وبدأت خيوط المأساة تتجمع وتتشابك. . لتنفرج من بعد وتعتنق. . حينما حمل إبراهيم زوجته هاجر وابنها إسماعيل. . وانطلق بها ضاربا في التيه. . وعند ربوة حمراء تسامت أطلال البيت العتيق، ترك إبراهيم وليده الغض. . وأم وليده العزلاء. . وما كان لدى الأم ووليدها من رزق في هذا الوادي الجديب الأجرد. . سوى جراب فيه تمر وسقاء فيه ماء. . ولا بد للتمر أن ينفد، ولا بد للماء أن يتلاشى. . فماذا يخبئ الغيب لهما من مصير؟ لأفسح أنا المجال لابن عباس يحدثنا حديث هاجر الأم. . وابنها إسماعيل الرسول. . يقول ابن عباس: ". . ثم جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ من أحد. . وليس بها ماء. . فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابا فيه تمر، وسقاء فيه ماء. . ثم قضى إبراهيم منطلقا. . فتبعته أم إسماعيل. فقالت: يا إبراهيم: أين تذهب وتتركنا في هذا الوادي الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارا، وجعل لا يلتفت إليها. فقالت: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذن لا يضيعنا. . ثم رجعت فانطلق إبراهيم. . حتى إذا كان عند الثنية لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات، ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١) وجعلت أم إسماعيل ترضع ابنها وتشرب من ذلك الماء. . حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى. . فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر. . هل ترى أحدا؟ فلم تر أحدا. . فهبطت من الصفا. . حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها ثم سعت سعي الإنسان المجهود حتى جاوزت الوادي. . ثم أتت المروة فقامت عليها. . فنظرت هل ترى أحدا. . فلم تر أحدا. . ففعلت ذلك سبع مرات. .
قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : «فلذلك سعى الناس بينهما (٢)» فلما أشرفت على المروة سمعت صوتا. . فقالت: صه. . تريد نفسها. . ثم تسمعت أيضا. . فإذا هي بالملك عند موضع
стр. 877
زمزم، فبحث بعقبه. . أو قال بجناحه. . حتى ظهر الماء. . فجعلت تخوضه. . وتغرف منه في سقائها وهو يفور بعدما تغرف فشربت وأرضعت ولدها.
فقال لها الملك: لا تخافوا الضيعة. . فإن هذا بيت الله يبنيه هذا الغلام وأبوه. . وإن الله لا يضيع أهله. . وكان البيت مرتفعا من الأرض كالرابية. . تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وشماله. .
فكانت كذلك حتى مرت بهم قافلة من جرهم مقبلين عن طريق كداء. . فنزلوا في أسفل مكة. . فرأوا طائرا عائقا: فقالوا: إن هذا الطير ليدور على ماء. . لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء. . فأرسلوا جريا أو جريين. . فإذا هم بالماء. . فرجعوا وأخبروهم بالماء. . فأقبلوا وأم إسماعيل عند الماء.
فقالوا: أتأذننين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم. . ولكن لا حق لكم في الماء. . قالوا: نعم. . وشب الغلام " إسماعيل " وتعلم العربية منهم. . وأعجبهم. . فلما أيفع واكتمل روجوه، وماتت أم إسماعيل. لتترك في الأرجاء حديثا هائلا ضخما. دائما يدوي. . وكيف تنسى ذاكرة الزمن، أو راعية الأيام أم إسماعيل. . وقصة بطولتها الخالدة تلهج بها ملايين الألسن كل يوم. . فيما يتلونه من كتاب الله، وآياته الغراء.
* * *
إنني ألمح من خلال الجهاد الرائع الذي كابدته أم إسماعيل عبر نزولها في واد غير ذى زرع، وذلك بمعاناتها للظمأ القاتل الرهيب. . ثم مسعاها اللاهف بين الصفا والمروة باحثة عن خيط يشدها ووليدها إلى الحياة. . إني ألمح من خلال ذلك كله. . ليس إنفاذ وعد الله فحسب. . بل كذلك تخليد دور الأمومة الرائعة، التي تحترق لتضيء للملايين.
ومع إسدال الستار على هذه القصة القرآنية، نحس من أعماقنا المسلمة عن كثب أن صوت القرآن العظيم غض عذب، يردد في مسامع الإجيال: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ (١)
أم موسى (١)
ومع الأصداء الأخيرة الحلوة لهذا الترتيل. . نصعد معا إلى جبل آخر من جبال النور. . لنعانق أبعاد ملحمة أبطالها. . أم. . . ونبي. . وشخوص أشتات متباينة من البشر المتباينين. نحن مع موسى وأمه. . مع الأمومة البطلة الفدائية، التي صممت على أن تهدي الحياة ربيعها الأخضر متمثلا في بشر رسول. . فعاشت من خلال هذا العمل العملاق. . صورة حية وامضة لكل ما في الأمومة من نداوة الحب. . وخصب العاطفة. . وإثراء الوجدان. . وبسالة الإصرار. . نحن مع موسى وأمه إذن من خلال ما يحدثنا به القرآن (٢). وما أصدق حديثه وأعذبه وما أخلد آياته وأروعها. . والقرآن هنا لا يحدثنا عن والد موسى (٣). . وإنما يخص بالذكر أمه. . لأنها كانت بطلة الموقف. . وحاملة عبئه. . والمناضلة بعواطفها الأصلية عن وليدها الأثير. .
وتبدأ القصة بداية راعبة. . وشاحبة. . تبدأ برؤيا يراها فرعون. . تؤرق ليله، وترتق نهاره. . وتتركه في خضم متلاطم من الهواجس السافكة. . والوساوس الخانقة، والرؤى الشرهاء فيجمع في ذهول كهنته وسحرته، وكل المعبرين والمنجمين. . ويسألهم تأويل رؤياه. . فيقولون: يولد في بني إسرائيل غلام يسلبك الملك، ويغلبك على سلطانك، ويخرجك وقومك من أرضك، ويبدل دينك وقد أظلك زمانه الذي يولد فيه! ".
وهنا يجن جنون فرعون. . وينفجر في حناياه طوفان من الغضب العارم. . فيأمر في لوثة حمقاء بقتل كل غلام وليد، حتى لا يعانق الحياة هذا البازغ المنتظر الرهيب!
стр. 880
وبين هذه السحب المتراكمة المخيفة ولد موسى الكليم. . ويا له من ميلاد مفزع. . ذلك الذي يجيء عبر أنهار من دماء سبعين ألف شهيد وليد. . وكأنما أفزع أمه أن يولد لها غلام. . لأنها تعلم مصيره المحتوم. . ونهايته الأكيدة. . إلا أنها بحافز الحب الخلاق الذي يفرش دروبها المؤمنة. . تخبئ وليدها وراء أهداب العين. . وخلف أحناء الضلوع. . ولكن. . إلى متى يا أم موسى؟ وتصيخ في أمومة حادية معذبة. . فإذا بوحي هادئ منغوم يتردد في خلدها المرهف: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ (١) وتفعل الأم ما أمر به الله. . وتلقي وليدها. . في النيل. .! وكأنما جاشت نفسها حسرات بعد أن رأت الأمواج الغاضبة تتدافع في جنون حاملة تابوت وليدها الغض، تتأرجح به يمنة ويسرة. . وتغوص به مرة، وتطفو به أخرى.
فهمست وهي تتراجع قافلة إلى دارها في ذهول: أليس كان في قتله راحة أندى من أن أطوح به هكذا في ضباب الضياع؟. . وكادت تتهالك من الأسى. . ﴿لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢)
* * *
ويمضي الموج. . أو يمضي التابوت بالموج. . ليرسو أمام قصر الطاغية. . ويلمحه الجواري إلى جانب الشاطئ يترجرج. . ويتأرجح. . فيلتقطنه. . ويذهبن به إلى آسية امرأة فرعون وتفتح آسية التابوت. . وتعانق صباحها ابتسامة " طفلة " بيضاء ترسم على أعماقها الجديبة صورة الأمل المرتجى. . وبراعم الحب الظامئ اللهيف! وتذهب به إلى فرعون في لهفة ظمأى مستوهبة إياه. . قائلة في ارتعاش أنثوي صارخ: فرعون. . ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ (٣) وتتنزى انتفاضة الغضب في عيني الطاغية. . مصرا على أن يعانق الطفل مصير آلاف من الأطفال سبقوه. . ولكن آسية اللهيفة ما تزال به - تهدهد ثورته - وتتسرب من نوافذ العاطفة إلى قلبه الصلد. . حتى يتلاشى أو ينهار. . ويأمر فرعون أن يستبقى الغلام. .
стр. 881
ولكن. . ما بالنا قد تركنا أمه هناك؟. . لنرجع إليها على وشك. . فإنها ما زالت لهيفة عبرى. . تتحس أخباره ولا صدى. . وتقتفي آثاره ولا شبح. . إنها ما زالت كالطائر المجروح، الذي فقد أفراخه الصغار!. . إنها ما زالت تلوب ظامئة حول أبعاد رحلته تريد أن تعرف ما مصيره. . تهتف بأخته مريم: (قصيه). . وتمضي الفتاة جانب النهر. . تتسمع حتى خففات الصدور، وهمسات الجفون، حتى تقف أخيرا على طرف من الخيط الذاهب هناك. . في قصر فرعون. . إن شقيقها الطفل وراء هذه الجدران. . إنه مصر بكل ما في طفولته البريئة من تشامخ عنيد ألهمه الله إياه ألا يقرب من هذه الأثداء المأجورة ثديا واحدا يرضعه. . .
وحين ترى الفتاة اللهفانة جارية من جواري القصر. . تدنو منها في جلد محاذر مشبوب وتهمس في أذنها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ (١) فترقص ابتسامة جذلى في عيني الجارية، وتقول: أجل. . أجل. . من هؤلاء يا أختاه؟ وتمضي بها عجلانة إلى سيدتها آسية، فتسر الفتاة إليها - في حذر - بخبر المرضع التي ليست سوى أم الوليد. . وحين يؤتى إلى أمه الوالهة. . تتطلع إليه في تشوف مبهور. . وتضمه في جذل خائف إلى صدرها الحاني. . فيرضع الطفل حتى يروى. . بين ذهول الجواري وتوثب مريم في حذر بهيج.
وتستدعي ربة القصر أمه إلى قصرها. . تريد أن ترضع الغلام هناك. . فتتأبى هذه وتتمنع حتى تنزل السيدة على إرادتها. . على إرادة الإصرار في موقف الأم. . التي ما زالت تحيا وراء ستار المرضع الحانية الرؤوم. . .
وحين تشارف هذه المرحلة. . نتسمع من بعيد. . وعن كثب إلى قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (٢) ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (٣) ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ (٤) ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٥) ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾ (٦) ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ (٧) ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨) ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (٩) ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ (١٠) ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١١) ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾ (١٢)
* * *
стр. 882
أم المسيح (١)
وكما يأتلق شعاع الضحى بعد رحلة ربداء في أغساق الظلام. . كان ميلاد المسيح الهادي رجفة زلزلت شوامخ الطقوس الدينية المجدبة، التي لا حياة فيها ولا روح!
والقرآن كان كذلك - سجلا حافلا بمضامين هذا الميلاد الغريب. . وكأنما ولد عيسى على هذا النحو ليلفت إليه أبصار اليهودية المعصوبة، التي تقوقعت داخل مفاهيم محفلية جوفاء. . نضب فيها زيت الحياة الخالد، وخبا في سراجها وهج الروح المتألق الشعاع. . والقرآن يتحدث حين يتحدث لا عن أب لعيسى رعرعه، ولا عن أسرة له أنجبته، ولكن عن أمه الطاهرة البتول، التي خلدت الأمومة في أنصع صفحات تاريخها الوضيء. . تلك الأمومة الفذة، التي تعرضت لامتحان باتر رهيب، فلم تهن. . ولم تتهالك. . وإنما شمخت بكل ما في كيانها الباسل من إباء. . متحدية تخرص المتخرصين، ولغط اللاغطين، ماضية على طريقها الوامض، كأنها شجرة فارعة هيفاء. . لا يضيرها أبدا أن تسقط العاصفة من هنا ورقة. . أو من ههنا ورقات!
إنها مريم. . التي نشأت في بيت دين وفضيلة وعلم، والتي كان أبوها شيخا جليلا رائعا في قومه. . فلما حملت بها أمها نذرتها لخدمة الهيكل. . ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (٢) ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (٣) ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (٤)
стр. 883
وأمضت الفتاة صباها في المحراب عابدة. . حتى إذا أراد الله لشمس رسالته أن تشرق على يدي رسول، بعث إليها من يبشرها في خلوتها: ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ (١) ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ (٢)
" فحملته ". . وخافت ألسنة مبحوحة من طول ما لوثتها الأراجيف. . ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ (٣) ثم وضعت وليدها في مذود. . وصرخة مقرورة مرتشعة تهتف في أعماقها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ (٤) ثم. . على خجل واجف. . وتردد مذعور فأتت به قومها تحمله ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ (٥) ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ (٦) ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (٧) ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ (٨) ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ (٩) ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (١٠) ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ (١١)
ولكن القوم ما زالوا بمريم ووليدها الرسول. . حتى هاجرت به إلى مصر قرابة اثنتي عشرة سنة، تغزل الكتان، وتلتقط السنبل في أثر الحصادين، وكانت تفعل ذلك والمهد في منكبها، والوعاء الذي فيه السنبل في المنكب الآخر. .
ولكن إرادة الله الغالبة، عادت بالمسيح النبي مرة أخرى إلى هذه البقاع، فجلجل فيها رادعا وواعدا. . حتى أتم رسالته.
وهكذا ينسدل ستار متألق الأبعاد من روعة الحديث القرآني العظيم على أمومات ثلاث، ليترك للأجيال من بعد. . أناشيد من نور ترددها. . وتحيا في معانيها، فإذا كل المعاني الهابطة البليدة قد استحالت إلى تسامق شاهق، وإذا كل الحياة السنة تلهج بتمجيد دور الأم. . إن لم يكن بواقعها المعاش. . فبما أسلفت في التاريخ عن أمجاد بطولية شماء.
стр. 884
ولكن ترى. . هل هذا هو كل ما دار في القرآن الكريم من حديث حول الأمومة، ودورها الباسل. . وكفاحها النبيل؟ الذي أعرفه. . أن ذلك لو كان كذلك لكفى. . ولكن القرآن لم يدر الحديث عن الأمومة في هذه الإطارات الثلاثة فحسب، وإنما أداره مرات ومرات، تارة مستقلا بذاته، منفصلا عما عداه. . وطورا في معرض الحديث عن الأبوة والأمومة جميعا. . ولو أننا حاولنا تتبع ما جاء في هذا الصدد بشيء من التفصيل الرحيب. . لضاق بنا المجال، وامتدت بنا الآماد، ولكننا فحسب، سنشير إشارات خاطفة عجلى. . وسنضيء على كل مفرق من مفارق الطرق شمعة أو شمعات. .
إن لكلمة " الأم " في القرآن - حتى من الزاوية اللغوية البحتة، ظلالا رائعة، وتهاويل مشرقة، كأنها رمز يوحي بما للأمومة من أوج وما لمكانتها من سموق. . فحين يذكر الله رسوله بفضله عليه يقول: هو ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ (١) وحين يضع في يده السلاح الباتر لهداية الجموع يهيب به: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ (٢) إننا نحس أن في كلمتي " أم الكتاب "، " وأم القرى " تكريما حسيا لأشياء ومواطن. . نحسه من خلال هذه الكلمة الوامضة المشعة البيضاء. .
وفي مواطن الهول والاستنفار لا تجد كلمة مثل كلمة " الأم " تثير بها عواطف الأغيار ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (٣)
* * *
ما أجمل أن يعبر القرآن بكلمة " أم " بدلا من الاسم الوضعي للمرأة. . أي امرأة ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ (٤) ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ (٥) إن القرآن هادف حين يعبر هذا التعبير الجميل، لما لهذه الكلمة من ظلال تلقي على الحدث طاقات معينة من الشعور والانفعال. .
وللتدليل على قدرة الله القادر يتحدر صوت القرآن رائعا وجليلا ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ (٦) ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ (٧) ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ (٨)
стр. 885
ولربط القيادة بالجموع يطلق القرآن هذه الكلمة الرائعة الخالدة: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ (١) وما نعرف في لغات البشر تعبيرا يسمو إلى هذه الذروة، التي تحفر في أعماق الملايين حب النبي. . وحب زوجاته. . أمهاتنا الأثيرات!
وفي مجال التذكير بمصدر الوجود الإنساني، وبكل المعاناة الراعفة، والعذابات القاصفة يتحدث القرآن حديثه اللاهب: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ (٢) ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (٣)
وحين يتحدث المسيح في المهد يقول في مطلع ما يقول: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (٤) هذه هي اللفتات القرآنية الوامضة التي خصت الأمومة بحديثها العذب وتنغيمها المسحور، وهناك لفتات قرآنية أخرى تناولت الأمومة بحديثها الفياض، ولكنه تناول ضمني في معرض الحديث عن الوالدين جميعا. . وأرهف السمع معي إلى هذه الآيات:
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٥)
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٦)
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٧)
﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (٨) ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ (٩)
وهنا أفسح المجال للشيخ محمود شلتوت ﵀ يحدثنا في كتابه " الإسلام عقيدة وشريعة " فيقول: " والذي أحب أن أنبه إليه أن القرآن حينما جاء بوصايا احترام الوالدين جميعا وبتخصيص الأم " بنوع من العناية. . جاء منظما لما تقتضيه فطرة الخلق والتكوين، وما تقتضيه عاطفة الحنو والشفقة التي أودعها الله في قلب المرأة لولدها، وبها احتملت ما احتملت في الحمل والإرضاع والتربية الأولى والسهر على حفظ صحته وسلامته مما يخطو به في مراحل الحياة الشاقة ". .
* * *
وأظنك لست تجهل ذلك الموقف القرآني الواسع الذي تعكس نبضاته الإنسانية سورة " المجادلة ". . ولكن لا بأس من أن نقف أمامه لحظات، نعيشها مع ذلك الأفق المترامي العملاق. إن
стр. 886
الإسلام لم يرتفع بالإنسانة الأنثى إلى مصاف المساواة مع أخيها الرجل فحسب. . وإنما أبرز لها صفحة أخرى. . صفحة الكائن الفذ الذي لا يضيع رأيه في غمار الآراء. . أليست " خولة بنت ثعلبة " هي التي أتت رسول الله ﷺ تشكو له زوجها أوس بن الصامت. . حين قال لها: " أنت علي كظهر أمي " وكان الرجل في الجاهلية إذا قال مثل هذا لزوجته حرمت عليه، ثم دعاها. . فأبت، وقالت: والذي نفس خولة بيده، لا تصل إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم الله ورسوله.
ثم أتت رسول الله ﷺ وقالت: يا رسول الله. . إن أوسا تزوجني وأنا شابة مرغوب في، فلما خلا سني، ونثرت بطني، جعلني عليه كأمه وتركني إلى غير أحد، فإن كنت تجد لي رخصة يا رسول الله تنعشني بها وإياه فحدثني بها. .
فقال لها النبي ﷺ : «ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن. . وما أراك إلا قد حرمت عليه» فقالت: " ما ذكر طلاقا يا رسول الله؟ وأخذت تجادل النبي وتكرر عليه القول، والنبي لا يزيد على أن يقول لها: «ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن» ... هنالك تلجأ المرأة إلى أمومتها عساها أن تطرق بها باب السماء فينفتح. . أو تعطف بها قلب الرسول فيضرع من أجلها لله. .
فتقول: يا رسول الله. . إن لي منه صبية صغارا. . إن ضممتهم إليه ضاعوا. . وإن ضممتهم إلي جاعوا، وجعلت ترفع طرفها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك، اللهم فأنزل على لسان نبيك. . وما برحت حتى نزلت الآيات إرسالا:
﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ (١) ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ (٢) ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (٣) ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٤)
في القرآن مجالات أخرى تتألق فيها كرامة المرأة " كأم " وإن لم تكن هذه المجالات مفتوحة أو مباشرة، ولكنها أبدا لا تستتر أمام من يحاول التعمق، أو يجهد في البحث، أو يتأنى في تأمل الآيات. .
إنني ألمح من وراء الموقف القرآني في لحظات الطلاق، بالتحكيم، والوعظ، والهجر، والضرب قبل
стр. 887
الفراق. . ثم بالمراجعة الهينة الميسورة بعد الفراق. . محاولة هادفة، وجادة، ومضيئة. . للإبقاء على قداسة " الأمومة " الفاضلة التي قد تتعرض بعد الطلاق لعزوبة قاسية. . قد تنحرف بها هنا أو هناك. . ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾ (١) ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾ (٢)
وهكذا يظهر بوضوح وصدق مدى اهتمامات القرآن الكريم بالأمومة، حتى ليخيل إلينا من طول ما تحدث عنها في جوانبها المتعددة الكثار. . أننا بإزائها الآن. . كما تكون الأنامل الرقيقة الشاخصة، المشيرة في خجل وارتعاش إلى أبعاد فجر رائع جديد.
* * *
стр. 888
الأستاذ: محمد أحمد العزب
مدرس الأدب والنقد بكلية اللغة العربية - جامعة الأزهر - بأسيوط
مؤلفاته:
١ - أبعاد غائمة (ديوان شعر).
٢ - مسافر في التاريخ (ديوان شعر).
٣ - دراسات في الأدب.
٤ - دراسات في الشعر.
٥ - دراسات في الفكر الإسلامي.
٦ - التراجم الغيرية في الأدب العربي الحديث.
مشاركاته في الحياة الأدبية:
له مشاركات في الحياة الأدبية من خلال الدوريات التالية:
التضامن الإسلامي، والرابطة الإسلامية، والدعوة، وقافلة الزيت (السعودية)، والعربي، والوعي الإسلامي، والكويت، والبيان (الكويتية)، والأديب (اللبنانية)، والثقافة، والشعر، والأزهر (المصرية) وغيرها. .
إلى جانب إسهامه المستمر في الندوات والمؤتمرات واللقاءات الفكرية والعقائدية.
العنوان: القاهرة - الأهرام - بجري مدينة حسن محمد - شارع مكة.
مصطفى كمال وصفي (١).
الحسبة والنظام الإداري
يقرر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه الطرق الحكمية: أن جميع الولايات ترد إلى الحسبة. فهي - في أصلها - أمر بمعروف ظهر تركه أو نهي عن منكر ظهر فعله.
ولم يستثن من ذلك سوى أعمال التوثيق، أي أعمال كتابة الإشهادات وتحرير الأحكام ونحو ذلك، فقد أضاف هذه الأعمال إلى هذا الأصل العام الكبير، مبينا أن الولايات: إما أن ترد إلى هذا أو إلى ذاك.
стр. 891
ونظرا لاستغراق الحسبة لمعظم الولايات، وبسطها ظلها على جل الولايات الإسلامية، وأن ولاية التوثيق - إذا نظرنا إلى موضوعها ومادتها - إنما تنصب إلى تقرير وتحرير وإثبات ما هو من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإننا نجد - في النهاية - أن الحسبة هي الأساس الظاهر للولايات الإسلامية.
أي أن النظام الإداري الإسلامي - الذي تديره هذه الولايات العامة - أساسه العام هو الحسبة. فهي قطب الرحاة فيه وحجر الزاوية في بنائه.
* * *
стр. 892
ما هو النظام الإداري الإسلامي؟ وقيام الأفراد به:
وقبل أن نسير في عرض الموضوع نحب أن ننبه إلى حقيقة قد تغيب عن الكثيرين. وهي أن النظام الإداري الإسلامي لا يقوم على الجهاز الحكومي فقط كما هو الحال في النظام الحديث، بل هو يقوم - بصفة أساسية - على الأفراد.
فالنظم الحديثة تجعل ولاية إدارة المرافق العامة احتكارا للسلطة. وهي وحدها التي تقوم بها بصورة " سلطة عامة " تمارس على الأفراد ما نسميه " بالامتيازات الإدارية " وهي وسائل خاصة تتسلط بها على الأفراد وتقهرهم بها، لتتمكن من السير بالمصالح العمومية المتمثلة - في النظم الحديثة - في تسيير المرافق العامة.
وأما إذا قام الفرد بخدمة من الخدمات العادية (كالنقل الحر، أو بيع الأدوية والأطعمة والضروريات) فإنه لا يتمتع في ذلك بالامتيازات الإدارية المذكورة، ولا يقوم بهذه الأعمال كسلطة عامة، وبالطريقة والوسائل التي تقوم بها الحكومة لو أنها قامت بذات هذه الأعمال.
* * *
стр. 893
فأما في الإسلام فإن الأصل هو أن يتولى الأفراد المرافق العامة كلها.
وسبب ذلك أن القيام بالمصالح عندنا فرض كفاية، وأنه إذا تخلف المسلمون عنها فإنهم يأثمون جميعا.
فتفاديا لهذا الإثم العام يقوم الأفراد عندنا في الإسلام أصالة عن أنفسهم بأعمال هي من النوع الذي تقوم به الدول العصرية.
فالأفراد عندنا مكلفون مباشرة بأن يعبدوا الطرق وينشئوا الجسور ويقيموا المستشفيات والمدارس والمساجد ونحو مما يلزم الحاجة العامة. نعم إذا كان بيت المال قادرا على ذلك قام به. ولكن إذا لم يكن بيت المال قادرا عليه، أو أهمله، فإن ذلك لا يعفي الأفراد من واجب إقامتهم لهذه المصالح ورعايتهم لها، ولا يكون تخلف السلطة العامة عنها عذرا لهم في فسادها.
وقد ترك هذا آثارا ظاهرة في الأحكام. منها: قيام نظام الوقف كنظام أساسي في الشريعة الإسلامية.
فالواقع أن الوقف هو " تنظيم مالي " للإنفاق على مرفق من المرافق الإدارية العامة. فهي كلها مصالح عامة مما يلزم الجمهور ويحتاجون لها كخدمات عامة في حياتهم. فالأوقاف ترصد على العلاج والتعليم والإحسان والدفن والمصالح المختلفة وهي كلها في حقيقتها وجوهرها من قبيل الخدمات الإدارية التي تقوم بها الدول الحديثة. وذات طبيعة إدارية محضة إذا نظرنا إليها بمعيار نظرة النظم الحديثة. وإنما واجهت الشريعة واجب الإنفاق الدائم على هذه الخدمات بوسيلة مناسبة هي: إيجاد المصرف المالي الدائم عليها باعتبارها جهات بر لا ينقضي.
ومنها: أحكام إصلاح الطرق والجسور والأنهار وكريها وتطهيرها.
فإن الشريعة الإسلامية تنظر إلى الطريق العام وكأنه ملك مشترك بين المنتفعين. وكذا الحال بالنسبة للمساقي ومجاري المياه والأنهار. وقد صرح الأحناف بأن هذه الحالة تعتبر " شركة إباحة " بين هؤلاء المنتفعين، وعلى هذا الأساس ألقت عليهم الواجب المباشر والتكليف بذات الالتزامات التي تقوم بها السلطات الإدارية العامة في النظم الحديثة.
وهكذا يمكن القول في سائر الاحتياجات العامة. فلا شك أن الناس يأثمون إذ تركوا أنفسهم في مشقة تهدد أمور حياتهم. فإنهم إذ خلت قريتهم أو ناحيتهم من طبيب - مما يهدد حفظ النفس والنسل - فإنهم يأثمون حتى يستقدموا طبيبا وحتى يندبوا من أبنائهم من يقوم بملء هذا الفراغ. . وهذه وظيفة إدارية حقيقية. وتقوم
стр. 894
بها الدول في النظم الحديثة ويقتصر دور الأفراد في ذلك على أن يجأروا بالشكوى والتذمر من الحكومة دون أن يقوموا إيجابيا بهذا العمل؛ لأن النظم الحديثة لا تتصور أن يكون للأفراد ولاية على المرافق العامة إلى هذه الدرجة.
* * *
стр. 895
أهمية الحسبة في النظام الإسلامي
فإذا كان الأفراد عندنا يقومون بالمرافق العامة في الإسلام، فإن ذلك يتطلب تمكينهم من الوسائل التي يقومون بها بذلك.
إذ ليس من المعقول أن يقوم الإنسان بواجب يتكلفه بلا وسائل. . ولا يستقيم النظام ولا يتزن إلا بتمكينه من تلك الوسائل. وهذه الوسائل هي التي يكون منها صلب الحسبة. ونحن إذا لم نعترف بها للفرد في الإسلام، اختل توازن النظام الإداري الإسلامي، وعدم وسائله الحقيقية التي يتحقق بها. ولا بد إذن لاستقامة الحياة الإسلامية بوسائلها الإسلامية الحقيقية الأصلية الصحيحة من الاعتراف بنظام الحسبة كعنصر عملي إيجابي فعال لإقامة النظام الإداري الإسلامي على وجهه الصحيح.
* * *
стр. 896
النظم الحديثة والحسبة
أما النظم الحديثة فهي تقوم على أسس وأصول تجعلها تستغني عن الحسبة وتجعل السلطة كلها في يد الدولة، وإن كان ذلك يؤدي إلى أضرار جسيمة. فالدولة عندهم هي الواضعة لجميع النظم. فهي - في تعبيرهم - تنشأ نشوءا ذاتيا بذاتها. فإذا نشأت على هذا الوجه فإنها تحدد النظام تحديدا ذاتيا.
стр. 897
وتحدد القوانين تحديدا ذاتيا. وتصدرها استنادا إلى سلطتها الوضعية المطلقة. وبذلك فإن السبب في احترام هذه القوانين وقوتها عندهم هو أنها صادرة عن الدولة. فعلتها شكلها فقط ولا بحث وراء ذلك في العدالة إلا إذا لم يوجد قانون. ولذلك فإن اعتبارات السلطة والتحكم قوية جدا في تلك النظم. ولكنها تترك للإنسان مجالا خاصا في شئونه الخاصة الداخلية على وجه مطلق. وبذلك فهي تترك للأفراد مجال حرياتهم الخاصة والشخصية والفردية - في حدود القانون - وتقيد مساهمتهم في الحياة العامة بشكل يكاد يجعل هذه المساهمة لاغية ولا قيمة لها.
وأما في مجال الحقوق العامة فهذه النظم العصرية شديدة الوطأة على الفرد بسبب أنها تجعل الدولة وحدها هي المحتكرة الأولى للسلطة. ففي الحقوق الدستورية: لا يملك الفرد في النظم العصرية أن يباشر شيئا بصفة الفردية الخاصة. بل كل حقوقه معلقة ومنوطة ومقيدة بأن يمارسها بصفته عضوا في هيئة من الهيئات ولا يتأتى له الاستقلال بكيانه في شيء. ففي استعماله لحقه في الانتخاب يدلي بصوته - أيا كان قيمته - كعضو في الهيئة العامة للناخبين. ويتكون القرار النهائي الصادر بإنجاح الفائز من مجموع الأصوات التي أبديت في الانتخاب. وكذا في المشروعات والقرارات التي يقرها البرلمان أو نحوه من مجالس السلطة التشريعية المكونة من نواب منتخبين عن الشعب، فإنها كلها تصدر بقرار من الأغلبية، وكذا قرارات المجالس، كمجلس الوزراء فما دون، واللجان داخل مجلس الشعب أو خارجه وفي أنواع الإدارات المركزية والمحلية والمتفرعة. . كل ذلك يكون بالأغلبية ولا يملك فرد بصفته الخاصة شيئا.
وهذا التصوير البراق يخفي حقيقة مؤلمة: هي أن هذه الأشكال كلها تنطوي على التحكم والاستبداد. . فإن الانتخابات التي تدور بين حزبين فأكثر إنما تدور على أساس برنامج يضعه كل حزب. وهذا البرنامج يضعه واحد هو رئيس الحزب، أو - بالكثير - بمشاركة القلة من أصحاب القوى والنفوذ في الحزب. وتأتي المجالس الشعبية - التي تحوز السلطة التشريعية - لتنفذ هذا البرنامج؛ لأنها نجحت على أساسه. . وينظر إلى المعارض داخل الحزب نظرة خاصة قد تطيح به. . وهذا هو الحال في المجالس بأنواعها، وفي مجالس الإدارات العامة كمجالس المؤسسات العامة، ومجالس الإدارات الخاصة، وتسير الحياة سيرا احتكاريا في ثوب خادع من حرير الحرية الناعمة حتى أصبحت الوسائل القابضة من أهم مظاهر الحياة الحديثة وأصبح التحكم والاحتكار في الحياة العامة والخاصة من أعقد العيوب التي تعاني منها الحياة العصرية. وأصبح الكيان الحقيقي للفرد هو لا شيء. . وصفر بلا رقم صحيح أو كسر. .
стр. 898
وفي النظام الإداري وجدت هذه الظاهرة بأقسى صورها في البداية، إذ الحقيقة أن النظم الوضعية تحتقر الفرد. وتضحك عليه وتخدعه للحصول على النفوذ والسلطان بواسطة الكوادر والأغلبيات العددية.
وفي البداية قيل: إن أساس النظام الإداري، والمبرر الذي يسوغ وجوده - كقانون استثنائي يعطي الإدارة امتيازات القهر والجبر على الأفراد - هو احتياج الإدارة لهذه الامتيازات ذاتها. فجعلت الامتيازات واعتبارات السلطة والحاجة إلى إعلاء الصالح العام على الصالح الخاص أساسا لذلك القانون.
وهذا الأساس كان شديد التجاهل والقسوة على الأفراد فكان يبرر الوسائل الإدارية مهما كانت شدتها، كالشروط غير المألوفة في العقود الإدارية والتنفيذ المباشر بالطريق الإداري بصورة متوسع فيها.
وكان من الطبيعي أن يتعدل هذا الأساس نحو احترام الناس والشعور بوجودهم.
فقيل بأن الأساس الذي يبرر وجود قانون إداري مخصوص (يتصف بصفات الشدة السابق ذكرها) هو ضرورة تسيير المرافق العامة. فإن هذه الضرورة هي التي قالوا: إنها تبرر قيام قانون إداري إلى جانب القانونين المدني والتجاري اللذين ينظمان علاقات الأفراد. وكان ذلك في منتصف القرن الميلادي الماضي.
وكان اتخاذ مبدأ " تسيير المرافق العامة " أساسا للقانون الإداري أكثر شعورا بالجمهور واحتياجاتهم فلم يقتصر هذا القانون على تنظيم الامتيازات الإدارية، بل أبصر بنواح من مصالح الشعب، وذلك على أساس أن المرافق العامة هي خدمات تؤدى إلى المنتفعين بها، وأن لهم حقوقا في الطعن على ما يخل بهذا الانتفاع، وأنه يجب أن تراعى أوضاعهم كهيئة لها كيان خاص في مقابل هيئة الإدارة في كيانها. .
ونشأت في هذه النظم الوضعية كثير من النظريات والوسائل التي كانت تعتبر تقدمية في وقتها. وكانت موضع فخرهم واعتزازهم الشديد.
ثم تطور الزمان مرة أخرى. فقد وجدوا أن انفصال السلطة عن الشعب لهذه الدرجة التي قام عليها نظامهم من قبل، يجعل صراعا حقيقيا بين العنصرين، وهما في الحقيقة أمة واحدة.
فإن السلطة تسعى لمصلحة المجموع. والشعب يسعى لمصلحة المجموع. وأنهما يتلاقيان في هدفهما وغرضهما. وأن الحقيقة - كما تكشفت لهم - هي أن الحكومة يجب أن تعمل وفقا " للروح الشعبية ".
وإنه لا فائدة من الكيان الفردي إلا إذا انفعل وتحمس بهذه الروح العامة - أي الروح الشعبية - التي يجب أن تعمر كيان الأمة وتجعلها متحمسة ومنفعلة بالعقيدة العامة والإيمان العام الذي يرتبط به الجميع.
стр. 899
ولم يكن لحديث الإيمان محل قبل ذلك إلا في مناسبات خاصة كأوقات الحروب والثورات، أو الخطب التي لا معنى لها عندهم. .
* * *
ولكن حدث منذ أوائل هذا القرن أن بدأت أوروبا وغيرها بالشعور بضرورة الإيمان وبأن تقوم على أساسه روح شعبية تدفع الجماعة إلى الأمام.
فالموظف يجب - وهو يعمل - أن يشعر أن عواقب إدارته وآثارها تعود عليه.
وأن صالحها وسيئها إنما ينصرف إليه وإلى أسرته في صميم حياته الخاصة ومختلف ما يحتاج إليه.
وكذا القاضي فإنه يجب أن يعلم أن آثار العدالة تعم الجميع وتناوله فيمن تنصرف إليه من المواطنين. وإذا ساعد اليوم على إرساء الظلم فستدور عليه دوائره غدا.
وكذا المشرع الذي يسن القوانين، فإنه سينطبق عليه كمن ينطبق عليه من عامة الشعب.
وبذلك تكون السلطة من الشعب وإلى الشعب، إذ يتولاها الموظف أو القاضي أو المشرع كفرد من الشعب يعمل بروحه الشعبية وعالما بأن مآل عمله إليه وإلى أفراد أسرته وأهله كجزء من الشعب.
وبهذا بدأ النظام الإداري يتجه إلى أن يقوم على أساس الروح الشعبية، وإن كان هذا الاتجاه لم يستقر تماما ولم يتأسس بعد على وجهه؛ لأن الواقع أن " الإيمان " والحاجة إليه في تلك البلاد لم يتغلغل إلى صميم الناس بعد، وما زالوا في غفلة لاعبين، وإنما عرف مفكروهم ومنظموهم أخيرا قيمة الحاجة إليه، وشرعوا في التنبيه له والتنظيم على أساسه. وبديهي أن " إيمانهم " كإيماننا. . وهذا موضوع آخر لا نريد أن نخوض فيه الآن لضيق المجال. وقد ظهرت آثار هذه الاتجاهات الشعبية في الوسائل الجديدة التي بدأت تظهر في مجالات الأعمال العامة.
من ذلك توسيع حقوق الأفراد في الطعن في القرارات العامة، حتى أراد البعض أن يقرر ما يسمى " بالدعوى الشعبية " وهي أخت دعوى الحسبة وقرينتها، ولكن الأفكار الوضعية الكليلة لم تحتمل مثل هذا التقدم الشديد.
стр. 900
وكذلك أنشئت شخصيات رقابية كبرى - لها هيمنة على السلطات في مختلف النواحي في الغالب - من طراز جديد لحساب الروح الشعبية وأهمها شخصية " أمبودزمان " في السويد، وشخصية مقاربة منها في فرنسا أنشئت في سنة ١٩٧٣ ميلادية باسم الوسيط (انترميديير) ومنها شخصية " المدعي الاشتراكي " في مصر، وهم جميعا يعملون على إعلاء الروح الشعبية وحمايتها، ولكن مكانة هؤلاء الأشخاص وقوة شخصيتهم وإنتاجية وسائلهم تختلف اختلافا حسب الظروف، وهي كلها لم تقرر تقاليدها وحدود علاقاتها بالسلطات التقليدية - التشريعية والقضائية والتنفيذية - وما زالت أوضاعها تثير الكثير من المشاكل والبحوث التي لم يستقر الرأي فيها بعد. .
واتجهت طرق الإدارة إلى العناية " بالإدارة الشعبية " بإشراك العمال والمنتفعين أو المستهلكين في مجالس الإدارة ومساهمة الشعب في تكوين القرارات العامة.
وهذه الوسائل الشعبية أيضا قشرية وليست حقيقة؛ لأن العامل أو المستهلك الذي يجلس في مجلس الإدارة يكون ضعيفا إلى جانب المديرين الحقيقيين الذين يعلمون حقيقة الحال ويطلعون على أصول الأوراق في حينها ويتناولون الوقائع فور حدوثها، ويباشرون الإدارة اليومية ويتمتعون بنفوذ فعلي في المشروع. . فضلا عن أنه لا يعين ولا يبقى في هذه المجالس إلا الشديد الولاء والخضوع. . وإلا أسفر الأمر عن نزاع خطير، وخاصة في حالة وجود نقابات وتشكيلات مقابلة. . وبذلك إما أن تسفر هذه الاتجاهات عن أوضاع صورية - وهو الغالب - أو تسفر عن منازعات وصراع لا ينتهي. .
* * *
стр. 901
الوضع في الإسلام
والأساس الذي يرتكز عليه النظام الإسلامي كله - في جميع نواحيه - على الإيمان بالتوحيد. وهو إيمان يرتكز على العمل بما أنزل الله تعالى من نصوص الكتاب والسنة وتحري المصالح والمقاصد الشرعية التي يدور الاجتهاد في إطارها.
فالإيمان عندنا نية وقول وعمل.
والالتزام بالعمل بما أمر الله به، ومنع ما نهى الله عنه، هو التزام إيجابي عندنا في الإسلام، بسبب ما بيناه من أنه مقرر على وجه فرض الكفاية التي يأثم الجميع بتركها، والذي يولد حالة من التضامن العام بين الجميع في إقرار أحكام الله وإعلانها.
стр. 902
وهذه الظاهرة العامة توجد فوارق شديدة من مركز الفرد المسلم في المجتمع الإسلامي، ومركز الفرد المواطن في المجتمع الحديث: أولا: أن الحقوق والحريات في المجتمع الإسلامي هي تكاليف وليست تمتعا ذاتيا كما في المجتمع العصري.
ومن أجل ذلك عنيت كتب أصول الفقه بأبواب. " التكليف " ونظرت إلى مراكز الأفراد على أنها وسائل في سبيل الله .
فالفرد يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله، ويجب أن تتوجه نواياه نحو الإخلاص لله.
ومن أظهر ما يظهر فيه ذلك: أن يراقب صالح عامة المسلمين وصالح الكافة في أعماله، وهذا يجعله أصيل في متابعة المصالح العمومية.
ثانيا أن الفرد في المجتمع الإسلامي لا يمارس حقوقه فقط كعضو في هيئة، بل بصفة أصلية مباشرة وقد يتأتى أن يمثل الفرد المسلم في المجتمع كافة المسلمين، بما يقوم به لقوله ﷺ : «ذمة المسلمين واحدة ويسعى بها أدناهم (١)» قيل: أي أقلهم كالمرأة والرقيق، وقيل: أقربهم؛ لأنه أولى بأن يجير ويبادر. وقد استند الفقهاء إلى هذا الحديث في أبواب الإمامة. ولكن أراه - والله أعلم - أولى بأن يعمل به في مختلف الأبواب لما قلناه من أن إقامة المصالح فرض كفاية يسد مسد قيام الكافة به. ولذلك فقيامه بالمصلحة على هذا الأساس يكون عن المسلمين جميعا، وهم يعتمدونه ما دامت طبقا لما أنزل الله وما تدور عليه المصالح الشرعية بلا خفاء لوضوح أسس النظام الإسلامي وثباته.
ثالثا: أن ما تقدم استتبع أن يمكن المسلم من وسائل إيجابية للقيام بما تقدم، بأن يستعمل إمكانياته كوسائل لتحقيق ما أمر الله به ومنع ما نهى الله عنه. وهذه الوسائل الخاصة هي محل الكلام في الحسبة وطرقها ومراتبها. فإن صلب هذا الباب وقوامه هو تحقيق هذه الطرق وهذه المراتب على وجه يحقق المصالح الشرعية المقصودة ويوازن بين مختلف المصالح التي تعتمل حولها النوازل.
وقد تصل هذه الطرق إلى درجة أخذ الحق باليد وتغيير الباطل بالفعل المباشر، بأن يقوم المسلم بتغيير المنكر بيده لقوله ﷺ : «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده (٢)». . . الحديث.
ويختلف ذلك من مذهب إلى مذهب، وفي الغالب بسب الدرجة الحضارية التي عاش فيها المذهب، إذ أنني لاحظت - والله أعلم - أن أحكام مذهب عاش في الأطراف وفي الجماعات التي لم تنتظمها دول قوية
стр. 903
كمذهب الأباضية مثلا - تختلف عن أحكام المذاهب التي عايشت الدول القوية كالحنفية مثلا. إذ أن الأولى تسمح للمسلم دائما أن يغير بيده، بينما تتجه الثانية في الغالب إلى أن يقوده إلى السلطان أو الحاكم (القاضي) وبعضها الآخر - وهو الغالب - يضع حكما احتياطيا بصفة دائمة إذا لم يوجد سلطان أو حاكم.
ولا يكاد يوجد خلاف في المذاهب في إتلاف آلات اللهو والكفر وإراقة الخمر عند القدرة وأمن الفتنة وهذه كلها من وسائل " التنفيذ المباشر " بالمصطلح الحديث وهو لا يجوز في القانون الحديث، فلا يسمح للإنسان فيه أن يسترد ماله من غاصب - وهو جائز عندنا في الإسلام - ولا يجوز في القانون الحديث بأي حال " أخذ الحق باليد " على حد تعبيرهم. ومن أجل ذلك فإن النظم الحديثة تعتمد على الدولة فقط وتنهدم تماما بانهدامها، بينما يبقى الإسلام ما استدار الزمان وتغيرت أحواله. وما كان الله ليجعل قيام الإسلام رهين أحوال الدولة وإلى الله ترجع الأمور. وكذلك فإن الإسلام يزود الفرد بوسيلة قضائية عظيمة القيمة هي دعوة الحسبة.
* * *
وفي الواقع فإن هذه الدعاوى الثلاث التي عرفها النظام الإسلامي، وهي الدعوى القضائية العادية، ودعوى الحسبة، ودعوى المظالم، تهيئ حماية كاملة للتطبيق الإسلامي بتكامل وتكفل حماية ممارسة الفرد لواجباته الشرعية بمأمن تام وتوازن بالغ.
فإنه إذا قام المسلم - مثلا - بإتلاف آلة للفسوق فإن هذا العمل المباشر يقوم مقام رفعه الدعوى أمام القاضي بطلب إتلافها واستصدار الحكم اللازم وتنفيذه فورا على الفاسق، الذي يكون - في الواقع، مدعا عليه في الأصل. . ولكن هذه الوسيلة الباهرة تضطر هذا الفاسق إلى الابتداء بالدعوى والتقدم بها إذا تظلم من إتلاف آلته أو منعه بالقوة عن فسوقه. . ويصير المسلم الذي منعه عن هذا المنكر وكأنه المدعى عليه فيها، ولا يخفى ما يتمتع به المرفوع عليه الدعوى من امتياز في الإجراءات، وما يتكلفه رافعها من صعوبة. . كما أنه إذا كان المنتظر - بسبب تطبيق قواعد الإسلام على وجهها الصحيح - أن الدعوى التي يقيمها الفاسق في هذه الحالة سيكون نصيبها الرفض والخسران، فإنه - في الواقع - سيضطر إذن إلى عدم الاعتراض والسكوت، مما إلى جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ما دام القضاء والسلطة يؤيدان من يقوم بها.
وبذلك تؤدي هذه الوسائل وظيفتها بأمان تام من الفتنة، ولو أنها نفذت تنفيذا جبريا بالطريق المباشر بين الأفراد.
стр. 904
هذا ولا يفوتنا قبل الانتهاء من هذه الملاحظات البسيطة على نظام الحسبة والنظام الإداري أن ننوه بأن كل الولايات الإدارية المعاصرة هي من قبيل الحسبة أيضا. فالنيابة العمومية والرقابة الإدارية والشرطة والقضاة والمفتشون والمعلمون والقائمون بالإعلام والتوعية وحماة النظام من أي نوع ومنفذوه والقائمون بالمرافق العامة هم آمرون بالمعروف وناهون عن المنكر وقائمون بالحسبة.
وأما الأعمال التنفيذية البحتة - ومنها أعمال التوثيق السابق ذكرها - فلا يعتبرها القانون الحديث أعمالا إدارية بالمعنى المفهوم بل هي - في نظره - أعمال مادية لا ترقى إلى مرتبة التصرفات الإدارية.
وبذلك فمن الممكن - بل الواجب - الإفادة من أصول نظرية الحسبة في الدول العصرية الإسلامية مع ما بيناه من التعويل على الفرد في إقامة النظام الإداري على ما بيناه.
ناجي الطنطاوي
الحديث عن لو
كلمة (لو) لفظ صغير في تركيبه ومبناه، ولكنه كبير في دلالته ومعناه، تنظر إليه ببصرك نظر من يرى الشيء في ظاهره فلا يكاد يملأ عينيك ولا يكاد. . يجذبك إليه، ولا يثير في حنايا نفسك شعورا بالاهتمام به والانصراف إليه، ولا تحس برغبة في العناية بما يحمل في طياته من معان وعظات.
وهو لفظ مركب من حرفين فقط تجاورا أمدا طويلا. وارتبطا برباط الألفة والجوار فلم يفارق أحدهما صاحبه. وهو لفظ سهل النطق يخرج من بين الشفتين في خفة ورقة، ويسر وسهولة، دون
стр. 907
أن تتكلف له أو تتهيبه أو توليه العناية، وأنت تحسب للنظرة الأولى أنه لا يستحق منك الالتفات إليه ولا التفكير فيه، ولا البحث عن السر الذي يكمن في ثناياه وحواشيه، ويغيب عن ذهنك أن الصغير الضئيل ربما استوفز فخلف وراءه الأثر الكبير، وقديما قال الشاعر:
لا تحقرن صغيرا في مخامصة ... إن البعوضة تدمي مهجة الأسد
ويحفزنا الحديث عن (لو) إلى الكلام عنها من الناحية اللغوية النحوية، ومن الناحية الشرعية أيضا لأن الرباط بين علوم اللغة العربية وعلوم الشريعة رباط وثيق لا تنفصم عراه، ولا يتطرق إليه الوهن، فاللغة العربية هي لغة القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (١) ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾ (٢) ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٣) ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (٤)
* * *
فلسان العرب هو اللسان الذي نزل به الكتاب، وهو اللسان الذي وردت به الأحاديث الشريفة النبوية وليس هناك من سبيل لفهم نصوص الكتاب والسنة إذا جهل المرء قواعد اللغة العربية.
يروى عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: جودوا القرآن وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه فإنه عربي والله يحب أن يعرب به. وعن مكحول قال: بلغني أن من قرأ بإعراب كان له من الأجر ضعفان ممن قرأ بغير إعراب. وروى ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ «أحبوا العرب لثلاث: لأني عربي والقرآن عربي وكلام أهل الجنة عربي». ولو أنك أمعنت النظر في كتب التفاسير لرأيت للشروح اللغوية وللإشارات البلاغية نصيبا وافرا منها ومن كان محروما من معرفة اللغة العربية وأساليبها ودقائقها، أو كان قليل البضاعة من علومها كان من
стр. 908
العسير عليه تذوق نصوصها ومعرفة معاني الآيات التي يتعبد ربه بتلاوتها، ولم يجد في نفسه تلك المتعة التي يحس بها من أجاد قواعد اللغة وتمكن من معاني مفرداتها، ورب خطأ غير مقصود في كلمة من كلمات القرآن الكريم أو في حرف من حروفه أو في حركة من حركاته في الإعراب أدى إلى عكس المقصود منه. بل لعله يؤدي إلى الكفر كما حدث لذلك الأعرابي الذي قدم المدينة في زمن عمر بن الخطاب ﵁ فقال: من يقرئني مما أنزل على محمد ﷺ ؟ فأقرأه رجل سورة براءة فلما بلغ إلى قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (١) قرأها بكسر لام رسوله، فقال الأعرابي: أو بريء الله من رسوله؟ فإن يكن الله بريء من رسوله فأنا أبرأ منه. . فبلغ عمر مقالة الأعرابي فدعاه فقال: يا أعرابي أتبرأ من رسول الله ﷺ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين إني قدمت المدينة ولا علم لي بالقرآن فسألت من يقرئني فأقرأني هذا سورة براءة فقال: ﴿أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٢) فقلت: أو قد برئ الله من رسوله؟ إن يكن برئ منه فأنا أبرأ منه فقال عمر: ليس هكذا يا أعرابي، قال: فكيف هي يا أمير المؤمنين؟ قال: ورسوله (بالضم) فقال الأعرابي: وأنا والله أبرأ مما بريء الله ورسوله منه. فأمر عمر أن لا يقرئ الناس إلا عالم باللغة وأمر أبا الأسود فوضع النحو.
وصنف بعض العلماء كتبا في إعراب القرآن مثل الإمام أبي البقاء العكبري وابن خالويه وغيرهما، وصنف آخرون في بلاغة القرآن وفي إعجازه، بل إن الأمثلة في مصنفات علم النحو والبلاغة التي استشهد بها المؤلفون كان أكثرها مستمدا من القرآن الكريم والحديث الشريف.
* * *
ونعود إلى الحديث عن (لو) بعد هذه المقدمة فنقول: إنها عند أهل اللغة وعلماء النحو (حرف امتناع لامتناع) تقول: (لو ذهبت معنا لسررت) فامتنع سرورك لامتناع ذهابك؛ لأن الأول متعلق بالثاني ومشروط بوجود ومنه قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ (٣) وهذا بخلاف (لولا) فهي حرف امتناع للوجود، تقول: (لولا رحمة الله لهلك الناس) فوجودها منع هلاكهم. وذكر (ابن هشام) (٤) أنها تقتضي امتناع شرطها دائما لا جوابها، ثم إن لم يكن لجوابها سبب غيره لزمه امتناعه نحو ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا﴾ (٥)
стр. 909
وكقولك: (لو كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا) وتختص مطلقا بالفعل يأتي بعدها، ويجوز أن يليها اسم معمول لفعل محذوف يفسره ما بعده مثل (لو غيرك قالها) وكثيرا ما تأتي بعدها (أن) وصلتها نحو ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ (١)
وتعتبر (لو) من حروف التمني كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٢) فقد تمنى لوط ﵇ لو أنه وجد عونا على رد قومه وإبعادهم عن أضيافه. وقال القرطبي: (أن) في موضع رفع بفعل مضمر تقديره (لو اتفق أو وقع) وهذا يطرد في (أن) التابعة لـ (لو) وجواب (لو) محذوف أي لرددت أهل الفساد.
وهي أيضا حرف (عرض وطلب) كقولك لصاحبك: (لو تجلس عنا فتستفيد علما) فأنت تعرض عليه الجلوس وتطلبه منه.
وتأتي أيضا (للحض) كأن تقول لصاحبك: (لو فعلت كذا) أي افعل كذا تحضه على الفعل. وهي من (الأحرف المصدرية) تجعل ما بعدها في تأويل مصدر فترادف (أن) المصدرية تقول: (أحب أن تعمل معي فتصيب خيرا) أي إنني أحب عملك معي، وتسمى في مثل هذه الحال (موصولا إضافيا) يوصل بما بعده فيجعله في تأويل مصدر، وأكثر وقوعها بعد فعل (ود) - كما قال ابن هشام (٣) - نحو قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ (٥) ومنه قول قتيلة:
стр. 910
وهي أيضا من (حروف الشرط) للمستقبل، وفي هذه الحال لا تفيد الامتناع نحو قوله تعالى: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾ (١) يعني أن يتركوا، وكلمة (خافوا) في تتمة الآية ماض جواب الشرط والتقدير (لو تركوا لخافوا) وحذفت اللام هنا من جواب الشرط، وهو جائز كما في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ (٢) ولم تحذف في قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ (٣) وإثبات اللام أكثر، أما إذا جاء جوابها منفيا فالأكثر حذفها نحو قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ﴾ (٤) وتأتي أيضا (للتقليل) كما ورد في الحديث الشريف «التمس ولو خاتما من حديد (٥)». وفي الحديث الآخر «أدوا العلائق. قالوا وما العلائق؟ قال ما تراضى عليه الأهلون ولو قضيبا من أراك». رواه الدارقطني والطبراني وفي الحديث أيضا «تصدقوا ولو بظلف محرق (٦)» كل ذلك للتقليل.
* * *
وقد يأتي جوابها في المعنى لا في اللفظ. قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قول الله : ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ (٧) إن كلمة (لمثوبة) جواب (لو) عند قوم. وقال الأخفش سعيد (لو) ليس لها هنا جواب في اللفظ ولكن في المعنى، المعنى (لأثيبوا) وموضع (أن) من قوله: (ولو أنهم) موضع رفع، أي لو وقع إيمانهم، لأن (لو) لا يليها إلا الفعل ظاهرا أو مضمرا؛ لأنها بمنزلة حروف الشرط إذ كان لا بد لها من جواب و (أن) يليه فعل. قال (محمد بن يزيد) وإنما لم يجازوا بلو لأن سبيل حروف المجازاة كلها أن تقلب الماضي إلى معنى المستقبل فلما لم يكن هذا في (لو) لم يجز أن نجازي بها (٨). وقال ابن هشام: في أوضح المسالك قيل: إن الجملة مستأنفة أو جواب لقسم مقدر.
وقال الإمام الطبري في تفسيره: أنكر بعض نحويي أهل البصرة على الأخفش وقال: إن جواب قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (٩) هو قوله: (لمثوبة) وقال: إن (لو) إنما أجيبت بالمثوبة وإن كانت أخبر بها بالماضي من الفعل لتقارب معناها من معنى (لئن).
стр. 911
وعقد الثعالبي في كتابه (فقه اللغة) فصلا في إلغاء خبر (لو) اكتفاء بما يدل عليه الكلام وثقة بفهم المخاطب وقال: إن ذلك من سنن العرب كقول الشاعر:
وجدك لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا
والمعنى: لو أتانا رسول سواك دفعناه. وفي القرآن الكريم حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ (١) وفي ضمنه لكنت أكف أذاكم عني، ومثله قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (٢) والخبر عنه مضمر كأنه قال: لكان هذا القرآن (٣). ويؤيده في ذلك قول القرطبي: والجواب محذوف تقديره لكان هذا القرآن (ثم يقول): لكن حذف إيجازا لما في ظاهر الكلام من الدلالة عليه كما قال امرؤ القيس.
فلو أنها نفس تموت جميعة ... ولكنها نفس تساقط أنفسا
يعني (لهان علي) هذا معنى قول قتادة قال: لو فعل هذا قرآن قبل قرآنكم لفعله قرآنكم. وقيل: الجواب متقدم وفي الكلام تقديم وتأخير، أي وهم يكفرون بالرحمن لو أننا نزلنا القرآن وفعلنا بهم ما اقترحوا (٤) وذكر الطبري: في تفسيره قول بعضهم: إنه من المؤخر الذي معناه التقديم، وجعلوا جواب (لو) مقدما قبلها، وقال آخرون: بل هو كلام مبتدأ منقطع عن قوله: ﴿وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ﴾ (٥) قال: وجواب (لو) محذوف دل عليه الكلام، والعرب تفعل ذلك كثيرا.
وذكر القرطبي: في قوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ (٦) أن العلم هنا المعرفة فلا يقتضي مفعولا ثانيا، وجواب (لو) محذوف أي لو علموا الوقت الذي لا يكفون عن وجوهم النار وعرفوه لما استعجلوا الوعيد، وقيل: المعنى لو علموه لما أقاموا على الكفر ولآمنوا. ونقل ابن حجر في شرح البخاري عن ابن بطال في قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (٧) أن جواب (لو) محذوف كأنه قال: (لحلت بينكم وبين ما جئتم له من الفساد) قال: وحذفه أبلغ لأنه يحصر بالنفي ضروب المنع، وإنما أراد لوط ﵇ العدة من الرجال، وإلا فهو يعلم أن له من الله ركنا شديدا ولكنه جرى على الحكم الظاهر.
стр. 912
ولتمام الفائدة نقول: إنك إذا أردت التحدث عن لفظ (لو) بوصفه كلمة مستقلة فإنك تجعله اسما وتعربه، وهي حين تقام مقام الاسم تصرف وتصير مرادفة للندم والتمني. وقال ابن مالك: إذا نسب إلى حرف أو غير حكم هو للفظه دون معناه جاز أن يحكى وجاز أن يعرب بما يقتضيه العامل.
وأشار الإمام البلوي: إلي ذلك في كتابه (ألف باء) واستشهد بقول الشاعر:
سبقت مقادير الإله وحكمها ... فأرح فؤادك من (لعل) ومن (لو)
وقول الآخر:
وقدما أهلكت (لو) كثيرا ... وقبل اليوم عالجها قدار
وجمع الشاعر بينها وبين (ليت) في شطر بيت بقوله: إن (لوا) وإن (ليتا) عناء
* * *
ونكتفي بهذا القدر عن (لو) في مجال اللغة والنحو، وننتقل إلى الكلام عنها من الناحية الشرعية فنقول: جاء في الحديث الشريف الذي رواه الإمام في صحيحه في كتاب القدر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل فإن (لو) تفتح عمل الشيطان (١)». ينهانا النبي ﷺ عن تعويد ألسنتنا النطق بهذه الكلمة الصغيرة؛ لأنها تشير من طرف خفي إلى معارضة القدر، وهذه المعارضة يلقيها الشيطان في نفسك من حيث لا تحسها ولا تشعر بها فهي مفتاح من مفاتيحه الكثيرة، وحبالة من حبائله المتعددة التي يعدها ليصيد بها قلوب بني آدم ويستعين بها على إفساد نفوسهم أو إضلالهم أو إدخال الشك على قلوبهم في أقل المراتب.
وإن المسلم ليعلم علم اليقين أن ما أصابه من خير وما لحق به من شر وما ناله من سواء إنما كان بقضاء الله وقدره منذ الأزل، وأن ما قدره الله سبحانه واقع لا محالة.
стр. 913
وقد نهى العلماء عن تعويد اللسان النطق بكلمة (لو) ومن الخير أن تضمر في نفسك شرط مشيئة الله فتقول في نفسك: (إلا أن يشاء الله). أما إذا قلت: (لو) ناويا التأسف على ما فاتك من طاعة الله والاستكثار من الخير فهو جائز، ويدخل هذا المعنى في باب التمني الذي تستعمل له هذه الكلمة أحيانا.
وإذا طال بك السهر وأويت إلى فراشك بعد هزيع من الليل، ثم غلبك النوم فلم تنهض إلى صلاة الفجر مع أنك كنت عازما في قرارة نفسك على النهوض إليها فإنك تحس إذ ذاك بالندم على تقصيرك ويخالط نفسك الأسى وتشعر بالأسف لهذا السهر الذي حال بينك وبين أداء الفريضة في وقتها، وتقول: لو أنني لم أسهر لم تفتني الصلاة، ولا تقصد بقولك هذا معارضة القدر، ولكنك تظهر التأسف والندم على تقصيرك وإهمالك.
* * *
وعقد الإمام البخاري ﵀ في صحيحه كتابا من التمني أورد فيه بابا سماه (باب ما يجوز من اللو) ذكر فيه قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ (١) وأورد بعض الأحاديث في هذا المعنى مثل قوله ﷺ : «لو كنت راجما امرأة من غير بينة (٢)» ومثل قوله: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك (٣)»
* * *
وقال الإمام القسطلاني ﵀: ولا معارضة بين ما ورد من الأحاديث الدالة على الجواز والدالة على النهي؛ لأن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، فيكون المعنى لا تقل لشيء لم يقع: لو أني فعلت كذا لوقع قاضيا بتحتم ذلك غير مضمر في نفسك شرط مشيئة الله، وإن ما ورد من التلفظ بكلمة (لو) محمول على ما إذا كان قائله موقنا بالشرط المذكور وهو أنه لا يقع شيء إلا بمشيئة الله وإرادته قاله الطبري.
ونقل الإمام ابن حجر عن الطبري في طريق الجمع بين هذا النهي وبين ما ورد من الأحاديث الدالة على الجواز أن النهي مخصوص بالجزم بالفعل الذي لم يقع، وقال: إن معنى الحديث، لا تقل لشيء لم يقع لو أني فعلت كذا لوقع قاضيا بتحتم ذلك، وهو كقول أبي بكر في الغار: (لو أن أحدهم رفع قدمه لأبصرنا). فجزم بذلك
стр. 914
مع تيقنه أن الله قادر على أن يصرف أبصارهم عنهما بعمى أو غيره، لكن جرى على حكم العادة الظاهرة وهو موقن بأنهم لو رفعوا أقدامهم لم يبصروهما إلا بمشيئة الله تعالى.
* * *
ويقول القاضي عياض: وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن مستقبل وليس فيه دعوى لرد قدر بعد وقوعه. . إلى أن يقول: والذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه ولكنه نهي تنزيه.
ويعقب الإمام النووي على هذا القول مؤيدا ومستشهدا بقول النبي ﷺ : «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي (١)» فيكون نهي تنزيه لا تحريم، أما من قاله تأسفا على ما فات من طاعة الله ونحوه فلا بأس به. اهـ.
ونقل ابن حجر عن القرطبي: أن المراد من الحديث الذي أخرجه مسلم أن الذي يتعين بعد وقوع المقدور التسليم لأمر الله والرضى بما قدر والإعراض عن الالتفات لما فات، فإنه إذا فكر فيما فاته من ذلك فقال: لو أني فعلت كذا لكان كذا جاءته وساوس الشيطان فلا تزال به حتى يفضي إلى الخسران فيعارض بتوهم التدبير سابق المقادير، وهذا هو عمل الشيطان المنهي عن تعاطي أسبابه، وليس المراد ترك النطق (بلو) مطلقا إذ قد نطق النبي ﷺ بها في عدة أحاديث، ولكن محل النهي عن إطلاقها إنما هو فيها إذا أطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور. اهـ.
وكما أشار القرطبي ﵀: فقد وردت كلمة (لو) في عدة أحاديث نذكر منها حديث «لو سلك الناس واديا أو شعبا (٢)» وحديث «لو مد بي في الشهر لواصلت (٣)». .) وحديث «لو تأخر - يعني الهلال - لزدتكم (٤)». .) وغيرها.
ووردت في آيات عدة من القرآن الكريم كقول الله تعالى لنبيه ﷺ : و ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾ (٥) و ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ (٦) و ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ (٧) و ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾ (٨) و ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾ (٩) وغيرها.
وقال السبكي: وقد تأملت اقتران «احرص على ما ينفعك (١٠)» بقوله: (وإياك واللو) فوجدت الإشارة إلى محل (لو) المذمومة وهي نوعان: أحدهما في الحال ما دام فعل الخير ممكنا فلا يترك لأجل فقد شيء آخر فلا تقول: لو أن كذا كان موجودا لفعلت كذا مع القدرة على فعله ولو لم يوجد ذاك، بل يفعل الخير ويحرص على عدم فواته، والثاني من فاته أمر من أمور الدنيا فلا يشغل نفسه.
стр. 915
بالتلهف عليه لما في ذلك من الاعتراض على المقادير وتعجيل تحسر لا يغني شيئا، ويشتغل به عن استدراك ما لعله يجدي.
وعلى هذا فليس المراد ترك النطق بلفظ (لو) مطلقا؛ لأنه وقع في عدة أحاديث وآيات كما ذكرنا، ولكن النهي ينحصر فيما إذا أطلقت معارضة للقدر مع اعتقاد أن ذلك المانع لو ارتفع لوقع خلاف المقدور.
ويقول الإمام البلوي: في كتاب (ألف باء) قد تنفع (لو) في بعض الأوقات بحسب اختلاف النيات يقول الإنسان: لو قضى الله شيئا كان، وإذا عمل الشر قال: لو وفقني الله لهداني إلى الخير، فقد تنصل من قوته وحوله ووكل الأمر إلى أهله. وجاء عن خادم رسول الله ﷺ أنه قال: «ما بعثني رسول الله ﷺ في حاجة قط فلم تقض إلا قال: يا بني لو قدر شيء لكان» وكان بعض أزواجه تقول: لو فعلت كذا وكذا فيقول: «دعوه ما يكون إلا ما أراد الله » فهذا الضرب من القول - بحمد الله - صاحبه سالم وقائله إن شاء الله غانم والحمد لله رب العالمين.