стр. 8401
← Джавами‘ следующие страницы →
Джавами‘ · id 8322
مجلة البحوث الإسلامية
مجموعة من المؤلفين
Полный текст (48 258 стр.). Показаны 8401–8440 · переход к 8406.
стр. 8402
الثاني: أن هذا الذي ذكروه من فن الكلام، وهو مجمع على ذمه وإنكاره، وأنه ليس بحجة ولا دليل. والدليل على الإجماع قول العلماء: قال ابن عبد البر: أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في طبقات العلماء.
وقال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن إسحاق بن [خويز منداد] البصري المالكي: أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام فكل متكلم فهو من أهل البدع والأهواء: أشعريا كان أو غير [أشعري] (١)، ولا تقبل لهم شهادة في الإسلام، ويهجرون ويؤدبون على [بدعتهم] (٢).
стр. 8403
وقال الشافعي - رحمة الله عليه-: لأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه، ما عدا (١) الشرك، خير من أن ينظر في الكلام.
وقال: لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه كما يفر من الأسد.
وقال: من أبدر (٢) في الكلام لم يفلح.
وقال: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويطاف بهم في العشائر والقبائل [وينادى عليهم] (٣) هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام.
وقال [أحد علماء شاش]:
كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين
العلم ما كان فيه قال: حدثنا ... وما سوى ذاك وسواس الشياطين
стр. 8404
وقال الإمام أحمد بن حنبل - رحمة الله عليه-: لا يفلح صاحب كلام أبدا، ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل.
وقال أبو يوسف - رحمة الله عليه-: من طلب العلم بالكلام تزندق.
стр. 8405
وقال محمد بن شجاع الثلجي: سمعت الحسن بن زياد اللؤلؤي وقال له رجل في زفر بن الهذيل: كان ينظر في الكلام، فقال: سبحان الله، ما أحمقك، ما أدركت مشيختنا: زفر وأبا يوسف وأبا حنيفة ومن جالسنا، فأخذنا عنهم غير الفقه والاقتداء بمن [يقدمهم] (١).
وقال جعفر الخواص: سمعت الجنيد بن محمد يقول: من كان سبيله [ومذهبه] (٢) الكلام لا يفلح.
стр. 8406
ولو تقصينا ذم العلماء الكلام لطال، لكن ذكرنا الأئمة الأربعة، [فإن] أكثر أهل الإسلام- فيما علمنا- منتسبون إليهم، وراجعون إلى مذهبهم، وهذا حال الكلام عندهم، فكيف [يحتج] (١) به أو يرجع إليه؟ سيما وقد عارض الكتاب والسنة والإجماع، وإن من يترك هذه الأصول الثلاثة لأجل شيء من الكلام الذي هذا حاله [لعصي] (٢) الرأي مسلوب التوفيق.
الثالث: أن نفرد كل وجه بجواب:
стр. 8407
أما قولهم: إن الحروف إنما تكون [من مخارج]، قلنا: من أين علمتم هذا؟ فإن قالوا: لأنها في حقنا كذلك، فكذلك في حق الله- تعالى- قياسا له علينا.
قلنا: هذا خطأ واضح، فإن الله- تعالى- لا يقاس على خلقه، ولا يشبه بهم، ولا تشبه صفته بصفاتهم، فمن فعل ذلك كان مشبها ضالا.
الثاني: أن هذا باطل، فإن الله تعالى [قال]: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ (١). وقال: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٢) ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ (٣).
стр. 8408
стр. 8409
ولا خلاف أن الله- تعالى- قادر على إنطاق الحجر الأصم بغير مخارج ولا أدوات.
الثالث: أن يلزمهم أن يقولوا في سائر صفات الله- تعالى- حدقة، والسمع لا يكون إلا من انخراق، فإن طردوا ذلك في الصفحات كلها حدقة، والسمع لا يكون إلا من انخراق، فإن طردوا ذلك في الصفات كلها صاروا مجسمين كافرين، وإن نفوا هذه الصفات صاروا معطلين، وإن أثبتوها من غير أدوات لزمهم إثبات هذه الصفة- أيضا-، وإلا فما الفرق؟!. [وأما] (١) التعاقب فإنما يلزم في حق من يتكلم بالمخارج والأدوات، وقد أبطلنا هذا.
وأما قولهم: إنها (٢) متعددة، فإن أسماء الله متعددة، فإن لله- تعالى - تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ (٣).
وهي قديمة: نص الشافعي - رحمة الله عليه- على أن أسماء الله- تعالى- غير مخلوقة.
وقال أحمد: من قال أسماء الله مخلوقة فهو كافر.
وصفات الله متعددة وهي قديمة، وكتب الله متعددة: التوراة والإنجيل والزبور والفرقان، وهي غير مخلوقة.
فإن قالوا: هي مخلوقة؛ فقد قالوا بخلق القرآن. وقد [أجمعنا] (٤) على أنه غير مخلوق.
стр. 8410
وإن قالوا: إن هذه أسماء لشيء واحد، وإنما هذه عبارة عن معبر واحد ولم ينزل منها شيء، ولا نزل الله على بشر من شيء، فهذا تكذيب لله ولرسوله، وخرق لإجماع المسلمين وموافقة لليهود الذين رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى﴾ (١).
وإن قالوا: بل قد أنزلت وهي متحدة، لزم أن يكون كل واحد من هذه الكتب قد أنزلت على كل واحد من هؤلاء الأنبياء الأربعة، ويكون نبينا- ﵇ قد أنزلت التوراة والإنجيل والزبور [عليه] (٢)، وهذا قول من [لا حياء] (٣) له، ثم هو دعوى مجردة تخالف إجماع الأمة.
وقولهم: إن كلام الله- تعالى- واحد، لا أول له ولا آخر (٤)، ولا بعض، فهو باطل بما ذكرنا هاهنا وفيما سبق. ثم إنهم قد سلموا أن موسى ﵇ سمع كلام الله وكلمه ربه، فيؤدي إلى أن يكون موسى قد شارك الله تعالى في علمه، وعلم ما في نفسه. وهذا يرده قول الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ (٥).
وإن كان قد سمع البعض، فلقد سلموا التبعيض، وقد سلموا أن القرآن كلام، وأنه غير مخلوق، وأنه مسموع مقروء محفوظ، فيلزم من قولهم: أن من سمع آية فقد سمع كلام الله وحفظ القرآن، ومن حفظ شيئا منه فقد [علمه] (٦).
стр. 8411
وينبغي أن لا يتعب [أحد] (١) في حفظ القرآن.
وهذه فضيحة لم يسبقوا إليها، وقد [أجمعوا] (٢) على أن القرآن لم ينزل على النبي- ﷺ جملة واحدة، وإنما أنزل نجوما [في نحو] (٣) ثلاث وعشرين سنة. وقد دل على ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلا﴾ (٤) ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ (٥)، فهؤلاء إن وافقوا المسلمين في هذا فقد بطل قولهم.
وإن قالوا: أنزل جملة، خالفوا رب العالمين وخلقه أجمعين، ثم متى نزل عليه كله، في أول رسالته أم في آخرها أم في أي وقت؟ ثم إن هذا شيء لا يعلم بالعقل، وإنما يعلم بالنقل، فعمن أخذوه؟ ومن نقله لهم؟ وأين روي هذا ومن رواه؟.
وإن قالوا: ما أنزل من القرآن شيء أصلا ولا يتصور نزوله، وكل ما جاء من الآيات والأخبار في هذا مجاز لا حقيقة له، وهذا الكتاب الذي أنزل على النبي- ﷺ ليس بقرآن، وإنما هو عبارة القرآن، وإنما سمي قرآنا مجازا.
قلنا: قد سبقت الدلالة على بطلان هذا بأدلة كثيرة قاطعة يقينية، فلا يلتفت إلى ما خالفها.
ثم نقول: حمل الكلام على المجاز تأويل، كل متأول محتاج إلى شيئين: -
стр. 8412
أحدهما: بيان احتمال اللفظ لما حمله عليه.
والثاني: بيان دليل يصرف إليه.
فيحتاج هاهنا إلى بيان وجود قرآن حقيقي سوى هذا الكتاب المنزل على محمد ﷺ وما نعلم لهم في هذا دليلا من كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولا عرف المسلمون قرآنا سوى هذا، فإثبات قرآن لا دليل عليه ولا سبيل إليه، ثم لا بد في المجاز من سبب [تجوز] (١) تسمية المجاز باسم الحقيقة. إما اشتراكهما في المعنى المشهور في محل الحقيقة، وإما تجاورهما، وإما غير ذلك.
فإن قالوا: إنما سمي قرآنا لتضمنه للمعنى القديم، فالمعنى هو القرآن وعبارته تسمى باسمه.
قلنا: هذا لا يصح لوجوه:
أحدهما: المطالبة بدليل يدل على أن المعنى يسمى قرآنا بمفرده، فإنه لا يجوز التسمية إلا بنقل عن الشارع لكون التسمية شرعية لا تعلم إلا من جهته.
الثاني: أنه لو سمي قرآنا لتضمنه معناه، لسمي كل ما [تضمن] (٢) ذلك المعنى قرآنا، فعلى هذا لو قرأه بالعجمية (٣) أو عبر عنه لأي لسان كان قرآنا، ويجب أن يكون تفسير القرآن قرآنا لتضمنه المعنى.
الثالث: أن القرآن للنبي ﷺ الذي عجز الخلق عن الإتيان بمثله، والإعجاز يتعلق باللفظ والنظم.
стр. 8413
الرابع: أنهم إن زعموا أن كلام الله شيء واحد لا [يتعدد] (١) ولا يتجزأ ولا يتبعض، والمعنى متعدد مختلف، فإن معنى كل كلمة غير معنى الأخرى، ومعنى كل جملة غير معنى الأخرى.
مثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي﴾ (٢)، فإن معنى (أوحينا) الإلهام و (إلى) حرف معناه انتهاء الغاية، و (أم موسى) والدته، و (موسى) [نبي] (٣) الله. وهذه [معان] (٤) مختلفة.
وهذه الآية [تشتمل] (٥) على ثلاثة: إخبار وشرط وأمرين ونهيين.
فمعنى الإخبار غير معنى الأمر والنهي، ومعنى كل خبر غير معنى [الآخر] (٦)، ومعنى كل أمر غير معنى الآخر. فإن (أرضعيه) غير معنى ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ (٧) ومعنى ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ (٨) غير معنى ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٩)
وإذا ثبت التغاير والتعدد فكيف جعلوه كلام الله- تعالى- مع ذلك؟.
стр. 8414
الخامس: أن معنى القرآن إن كان معنى التوراة والإنجيل، فالكل شيء واحد، والقرآن إذا هو التوراة والإنجيل، وتكون التوراة منزلة على
стр. 8415
محمد ﷺ والقرآن على موسى، ومن قرأ القرآن فقد قرأ التوراة والإنجيل.
السادس: أن معنى القرآن إن كان على كلام الله تعالى بحيث لم [يبق] له كلام سواه، فهذا خلاف قوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١).
وأن من حفظ القرآن فقد علم كل كلام الله- تعالى- وشاركه في علمه وكلامه، وإن قال: إنه كلام الله، فقد ناقض قولهم.
السابع: أن كلام الله مسموع، متلو مكتوب، فقد سمع موسى كلام الله- تعالى- والمعنى يفهم ولا يسمع، وإنما يتعلق السماع باللفظ، فكما لا يوصف المعنى بالرؤية (٢)، كذلك لا يوصف بالسماع.
الثامن: [أن إضافة المعنى إلى كلام الله دون اللفظ إن كان بمعنى كلام الله- تعالى- علمه به]. فهذا يشتمل على معنى كل شيء، فإن الله- تعالى- بكل شيء عليم.
فعلى هذا: يكون الشعر. [والكلام] (٣) قرآنا متناسقا (٤) معناه معلوما
стр. 8416
لله- تعالى-، فإن كان ذلك [لعدم حضوره] (١) في الفكر وبحديث النفس به، فهذا ما لا يجوز إضافته إلى الله- تعالى-، ولا يوصف بغير ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله. ثم من أين علموا ذاك؟!.
التاسع: أن الله- تعالى- أخبر أنه ﴿قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ (٢) ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (٣) و ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾ (٤) ﴿فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ (٥)، ونهى النبي ﷺ عن [السفر] (٦) بالقرآن إلى أرض العدو، والمكتوب في المصاحف والألواح إنما هو اللفظ.
العاشر: أن القرآن كلام الله- تعالى- باتفاقنا (٧)، والكلام إنما هو اللفظ المشتمل على الحروف، بدليل قوله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ (٨) ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ (٩) وأراد اللفظ دون المعنى؛ لأن الوحي إليهم [تضمن] (١٠) المعنى، ولزم منه حضور المعنى في قلبه، وقد نفى كونه كلاما.
وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ (١١) إلى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ (١٢) والحجة مثل الحجة من الآية الأولى.
وقال الله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ (١٣).
стр. 8417
وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١) [في اللفظ]، والمعنى في القلب لا يحصل به تكلم.
وقال: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ (٢).
وقال: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ (٣).
ومن السنة: قول النبي ﷺ : «لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى وصاحب جريج وصبي آخر (٤)» أراد اللفظ.
وقال ﷺ : «بينما رجل يسوق بقرة [إذ ركبها] فقالت له: إني لم أخلق لهذا، وإنما خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله، بقرة تتكلم؟ فقال النبي ﷺ : فإني آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر (٦)» وما هما في القوم، وقال: «وبينما راع يرعى غنما [إذ عدا] ذئب فأخذ شاة فخلصها منه الراعي، فالتفت إليه الذئب وقال: من لها يوم السبع يوم لا راعي لها غيري. فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟! فقال النبي ﷺ : فإني آمنت بهذا أنا وأبو بكر وعمر (٨)» وما هما في القوم.
وقال: «إن الله عفا عن أمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به نفسها
стр. 8418
ما لم تكلم به أو تعمل به (١)» فلم [يسم] (٢) حديث النفس كلاما. وقال: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس (٣)»، «ورأى النبي ﷺ [رجلا] قائما في الشمس، فقال: ما شأن هذا؟. قالوا: هذا أبو إسرائيل (٦)»، وقال: «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا [أمرا] بمعروف أو نهيا عن منكر، وذكر الله- (٨)». وقال: «رحم
стр. 8419
الله [من تكلم] فغنم أو سكت فسلم (٢)»، والأخبار الدالة على هذا أكثر من أن تحصى، وكذلك الصحابة، فمن ذلك: حديث أبي بكر حين "رأى امرأة من الحمس لا تتكلم، فسأل عنها، فقالوا: حجت مصمتة، فقال: إن هذا لا يحل، فتكلمت".
وقال عمر بن الخطاب: "من كثر كلامه كثر سقطه".
وقال رجل لسلمان: «أوصني. قال: لا تتكلم. قال: فكيف يصبر رجل على أن لا يتكلم؟ قال: فإن كنت لا تصبر عن الكلام فلا
стр. 8420
تكلم إلا بخير أو اصمت (١)».
ويروى عن سليمان بن داود ﵇ أنه قال: إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب.
ونظمه بعضهم فقال:
إن كان من فضة كلامك يا ... نفسي فإن السكوت من ذهب
وقال مالك بن دينار: لو كلف الناس الصمت لأقلوا من الكلام.
وقال بعض الشعراء: (٢).
وحديثها السحر الحلال لو انه ... لم يجن قتل المسلم [المتحرز] (٣)
إن طال لم [يملل] (٤)
وإن هي أوجزت ... ود المحدث أنها لم توجز
وقال آخر:
стр. 8421
من الخفرات البيض ود جليسها ... إذا ما قضت [أحدوتة (١) لو تعيدها]
وقال آخر:
وحدثني عن مجلس كنت زينه ... رسول أمين والوفود شهود
فقلت له ذكر الحديث الذي مضى ... وذكرك من بين الحديث أريد
وقال أهل العربية: الكلام من ثلاثة أشياء: اسم وفعل وحرف معنى. وقال: الكلام ما أفاد المستمع.
قال الحريري:
حد الكلام ما أفاد السمع ... نحو سعى زيد وعمرو متبع
وقالوا: الكلام لا ينتظم إلا من [كلمتين] (٢)، اسم وفعل، أو اسم وحرف في النداء خاصة.
وأجمع الفقهاء على أن من حلف لا يتكلم، أنه يحنث بالنطق، ولا يحنث بحديث النفس.
стр. 8422
[فصل]
وإذا تقرر أن الكلام هو المشتمل على الحروف المنظومة، والكلمات المعلومة، بطل قول من ادعى أن القرآن اسم للمعنى، لاتفاقنا على أنه كلام الله تعالى.
стр. 8423
فإن قالوا: فقد قال الأخطل:.
إن الكلام [لفي] (١) الفؤاد وإنما ... جعل اللسان على الكلام دليلا
قلنا: سبحان الله، هذا من أعجب الأشياء وأظرفها، فإنهم تركوا قول الله تعالى، وقول رسوله- ﷺ ، وقول أصحابه، وقول سائر الناس، وقول الشعراء، وقول أهل العربية [الذين] (٢) ذكروا حقيقة الكلام وشرحوه، وبينوا حده [لكلمة] (٣) نسبت إلى الأخطل النصراني الخبيث، لا تدري أصحيحة عنه أم متقولة.
وقد سمعت شيخنا أبا محمد بن الخشاب -رحمة الله عليه- وكان إمام أهل عصره في العربية، يقول: قد فتشت دواوين الأخطل العتيقة، فلم أجد هذا البيت فيها.
وقال أبو نصر السجزي: إنما قال الأخطل: إن البيان من الفؤاد، فحرفوه، وقالوا: إن الكلام، ثم لو صح ذلك فإنما سماه كلاما، مجازا.
стр. 8424
يعني: أن عقلاء الناس لا يتكلمون إلا بعد روية وفكر واستحضار معنى الكلام في القلب كما [قيل] (١): لسان الحكيم من وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم نظر، فإن كان له قال، وإلا سكت، والأحمق إنما كلامه على طرف لسانه.
ويتعين حمل قوله على المجاز [لثبوت] (٢) حقيقة الكلام في النطق بما قد ذكرنا يقينا ولأن حقيقة الشيء ما يتبادر إلى الأفهام من إطلاق اللفظ به، وهو ما قلنا، ولأن تأويل كلمة الأخطل [بحملها] (٣) على مجازها [أولى] (٤) من تأويل قول الله، وقول رسوله، وقول سائر الخلق.
ثم إن قدرنا أن كلام الأخطل لا يحتمل التأويل؛ فنسبة الخطأ إليه أولى من نسبته إلى أهل العربية الذين ذكروا حقيقة الكلام، وقولهم لا يحتمل التأويل أيضا.
ثم لو قدرنا خلو كلام الأخطل عن [معارض] (٥)، لم يجز أن يبنى مثل هذا الأصل العظيم وتأسيس مذهب برأسه على كلمة شاذة نادرة لا يعتقدها دليلا مع إمكان خطأ قائلها، فإنه ليس بمعصوم عن الخطأ، ولا هو من أهل الدين والتقى: نصراني يقذف المحصنات، ويهجو الأنصار، ويعيب الإسلام، فلو لم يكن في مذهبهم من العيب، إلا أن أساسه كلمة من قول الأخطل، لكان من أشد العيب، فكيف وقد خالفوا ربهم- تعالى-، ونبيهم- ﷺ ، وسائر أهل اللسان- من المسلمين وغيرهم.
стр. 8425
فما مثلهم إلا كمثل من بنى قصرا شامخا وجعل أساسه أعواد القنب (١) في مجرى السيول.
ولقد حدثني أبو المعالي أسعد بن منجا قال: كنت يوما قاعدا عند الشيخ أبي البيان ﵀ فجاءه ابن تميم الذي كان يدعى: الشيخ الأمين، فقال له الشيخ بعد كلام جرى بينهما: ويحك ما أنجسكم!! فإن الحنابلة [إذا] (٢) قيل لهم: ما الدليل على أن القرآن بحرف وصوت؟ قالوا: قال الله- تعالى-، وقال رسوله - وذكر الشيخ الآيات والأخبار- وأنتم إذا قيل لكم: ما الدليل على أن القرآن معنى في النفس؟
стр. 8426
قلتم: قال الأخطل: إن الكلام من الفؤاد أيش هذا النصراني، خبيث بنيتم مذهبكم على بيت شعر من قوله، وتركتم الكتاب والسنة.
فهذا ببديهة العقل يعرف فساده وإذا تأمله متأمل علم أنه لا شيء.
الحادي عشر: أن هذا الكتاب العربي إذا لم يكن كلام الله فكلام من هو؟!.
стр. 8427
[فصل]
فإن قالوا: هذا كلام جبريل.
قلنا: هذا فاسد لوجوه:
أحدها: أن المسلمين أجمعين إذا تلوا آية قالوا: قال الله تعالى، فإن [كان] (١) هذا قول جبريل، فليقولوا: قال جبريل. وليفصح بذلك هذا القائل ولا ينافق فيعتقد أنه من جبريل، ويظهر موافقة المسلمين في أنه قول رب العالمين.
الثاني: أن هذا بالإجماع كتاب الله. وعلى قوله: هذا كتاب جبريل.
الثالث: أن الحجة عند العلماء إنما هي قول الله- تعالى- وقول رسوله محمد ﷺ وإجماع أمته. وهذا عند هؤلاء ما هو وارد منها فلم يحتج به. وأين تكون الحجة الثالثة؟!.
стр. 8428
الرابع: أن الله تعالى قال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَق﴾ (١).
وعلى قولهم: ما نزله من ربك، إنما نزله من كلام نفسه وقوله.
الخامس: أنه قد روي عن النبي- ﷺ «أن [الله] قرأ طه ويس قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام (٣)».
فعلى هذا يكون الله قرأ كلام جبريل.
السادس: إن كان هذا كلام جبريل وهو مخلوق، فلم تجب الكفارة على من حلف به وحنث؟ والكفارة لا تجب بالحلف بالمخلوق. ولم يمتنع المحدث من مسه، والجنب من قراءته، والمسافر به إلى أرض العدو، ولم جاز للمصلي تلاوته، واشترطت قراءته فيها وفي الخطبة.
السابع: أن الله تعالى قال: ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٤)، وقال: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ (٥).
стр. 8429
فعلى قول هؤلاء ما هذا صحيحا (١)، وما يستمع به السامع إلا كلام جبريل، وما عندهم لله- تعالى-[كلام] (٢) يسمع.
وقال تعالى: ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ (٣)، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا﴾ (٤)، وما عند هؤلاء قرآن يقرأ ولا يسمع.
الثامن: أن النبي- ﷺ قال: «إن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي (٥)»، وقال أبو بكر: "ما هذا كلامي، ولا كلام صاحبي، ولكنه كلام الله تعالى" (٦). وكان عكرمة يقبل المصحف، ويقول: كلام ربي.
وعلى قول هؤلاء: هذا كلام جبريل.
стр. 8430
[فصل]
فإن قالوا: هذا قول محمد- ﷺ فهذا باطل لهذه الوجوه كلها (١).
ومن وجه آخر: وهو أنهم وافقوا الوليد بن المغيرة هو: الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم. زعيم من زعماء قريش، وطاغية من طغاتهم، ومات على الشرك، وهو زعيم بني مخزوم، ووالد خالد بن الوليد ﵁. انظر: الكامل لابن الأثير (٢/ ٥٢). في قوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (٢) ولهم من الجزاء ما وعد به الوليد بقوله تعالى: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ (٣) فهم رفقته في سقر، كما وافقوه في [زعمه] (٤) إن هذا إلا قول البشر.
ويرد عليهم من الجواب ما أجاب الله- تعالى- به المشركين بقوله سبحانه: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُون﴾ (٥) ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ (٧)، وسائر الآيات الدالة على الرد على قائل هذه المقالة، وتصير مناظرتهم مع رب العالمين، وخصمهم أحكم الحاكمين وأصدق
стр. 8431
الصادقين، وقدوتهم ومشايخهم رءوس المشركين الذين قالوا [فيما قال الله عنهم]: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا﴾ (١) ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢).
فنحن نكتفي برد الله تعالى عليهم وما نحتاج إلى شيء سواه، ففي الله- تعالى- كفاية.
ومتى رضوا لأنفسهم بهذا المقام، انقطع معهم الكلام، وزال الحجاج والخصام.
الثاني: أن الله- تعالى- أنزل على عبده الكتاب، وشهد الله وملائكته بإنزاله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (٣).
وعلى قول هؤلاء: ما أنزل الله على بشر من شيء، وردوا شهادة الله وملائكته وكذبوا قوله، تعالى الله عما يقول [الظالمون] (٤) علوا كبيرا.
وإن قالوا: هذا قولنا [رد] (٥) عليهم كما ذكرنا، ويزيد أنهم كذبوا الله تعالى في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ (٦) وعلى قولهم: قد أتوا بمثله. وقال الله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (٧).
стр. 8432
وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (١) ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ (٢) فأخبر الله أنهم لن يفعلوا، وهؤلاء يقولون: قد فعلنا، وهذا قولنا وكلامنا.
ولعمري ما جسر الكفار- مع فصاحتهم وقدرتهم على أنواع الكلام الفصيح من الشعر والنثر والنظم والخطب البليغة والرسائل الحسنة- على دعوى هذا بعد أن عرض عليهم وتحدوا به، فأقروا بالعجز عنه.
فكيف ادعى هؤلاء مع لكنتهم (٣) وعيهم أن هذا الكلام القديم قولهم وتصنيفهم؟!.
الثالث: أن هذا إن كان حقا فيجب أن يفصحوا به ويظهروه لسلاطين المسلمين وعامتهم، ويعلنوه في محافل المسلمين وجماعتهم، ويقولوا على منابر المسلمين: هذا تصنيفنا وكلامنا وتأليفنا وقولنا، ولا يسلكون سبيل الزنادقة الذين أسروا الكفر واعتقدوه، وأظهروا الإسلام ووافقوا المسلمين فيه.
وهؤلاء قد سلكوا مسلكهم، واتبعوا طريقتهم: يعظمون القرآن في الظاهر بين المسلمين ويحترمونه، ويقومون للمصحف ويقبلونه ويرفعونه على رءوسهم، ويقولون: هذا قول الله تعالى، وكلامه القديم وكتابه الحكيم، ثم يعتقدون أنه قولهم وعبارتهم، وأنه كلام للمخلوقين: ما لله في الأرض كلام، ولا هذا بقرآن، ولا في المصاحف إلا الورق والمداد،
стр. 8433
ولا يشتمل إلا على العفص، والزاج (١)، فعل الزنادقة والطرقية المارقية.
فإن كان قولهم حقا، وجب إظهاره، وتبيينه للخلق ليصير إليه، ويعلموا أنه كما فعل النبي- ﷺ في إظهار الإسلام وبيان شريعته وتعريفها لمن آمن [به] (٢) وصدقه، ولم يكتم ذلك عن أمته.
فهلا اقتدوا بالنبي- ﷺ ولم يقتدوا بالزنادقة والمنافقين الذين أظهروا الإسلام وموافقة أهله، وأسروا الكفر والزندقة.
فإن كان قولهم حقا فقد كتموه [وداهنوا] (٣) أهل الباطل وأظهروه، وإن كان باطلا فقد أسروا الباطل واعتقدوه، فما خلوا من الباطل في الحالين، والحمد لله على العافية من بلائهم، والسلامة من دائهم.
الرابع: إن كان قولهم فكيف يحتجون به في مناظراتهم ومحاوراتهم، فإن كلام الإنسان ليس بحجة له بغير خلاف.
الخامس: أنهم نسبوا قصائد الشعر إلى قائلها، ولم (٤) يدعوا أنها قولهم، ولو ادعوا ذلك لكذبهم الناس أجمعون، ولو أن [إنسانا] (٥) سرق بيتا من الشعر ادعاه لنفسه، سمي سارقا وعيب بذلك، فكيف من يدعي أنه قال القرآن العظيم الذي اعترف بالعجز عن مثله الخلق كلهم أجمعون.
стр. 8434
[فصل]
فإن قيل: فما الدلالة على الصوت في كلام الله تعالى؟، قلنا: الكتاب والسنة والإجماع.
فأما الكتاب: فقول الله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (٢)، وقال: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ (٣)، والتكلم هو ما يسمعه المكلم ويصل إلى سمعه، ولا يكون إلا بصوت. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ (٤) والنداء لا يكون إلا [بصوت] (٥)، وفي القرآن من هذا كثير.
وأما السنة: فقول النبي- ﷺ : «إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء (٦)»، وروي ذلك موقوفا على عبد الله بن مسعود. فروى عبد الله بن أحمد في كتاب الرد على الجهمية (٧) أنه قال: قلت:
стр. 8435
يا أبت، إن الجهمية يزعمون أن الله لا يتكلم بصوت، فقال: كذبوا، إنما يدورون على التعطيل. ثم قال: حدثني عبد الرحمن بن [محمد المحارب] عن الأعمش عن أبي الضحى عن مسروق عن عبد الله بن مسعود قال: "إذا تكلم الله بالوحي سمع صوته أهل السماء" (١).
стр. 8436
قال أبو نصر [السجزي] (١): وأما في رواية الإمام بقوله.
وفي حديث عبد الله بن أنيس أن النبي- ﷺ قال: «يحشر الله تعالى الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمع من قرب: أنا الملك أنا الديان (٢)».
وفى رواية: فيناديهم بصوت رفيع غير [فظيع] (٣). ذكره أبو حذيفة إسحاق بن بشر في كتابه.
وروى أنس [أن] (٤) النبي- ﷺ «ذكر أهل الجنة إذا رأوا ربهم-
стр. 8437
تبارك وتعالى- فيناديهم بلذاذة صوته (١)».
وأما الإجماع: فإننا أجمعنا على أن موسى سمع كلام الله- تعالى- منه بغير واسطة، والصوت هو ما سمع.
وروي عن الصحابة-﵃ أجمعين- إضافة الصوت إلى الله بغير نكير من أحد منهم:
فقال ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع صوته أهل السماء" (٢)، وفي الخبر: «أن الله تعالى لما كلم موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، فناداه ربه: "يا موسى، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت: لبيك، لبيك أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ قال: يا موسى أنا فوقك وعن يمينك وعن شمالك وأمامك ومن ورائك» فعلم أن هذه الصفة لا تكون إلا لله تعالى، قال: فكذلك أنت يا إلهي، كلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي اسمع يا موسى.
[وجاء] (٣) في خبر أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى بم شبهت صوت ربك؟ قال: إنه لا شبه له.
وروي أن موسى لما كلم ربه ثم سمع كلام الآدميين مقتهم، لما وقر في مسامعه من كلام الله تعالى.
стр. 8438
وهذه الأخبار لم تزل متداولة بين [عدد من] (١) الصحابة والتابعين، يرويها [بعضهم] (٢) لم ينكرها منكر فيكون [إجماعا] (٣).
فإن قيل: فالصوت لا يكون إلا من حرفين، ولا يوصف الله تعالى بذلك.
قلنا: الجواب عن هذا ما أجبنا به عن [اعتراضهم] (٤) على الحروف فيما تقدم.
ثم نقول: الصوت ما سمع أو تأتى سماعه، وهذا هو الحد الصحيح، على أن معتمدنا في صفات الله- تعالى- ما صح به النقل عن الله- تعالى-، وعن رسول الله- ﷺ ، ونصف الله- تعالى- بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ولا نتعدى، ونتبع سنة رسولنا ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين ممتثلين لقوله- ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٥)».
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون - وروى معناه عن عمر
стр. 8439
بن عبد العزيز - فقال: قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا (١)، وهم على كشفها كانوا أقوى، و [بالفضل] (٢) لو كان فيها أحرى (٣)، فلئن قلتم: حدث بعدهم حدث فما [أحدثه] (٤) إلا من رغب عن سنتهم وخالف طريقتهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فما دونهم مقصر، ولا فوقهم مجسر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم، ثبتنا الله وإياكم على صراطه المستقيم.
стр. 8440
فصل
وقد وضح الحق- إن شاء الله- بما ذكرناه من جهة التفصيل، ونذكر في هذا الفصل أمورا تدل على أن الصواب فيما قلنا من جهة الإجمال:
فمنها: أن الحق في اتباع السنة، والضلال في اتباع البدعة، بدليل الآثار والإجماع.