وكل ما فعله الرسول ﷺ هو ملاحقة من فر منهم حتى لا يعيدوا الكرة على المسلمين، وفي الحديث «عن جابر: لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشهر الحرام إلا أن يغزى (١)». . .
ولا يصح أن يقال جوابا عن هذا الحديث: إن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٢) منسوخ بقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ (٣). وبقوله: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (٤)؛ لأن هاتين الآيتين وإن كانتا قد نسختا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٥) وعند الجمهور، إلا أن النسخ حصل بعد غزوة هوازن، وثقيف، فالغزوة وقعت في السنة الثامنة، والآيتان اللتان قال الجمهور إنهما نسختا قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ (٦) نزلتا في السنة التاسعة للهجرة فهما من سورة التوبة.
стр. 8787
منزلة السنة من القرآن من جهة ما ورد فيها من أحكام
جميع الأحكام التي ثبتت بالسنة لا تعدو صورة من الصور التالية:
стр. 8788
الأولى: أن تكون السنة مؤكدة ومقررة لحكم ثبت في القرآن، ومن ذلك:
١ - وجوب الصلاة والزكاة والحج والصوم. قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (١)، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ (٢)، وقال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (٣)، وقال ﵊: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان (٤)».
٢ - حرمة قتل النفس إلا بحق، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ (٥)، وقال ﷺ : «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة (٦)». إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.
الثانية: أن تكون السنة مبينة للقرآن، وهذا البيان على ستة أوجه:
١ - تفصيل السنة لمجمل القرآن؛ كبيان النبي ﷺ بفعله لعدد ركعات الصلاة وكيفيتها وبيانه بقوله لمقدار نصاب الزكاة وبفعله لأفعال الحج.
٢ - تخصيص السنة لعام القرآن، ولا يتصور تخصيص السنة لعام القرآن عند الحنفية إلا في حالة واحدة وهي أن يثبت عن رسول الله ﷺ ، حديثا مقارنا لنزول الآية ومستقلا.
стр. 8789
أما لو كان الحديث متراخيا عن الآية، فإنه يكون ناسخا لها عند الحنفية لا مخصصا لها.
ومن أمثلة تخصيص السنة للقرآن عند الجمهور:
أ - قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ (١) فالميتة والدم من ألفاظ العموم؛ لأن كلا منهما مفرد معرف بـ (أل)، فالميتة: تشمل ميتة البر وميتة البحر، فيدخل في ذلك: السمك الميت والجراد الميت، والبقر الميت، والغنم الميت. . . إلخ.
وكذا الدم: يشمل كل دم، سواء دم إنسان أو حيوان، وقد خصصت الآية بالحديث الموقوف على ابن مسعود:.
«أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميتتان فهما السمك والجراد، وأما الدمان فهما الكبد والطحال (٢)».
فالحديث قصر تحريم الميتة على بعض أفرادها وأخرج من المحرم السمك والجراد الميت، وكذا قصر تحريم الدم على بعض أفراده وأخرج منه الكبد والطحال فجعله حلالا. ولا يعترض فيقال: إن الحديث موقوف فلا يخصص الآية؛ لأننا نقول: إن هذا الحديث يأخذ حكم المرفوع فلا يعقل أن يقول الصحابي: (أحل لنا) أو ما شابهها من الألفاظ التي لا يعرف الحكم فيها إلا عن طريق الوحي إلا أن يكون سمع الحديث من رسول الله ﷺ ، لذا كان الحديث في حكم المرفوع؛ لأنه مما لا مجال للاجتهاد فيه.
стр. 8790
ب - قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (١) فهذه الآية خصصها حديث الرسول ﷺ : «لا يرث القاتل (٢)».
جـ - قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ (٣).
خصص هذه الآية حديث الرسول ﷺ : «لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها (٤)».
إلى غير ذلك من الأمثلة.
٣ - تقييد السنة لمطلق القرآن: ومن أمثلة ذلك:
أ - قال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٥) فاليد في الآية مطلقة يجوز قطعها من مفصل الكف أو من المرفق أو من الكتف، فجاءت سنة الرسول ﷺ الفعلية، وبينت أن اليد تقطع من مفصل الكف (الرسغ)، فقيدت بذلك مطلق اليد.
ب - قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ (٦).
فالآية مطلقة في عدد الرضعات، جاءت السنة وقيدتها بخمس رضعات فصاعدا. روى الإمام مسلم «عن عائشة أنها قالت: كان فيما نزل
стр. 8791
من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخت بخمس معلومات فتوفي رسول الله ﷺ وهن فيما يقرأ من القرآن (١)» ومعنى الحديث أن النسخ كان في آخر حياة النبي ﷺ حتى إن بعضهم كان يقرأ ما نسخ؛ لأنه لم يبلغه النسخ.
٤ - أن تبين السنة القرآن عن طريق التفريع على أصل ورد في القرآن (عن طريق القياس).
ومن أمثلة ذلك:
أ - قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ (٢)، وقال أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (٣)، فهاتان الآيتان قررتا أصلا، وهو منع أكل أموال الناس بالباطل وجاء الرسول ﷺ وفرع على هذا الأصل، فحرم بعض صور من البيع التي فيها أكل لأموال الناس بالباطل «فنهى ﷺ عن بيع الثمر قبل بدو صلاحه، ونهى ﷺ عن بيع الثمر قبل أن يحمر أو يصفر، وعندما سئل عن سبب النهي قال: أرأيت إن منع الله الثمرة بم تستحل مال أخيك (٤)» أي الجواب بالباطل.
ب - قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ (٥).
كان الربا الشائع عند العرب هو ربا الديون، وصورته أن يقرض رجل رجلا مبلغا من المال لمدة معينة بدون زيادة، فإذا حل الأجل طلب
стр. 8792
الدائن من المدين المبلغ، فإن لم يسدد المدين ما عليه قال له الدائن: إما أن تقضيني حقي وإما أن تربي.
ولما كانت الحكمة من تحريم الربا أن فيه زيادة بلا عوض جاءت السنة وألحقت بالصورة التي كانت معروفة في الجاهلية أنواعا أخرى من البيوع، فيها زيادة بلا عوض واعتبرتها من الربا، فقال ﷺ : «الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعر، والتمر بالتمر، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى (١)».
ج - قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ (٢).
بينت هذه الآية بعض المحرمات من الرضاعة، ثم ألحق النبي ﷺ بالأم والأخت من الرضاعة سائر القرابات اللواتي يحرمن بالنسب، كالعمة والخالة. . . . وهذا إلحاق بطريق القياس باعتبار نفي الفارق المؤثر بين الأصل وبين الفرع، فقال ﷺ : «يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب (٣)».
٥ - توضيح السنة لمشكل القرآن:
ومن أمثلة ذلك:
أ - قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ (٤).
وقد أشكل على الصحابة ﵃ معنى كلمة (ظلم) فقالوا:
стр. 8793
وأينا لا يظلم نفسه فبين الرسول ﷺ أن المراد بالظلم في الآية الشرك (١).
ب - قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٢).
أشكل على عدي بن حاتم فهم الآية وقد كان نصرانيا قبل الإسلام، فقال للنبي ﷺ (ما عبدوهم يا رسول الله)، فقال ﷺ موضحا ما أشكل على عدي ومبينا معنى العبادة في الآية: «أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه (٣)».
٦ - نسخ الأحكام. . .
وهذا الوجه من وجوه يصح عند القائلين بأن السنة والقرآن في المرتبة سواء، ويمكن للسنة أن تنسخ القرآن. وهذا مذهب الحنفية والمالكية وابن حزم، أما الشافعية فلا يمكن للسنة أن تنسخ القرآن عندهم كما سبق بيانه عند الكلام على منزلة السنة من القرآن من حيث الرتبة.
ومن أمثلة ذلك:
أ - أي صورة من صور التخصيص عند الشافعية التي يكون فيها المخصص متراخيا فهذا عند الحنفية نسخ مثاله:
قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ (٤)، فلفظ
стр. 8794
(السارق) ولفظ (السارقة) من ألفاظ العموم يدخل فيهما سارق وسارقة الكثير والقليل، وقد نسخت هذه الآية عند الحنفية بما رواه أيمن ابن أم أيمن أن رسول الله ﷺ قال: «لا قطع إلا في دينار أو عشرة دراهم (١)».
ب - أي صورة من صور الزيادة على النص القرآني فهذا عند الحنفية نسخ، مثاله قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢). فلفظ (أولادكم) عام يشمل الولد الصغير والكبير، وقاتل أبيه ومن لم يقتل والمسلم والكافر. . . إلخ. فجاء حديث الرسول ﷺ : «لا يرث القاتل (٣)»، فنسخ الآية عند الحنفية.
الثالثة: أن تزيد السنة على الحكم الذي ثبت بالقرآن.
ومن أمثلة ذلك:
١ - قال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ (٤).
جعلت الآية عقوبة الزاني الأعزب مائة جلدة، ثم جاءت السنة وزادت على هذه العقوبة تغريب عام، فقال ﷺ : «البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة (٥)».
стр. 8795
٢ - قال تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١).
أمرنا الله بالطواف بالبيت - المقصود بالطواف في الآية طواف الإفاضة - ثم جاءت السنة فاشترطت الطهارة للطواف، فقال ﷺ : «الطواف حول البيت مثل الصلاة إلا أن الله سبحانه أحل فيه الكلام فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير (٢)».
الرابعة: أن تكون السنة مثبتة ومنشئة حكما سكت عنه القرآن.
ومن أمثلة ذلك:
أ - وجوب صدقة الفطر. عن ابن عمر قال: «فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة (٣)».
٢ - القضاء بشاهد ويمين في الأموال «عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قضى بيمين وشاهد (٤)».
وفي رواية لأحمد: إنما كان ذلك في الأموال (٥).
٣ - تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال.
عن أبي موسى الأشعري أن النبي ﷺ قال: «حرم لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وأحل لإناثهم (٦)».
стр. 8796
٤ - جواز المسح على الخفين:
عن خزيمة بن ثابت عن النبي ﷺ أنه سئل عن المسح على الخفين، فقال: «للمسافر ثلاثة وللمقيم يوم (١)».
هذا وقد ذكر الشافعي ﵀ في رسالته صورا ثلاثة واعتبر الصورة الثالثة والرابعة التي ذكرتها صورة واحدة، فقال: " لم أعلم من أهل العلم مخالفا في أن سنن النبي ﷺ من ثلاثة وجوه فاجتمعوا منها على وجهين والوجهان يجتمعان ويتفرعان أحدهما: ما أنزل الله فيه نص كتاب. فبين رسول الله ﷺ مثل ما نص الكتاب، والآخر: مما أنزل الله فيه جملة كتاب فبين عن الله معنى ما أراد وهذان الوجهان اللذان لم يختلفوا فيهما، والوجه الثالث ما سن رسول الله ﷺ فيما ليس فيه نص كتاب (٢).
دلالة فعل الرسول ﷺ على الحكم الشرعي.
قبل بيان أقسام أفعال النبي ﷺ وما يعتبر تشريعا منها وما لا يعتبر، لا بد من بيان ما يلي:
١ - خصوصياته ﷺ .
٢ - معنى التأسي والمتابعة والموافقة، ثم بعد ذلك أبين دلالة أفعال النبي ﷺ على الحكم الشرعي.
стр. 8797
خصوصيات الرسول ﷺ
خصوصياته ﷺ ثلاثة أنواع:
١ - الواجبات في حقه ﷺ .
أمثلة ذلك:
أ - التهجد في الليل: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ (١) ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٢).
ب - تخيير نسائه: قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ (٣).
٢ - المحرمات في حقه ﷺ :
أ - تحريم التبدل بأزواجه: قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ (٤).
قال أبو السعود في تفسير الآية: روي عن ابن عباس أنه قال: المراد من بعد من عندك من النساء اللواتي اخترنك على الدنيا ويكون ذلك قصر النبي ﷺ على أزواجه مجازاة لهن وشكرا على هذا الاختيار كما
стр. 8798
قصرهن عليه إكراما له في قوله: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ (١).
ب - تحريم أكل الأطعمة كريهة الرائحة:
عن أم أيوب قالت: صنعت للنبي ﷺ طعاما فيه من بعض البقول، فلم يأكل، وقال: «إني أكره أن أوذي صاحبي (٢)».
٣ - الجائزات في حقه ﷺ :
أ - أخذ خمس خمس الغنيمة.
تقسم الغنائم إلى خمسة أقسام، أربعة منها تعطى للمقاتلين والخمس الآخر يوزع كما أمرت آية الأنفال ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٣).
ب - أخذ خمس الفيء:
قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (٤).
ج - عدم انتقاض وضوئه من النوم:
(عن ابن عباس قال: «نمت عند ميمونة والنبي ﷺ عندها تلك
стр. 8799
الليلة فتوضأ، ثم قام يصلي فقمت عن يساره فأخذني فجعلني عن يمينه فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى ولم يتوضأ (١)».
د - الوصال في الصوم:
أي استمرار الامتناع عن الطعام والشراب أكثر من يوم، وقد علل رسول الله ﷺ ذلك فقال: «وأيكم مثلي؛ إني أبيت يطعمني ربي ويسقين (٢)».
هـ - الزيادة على أربع نسوة:
ثبت أن النبي ﷺ تزوج أكثر من أربع نسوة ومات عن تسع نساء هن: عائشة، حفصة، أم حبيبة، سودة، أم سلمة، صفية، ميمونة، زينب، جويرية.
стр. 8800
معنى التأسي والمتابعة والموافقة.
التأسي قد يكون في الفعل وقد يكون في الترك.
التأسي في الفعل: أن تفعل كما فعل ﷺ ؛ لأجل أنه فعل وعلى الوجه الذي فعل.
التأسي في الترك: أن تترك ما ترك ﷺ ؛ لأجل أنه ترك.
وأما المتابعة فقد تكون في القول وقد تكون في الفعل وقد تكون في الترك.
стр. 8801
فاتباع القول: امتثاله على الوجه الذي اقتضاه. وأما المتابعة في الفعل وفي الترك فهي التأسي. وبذلك يظهر أن المتابعة أعم من التأسي. وأما الموافقة: فهي أعم من المتابعة والتأسي؛ لأنها مشاركة أحد شخصين للآخر في صورة قول أن فعل أو ترك أو اعتقاد، سواء كان من أجل ذلك الغير أو ليس من أجله (١).
стр. 8802
دلالة فعل الرسول ﷺ
على الحكم الشرعي .
يمكن تقسيم أفعال النبي ﷺ إلى خمسة أقسام:.
١ - ما صدر عن رسول الله ﷺ بمقتضى الطبيعة الجبلية لا يعتبر تشريعا للأمة وهو على الإباحة؛ كالقيام والقعود والأكل ونحوه.
٢ - ما صدر عن رسول الله ﷺ بمقتضى الخبرة الإنسانية والحذق والتجارب فهو كسابقة ليس تشريعا للأمة.
مثاله: نزول الرسول ﷺ في غزوة بدر عند أدنى ماء من مياه بدر «فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله: أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدم ولا أن نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: بل هو الحرب والرأي والمكيدة، فقال: ليس بمنزل فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم فننزل، ثم نغور ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء
стр. 8803
ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون، فنهض رسول الله ﷺ وتحول إلى المكان والرأي الذي أشار به الحباب ﵁ (١)».
٣ - ما ثبت خصوصيته للرسول ﷺ بدليل فهو خاص به.
٤ - إذا كان فعله ﷺ بيانا لواجب مجمل ثبت في القرآن فيجب علينا ذلك الفعل كبيان صفة الصلاة وركعاتها.
وإذا كان فعله بيانا لمندوب فهو مندوب، وإذا كان بيانا لمباح فهو مباح، أي أن الفعل المبين يأخذ حكم المبين.
٥ - إذا لم يكن فعله واحدا مما سبق فهو على وجهين:
أ - أن يظهر فيه قصد القربة: والراجح في هذا الفعل أنه مندوب ومثاله:
- اعتكاف الرسول ﷺ العشر الأواخر من رمضان عن ابن عمر قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان (٢)».
قال النووي (وتأكد استحبابه - أي الاعتكاف - في العشر الأواخر من رمضان، وقد أجمع المسلمون على استحبابه، وأنه ليس بواجب) (٣).
стр. 8804
- سجدة التلاوة:
عن ابن عمر أن النبي ﷺ «كان يقرأ القرآن فيقرأ سورة فيها سجدة فيسجد ونسجد معه حتى ما يجد بعضنا موضعا لمكان جبهته (١)».
وقد ذهب المالكية (٢). والشافعية (٣). والحنابلة (٤) إلى أن سجدة التلاوة سنة. وذهب الحنفية إلى أن سجدة التلاوة واجبة على من تلاها وعلى من سمعها (٥). ووجوب سجدة التلاوة عند الحنفية ليس دليله فعل الرسول ﷺ ، بل دليله السنة القولية (٦).
ب - أن لا يظهر فيه قصد القربة: والراجح في هذا الفعل أنه مباح (٧).
ومن أمثلة ذلك:
- تقبيل الرسول ﷺ لبعض أزواجه وهو صائم.
عن عائشة قالت: «إن كان رسول الله ﷺ ليقبل بعض أزواجه وهو صائم (٨)».
- لبس خاتم الفضة:
(عن ابن عمر «أن رسول الله ﷺ اتخذ خاتما من ذهب أو فضة
стр. 8805
وجعل فصه مما يلي كفه ونقش فيه محمد رسول الله فاتخذ الناس مثله، فلما رآهم اتخذوها رمى به، وقال: لا ألبسه أبدا، ثم اتخذ خاتما من فضة (١)». . . . إلى غير ذاك من الأمثلة الكثيرة.
стр. 8806
تقسيم السنة من حيث وصولها إلينا
تقسم أحاديث الرسول ﷺ من حيث وصولها إلينا عند الجمهور إلى قسمين:
أ - أحاديث متواترة.
ب - أحاديث آحاد.
وقد زاد الحنفية قسما ثالثا وهو الأحاديث المشهورة.
الحديث المتواتر: هو ما رواه جمع غفير عن مثله إلى منتهاه، تحيل العادة تواطؤهم على الكذب. ومثلوا للحديث المتواتر بقوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (١)».
قال ابن الصلاح عن هذا الحديث: رواه اثنان وستون من الصحابة، وقال غيره: رواه أكثر من مائة نفس (٢).
والتواتر قسمان: تواتر لفظي، وتواتر معنوي.
стр. 8807
فالتواتر اللفظي: ما اتفق الرواة على لفظه، ومثاله قوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار (١)».
التواتر المعنوي: ما اختلفت روايته في اللفظ من جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب مع وجود معنى كلي متفق عليه في روايته، ومثاله: رفع اليدين في الدعاء " (٢).
وأما خبر الآحاد الصحيح: فهو ما رواه العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه من غير شذوذ ولا علة. وأمثلته كثيرة منها قول النبي ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى (٣)».
وأما الحديث المشهور فهو اصطلاح خاص بالحنفية وهو ما كان خبر آحاد في عصر الصحابة، ثم تواتر في عصر التابعين وتابعي التابعين، والحديث المشهور عند الحنفية كالمتواتر في القوة، يجوز أن ينسخ القرآن ويقيد مطلقه، ويخصص عمومه (إذا اقترن مع الآية).
ومن أمثلة الحديث المشهور:
أ - قوله ﷺ «لا وصية لوارث (٤)».
ب - قوله ﷺ : «خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم (٥)». والمشهور الذي سبق ذكره والتمثيل له هو المشهور عند الأصوليين من الحنفية، وهو يختلف عن المشهور عند المحدثين وعن المشهور عند النحاة، وعند العامة.
стр. 8808
- فالمشهور عند المحدثين: ما له أكثر من طريقين. ولم يبلغ حد التواتر، سمي بذلك لوضوحه، ويسمى مستفيضا. وفرق بعض علماء الحديث بين المشهور وبين المستفيض، فقالوا: المشهور ما اشتهر، والمستفيض: ما اشتهر في ابتدائه وانتهائه. ومثال المشهور عند المحدثين ما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ «نحن الآخرون السابقون يوم القيامة (١)».
- والمشهور عند أهل اللغة: مثاله «نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه». قال العراقي وغيره: لا أصل له (٢).
- المشهور عند العامة: مثاله: «إن المستشار مؤتمن (٣)».
ومثاله «أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم (٤)».
ويلاحظ أن المشهور عند أهل اللغة أو العامة قد يكون صحيحا، وقد يكون ضعيفا.
стр. 8809
الاحتجاج بالحديث المرسل .
هناك فرق بين المرسل عند المحدثين وبين المرسل عند الأصوليين والمقصود بالمرسل هنا المرسل عند الأصوليين.
стр. 8810
المرسل عند المحدثين:
قول التابعي: قال رسول الله ﷺ . ومنهم من يخصه بالتابعي الكبير.
والمرسل عند المحدثين يغاير المنقطع والمعضل.
فالمنقطع عندهم: ما سقط من إسناده راو فأكثر لا على التوالي. ويعرف المنقطع بحسب كثرة الوقوع بأنه: ما رواه من دون التابعي عن الصحابة، والمعضل عندهم: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا في موضع واحد. فكل معضل منقطع وليس كل منقطع معضل.
أما المرسل عند الأصوليين: فهو قول العدل الثقة الذي لم يسمع من النبي. قال رسول الله ﷺ .
فالمرسل عند الأصوليين يشمل المرسل عند المحدثين والمنقطع والمعضل (١).
стр. 8811
آراء العلماء في الاحتجاج بالحديث المرسل .
١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن المرسل حجة. وهو عندهم يشمل إرسال الصحابي الذي لم يسمع من النبي ﷺ وإرسال التابعي وإرسال تابع التابعي ولا يقبل إرسال من بعدهم (١).
стр. 8812
٢ - أما الشافعي فقد قسم الحديث المرسل إلى قسمين:
الأول: مرسل الصحابي وهو الحديث الذي يرويه الصحابي الصغير ويرفعه إلى رسول الله ﷺ من غير أن يسمعه منه ﵇. أي أن الصحابي الذي روى الحديث أسقط الصحابي الذي روى عنه. وهذا النوع من المرسل مقبول عند الشافعي.
الثاني: مرسل غير الصحابي، وهذا النوع مقبول عند الشافعي بشرطين:
١ - أن يكون المرسل من كبار التابعين الذين لقوا كثيرا من الصحابة.
٢ - أن توجد قرينة تقوي سند الإرسال. ومن هذه القرائن:
أ - أن يروى الحديث الذي أرسله التابعي الكبير بطريق آخر صحيح مرفوع إلى رسول الله ﷺ .
ب - أن يروى الحديث الذي أرسله التابعي الكبير بطريق آخر مرسل قبله أهل العلم.
ج - أن يوافق الحديث الذي أرسله التابعي الكبير بعض ما يروى عن بعض أصحاب النبي ﷺ .
د - أن يوافق الحديث الذي أرسله التابعي الكبير فتوى جماعات من أهل العلم.
وهذه القرائن مرتبة في القوة كترتيبها في الذكر؛ فأقواها الأولى فالثانية فالثالثة فالرابعة (١).
أما ما يقال بأن الشافعي لا يحتج إلا بمراسيل سعيد بن المسيب
стр. 8813
فغير صحيح، وقد أشار النووي إلى أن مرسل سعيد بن المسيب حجة (١).
٣ - وذهب الحنابلة إلى حجية الحديث المرسل، إلا أن صورته عند الحنابلة تختلف عن صورته عند جمهور الأصوليين.
قال أبو يعلى الفراء: " الخبر المرسل حجة ويجب العمل به وصورته أن يترك الراوي رجلا في الوسط مثل أن يروي التابعي عن النبي، أو يروي تابعي التابعي عن الصحابي عن النبي ﷺ " (٢).
٤ - وذهب أهل الحديث والإمام أحمد في رواية إلى أن المرسل ليس بحجة (٣). وقد تفرع على الاختلاف في حجية المرسل عدة أمثلة تطبيقية منها:
هل يجب القضاء على من أفسد صوم التطوع.
اختلف العلماء في هذه المسألة نتيجة لاختلافهم في حجية الحديث المرسل:
١ - فذهب الحنفية والمالكية إلى أن من صام متطوعا فأفطر فعليه قضاء ذلك اليوم واحتجوا بالحديث المرسل الذي رواه الزهري عن عائشة أنها قالت: «أهدي لحفصة طعام وكنا صائمتين فأفطرنا، ثم دخل رسول الله ﷺ فقلنا: يا رسول الله، إنا أهديت لنا
стр. 8814
هدية واشتهيناها فأفطرنا فقال رسول الله ﷺ : لا عليكما صوما مكانه يوما آخر (١)».
٢ - وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه لا قضاء على من أفسد صوم التطوع ورد الشافعية الحديث؛ لأنه مرسل لم تتوفر فيه الشروط. واستدلوا بالحديث الذي رواه البخاري «آخى النبي ﷺ بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقال لها: ما شأنك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا. فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال: كل. قال: فإني صائم. قال: ما أنا بآكل حتى تأكل. قال: فأكل، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم. قال: نم. فنام، ثم ذهب يقوم فقال: نم، فلما كان من آخر الليل قال سلمان قم الآن. فصليا فقال له سلمان: إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فقال النبي ﷺ : صدق سلمان (٢)».
وجه الاستدلال: لو كان قضاء اليوم واجبا لأمر ﵇ أبا الدرداء بالقضاء، ولما لم يأمره بذلك دل على أن القضاء غير واجب؛ لأن السكوت في معرض الحاجة إلى بيان بيان.
وقد يسأل سائل: إن الحنابلة يحتجون بالحديث المرسل فلماذا لم يعملوا به هنا؟ والجواب على ذلك أنه لما وجد حديث صحيح لم يعد للعمل بالمرسل مجال، فهم وغيرهم من الأئمة يعملون بالمرسل إذا أعوزهم الحديث الصحيح.
стр. 8815
أما لماذا عمل الحنفية والمالكية بالمرسل ولم يعملوا بالحديث الصحيح، فلأن الحديث الصحيح لم يبلغهم من جهة أو أنه بلغهم لكنه لا يدل على عدم وجوب القضاء عندهم.
وسنجد عند ذكرنا للمسائل التطبيقية على القواعد الأصولية المختلف فيها أن بعض الأئمة قد يقول في مسألة بما يخالف الأصل المقرر عنده. وليس ذلك تناقضا أو تراجعا عن أصله، بل يكون قد ورد عدة أدلة جزئية رجحها الإمام على الأصل المقرر عنده في تلك المسألة.
стр. 8816
خبر الواحد الصحيح إذا خالف القياس .
تحرير محل النزاع في هذه المسألة:
الخلاف بين العلماء في حجية خبر الواحد الصحيح إذا خالف القياس الذي تكون علته مستنبطة من أصل قطعي، وليس القياس مطلقا (١).
وفيما يلي آراء العلماء في هذه المسألة:
١ - ذهب الشافعية والحنابلة وجمهور أئمة الحديث إلى ترجيح الخبر على القياس، سواء كان الراوي عالما فقيها أو لم يكن، بشرط أن يكون عدلا ضابطا (٢).
٢ - وذهب الحنفية إلى أن خبر الواحد مقدم على القياس إذا كان راويه فقيها، أما إذا كان راويه غير فقيه فالقياس عندهم مقدم على خبر الواحد (٣).
стр. 8817
٣ - وذهب المالكية إلى أن القياس مقدم على خبر الواحد مطلقا (١). وقد نفى ابن السمعاني أن يكون مذهب الإمام مالك تقديم القياس على خبر الواحد، وقال بعد عزو هذا المذهب لمالك: " وهذا القول باطل سمج مستقبح وأنا أجل منزلة مالك عن مثل هذا القول ولا يدري ثبوته.
والراجح في هذه المسألة تقديم خبر الواحد على القياس لما يأتي:
١ - إن عمر بن الخطاب كان يقسم ديات الأصابع على قدر منافعها، ثم تراجع عن ذلك لحديث الرسول ﵇ «هذه وهذه سواء يعني الخنصر والإبهام (٢)».
ولقوله ﵇: «الأصابع سواء عشرة عشرة من الإبل (٣)».
٢ - إن عمر بن الخطاب كان يرى أن الدية للعاقلة، وأن المرأة لا ترث من دية زوجها بناء على أن الخراج بالضمان، فكما أنها لا تسهم معه في دفع الدية إذا قتل غيره لا تأخذ من ديته إذا قتل، ثم ترك رأيه ﵁ عندما أرسل إليه الضحاك بن سفيان الكلابي «أن رسول الله ﷺ ورث امرأة أشيم الضبابي ﵁ من دية زوجها (٤)».
стр. 8818
٣ - عن جابر «أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى ولكل واحدة منها زوج وولد، فجعل الرسول ﷺ دية المقتولة على عاقلة القاتلة، وبرأ زوجها وولدها، قال: فقال عاقلة المقتولة: ميراثها لنا؟ فقال رسول الله ﷺ : لا، ميراثها لزوجها وولدها (١)».
[وعندما سمع عمر بن الخطاب بحديث الرسول هذا قال: " الله أكبر لو لم أسمع بهذا لقضينا بغير هذا"] (٢).
أي لقضى ﵁ بالمعقول ولقال: من يدفع الدية يأخذ التركة.
وقضاء عمر بما ثبت عن رسول الله بعد تراجعه عن رأيه وعدم إنكار ذلك من أحد من الصحابة يعد إجماعا منهم على تقديم الخبر الصحيح على المعقول والقياس.
٤ - الخبر يقين بأصله؛ لأن قول الرسول ﷺ وحي من الله، لا احتمال للخطأ فيه وإنما الشبهة في نقل هذا الخبر، أما القياس ففيه أكثر من شبهة، فهو أولا يعتمد على الخبر غالبا ويحتمل خطأ المجتهد في إلحاق الفرع بالأصل، ويحتمل خطأ المجتهد في معرفة العلة وغير ذلك.
وقد انبنى على الاختلاف في حجية خبر الواحد إذا خالف القياس عدة مسائل تطبيقية منها:
стр. 8819
١ - مسألة المصراة:
المصراة: هي الناقة أو الشاة التي يترك صاحبها حلبها ليجتمع لبنها في ضرعها لإيهام المشتري بكثرة لبنها.
ذهب جمهور. الفقهاء إلى ثبوت الخيار في بيع المصراة وإن المشتري له أن يرد المصراة وصاعا من تمر عوضا عن اللبن الذي حلبه، واستدلوا لذلك بما رواه أبو هريرة عن رسول الله ﷺ .
«لا تصروا الإبل والغنم فمن ابتاعها بعد، فإنه بخير النظرين بعد أن يحتلبها، إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاع تمر (١)».
وذهب الحنفية إلى أن لا يرد بعيب التصرية ولم يعملوا بالحديث لمخالفته القياس، ولأن راويه غير فقيه.
قال في كشف الأسرار: " وعندنا التصرية ليست بعيب ولا يكون للمشتري ولاية الرد بسببها " (٢).
وجه مخالفة الحديث القياس عند الحنفية:
الأصل أن يرد المشتري المصراة واللبن الذي حلبه، وإن شرب اللبن أو فسد عنده وجب عليه رد مثله أو قيمته؛ لأن الله يقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٣) أما قولنا يرد المشتري المصراة وصاع تمر فهذا مخالف للقياس.
стр. 8820
خبر الواحد الصحيح إذا نسيه الراوي أو عمل بخلافه .
ذهب جمهور علماء الأصول إلى حجية خبر الواحد إذا نسيه الراوي أو عمل بخلافه (١).
وذهب الحنفية إلى عدم حجية خبر الواحد إذا نسيه الراوي أو عمل بخلافه.
والراجح في هذه المسألة مذهب الجمهور لما يأتي:
١ - روى ربيعة بن أبي عبد الرحمن حديث الشاهد واليمين، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة، ثم نسي سهيل هذا الحديث فكان يقول:
حدثني ربيعة عني أني حدثته عن أبي عن أبي هريرة. ولم ينكر أحد من التابعين على سهيل ذلك، فدل على أن خبر الواحد حجة وإن أنكره الراوي أو نسيه.
٢ - صنف الإمام علي بن عمر الدارقطني جزءا فيمن نسي، ثم روى عمن روى عنه. وهذا يدل على قبول هذا الأمر عند العلماء وإلا لأنكر العلماء ذلك على الإمام الدارقطني.
٣ - الموت أعظم من النسيان، فكما لا يبطل خبر من يموت فكذا لا يبطل خبر من ينسى.
٥ - ، وأما الدليل على قبول خبر الواحد وإن عمل الراوي بخلافه فهو أن قول الرسول ﷺ حجة، وقول الراوي وفعله ليس بحجة فلم يجز العدول عما قوله حجة إلى ما لا حجة في قوله وفعله. وقد
стр. 8821
انبنى على اختلاف العلماء في هذه القاعدة عدة مسائل تطبيقية منها:
١ - مسألة: القضاء بشاهد ويمين في الأموال:
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى جواز القضاء بشاهد ويمين في الأموال. واستدلوا على ذلك بما رواه أبو داود " حدثنا أحمد بن أبي بكر أبو مصعب الزهري، ثنا الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة (أن «النبي ﷺ قضى باليمين مع الشاهد (١)». قال أبو داود: وزادني الربيع بن سليمان المؤذن في هذا الحديث قال: أخبرني الشافعي عن عبد العزيز، قال: فذكرت ذلك لسهيل، فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه. . .) (٢).
وذهب الحنفية إلى عدم جواز القضاء بشاهد ويمين وردوا حديث سهيل بن أبي صالح؛ لأنه نسيه.
٢ - مسألة النكاح بغير ولي:
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
стр. 8822
فذهب المالكية (١) والشافعية (٢) والحنابلة (٣) إلى أن النكاح لا ينعقد بغير ولي لما رواه الزهري عن عائشة؛ «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل (٤)»، وذهب الحنفية إلى أن عقد النكاح يصح بغير ولي بشرط أن يكون الزوج كفؤا. وردوا حديث عائشة لسببين.
الأول: أنها عملت بخلاف روايتها وزوجت بنت أخيها عبد الرحمن وهو غائب في الشام.
الثاني: في إسناد هذا الحديث الزهري، وقد سئل عنه، فقال: لا أعرفه.
стр. 8823
الاحتجاج بخبر الواحد الصحيح فيما تعم به البلوى .
المقصود بخبر الواحد فيما تعم به البلوى أن يرد خبر آحاد صحيح في مسألة تهم جميع المسلمين أو أكثرهم وهم معرضون للوقوع فيها والسؤال عن حكمها.
اختلف العلماء في هذه المسألة على رأيين:
الأول: مذهب أبي الحسن الكرخي من متقدمي الحنفية، واختيار المتأخرين منهم أن خبر الواحد فيما تعم به البلوى ليس بحجة (١).
стр. 8824
الثاني: مذهب جمهور علماء الأصول الاحتجاج بخبر الواحد فيما تعم به البلوى (١).
والراجح في هذه المسألة مذهب الجمهور لما يأتي:
أ - قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٢).
قال الفخر الرازي في تفسيره: " والذي نقوله هاهنا: إن كل ثلاثة فرقة، وقد أوجب الله تعالى أن يخرج من كل فرقة طائفة، والخارج من الثلاثة يكون اثنين أو واحدا، فوجب أن يكون الطائفة إما اثنين وإما واحدا، ثم إنه تعالى أوجب العمل بأخبارهم؛ لأن قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ (٣) عبارة عن أخبارهم، وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ (٤) إيجاب على قومهما أن يعملوا بأخبارهم وذلك يقتضي أن يكون خبر الواحد أو الاثنين حجة في الشرع ".
ولم يفرق الشارع كما ترى بين الإنذار فيما تعم به البلوى وغيره فوجب التسوية بينهما.
٢ - رجوع الصحابة ﵃ القائلين بعدم وجوب الغسل بالتقاء الختانين من غير إنزال إلى خبر - عائشة عن رسول الله ﷺ : «إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل (٥)» مع أن خبر عائشة هذا مما تعم به البلوى.
стр. 8825
٣ - رجوع الصحابة ﵃ في المخابرة وكراء الأرض لخبر رافع بن خديج. فعن نافع أنه سمع ابن عمر يقول " كنا نكري أرضنا، ثم تركنا ذلك حين سمعنا حديث رافع بن خديج ".
وعن ابن عمر قال " كنا لا نرى بالخبر بأسا حتى كان عام أول فزعم رافع أن نبي الله نهى عنه " (١).
وقد عد العلماء هذا الدليل والذي قبله إجماعا من الصحابة على وجوب العمل بخبر الواحد وإن كان مما تعم به البلوى.
٤ - كما يجب قبول خبر الواحد فيما لا تعم به البلوى فكذا يجب قبول خبره فيما تعم به البلوى؛ لأن الرواية في كلتا الحالتين رواية عدل ثقة.
٥ - لو كان خبر الواحد الذي تعم به البلوى غير مقبول لما جاز للحنفية القول بوجوب الوتر وبتثنية الإقامة وبنقض الوضوء من القهقهة في الصلاة، لكنهم قالوا بكل ذلك فوجب الأخذ بخبر الواحد الذي تعم به البلوى عندهم.
هذه أهم أدلة القائلين بقبول خبر الواحد فيما تعم به البلوى.