أولهما وهو "مولى الموالاة " عن الآخر، وهو المعقول عنه، إذا جنى أن يدفع الدية في مقابل ميراثه منه إذا توفي غير مخلف وارثا قط. وقد اختلف في صحة هذا العقد ونفاذه من حيث كونه سببا من أسباب الميراث، ويمكن إجمال وجهات النظر في هذا الصدد في رأيين، قال أولهما بصحته وجوازه واعتباره سببا للإرث، وقال ثانيهما ببطلانه ورفضه سببا له. الرأي القائل بالرفض والبطلان: قال بهذا الرأي جمهور الفقهاء، ومنهم الشافعي ومالك وأحمد، وأسانيده تتلخص في أربعة:

стр. 8249

أولها: ورد نص صريح في القرآن المصدر الأول للتشريع الإسلامي وهو قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ (١) بمقتضاه يكون ذو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة ذلك العقد الذي عرف في الجاهلية. وثانيها: ورود نص ثابت في الحديث المصدر الثاني للتشريع، بمقتضاه «الولاء لمن أعتق (٢)»، وهو يحصر الولاء في نوع واحد هو ولاء العتاقة، وعلى ذلك يعتبر باطلا كل ولاء سواه. وثالثها: أن عقد الموالاة فيه في الواقع وصية بجميع المال، والوصية بجميع المال ممن لا وارث له غير جائزة "عند الشافعي "،؛ لأن وارث من لا وارث له هو جماعة المسلمين، ولا يستطيع المورث أن يبطل حق هذه الجماعة، تفريعا على عدم إبطال حق ورثته في حالة ما إذا كان له ورثة بالوصية بجميع ماله. ورابعها: قول الشافعي إن الملك بطريق الوراثة لا يثبت ابتداء، وإنما يثبت على سبيل الخلافة، وأن أسباب الإرث معلومة شرعا لكن عقد الموالاة ليس منها. الرأي القائل بالجواز والصحة: وقد قال به عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر - رضى الله عنهم - وقال به كذلك أبو حنيفة وأصحابه، وهو الرأي الصحيح والراجح والذي أميل إليه وأسانيده تتلخص في خمسة: أولها: وجود هذا الولاء باعتباره سببا للإرث في الجاهلية، وإقرار الإسلام له حين جاء، وذلك بنص صريح في المصدر الأول للتشريع هو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ (٣) ومقتضاها

стр. 8250

أنه يجب أن تعطوا حلفاءكم الذين تعاقدتم وإياهم على النصرة والميراث نصيبهم منه؛ لأن ذلك المقتضي للعقد، ولا يرد على ذلك بوجود نص صريح آخر في المصدر نفسه بمقتضاه يكون ذوو القرابات بعضهم أولى ببعض في الإرث من التوارث بسبب عقد الموالاة؛ لأن هذا النص الأخير ليس نصا على الأولوية في الميراث، ثم إنه لا يتعارض مع النص الأول، وذلك لأن حق الإرث المقرر لمولى الموالاة لا يثبت له إلا عند عدم وجود " أولي الأرحام " فمرتبته في الإرث متأخرة عن مرتبة هؤلاء، بل وعن مرتبة مولى العتاقة وعصبته، وما دام ليس بين النصوص التشريعية من تعارض ما فالواجب إعمال كل فيما يخصه. وثانيها: أن الحديث القائل بأن «الولاء لمن أعتق (١)» ليس الحصر فيه حقيقيا بل إضافيا، أي أن الولاء لمن أعتق لا لغيره ممن كان أجنبيا، لقصة بريرة، وفيه: «الولاء لمن أعتق (٢)»، ولهذا لا يكون هذا الحديث نافيا استحقاق الإرث بسبب ولاء الموالاة، جاء في حديث تميم الداري ﵁ أنه سأل الرسول ﷺ بقوله «إن الرجل ليأتيني فيسلم على يدي ويواليني، فقال الرسول: هو أخوك ومولاك، فأنت أحق به محياه ومماته»، والمقصود محياه تحمل عقل الجريمة عنه ومماته في الإرث منه. وثالثها: أن ولاء الموالاة متصل بالوصية بجميع المال وهي صحيحة ممن لا وارث له؛ لأن من لا وارث له يصرف ماله إلى بيت مال المسلمين، ومن حيث إن " الموصى له " هو أحد هؤلاء المسلمين يشركهم في دين الله، ومن حيث إنه قد ترجح بإيجاب الموصى له، فمن أجل ذلك هو أولى من هذا البيت، وكذلك الأمر بالنسبة لمن عاقده مولى الموالاة عقد الموالاة. [٤٣ / المبسوط]. ورابعها: أنه فيما يتعلق بخلافة الوارث الموروث في ماله، الظاهر أن الإنسان في شأن هذه الخلافة إنما يؤثر قرابته على الأجانب، ومن أجل

стр. 8251

ذلك اقتضت حكمة التشريع الحنيف أن يقدم الأقرب على الأبعد فيها؛ لأن الموروث نفسه يفعل ذلك ويريده في أغلب الأحوال. والمسألة لا تخلو من فرضين: الأول أن يكون أحد من قرابته، وفي هذه الحالة يوجد النظر من الشرع له ويقع الاستغناء عن نظره لنفسه. والثاني - أن لا يكون أحد من قرابته، وهنا تقع الحاجة إلى نظره لنفسه فإذا نظر إليها وعقد عقد الموالاة مع شخص ما، اعتبر ذلك منه تصرفا صحيحا في خالص حقه على سبيل النظر منه لنفسه. وخامسها / أن عدم الدليل المقول به في شأن إثبات بين الوارث والموروث بطريق العقد عن قصد فيه نظر؛ لأن إثبات هذه الخلافة بالعقد قصدا مشروع بالاتفاق وذلك في عقد النكاح، إذ المعروف أن الزوجة التي أساسها العقد وتوافق الإرادتين هي سبب للميراث، ومن أجل هذا ينتفي القول بعدم الدليل في إثبات الخلافة عن طريق عقد الموالاة (١). وقال أيضا: يعرف التأمين بوجه عام بأنه عملية يحصل بها أحد الطرفين وهو المستأمن أو المؤمن له على تعهد لمصلحته أو لمصلحة غيره في نظر مقابل مال، ويتعهد فيها الطرف الآخر وهو المؤمن بدفع عوض مالي في حالة تحقق خطر معين أي بتحميله تبعية مجموعة من المخاطر. ولعقد التأمين أركان أربعة: أولها / الخطر ويشترط فيه أن يكون حادثا احتماليا مستقبلا وليس إراديا محضا. وثانيها / المقابل المالي الذي يحصل عليه المؤمن من المستأمن،

стр. 8252

ليتحمل الأول تبعة الخطر المؤمن منه، وهنا يبدو أن عقد التأمين معاوضة تنشئ التزامات متقابلة في ذمة الطرفين. وثالثها / العوض المالي الذي يلتزم المؤمن دفعه عند تحققه. ورابعها / المصلحة في التأمين أو المصلحة القابلة للتأمين. . . " وقد أسلفت التكييف القانوني لعقد الموالاة في التشريع الإسلامي ". ومنه يتضح أن أركانه تتفق إلى حد كبير وأركان عقد التأمين في صورة التأمين على المسئولية في التشريع الحديث، فهو أولا: عقد بني على طرفين أولهما " مولى الموالاة " يقابل المؤمن وهو شركة التأمين. وثانيهما " المعقول عنه " وهو المستأمن أو المؤمن له وهو يتضمن ثانيا: عنصر " العوض المالي " الذي يلتزم المؤمن " وهو مولى الموالاة " دفعه عند تحقق الخطر المؤمن منه، وهو يتمثل في الدية أو التعويض عن الجريمة التي ينتج عنها الضرر للغير المستحق له كما هو الحال في المسئولية الناشئة عن الأضرار الناشئة من ارتكاب جريمة تترتب عليها الغرامة المالية، وهو يتضمن ثالثا " عنصر المقابل المالي " الذي يحصل عليه " مولى الموالاة المؤمن " مقابل تحمله تبعة الخطر، وهو يتمثل في " مال الشركة المورثة " إذا توفي عنه " المعقول عنه المستأمن " غير مخلف وارثا مطلقا باستثناء الحالة التي يوجد فيها مع مولى الموالاة أحد من الزوجين، فيكون ما يتبقى من مال التركة بعد فرض هذا الزوج حقا مستحقا لهذا المولى المؤمن، أما شرط المصلحة في التأمين فمفهوم كما سلف أنه من مستلزمات صورة التأمين على المسئولية وهي الصورة التي ينطبق عقد ولاء الموالاة عليها (١). انتهى المقصود من كلام السنوسي.

стр. 8253

وقد اعترض على هذا القياس بما يأتي: أولا - نلاحظ على تشبيهه ولاء الموالاة بعقود التأمين التي تعقد بين المستأمن بأن هناك عنصرا معنويا يقوم عليه ولاء الموالاة وهو مفقود في عقد التأمين، ولهذا العنصر المعنوي من عظيم الأهمية ما يجعل ولاء الموالاة غير عقد التأمين، إن الولاء في الإسلام - من حيث هو - صلة ولحمة كصلة القرابة ولحمتها ومولى القوم منهم، وكبار أئمة الإسلام الذين يتصلون ببعض القبائل بصلة الولاء يفتخرون بهذه الصلة حتى بعد زوالها لأنهم يعتبرونها قرابة كقرابة الدم ولحمة كلحمة الرحم، وهذا المعنى الأدبي موجود في ولاء الموالاة لأنه ولاء على كل حال، والولاء نصرة وفيه كل ما في معاني التبني والإخاء والقرابة، والرجلان اللذان يتعاقدان عقد الموالاة - يترابطان برباط القرابة والتناصر الأدبي حتى يكون ذلك هو الأصل في هذا التعاقد، ثم تكون نتائجه المالية من ثمرات ذلك. أما عقود التأمين فلا حظ فيها لهذا العنصر المعنوي، وإنما هي تعاقد بين مصالح مالية محضة، للمخاطرة دخل كبير فيها، وما ينتظره المتعاقد عقد الولاء من معونة صاحبه له في الحياة وأعبائها الأدبية والمادية لا ينتظره المتعاقدان عقد تأمين إلا فيما نص عليه العقد من نتائج مالية محدودة لا مطمع في غيرها لأنها في سبيل غير سبيل عقد الموالاة (١). وأجاب الأستاذ الزرقاء عن ذلك بأن الشبه الذي رأيناه بين عقد الموالاة وعقد التأمين ليس هو بين الموالاة والتأمين على الحياة، وإنما هو بين الموالاة والتأمين من المسئولية كما أوضحناه وأوضحه الأستاذ طه السنوسي الذي نقلنا أيضا رأيه وبحثه بمقتضى عقد الموالاة يتحمل المولى المسئولية المدنية أي الضمان المالي الذي يترتب على المولي نتيجة لجناية الخطأ الصادرة منه، وذلك بسبب العقد " عقد الموالاة " رغم أن

стр. 8254

المولى المتعاقد لم يجن شيئا، وفي مقابل هذا التحمل " الاحتمالي غير المحقق " يستفيد الموالي الإرث من المولي إن مات عن غير وارث، " وهو أيضا عوض احتمالي غير محقق " فكذلك التأمين من المسئولية - وهو من أهم فروع نظام التأمين - كالتأمين من المسئولية في حوادث السيارة مثلا حيث يكون المالك والسائق مسئولين ماليا بما تلحقه السيارة بالغير من أضرار في حوادثها التي هي من جنايات الخطأ، ذلك أن الحوادث التي تقع من السيارة مثلا لا يقتصر ضررها على السيارة نفسها، بل قد تصيب الغير بأضرار بالغة في النفس والمال تترتب عليها التزامات مالية بالدية أو بالتعويض هي التي تسمى المسئولية، فالتأمين من حوادث السيارة قد يكون لما يصيبها هي من ضرر فتلتزم شركة التأمين بإصلاحه، وقد يكون لما يترتب على صاحبها من مسئولية مالية تجاه الغير إن ألحقت ضررا بالغير وهذا من قبيل ما يسمى: التأمين من المسئولية. وهو كما يرى محكم الشبه بنظام الموالاة الذي استدللنا به حيث يتحمل فيه الموالي عن المولى ما يلحق ذلك المولى من ضمان مالي نتيجة لما يقع منه من جنايات الخطأ في مقابل أن الموالي يرثه إذا مات من غير وارث فأي صلة أقوى من هذه الصلة وهذا الشبه المحكم بين الموضوعين. والتأمين من المسئولية لا ينحصر في حوادث السيارات كما هو معلوم بل هو فرع واسع جدا في نظام التأمين يمكن أن يجري فيه التأمين على جميع أنواع المسئوليات المدنية سوى مسئولية الشخص عن فعله العمد. . . (١) ثانيا - اعترض بأن قياس عقود التأمين على ولاء الموالاة قياس مع الفارق المؤثر، وبيانه من وجوه.

стр. 8255

الأول / روى مسلم في صحيحه عن عمران بن حصين ﵁ قال: «كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل فأسر المسلمون رجلا من بني عقيل وأصابوا معه العضباء، فأتى عليه رسول الله ﷺ وهو في الوثاق فقال: يا محمد، فأتاه فقال: ما شأنك؟ فقال: بم أخذتني وأخذت سابلة الحجاج. فقال: إعظاما لذلك أخذت بجريرة حلفائك ثقيف. ثم انصرف فناداه يا محمد يا محمد، وكان رسول الله ﷺ رقيقا فرجع إليه فقال: ما شأنك، فقال: إني مسلم. قال: لو قلتها وأنت تملك أمرك أفلحت كل الفلاح (١)» الحديث. فهل المستأمن حينما يتعاقد مع شركات التأمين يكون عضوا فيما ستفيد من فوائدها ويتحمل خسارتها ويؤخذ بجريرتها كما أخذ رسول الله ﷺ بجريرة حلفائه، الواقع أن هذا غير صحيح. الوجه الثاني / أن شركة التأمين ضامنة ومتحملة لمسئولية المستأمن عند وقوعه في الخطأ، والمستأمن ليس عليه سوى دفع القسط مهما عظم الخطر على شركات التأمين، وهذا بخلاف عقد الموالاة في الإسلام فكل منهما يعقل عن الآخر ويرثه. الوجه الثالث / أن الهدف الأساسي والغاية القصوى من ولاء الموالاة هو النصرة، ومن التأمين الكسب المادي المحض لقاء أخطار قد تقع وقد لا تقع. للبحث تتمة في العدد العشرين

стр. 8256

صفحة فارغة

стр. 8257

الفتاوى إعداد اللجنة الدائمة للبحوث العملية والإفتاء في هذه الزاوية تجيب اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على ما يرد إليها من أسئلة واستفتاءات تهم المسلمين في شئونهم الدينية والاجتماعية.

стр. 8258

فتوى برقم ٧١ وتاريخ ٢٢/ ٤ / ١٣٩٢ هـ السؤال الأول: رجل صاحب إبل اختلط معها واحدة من الإبل صغيرة السن وليس عليها وسم تعرف به وبقيت مع إبله حتى كبرت وأنجبت ولم يعرف لها طالب يتفقدها أحيانا ويبحث وراءها حتى يجدها. ولم يعارض فيها فما الحكم؟. الجواب: إن كان ما اختلط من الإبل بإبله صغيرا صغرا لا يقوى معه على ورود الماء ولا على الامتناع من صغار السباع فهو كالغنم يجوز له إبقاؤه مع إبله صيانة له من الهلاك لضعفه وعليه أداؤه فقط لصاحبه إن جاء يوما من الدهر، فإن أعطاه النماء مع الأصل كان ذلك فضلا فيه وإحسانا. وإن كان ما اختلط من الإبل بإبله كبيرا أو صغيرا صغرا لا يمنعه من أن يرد الماء لنفسه ويدفع عن نفسه صغار السباع كان آثما بإبقاء تلك الإبل مع إبله وضمن ذلك لصاحبه لو تلف لأنه في حكم الغاصب «لقوله ﷺ لما سأله رجل عن ضالة الإبل ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها (١)» رواه أحمد والبخاري ومسلم. السؤال الثاني: إذا كان عند رجل كيس من السكر قيمته الحقيقية ثمانون ريالا وطلبه منه مشتر فباعه عليه بمائة وخمسين ريالا إلى أجل، فما الحكم وهل للزيادة حد تقف عنده أم لا؟.

стр. 8259

الجواب: البيع حالا ولأجل مشروع لا حظر فيه، والأصل في الأثمان عدم التحديد سواء أكانت في بيع حال أو مؤجل، فتترك لتأثير العرض والطلب، إلا أنه ينبغي للناس أن يتراحموا فيما بينهم، وأن تسود بينهم السماحة في البيع والشراء، وأن لا ينتهزوا الفرص لإدخال بعضهم الضيق في المعاملات على بعض قال ﷺ : «رحم الله امرءا سمحا إذا باع وإذا اشترى (١)»، فإذا انتهز إنسان فرصة الضيق وشدة حاجة أخيه إلى ما بيده وهو لا يجده عند غيره أو وجده ولكن تواطأ من في السوق من التجار على رفع الأسعار طمعا في زيادة الكسب وغلوا فيه حرم على من بيده السلعة أن يبيعها على من اشتدت حاجته إليها بأكثر من ثمن مثلها حالا في البيع الحال وثمن مثلها مؤجلا في المؤجل، وعلى من حضر ذلك أن يساعد على العدل ويمنع من الظلم كل على قدر حاله وفي درجته التي تليق به من درجات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحال الراهنة وقت البيع والشراء هي التي تحدد ثمن المثل فلكل سوق سعره ولكل وقت سعره، ولكل حال من كثرة العرض وقلته، وقلة الطلب وكثرته سعرها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب الرئيس ... الرئيس عبد الله بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ

стр. 8260

فتوى برقم ٢٦٠ وتاريخ ١٩/ ٩ / ١٣٩٢ هـ السؤال الأول: ما حكم من يسمح بدخول المجلات التي فيها صور ومقالات محرمة شرعا إلى بيته وإلى أهله ؟. الجواب: لا يجوز للمسلم أن يدخل في بيته مجلات أو روايات فيها

стр. 8261

مقالات إلحادية، أو مقالات تدعو إلى البدع والضلال أو تدعو إلى المجون والخلاعة، فإنها مفسدة للعقيدة والأخلاق، وكبير الأسرة مسئول عن أسرته لقول النبي ﷺ : «الرجل راع في بيته وهو مسئول عن رعيته (١)». السؤال الثاني: ما حكم النساء اللواتي يطلعن على هذه المجلات؟. الجواب: يحرم على كل مكلف ذكرا أو أنثى أن يقرأ في كتب البدع والضلال، والمجلات التي تنشر الخرافات وتقوم بالدعايات الكاذبة وتدعو إلى الانحراف عن الأخلاق الفاضلة إلا إذا كان من يقرؤها يقوم بالرد على ما فيها من إلحاد وانحراف، وينصح أهلها بالاستقامة وينكر عليهم صنيعهم ويحذر الناس من شرهم. السؤال الثالث: ما حكم تصوير الصورة الشمسية للحاجة أو للزينة؟. الجواب: تصوير الأحياء محرم إلا ما دعت إليه الضرورة، كالتصوير من أجل التابعية، وجواز السفر، وتصوير المجرمين لضبطهم ومعرفتهم ليقبض عليهم إذا أحدثوا جريمة ولجئوا إلى الفرار، ونحو هذا مما لا بد منه. السؤال الرابع: ما حكم استعمال حبوب منع الحمل للزوجات؟. الجواب: لا يجوز للزوجة أن تستعمل حبوب منع الحمل كراهية كثرة الأولاد أو خوفا من الإنفاق عليهم، ويجوز أن تأخذها لمنع الحمل من أجل مرضها مرضا يضرها معه الحمل، أو لأنها لا تلد ولادة عادية بل يحتاج إلى عملية جراحية عند الولادة، ونحو هذا من الضرورة، فلها في مثل هذه الحالة أن تتناول الحبوب لمنع الحمل إلا إذا عرفت من الأطباء المختصين أن تناولها يضر بها من جهة أخرى. السؤال الخامس: ما حكم الزوجة التي تكشف لأخي زوجها إذا كان أخو الزوج صالحا موثوقا به؟.

стр. 8262

الجواب: أخو الزوج ليس بمحرم لزوجته بمجرد أخوته للزوج، وعلى ذلك لا يجوز لها أن تكشف له مالا تكشفه إلا لمحارمها ولو كان صالحا موثوقا به فإن الله حصر جواز إبداء الزينة في أناس بينهم في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ (١) وليس أخو الزوج منهم بمجرد أخوته له، ولم يفرق الله في ذلك بين صالح وغيره، وفي الحديث أن «النبي ﷺ سئل عن الحمو، فقال الحمو الموت (٢)»، والمراد بالحمو أخو الزوج ونحوه ممن ليس من محارم الزوجة. فعلى المسلم أن يحافظ على دينه وأن يحافظ على عرضه. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن عبد الرحمن بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي

стр. 8263

فتوى برقم ١٩٣٨ في ٢٤/ ٥ / ١٣٩٨ هـ السؤال: ما حكم حضور المرأة حفلات الزواج وأعياد الميلاد مع أنها بدعة وكل بدعة ضلالة كما يوجد بالحفلات المذكورة بعض المطربات لقضاء السهرة، وهل حضور المرأة فيها حرام لمشاهدة العروس وتقديرا لأهل العروسة لا لسماع المطربة؟. الجواب: إذا كانت حفلات الزواج خالية من المنكرات كاختلاط الرجال بالنساء والغناء الماجن، أو كانت إذا حضرت غيرت ما فيها من منكرات جاز لها أن تحضر للمشاركة في السرور بل الحضور واجب إن كان هناك

стр. 8264

منكر تقوى على إزالته. أما إن كان في الحفلات منكرات لا تقوى على إنكارها فيحرم عليها أن تحضرها لعموم قوله تعالى: ﴿وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِبًا وَلَهْوًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ (١) وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢) والأحاديث الواردة في ذم الغناء والمعازف كثيرة جدا. وأما الموالد فلا يجوز لمسلم ولا مسلمة حضورها لكونها بدعة إلا إذا كان حضوره إليها لإنكارها وبيان حكم الله فيها. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز

стр. 8265

فتوى برقم ١٧٥٢ وتاريخ ٢٩/ ١٢ / ١٣٩٧ هـ السؤال: هل يجوز أكل الحلزون والتمساح ؟. الجواب: أجاز مالك وجماعة والشافعي أكل الحلزون والتمساح لأنهما من صيد البحر فيدخلان في عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ (١) ومنع من ذلك أبو حنيفة وجماعة
следующие страницы →