← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9171–9210 · переход к 9176.

стр. 9171

" فصل في عدد كلمات هذا الذكر عند المنام " قد ورد أن عدده مائة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة، وهذا نص حديث عبد الله بن عمرو ﵄، وهذا لفظه: «وإذا أوى إلى فراشه يسبح ثلاثا وثلاثين، ويحمد ثلاثا وثلاثين، ويكبر أربعا وثلاثين، فتلك مائة باللسان، وألف في الميزان. قال رسول الله ﷺ : فأيكم يعمل في يومه وليلته ألفين وخمسمائة سيئة؟ قال

стр. 9172

عبد الله: رأيت رسول الله ﷺ يعقدهن بيده. قال: قيل: يا رسول الله كيف لا يحصيها؟ قال: يأتي أحدكم الشيطان وهو في صلاته فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا. ويأتيه عند منامه فينومه (١)». هذا لفظ ابن حبان. وروى هذه الكيفية الإمام أحمد (١/ ٩٦)، والبخاري في الصحيح (٧/ ٨٤)، ومسلم (٨/ ٨٤)، وأبو داود (٤/ ٣١٥) كلهم من حديث علي وزوجه فاطمة ﵄، وكذا رواه الترمذي / تحفة الأحوذي (٩/ ٣٥٣). فلفظ أحمد: «إذا أخذتما مضجعكما سبحتما الله ثلاثا وثلاثين، وحمدتما ثلاثا وثلاثين، وكبرتما أربعا وثلاثين (٢)». ولفظ البخاري: «إذا أخذتما مضاجعكما أو أويتما إلى فراشكما فسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين، وكبرا أربعا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم (٣)». ولفظ أبي داود مثل لفظ البخاري هذا. وفي رواية للبخاري: «تسبحين الله عند منامك ثلاثا وثلاثين، وتحمدين الله ثلاثا وثلاثين، وتكبرين الله أربعا وثلاثين (٤)». ولفظ مسلم: «أن تكبرا الله أربعا وثلاثين (٥)». . . إلخ، وفيه: «إذا أخذتما مضجعكما من الليل (٦)». وفي لفظ لمسلم أيضا من حديث أبي هريرة: «تسبحين ثلاثا وثلاثين، وتحمدين ثلاثا وثلاثين، وتكبرين أربعا وثلاثين حين تأخذين مضجعك (٧)». وفي فتح الباري في باب التكبير والتسبيح عند المنام في شرح حديث علي هذا بلفظ: «فكبرا أربعا وثلاثين (٨)». . . الحديث. قال الحافظ: " كذا هنا بصيغة الأمر والجزم بأربع في التكبير "، وفي رواية بدل مثله ولفظه

стр. 9173

" فكبرا الله "، ومثله للقطان، لكن قدم التسبيح وأخر التكبير ولم يذكر الجلالة، وفي رواية عمرو بن مرة عن ابن أبي ليلى، وفي رواية السائب كلاهما مثله، وكذا في رواية هبيرة عن علي ". أهـ. واعلم أن حديث علي وفاطمة ﵄ هذا روي بغير ما تقدم في كيفية هذا الذكر عند المنام، ففي صحيح البخاري (٨/ ٨٧) في باب التكبير والتسبيح عند المنام روي بلفظ: «فكبرا ثلاثا وثلاثين، وسبحا ثلاثا وثلاثين، واحمدا ثلاثا وثلاثين (١)». . . إلخ. واعتمد العيني في عمدة القاري (٢٢/ ٢٨٨) عليها في الشرح، إلا أن الحافظ في الفتح (١١/ ١١٩) جرى على أنها بلفظ: «فكبرا أربعا وثلاثين (٢)». . . الحديث، وقررها بقوله (١١/ ١٢٢): " كذا هنا بصيغة الأمر والجزم بأربع في التكبير " أهـ. وقال البخاري في الصحيح (٨/ ٨٧) بسنده، وقال ابن سيرين: التسبيح أربع وثلاثون. قال الحافظ في الفتح (١١/ ١٢٣): " هذا موقوف على ابن سيرين من قوله " أهـ. وفي الفتح الباري (١١/ ١٢٢) قال الحافظ ﵀: " وفي رواية الطبري من طريق أبي أمامة الباهلي عن علي في الجميع: «ثلاثا وثلاثين، واختماها بلا إله إلا الله (٣)». وله من طريق محمد بن الحنفية عن علي: «وكبراه وهللاه أربعا وثلاثين (٤)»، وله من طريق أبي مريم عن علي: «واحمدا أربعا وثلاثين (٥)»، وكذا في حديث أم سلمة، وله من طريق هبيرة أن التهليل أربع وثلاثون، ولم يذكر التحميد، وقد أخرجه أحمد من طريق هبيرة كالجماعة، وما عدا ذلك شاذ " أهـ. قلت: فلا منافاة بين هذه الروايات وبين ما قبلها لأن كون البخاري ﵀ روى في باب التكبير والتسبيح عند المنام أن التكبير ثلاث

стр. 9174

وثلاثون فإنه يسوغ الجمع بحمل هذه الرواية على رواية الأربع والثلاثين التي رواها هو وغيره من الأئمة، لاحتمال أن بعض النساخ أخطأ في كتابتها فكتبها "ثلاثا "، يؤيد هذا الاحتمال أن الحافظ أثبتها " أربعا "، وقررها - كما تقدم -. ولأن البخاري ذكر الحديث نفسه في غير موضع - كما تقدم - بتربيع التكبير، وأما تربيع التحميد فظاهر كلام الحافظ المتقدم الحكم عليه بالشذوذ. قال شراح الحديث كالحافظ في الفتح (١١/ ١٢٣) والعيني في العمدة (٢٢/ ٢٨٩) والقسطلاني في إرشاد الساري (٩/ ١٨٦) قالوا: " واتفاق الرواة على أن الأربع للتكبير أرجح "، وأما ختم هذا الذكر بلا إله إلا الله في بعض الروايات فينظر في السند، فإن صح أخذ بها؛ لأن الأخذ بالزائد في هذا الباب حسن، وإلا اقتصر على الثابت وهو الختم بالتكبير والله أعلم. فائدة: قال ابن القيم ﵀ في الوابل الصيب ص (١٧٦): "وقال شيخ الإسلام ابن تيمية - قدس الله روحه -: بلغنا أن من حافظ على هذه الكلمات لم يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره". وتعقبه الحافظ في الفتح (١١/ ١٢٥) بقوله: " وفيه نظر، ولا يتعين رفع التعب، بل يحتمل أن يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل، ولا يشق عليه، ولو حصل له التعب والله أعلم " أهـ. ولا وجه لاعتراض الحافظ هذا لأنه نفى الضرر بكثرة العمل والمشقة عليه مع حصول التعب، والتعب ضرر كما هو معلوم. وقول شيخ الإسلام حق لأنه نفى الإعياء وهو العجز عن العمل أو الجهل به أو ببعضه، ولا تستغرب هذا، فإن من امتلأ من خشية الله فنزه الله بالتسبيح وأثنى عليه بالحمد وعظمه بالتكبير، وغذى قلبه بمعاني هذا الذكر الكريم، ورطب لسانه بمروره عليه في وقته المشروع له، فإن الله

стр. 9175

بمنه وكرمه - يمده بعون خاص منه على قضاء حوائجه وشغله بأيسر الأسباب وأسهل الطرق، فلا يعيى ولا يعجز، ولقد ثبت في صحيح البخاري (٧/ ١٣١) ومسند الإمام أحمد (٦/ ٢٥٦) أن العبد إذا تقرب إلى الله بأداء الفرائض وواظب على التقرب إليه بالنوافل، فإن الله يحبه، فإذا أحبه الله أمده بتوفيقه وإعانته، بحيث يكون سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سأل الله أعطاه، وإن استعاذ به أعاذه، فمن كان في معية الله الخاصة يبعد أن يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره، ألا ترى أن الله أخبر عن المعرض عن ذكره بتنغيص حياته وضنك معيشته قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ (١). وكون الإعياء يحصل لبعض الناس، فإنه لا ينفي عدم الحصول للبعض الآخر، وذلك لتخلف سبب من أسبابه أو وجود مانع، مصداق ذلك أن كثيرا من عباد الله يتلفظ بكلمة التوحيد لا إله إلا الله، وتجده يبارز الله بالمعاصي بأقواله وأفعاله واعتقاده، ولو عرف معناها حقا لامتنع عن مخالفتها إذا كان مسلما، أو لامتنع عن قولها إذا كان غير مسلم، كحال المشركين إذا خوطبوا بها وطلب منهم قولها امتنعوا استكبارا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢). فالأعمال الصالحة لها تأثير عجيب في سلوك العبد وتوفيقه للهداية

стр. 9176

وحفظه وإعانته، ولها ثمار دينية ودنيوية فوق ما يتصور بعض الناس مثال ذلك: - المجاهدة في الله تثمر معية الله الخاصة للعبد وهدايته: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). وإقام الصلاة يثمر الانتهاء عن الفحشاء والمنكر، وإقامة ذكر الله أكبر: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ (٢). وتقوى الله والقول السديد يورثان العلم والفرقان وإصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب والفوز العظيم: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ (٣)، ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ (٤)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ (٥) ﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (٦). والاستغفار من الذنوب يثمر إدرار السماء والإمداد بالأموال والبنين والجنات والأنهار: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ (٧) ﴿يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ (٨) ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ (٩). وصلة الرحم تثمر بسط الرزق وتأخير الأجل. يقول الرسول ﷺ : «من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه (١٠)» رواه

стр. 9177

البخاري (٣/ ٧٠) و (٨/ ٦) ومسلم (٨/ ٨). والدعاء يرد القضاء ويزيد في العمر، قال ﷺ : «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر (١)» رواه الترمذي / تحفة الأحوذي (٦/ ٣٤٨) وقال الترمذي: حديث حسن غريب، "وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٦/ ٣٤٨)، وأخرجه ابن حبان والحاكم، وقال: صحيح الإسناد" وغير ذلك مما يفوت الحصر. الحاصل: أنه تبين من هنا معنى الخيرية التي أثبتها الرسول ﷺ لهذا الذكر وهو إمداد الله وإعانته لمن حافظ على هذا الذكر بالعلم والبصيرة والتوفيق والنصر، وما في معنى ذلك على شئون حياته فلا يأخذه إعياء فيما يعانيه من شغل وغيره، ولا ريب أنه خير من خادم والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين ومن سلك طريقه إلى يوم الدين.

стр. 9178

الوحدة الإسلامية أسسها ووسائل تحقيقها للدكتور / أحمد بن سعد الغامدي (١) قال تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم﴾ (٢) (آية ١٦٣ سورة البقرة). ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُون﴾ (٣) (آية ٢٢ - سورة المؤمنون).

стр. 9179

"المقدمة " الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين. . وبعد: فإن إحساس الأمة المسلمة بحاجتها إلى اللقاء والتعاون إحساس منطقي وواقعي. . وذلك لأنها قد أضرت بها الخلافات. . وأنهكتها النزاعات التي كانت سببا لضعفها وضياع حقوقها في عصر لم يعد يسمع فيه صوت الضعفاء ولا أنين الجرحى. قال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (١). فارتفاع الأصوات المسلمة هنا وهناك تنادي بضرورة وحدة الأمة واجتماع كلمتها - أصوات صادقة ينبغي أن تتجاوب لها الأقطار الإسلامية لتنقذ نفسها وتحمي حقها. قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (٢). ولكنه لا بد للأمة المسلمة - وهي تلم شعثها وتوحد صفوفها - لا بد لها من إدراك صحيح للأسباب التي كانت وراء هذا الواقع السيئ الذي تعيشه والأسس التي ينبغي أن تلتقي عليها، والوسائل التي يمكن أن تتحقق بها تلك الأسس، وذلك لئلا تنتقل من واقع منحرف إلى واقع آخر منحرف.

стр. 9180

وإنني إذ أكتب هذا البحث لآمل أن ينفع الله به الأمة المسلمة وهي تتجه إلى الله وتعمل على توحيد كلمتها إنه سميع مجيب. وعنوان البحث: (الوحدة الإسلامية: أسسها ووسائل تحقيقها). وقد تضمن أربعة أقسام وخاتمة، وذلك على النحو التالي: القسم الأول: واقع الأمة الإسلامية: أولا: في العقيدة. ثانيا: في العبادة. ثالثا: في الشريعة. القسم الثاني: أسباب هذا الواقع: أولا: الجهل بدين الله . ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين. ثالثا: الغزو الفكري. القسم الثالث: أسس وحدة الأمة الإسلامية: أولا: وحدة الغاية. ثانيا: وحدة العقيدة. ثالثا: وحدة القيادة. رابعا: وحدة التشريع. القسم الرابع: وسائل تحقيق أسس الوحدة: أولا: التعليم الموجه. ثانيا: الإعلام الملتزم. ثالثا: الاقتصاد المستقل.

стр. 9181

رابعا: العمل على الاكتفاء الذاتي. خامسا: إيجاد مراكز علمية. الخاتمة: وأخيرا أسأل الله أن يهيئ أسباب وحدة الأمة وأن يجمع كلمتها على الله إنه سميع مجيب.

стр. 9182

(القسم الأول) "واقع الأمة الإسلامية " أولا: في العقيدة: أ- انحرافات إلحادية . ب- انحرافات في الجانب النظري - العلمي - من العقيدة. ج- انحرافات طائفية قديمة. د- انحرافات طائفية حديثة. ثانيا: في العبادة: أ- الغلو المفرط في أدائها. ب- الإهمال المطلق لها. ج- عدم الالتزام بالأداء الصحيح لها. ثالثا: في الشريعة: أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها. ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية.

стр. 9183

(القسم الأول) "واقع الأمة الإسلامية " واقع الأمة الإسلامية واقع مكشوف لا يكاد يجهله أحد، فقد تعرض لأمراض متعددة وانحرافات متنوعة بحيث لا يكاد يسلم جانب من جوانبه - لا في العقيدة، ولا في العبادة، ولا في الشريعة. وسأحاول فيما يأتي الإشارة إلى هذا الواقع بشيء من الإيجاز. أولا: في العقيدة: إن أخطر الانحرافات التي تعرضت لها الأمة المسلمة هي الانحرافات في العقيدة ولا نستطيع هنا استيعابها وتفصيلها، ولكننا سنكتفي هنا بالتنبيه على بعضها. أ- انحرافات إلحادية: هدف أصحابها استبدال المبادئ الكافرة بعقيدة الإسلام، وهم طوائف متعددة ويسلكون طرقا متنوعة. يقول الأستاذ مصطفى صبري: (ومن البلية أن الحركات التي تثار في الأزمنة الأخيرة ترمي إلى محاربة الإسلام في بلاده بأيدي أهله والتي لا شك أنه الكفر وأخبث أفانين الكفر. . .) (١). ويقول في مكان آخر: (لكن البلاد الإسلامية عامة ومصر خاصة

стр. 9184

مباءة اليوم لفئة تملكوا أزمة النشر والتأليف ينفثون من أقلامهم سموم الإلحاد غير مجاهرين بها وربما يتظاهرون بالدين) (١). ويقول الدكتور محمد محمد حسين بعد عرضه للدعوات الهدامة: (كانت هذه الدعوات تسلك إلى أهدافها مسالك متباينة وتلبس أثوابا مختلفة ولكنها جميعا ترمي في آخر الأمر إلى توهين أثر الإسلام في النفوس وتفتيت وحدته التي استعصت على القرون الطوال) (٢).

стр. 9185

ب- انحرافات في الجانب النظري - العلمي من العقيدة: وذلك فيما يتعلق بأسماء الله وصفاته وأفعاله. فقد وجدت الاتجاهات المنحرفة التي تتنكر لهذا الجانب أو لبعضه، فأولت الآيات القرآنية والأحاديث المتواترة وردت الأحاديث الأخرى والتي تعرف الناس بربهم . وكان أول من أظهر هذه البدعة الضالة - بدعة الحديث في أسماء الله وصفاته وتأويلها - الجعد بن درهم، فأول الاستواء والكلام لله (١) وتبعه على ذلك المعتزلة الذين أصبحوا فيما بعد فرقة مستقلة في منهجها وفهمها تقابل أهل السنة. قال الشهرستاني: (الفريقان من المعتزلة والصفاتية متقابلان تقابل تضاد) (٢). وقد أتى القوم من ضلال عقولهم القاصرة وظنهم أن إثبات تلك الصفات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ يقتضي التشبيه بالمخلوق.

стр. 9186

وينتج عن هذا المذهب أن القرآن الكريم والسنة النبوية لم يستطيعا بيان مراد الله من خلقه من أقرب الطرق. فتعددت بذلك الفرق، وانقسم المسلمون إلى متابع لهذه الطائفة ومخالف لها، وحدثت في تاريخ الأمة الإسلامية بسببها حوادث ومشكلات، ولا زالت آثار هذه الطائفة قائمة في المجتمع الإسلامي إلى اليوم.

стр. 9187

ج- انحرافات طائفية قديمة: لا زالت قوية ونشطة رغم انحرافها وفساد معتقداتها. ومن تلك الطوائف: (طائفتا الشيعة والصوفية). فالأولى تقوم على عقيدة تخالف عقيدة الإسلام التي جاء بها رسول الله ﷺ . فمن ذلك إسباغ صفات الألوهية على أئمتهم وادعاؤهم أنهم يعلمون الغيب وأنهم يتلقون الوحي من السماء، وفي كلا الأمرين إساءة إلى الله وتكذيب لدينه. وأخيرا فإنهم يتهمون أصحاب رسول الله ﷺ بالخيانة والردة عن الإسلام، وهذا يؤدي إلى إبطال الإسلام. فأما ادعاؤهم علم الغيب لأئمتهم فقد ورد في أهم مصادرهم بألفاظ صريحة في أبواب مستقلة. فقد ورد في كتاب: (أصول الكافي) - وهو أهم كتاب عندهم - عناوين تؤكد ذلك.

стр. 9188

منها: (باب إن الأئمة يعلمون متى يموتون وأنهم لا يموتون إلا باختيارهم) (١). ومنها: (باب إن الأئمة إذا شاءوا أن يعلموا علموا) (٢). ومنها: (باب إن الأئمة ﵈ يعلمون ما كان وما يكون، وأنه لا يخفى عليهم الشيء) (٣). وأما ادعاء نزول الوحي على الأئمة فيذكرون عن جعفر الصادق أنه قال وهو يتحدث عن مصادر علم الأئمة -: (وأما النقر في الأسماع فأمر الملك) (٤) أي صوت الملك. فعلم الغيب لا يظهر الله عليه إلا أنبياءه ورسله كما جاء ذلك في كتاب الله حيث يقول: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ (٥) ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا﴾ (٦). ولذلك فإن الشيعة تعتقد أن الأئمة يأتيهم خبر السماء كما روى ذلك الكليني مؤلف أصول الكافي فقال: (إن المفضل سأل أبا عبد الله - أي جعفر الصادق - بقوله: جعلت فداك، يفرض الله طاعة عبد على العباد ويحجب عنه خبر السماء؟ قال: لا، الله أكرم وأرحم وأرأف بعباده من أن يفرض طاعة عبد

стр. 9189

على العباد ثم يحجب عنه خبر السماء صباحا ومساء) (١) ويعلق الشارح على هذا القول: (ولذلك الإمامية ذهبوا إلى أن الإمامة لا تصلح إلا لمن له منزلة النبوة) (٢). هذه بعض عقائدهم المنحرفة والتي تجعل لهم اتجاها آخر ودينا يخالف دين المسلمين. وأما الصوفية فقد ابتدعت تقديس الأفرد ورفع التكاليف عن بعض الناس كما أعادت إلى الأذهان تلك الطقوس الكنسية التي أفسدت الدين النصراني حيث اتخذت من البشر وسائط عند الله بها تقضى الحاجات وتغفر الزلات إلى عشرات أخرى من الانحرافات. فأما دعوة سقوط التكاليف فإنهم يزعمون أن للإنسان درجة إذا وصل إليها سقط عنه التكليف. قال ابن تيمية ﵀: (ومن هؤلاء - أي الصوفية - من يحتج بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٣) ويقول معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة) (٤). ويقول عنهم كذلك: والغالبية في المشايخ قد يقولون: إن الولي محفوظ، والنبي معصوم، وكثير منهم إن لم يقل ذلك بلسانه فحاله حال من يرى أن الشيخ أو الولي لا يخطئ ولا يذنب) (٥).

стр. 9190

ويقول الدكتور إبراهيم هلال وهو يتحدث عن نتائج غلو الشيعة والصوفية في ذكر فضائل الأولياء: (ولعل أبرز مظاهر هذا التفضيل ما يدعيه بعض الصوفية من حلول الله فيهم أو اتحادهم به مما يتضمن القول بألوهيتهم وتصرفهم في الأكوان وفي الناس) (١). ولعل هذا هو السبب وراء التقديس وصرف العبادة إلى الأولياء المتمثل في بناء القباب على قبورهم والطواف حولها ودعاء أصحابها والذبح والنذر لهم إلى غير ذلك من صور العبادات التي لا يكاد يسلم منها بلد من بلدان المسلمين إلا من رحم الله . وقد كان هذا الانحراف في الفكر الصوفي من الأسباب المباشرة لظهور الشرك في الأمة بتقديس الأموات وطلب الحاجات منهم واتخاذ قبورهم مزارات وأماكن عبادة فزاحم تعظيم الأموات توحيد الله في القلوب، فكثرت الأضرحة وتعددت الفرق والأحزاب لكل حزب ضريح به يستغيثون وعنده ينيخون وإليه عند نزول الحوادث يلجئون.

стр. 9191

د- انحرافات طائفية حديثة: تتمثل في طوائف مستقلة - كالبهائية والقاديانية - ونحوها من الطوائف التي خرجت على عقيدة الإسلام بدعوى النبوة لزعمائها ونزول الوحي عليهم وهي تتستر في كثير من البلدان باسم الإسلام وهي خارجة عليه لمخالفته لعقيدة: (ختم النبوة) التي هي جزء من عقيدته. فإن زعيم البهائية: (حسين بن علي المازندراني) يزعم أنه نزل عليه الوحي وجمعه في كتاب سماه: (الأقدس) (١) وقد ورد في هذا الكتاب

стр. 9192

ما يلي: (لا تحسبن أنا أنزلنا لكم الأحكام بل فتحنا ختم الرحيق المختوم بأصابع القدرة والاقتدار يشهد بذلك ما نزل من قلم الوحي تفكروا يا أولي الأفكار) (١) فهو يزعم بهذا أنه قد فتح باب النبوة وفض ختمها ليوحي إلى البهاء، وهو ما صرح به في كتاب آخر من كتبه حيث ذكر أنه: (فك ختم النبيين) (٢). وكذلك زعيم القاديانية: (غلام أحمد بن غلام مرتضى) له كتاب اسمه: (تذكرة وحي مقدس) (٣) يزعم أنه أوحي به إليه وقد كتب بأربع لغات وهي: العربية، الفارسية، والأردية، والإنجليزية. وقد ورد فيه ما يلي: (إنا أرسلنا أحمد إلى قومه فأعرضوا وقالوا: كذاب أشر) (٤) و (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق وتهذيب الأخلاق) (٥). وليست هاتان الطائفتان هما الوحيدتان في ادعاء نزول الوحي، بل هناك طوائف أخرى وأشخاص آخرون ادعوا نزول الوحي كزعيم البلاليين: (اليجا محمد علي) في أمريكا وغيره.

стр. 9193

ثانيا في العبادة: لقد تعرضت العبادات إلى انحرافات أخرى متعددة نورد طرفا منها: أ- الغلو المفرط في أدائها: والذي كان يتمثل فيما سبق في طائفتي الخوارج والصوفية حيث

стр. 9194

كان لكل منهما غلو مفرط في جانب أو جوانب منها. فالخوارج شددوا على أنفسهم وحملوها فوق طاقتها من قيام بالليل وصيام بالنهار حتى ظهر ذلك على ملامح وجوههم ومظاهر أجسادهم. وقد وصفهم ابن عباس بعد زيارة لهم فقال: فدخلت على قوم لم أر قط أشد منهم اجتهادا، جباههم قرحة من السجود، وأياديهم كأنها ثفن (١) وعليهم قمص مرحضة (٢) مشمرين مسهمة (٣) وجوههم من السهر. .) (٤). وقد أشار النبي ﷺ إلى هذه الطائفة بقوله: «يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم ولا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية (٥)». . . رواه مسلم وأبو داود (٦). وأما الصوفية فقد بالغوا في الذكر والزهد وعاشوا في ظلمات الخلوات للوصول إلى (درجة اليقين) التي تسقط عندها عنهم كل التكاليف الشرعية - بزعمهم - (٧). وقد أنكر ابن عقيل ﵀ عليهم هذه الأهواء والبدع فقال: (ما أعجب أموركم في التدين: إما أهواء متبعة أو رهبانية مبتدعة) (٨).

стр. 9195

ب- الإهمال المطلق للعبادات والاكتفاء بالتلفظ بالشهادتين: وهذا الانحراف كان من ثمرات الإرجاء الذي لا يعطي للعمل اهتماما إذ إن الإيمان يثبت عند المرجئة بالقول فقط - عند بعضهم - وبالاعتقاد عند البعض الآخر. وكان جهم بن صفوان هو أول من زعم أن: (الإيمان هو المعرفة بالله تعالى فقط، والكفر هو الجهل به فقط) (١). وذكر البغدادي أن المرجئة: (إنما سموا مرجئة لأنهم أخروا العمل عن الإيمان) (٢). ج- عدم التزام كثير من المسلمين بالأداء الصحيح للعبادات: فترى أحدهم يؤدي هذه العبادات ولا يلتزم فيها بشروطها وواجباتها وأوقاتها.

стр. 9196

ثالثا: في الشريعة: لم تقتصر الانحرافات على الجانبين السابقين بل شملت - كذلك - حتى جانب الشريعة حيث تعرضت في الآونة الأخيرة التي تمزقت فيها الأمة وتحطمت فيها الخلافة الإسلامية، تعرضت إلى انحراف وفساد، بل إلى حرب وعداء في كثير من البلدان الإسلامية نعرض طرفا منه: أ- محاربة الشريعة واستبدال القوانين الوضعية بها: وهذا من آثار الاستعمار العسكري والفكري الذي فرق الأمة وأفسد عقليتها بحضارته وصناعته وكفره وجحوده. . فوجد في المسلمين

стр. 9197

من يتحمس لقوانينه وفكره ويدعوا إلى تطبيقها ومتابعتها. وقد حظيت هذه الفئة بعناية الاستعمار ورعايته وسلم له زمام المجتمعات التي كان يسيطر عليها فخلفها فيها وقام على تطبيقها وتنفيذها بكل دقة. ولعل الشروط التي فرضتها دول الاستعمار على مصطفى كمال أتاتورك تبين المخطط الاستعماري لحرب الإسلام ومحاولة فصل الأمة عنه. يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: (وهذه هي الشروط الأربعة المشئومة التي فرضتها دول الاستعمار على تركيا: ١ - إلغاء الخلافة الإسلامية نهائيا من تركيا. ٢ - أن تقطع تركيا كل صلة مع الإسلام. ٣ - أن تضمن تركيا تجميد وشل حركة جميع العناصر الإسلامية الباقية في تركيا. ٤ - أن يستبدلوا الدستور العثماني القائم على الإسلام بدستور مدني بحت. فقبل مصطفى كمال هذه الشروط ونفذها بحذافيرها فتركته دول الاستعمار) (١). ب- محاولة التوفيق بين الشريعة الإسلامية والأنظمة الوضعية: فيؤخذ من الشريعة ما يتعلق بالأمور الشخصية وتكمل بقية الجوانب من القوانين الوضعية.

стр. 9198

وقد ذكر الأستاذ محمد الخضر الحسين عن أسلوب دعاة هذا المبدأ فقال: (فاخترع هؤلاء طريقا حسبوه أقرب إلى نجاحهم وهو: أن يدعوا أن الإسلام: توحيد وعبادات ويجحدوا أن يكون في حقائقه ما له مدخل في القضاء والسياسة، وجمعوا على هذا ما استطاعوا من الشبه لعلهم يجدون في الناس جهالة أو غباوة فيتم لهم ما بيتوا) (١). ويقول الأستاذ مصطفى صبري عن هذه المحاولة والتي تعني فصل الدين عن الحكم والسياسة: (لكن حقيقة الأمر أن هذا الفصل مؤامرة بالدين للقضاء عليه وقد كان في كل بدعة أحدثها العصريون المتفرنجون في البلاد الإسلامية كيد للدين ومحاولة الخروج عليه لكن كيدهم في فصله عن السياسة أدهى وأشد من كل كيد في غيره فهو ثورة حكومية على دين الشعب) (٢). هذا عرض موجز لواقع المسلمين الذي قد أصيب في كل جانب من جوانبه مما كان له أسوأ الأثر على وحدة الأمة واجتماع كلمتها. . فقد أصيبت الأمة في عقائدها. . وعباداتها. . وشريعتها. . وما لم يصحح هذا الواقع على ضوء التوجيهات الواردة في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ فلن تقوم للأمة قائمة ولن تجتمع لها كلمة.

стр. 9199

(القسم الثاني) "أسباب هذا الواقع " لقد كانت هناك أسباب متعددة وراء ذلك الواقع نذكر أهمها: أولا: جهل الأمة بدينها: فقد انتشر الجهل في الأمة قيادات وشعوبا حتى أصبح كثير منهم لا يعرف من دينه إلا اسمه، فلا يعرف أحكامه وعقائده، ولا أخلاقه وآدابه، فسهل على أعداء الله أن ينشروا ضلالهم، وأن يبثوا سمومهم، بل وسهل عليهم أن يصنعوا لهم عملاء من أبناء المسلمين يحاربون عقيدة المسلمين وينشرون الضلال في صفوفهم. قال الأستاذ محمد كرد علي: (أصبح الناس بعد المائة السادسة تفتر هممهم شيئا فشيئا في طلب العلم، ورغبوا عن الافتتان بفنونه، وحصروا نطاقه، وعفوا بعض معالمه، فأصبحت مجاهل وكثرت البدع، وكثر الدعاة إليها والتعويل عليها) (١). ويذكر الأستاذ الندوي وهو يتحدث عن الجهل الذي أصاب تركيا (أنه لم يكن الجمود العلمي والكلال الفكري مقتصرين على تركيا وأوساطها العلمية والدينية فحسب، بل كان العالم الإسلامي من شرقه إلى غربه مصابا بالجدب العلمي وشبه شلل فكري قد أخذه الإعياء والفتور واستولى عليه النعاس) (٢).

стр. 9200

ثانيا: الغزو العسكري لبلدان المسلمين: كانت الأمة الإسلامية أمة واحدة تستظل براية واحدة، وتخضع لقيادة واحدة، فكانت ذات شوكة ومنعة، ثم لم تلبث أن سرت فيها أمراض فتاكة خلخلت بناءها وأفسدت أبناءها فضعفت قوتها وذلت عزتها، فسهل على أعدائها القضاء عليها وتمزيقها إلى دويلات وإمارات استولت على كثير منها فترات طويلة استطاعت فيها أن تفسد عقائدها وأخلاقها وتغير ولاءها. يقول برنارد لويس: (وفي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعدلت وتغيرت الولاءات التي كانت قائمة للخلافة الإسلامية القديمة والتي كانت تحكم العرب والعجم والترك، وحلت محلها أفكار ممزقة مبعثرة وأوروبية، هي مزيج من الوطنية والقومية ونظريات خيالية عن الوطن والقوم، حجبت الحقائق القديمة الواقعية في الدولة والعقيدة) (١). فأصبحت بعد ذلك الأمة الواحدة أمما مختلفة ومجتمعات متعددة لكل منها شعاره ومذهبه فتمزقت وحدة الأمة وتعددت ولاءاتها بحسب شعاراتها ومذاهبها. وكان هذا كله بسبب الغزو العسكري الذي احتل بلاد المسلمين فترات متفاوتة ركز خلالها على إفساد عقيدة الأمة وأخلاقها وقسمها بعد ذلك إلى دول ومناطق أقام لكل واحدة منها حاكما مستقلا.

стр. 9201

ثالثا: الغزو الفكري: لم يكتف الاستعمار بتحطيم الخلافة الإسلامية وتفريق الأمة إلى دول وشعوب. . ونهبوا خيراتها وشتتوا ولاءاتها. . بل أضافوا إلى ذلك غزوا

стр. 9202

للعقول والقلوب بشعارات ومبادئ جديدة تفسد العقول وتخرب القلوب ليبقى لهم السيطرة والنفوذ ما دامت هذه الشعارات والمبادئ تحكم هذه البلاد. وقد ذكر الأستاذ محمد محمود الصواف عن وسائل الاستعمار في غزو المسلمين والجبهات التي تشترك في ذلك الغزو، وأكد أن جميع تلك الجبهات تعمل: (سرا وجهرا لأهداف الاستعمار التي يرمي من ورائها إلى إيقاف الوعي الإسلامي وصد المسلمين عن دينهم إبقاء لسيطرته ونفوذه في بلاد المسلمين، وليتمتع هو وجنوده الأبالسة في خيرات بلاد المسلمين ويسعون في سرقة ثرواتهم والسيطرة عليهم فكريا وسياسا واقتصاديا. لذا أخذ المستعمرون يبذلون كل الجهود لإشاعة الفساد في المجتمع الإسلامي العظيم وزرع الشكوك في العقول الإسلامية وقتل الطموح في نفوس المسلمين وبث الفرقة والشقاق في الصف الإسلامي حتى تعاونت جميع أجهزة الاستعمار من دعائية وسياسية وفكرية واقتصادية لتحقيق أهداف الاستعمار) (١). وقد شارك اليهود الاستعمار الصليبي في تصدير الأفكار والمذاهب المنحرفة إلى بلاد المسلمين. . بل لعل اليهود أكثر حماسا وحقدا على الإسلام، والتاريخ يؤكد هذه الحقيقة حيث كان اليهود هم أول من وقف في وجه الإسلام وحاولوا القضاء عليه، ولكن الله رد كيدهم في نحورهم وحفظ دينه وأعلى كلمته. فعبد الله بن سبأ " يهودي " أظهر الإسلام لإفساد الإسلام ودعاة

стр. 9203

الإلحاد وزعماؤه اليوم "يهود " أرادوا إفساد العالم: كارل ماركس الشيوعي "يهودي" (١). وفرويد "يهودي" (٢). ودوركايم "يهودي" (٣). وهؤلاء هم زعماء المذاهب المنحرفة في الاقتصاد والأخلاق والاجتماع وقد أثرت مذاهبهم في المجتمعات البشرية عموما وفي المجتمعات الإسلامية على وجه الخصوص. يقول الأستاذ أنور الجندي: (ولا ريب أن اليهودية العالمية هي التي أثارت في العالم الإسلامي تمزيق وحدة العروبة والإسلام للحيلولة دون الوحدة وعملا على تعميق التجزئة الإقليمية. ولما كانت وحدة العرب والمسلمين لها جذورها الضخمة البعيدة المدى في الفكر الإسلامي وفي القرآن نفسه، فقد طرحت عشرات المذاهب والقضايا والدعوات والأنظمة والنماذج التي طرحت في أوروبا لإفساد المفهوم الإسلامي الجامع للعرب والإسلام (٤). ويعترف اليهود بذلك في (بروتوكولاتهم) حيث يقول البرتوكول التاسع: (ولقد خدعنا الجيل الناشئ من الأميين وجعلناه فاسدا متعفنا بما علمناه من مبادئ ونظريات معروف لدينا زيفها) (٥).

стр. 9204

وكان من جراء هذا الغزو المشترك أن ظهرت في بلاد المسلمين اتجاهات منحرفة تتبنى تلك العقائد الضالة وتحاول نشرها في المجتمعات الإسلامية، ولعل الصورة التي يعرضها اللورد كرومر للجيل المصري الجديد -كما تصورها هو- تنطبق إلى حد ما على مجموعات من أبناء المسلمين الذين أثر فيهم الغزو الفكري الغربي. يقول: (إن المجتمع المصري في مرحلة الانتقال والتطور السريع وكان من نتيجته الطبيعية أن وجدت جماعة من أفرادهم "مسلمون " ولكنهم متجردون عن العقيدة الإسلامية والخصائص الإسلامية، وإن كانوا "غربيين" فإنهم لا يحملون القوة المعنوية والثقة بأنفسهم، وأن المصري الذي خضع للتأثير الغربي فإنه وإن كان يحمل الاسم الإسلامي، لكنه في الحقيقة ملحد وارتيابي، والفجوة بينه وبين عالم أزهري لا تقل عن الفجوة بين عالم أزهري وبين عالم أوروبي) (١). هذه هي ثمار الغزو الفكري في بلاد المسلمين.

стр. 9205

(القسم الثالث) " أسس الوحدة الإسلامية " إن الأمة الإسلامية تملك أسسا مشتركة تستطيع بها أن تجمع شتاتها وتوحد كلمتها. . فهي أمة واحدة. . ذات دين واحد. . وكتاب واحد. . ورسول واحد. . وهذه هي الأصول والأسس التي تشترك فيها الأمة الإسلامية. فإذا ما أدركت جيدا والتزمت بمقتضياتها فإن ذلك يجعل منها أمة واحدة تلتقي على: أولا: وحدة الغاية . ثانيا: وحدة العقيدة. ثالثا: وحدة القيادة. رابعا: وحدة التشريع. وبهذا تصبح الشعوب الإسلامية " أمة واحدة " تذوب فيها جميع الأجناس والتجمعات شعارها: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ (١). فتحقق للأمة الإسلامية عزتها وقوتها المنشودة. وفيما يلي نبين بإيجاز تلك الأسس: أولا: وحدة الغاية: إن لهذا الإنسان الذي يعيش على ظهر هذه الأرض "غاية" يؤديها أثناء وجوده، إذا عرفها وتمثلها في حياته سعد في دنياه وآخرته، وإذا جهلها

стр. 9206

أو أعرض عنها فإنه يشقى في الدنيا والآخرة. هذه الغاية حددها الله بنفسه وبينها في كتبه. . من أجلها خلق الإنسان. . ألا وهي: "عبادة الله " كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١). والمسلمون ولله الحمد يدركون هذه الغاية ويعرفونها، ولكنهم فرطوا في القيام بها والعمل بمقتضاها مما كان له أسوأ الأثر في حياتهم. فلا بد من العودة الصادقة إلى تحقيق هذه الغاية والالتزام بمقتضياتها ليحقق المسلمون لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة. السعادة في الدنيا باجتماع الكلمة ووحدة الأمة وطمأنينة النفس واستقامة الحياة، وهي آمال يحلم بها جميع شعوب العالم، ولكنهم لم يهتدوا إلى أسبابها ووسائلها. ولكن تعدد الغايات وتنوعها يفتت الأمة ويشتت كلمتها ويجعل كل فئة من الأمة لها غاية تخالف غاية الفئة الأخرى تسعى لتحقيقها والوصول إليها. فغاية اقتصادية. . وغاية سياسية. . وغاية شهوانية. . وهكذا غايات متعددة تنتهي بهم إلى فئات متصارعة وسبل متفرقة. قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).

стр. 9207

ثانيا: وحدة العقيدة: إن التفرق الذي ابتليت به الأمة في عقيدتها - كما رأينا طرفا منه في أول البحث - لا يمكن أن يكون معه اجتماع للأمة ولا تعاون ولذلك فإنه لا بد أولا من علاج لذلك التفرق برد الملحدين إلى الله وتصحيح عقائد المنحرفين لتتوحد القلوب وتتألف النفوس. فأما الذين ابتلوا بمرض الإلحاد فقد كان ذلك في غيبة من الوعي الإسلامي في وقت الانبهار بالحضارة الغربية التي تمردت على الدين بل حملت لواء الحرب ضده. والآن وقد بدأ المسلمون يدركون حقيقة الحضارة الغربية وما تحمله من سلبيات وثمرات فاسدة. . بدأ الوعي يدب في صفوفهم ويدركون قيمة هذا الدين وأنه لا سعادة للإنسان في هذه الحياة بدون أن يلتزم بعقيدته وتوجيهاته. يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: (وفي يقيني أن الزمن الذي كان يسمى فيه الإسلام "رجعية " و "تزمتا " قد مضى وانقضى حيث تعرى خصوم الإسلام وانكشفوا وظهر زيف دعواتهم الباطلة من قومية واشتراكية وحزبية قاتلة وغيرها من فتن هذا العصر المضللة، ورأى الناس خيبتها وخسرانها وتضييعها للأوطان وتدميرها وعبثها بحقوق الإنسان، ورأوا عن كثب ويلاتها على العرب الذين ابتلوا بها، بل ويلاتها على الجنس البشري في جميع أنحاء الأرض ومن دعاتها من رأى ذلك بأم عينه، ولكنه معاند مكابر لا يعترف بإخفاقه ولا يريد الخضوع أمام غيره. ولم يعد الإسلام " رجعية " كما كانوا يسمونه وتسميه إذاعاتهم بأصواتها المنكرة المبحوحة. . بل عاد الإسلام والناس يتلمسونه في الميدان

стр. 9208

ويسألون عنه في كل مكان، ونادى به اليوم من لم يكن يعرفه بالأمس ولم يعرف عنه النداء باسمه من قبل، وامتلأت المساجد بالوافدين الجدد وآب الكثيرون إلى الله سبحانه يسألونه العز والنصر والفرج القريب لهذه الأمة المنكوبة برجالها وشبابها وقادتها في هذا الجيل المخفق الخاسر الذي هو جيل الهزيمة المنكرة. . فإذا كثر سواد الصالحين وزاد عدد المؤمنين فبشر الأمة بالنصر المبين (١). فالوعي الديني استيقظ في الأمة وهو في حاجة إلى من يوجهه وجهة صحيحة ليكون أساسا واحدا لجمع كلمة الأمة ويقضي على المذاهب المنحرفة والعقائد الضالة المتسللة إلى مجتمعات المسلمين. وأما الإنحرافات الأخرى التي طرأت على عقائد المسلمين سواء في التوحيد العملي أو في التوحيد العلمي فإن ذلك يستدعي جهودا مخلصة وأقلاما صادقة تعالج تلك الانحرافات بحكمة وموعظة حسنة إذ أن أصحابها أو كثير منهم لم يتعمد الانحراف ولا يرضى به لو كشف له، لذلك فإن مخاطبتهم يجب أن تكون بأسلوب لين وبجدال حسن. فإذا قدر للأمة أن تجتمع في عقيدتها فإن ذلك سيفسح المجال للاجتماع والوحدة الإسلامية.

стр. 9209

ثالثا: وحدة القيادة: للمسلمين قيادة واحدة على مدار الزمن واختلاف المكان وتعدد المذاهب. . وكل قيادة سواها إنما تستمد شرعيتها من متابعتها لهذه القيادة والالتزام بمنهجها والسير على طريقها.

стр. 9210

هذه حقيقة يقوى وضوحها في أذهان المسلمين كلما صفت العقيدة وقوي الإيمان. وهي حقيقة قررها الله في كتابه وأكدها في مواطن كثيرة لئلا تغفل عنها الأمة الإسلامية. قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١). وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣). وهكذا تكرر التأكيد على هذه الحقيقة في عشرات المواضع من القرآن الكريم. فإذا ما اتضحت هذه الحقيقة وتقررت في أذهان المسلمين فإنه يمكن أن تتحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم. فالرسول ﷺ هو " القائد "، والجميع أتباع له وأنصار به يتأسون ولحكمه يخضعون وإلى سنته يتحاكمون. . هذا أصل لا يمكن أن تتوحد الأمة بدون إدراكه والالتزام به. . وهذا ما يقتضيه الإيمان بالله
следующие страницы →