قال أبو نصر [السجزي] (١): وأما في رواية الإمام بقوله.
وفي حديث عبد الله بن أنيس أن النبي- ﷺ قال: «يحشر الله تعالى الخلائق يوم القيامة في صعيد واحد، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد كما يسمع من قرب: أنا الملك أنا الديان (٢)».
وفى رواية: فيناديهم بصوت رفيع غير [فظيع] (٣). ذكره أبو حذيفة إسحاق بن بشر في كتابه.
وروى أنس [أن] (٤) النبي- ﷺ «ذكر أهل الجنة إذا رأوا ربهم-
стр. 8437
تبارك وتعالى- فيناديهم بلذاذة صوته (١)».
وأما الإجماع: فإننا أجمعنا على أن موسى سمع كلام الله- تعالى- منه بغير واسطة، والصوت هو ما سمع.
وروي عن الصحابة-﵃ أجمعين- إضافة الصوت إلى الله بغير نكير من أحد منهم:
فقال ابن مسعود: "إذا تكلم الله بالوحي يسمع صوته أهل السماء" (٢)، وفي الخبر: «أن الله تعالى لما كلم موسى ﵇ ليلة رأى النار فهالته وفزع منها، فناداه ربه: "يا موسى، فأجاب سريعا استئناسا بالصوت: لبيك، لبيك أسمع صوتك ولا أرى مكانك فأين أنت؟ قال: يا موسى أنا فوقك وعن يمينك وعن شمالك وأمامك ومن ورائك» فعلم أن هذه الصفة لا تكون إلا لله تعالى، قال: فكذلك أنت يا إلهي، كلامك أسمع أم كلام رسولك؟ قال: بل كلامي اسمع يا موسى.
[وجاء] (٣) في خبر أن بني إسرائيل قالوا: يا موسى بم شبهت صوت ربك؟ قال: إنه لا شبه له.
وروي أن موسى لما كلم ربه ثم سمع كلام الآدميين مقتهم، لما وقر في مسامعه من كلام الله تعالى.
стр. 8438
وهذه الأخبار لم تزل متداولة بين [عدد من] (١) الصحابة والتابعين، يرويها [بعضهم] (٢) لم ينكرها منكر فيكون [إجماعا] (٣).
فإن قيل: فالصوت لا يكون إلا من حرفين، ولا يوصف الله تعالى بذلك.
قلنا: الجواب عن هذا ما أجبنا به عن [اعتراضهم] (٤) على الحروف فيما تقدم.
ثم نقول: الصوت ما سمع أو تأتى سماعه، وهذا هو الحد الصحيح، على أن معتمدنا في صفات الله- تعالى- ما صح به النقل عن الله- تعالى-، وعن رسول الله- ﷺ ، ونصف الله- تعالى- بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله ﷺ ولا نتعدى، ونتبع سنة رسولنا ﵇ وسنة الخلفاء الراشدين ممتثلين لقوله- ﵇: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٥)».
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون - وروى معناه عن عمر
стр. 8439
بن عبد العزيز - فقال: قف حيث وقف القوم فإنهم عن علم وقفوا، وببصر نافذ كفوا (١)، وهم على كشفها كانوا أقوى، و [بالفضل] (٢) لو كان فيها أحرى (٣)، فلئن قلتم: حدث بعدهم حدث فما [أحدثه] (٤) إلا من رغب عن سنتهم وخالف طريقتهم، ولقد وصفوا منه ما يكفي، وتكلموا منه بما يشفي، فما دونهم مقصر، ولا فوقهم مجسر، لقد قصر عنهم قوم فجفوا، وتجاوزهم آخرون فغلوا، وإنهم فيما بين ذلك لعلى هدى مستقيم، ثبتنا الله وإياكم على صراطه المستقيم.
стр. 8440
فصل
وقد وضح الحق- إن شاء الله- بما ذكرناه من جهة التفصيل، ونذكر في هذا الفصل أمورا تدل على أن الصواب فيما قلنا من جهة الإجمال:
فمنها: أن الحق في اتباع السنة، والضلال في اتباع البدعة، بدليل الآثار والإجماع.
стр. 8441
فأما الآثار: فقول النبي- ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (١)»، وما أشبه هذا من الآثار.
وأما الإجماع:
فإننا أجمعنا على أن السنة محمودة، والبدعة مذمومة، وكل واحدة من الطائفتين تدعي أنها هي السنية والأخرى هي المبتدعة، والسنة هي طريق الرسول ﷺ وصحابته ومن تبعهم.
والبدعة: ما أحدث في الدين بعدهم بدليل قوله: «وإياكم ومحدثات الأمور (٢)» إلى آخر الخبر، وقوله- ﵇: «شر الأمور محدثاتها (٣)»، وطريقتنا منقولة عن النبي- ﷺ وصحابته (٤) ومن تبعهم، وقولهم لم ينقل عن النبي- ﷺ ، ولا عن صحابته، ولا عن أحد من التابعين.
وقيل: أول من قال به (٥) ابن كلاب فهو محدث في
стр. 8442
الدين، فثبت أنه بدعة، وأنه من شر الأمور، وأن قولنا هو السنة، فيكون صوابا ممدوحا.
الثاني: أن دليل قولنا وأساسه الكتاب والسنة والإجماع.
ودليل قولهم: بيت الأخطل، وشيء من علم الكلام المذموم، فيكون كل قول بمنزلة دليله.
الثالث: أن قولنا ظاهر بين المسلمين، وقولهم: يسرونه ويكتمونه من عامة المسلمين وسلاطينهم.
وبيان ذلك: أننا نعتقد أن هذا القرآن هو القرآن الذي هو كلام الله منزل غير مخلوق، وأنه سور وآيات وحروف وكلمات، وأنه قرآن كريم في كتاب مكنون، وأنه قرآن مجيد في لوح محفوظ، وأنه حيث تلي وقرئ وسمع وحفظ، فهو كلام الله- تعالى- القديم.
ونحن نظهر ذلك ونناظر عليه، وندعو الناس إليه، وتعلمه منا السلاطين والعامة والناس كلهم، إلا من شاء الله تعالى، وهم يقولون: ليس هذا قرآنا، وإنما هو عبارة القرآن وحكايته، وهو مخلوق، فمنهم من يقول: إنه من قول جبريل وتصنيفه. ومنهم من يقول: قول محمد ﷺ .
ومنهم من يقول: هو قول كل من قرأ، وما هو قرآن ولا كلام الله، وما في المصاحف إلا الحبر والورق والعفص (١) والزاج.
وحقيقة مذهبهم: أن ما لله في الأرض قرآن، ولا في السماء إله، ولا أن [محمدا] (٢) رسول الله- ﷺ بل انقطعت رسالته بموته، وهم لا
стр. 8443
يظهرون هذا إلا لبعض الناس، فلو كان قولهم حقا لأظهروه بين المسلمين، ولما احتاجوا إلى ستره.
الرابع: أن أقوالنا متفقة متسقة، وأقوالهم متناقضة مختلفة.
فهم يقولون: أشهد أن محمدا (١) رسول، ولا يعتقدونه رسولا.
ويقولون: إن القرآن مسموع مقروء متلو مكتوب محفوظ، وهم لا يعتقدون أن المسموع قرآن، ولا المقروء (٢) ولا المكتوب، ولا يعظمون المصاحف، ويقولون: لا يجوز للمحدث مسها ولا حملها، ومن حلف بها وحنث فعليه الكفارة، وحكامهم يبعثون من عليه اليمين إلى المصحف ليحلف، وهم لا يعتقدون فيه قرآنا ولا شيئا محترما.
ويقولون: موسى سمع كلام الله من الله بغير واسطة، ثم يقولون: كلام معنى في نفسه، ليس بصوت ولا يظهر للحس.
ويردون على المعتزلة قولهم: القرآن مخلوق، ثم يقولون كقولهم: إنه مخلوق.
ويقولون: الله حي موجود يرى في القيامة، ولكن ما هو في سماء ولا أرض، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا يعقل وجوده على هذه الصفة.
الخامس: أن قولنا يستند إلى أئمة الإسلام والسادة الأعلام، المتفق على إمامتهم وعدالتهم، وفضائلهم مشهورة، وأقوالهم مأثورة.
وقول خصومنا يستند إلى قول رجل (٣) من أهل الكلام: لا يعرف
стр. 8444
[شيئا] (١) من علم الإسلام، ولا يعلم القرآن ولا الحديث، ولا الفقه ولا العربية والحساب، ولا شيئا من العلوم سوى علم الكلام المذموم.
وأئمة الإسلام أحق بالإصابة ممن خالفهم.
السادس: أن أهل مقالتنا مخصوصون بالدين، وولاية الله تعالى، فلا يوجد من له كرامة مشهورة وولاية مأثورة إلا منهم، وهم أصحاب الزهد والعبادات والولاية والكرامات، وقد زوى الله عنهم الدنيا وأبرهم بالدين.
وخصومنا أصحاب الجاه والمناصب، وأصحاب المدارس والرباطات والوقوف (٢)، والأموال والأولاد، قد آثرهم الله بالدنيا وحرمهم الدين، فهم أبدا على أبواب السلاطين، ونوابهم في طلب الدنيا غارقون (٣)، وعلى جمعها حريصون.
ففي حال الفريقين ما يدل ذوي البصائر على أن قولنا هو الحق، فإن الله تعالى وصف أهل الحق في كل الأمم بالضعف وقلة المال، ووصف أهل الباطل بالاستكبار وكثرة الأموال والأولاد، فقال في حق قوم نوح: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾ (٤)، وفي قصة ثمود: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (٥).
стр. 8445
وفي قصة شعيب: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ (١)، وفي قوم نبينا ﷺ ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢) الآية.
وقال قيصر - ملك الروم - لما جاءه كتاب النبي- ﷺ يدعوه إلى الإسلام، سأل: هل يتبعه ضعفاء الناس أو أقوياؤهم؟ فقيل له: بل ضعفاؤهم. فقال: هم أتباع الرسل في كل عصر وزمان، فاستدل بذلك على أنه رسول، مع كونه ملكا كافرا.
السابع: أن النبي- ﷺ وصف الدين أنه يعود في آخر الزمان غريبا بقوله: «بدأ الدين غريبا وسيعود كما بدأ، فطوبى للغرباء (٣)».
وأهل مقالتنا في هذا الزمان غرباء مستضعفون في أكثر الأمصار، يضامون ويضطهدون ويخوفون، فهم كأصحاب النبي- ﷺ في بداية الإسلام في الضعف وغلبة أعدائهم لهم. فصح- بما ذكرنا من الوجوه- أنهم أهل الحق، وأنهم أتباع سنة رسول الله ﷺ [وسالكو] (٤) الصراط المستقيم، وأنهم الغرباء الذين قال النبي- ﷺ فيهم: «فطوبى للغرباء (٥)».
стр. 8446
فاعتبروا يا إخواني- رحمكم الله- بما أعطاكم الله- تعالى- من كرامته، وخصكم به من اتباع دينه وسنته، تمسكوا بالسنة كما أمركم نبيكم بقوله- ﷺ : «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ (١)» يعني الأضراس.
يريد: استمسكوا بها تمسكا قويا بحيث لا [تلتفتوا] (٢) إلى غيرها، ولا يفوتكم شيء منها، ولا تنفلت منكم، واجتنبوا ما نهاكم عنه من المحدثات، واشكروا الله تعالى على نعمته عليكم، فقد آتاكم ما لم يؤت [أحدا] من العالمين الذين حرموا السنة وابتلوا بالبدعة والفتنة.
واعلموا أن ما فاتكم من الدنيا ومتاعها في جانب ما أعطيتموه يسير حقير، كما قال الله تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾ (٣).
واعلموا أن الدنيا من أولها إلى آخرها وكل ما فيها في جنب ما يؤتاه أدنى أهل الجنة منزلة - أقل من قطرة بالنسبة إلى البحر، فكيف بما يؤتاه أهل الدرجات العلا، مما لم تره العيون، ولم تسمعه الآذان، ولم يخطر على قلب بشر.
جعلنا الله وإياكم من أهلها، وثبتنا وإياكم على الإسلام والسنة في قوله [واعتقادها] (٤) وفعلها.
والحمد لله، وصلى الله على محمد النبي الأمي، وآله وصحبه وسلم
стр. 8447
تسليما كثيرا.
قد فرغ من النسخة الأولى المنسوخ منها يوم الخميس سادس جمادى الآخرة سنة ١٢٢٩هـ.
وقد فرغ من هذا يوم السبت رابع عشر عاشوراء سنة ١٢٥٦هـ على يد أفقر عباد الله تعالى إليه: عبد العزيز بن سليمان بن عبد الوهاب.
تجاوز الله تعالى عنهم، ورحمهم وجميع المسلمين.
وكان في الأم ما صورته:
فرغ منه يوم الأحد في الغر الأول من ذي الحجة سنة ستة عشر وستمائة.
والله أعلم.
وإلى هنا نصل إلى نهاية المطاف في تحقيق رسالة "البرهان في بيان القرآن ".
فإن كان ثمة توفيق فبفضل الله، أو خطأ فمن طبع الإنسان، وجل من لا عيب فيه.
وإن تجد عيبا فسد الخللا ... فجل من لا فيه عيب وخلا
ورحم الله القائل:
كم من كتاب تصفحته ... وقلت في نفسي أصلحته
حتى إذا طالعته ثانيا ... وجدت تصحيفا فأصلحته
وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت، وإليه أنيب.
وصلى الله على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سعود بن عبد الله الفنيسان
стр. 8448
الموضوعات
محتويات البحث
-المقدمة
- الموفق ابن قدامة
-مولده ونشأته
-شيوخه
-تلاميذه
-آثاره العلمية
-التعريف بالكتاب المحقق
-وصف النسخة الخطية
-موضوع الكتاب المحقق
-منهج التحقيق
-القرآن كلام الله
-الوجه الثاني
-الوجه الثالث والرابع
-الوجه الخامس والسادس
-الوجه السابع والثامن والتاسع
-الوجه العاشر
-الأحاديث القولية على بطلان
-قول أهل التفسير
-من كفر بحرف من القرآن كفر به كله
-أقوال بعض السلف في حروف القرآن
-الإجماع أن القرآن يقرأ ويجمع ويكتب ويحفظ
стр. 8449
-أحرف القرآن قديمة أم حادثة؟
-فإن قال القائل: لا يصح قولكم إن القرآن حروف
-أقوال السلف في ذم الكلام
-الأدلة من القرآن بإبطال القول أن الحروف لا تكون إلا من مخارج
-فضيحة الأشاعرة بزعمهم أن القرآن معنى في النفس
-الرد عليهم من عشرة أوجه
-إسناد الكلام إلى البشر حقيقة
-أهل السنة يستدلون بالنصوص والمبتدعة بالشعر المنحول
-القرآن كلام الله وحده
-لوازم قول أهل الضلال في القرآن
-المبتدعة في القرآن جبناء
-أدلة القرآن والسنة على إثبات الصوت لله
-دلالة القرآن على معنى السنة والبدعة
-اتفاق أهل السنة وتناقض خصومهم
-أعداء القرآن يلازمون أبواب السلاطين طلبا للثراء
-أهل القرآن في كل زمان هم قلة
стр. 8450
نفقة المرأة الواجبة على نفسها
في الفقه الإسلامي
الدكتور: عبد الله بن عبد المحسن بن منصور الطريقي
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
فلقد كانت النفقة ولا تزال حاجة من الحاجات الأساسية التي تقوم عليها المجتمعات والأفراد.
وبما أن الفرد تقع عليه مسئولية غيره فعليه أيضا تقع مسئولية نفسه لتقديم حقها على حق الغير.
والمرأة باعتبار أن الغير مسئول عن الإنفاق عليها أصلا، فإنه قد يطرأ على هذا الأصل بعض الأحوال الموجبة لسقوط النفقة عن من تلزمه مما يتعين بسببه إنفاق المرء على نفسه. لذا رأيت أن أعد بحثا بعنوان " نفقة المرأة الواجبة على نفسها ".
ولم أعلم فيما اطلعت عليه أن أحدا أفرده ببحث مستقل فآثرت جمع شتاته، ولم شعثه، وتقريب بعيده؛ ليتمكن الباحث والقارئ من الرجوع إلى الحكم الشرعي في سهولة ويسر، يسهل معهما عناء الرجوع إلى أمهات الكتب والبحث عن الحكم الشرعي في مظانه المختلفة.
ورأيت أن أقدم هذا البحث وفق رأي المذاهب الأربعة في أغلب
стр. 8451
المسائل، وقد أذكر آراء بعض الأئمة الآخرين أحيانا ليتمكن القارئ من الاطلاع على الاتجاهات الفقهية في هذا البحث، ورجحت ما ظهر لي ترجيحه فإن يكن عملي صوابا فهو من الله، وإن يكن خطأ فمن نفسي، وأستغفر الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
تعريف النفقة:
النفقة لغة: تأتي بمعنى الموت، يقال نفق الفرس والدابة وسائر البهائم، مات.
وتأتي نفق بمعنى راج، يقال نفقت السلعة إذا غلت ورغب فيها.
وتأتي بمعنى نقص يقال نفق ماله ودرهمه وطعامه إذا قل ونقص أو فني وذهب، وإنفاق المال صرفه، يقال رجل منفاق أي كثير النفقة.
والنفقة: ما أنفقت واستنفقت على العيال وعلى نفسك، والنفقة مأخوذة من النافقاء وهو موضع يرققه اليربوع من جحره، فإذا أتى به من قبل القاصعاء ضرب النافقاء برأسه فخرج.
ومنه سمي المنافق حيث يشبه اليربوع بدخوله بالجحر وخروجه منه فالمنافق يدخل في الإسلام ثم يخرج منه (١).
وفي الاصطلاح:
قيل هي: ما يتوقف عليه بقاء شيء من مأكول وملبوس وسكنى (٢)
стр. 8452
كوجوب بذل المنفق للماء، سواء أكان للشرب أم للاغتسال الواجب ونحو ذلك، كما لا يشمل نفقة الخادم لمن يتعين خدمته. كما أنه حصر الإنفاق على ما يتوقف عليه بقاء الشيء مع أن النفقة تختلف بالإيسار والإعسار.
والتعريف غير مانع لدخول غير المتعين عليه النفقة بسبب الزوجية أو القرابة أو الملك، كمنقذ المشرف على الهلاك من غير هؤلاء، والتعريف يشمل أوجه التكافل بين المسلمين من غير وجوب.
وقيل: هي الإدرار على الشيء بما به بقاؤه (١).
وهذا التعريف كسابقه حدد الإنفاق بما يتطلبه البقاء مع أنه يختلف باختلاف حال الزوجين يسارا وإعسارا، إذ أن بعض أوجه النفقة الواجبة لا تعني الإنفاق لأجل حفظ الحياة فقط بل تشمل الزيادة عن ذلك مع اليسار.
وقيل هي: ما به قوام معتاد حال الآدمي دون سرف.
وخرج بهذا التعريف قوام معتاد غير الآدمي كالتبن للبهائم، وأخرج أيضا ما ليس بمعتاد من قوت الآدمي كالحلوى والفواكه فإنه ليس بنفقة شرعية.
وأخرج بقوله دون سرف ما كان سرفا فإنه ليس بنفقة شرعية ولا يحكم به حاكم.
وقيل: هي الطعام والكسوة والسكنى.
стр. 8453
وهذا التعريف غير جامع لعدم شموله بعض أنواع النفقة الأخرى، وهذا التعريف لا يشمل جميع أنواع النفقة كنفقة الخادم لمن يلزمه ونفقة بعض المستلزمات الأخرى للطعام والكسوة والسكن.
ثم إن هذا التعريف غير مانع لشموله الإطعام على غير وجه الإنفاق اللازم كبذل الطعام والكسوة والسكنى على الغير بأجر وكالإطعام على وجه الضيافة لمن لا تلزمه نفقتهم.
وقيل: هي طعام مقدر لزوجة وخادمها على زوج ولغيرها من أصل وفرع ورقيق وحيوان وما يكفيه (١).
ويؤخذ على هذا بأنه لم يشمل إلا نفقة الإطعام دون الكسوة والسكنى ونحو ذلك مما يحتاج إليه.
وقيل هي: كفاية من يمونه خبزا أو أدما وكسوة وسكنى وتوابعها.
وهذا التعريف هو الأنسب لتعريف النفقة لسلامته من الملاحظات الواردة على التعاريف الأخرى، ولشموله لأنواع النفقة وما تحتاج إليه من غير الطعام والكسوة والسكن كثمن الماء وتكاليف الوقود وغير ذلك من النفقات الواجبة (٢).
стр. 8454
إنفاق الإنسان على نفسه
الإنسان يجب عليه أن ينفق على نفسه إذا قدر عليها، وعليه أن يقدمها على نفقة غيره لما روي عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ابدأ بنفسك فتصدق عليها (٢)».
ففي هذا الحديث أوضح ﷺ أن الإنفاق يكون على النفس أولا ولا ينتقل إلى الغير إلا بعد ما يفضل عن نفسه، وهذا يدل على وجوب إنفاق الإنسان على نفسه أولا (٣).
стр. 8455
الأصل في الإنفاق على المرأة
المرأة باعتبارات شرعية اقتضتها متطلبات حالها الملزمة للستر والعفاف منعت من مخالطة الرجال لأجل كسب القوت، وجعل الإنفاق عليها حقا على الغير من زوج أو قريب لكونها زوجة أو أما أو بنتا أو قريبة ذات رحم محرم فلها حق الرعاية والإنفاق متى ما كانت مستحقة لذلك على ما سنوضحه فيما يلي:
أ - نفقة المرأة غير المتزوجة:
سبب وجوب هذه النفقة القرابة المحرمة للقطع، لأنه إذا حرم قطعها حرم كل سبب مفض إليه، مما يدل على وجوب الإنفاق على المرأة القريبة (١).
стр. 8456
ب- نفقة الزوجات:
سبب وجوب هذه النفقة على قولين للعلماء: فيرى الحنفية والحنابلة أن النفقة تجب للزوجة لاستحقاق الزوج الحبس الثابت بالنكاح عليها، فلا تتمكن بسببه من نكاح غيره، حيث فرغت نفسها له كما منعت من الخروج والكسب لأجله، فتستوجب المجازاة بما
стр. 8457
يكفيها من ماله، كالوالي والقاضي والمقاتلة والعامل على الصدقات لما فرغوا أنفسهم للعمل استوجبوا الكفاية من بيت مال المسلمين وهو قول المالكية.
ويرى الشافعية في قول لهم أنها تجب بالعقد وتستقر بالتمكين وهو شرط لأنها معاوضة في مقابلة التمكين من الاستمتاع فاستحقت به الأجر، وإلى هذا ذهب المالكية في قول لهم.
وفي قول آخر للشافعية أنها تجب بالتمكين لا بالعقد، لأن العقد يوجب المهر وهو لا يوجب عوضين مختلفين، ولأنها مجهولة بالنسبة للاستقبال إذ لا يعلم قدر الأيام التي تمكثها الزوجة معه، والعقد لا يوجب
стр. 8458
مالا مجهولا، والقول بوجوب التمكين قال به المالكية في قول لهم ولأنه ﷺ تزوج عائشة ﵂ وهي بنت ست سنين ودخل بها بعد سنتين ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول ولو كان حقا لها لساقه إليها (١).
وهم يرون أنها ليست معاوضة في مقابلة التمكين والاستمتاع؛ لأن هذا يثبت بالعقد الموجب للمهر لقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ (٢) وفسر الإفضاء بالجماع، خاصة وأن الوطء حق مشترك بين الزوجين لاشتراكهما في لذته، ولهما منافعه المترتبة عليه (٣).
стр. 8459
ولا يلزم عند الشافعية لاستحقاق النفقة الوطء حيث تجب مع عدمه لمرضها أو لكونها لا تحتمل الجماع منه لعبالته، (١) أو لوجود قروح في فرجها، أو لكونها مستحاضة أو نفساء ونحو ذلك (٢)، وقد أوجبوا الإنفاق عليها أيام مرضها لأنها محبوسة للزوج (٣) خاصة وأنهم يرون أن وطء الرجل للمرأة مستحب وليس بواجب (٤)، وهذا يؤكد أن سبب وجوب النفقة للزوجة هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة.
стр. 8460
الحالات التي يتحقق بها إلزام المرأة بالإنفاق على نفسها
ليس معنى إلزام القريب أو الزوج الإنفاق على المرأة جعله حقا ثابتا لها لا يتغير، ذلك أن وجوب تلك النفقة محكوم بضوابط معينة، عند انتفائها تلزم المرأة بالإنفاق على نفسها ولا يجب على الغير القيام بمئونتها، وهذه الضوابط تختلف باختلاف حال المرأة نفسها وبنوع القرابة المرتبطة بها على ما نوضحه فيما يلي:
و المرأة باعتبار لزوم النفقة على نوعين:
أحدهما: كونها غير زوجة:
وذلك باعتبار كونها امرأة بالغة ويقوم بالإنفاق عليها أحد فروعها أو أصولها أو غيرهما حسب نوعية القرابة الموجبة للإنفاق.
وفي تحقيق بعض الأحوال يسقط عن القريب وجوب النفقة وتلزم
стр. 8461
بالإنفاق على نفسها في الحالات التالية:
١ - إذا كانت غنية سواء أكانت صغيرة أم كبيرة وسواء أكانت أما أم جدة وسواء أكانت بنتا أم أختا ونحو ذلك.
٢ - إذا كان من تلزمه نفقتها معسرا ولو كانت محتاجة خلافا
стр. 8462
للحنفية والشافعية (١) في قول لهما: إن البنت الصغيرة الفقيرة تجب نفقتها على أبيها سواء أكان موسرا أو معسرا فتفرض عليه بقدر الكفاية.
٣ - إذا كان من تلزمه نفقتها أو العكس مرتدا أو حربيا إذ لا حرمة
стр. 8463
لهما لأنه مأمور بقتلهما واستحقاق النفقة إنما يكون بطريق الصلة، وبهذا لا يثبت لهما أي صلة مهما كانت (١).
وذهب الحنابلة إلى أبعد من ذلك فلم يوجبوا النفقة للأقارب مع اختلاف الدين- وهو المذهب- وهو قول للمالكية (٢) والحنفية في غير الفروع (٣) والأصول (٤)، إذ يرون أن الاستحقاق إنما يثبت باسم الوارث، واختلاف الدين يمنع التوارث، فلا تجب نفقة النصراني على أخيه- من الرحم- المسلم ولا على عكسه وهو رواية عند الحنابلة.
стр. 8464
ثانيهما: الزوجة:
وهذه نفقتها على الزوج في اليسار والإعسار وإن كانت الزوجة موسرة للإجماع على ذلك (١)، ولأن الزوج حبسها عن نكاح غيره بعقده عليها، وكل محبوس لمنفعة غيره تلزمه نفقته مما يدل على وجوب نفقة الزوجة على زوجها.
غير أنه في بعض الحالات تسقط نفقة الزوجة عن زوجها ولا يلزمه الإنفاق عليها حينئذ وتلزم بالإنفاق على نفسها إذا سقطت عن قريبها كما مضى آنفا وهي كما يلي:
١ - إذا وقعت الفرقة بين الزوجين بسبب فعلها معصية راضية بها كالزنا، لأن حبس النكاح أوجب عليها صلة، فإذا وقعت الفرقة بفعل
стр. 8465
المعصية لم تستحق الصلة، إذ الجاني لا يستحق الصلة بل يستحق الزجر، خلافا للشافعية فإنها تستحق النفقة لأنه لا أثر لزناها وإن حبلت لأنه لا يمنع الاستمتاع بها ولعدم قدرتها على عصمة نفسها (١).
٢ - إذا ارتدت عن الإسلام، حيث يوجب بطلان النكاح، ولا يعود النكاح بعد إسلامها إلا بعقد جديد فتسقط النفقة لانتفاء حبس النكاح للزوج.
٣ - إذا أسلم الذمي وامرأته من غير أهل الكتاب كوثنية أو مجوسية وأبت الإسلام وفرق بينهما فلا نفقة لها في العدة، لأن الفرقة جاءت من قبلها بسبب هي عاصية فيه وهو إباء الإسلام بعد عرضه عليها،
стр. 8466
حيث تعد في حكم الناشزة لحبسها نفسها عن زوجها.
٤ - إذا أسلم الذمي وزوجته حربية أبت الإسلام فلا نفقة لها، لأن العصمة انقطعت فيما بينهما، ولأنه مأمور بقتلها (١).
٥ - إذا امتنعت المرأة من تسليم نفسها إلى الزوج بغير حق فتسقط نفقتها لعدم تمكنه من وطئها أو الاستمتاع بها.
٦ - إذا امتنعت من الانتقال معه إلى مسكنه- بغير وجه حق - سواء
стр. 8467
في بلدها أو غير بلدها سقطت نفقتها.
ويرى الشافعية في الجديد سقوط نفقتها ولو لم تمتنع إذا لم تعرض عليه وسكت عن طلبها الانتقال إلى منزله، وهو ما ذهب إليه الحنابلة لما روي عن عائشة ﵂ «أن النبي ﷺ تزوجها وهي بنت ست سنين، وأدخلت عليه وهي بنت تسع (١)»، ولم يرو عنه ﷺ أنه أنفق عليها إلا بعد دخوله ولم يلتزم نفقتها لما مضى.
ولأن النفقة تجب مجازاة لحبسه إياها عن نكاح غيره بشرط التمكين
стр. 8468
فإذا وجد استحقت النفقة، وإذا فقد لم تستحق شيئا.
وفي قول لأبي حنيفة لا يخرجها من بلدها إلى بلد غيره إلا برضاها لأن الغربة تؤذي إذا لم يكن لها فيها عشيرة (١).
стр. 8469
٧ - إذا حبست في دين قادرة على وفائه فلا نفقة لها، لأن استحقاقها للنفقة بحبس الزوج إياها على النكاح بطل بالعرض الطارئ وهو حبس الدين، خاصة وأن صاحب الدين أحق بحبسها لدينه لمماطلتها بوفائه فصارت كالناشزة، وكذا المحبوسة بحق، إذ لا تستحق بسببه النفقة (١).
٨ - إذا خرجت من منزل زوجها بغير وجه حق لغيبة أو سفر سقطت
стр. 8470
نفقتها لفوات تسليم نفسها له ولعدم تمكنه من معاشرتها.
٩ - إذا خرجت معه في سفر بدون إذنه ولم يقدر على ردها فلا نفقة لها ما لم يستمتع بها.
١٠ - إذا سافرت بإذن زوجها مع غيره لحاجتها سقطت نفقتها عند الحنابلة، وفي قول للشافعية لانتفاء التمكين فأشبه ما لو استنظرته قبل الدخول فأنظرها.
١١ - إذا كانت مريضة ولم تزف إلى بيت زوجها ولا تقدر على الانتقال معه لمرضها المانع من التسليم بالكلية فتسقط نفقتها.
стр. 8471
١٢ - إذا اعتكفت بغير إذن زوجها سقطت نفقتها لخروجها من منزله فيما ليس بواجب بأصل الشرع وهو مذهب الشافعية وقول للحنابلة (١).
١٣ - إذا حبست زوجها بغير حق بادعاء باطل أو لدين وهو معسر فلا تستحق النفقة مدة حبسه (٢).
١٤ - إذا نكحت المرأة بنكاح فاسد فلا نفقة لها عند الحنفية والحنابلة والشافعية، وفي قول لهم تسقط عن الزوج أثناء عدة النكاح الفاسد (٣) فإن فساده يمنع شرعا من تسليم نفسها له (٤) فسبب الوجوب الذي هو حبس الزوج إياها عن نكاح غيره منعدم، فتسقط نفقتها حتى في العدة، لأن حق الحبس وإن ثبت فيها لكنه لتحصين الماء
стр. 8472
لا النكاح (١) وقياسا على البائع الذي لا يستحق ثمن المبيع في بيع فاسد (٢).
١٥ - إذا مات عنها زوجها قبل إعطاء النفقة سقطت، لأنه لا يجوز لها أن تأخذ من ماله للإجماع على ذلك (٣)، ولأنها في أصلها تجري مجرى الصلة، والصلة تبطل بالموت قبل القبض كالهبة ولأن حبس الزوج لها عن النكاح وتفريغ نفسها لمصالحه قد زال قبل الاستيفاء فيسقط حقها كما إذا زال العيب قبل رد المشتري للسلعة فيسقط رده ولزمه المبيع فكذا هنا لا يلزم الزوج النفقة (٤).
١٦ - إذا كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها (٥) فلا نفقة لها عند
стр. 8473
الحنفية والحنابلة والمالكية وقول للشافعية على الصحيح عندهم.
وذلك لأنه لم يدخل بها بعد (١) وبالتالي لم تسلم نفسها لزوجها في منزله فلا تستوجب النفقة عليه كالناشزة، وهذا لأن الصغيرة جدا لا تنتقل إلى بيت الزوج بل تنقل إليه ولا تنقل إليه للقرار في بيته أيضا فتكون كالمكرهة إذا حملت إلى بيت الزوج.
ولأن نفقتها باعتبار تفريغها نفسها لمصالحه، فإذا كانت لا تصلح لذلك لمعنى فيها كان ذلك بمنزلة منع جاء من قبلها فلا نفقة لها على الزوج (٢) لأنها أيضا غير مشتهاة أصلا فلا يستمتع بها ولو دون الفرج، حتى إن كل عاقل يستنكر جماع الرضيعة فيما دون الفرج حيث تعد من الصغار (٣).
стр. 8474
١٧ - إذا فارقها الزوج بملاعنة فلا نفقة لها في العدة، إن كانت غير حامل.
وكذا إن كانت حاملا عند المالكية لما روي من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ «فرق بين المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت (١)».
وإن كانت حاملا فنفى حملها- وهو لا يلحقه نسبه- فلا نفقة لها لانتفاء الولد بزوال الفراش (٢).
١٨ - إذا خالفت زوجها وهي حائل فلا نفقة لها في العدة.
١٩ - إذا احترفت المرأة وتكسبت بدون رضا من الزوج فلا نفقة لها، ذلك أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج كما سبق فلا يصح لها
стр. 8475
الاكتساب إلا إذا لم ينفق عليها فلها تحصيل النفقة بكسب أو تجارة أو سؤال وليس للزوج منعها سواء أكانت فقيرة أم غنية؛ لأن بقاءها في عصمته وطاعتها له يوجب لها النفقة، فإذا لم يوف ما عليه لم يستحق عليها حجرا، وعليها الرجوع إلى بيتها ليلا، لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب، ولها منعه من الاستمتاع بها نهارا.
والمرأة التي تحترف وتكتسب لم تفرغ نفسها لزوجها ولم تسلمها التسليم الكامل فلو منعها من ذلك وعصته وخرجت بلا إذنه كانت ناشزة ما دامت خارجة من بيته (١) وبالتالي لا تستحق النفقة منه.
ويرى الحنفية: أن المرأة إذا سلمت نفسها في النهار أو الليل فقط فلا نفقة لنقص التسليم كما لو تزوج من المحترفات التي تكون بالنهار في مصالحها وبالليل عند زوجها فلا نفقة لها؛ لأنها بالعمل تتعب والتعب يذهب جمالها وجمالها حق الزوج فكان له أن يمنعها، فلو لم تمتنع لم تلزمه نفقتها خاصة وأن نقص التسليم منسوب إليها لرغبتها بالاكتساب.