﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (١) ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ (٢).
وكانت عاقبة فرعون وأتباعه الغرق لكفرهم وانغماسهم في المعاصي، ويعقب القرآن على هذه الأمم وما أصابها بعد أن تسردها علينا سورة هود في إيجاز وتعاقب تاريخي بليغين يعقب القرآن (بالعبرة) العامة التي انتهت بهذه الأمم وتجاربها إلى نهاية واحدة، هي السقوط في هاوية الهلاك الشامل والدمار الكامل، يقول القرآن: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ (٣) ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ (٤) ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٥).
إن السلوك الأخلاقي المنحرف هو طريق الانهيار الحضاري، وليس الضعف المادي أو (التقني)، فالأخلاق القائمة على أساس عقدي وفكري سليم - وليس الأخلاق النفعية (البرجماتذم) - هي الطريق الصحيح للحضارة، ولقد أشار العلامة ابن خلدون إلى هذا الأمر، وذكر أن رقي الأمم لا يتحقق بتوافر القوة المادية أو رقي العقل (العلمي أو العملي عن المرتبط بفكرة أخلاقية) بل بتوافر الأخلاق الحسنة (٦).
ويوضح الفيلسوف (غوستاف لوبون) قيمة المعيار الأخلاقي فيقول: إن الانقلاب يحدث في حياة الأمم بالأخلاق وحدها، وعلى الأخلاق يؤسس مستقبل الأمة وحياتها الحاضرة، وخط العقل والقلب في بقاء الأمة أو سقوطها قليل جدا، وعندما تذوى أخلاق الأمة تموت مع وجود العقل والقلب اللذين ربما يكونان متقدمين في نواح عملية كثيرة. . . فعلى
стр. 9102
الأخلاق وحدها يقوم نظام الجماعة الإنسانية، وهي - أي الأخلاق - أساس الدين.
وقد ساق الدكتور (لوبون) عددا من الأمثلة لبيان تأثير الأخلاق في قيامها أو سقوطها، من بينها حال الأمة الرومانية التي سقطت وهي أقوى من أسلافها في الناحية العقلية إلا أنها أضعف في النواحي الأخلاقية.
وأيضا فقد استطاع الإنجليز بجيش قدره ستون ألفا استعباد ثلاثمائة مليون هندي لاستقامة أخلاقهم [فيما بينهم فقط!!] مع أن كثيرا من سكان الهند كانوا يشبهون الهنود في النواحي العقلية، بل كان البعض يرجمهم في المباحث الفلسفية، [بل والدينية].
وقد نسي (لوبون) أن يقدم النموذج الإسلامي الذي قضى على الروم وفارس، ولم يكن له من سلاح في النصر إلا إيمانه ورسالته الأخلاقية، أما حالته العقلية (أي التقدم المادي والفني) فلم يكن يصل إليهم بالتأكيد. . .
ويذكر لنا أحد علماء الهند (١) الأفاضل الفرق بين الأخلاق التي يقصدها (غوستاف لوبون) وبين الأخلاق الإسلامية. . . فالأخلاق القرآنية التي يريد الإسلام إحداثها في الأمة لا ينحصر أثرها في نطاق تلك الأمة، بينما تعامل الأمم الأخرى بوحشية، بل على الإنسانية العامة والرحمة الشاملة.
وفي هذه المرحلة. . . . مرحلة (الذنوب والفسوق) كثيرا ما تكون هناك
стр. 9103
فسحة من الزمان كي تعطي الأمة أو الجماعة فرصة الرجوع إلى الحق، وتعالج أسباب انهيارها. . . . فإذا ظهر أنها وصلت إلى مرحلة الانغلاق الكامل، والطمس على القوى الواعية فيها، واختلاط المعايير في أيديها. . . فقد تعطي فرصة أخرى استدراجية لتقع أكثر في الأوحال، وتستحق الأخذ الأليم الشديد.
ويعبر القرآن عن هذه الحالة. . . يقول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ (١).
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ (٢).
﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ (٣).
وتتميز سلوكيات هذه المرحلة ببعض الأخلاقيات المسيطرة على الناس:
* فمن أخلاقيات هذه المرحلة (عدم التفرقة يبن الحلال والحرام). . . «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء ما أخذ منه أمن الحلال أم من الحرام (٤)».
стр. 9104
* ومن الأخلاقيات السائدة (محاباة الكبار) وعدم خضوعهم لشريعة الله العادلة وكثرة الوساطات والرشاوي «إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد (١)».
* ومن الأخلاقيات السائدة (التجرؤ على الفتوى) في دين الله بلا علم ولا هدى «يأتي آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام يقولون من قول خير البرية يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية لا يجاوز إيمانهم حناجرهم (٢)».
* ومن أخلاقيات هذه المرحلة العكوف على (وسائل الترف) واستحلالها «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (٣)».
* ومن الظواهر الشائعة (عدم البركة في الأعمار) والأوقات وقلة الإنتاج والشح والاستهانة بالدماء الإسلامية حتى تكون أرخص الدماء في الأرض «يتقارب الزمان وينقص العمل ويلقى الشح ويكثر الهرج. قالوا: وما الهرج؟ قال: القتل القتل (٤)».
* ومن الظواهر (سيادة بعض المجرمين) السفهاء الذين ينتسبون إلى قريش، ويعتبرون هذه النسبة سندا يملكون به الأمة الإسلامية ويلعبون بحاضرها ومستقبلها «هلكة أمتي على يدي غلمة من قريش (٥)».
стр. 9105
* ومن الظواهر (الإعلان) بالخمور والزنا - تحت حماية القانون الوضعي السائد - وارتفاع كفة الجهلاء وانزواء العلماء «من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل ويشرب الخمر ويظهر الزنا (١)».
* ومن الظواهر بروز (السناء متبرجات) سافرات مستعلنات بالإثارة «أيما امرأة استعطرت فخرجت على قوم ليجدوا ريحها فهي زانية (٢)».
إن هذه المرحلة هي المرحلة التي يقل فيها العمل ويكثر الجدل، وتقل فيها الصراحة والوضوح، ويسود الملق والنفاق ومظاهر الشرك المختلفة، ويكون اتباع الباطل وأهله هو الغالب حتى على كبار العلماء والمفكرين، إذ إنهم يخضعون لضغوط المناصب والأموال. . .
إن الناس جميعا قد يسلمون بصحة أصولهم الفكرية لأمتهم لكن لا يوجد لديهم اليقين القلبي ولا الاستعداد للتضحية، إنهم أقرب إلى النفاق، وهم يريدون إيمانا لا يدفعون له أي ثمن ولا يعوقهم عن أي مصلحة مادية أو معنوية (٣). . . وإلا فالصمت أو ممالأة الفاسقين والضالين هو الطريق. . . أو البحث عن مخرج لوضعهم بإخضاع النصوص للباطل، وتلفيق آراء وتبريرات لوضعهم المزري، وهكذا تظهر صور كثيرة من سيطرة العادات والتقاليد القديمة، واتباع هوى النفس والتعلق باللذات الدنيوية وعدم الانضباط والتذبذب الدائم بين القول والفعل. . . وهذه الحالة أشار إليها الرسول ﵊ بقوله: «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق ولو صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان، وإذا خاصم فجر (٤)».
стр. 9106
ولئن كانت المرحلة الأولى (وهي مرحلة الفساد الفكري والخلل العقدي) تتميز بالضلال وظهور أئمة الفساد الذين يدعون الناس إلى الباطل ويبررون كل منكر ويخضعون مبادئ الصراط القويم للمسار المنحرف بواسطة التأويل. . . فإن مرحلة الذنوب تتميز بأنها مرحلة انتشار وسائل الترف. وخضوع الأفكار للأشياء، وبروز العوامل المادية التي تهوي بالمجتمع إلى قاع الاستهلاك، حتى تصبح الثانويات والكماليات جزءا أساسيا في حياته.
وفي هذه المرحلة يتبلد الإحساس: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ﴾ (١) وتنغمس القيادات والشعوب في ترف مزر، وتتحول العلاقة بين الحكام والمحكومين إلى (علاقة مادية مطلقة) فما دام الحكام يوفرون للشعوب حاجاتها التي يطمعون فيها فهي عنهم راضية حتى ولو دمروا الأخلاق وكانوا يمشون سيرة معوجة. . . وفي مثل هذه الحياة المترفة يكثر المفلسفون للفساد والمبررون له. . . وأكثر الفلسفات التي تنتشر تؤيد إشباع الغرائز، وتدعو إلى الانفتاح على الترف المادي، وتزين للناس توفير كل سبل الحياة المادية، ولا مكان في هذه الحياة للآخرة، ولا لعالم القيم العليا، ولا لدعوات التسامي والتضحية والإيثار والجهاد بل تقف الماديات وحدها هي الأمل وهي القيم العليا والغاية المرجوة، يقول القرآن مصورا هذه الحياة المادية بكل أبعادها.
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ (٢).
﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ (٣) ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ (٤).
стр. 9107
إنها مرحلة (سيطرة الأشياء على القيم والأفكار)، وهي مرحلة التردد والتذبذب في كل شيء، فالحق قد يكون معروفا بوضوح، لكن الأمة المنغمسة في الترف لا تعطي الحق إلا بعض الكلمات في بعض المناسبات، أو تجعله أشبه ما يكون (بالشعارات)، لكنه بعيد عن عالم التطبيق، إن ضغط (الأشياء) وشتى مظاهر الترف على العقول والسلوكيات تحول دون تطبيق الحق المعروف، وإن السواعد المترفة تضعف عن تحمل واجبات الحق المعروف والواضح، وتظهر في الطريق فلسفات تحاول تبرير هذا الوضع، بل والنظر إليه على أنه (التقدم) فتصبح المهرجانات والمباريات والمسابقات والاحتفالات وما يصحبها من صور البذخ والإسراف واللهو وتمجيد التافهين. . تصبح أكبر وسيلة للتعبير عن حالة (التحضر)، وقد يخدع بعض العقلاء أنفسهم فيحاولون مهادنة هذه الأوضاع أو الرضا بها وتبريرها، وتعلمنا مسيرة الرومان أن حضارتهم في عصر النشأة والقوة كانت تتميز بقلة الرغبات والحاجات، وكانت عقيدتهم قوية لدرجة أن كل أفرادهم كانوا مستعدين للتضحية؛ لأن قيمة الحياة (مع قلة الحاجات والرغبات) تصبح لعينة، وترتفع أسهم القيم العليا. . .
ومن خصائص هذا الوضع جفاف منابع الإرادة، وقلة الخيال السامي الذي يحدو بناة الأمم عادة وصناع الحضارات، وتنحصر الآمال في (اللحظة) وفي إطار (العمر الممدود) الذي يراد الاستفادة منه في المتعة إلى أقصى الحدود دون تفكير في المستقبل، حتى في المستقبل القريب، ودون تفكير حتى في الأقطار المحيطة بالأمة، والتي عادة ما تكون قوية جدا في مثل هذه الظروف.
(لنتذكر حالة ملوك الطوائف في الأندلس وتربص نصارى الشمال الأسباني بهم ولنتذكر قبلهم حالة الرومان كما صورها جيبون أثناء سقوط
стр. 9108
الإمبراطورية الرومانية، وإحاطة الحرمان بها، ولنتذكر حالة معاصرة وهي حالة العرب والمسلمين الآن وإحاطة القوى اليهودية والصليبية والشيوعية والهندوسية بهم).
ومن السمات المميزة لهذه الحالة أيضا ظهور فجوة كبيرة بين الطبقات، ففي ظل الترف تظهر طبقة تصل إلى تكديس معظم الثروة، ويبدو الفرق شاسعا بينها وبين سائر المجتمع، وتظهر طبقة قادرة على أن تعيش بلا عمل طول حياتها، لأن تكديس الثروة ينتهي إلى أن هناك أجيالا من أبناء أو أتباع المترفين تكون قادرة - ومقبلة - على الحياة المترفة دون جهد لعشرات السنين أو لأكثر من ذلك.
ومثل هذه الثروة لا يمكن أن تمتلك بالعمل، بل تكون لها طرق من الحيل الشرعية المبغوضة أو غير الشرعية، وهي تجنح إلى الاكتناز أو التكديس (وأكل الأموال بالباطل) على غرار ما كان يفعله الأحبار والرهبان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (١).
ومن خصائص هذه المرحلة ذهاب روح الإخلاص والصدق، وفقدان قوة الإرادة واستسهال الطريق السريعة الوصول، صحيحة كانت أو غير صحيحة، ومع ذهاب الإخلاص والإرادة يغلب الشكل على المضمون، ويصبح المجتمع مهتما بالنواحي الشكلية على حساب الجوانب الحقيقية، وحتى التدين يصبح شكلا ومظهرا أكثر منه حقيقة ومخبرا، بل يصبح وسيلة لكسب الدنيا وليس لإصلاحها، وتظهر النواحي الطائفية (٢)، ولا تصبح العقيدة والعمل النافع هما ميزان الخير
стр. 9109
والشر، بل يصبح الانتماء الطائفي أو العرقي أو الحزبي أو العنصري أو الوطني هو الأصل، وهو يغفر لأصحابه كل زلاتهم وإهمالهم.
ومن آثار مرحلة الترف على الكيان الإنساني تدمير العاطفة البشرية والابتلاء بقسوة القلب وغلظته، وعندما تصل القلوب في أمة إلى مرحلة غلظة القلوب وقسوتها تفقد الأمة كثيرا من وشائج الرحمة وأواصر التراحم، ولا يستجيب الناس للحق إلا على مطارق الموت لغرورهم وفساد قلوبهم، ويتجرأ السفلة القساة على المصلحين الهداة، ولربما يبحثون لهم عن مثالب وتهم يسكتونهم بها، وينتشر العناد والمكابرة ومظاهر الصراع الغليظة، وينزوي الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر وتصبح (القوة) و (الثروة) و (الأنانية الفردية) و (الأثرة) هي القيم المسيطرة، ويضطر الضعفاء - وهم الغالبية تحت ضغط هذه القيم الغابية - إلى الملق والنفاق والكذب والسلبية.
وهذه هي قيم (الوهن) التي يدفع إليها هذا الوضع المزري، وتدفع إليها غريزة «حب الدنيا وكراهية الموت (١)» كما ورد في حديث رسول الله ﷺ (٢) فتسود المجتمع روح الاستهانة والاستكانة وكراهية العمل، ويصبح أفراد المجتمع «غثاء كغثاء السيل (٣)» ولا ينجو أحد - إلا قلة قليلة - من هذه الروح العامة، حتى العلماء والمفكرون لا يتورع بعضهم عن تطويع الدين لتبرير الأموال وتحريف الكلم عن مواضعه، وهكذا تصبح النظرة (المادية والنفعية والحسية) هي سمة هذه المرحلة البارزة، وهي الروح العامة المهيمنة على الحياة الفردية والاجتماعية، وتحاصر - في المقابل - الاتجاهات الأخلاقية والروحية، ولربما سخر الناس من
стр. 9110
أصحابها، أو نظر إليهم على أنهم جاءوا في غير زمانهم أو أنهم الطبقة الدنيا في المجتمع.
وقد يدفع هذا بعض العاملين في حقول الغير إلى أن يتلمسوا لأنفسهم طرقا في الحياة تقربهم من الوضع الاجتماعي والاقتصادي الذي يتمتع به أنصار النظرية المادية، وبهذا التلمس يفقدون مكانتهم النفسية والفكرية، وتخلع عنهم أردية القيادة الصالحة، ويحار الناس بين قوى مادية قوية مستعلية، وقوى روحية ضعيفة مستخزية، وتصل الحضارة إلى مرحلة الانحطاط الفكري والأخلاقي والاجتماعي الشامل.
стр. 9111
المرحلة الثالثة: مرحلة الانهيار:
في هذه المرحلة تبدأ الحياة الاجتماعية بالتعرض للضربات الداخلية والخارجية نتيجة اختلال نسيجها الداخلي وتمزق كيانها الفكري والنفسي.
لقد ظن الناس أنهم سيفلتون من الناموس الكوني، أو أنهم - لمجرد أنهم يهود أو نصارى أو مسلمون - لن يتعرضوا للجزاء الحتمي، ولربما تمنوا أن يكونوا - وحدهم في سلسلة الحضارات - الحلقة التي لا تخضع للناموس الكوني، لكن حركة التاريخ تمضي بقدر الله إلى غايتها متجاوزة أمانيهم التافهة: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ (١).
لقد أصبح البناء الاجتماعي هشا يقوم على أسس فاسدة، فلا أمل بالتالي في علاجه، بل لا بد من إسقاطه: ﴿أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢)
стр. 9112
ولقد اختل النسيج كله واختلطت المعايير، وتقطعت خيوط الأخلاق: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (١)، فلم يبق إلا أن تتهاوى الضربات من الخارج ومن الداخل.
وللإشارة إلى الضربات التي تهوي من الخارج يقول الحديث النبوي الشريف: «توشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها، فقال قائل: أومن قلة نحن يومئذ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت (٢)».
وأما الضربات من الداخل فتتمثل في الفتن والمشكلات التي تقع بين المسلمين من الداخل، حيث تتفتت وحدتهم، وينقسمون شيعا وأحزابا، تتوزعهم الأفكار والمذاهب والأطماع وتظهر لهم الأقليات المعادية للإسلام حقيقتها فعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا تقوم الساعة حتى يكثر الهرج. قالوا: وما الهرج يا رسول الله؟ قال: القتل القتل (٣)»، ويصبح (القتل) هو الشيء الشائع في كل الأيام حتى لا يدري الناس فيم يقتلون أو فيم يقتلون «والذي نفسي بيده ليأتين على الناس زمان لا يدري القاتل في أي شيء قتل ولا يدري المقتول على أي شيء قتل (٤)».
стр. 9113
وهكذا تتعاون ضربات الداخل والخارج على إزهاق هذه الحضارة التي فقدت شروط البقاء، وفقدت فيها الروح مكانتها، وضاع العقل، واختل الميزان في يد الإنسان، وانهارت الحقوق الآدمية للفرد، وطغت الجماعة ممثلة في حزب أو دولة وأصبحت الأخلاق بلا رجال يحمونها وأصبحت الحضارة في مجموعها وفي عناصرها الأساسية غير مؤهلة للبقاء.
стр. 9114
ما وقع في القرآن الكريم من الظاء
لسليمان بن أبي القاسم التميمي السرقوسي
تحقيق الدكتور / علي حسين البواب
الدكتور علي حسين البواب
* فلسطيني، ولد بمدينة يافا في فلسطين المحتلة سنة ١٣٦٧هـ - ١٩٤٧م.
* حصل على الثانوية العامة في مدينة غزة سنة ١٩٦٤م، وواصل تعليمه في القاهرة إلى أن نال درجة الدكتوراة في علم اللغة من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة سنة ١٩٧٨م ١٣٩٨هـ.
* عمل مدرسا بوزارة المعارف في الكويت من عام ٦٨ - ٧٨م ثم في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث يعمل أستاذا مشاركا في كلية اللغة العربية بالرياض.
* حقق مجموعة من كتب التراث في علوم القرآن واللغة، منها: شرح كفاية المتحفظ لابن الطيب الفاسي، والتمهيد في علم التجويد لابن الجزري، وتذكرة الأريب في تفسير الغريب لابن الجوزي، وقنعة الأريب لابن قدامة، ونور المسرى لأبي شامة.
كما أعد فهارس المخطوطات ومعثورات اللغة والنحو والصرف والعروض بجامعة الإمام.
стр. 9115
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا ونبينا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين وبعد.
فقد حرص المسلمون على إتقان تجويد كتاب الله تعالى، وإخراج كل صوت من مخرجه، ولما كان بعض الأصوات يلتبس ببعض، ويختلط الواحد منها بغيره، اعتنى علماء المسلمين بهذه الأصوات، وفرقوا بينها.
وكان صوتا الضاد والظاء مما نالا عناية العلماء؛ فالضاد من أصوات العربية العسيرة النطق كما وصفه أئمة العربية، وهو قد أصابه كثير من التغير، واختلط بغيره، وكان إحدى صور هذا الخلط نطق الضاد ظاء، ولما كان هذا غير جائز في اللغة، فما بالك في كتاب الله تعالى، فكيف يقرأ قارئ: ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (١): ظل. . .؟!
ورغم كثرة ما ألف علماء العربية في الضاد والظاء، فإن ما أفرد للقرآن وظاءاته قليل، من هذه الرسالة التي نقدم لها (٢).
وقد سعى مؤلف هذه الرسالة إلى جمع ما ورد في القرآن الكريم من حرف الظاء، ليعلم أن غيره بالضاد. وجعل ظاءات القرآن الكريم في إحدى وعشرين كلمة، على منهج اللغويين في رد تصاريف الكلمة
стр. 9116
واستعمالاتها ومعانيها إلى أصل أو جذر واحد، فـ (ظلم) يدخل تحته الظلم والظلام. و (نظر) يدخل تحته النظر، والإنظار، والانتظار. . .
والمؤلف يعرض لنظائر الظاء من الضاد، ففي الحديث عن الناظر يذكر الناضر، وفي ظل يذكر ضل، وفي ظن يتحدث عن ضن، ليبين الفرق بين الاستعمالين والأصلين، وهو يستشهد مع كل كلمة يذكرها ببعض الآيات القرآنية، وقد يعرض لبعض الاستعمالات اللغوية. والمؤلف قدم للرسالة بنظم الأصول في ثلاثة أبيات، تيسيرا للحفظ، وهو منهج سلكه علماء العربية في الظاءات وغيرها (١).
أما مؤلف الكتاب فهو الشيخ الإمام المقرئ، أبو الربيع، سليمان بن أبي القاسم التميمي السرقوسي، كما ورد في أول المخطوطات، ولم أقف على ترجمة له على ما بذلت من جهد في ذلك، ولكني أرجح أن يكون من أهل القرن السادس اعتمادا على أقدم نسخة مخطوطة للكتاب كتبت سنة ٥٩١هـ، ورغم عدم معرفتي بمؤلفها رأيت أنها تستحق التحقيق والنشر.
أما مخطوطات الكتاب التي وقفت عليها فثلاث، أوجز الحديث عنها:
الأولى: كتبت بخط معتاد واضح سنة ٥٩١هـ، ضمن مجموع كتبه محمد بن سعد؛ وألفاظ الظاء بخط كبير، والمخطوط في تشستر بيتي - دبلن رقم ٣٩٢٥، وهو في سبع صفحات (١٥١ - ١٥٤ ب) وفي كل صفحة سبعة عشر سطرا وقد جعلت هذه النسخة الأصل الذي حققت عنه الكتاب.
стр. 9117
الثانية: مخطوطة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض - قسم المخطوطات، رقم ١٠٧٣ - وهي في آخر المجموع في أربع ورقات، كتبت بخط نسخي، وهي غير مؤرخة، والورقة الأخيرة تمزق أعلاها، ففقد منها حوالي سطرين من وجه الورقة، ومثلها من ظهرها. وعدد الأسطر في كل صفحة واحد وعشرون سطرا، ورمزت لها بالرمز (م).
الثالثة: من مخطوطات دار الكتب المصرية - ٣٩٧ تفسير - تيمور، وهي في عشر صفحات من ص ٤٣ - ٥٢، وعدد الأسطر في الصفحة الواحدة ثلاثة عشر سطرا، وخطها معتاد متأخر. وقد رمزت لها بالرمز (ت).
وقد جعلت الأولى أصلا أثبت نصا، ولم أحد إلى غيره إلا قليلا، وأثبت ما أخذته عن النسختين بين معقوفين، وأشرت إلى الخلافات المهمة بين النسخ.
وقد كتبت أسماء السور وأرقام الآيات بين معقوفين في الكتاب، وإذا ذكر المؤلف اسم السورة كتبت بين معقوفين رقم الآية، وفعلت ذلك لتقليل حواشي البحث، وقد علقت على ما يحتاج إلى تعليق، وأحلت على بعض المراجع. وبعد.
فهذه رسالة تمثل جهدا من جهود علماء المسلمين الكبيرة في خدمة لغة القرآن، وهي مفيدة إن شاء الله، ميسرة للتفريق بين الظاء والضاد في القرآن الكريم - وما أكثر الخلط بينهما، نسأل الله تعالى أن ينفع بها المسلمين وأن يثيبنا عليها.
والحمد لله رب العالمين.
стр. 9118
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين.
الحمد لله حق حمده، وصلى الله على محمد رسوله وعبده، وعلى آله وصحبه من بعده، ذكر جميع ما وقع في كتاب الله سبحانه من الظاء مجموعا في ثلاثة أبيات، وما سواه وقع بالضاد، مما عني بتأليفه وشرحه الشيخ الإمام المقرئ النحوي أبو الربيع سليمان بن أبي القاسم التميمي السرقوسي ﵀:
فأما الأبيات فهي:
ظفرت بحظ من ظلوم تعاظمت ... ظواهره للناظر المتيقظ
ظمئت فلم تحظر علي ظلالها ... فظاظة ألفاظ ولا غيظ وعظ (١)
ظنون تلظى للكظيم شواظها ... تغلظ عتب الظاعن المتحفظ
وأما الشرح فهو
стр. 9119
الظافر والضافر (١):
فأما الظافر بالظاء فهو الغالب، وفي القرآن من ذلك موضع (٢)، في (الفتح) [الآية ٢٤] قوله : ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ (٣) ومنه رجل مظفر، وجيش مظفر، وقد يسمى الرجل مظفرا (٤).
стр. 9120
والأظفار بالظاء أيضا، وفي القرآن من ذلك موضع في (الأنعام) [الآية ١٤٦] في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ (١)
وأما الضافر بالضاد فهو ضافر الحرير والشعر وغير ذلك من كل شيء مضفور، ومنه ضفائر المرأة.
стр. 9121
الحظ والحض (١):
فأما الحظ فهو النصيب والبخت، فأما النصيب فقوله : ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) [النساء ١١] وما أشبه ذلك. وأما البخت فقوله إخبارا عن (قارون): ﴿إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (٣) [القصص ٧٩] أي بخت وجد ومنه رجل محظوظ: إذا كان مبخوتا ومجدودا.
وأما الحض بالضاد فهو التحريض على طلب الأشياء، وفي القرآن من ذلك (٤) ثلاثة مواضع: في (الحاقة) [الآية ٣٤]، وفي سورة (الماعون) [الآية ٣]: ﴿وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ (٥) وفي (الفجر) [الآية ١٨]: ولا يحضون على طعام المسكين.
стр. 9122
الظلم والظلام:
وما تصرف من ذلك بالظاء، أصل يطرد، نحو: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ﴾ (١) [البقرة ٢٣١]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ (٢) [فصلت ٤٦] و: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ (٣) [الأنبياء ٨٧] و: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ (٤) [الزمر ٦] وما أشبه ذلك (٥).
стр. 9123
العظم والعظام:
وما تصرف من ذلك بالظاء، أصل مطرد، نحو: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ﴾ (١) [البقرة ٢٥٩]، ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ (٢) [المؤمنون ١٤]، ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ (٣) [يس ٧٨] وما أشبه ذلك، إلا عضم القوس (٤)، فإنه بالضاد (٥).
قال الشاعر:
قوس السهم ولم يرم به ... وعلى العضم من القوس قبض (٦)
стр. 9124
الظاهر والظهر والظهر والمظاهر:
وما تصرف من ذلك، أصل يطرد بالظاء (١)، نحو قوله : ﴿وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ (٢) [الحديد ٣]، و: ﴿مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ (٣) [الأعراف ١٧٢] و: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ (٤) [الروم ٤١]، و: ﴿أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ (٥) [غافر ٢٦]، و: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ (٦) [غافر ٢٩]، و: ﴿تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ﴾ (٧) [البقرة ٨٥]، ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ (٨) [هود ٩٢]، و: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ (٩) [المجادلة ٣]، وما أشبه ذلك وإن اختلفت معانيه فهو كله بالظاء إلا ضهر الجبل فإنه بالضاد (١٠).
стр. 9125
الناظر والناضر:
فأما الناظر بالظاء فهو من نظر العين، نحو قوله : ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ﴾ (١) و: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا﴾ (٢) [ق٦] و: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٣) [القيامة ٢٣] وما أشبه ذلك، وكذلك الانتظار بالظاء أيضا، نحو: ﴿فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ (٤) [يونس ١٠٢] و: ﴿فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ﴾ (٥)
стр. 9126
وكذلك الإنظار بمعنى التأخير نحو قوله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ (١) ﴿قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾ (٢) [الحجر ٣٦، ٣٧].
وأما الناضر بالضاد فهو الناعم، وفي القرآن من ذلك ثلاثة مواضع: في (القيامة) [الآية ٢٢] ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ (٣) أي ناعمة. وأما (٤) ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ (٥) [القيامة ٢٣] فهو بالظاء كما قدمته لك؛ لأنه من نظر العين. وفي سورة (الإنسان) [الآية ١١]: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ (٦) وفي (المطففين) [الآية٢٤]: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ﴾ (٧) وقد تسمى المرأة ناضرة: أي ناعمة (٨).
стр. 9127
اليقظة (١):
وما تصرف منها بالظاء، أصل يطرد، وفي القرآن من ذلك موضع واحد، في سورة (الكهف) [الآية ١٨]: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ (٢)
стр. 9128
الظمأ (١):
وما تصرف من ذلك أصل يطرد، وهو العطش، نحو (٢) قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ﴾ (٣) [التوبة ١٢٠]، ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ (٤) [طه ١١٩].
стр. 9129
الحاظر والحاضر (١):
فأما الحاظر بالظاء فهو المانع، وفي القرآن من ذلك موضعان، في (بني إسرائيل) [الآية ٢٠]: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (٢) أي ممنوعا، وفي (القمر) [الآية٣١]: ﴿فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ﴾ (٣) ومنه الحظائر التي تصنع للماشية وغيرها، أصلها المنع.
وأما الحاضر بالضاد فهو الشاهد، نحو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً﴾ (٤) [البقرة ٢٨٢]، ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ (٥) [النساء ٨]، و ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ﴾ (٦) [النساء ١٨]، ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ (٧) [المؤمنون ٩٨] وما أشبه ذلك.
стр. 9130
الظل والظلة والظلال (١):
وما تصرف من ذلك بالظاء، أصل يطرد، نحو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ (٢) [الفرقان ٤٥]، ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ (٣) [الشعراء ١٨٩]، ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾ (٤) [الزمر ١٦]، ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ﴾ (٥) [يس ٥٦] وما أشبه ذلك (٦).
ومنه ظل بمعنى صار، وفي القرآن تسعة مواضع، في (الحجر) [الآية ١٤]: ﴿فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ﴾ (٧) وفي (النحل) [الآية ٥٨]، و (الزخرف) [الآية ١٧]: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ (٨) وفي (طه) [الآية ٩٧]: ﴿ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ (٩) وفي (الشعراء) [الآية ٤]: ﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾ (١٠)
стр. 9131
وفيها أيضا [الآية ٧١]: ﴿فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾ (١) وفي (الروم) [الآية ٥١]: ﴿لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ (٢) وفي (الشورى) [الآية ٣٣]: ﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ (٣) وفي (الواقعة) [الآية ٦٥]: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ (٤)
وأما ضل بمعنى حار فهو بالضاد (٥) نحو: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ (٦) [الفاتحة ٧]، و: ﴿قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا﴾ (٧) [الأنعام ٥٦]، و ﴿ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ (٨) [الإسراء ٦٧]، ومنه: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الأَرْضِ﴾ (٩) [السجدة ١٠]، لأنه بمعنى البطلان والذهاب.
стр. 9132
الفظ والفض (١):
فأما الفظ بالظاء فأصله قساوة القلب وغلظ الطبع، وفي القرآن من ذلك موضع، في قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ (٢) [آل عمران ١٥٩].
وأما الفض بالضاد فأصله التفرقة والتكسير، نحو قوله : ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (٣) [آل عمران ١٥٩]، و ﴿انْفَضُّوا إِلَيْهَا﴾ (٤) [الجمعة ١١]، و ﴿حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ (٥) [المنافقون ٧] وما أشبه ذلك (٦) ومنه انفض الجيش والجمع، وفضضت ختام الكتاب.
стр. 9133
اللفظ (١):
وما تصرف من ذلك بالظاء، أصل يطرد، وفي القرآن من ذلك موضع واحد، في قوله : ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾ (٢) [ق١٨].
стр. 9134
الغيظ والغيض (١):
فأما الغيظ بالظاء فهو الامتلاء والحنق، وهو شدة الغضب، نحو قوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ (٢) [آل عمران ١١٩]، ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ (٣) [آل عمران ١٣٤]، و ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (٤) ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ (٥) [الملك ٨]، وما أشبه ذلك.
وأما الغيض بالضاد فهو من النقص، وفي القرآن من ذلك موضعان في (هود) [الآية ٤٤] ﴿وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (٦) وفي (الرعد) [الآية ٨]: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ (٧) وفيه غاض الكرام غيضا؛ أي: نقصوا.
стр. 9135
الوعظ (١):
وما تصرف من ذلك بالظاء، أصل يطرد، وأصله التنبيه والتخويف، نحو قوله : ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ (٢) [البقرة ٢٣٢]، وقال: ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ (٣) [النساء ٣٤] و: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ﴾ (٤) [النور ١٧]، ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ﴾ (٥) [الشعراء ١٣٦] وما أشبه ذلك.
وأما قوله في (الحجر) [الآية ٩١]: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ (٦) فهو بالضاد، لأنه بمعنى التفريق، لأنهم فرقوه فجعلوه أجزاء، وقالوا: هو سحر وكهانة وشعر (٧).
стр. 9136
الظن والضن:
فأما الظن بالظاء فهو بمعنى العلم واليقين، نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ﴾ (١) [البقرة ٤٦]، ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ (٢) [الأعراف ١٧١]، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ (٣) [الكهف ٥٣]، ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ (٤) [الحاقة ٢٠]، ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ﴾ (٥) [القيامة ٢٨].
ويكون الظن بمعنى الشك والتهمة، قال الله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ (٦) [النساء١٥٧]، ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا﴾ (٧) [الجاثية ٣٢].
واختلف في (التكوير) [الآية ٢٤] في قوله: (وما هو على الغيب بظنين) فقرئ (٨) بالظاء على معنى التهمة، وقرئ بالضاد على معنى البخيل، ﴿وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ﴾ (٩) أي ببخيل.
стр. 9137
التلظي (١):
وما تصرف منه بالظاء، وهو أصل يطرد، وفي القرآن منه موضعان: في (المعارج) [الآية ١٥]: ﴿إِنَّهَا لَظَى﴾ (٢) وفي سورة (الليل)