١٢ - إذا اعتكفت بغير إذن زوجها سقطت نفقتها لخروجها من منزله فيما ليس بواجب بأصل الشرع وهو مذهب الشافعية وقول للحنابلة (١).
١٣ - إذا حبست زوجها بغير حق بادعاء باطل أو لدين وهو معسر فلا تستحق النفقة مدة حبسه (٢).
١٤ - إذا نكحت المرأة بنكاح فاسد فلا نفقة لها عند الحنفية والحنابلة والشافعية، وفي قول لهم تسقط عن الزوج أثناء عدة النكاح الفاسد (٣) فإن فساده يمنع شرعا من تسليم نفسها له (٤) فسبب الوجوب الذي هو حبس الزوج إياها عن نكاح غيره منعدم، فتسقط نفقتها حتى في العدة، لأن حق الحبس وإن ثبت فيها لكنه لتحصين الماء
стр. 8472
لا النكاح (١) وقياسا على البائع الذي لا يستحق ثمن المبيع في بيع فاسد (٢).
١٥ - إذا مات عنها زوجها قبل إعطاء النفقة سقطت، لأنه لا يجوز لها أن تأخذ من ماله للإجماع على ذلك (٣)، ولأنها في أصلها تجري مجرى الصلة، والصلة تبطل بالموت قبل القبض كالهبة ولأن حبس الزوج لها عن النكاح وتفريغ نفسها لمصالحه قد زال قبل الاستيفاء فيسقط حقها كما إذا زال العيب قبل رد المشتري للسلعة فيسقط رده ولزمه المبيع فكذا هنا لا يلزم الزوج النفقة (٤).
١٦ - إذا كانت المرأة صغيرة لا يجامع مثلها (٥) فلا نفقة لها عند
стр. 8473
الحنفية والحنابلة والمالكية وقول للشافعية على الصحيح عندهم.
وذلك لأنه لم يدخل بها بعد (١) وبالتالي لم تسلم نفسها لزوجها في منزله فلا تستوجب النفقة عليه كالناشزة، وهذا لأن الصغيرة جدا لا تنتقل إلى بيت الزوج بل تنقل إليه ولا تنقل إليه للقرار في بيته أيضا فتكون كالمكرهة إذا حملت إلى بيت الزوج.
ولأن نفقتها باعتبار تفريغها نفسها لمصالحه، فإذا كانت لا تصلح لذلك لمعنى فيها كان ذلك بمنزلة منع جاء من قبلها فلا نفقة لها على الزوج (٢) لأنها أيضا غير مشتهاة أصلا فلا يستمتع بها ولو دون الفرج، حتى إن كل عاقل يستنكر جماع الرضيعة فيما دون الفرج حيث تعد من الصغار (٣).
стр. 8474
١٧ - إذا فارقها الزوج بملاعنة فلا نفقة لها في العدة، إن كانت غير حامل.
وكذا إن كانت حاملا عند المالكية لما روي من حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ «فرق بين المتلاعنين وقضى أن لا بيت لها عليه ولا قوت (١)».
وإن كانت حاملا فنفى حملها- وهو لا يلحقه نسبه- فلا نفقة لها لانتفاء الولد بزوال الفراش (٢).
١٨ - إذا خالفت زوجها وهي حائل فلا نفقة لها في العدة.
١٩ - إذا احترفت المرأة وتكسبت بدون رضا من الزوج فلا نفقة لها، ذلك أن نفقة الزوجة واجبة على الزوج كما سبق فلا يصح لها
стр. 8475
الاكتساب إلا إذا لم ينفق عليها فلها تحصيل النفقة بكسب أو تجارة أو سؤال وليس للزوج منعها سواء أكانت فقيرة أم غنية؛ لأن بقاءها في عصمته وطاعتها له يوجب لها النفقة، فإذا لم يوف ما عليه لم يستحق عليها حجرا، وعليها الرجوع إلى بيتها ليلا، لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب، ولها منعه من الاستمتاع بها نهارا.
والمرأة التي تحترف وتكتسب لم تفرغ نفسها لزوجها ولم تسلمها التسليم الكامل فلو منعها من ذلك وعصته وخرجت بلا إذنه كانت ناشزة ما دامت خارجة من بيته (١) وبالتالي لا تستحق النفقة منه.
ويرى الحنفية: أن المرأة إذا سلمت نفسها في النهار أو الليل فقط فلا نفقة لنقص التسليم كما لو تزوج من المحترفات التي تكون بالنهار في مصالحها وبالليل عند زوجها فلا نفقة لها؛ لأنها بالعمل تتعب والتعب يذهب جمالها وجمالها حق الزوج فكان له أن يمنعها، فلو لم تمتنع لم تلزمه نفقتها خاصة وأن نقص التسليم منسوب إليها لرغبتها بالاكتساب.
стр. 8476
وعندهم أن للزوج منعها من الغزل وكل عمل ولو قابلة ومغسلة (١)، وروي عن المالكية منعها من الغزل وحكي أنه المذهب عندهم (٢)، وجاء عند الحنفية أيضا أن للزوج منعها من كل عمل يؤدي إلى تنقيص حقه أو ضرره أو إلى خروجها من بيته، أما العمل الذي لا ضرر له فيه فلا وجه لمنعها عنه خصوصا في حال غيبتها عن بيته، فإن ترك المرأة بلا عمل في بيتها يؤدي إلى وساوس النفس والشيطان، أو الاشتغال بما لا يعني مع الأجانب والجيران، غير أن الخروج لا يكون إلا بإذنه؛ لأن حقه فرض عين وخروجها للعمل فرض كفاية، والأول مقدم على الثاني (٣).
ويرى الشافعية والحنابلة أن المرأة لو نشزت نهارا دون الليل أو عكسه أو بعض أحدهما سقطت نفقة جميع اليوم، لأنها لا تتجزأ بدليل أنها تسلم دفعة واحدة ولا تفرق غدوة وعشية حيث لم تسلم نفسها التسليم الواجب.
ويرون أنه لا يحق له منع المرأة المستأجرة للإرضاع أو العمل قبل إنكاح الزوج لها غير أنه لا نفقة لها، لأن منافعها ملكت بعقد سابق على نكاحه فأشبه ما لو اشترى أمة مستأجرة أو دارا مشغولة (٤).
стр. 8477
ويرى الشافعية: أنه لو نكح مستأجرة العين لم تجب نفقتها (١) بخلاف ما لو خرجت في البلدة بإذنه لصناعة لها لم تسقط نفقتها لوجود الإذن منه ولعدم فوات حقه من الاستمتاع متى ما طلبها (٢).
ويرى الحنابلة: أن المرأة المزوجة إذا أجرت نفسها للرضاع بإذن زوجها جاز ولزم العقد، لأن الحق لهما، ولا يخرج عنهما، وأن أجرتها بغير إذن الزوج لم يصح لما يتضمن من عقد يفوت به حق من ثبت له الحق بعقد سابق وهو الزوج فلم يصح كتأجير المستأجر لما أجر له بدون إذن مالكه (٣).
ويحق للزوج منع مزوجته من إرضاع ولدها من غيره إلا أن يضطر إليها. ولما مضى يعلم أن المرأة إذا احترفت بدون رضا زوجها سقطت نفقتها عنه خاصة وأن العلماء يرون أن المرأة إذا نشزت عن زوجها بأي نوع من أنواع النشوز لا تستحق النفقة، وعملها بدون إذنه يعد نشوزا فتسقط به النفقة.
стр. 8478
٢٠ - يرى الحنفية ورواية عند الحنابلة (١) أن نفقة الزوجة تسقط بمضي الزمان ولا ترجع بذلك على زوجها إلا إذا تراضيا، وكذا لو استدانت على الزوج بدون رضاه، أو بدون فرض القاضي لها فجميع ما أنفقته لا ترجع به على زوجها بل تكون متطوعة بالإنفاق سواء أكان الزوج غائبا أم حاضرا ولا تصير دينا في ذمته؛ لأنه إلزام للزوج بالدين بدون أمره أو أمر من له ولاية الأمر (٢)، وهذا هو مذهب المالكية عندما يكون الزوج معسرا (٣)؛ ولأن النفقة هذه صلة، والصلات لا تتأكد بنفس العقد ما لم ينضم إليها ما يؤكدها كالهبة والصدقة من حيث إنها لا تتم إلا بالقبض، والنفقة ليست بعوض عن البضع فإن المهر عوض عن البضع ولا تستوجب عوضين عن شيء واحد بعقد واحد، ولأن ما يكون عوضا عن البضع يجب جملة، لأن ملك البضع يحصل للزوج جملة ولا يجوز أن يكون عوضا عن الاستمتاع والقيام عليها، لأن ذلك تصرف منه في ملكه فلا يوجب عليه عوضا مما يؤكد أن طريق النفقة هي الصلة ولا تتأكد إلا بالقضاء أو التراضي، لأنها نفقة مشروعة للكفاية فلا تصير دينا بدون القضاء (٤)، ولأنها نفقة مضت استغنى عنها بمضي وقتها فتسقط كنفقة الأقارب (٥).
стр. 8479
ويرى الشافعية والراجح عند الحنابلة والمالكية مع اليسار أنها لا تسقط بمضي الزمان بل تعد دينا عليه، لأنه مال يجب على سبيل البدل في عقدها معاوضة جزاء الاحتباس فلا تسقط بمضي الزمان.
وإيجابها يجعل الأزواج يدركون ملازمتها لهم فلا يتهاونوا في ترك الإنفاق على زوجاتهم وتركهن تحت عبء من يلزمه الإنفاق عليهم غيرها.
وتختلف عن نفقة الأقارب لأن نفقتهم إن سقطت بمضي الزمان فلأنها أصلا لا تجب إلا مع يسار المنفق وعسر المنفق عليه لتزجية الحال وتنمية الأبدان، فإذا مضي زمنها استغنى عنها فأشبهت ما لو استغنى بيسار المنفق عليه (١).
ولأن نفقة الأقارب لا تكون إلا لدفع حاجة، ولا لزوم للمطالبة بها بعد مضي وقتها، لأنها وجبت لدفع الحاجة الناجزة مواساة وقد زالت.
٢١ - إذا طلقت المرأة طلاقا بائنا من غير حمل فلا نفقة لها ولا سكن
стр. 8480
عند الحنابلة والظاهرية (١) وأبي ثور وإسحاق (٢) وابن أبي ليلى (٣) وغيرهم (٤) وأوجب المالكية والشافعية لها السكن دون النفقة خلافا للحنفية الذين يرون أن لها السكن والنفقة (٥)، واستدل بعموم قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٦) وقوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (٧) فالآية أمرت بوجوب الإسكان، والنفقة تابعة له؛ للتلازم بين الإسكان والنفقة في الشرع (٨).
стр. 8481
واستدل المالكية والشافعية بما روي عن فاطمة بنت قيس ﵂ (١) أن أبا عمرو بن حفص «طلقها البتة وهو غائب بالشام فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته، فقال: والله ما لك علينا من شيء، فجاءت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك، فقال: ليس عليك نفقة (٢)».
ففي هذا الحديث بين رسول الله ﷺ سقوط النفقة، ولم يذكر فيه سقوط السكن، فبقي على عمومه في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ (٣).
واستدل الحنابلة ومن معهم القائلون بسقوط النفقة والسكنى بما روي عن فاطمة بنت قيس ﵂ أن «طلقها زوجها في عهد النبي ﷺ ، وكان أنفق عليها نفقة دون، فلما رأت ذلك قالت: والله لأعلمن رسول الله ﷺ فإن كان لي نفقة أخذت الذي يصلحني، وإن لم تكن لي نفقة لم آخذ منه شيئا، قالت فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ
стр. 8482
فقال: لا نفقة لك ولا سكني (١)»، ففي هذا الحديث دلالة صريحة على سقوط النفقة والسكنى للمطلقة.
والقائل بإسقاط النفقة والسكنى هو الأظهر؛ لأن حديث فاطمة بنت قيس الصحيح صرح بإسقاط تلك النفقة والسكنى معها، فيكون مخصصا للآيتين.
والتفريق بين إيجاب النفقة والسكنى غير مسلم، حيث إن مفهوم النفقة العام يدخل فيه السكنى خاصة حينما يكون السكنى عن طريق الاستئجار، أليس المال المدفوع للأجرة يكون نفقة؟، وترك ذكره في بعض روايات الحديث لا يعني عدم وجوبه خاصة وأن رواية مسلم صريحة بسقوط النفقة والسكنى.
قال ابن عبد البر: من طريق الحجة وما يلزم منها قول أحمد بن حنبل ومن تابعه أصح وأحج؛ لأنه ثبت عن النبي ﷺ نصا صريحا، فأي شيء يعارض هذه الأمثلة عن النبي ﷺ والذي هو مبين عن الله تعالى ولا شيء يدفع ذلك (٢).
стр. 8483
٢٢ - ما لا يجب على الزوج الالتزام به من أنواع النفقة غير الواجبة كأجرة القابلة إن استأجرتها هي بنفسها وكأجرة الطبيب ونحو ذلك
стр. 8484
وفق ما ورد تفصيله في الكتب الفقهية، خلافا للمالكية في قول لهم (١)، ويظهر لي أن الفقهاء حينما جعلوا أجرة القابلة والأدوية والطبيب على المرأة باعتبار أن الزوج ملزم بجعل خادمة لها في البيت، ويحضر لها الطعام المهيأ للأكل، ويجعل لها مؤنسة (٢)، هنا يكون في نظري محل تحمل المرأة لأجرة القابلة والدواء والطبيب، أما إذا قامت برعاية أطفالها وبخدمة زوجها في منزله فالأولى أن يتحمل كافة
стр. 8485
نفقاتها فالغرم بالغنم، روي عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : «الخراج بالضمان (١)».
قال الترمذي: وتفسير الخراج بالضمان، هو الرجل يشتري العبد فيستعمله ثم يجد به عيبا فيرده على البائع. فالغلة للمشتري؛ لأن العبد لو هلك هلك من مال المشتري، ونحو هذا من المسائل يكون فيه الخراج بالضمان (٢).
قلت: فالزوج إذا جعل المرأة في منزلة من يخدمه هو وأولاده فقد تتعرض للإعياء والمرض، وعليه مقابل ذلك العناية بها والقيام بعلاجها إن مرضت وتأمين ما تحتاجه بسبب ذلك.
٢٣ - يرى المالكية أن نفقة الزوجة تسقط عن الزوج لعسره، ولا ترجع عليه الزوجة بعد يسره، حيث لا تلزمه، ولا يحق لها مطالبته بها ما دام
стр. 8486
معسرا، ولها طلب الطلاق حال العسر بالرفع للحاكم وإثباته عنده (١).
٢٤ - إذا كانت المرأة معتدة من وفاة (٢).
هذه مجمل للحالات التي تسقط فيها نفقة الزوجة عن زوجها، وكما قلت تحتاج المرأة إلى من ينفق عليها من أقاربها الأقرب فالأقرب، غير أنها تسقط عنهم أيضا نفقتها وتقوم بالإنفاق على نفسها إذا كانت غنية، أو من يلزم بالإنفاق عليها معسرا، أو من تلزمه نفقتها مرتدا، أو حربيا، أو يدين بغير الإسلام، على ما ورد تفصيله في نفقة غير الزوجة.
عبد الله بن عبد المحسن الطريقي
стр. 8487
صفحة فارغة
стр. 8488
التحذير من دفع الرشوة
سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى من يراه أو يسمعه من إخواني المسلمين، سلك الله بي وبهم صراطه المستقيم، ووقاني وإياهم عذاب الجحيم. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
فإن مما حرمه الإسلام، وغلظ في تحريمه: الرشوة، وهي دفع المال في مقابل قضاء مصلحة يجب على المسئول عنها قضاؤها بدونه. ويشتد التحريم إن كان الغرض من دفع هذا المال إبطال حق أو إحقاق باطل أو ظلما لأحد. وقد ذكر ابن عابدين ﵀ في حاشيته أن الرشوة هي: ما يعطيه الشخص لحاكم أو غيره ليحكم له، أو يحمله على ما يريد. وواضح من هذا التعريف أن الرشوة أعم من أن تكون مالا أو منفعة يمكنه منها، أو يقضيها له.
والمراد بالحاكم القاضي، وبغيره كل من يرجى عنده قضاء مصلحة الراشي، سواء كان من ولاة الدولة وموظفيها، أو القائمين بأعمال خاصة، كوكلاء التجار، والشركات، وأصحاب العقارات، ونحوهم، والمراد بالحكم للراشي، وحمل المرتشي على ما يريده الراشي: تحقيق رغبة الراشي ومقصده، سواء كان ذلك حقا أو باطلا.
والرشوة -أيها الإخوة في الله- من كبائر الذنوب التي حرمها الله على عباده، ولعن رسوله ﷺ من فعلها، فالواجب اجتنابها والحذر منها، وتحذير الناس من تعاطيها؛ لما فيها من الفساد العظيم، والإثم الكبير، والعواقب الوخيمة، وهي من الإثم والعدوان اللذين نهى الله
стр. 8489
- عن التعاون عليهما في قوله عز من قائل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ (١).
وقد نهى الله عن أكل أموال الناس بالباطل، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٢)، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (٣)، والرشوة من أشد أنواع أكل الأموال بالباطل، لأنها دفع المال إلى الغير لقصد إحالته عن الحق، وقد شمل التحريم في الرشوة أركانها الثلاثة، وهم الراشي والمرتشي والرائش وهو الوسيط بينهما، فقد قال ﷺ : «لعن الله الراشي والمرتشي والرائش بينهما (٤)»، رواه أحمد والطبراني.
واللعن من الله هو الطرد والإبعاد عن مظان رحمته، نعوذ بالله من ذلك، وهو لا يكون إلا في كبيرة كما أن الرشوة من أنواع السحت المحرم بالقرآن والسنة، فقد ذم الله اليهود وشنع عليهم لأكلهم السحت في قوله سبحانه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ (٥)، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٦) ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٧)، وقال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ (٨) ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ (٩).
стр. 8490
وقد وردت أحاديث كثيرة في التحذير من هذا المحرم وبيان عاقبة مرتكبيه. منها ما رواه ابن جرير عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: «كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به قيل: وما السحت؟ قال الرشوة في الحكم»، وروى الإمام أحمد عن عمرو بن العاص ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من قوم يظهر فيهم الربا إلا أخذوا بالسنة، وما من قوم يظهر فيهم الرشا إلا أخذوا بالرعب (١)»، وروى الطبراني عن ابن مسعود قال: "السحت الرشوة في الدين".
وقال أبو محمد موفق الدين ابن قدامة ﵀ في المغني: قال الحسن وسعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْت﴾ (٢) هو الرشوة، وقال: إذا قبل القاضي الرشوة بلغت به الكفر، لأنه مستعد للحكم بغير ما أنزل الله ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (٣).
وروى مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال تعالى: وقال تعالى: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب له (٦)».
فاتقوا الله أيها المسلمون، واحذروا سخطه، وتجنبوا أسباب غضبه فإنه -جل وعلا- غيور إذا انتهكت محارمه، وقد ورد في الحديث الصحيح «لا أحد أغير من الله (٧)»، وجنبوا أنفسكم وأهليكم المال الحرام والأكل الحرام، نجاة بأنفسكم وأهليكم من النار التي جعلها الله أولى بكل لحم نبت من الحرام، كما أن المأكل الحرام سبب لحجب الدعاء وعدم
стр. 8491
الإجابة لما مر من حديث أبي هريرة عند مسلم، ولما رواه الطبراني عن ابن عباس ﵄ قال: «تليت عند رسول الله ﷺ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ (١)، فقام سعد بن أبي وقاص فقال: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني مستجاب الدعوة، فقال النبي ﷺ : يا سعد، أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يقبل الله منه عملا أربعين يوما، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به» ذكر ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم عن رواية الطبراني ﵀، فدل ذلك على أن عدم إطابة المطعم وحلية المأكل مانع من استجابة الدعاء، حاجب عن رفعه إلى الله، وكفى بذلك وبالا وخسرانا على صاحبه، نعوذ بالله من ذلك.
وقد دعاكم الله إلى وقاية أنفسكم وأهليكم من النار، والنجاة بها من عذاب الله وأليم عقابه، حيث قال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ (٢)، فاستجيبوا أيها المسلمون لنداء ربكم وأطيعوا أمره، واجتنبوا نهيه، واحذروا أسباب غضبه، تسعدوا في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (٣) ﴿واتقوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).
стр. 8492
والله المسئول أن يجعلنا وإياكم ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ومن المتعاونين على البر والتقوى، الملتزمين بكتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، وأن يعيذنا وإياكم من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وأن ينصر دينه، ويعلي كلمته، ويوفق ولاة أمرنا لكل ما فيه صلاح العباد والبلاد.
إنه ولي ذلك والقادر عليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
стр. 8493
حديث شريف
عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: «من كانت عنده مظلمة لأخيه من عرض أو من شيء فليتحلله منه اليوم قبل أن لا يكون دينار ولا درهم، إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل عليه (١)»
أخرجه البخاري
стр. 8494
تنبيه:
نود أن نلفت عناية السادة القراء أنه قد وقع في العدد الثامن عشر من مجلة البحوث الإسلامية ص ١٤٤ خطأ في آية من سورة النمل، فقد كتبت الآية هكذا (قل يا أيها الملأ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين، قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم به مقامك).
وورد في الحاشية تعليقا على الآية سورة النحل: الآيتان ٣٨، ٣٩.
والصحيح: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ (١)
والحاشية: سورة النمل الآيتان: ٣٨، ٣٩.
المشرف العام
سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
لجنة الإشراف
الدكتور
عبد العزيز بن محمد العبد المنعم
الشيخ
عبد الله بن عبد الرحمن بن جبرين
الشيخ
أحمد بن عبد الرزاق الدويش
الدكتور
محمد بن سعد الشويعر
стр. 8497
مجلة البحوث الإسلامية
مجلة دورية تصدر عن الرئاسة العامة لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ـ الرياض
الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء
رئيس التحرير
محمد بن سعد الشويعر
مجلة فصلية تعنى بالبحوث الإسلامية
تصدر كل أربعة أشهر مؤقتا
стр. 8498
المحتويات
الافتتاحية:
حكم إتيان الكهف ونحوهم وسؤالهم وتصديقهم سماحة / الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٧
موضوع العدد:
التأمين (القسم الثاني) اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٣
الفتاوى:
فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء ١٤٥
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ١٨٥
стр. 8499
البحوث:
بيان التوحيد والتحذير من الشرك الدكتور / صالح بن فوزان الفوزان ١٩١
نفي تقول سخيف على الجناب المحمدي الشريف الشيخ / عبد الله كنون ٢٠٧
معنى الشهادة في اللغة واصطلاح الفقهاء الدكتور / عبد الله بن محمد الزين ٢١٩
مباحث السنة عند الأصوليين الدكتور / حسين مطاع الترتوري ٢٣٤
تحقيق مخطوطة "فتيا في حكم القيام والانحناء والألقاب
لشيخ الإسلام ابن تيمية" تحقيق الشيخ / الوليد بن عبد الرحمن الفريان ٢٨٧
كلمة ومقابلة:
التحذير من الربا وبيان سوء عاقبته سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز ٣٠٣
مقابلة مع سماحة الرئيس العام، أجرتها صحيفة الراية السودانية ٣٠٥
بيان هيئة كبار العلماء حول أعمال الشغب
التي قام بها بعض الحجاج الإيرانيين في موسم حج / عام ١٤٠٧هـ ٣١٧
стр. 8500
صفحة فارغة
стр. 8501
الافتتاحية
حكم إتيان الكهان ونحوهم وسؤالهم وتصديقهم
سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد.
فقد شاع بين الناس أن هناك من يتعلق بالكهان والمنجمين والسحرة والعرافين وأشباههم لمعرفة المستقبل والحظ وطلب الزوج والنجاح في الامتحان وغير ذلك من الأمور التي اختص الله بعلمها كما قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (١) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٢). وقال سبحانه: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ (٣).
стр. 8502
فالكهان والعرافون والسحرة وأمثالهم قد بين الله ورسوله ﷺ ضلالهم وسوء عاقبتهم في الآخرة وأنهم لا يعلمون الغيب وإنما يكذبون على الناس ويقولون على الله غير الحق وهم يعلمون، قال تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (١) ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٢) وقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ (٤) ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٥). فهذه الآيات وأمثالها تبين خسارته ومآله في الدنيا والآخرة وأنه لا يأتي بخير وأن ما يتعلمه أو يعلمه يضر صاحبه ولا ينفعه كما نبه سبحانه أن عملهم باطل وصح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «اجتنبوا السبع الموبقات. قالوا: وما هن يا رسول الله؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات (٦)» متفق على صحته.
وهذا يدل على عظم جريمة السحر؛ لأن الله قرنه بالشرك وأخبر أنه من الموبقات وهي المهلكات والسحر كفر لأنه لا يتوصل إليه إلا بالكفر
стр. 8503
كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ (١) وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال: «حد الساحر ضربه بالسيف (٢)» وصح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ أنه أمر بقتل السحرة من الرجال والنساء، وهكذا صح عن جندب الخير الأزدي أحد أصحاب النبي ﷺ وعن حفصة أم المؤمنين رضي الله عن الجميع، وعن عائشة ﵂ قالت: «سأل رسول الله ﷺ ناس عن الكهان، فقال: ليسوا بشيء، فقالوا يا رسول الله، إنهم يحدثونا أحيانا بشيء فيكون حقا؟ فقال رسول الله ﷺ : تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني، فيقرها في أذن وليه فيخلطوا معها مائة كذبة (٣)» رواه البخاري.
وقال ﷺ فيما يرويه عنه ابن عباس ﵄ «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد (٤)» رواه أبو داود وإسناده صحيح. وللنسائي عن أبي هريرة ﵁ «من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر ومن سحر فقد أشرك ومن تعلق شيئا وكل إليه (٥)».
وهذا يدل على أن السحر شرك بالله تعالى كما تقدم وذلك لأنه لا يتوصل إليه إلا بعبادة الجن وعبادتهم شرك بالله .
فالكاهن من يزعم أنه يعلم بعض المغيبات، وأكثر ما يكون ذلك ممن ينظرون في النجوم لمعرفة الحوادث أو يستخدمون من يسترقون السمع من شياطين الجن كما ورد بالحديث الذي مر ذكره ومثل هؤلاء من يخط في الرمل أو ينظر في الفنجان أو في الكف ونحو ذلك وكذا من يفتح الكتاب زعما منهم أنهم يعرفون بذلك علم الغيب وهم كفار
стр. 8504
بهذا الاعتقاد؛ لأنهم بهذا الزعم يدعون مشاركة الله في صفة من صفاته الخاصة به وهي علم الغيب ولتكذيبهم بقوله: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ (٢) وقوله لنبيه ﷺ : ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٣) الآية ومن أتاهم وصدقهم بما يقولون من علم الغيب فهو كافر.
لما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٤)»، ولما رواه أصحاب السنن والحاكم وصححه عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: «من أتى عرافا أو كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٥)»، وروى مسلم في صحيحه عن بعض أزواج النبي عن النبي ﷺ أنه قال: «من أتى عرافا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يوما (٦)».
وعن عمران بن حصين ﵁ عن النبي ﷺ : «ليس منا من تطير أو تطير له أو تكهن أو تكهن له أو سحر أو سحر له ومن أتى كاهنا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ (٧)».
رواه البزار بإسناد جيد، وبما ذكرنا من الأحاديث يتبين لطالب الحق أن علم النجوم وما يسمى بالطالع وقراءة الكف وقراءة الفنجان ومعرفة الحظ وما أشبه ذلك مما يدعيه الكهنة والعرافون والسحرة كلها
стр. 8505
من علوم الجاهلية التي حرمها الله ورسوله، ومن أعمالهم التي جاء الإسلام بإبطالها والتحذير من فعلها أو إتيان من يتعاطاها وسؤاله عن شيء منها أو تصديقه فيما يخبر به من ذلك؛ لأنه من علم الغيب الذي استأثر الله به.
ونصيحتي لكل من يتعلق بهذه الأمور أن يتوب إلى الله ويستغفره وأن يعتمد على الله وحده ويتوكل عليه في كل الأمور مع أخذه بالأسباب الشرعية والحسية المباحة، وأن يدع هذه الأمور الجاهلية ويبتعد عنها، ويحذر سؤال أهلها أو تصديقهم؛ طاعة لله ولرسوله ﷺ وحفاظا على دينه وعقيدته، وحذرا من غضب الله عليه، وابتعادا عن أسباب الشرك والكفر التي من مات عليها خسر الدنيا والآخرة.
نسأل الله العافية من ذلك ونعوذ به سبحانه من كل ما يخالف شرعه أو يوقع في غضبه كما نسأله سبحانه أن يوفقنا وجميع المسلمين للفقه في دينه والثبات عليه وأن يعيذنا جميعا من مضلات الفتن ومن شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 8506
صفحة فارغة
стр. 8507
التأمين
القسم الثاني
ب- قياس عقد التأمين على الوعد الملزم عند المالكية:
فيما يلي كلام العلماء السابقين في الوعد هل يجب الوفاء به أو لا. ثم ما تيسر من كلام علماء العصر في هذا الدليل مع المناقشة.
قال أحمد بن علي الرازي في كلامه على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) قال أبو بكر يحتج به في أن كل من ألزم نفسه عبادة أو قربة أو أوجب على نفسه عقدا لزمه الوفاء به إذ ترك الوفاء به يوجب أن يكون قائلا ما لا يفعل وقد ذم الله فاعل ذلك، وهذا فيما لم يكن معصية. وكذلك الوعد بفعل يفعله في المستقبل وهو مباح، فإن الأولى الوفاء مع الإمكان، فأما قول القائل: إني سأفعل كذا فإن ذلك مباح له على شريطة استثناء مشيئة الله، وأن يكون في عقد ضميره الوفاء به ولا جائز له أن يعدو في ضميره أن لا يفي به؛ لأن ذلك هو المحظور الذي نهى الله عنه، ومقت فاعله عليه وإن كان في عقد ضميره الوفاء به، ولم يقرنه بالاستثناء فإن ذلك مكروه؛ لأنه لا يدري هل يقع منه الوفاء به أم لا فغير جائز له إطلاق القول في مثله مع خوف إخلاف فيه (٣).
стр. 8508
وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال ابن العربي: فإن كان المقول منه وعدا فلا يخلو أن يكون منوطا بسبب كقوله: إن تزوجت أعنتك بدينار أو ابتعت حاجة كذا أعطيتك كذا، فهذا لازم إجماعا من الفقهاء، وإن كان وعدا مجردا، فقيل: يلزم وتعلقوا بسبب الآية فإنه روي- أنهم كانوا يقولون- لو نعلم أي الأعمال أفضل أو أحب إلى الله لعملناه فأنزل الله تعالى هذه الآية وهو حديث لا بأس به، وقد روي عن مجاهد أن عبد الله بن رواحة لما سمعها قال: لا أزال حبيسا في سبيل الله حتى أقتل، والصحيح عندي أن الوعد يجب الوفاء به على كل حال إلا لعذر. قلت: قال مالك: فأما العدة مثل أن يسأل الرجل الرجل أن يهب له الهبة، فيقول له: نعم، ثم يبدو له أن لا يفعل فما أرى ذلك يلزمه، وقال ابن القاسم: إذا وعد الغرماء، فقال: أشهدكم أني وهبت له من أن يؤدي إليكم فإن هذا يلزمه، وإما أن يقول: أنا أفعل، ثم يبدو له فلا أرى عليه ذلك. قلت: أي لا يقضي عليه بذلك، فأما مكارم الأخلاق وحسن المروءة فنعم، وقد أثنى الله على من صدق وعده ووفى بنذره، فقال: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ (٢) وقد تقدم بيانه.
وقال القرطبي أيضا: الرابعة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) استفهام على جهة الإنكار والتوبيخ على أن يقول الإنسان عن نفسه من الخير ما لا يفعله، أما في الماضي فيكون كذبا، وأما في المستقبل
стр. 8509
فيكون خلفا وكلاهما مذموم وتأول سفيان بن عيينة قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (١) أي: لم تقولون ما ليس الأمر فيه إليكم فلا تدرون هل تفعلون أو لا تفعلون؛ فعلى هذا يكون الكلام محمولا على ظاهره في إنكار القول.
وقال القرطبي أيضا: وقال أبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزمه منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية؛ لأنها طارئة وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض فلصاحبها الرجوع. انتهى المقصود.
وقال القرافي: الفرق الرابع عشر والمائتان بين قاعدة الكذب وقاعدة الوعد وما يجب الوفاء به منه وما لا يجب.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٢) ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (٣) والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزمه أن يكون كذبا محرما وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقا. وقال ﵇: «من علامة المنافق ثلاث: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف (٤)» فذكره في سياق الذم دليل على التحريم، ويروى عن رسول الله ﷺ أنه قال «وأي المؤمن واجب» أي وعده واجب الوفاء به. وفي الموطأ «قال رجل لرسول الله ﷺ : أكذب لامرأتي؟ فقال ﵇: لا خير في الكذب، فقال: يا رسول الله أفأعدها وأقوله لها؟ فقال ﵇: لا جناح عليك (٥)»، فمنعه من الكذب المتعلق بالمستقبل، فإن رضا النساء إنما يحصل به، ونفى الجناح على الوعد وهو يدل على أمرين:
стр. 8510
أحدهما: أن إخلاف الوعد لا يسمى كذبا لجعله قسيم الكذب.
وثانيهما: أن إخلاف الوعد لا حرج فيه، ولو كان المقصود الوعد الذي يفي به لما احتاج للسؤال عنه، ولما ذكره مقرونا بالكذب، ولكن قصده إصلاح حال امرأته بما لا يفعله فتخيل الحرج في ذلك فاستأذن عليه.
وفي أبي داود قال ﵇: «إذا وعد أحدكم أخاه ومن نيته أن يفي فلم يف فلا شيء عليه (١)». فهذه الأدلة تقتضي عدم الوفاء بالوعد وأن ذلك مباح، والكذب ليس بمباح فلا يكون الوعد يدخله الكذب عكس الأدلة الأولى. واعلم أنا إذا فسرنا الكذب بالخبر الذي لا يطابق لزم دخول الكذب في الوعد بالضرورة مع أن ظاهر الحديث يأباه، وكذلك عدم التأثيم فمن الفقهاء من قال: الكذب يختص بالماضي والحاضر، والوعد إنما يتعلق بالمستقبل فلا يدخله الكذب، وسيأتي الجواب عن الآية ونحوها إن شاء الله تعالى.
ومنهم من يقول: لم يتعين عدم المطابقة في المستقبل بسبب أن المستقبل زمان يقبل الوجود والعدم ولم يقع فيه بعد وجود ولا عدم؛ فلا يوصف الخبر عند الإطلاق بعدم المطابقة ولا بالمطابقة؛ لأنه لم يقع بعد ما يقتضي أحدهما. وحيث قلنا: الصدق القول المطابق، والكذب القول الذي ليس بمطابق ظاهر في وقوع وصف المطابقة أو عدمها بالفعل، وذلك مختص بالحال والماضي، وأما المستقبل فليس فيه إلا قبول المطابقة وعدمها، ونحن متى حددنا بوصف نحو قولنا في الإنسان: الحيوان الناطق أو نحوه، إنما نريد الحياة والنطق بالفعل لا بالقول، وإلا لكان الجماد والنبات كله إنسانا؛ لأنه قابل للحياة والنطق، وهذا التعليل يؤيد القول الأول.
ومنهم من يقول: الكل يدخله الكذب وإنما سومح في الوعد تكثيرا للعدة بالمعروف؛ فعلى هذا لا فرق بين الكذب والوعد، والأول هو الذي