← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9066–9105 · переход к 9071.

стр. 9066

- ابن عبد الوهاب: محمد (الشيخ). - عدة رسائل ضمن تاريخ نجد لابن غنام تحقيق الدكتور ناصر الدين الأسد مطبعة المدني القاهرة ١٣٨١هـ. - عدة رسائل ضمن الدرر السنية والتحفة الوهابية النجدية جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم الطبعة الأولى ١٣٥٢هـ. - عدة رسائل ضمن مجموعة التوحيد النجدية - مكة المكرمة - مطبعة الحكومة عام ١٣٩١هـ. - المسائل التي خالف فيها رسول الله ﷺ أهل الجاهلية. تعليق محمود شكري الألوسي المطبعة السلفية بمصر ١٣٩٤هـ. - ابن عبد الوهاب، محمد (الشيخ، وآخرون). - مجموعة الرسائل والمسائل النجدية - مطبعة المنار بمصر عام ١٣٤٩هـ. - مجموعة التوحيد النجدية - مكة المكرمة، مطبعة الحكومة ١٣٩١هـ. - مجموعة رسائل وفتاوى في مسائل مهمة تمس إليها حاجة العصر لعلماء نجد الأعلام. . . جمع رشيد رضا مطبعة المنار ١٣٤٦هـ. - الدرر السنية في الأجوبة النجدية. جمع وترتيب عبد الرحمن بن قاسم الطبعة الأولى عام ١٣٥٢هـ. - ابن عبد الوهاب، سليمان: الصواعق الإلهية في الرد على الوهابية، طبع استانبول (بدون تاريخ). - العجلاني، منير (الدكتور): تاريخ العربية السعودية الجزء الأول. الدولة السعودية الأولى دار الكتاب العربي. بيروت. - العابد، صالح محمد (الدكتور): دور القواسم في الخليج العربي ١٧٤٧ - ١٨٢٠ بغداد ١٩٧٦م. - عطار، أحمد عبد الغفور: محمد بن عبد الوهاب. الطبعة الثانية بيروت عام ١٣٩٢هـ (١٩٧٢م).

стр. 9067

- العقاد، عباس محمود: الإسلام في القرن العشرين. دار الكتاب العربي. بيروت ١٩٦٩م. - علي، أحمد: آل سعود بيروت ١٩٥٧م. - أبو عليه، عبد الفتاح حسن (الدكتور): الدولة السعودية الثانية الطبعة الأولى. مطبعة المدينة بالرياض ١٣٩٤هـ. - العثيمين، عبد الله الصالح (الدكتور) الشيخ محمد بن عبد الوهاب حياته وفكره الطبعة الأولى ١٣٩٩هـ. - ابن غنام، حسين: روضة الأفكار والإفهام لمرتاد حال الإمام وتعداد غزوات ذوي الإسلام، طبع بابطين ١٣٦٨هـ. - ابن غنام، حسين: تاريخ نجد - حرره وحققه الدكتور ناصر الدين الأسد، الطبعة الأولى ١٣٨١هـ. - الفقي، محمد حامد: أثر الدعوة الوهابية في الإصلاح الديني والعمراني في جزيرة العرب الطبعة الأولى القاهرة ١٣٥٤هـ. - ماضي، محمد عبد الله (الدكتور): النهضات الحديثة في جزيرة العرب الجزء الأول. الطبعة الثالثة ١٩٥٢هـ. - مؤلف مجهول: لمع الشهاب في سيرة محمد بن عبد الوهاب كتبه محمد جمال الريكي. تعليق عبد الرحمن بن عبد اللطيف آل الشيخ. مطبوعات دارة الملك عبد العزيز. - مؤنس، حسين (الدكتور): الشرق الإسلامي في العصر الحديث. الطبعة الثانية ١٩٣٨م. - مصطفى، أحمد عبد الرحيم (الدكتور): حركة التجديد الإسلامي في العالم العربي الحديث طبع ١٩٧١م. - المنقور، أحمد بن محمد: تاريخ الشيخ أحمد بن محمد المنقور تحقيق ونشر الدكتور عبد العزيز الخويطر الطبعة الأولى ١٣٩٠هـ. - الندوي، مسعود: محمد بن عبد الوهاب مصلح مظلوم ومفترى عليه

стр. 9068

ترجمة وتعليق عبد الحليم عبد العظيم البستوني مراجعة الدكتور محمد تقي الدين الهلالي. الطبعة الأولى ١٣٩٧هـ (١٩٧٧م). - هراس، محمد خليل (الدكتور): الحركة الوهابية - رد على تعال للدكتور محمد البهي في نقد الوهابية، دار الكتاب العربي - بيروت. - يحيى، جلال (الدكتور): العالم العربي (المدخل) دار المعارف بمصر ١٩٦٦م. ثانيا: الدوريات: - الجاسر، حمد: ملاحظات مجلة العرب السنة الرابعة الجزء التاسع والعاشر (١٣٩٠هـ) دار اليمامة بالرياض. - رشيد، منصور: قضاة نجد أثناء العهد السعودي. مجلة الدارة العدد الثاني السنة الرابعة رجب ١٣٩٨هـ. - رابح، تركي (الدكتور): ابن باديس ونشأة الحركة الإصلاحية الجزائرية مجلة الأصالة عدد ٢٤ نقلا عن عبد الحليم عويس مجلة كلية العلوم الاجتماعية العدد الخامس. - السروجي، محمد محمود (الدكتور): موقف مصر إزاء بعض مشاكل الجزيرة العربية. المجلة التاريخية المصرية المجلد السابع ١٩٥٨م. - السلمان، محمد عبد الله: أثر الدعوة السلفية في العالم الإسلامي مجلة كلية العلوم الاجتماعية بالرياض العدد الأول ١٣٩٧هـ. - الشطي، إسماعيل: شخصيات في الميزان مجلة المجتمع الكويتية العدد ٢١٨ رمضان ١٣٩٤هـ. - آل الشيخ، حسن عبد الله: الوهابية وزعيمها محمد بن عبد الوهاب مجلة العربي الكويتية العدد ١٤٧ فبراير ١٩٧١م. - ابن فوزان، صالح (الدكتور): تعقيب على كتاب الدعوة الوهابية

стр. 9069

لعبد الكريم الخطيب، مجلة كلية أصول الدين بالرياض، العدد الأول ١٣٩٧هـ. - العثيمين، عبد الله الصالح (الدكتور): نيبور ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب مجلة كلية العلوم الاجتماعية بالرياض العدد الثاني ١٣٩٨هـ. - العقاد، صلاح (الدكتور): دعوة حركات الإصلاح السلفي. المجلة التاريخية المصرية المجلد السابع عام ١٩٥٨م. - عويس، عبد الحليم (الدكتور): أثر دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب في الفكر الإسلامي الإصلاحي في الجزائر مجلة كلية العلوم الاجتماعية العدد الخامس (١٤٠١هـ). - مسعد، مصطفى (الدكتور): أثر دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب على حركة عثمان دانفوديو مجلة كلية العلوم الاجتماعية بالرياض العدد الخامس (١٤٠١هـ). - منصور، عثمان (الدكتور): الوهابية أو الكفاح ضد الوثنية الجديدة. مجلة الخفجي العدد الرابع المجلد الخامس ١٩٧٥م. - هويدى، فهمي: المسلمون في الصين وعصابة الأربعة. مجلة العربي العدد ٢٦٥ محرم ١٤٠١هـ ديسمبر ١٩٨٠م. - النشمي، عجيل (الدكتور): دولة الخلافة والحركة الوهابية مجلة المجتمع العدد ٥١٠ صفر ١٤٠١هـ. ثالثا: المراجع الأجنيبة: ١ - Ahmad، Qeyamudin: The Wahabi Movement in Indea، Calucutta ١٩٦٦. ٢- Akdes، Mumet Kurat: The Cambridge History volume l، Cambridge ١٩٧٠.

стр. 9070

٣ - Kerr، Malcolm، H، Islamic Reform- The Political and Legal theories of Mohammad Aplug and Rashid Rida- University of California-press Barkley and Los Angeles-١٩٦٦. ٤- Laoust، Henri: Sociales et Politiques de take-d-din Ahmad-B. Taimiya ١٩٣٩. ٥- Nicholson، R. A،. A Literary History of the Arabs، Cambridge ١٩٦٩ ٦- Niebuhr. C، Travels through Arabia and other countries in the east Edinburgh. ١٧٩٢ Vol. ٢. ٧- Palgrave. W. G: Narrative of A Year، s Journey through Central and Eastern Arabia (١٨٦٣-١٨٦٢) London ١٨٦٥.

стр. 9071

الظاهرة الحضارية في القرآن والسنة الدكتور / عبد الحليم عويس بين الوجود التاريخي والوجود الحضاري: إن ميلاد الحضارة لا يعني أن أمة ما قد ظهرت - فجأة - في التاريخ، فإن هذا الوجود التاريخي للأمم إنما هو فعل قدري بحت لا يملكه إلا خالق الوجود . وإنما يقصد بميلاد الحضارة ظهور إرادة بشرية وجدت لديها عناصر الانطلاق والإبداع، فسعت إلى أن تقوم بدور حضاري، مستعلية على مجرد وجودها التاريخي الذي تشترك فيه معها سائر الكائنات النباتية والحيوانية. إن هذا الوجود التاريخي هو وجود عام لا فضل فيه للإنسان، وهو لا يحتاج في استمراريته في المستوى الأدنى إلا لتعبير غريزي عن الحاجات الضرروية يشبه أن يكون في مستوى التعبير الحيواني عن حاجاته، وأساليب الإنسان قد لا تختلف كثيرا عن أساليب الحيوان في توفير هذه الحاجات والاستجابة لها. أما الوجود الحضاري فهو وجود مختلف تماما عن هذا الوجود سواء في إطار (درجاته) أو في إطار (أساليب) التعبير عن هذه الحاجات والاستجابة لها.

стр. 9072

إن هذا الوجود الحضاري يقوم بدرجة أساسية على الإنسان نفسه، فإليه - بإرادته ووعيه، وحركته - يعزى الفضل الأول في القيام بأية حضارة إنسانية، وذلك - بالطبع - بعد عون الله وإذنه. إن الحضارة الإنسانية هي تعبير فطري عن حاجة إنسانية يتميز بها الإنسان من سائر الكائنات، ففي داخل كل إنسان - فردا أو جماعة - حاجة تلح عليه وتؤكد له. . . عبر عدد من النوازع والسلوكيات أنه شيء متميز عن الكائنات الأخرى إنه يحس باختلافه عن مستواها، ويحس بأنه قادر على ما لا تستطيع هي أن تقدر عليه، ويحس بأنه يستطيع أن (يسمو) لدرجة لا تستطيع الكائنات التي تشاركه في الأرض أن تصل إليها. - ليكن هذا الشيء المتميز روحا تشعره بالعلو. . . وبنفحة إنسانية خاصة، أو ليكن هذا الشيء عقلا يعقل ويتسع لرؤية الماضي واستشراق المستقبل حيث لا يستطيع غيره من الكائنات أن يمد الطرف إلى الماضي أو المستقبل. - ليكن هذا أو ذاك، فالمهم أن (الحضارة) - أي الاستعلاء فوق الوجود المادي التاريخي - هي شيء فطري يحس به الإنسان في كيانه الداخلي، ولعلي ألمح هذا الشيء - بصورة ما - في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ (١) وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).

стр. 9073

منظومة بناء الحضارة وعناصرها الثلاثة: إن بناء الحضارة هو قرار إنساني يعتمد على الإنسان والفكر، ثم الأشياء، وبالتالي فصناعة الإنسان للحضارة - عندما تتوافر لديه الإرادة والوعي - تحتاج لثلاثة عناصر أساسية لا غنى لواحد منها عن الآخر: ١ - (إنسان) مؤهل للقيام بالدور الحضاري المطلوب، معد نفسيا وأخلاقيا لتحمل المسئولية، ويدخل في عنصر الإنسان (الزمان) باعتبار الإنسان حقيقة زمانية، لا تنفصل عن الزمان، ووجوده وجود زماني بدرجة كبيرة. ٢ - (فكر) يقود خطوات الإنسان ويلهمه ويدفعه إلى التضحية والإيثار وقد يسمي بعضهم هذا الفكر بالعقيدة، ويسميه آخرون بالثقافة، أو الجانب المعنوي للحضارة. ٣ - (أشياء) يستطيع الإنسان أن يجد فيها المواد الخام المادية التي يبرز من خلالها فكره، وقد يسمي بعضهم هذه الأشياء بالجانب المادي في الحضارة، أو يطلق عليها بعضهم مصطلح (المدنية) ويسميها بعضهم (بالأرض أو التراب) (١). وهكذا فلا حضارة إنسانية إلا بهذه المنظومة الثلاثية (٢): ١ - إنسان (كينونة وزمان). ٢ - فكر (عقيدة وثقافة). ٣ - أشياء (التراب ورأس المال وشتى العوامل المادية). وهذه المنظومة بعناصرها الثلاثة تحتاج - لكي تبقى فاعلة ومؤثرة - إلى أن تتوازن النسب بينها، ويعطى كل عنصر قدره في المرحلة التاريخية

стр. 9074

التي تمر بها الحضارة. . . ولا تسقط الحضارات لأنها خلو من هذه العناصر، بل إنما تسقط الحضارات عندما تطغى نسبة عنصر على عنصر، فعندما يعبد الإنسان الفرد، ويصبح هو الهدف، وتصاغ الحياة - بوسائلها وأهدافها - من أجل استمتاعه يقع الخلل، وأيضا عندما يطغى الفكر ويذوب الإنسان فيه على حساب (الإنسان) أو (الأشياء) فيترك العمل، ويصبح الفكر لمجرد الفكر، ويريد بعضهم أن يصوم فلا يفطر، ويقوم آخر فلا ينام، ويترهبن ثالث فلا يتزوج (١). هنا يطغى تألق (الفكرة وتهدد الحياة بالخلل، ويجب تقويم الميزان، وتحقيق العدل بين العناصر. ومن الغريب أن أحد المفكرين المعروفين أنشأ كتابا أسماه (التفسير القرآني للتاريخ) (٢). ومع ذلك فإنه لم يتكلم في كتابه هذا إلا عن عنصر واحد هو (الأشياء) فتحدث - فقط - عن الجوانب المادية من أرض واقتصاد وثروة وعمل ورأسمال وتنظيم وتخطيط وسياسة زراعية وتجارة وادخار واستثمار وموضوعات فرعية تتصل بها، فإذا علمنا أن هذا المفكر هو الدكتور راشد البداوي، الذي ترجم (رأس المال) لكارل ماركس إلى العربية، فضلا عن كتب أخرى تدور كلها حول (الاقتصاد)، والمذاهب الاشتراكية، والقاموس الاقتصادي. إذا علمنا هذا أدركنا - مع أنا قد نبرئ الرجل من الفكر الاشتراكي العلمي - كم يضيع (الإنسان) ويضيع (الفكر والمعتقد) وتطغى (الأشياء) في الفقه الحضاري حتى لدى مفكرين من أمثال هذا المفكر!! إن الحديث عن الآيات القرآنية التي تحث على الزراعة أو التجارة أو الصناعة إنما هو حديث في التفصيلات والتطبيقات والثمار

стр. 9075

الحضارية. لكن عناصر إبداع الحضارة ليست هي هذه (الماديات) التي تنشأ تلقائيا وتزدهر في الطور الثاني للحضارة، حيث تتجاوز الحضارة مرحلة الميلاد والتكون، وتزيح كل أخطار الميلاد، وتقف على أقدامها فتية قوية، وتبدأ في إفراز بعض قوتها من خلال عدد من المجالات الاقتصادية والمادية: وعند توافر عنصر الانطلاق لأمة من الأمم في طريق التحضر، حتى ولو كانت الأمة ذات سابقة حضارية فإن عليها أن تهتم بتوفير العناصر الثلاثة الأساسية - محافظة على الترتيب والنسب- حتى تضع قطارها أولا فوق القضبان الصحيحة. قال الله تعالى في الآية الكريمة: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١) ففي الآية يوجد (الإنسان) الذي (يعمل صالحا) وهو مؤمن (بالعقيدة والفكرة). فمثل هذا الإنسان العامل (كل عمل صالح مادي أو عقلي أو روحي) عن إيمان ومنهج وفكر، وهو الإنسان الذي يستطيع أن يصل إلى الحياة الطينية اللائقة بالإنسان، ولقد تحدث الله في كتابه المنزل عبر مئات الآيات، كما تحدثت السنة الشريفة عن تفصيلات العناصر الثلاثة وكيفية الوصول إلى الوضع الصحيح لكل منها.

стр. 9076

الإنسان في القرآن: أما العنصر الأول وهو (الإنسان) فقد حظي بكثير من الاهتمام من القرآن ومن سنة الرسول الفعلية (بخاصة) حيث عاش الرسول جزءا كبيرا من فترة رسالته يبني هذا الإنسان، ويصنعه في مكة، ثم في المدينة، حتى تكون أفضل جيل عرفته البشرية على الإطلاق. ويبين الله في كتابه الوظيفة الحضارية المنوطة بالإنسان على الأرض

стр. 9077

فيقول: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ (١). ويقول: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٢). إن هذا الإنسان المخلوق من: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ (٣) ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ (٤) هو الإنسان الذي كرمه الله واختاره لصناعة الحضارة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ (٥) إنه هو نفسه الذي سجدت له الملائكة: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ (٦). وهو الذي تعلم الأسماء كلها: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٧) وهو الحر الذي يختار طريقه بإرداته: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٨) ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٩). على أن الإنسان بالرغم من كل هذه المكانة التي أعطاها له الله تعالى، ومن كل الأسلحة التي زوده بها - لن يستطيع الإسهام الصحيح في فعل إيجابي وخالد إلا إذا حافظ على عبوديته لله والالتزام بمنهجه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ (١٠) فإذا ارتكس وسار في طريق الانحراف والضلال فإنه يهبط إلى أسفل سافلين: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ (١١). ومن هنا نفهم من كتاب الله تعالى أن

стр. 9078

الحياة الإنسانية تقوم على دعامتين توازن كل منهما الأخرى حتى لا ينحدر الإنسان إلى حضيضها، وينهك قواه في أشيائها، فالحياة الدنيا في جانب: ﴿وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ﴾ (١). ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ (٢)، ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ (٣) لكن هذه الدنيا في جانب آخر: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ (٤)، ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ (٥). والحقيقة أن كلا من الجانبين يقوم بمثابة الروح التي تبعث الحياة في الجانب الآخر، فكل منهما عندما ينفصل عن الآخر ويصبح بمعزل عنه يغدو باطلا من الأمر وخارجا عن معنى الحياة وحقيقتها (٦)، فضلا عن أن فقدان أحد الجانبين لنسبته يزيغ بصيرة الإنسان ويضل خطواته على درب الفعل الحضاري الرشيد.

стр. 9079

٢ - الفكرة أو المنهج: إن المعالم الواجبة التحقق في الفكر المبدع للحضارة معالم كثيرة وأهمها هي (إيجابيته) وحركته (ديناميكيته) فالفكر السكوني السلبي أو الانعزالي لا يصنع حضارة مهما كانت أخلاقيته أو مثاليته. وهذا الفكر من أبرز واجباته أن يقدم تقنينا سليما لعلاقة الإنسان

стр. 9080

بمبدع الكون، ثم يقدم تفسيرا لعلاقة الإنسان بالكون، ولعلاقته بأخيه الإنسان. فثمة مهمة محددة للفكرة الحضارية المؤهلة لإطلاق طاقات الإنسان نحو فعل حضاري حركي إيجابي - أهمها بإيجاز: ١ - تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالإنسان (تشريعيا وأخلاقيا) وفي الكتاب الكريم والسنة النبوية الشريفة حديث عن العقيدة الإسلامية والشريعة والأخلاق- وهو يستغرق حيزا كبيرا - موجها لتغطية هذا الجانب. ٢ - وتقديم تفسير لعلاقة الإنسان بالكون، وهل هي علاقة تسخير إذلالي أو هي علاقة تسخير فطري ودود، كما هي وجهة النظر الإسلامية، فالكون قد هيأه الله أصلا ليسخره الإنسان، وأعطاه العقل القادر - بعون الله - على التسخير. ٣ - تقديم تفسير لعلاقة الإنسان بخالق الكون، وواجبات الإنسان نحو خالقه وكيف يحقق عبوديته له، ويمثل جانب (العبادات) والشروط المطلوب توافرها في (المعاملات) وتوجيه (المعاملات) - أي التعاملات الدنيوية - إلى حيث يرضى الله ويحب يمثل هذان الجانبان أبرز الوسائل لأداء الإنسان واجبه نحو الله . إن قيمة (الفكرة) في المصادر الإسلامية الأصلية لا نستطيع التعبير عنه - بتفصيل - في هذا البيان الوجيز، فهو مما يحتاج إلى بحث خاص، لكننا نقول: إن مرحلة الفكرة هذه عنصر أساسي في مرحلة الحضارة، والأفكار المطروحة قادرة على القفز بالأمم من كل مراحل السقوط، وعندما تسقط الحضارة في ذروة من التاريخ، وتكون الأفكار سليمة وموجودة على النمو الذي تتكفل به المصادر الإسلامية فإن

стр. 9081

إمكانية إقلاع الأمة من جديد يكون أمرا ميسورا. مهما كانت ضآلة الأشياء التي تملكها، ومهما كانت خسائرها - إبان مرحلة السقوط - في عالم الأشياء، فالأفكار تبقى هي الرصيد المخزون للأمة عندما تفقد الأشياء لقد كانت الفكرة الإسلامية هي التي أطلقت قطار الحضارة الإسلامية، وضمنت له الاضطراد في التاريخ، وكان الإنسان المسلم المعبأ بهذه الفكرة عن يقين جازم، والذي يحس بأنه مبتعث بها في التاريخ ليخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله - كما قال ربعي بن عامر في وجه رستم - كانت الفكرة وكان إنسانها هما اللذان أنجزا ميلاد الحضارة الإسلامية (ولقد واصل المجتمع المسلم بالفكرة تطوره، وأكمل سبكه روابطه الداخلية بقدر امتداد إشعاع هذه الفكرة في العالم) (١). ٤ - ولقد مرت بالأمة الإسلامية هزائم كثيرة وتعرضت لصنوف من الاحتلال التتري والصليبي والاستعماري لكنها استطاعت تجاوز المحنة بفضل الله ثم بفضل الفكر الذي كان يقودها، ومن هنا تبدو خطورة (غزو الأفكار) - بواسطة التنصير والشيوعية واليهود - في العالم الإسلامي، وهو ما عمد إليه الاستعمار بعد أن أدرك عدم جدوى الغزوات العسكرية التي لم يكسب منها شيئا إلا ما تعلمه في جامعات المسلمين ومدارسهم، وهو يغزوهم أو يحاربهم، ورجع به إلى بلاده، فالأفكار هي الرصيد الصحيح الذي تلجأ إليه الأمم، وهي الوقود المخزون في الباطن والأعماق إذا انتهت البضائع من أسواق (الأشياء) في مراحل الاستهلاك أو الاستنزاف الحضاري!!

стр. 9082

٣ - الأشياء وقيمتها الحضارية: إن قيمة الأرض في الإبداع الحضاري قيمة لا تنكر، فهي مناط

стр. 9083

الزراعة، وهي مناط الرعي، وهي - بدرجة ما - مرتبطة بالتصنيع. وبقدر ما يستطيع الإنسان استغلال الأرض الاستغلال الأمثل، وتطوير عطائها وتوجيهه بقدر ما يستطيع إبداع حضارة إنسانية موجهة. - وأمامنا أمثلة حية في عصرنا، حيث تقهر الحضارة في ميلادها وفي دورتنا الحالية في التاريخ بتأثير القهر الاستعماري الأمريكي الذي يفرض على السودان وعلى مصر وغيرهما عدم زراعة القمح بصورة تكفيهما أو تكفي للتصدير، وتبقى الأرض في بلاد كثيرة في العالم الإسلامي في مرحلة بدائية الاستغلال بينما يزرع الياباني الأراضي التي فوق الجبال، وبينما يزرع الشخص الأمريكي وحده ألف هكتار، بينما هذا. . . تحرم الأمم المستعمرة (وإن حملت اسم الاستقلال) من تطوير زراعتها، ويستأجر الاستعمار رجالا يضمنون الحفاظ على تخلفها، ويضمنون أيضا إجهاض الفكر وإنهاك الإنسان. لقد حث الله تعالى وجاءت السنة بمئات الآيات والأحاديث التي تحث على (العمل) وعلى استغلال الأرض، وعلى الصيد والزراعة والصناعة والتجارة. ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ (١). ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ (٢). ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (٣). ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ (٤).

стр. 9084

﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (١). ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ (٢). ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ (٣). ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ (٤). ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ (٥) ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ﴾ (٦). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (٧). ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا﴾ (٨) (أي أصواف الأنعام) ﴿وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ (٩). ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ (١٠). ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا﴾ (١١) (أي في الجنة) ﴿حَرِيرٌ﴾ (١٢). ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا﴾ (١٣). ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ (١٤). ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ (١٥).

стр. 9085

﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (١). ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ (٢) ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾ (٣). ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (٤). ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (٥) ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ﴾ (٦). ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ (٧) ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾ (٨). ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ (٩) ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ (١٠). ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ (١١). ولعل حديث الرسول الكريم «إن قامت القيامة وبيد أحدكم فسيلة فليغرسها (١٢)» من أقوى الأدلة على احترام الإسلام لاستغلال الأرض وعالم الأشياء الموجهة للخير والمتناسقة مع حاجات الإنسان وأهدافه من الحياة. وعندما يزهد الإسلام في الدنيا - في بعض الآيات كما ذكرنا -

стр. 9086

ويجعلها (متاع الغرور) فإنما يوجه الإنسان إلى أن يبقى هو القائد للأشياء، والموجه لها ولا يصبح موقعه منها مثل موقع الإنسان المعاصر من التكنولوجيا التي أصبحت تقوده إلى المجهول، (كما يوضح رينيه دوبو في كتابه إنسانية الإنسان)، وبالتالي تختل النسبة بين الإنسان والفكر والأشياء ويقع الانهيار. - ومن الغريب الجدير بالذكر أن عوامل ميلاد الحضارة أو بنائها هي كذلك عوامل سقوطها، فعندما ينحل الإنسان ويفقد الرؤية يتحول هو نفسه (بالظلم أو بالترف أو بهما) إلى عامل هدم لنفسه ولمجتمعه وحضارته، وكذلك تتوارى الفكرة الصائبة وتحل محلها الفكرة النفعية التبريرية، وفي النهاية تطغى الأشياء وتصبح هي السمة الحضارية الطاغية، بل ينظر إليها من خلال مظاهر الترف والاستمتاع على أنها هي الحضارة، بينما هي في هذه المرحلة وبهذا الطغيان السرطان الذي دخل إلى جسم الحضارة.

стр. 9087

سقوط الحضارة من منظور إسلامي دائما تسقط الحضارات من داخلها، إن الغزو الخارجي إنما يأتي كما تأتي العاصفة، لا تقتلع إلا الأشجار التي لا جذور لها، أو التي تمتد جذورها امتدادا هشا، أو التي تتمتع بجذور قوية لكنها مريضة الجسم، فينكسر الجسم وقد تبقى الجذور مؤهلة - بعد ذلك - لبناء جسم آخر، والبروز مرة أخرى. والقرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة عندما يتحدثان عن سقوط الحضارات يركزان على هذا التداعي الداخلي الذي هو العامل الأول والجوهري في سقوط الحضارات، إن المهمة التي تقوم بها (الذنوب) - أي الفواحش والآثام سواء على مستوى الفرد أو الجماعة - إنما هي تمزيق

стр. 9088

الانسجام بين خلايا المجتمع. ولا تكثر الذنوب والآثام والموبقات إلا يوم يختل تصور الأمة وينحرف منهجها، إن أخطاء الطائعين مقبولة، وهي تدور في المستوى البشري المعهود والناس على امتداد تاريخهم ليسوا ملائكة، فتاريخهم تاريخ بشر، وفعلهم فعل بشري قابل للصواب والخطأ، ولم توجد جماعة بشرية دون أخطاء والمعادلة التي نحب تأكيدها من خلال التصور القرآني أن كثرة الفواحش والآثام تأتي (نتيجة) - أو مرحلة ثانية وسطى - في مراحل السقوط الحضاري، وهي ليست السبب الأول أو المرحلة المتقدمة، أما الأخطاء العادية البسيطة فهي حتمية وليست من باب التراكم الذي يؤدي للسقوط.

стр. 9089

المرحلة الأولى: فساد الفكر: ففي البداية يكون فساد الفكر واختلال العلاقة بين الإنسان والناموس الكوني سواء كان الاختلال في علاقته بخالق الكون أم في منهج علاقته بالكون والإنسان وانحرافه عن الحق والكمال والخير. إن كل التجارب الحضارية تؤكد لنا عبر تطورها أن ثمة درجتين للانحطاط: الأولى درجة الانقلاب النفسي والذهني إلى الأدنى، الثانية هي درجة الانقلاب العملي والخلقي بناء على الانقلاب الذهني والنفسي المتدني فالتغيير الداخلي (فكريا ونفسيا) هو المرحلة الأولى في أي سقوط، كما أن تغييره إلى الأعلى والأدنى هو المرحلة الأولى في أي

стр. 9090

تقدم إن فساد الفكر والنفس هو البيئة التي تنمو فيها جراثيم الانحطاط الأخلاقي. قال الله تعالى عن مرحلة (الانهيار الفكري) و (الظلام العقدي): ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (١) ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (٢). فهي مرحلة (انغلاق فكري) و (فساد منهج)، ولعل الآية الأخرى توضح هذه الحقيقة الحضارية على نمو أكثر مباشرة:: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ (٣) ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ (٤). وقال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٥). وفي آية أخرى يوضح الله تعالى مرحلة (الفكرة) كمنطلق للحياة على الأرض، وقيام الحضارة (على أساس المنهج القويم) وسقوط أخرى (على أساس الانحراف الفكري): ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (٦) ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (٧).

стр. 9091

وقد يأتي الضلال الفكري عن طريق اتباع الطواغيت من الأصنام البشرية أو المذاهب الفكرية المنحرفة أو المترفين: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (١) ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٢). ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (٣). وتقدم لنا السنة النبوية عددا من الآثار التي تتصل بهذه المرحلة الأساسية في سقوط الحضارات، حيث ينغلق الفكر، ويختلط الحق بالباطل، وينتشر الكفر العقلي والانحراف العاطفي، ويسود الهوى، وتروج النظريات الفاسدة ويتحزب الناس أحزابا بين أدعياء دجالين، ويحسب كل منهم أنه على الحق، وتزين لهم أعمالهم، وتختلط الأوراق، وتضيع المعالم الكبرى في المسيرة الحضارية. ففي حديث أبي هريرة يقول الرسول ﷺ : «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل، ولا يدري المقتول على أي شيء قتل (٤)». وفي حديث جرير أن النبي ﷺ قال: «لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض (٥)». والكفر هنا كفر فكري أي ضلال وانحراف، وقد يظن صاحبه معه أنه مسلم، أو أنه على الحق، مع أنه يرتكب الكبائر، وينتهك أساسيات الإسلام ولربما يفعل ذلك باسم الإسلام!!

стр. 9092

قال حذيفة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها نكت فيه نكتة بيضاء حتى يصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا، فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه (١)». وعن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، والتوبة معروضة بعد (٢)» وهكذا فعندما يضيع معنى (الإيمان)، ويتبدد توهجه، وتخبو أنواره، ويقع الغبن في العقل والقلب، هنا - فقط - تتسلل الذنوب في غيبة حاجز الإيمان، فيزني الزاني، ويسرق السارق!! وقد روى ابن ماجه «أن رسول الله ﷺ خط خطا، وخط عن يمينه خطين، وخط خطين عن يساره، ثم وضع يده في الخط الأوسط فقال: هذا سبيل الله، ثم تلا هذه الآية: (٤)». وفي مرحلة التيه الفكري هذه تظهر طبقة من المثقفين المضلين (المتشدقين) الذين يخدعون الناس بنوع من الكلمات المبهمة ويقودونهم - بهذه الكلمات الرمزية والشعارات المدوية - إلى الهاوية، فعن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك ﵄ عن رسول الله ﷺ قال: «سيكون في أمتي اختلاف وفرقة، قوم يحسنون القيل ويسيئون

стр. 9093

الفعل، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، لا يرجعون حتى يرتد السهم على فوقه، هم شر الخلق والخليقة، طوبى لمن قتلهم وقتلوه، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء من قاتلهم كان أولى بالله منهم. قالوا: يا رسول الله ما سيماهم؟ قال: التحليق (١)». وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «إن الله يبغض البليغ من الرجال الذي يتخلل بلسانه تخلل البقرة بلسانها (٢)». وفي الحديث الذي رواه أبو داود يأتي قول الرسول ﷺ : «إن ربي زوى لي الأرض؛ فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها، وأعطيت الكنز الأحمر والأبيض، وإني سألت ربي لأمتي أن لا يهلكها بسنة عامة، ولا يسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم - جماعتهم - وإن ربي قال لي: يا محمد، إني إذا قضيت قضاء فإنه لا يرد، ولا أهلكهم بسنة عامة، ولا أسلط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم ولو اجتمع عليهم من بين أقطارها - أو قال: بأقطارها - حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، وحتى يكون بعضهم يسبي بعضا، وإنما أخاف على أمتي الأئمة المضلين، وإذا وضع السيف في أمتي لم يرفع عنها إلى يوم القيامة، ولا تقوم الساعة حتى تلحق قبائل من أمتي بالمشركين، وحتى تعبد قبائل من أمتي الأوثان، وإنه سيكون في أمتي

стр. 9094

كذابون ثلاثون، كلهم يزعم أنه نبي، وأنا خاتم النبيين لا نبي بعدي، ولا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله (١)». روى ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ قال: «ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا. إلا من أحياه الله بالعلم (٢)». وروى ابن ماجه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «كيف بكم بزمان يوشك أن يأتي، يغربل الناس فيه غربلة، وتبقى حثالة من الناس، قد مرجت عهودهم وأماناتهم فاختلفوا وكانوا هكذا؟ (وشبك بين أصابعه) قالوا: كيف بنا يا رسول الله إذا كان ذلك؟ قال: تأخذون بما تعرفون. وتدعون ما تنكرون. وتقبلون على خاصتكم وتذرون أمر عوامكم (٣)». ويغربل الناس غربلة (أي يذهب خيارهم وعقلاؤهم ويبقى أشباه مثقفيهم وحملة الشهادات بلا معلومات، الذين يستعملون المعميات والرموز تعمية على الناس). وروى ابن ماجه أيضا أن رسول الله ﷺ قال: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا فطوبى للغرباء (٤)» (حيث يسود الفسقة في معظم الأنحاء، ويحس الأتقياء بأنهم شواذ في مجتمعهم، ولا يصل إلى المناصب إلا من يبيعون ضمائرهم ويكونون مع رئيسهم أشبه بالتلاميذ في حضرة أستاذهم).

стр. 9095

وروى ابن ماجه أيضا: أن رسول الله ﷺ قال: «إن بني إسرائيل افترقت على إحدى وسبعين فرقة، وإن أمتي ستفترق على ثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة (١)» إنه التخبط الفكري والجدل العقيم وإعجاب كل ذي رأي برأيه، وكأن التفرق هو الأصل، والتوحد هو الشاذ؛ لغياب القاعدة الفكرية الواحدة. روى ابن ماجه: أن رسول الله ﷺ قال: «ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بسؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فخذوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فانتهوا (٢)». وروى ابن ماجه: أن الرسول ﷺ قال: «سيأتي على الناس سنوات خداعات. يصدق فيها الكاذب، ويكذب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟ قال: الرجل التافه في أمر العامة (٣)». وهكذا يقف أئمة الضلال ومحترفو الجدل قادة لمرحلة الضياع الفكري، ويؤازرهم المنافقون المتشدقون الذين يستخدمون علمهم في تبرير الأوضاع والتماس الأعذار للسقوط والساقطين، وفي تحريم الحلال وإباحة الحرام، وخلط الحقائق حتى لا تكاد جمهرة الأمة تعرف المعروف من المنكر ويتصدر هؤلاء الساحات المختلفة، وميادين العمل المتقدمة، فيحجبون الحق، ويظهرون الباطل، وتزوى النماذج الصالحة، وتتألق النماذج الهابطة جاها وسلطانا ومالا وتغدق عليها الأموال والألقاب والمناصب، فلا يكاد ينفذ أصحاب الحق إلى الحق ولا

стр. 9096

يكاد القابضون على الأمر يحسون بما يعانيه أهل الحق القابضون على الجمر، وتنقطع الجسور بين أولي العلم وأولي الأمر، فلا يبقى إلا الصراع الخافت والظاهر، وتتعرض السفينة الاجتماعية كلها للضلال والضياع. إن التمزق الفكري الداخلي للأفراد أو للأمم هو أول داء تصاب به، وعن طريق هذا الخلل الفكري تدخل صنوف الخلل السلوكية نتيجة حتمية لخلل الفكر؛ لأن سلامة الفكر هي الضامن لسلامة السلوك، وهي السور الذي يحجز ويمنع، أو كما يقول أحد الفلاسفة: (إذا لم يكن الله موجودا فكل شيء مباح). ولن تستطيع الحواجز القانونية أو عوامل التخويف الأخرى أن تقف طويلا أمام عواصف الغرائز، بل إن هذه القوانين البشرية سوف تضعف وتضعف لدرجة أنها - في مرحلة من المراحل - لن يكون لها عمل إلا أن تبرر الفساد وتقننه بل وتجعله حقا من حقوق الفرد وتعبيرا من تعبيراته عن حريته (الحيوانية)!!.

стр. 9097

المرحلة الثانية: فساد السلوك: إن الآيات القرآنية حاسمة الدلالة في ترتيب السلوك السيئ على الفكر السيئ، كما أنها حاسمة الدلالة على أن شيوع الآثام ليس سببا، وإنما هو عقوبة يصيب الله بها الأمم والأفراد تمهيدا لأخذها وهلاكها، إنه الاستدراج الإلهي الذي يحقق الله به ناموسه الكوني في أن لا يأخذ الناس بظلم وهم مصلحون، ولا يأخذهم إلا بعد أن يمتعهم بنصيبهم المقدر من المتعة؛ حيث تتاح الفرصة لمن يريد أن يتمادى وتعميه فرص المتعة المتاحة، وتتاح الفرصة أيضا لمن يبصر من وراء الحجب المادية والاجتماعية الحقيقة الأزلية فيئوب إلى رشده، ويعود إلى

стр. 9098

الحق قبل اللحظة الفاصلة. إن الله تعالى يجيبنا بوضوح على (السبب الأساسي) لظهور الفساد في الأرض يقول تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ (١). فبسبب ما كسبه الناس من جنوح عن العدل وميل إلى الظلم انتشرت موجبات الفساد والانحراف عقوبة لهم، تمهيدا للساعة المرتقبة ويقول تعالى في آية أخرى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٢). ويقول تعالى في آية ثالثة: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾ (٣). والسؤال الوارد هنا: لماذا يريد الله إهلاك القرية؟ والإجابة أن أهلها - بالضرورة - قد أصبحوا أهلا لإرادته تلك بما استوجبوه من ضلال في فكرهم، وتبرير لترفهم وشعور منهم بأنهم إنما أوتوا ما أوتوا على علم عندهم، (كما هي فلسفة قارون) وليس بفضل الله وعونه، أو كما توضح آية قرآنية آخرى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (٤) فهذه هي عادة المترفين في التاريخ، إنها مواجهة الهداة (بالكفر)، وعند ذلك يستدرجهم الله إلى المرحلة الثانية وهو (الفسق) الذي ولغوا فيه معتمدين على الأموال والأولاد التي يملكونها: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٥)!!

стр. 9099

وذلك دون استفادة من دروس التاريخ الماضية، فضلالهم الفكري يعميهم عن رؤية كبريات الحقائق الكونية والتاريخية:: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (١). وفي آية أخرى يكرر القرآن المعنى نفسه مقدرا معطيات جديدة: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢). وهذه الآية تعالج بإيجاز المعالم الكبرى لمرحلة (الفسوق) وما يعتورها من فتن وأخلاق، ثم تنتهي إلى المصير الحتمي الذي يئول إليه أمر هذه المرحلة، وهو الإحباط الكامل، والخسران الدائم. ويقدم لنا (القصص القرآني) - الذي لم يفقهه المسلمون الفقه الحضاري الكامل - عددا من التجارب البشرية التي دخلت مسيرتها إلى مرحلة (الذنوب) فكانت عاقبتها وخيمة. فقوم نوح: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصَارًا﴾ (٣) وحتى ابنه أصابه الغرق لأنه: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ (٤).

стр. 9100

وعاد قوم هود أصابهم الريح العقيم حتى صاروا موتى كأنهم أعجاز نخل خاوية لأنهم: ﴿جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ (١). وثمود قوم صالح أرسل الله عليهم الصيحة بسبب عصيانهم أمر نبيهم وعقرهم الناقة خلافا لأمره: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ (٢)، ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (٣). وجريمة قوم لوط التي عرفوا بها، معروفة، وهي من الخبائث المنكرة التي لا تليق بالجنس البشري، بل إن الحيوانات تعف - بفطرتها - عنها، وقد أثبت الطب الحديث الآثار المدمرة لهذه الجريمة وعلى رآس آثارها الصحية مرض (الإيدز) أي فقدان المناعة الجسدية، أما أمراضها الحضارية - اجتماعيا وأخلاقيا - فهي لا تقل خطورة عن (الإيدز) إذ هي تفقد الحضارة مناعتها - أيضا - في تحمل أعباء صناعة الحضارة، وفي خلق (الرجولة) و (الجد) اللازمين للبناء، يقول القرآن عن قوم لوط: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ (٤) ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ﴾ (٥) ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ (٦). وأما مدين قوم نبي الله شعيب فقد ابتلوا بذنب آخر، لقد كان دأبهم بخس الناس أشياءهم ونقص المكيال والميزان، وهو ظلم مبين، وقد حاول شعيب إصلاحهم لكنهم رفضوا فحقت عليهم عقوبة الله:

стр. 9101

﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (١) ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٢). وكانت عاقبة فرعون وأتباعه الغرق لكفرهم وانغماسهم في المعاصي، ويعقب القرآن على هذه الأمم وما أصابها بعد أن تسردها علينا سورة هود في إيجاز وتعاقب تاريخي بليغين يعقب القرآن (بالعبرة) العامة التي انتهت بهذه الأمم وتجاربها إلى نهاية واحدة، هي السقوط في هاوية الهلاك الشامل والدمار الكامل، يقول القرآن: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (٣) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٥). إن السلوك الأخلاقي المنحرف هو طريق الانهيار الحضاري، وليس الضعف المادي أو (التقني)، فالأخلاق القائمة على أساس عقدي وفكري سليم - وليس الأخلاق النفعية (البرجماتذم) - هي الطريق الصحيح للحضارة، ولقد أشار العلامة ابن خلدون إلى هذا الأمر، وذكر أن رقي الأمم لا يتحقق بتوافر القوة المادية أو رقي العقل (العلمي أو العملي عن المرتبط بفكرة أخلاقية) بل بتوافر الأخلاق الحسنة (٦). ويوضح الفيلسوف (غوستاف لوبون) قيمة المعيار الأخلاقي فيقول: إن الانقلاب يحدث في حياة الأمم بالأخلاق وحدها، وعلى الأخلاق يؤسس مستقبل الأمة وحياتها الحاضرة، وخط العقل والقلب في بقاء الأمة أو سقوطها قليل جدا، وعندما تذوى أخلاق الأمة تموت مع وجود العقل والقلب اللذين ربما يكونان متقدمين في نواح عملية كثيرة. . . فعلى

стр. 9102

الأخلاق وحدها يقوم نظام الجماعة الإنسانية، وهي - أي الأخلاق - أساس الدين. وقد ساق الدكتور (لوبون) عددا من الأمثلة لبيان تأثير الأخلاق في قيامها أو سقوطها، من بينها حال الأمة الرومانية التي سقطت وهي أقوى من أسلافها في الناحية العقلية إلا أنها أضعف في النواحي الأخلاقية. وأيضا فقد استطاع الإنجليز بجيش قدره ستون ألفا استعباد ثلاثمائة مليون هندي لاستقامة أخلاقهم [فيما بينهم فقط!!] مع أن كثيرا من سكان الهند كانوا يشبهون الهنود في النواحي العقلية، بل كان البعض يرجمهم في المباحث الفلسفية، [بل والدينية]. وقد نسي (لوبون) أن يقدم النموذج الإسلامي الذي قضى على الروم وفارس، ولم يكن له من سلاح في النصر إلا إيمانه ورسالته الأخلاقية، أما حالته العقلية (أي التقدم المادي والفني) فلم يكن يصل إليهم بالتأكيد. . . ويذكر لنا أحد علماء الهند (١) الأفاضل الفرق بين الأخلاق التي يقصدها (غوستاف لوبون) وبين الأخلاق الإسلامية. . . فالأخلاق القرآنية التي يريد الإسلام إحداثها في الأمة لا ينحصر أثرها في نطاق تلك الأمة، بينما تعامل الأمم الأخرى بوحشية، بل على الإنسانية العامة والرحمة الشاملة. وفي هذه المرحلة. . . . مرحلة (الذنوب والفسوق) كثيرا ما تكون هناك

стр. 9103

فسحة من الزمان كي تعطي الأمة أو الجماعة فرصة الرجوع إلى الحق، وتعالج أسباب انهيارها. . . . فإذا ظهر أنها وصلت إلى مرحلة الانغلاق الكامل، والطمس على القوى الواعية فيها، واختلاط المعايير في أيديها. . . فقد تعطي فرصة أخرى استدراجية لتقع أكثر في الأوحال، وتستحق الأخذ الأليم الشديد. ويعبر القرآن عن هذه الحالة. . . يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ (١). ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢). ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٣). وتتميز سلوكيات هذه المرحلة ببعض الأخلاقيات المسيطرة على الناس: * فمن أخلاقيات هذه المرحلة (عدم التفرقة يبن الحلال والحرام). . . «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام (٤)».

стр. 9104

* ومن الأخلاقيات السائدة (محاباة الكبار) وعدم خضوعهم لشريعة الله العادلة وكثرة الوساطات والرشاوي «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (١)». * ومن الأخلاقيات السائدة (التجرؤ على الفتوى) في دين الله بلا علم ولا هدى «يأتي آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم (٢)». * ومن أخلاقيات هذه المرحلة العكوف على (وسائل الترف) واستحلالها «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (٣)». * ومن الظواهر الشائعة (عدم البركة في الأعمار) والأوقات وقلة الإنتاج والشح والاستهانة بالدماء الإسلامية حتى تكون أرخص الدماء في الأرض «يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل (٤)». * ومن الظواهر (سيادة بعض المجرمين) السفهاء الذين ينتسبون إلى قريش، ويعتبرون هذه النسبة سندا يملكون به الأمة الإسلامية ويلعبون بحاضرها ومستقبلها «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش (٥)».

стр. 9105

* ومن الظواهر (الإعلان) بالخمور والزنا - تحت حماية القانون الوضعي السائد - وارتفاع كفة الجهلاء وانزواء العلماء «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا (١)». * ومن الظواهر بروز (السناء متبرجات) سافرات مستعلنات بالإثارة «أيما امرأة استعطرت فخرجت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية (٢)». إن هذه المرحلة هي المرحلة التي يقل فيها العمل ويكثر الجدل، وتقل فيها الصراحة والوضوح، ويسود الملق والنفاق ومظاهر الشرك المختلفة، ويكون اتباع الباطل وأهله هو الغالب حتى على كبار العلماء والمفكرين، إذ إنهم يخضعون لضغوط المناصب والأموال. . . إن الناس جميعا قد يسلمون بصحة أصولهم الفكرية لأمتهم لكن لا يوجد لديهم اليقين القلبي ولا الاستعداد للتضحية، إنهم أقرب إلى النفاق، وهم يريدون إيمانا لا يدفعون له أي ثمن ولا يعوقهم عن أي مصلحة مادية أو معنوية (٣). . . وإلا فالصمت أو ممالأة الفاسقين والضالين هو الطريق. . . أو البحث عن مخرج لوضعهم بإخضاع النصوص للباطل، وتلفيق آراء وتبريرات لوضعهم المزري، وهكذا تظهر صور كثيرة من سيطرة العادات والتقاليد القديمة، واتباع هوى النفس والتعلق باللذات الدنيوية وعدم الانضباط والتذبذب الدائم بين القول والفعل. . . وهذه الحالة أشار إليها الرسول ﵊ بقوله: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر (٤)».
следующие страницы →