أو أعرض عنها فإنه يشقى في الدنيا والآخرة.
هذه الغاية حددها الله بنفسه وبينها في كتبه. . من أجلها خلق الإنسان. . ألا وهي: "عبادة الله " كما قال : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
والمسلمون ولله الحمد يدركون هذه الغاية ويعرفونها، ولكنهم فرطوا في القيام بها والعمل بمقتضاها مما كان له أسوأ الأثر في حياتهم.
فلا بد من العودة الصادقة إلى تحقيق هذه الغاية والالتزام بمقتضياتها ليحقق المسلمون لأنفسهم السعادة في الدنيا والآخرة.
السعادة في الدنيا باجتماع الكلمة ووحدة الأمة وطمأنينة النفس واستقامة الحياة، وهي آمال يحلم بها جميع شعوب العالم، ولكنهم لم يهتدوا إلى أسبابها ووسائلها.
ولكن تعدد الغايات وتنوعها يفتت الأمة ويشتت كلمتها ويجعل كل فئة من الأمة لها غاية تخالف غاية الفئة الأخرى تسعى لتحقيقها والوصول إليها.
فغاية اقتصادية. . وغاية سياسية. . وغاية شهوانية. . وهكذا غايات متعددة تنتهي بهم إلى فئات متصارعة وسبل متفرقة.
قال : ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢).
стр. 9207
ثانيا: وحدة العقيدة:
إن التفرق الذي ابتليت به الأمة في عقيدتها - كما رأينا طرفا منه في أول البحث - لا يمكن أن يكون معه اجتماع للأمة ولا تعاون ولذلك فإنه لا بد أولا من علاج لذلك التفرق برد الملحدين إلى الله وتصحيح عقائد المنحرفين لتتوحد القلوب وتتألف النفوس.
فأما الذين ابتلوا بمرض الإلحاد فقد كان ذلك في غيبة من الوعي الإسلامي في وقت الانبهار بالحضارة الغربية التي تمردت على الدين بل حملت لواء الحرب ضده.
والآن وقد بدأ المسلمون يدركون حقيقة الحضارة الغربية وما تحمله من سلبيات وثمرات فاسدة. . بدأ الوعي يدب في صفوفهم ويدركون قيمة هذا الدين وأنه لا سعادة للإنسان في هذه الحياة بدون أن يلتزم بعقيدته وتوجيهاته.
يقول الأستاذ محمد محمود الصواف: (وفي يقيني أن الزمن الذي كان يسمى فيه الإسلام "رجعية " و "تزمتا " قد مضى وانقضى حيث تعرى خصوم الإسلام وانكشفوا وظهر زيف دعواتهم الباطلة من قومية واشتراكية وحزبية قاتلة وغيرها من فتن هذا العصر المضللة، ورأى الناس خيبتها وخسرانها وتضييعها للأوطان وتدميرها وعبثها بحقوق الإنسان، ورأوا عن كثب ويلاتها على العرب الذين ابتلوا بها، بل ويلاتها على الجنس البشري في جميع أنحاء الأرض ومن دعاتها من رأى ذلك بأم عينه، ولكنه معاند مكابر لا يعترف بإخفاقه ولا يريد الخضوع أمام غيره.
ولم يعد الإسلام " رجعية " كما كانوا يسمونه وتسميه إذاعاتهم بأصواتها المنكرة المبحوحة. . بل عاد الإسلام والناس يتلمسونه في الميدان
стр. 9208
ويسألون عنه في كل مكان، ونادى به اليوم من لم يكن يعرفه بالأمس ولم يعرف عنه النداء باسمه من قبل، وامتلأت المساجد بالوافدين الجدد وآب الكثيرون إلى الله سبحانه يسألونه العز والنصر والفرج القريب لهذه الأمة المنكوبة برجالها وشبابها وقادتها في هذا الجيل المخفق الخاسر الذي هو جيل الهزيمة المنكرة. . فإذا كثر سواد الصالحين وزاد عدد المؤمنين فبشر الأمة بالنصر المبين (١).
فالوعي الديني استيقظ في الأمة وهو في حاجة إلى من يوجهه وجهة صحيحة ليكون أساسا واحدا لجمع كلمة الأمة ويقضي على المذاهب المنحرفة والعقائد الضالة المتسللة إلى مجتمعات المسلمين.
وأما الإنحرافات الأخرى التي طرأت على عقائد المسلمين سواء في التوحيد العملي أو في التوحيد العلمي فإن ذلك يستدعي جهودا مخلصة وأقلاما صادقة تعالج تلك الانحرافات بحكمة وموعظة حسنة إذ أن أصحابها أو كثير منهم لم يتعمد الانحراف ولا يرضى به لو كشف له، لذلك فإن مخاطبتهم يجب أن تكون بأسلوب لين وبجدال حسن.
فإذا قدر للأمة أن تجتمع في عقيدتها فإن ذلك سيفسح المجال للاجتماع والوحدة الإسلامية.
стр. 9209
ثالثا: وحدة القيادة:
للمسلمين قيادة واحدة على مدار الزمن واختلاف المكان وتعدد المذاهب. . وكل قيادة سواها إنما تستمد شرعيتها من متابعتها لهذه القيادة والالتزام بمنهجها والسير على طريقها.
стр. 9210
هذه حقيقة يقوى وضوحها في أذهان المسلمين كلما صفت العقيدة وقوي الإيمان.
وهي حقيقة قررها الله في كتابه وأكدها في مواطن كثيرة لئلا تغفل عنها الأمة الإسلامية.
قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (١).
وقال : ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (٣).
وهكذا تكرر التأكيد على هذه الحقيقة في عشرات المواضع من القرآن الكريم.
فإذا ما اتضحت هذه الحقيقة وتقررت في أذهان المسلمين فإنه يمكن أن تتحد كلمتهم وتجتمع صفوفهم.
فالرسول ﷺ هو " القائد "، والجميع أتباع له وأنصار به يتأسون ولحكمه يخضعون وإلى سنته يتحاكمون. . هذا أصل لا يمكن أن تتوحد الأمة بدون إدراكه والالتزام به. . وهذا ما يقتضيه الإيمان بالله
стр. 9211
وإلا فإن الإيمان يبقى دعوى بدون دليل.
وكل قيادة أخرى تحاول أن تلغي هذه القيادة أو تقلل من شأنها فإنها قيادة خارجة عن الإسلام محاربة له. . بل كل قيادة تتمرد هي في ذات نفسها عن هذه القيادة أو تنحرف عن متابعتها فهي قيادة منحرفة.
стр. 9212
رابعا: وحدة التشريع:
من الأسباب الرئيسية لتمزق الأمة الإسلامية تعدد التشريعات وتنوعها، تلك التشريعات التي لا صلة لها بها ولا علاقة لها بدينها، بل هي مضادة لدينها محاربة لعقيدتها. . فوقعت الفجوة بين التشريعات والواقع. . وبين القيادات والشعوب. . بل بين القيادات أنفسها. . فانعكست تلك الخلافات على الأمة الإسلامية.
وما لم يوحد التشريع الذي يحكم الأمة فيكون تشريعا مستمدا من دينها القويم فإن كل محاولة لوحدة الأمة أو لجمع شتاتها فإنها محاولة فاشلة.
فإنه ليس هناك مكان لتشريعات أخرى في المجتمع الإسلامي، وليس لأحد من البشر حق وضع تشريع يحكم الحياة في المجتمع الإسلامي، فالحق لله وحده وليس لأحد من خلقه أن يتلقى تشريعاته من غيره سبحانه.
قال : ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ (١).
стр. 9213
فالنفس البشرية ذات طبيعة معقدة ومعرفة ضوابط إصلاحها أو أسباب فسادها أمر لا يعلمه إلا الله وقد اعترف علماء الغرب بذلك وأكدوا أن العلوم البشرية لم تستطع أن تبين حقيقة الإنسان.
وأشهر من أعلن هذه الحقيقة هو الطبيب الفرنسي: (الكسيس كاريل) حيث يقول: (فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف وإن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب) (١).
فإذا كانت معلومات الإنسان عن نفسه رغم ما يملكه من وسائل المعارف المذهلة التي لم يكن يحلم بوجودها الإنسان في الزمن الماضي - إذا كانت رغم كل ذلك بدائية. . فهل يمكن أن يضع تشريعا يحكم حياته ويقوده إلى إنسانيته؟!
ولهذا فإن العودة إلى شريعة الله أمر ضروري. . ضروري؛ لأنه أمر أوجبه الله .
وضروري لأن الإنسان ليس له قدرة وضع التشريع المناسب.
وضروري لأن الأمة لا تجتمع وتشريعاتها مختلفة. . إذ للتشريع أثر في حياة الإنسان. . في مفاهيمه. . في تصوراته. . في موازينه. . فلا بد من وحدة التشريع لتتحد مفاهيمه وتصوراته وموازينه. . ومن ثم تتحقق له وحدته المنشودة.
стр. 9214
(القسم الرابع)
" وسائل تحقيق الوحدة "
عرضنا في القسم السابق أسس الوحدة الإسلامية التي لا بد من تحقيقها لتوحيد الأمة الإسلامية، وهي وإن كانت شرطا في تحقيق إيمان المسلم، فلا يكون مسلما بدونها، فإنها شرط في تحقيق الأمة واجتماع كلمتها كذلك.
ولكن هذه الأسس - كما رأينا من قبل - قد تعرضت للفساد والانحراف واختفت أو تشوهت في كثير من المجتمعات الإسلامية، فكان لا بد من إظهار ما اختفى منها وتصحيح ما تشوه.
وهذا أمر يحتاج إلى وسائل متعددة وجهود مكثفة للقيام بذلك الدور ورعايته في المجتمعات الإسلامية.
ومن تلك الوسائل ما يلي:
أولا: التعليم الموجه .
ثانيا: الإعلام الملتزم.
ثالثا: الاقتصاد المستقل.
رابعا: الاكتفاء الذاتي.
خامسا: إيجاد مراكز علمية.
ونذكر ما يتعلق بهذه الوسائل فيما يلي:
أولا: التعليم الموجه:
إن المناهج التعليمية من أخطر الوسائل وأكثرها تأثيرا في المجتمع إذ
стр. 9215
أنها طريق للغالبية من المجتمع أو لجميع أفراده بحسب مستوى المجتمع وحرصه على التعليم.
فالمدارس الرسمية والأهلية تحتوي على مناهج تعليمية إجبارية، وكل منتسب إليها لا بد له من هضمها واستيعابها، وبالتالي فلا بد من حصول التأثر بها خاصة وهي ترافق الفرد في كل مراحل حياته.
ولقد عرف المستعمرون وأعوانهم من مبشرين أهمية " التعليم الموجه " فأنشئوا المدارس المختلفة لإفساد أبناء المسلمين عن طريقها.
يقول اليسوعيون: (إن المبشر الأول هو المدرسة) (١).
ويقول جب: (إن مدارس البنات في بلاد الإسلام هي بؤبؤ عيني لقد شعرت دائما أن مستقبل الأمر في سوريا إنما هو بمنهج تعليم بناتها ونسائها).
فالتعليم له شأنه وخطره، وعدم تصحيح مناهجه وتوجيه أبنائه إلى الغاية الصحيحة في جميع بلاد المسلمين فإنه لا يمكن توحيد المفاهيم والتصورات والموازين التي لا تكاد تلتقي على أمر واحد في بلاد المسلمين اليوم ولا زالت تسير وفق المخططات التي رسمها لها أعداء الإسلام - إلا ما رحم ربك -.
(فإذا أراد العالم الإسلامي أن يستأنف حياته ويتحرر من رق غيره وإذا كان يطمح إلى القيادة فلا بد إذن من الاستقلال التعليمي بل لا بد من الزعامة العلمية وما هي بالأمر الهين، إنها تحتاج إلى تفكير عميق وحركة
стр. 9216
التدوين والتأليف الواسعة وخبرة إلى درجة التحقيق والنقد بعلوم العصر مع التشبع بروح الإسلام والإيمان الراسخ بأصوله وتعاليمه إنها لمهمة تنوء بالعصبة أولي القوة، إنما هي شأن الحكومات الإسلامية فتنتظم لذلك جمعيات وتختار لها أساتذة بارعين في كل فن، فيضعون منهاجا تعليميا يجمع بين محكمات الكتاب والسنة وحقائق الدين التي لا تتبدل وبين العلوم العصرية النافعة والتجربة والاختبار ويدونون العلوم العصرية للشباب الإسلامي على أساس الإسلام وبروح الإسلام. . .) (١).
وبذلك يمكن أن تصحح المفاهيم وتقوم الموازين في الأمة فتتحد في أفكارها وعقائدها وتلتقي على أسس مشتركة من العلم والمعرفة.
стр. 9217
ثانيا: الإعلام الهادف الملتزم:
ونعني به أن يكون الإعلام في بلاد المسلمين بكل أنواعه المسموعة والمرئية والمقروءة إعلاما هادفا له رسالة يسعى لتحقيقها من خلال ما يبثه أو يكتبه، وتلك الرسالة هي: " تحقيق العبودية لله في أرضه "، وهي الغاية التي من أجلها خلق الإنسان ويعمل لها المسلمون بكل طبقاتهم.
فيكون للإعلام في بلاد المسلمين رسالة يتمثلها عند كل خطوة يخطوها وكل كلمة يبثها أويكتبها.
وقد فطن اليهود إلى قوة تأثير الصحافة عندما برزت وخططوا لاستغلالها.
فقد ورد في كتاب " بروتوكولات حكماء صهيون ": إن الأدب والصحافة هما أعظم قوتين خطيرتين (١).
стр. 9218
وفي كتاب: " التبشير والاستعمار في البلاد العربية " نقلا عن مصادر تبشيرية أجنبية: (إن الصحافة لا توجه الرأي العام فقط أو تهيئه لقبول ما تنشر عليه، بل هي تخلق الرأي العام) (١).
وبعد ظهور " التلفاز " والذي لا يكاد يخلو منه بيت فإن خطره يكون أكبر وتأثيره أعظم. . فإذا كانت الصحف لا يقرؤها إلا المتعلمون، فإن " التلفاز " يراه ويشاهده كل إنسان وليس خاصا بنوعية معينة.
لذا فإن توجيه الإعلام والتزامه بـ: " هدف " أمر ضروري، ولا يمكن أن تتحد الأمة وإعلامها إعلام ضائع لا هوية له ولا هدف. . بل في كثير من بلدان المسلمين قد وجه لإفساد الأمة وخلخلة عقائدها.
فإصلاح الإعلام وتصحيح مساره ضرورة، بل واجب شرعي تأثم الأمة بإهماله وتضييعه. . ثم تخسر عقيدتها وعزتها. . ولا تتحقق لها وحدة واجتماع، وهذه الوسائل تسير مسارا عشوائيا وتخريبيا.
ووسائل الإعلام في كثير من البلدان الإسلامية غير ملتزمة بالمنهج الإسلامي الذي يبث الخير وينشر الفضيلة ويحذر من الشر والأخلاق الرذيلة بل إن بعض تلك الوسائل تحارب الإسلام وتسيء إلى أهله بما تنشره من البرامج السيئة والحلقات المنحرفة. . وهذا كله مضاد لدين الأمة ومفرق لجمعها، وهادم لأسس الوحدة التي تقوم عليها.
ولن يكون هناك لقاء أو اتحاد وإعلام المسلمين أو بعضه بهذه الصورة فلا بد إذن من إعادة البناء الإعلامي بناء صحيحا بحيث يكون قادرا على توجيه الأمة وتعميق العقيدة في نفوسها وتذكيرها بغايتها في هذه الحياة، وتبرز المنهج الذي اختاره الله لها كما تبين إلى جانب
стр. 9219
ذلك وحدة القيادة للأمة الإسلامية، وأنه لم يعد هناك مجال لظهور قيادات أخرى تنازع هذه القيادات المحمدية أو تزاحمها، وأن القيادات الموجودة تستمد شرعيتها في حق الطاعة على الأمة بمتابعتها لتلك القيادة.
فإذا استطاع الإعلام في البلدان الإسلامية أن يثبت هذه القضايا الأساسية في نفوس الأمة، فإنه عندئذ يكون قد أدى دوره الصحيح في المجتمع، وساهم في وحدة الأمة. . وإلا فلا وحدة ولا اجتماع. .
ويتحقق ذلك بالاختيار الأمين للعاملين في الإعلام فيختار الكفاءات المؤمنة التي تدرك أهداف الأمة وغايتها.
стр. 9220
ثالثا: الاقتصاد المستقل:
إن التشابك المعقد في العلاقات الدولية اليوم واختلاف الأنظمة الاقتصادية في العالم قد انعكس أثره على أكثر المجتمعات الإسلامية، فتعددت فيها الأنظمة الاقتصادية تبعا للاتجاه الذي يغلب على كل بلد، فكان له آثاره السلبية على وحدة الأمة الإسلامية.
والاقتصاد العالمي اليوم في قبضة " اليهود " فهم يتحكمون فيه كما يشاءون، وقد جاء في كتاب: " بروتوكولات حكماء صهيون " موضوع خاص لبيان كيفية التحكم في اقتصاد العالم والوسائل التي يجب أن تتخذ لتنفيذ هذا المخطط نورد بعضا من فقراته.
فقد وضعوا في حسبانهم إيجاد الأزمات الاقتصادية المفتعلة لزيادة ثرواتهم ويبين ذلك قولهم: (إن الأزمات الاقتصادية التي دبرناها بنجاح باهر في البلاد الأمية - قد أنجزت عن طريق سحب العملة من التداول فتراكمت ثروات ضخمة. . .) (١).
стр. 9221
وعن سحب الذهب من العالم ورد فيه: (وأظنكم تعرفون أن العملة الذهبية كانت الدمار للدول التي سارت عليها لأنها لم تستطع أن تفي بمطالب السكان، ولأننا فوق ذلك قد بذلنا أقصى جهدنا لتكديسها وسحبها من التداول) (١).
فالاقتصاد جانب مهم في حياة المجتمع، ولهذا فقد عني به القرآن الكريم والسنة الشريفة بتنظيمه وبيان جوانبه المباحة والمحرمة إضافة إلى خطورة ارتباطه بأنظمة غير مسلمة لا تفرق بين الحلال والحرام ولا تألوا جهدا في إضعاف الأمة المسلمة وتمزيق وحدتها.
لذا فإن العناية به أمر مطلوب شرعا ولا بد للأمة وهي تحاول العودة إلى دينها ووحدتها من التحرر من تلك الأنظمة الدخيلة على المجتمعات الإسلامية والعودة إلى النظام الاقتصادي الإسلامي الذي هو جزء من الشريعة الإسلامية الواجب اتباعها.
ولا بد من إيجاد اقتصاد إسلامي ليس مرتبطا بأي نظام آخر لئلا يبقى بين الأمة فجوات تحول دون وحدتهم.
ويتم ذلك بإيجاد أسواق مشتركة وعملة موحدة وهيئة اقتصادية تشرف على ذلكم الاقتصاد الإسلامي المستقل.
وبهذا تستقل عن التبعية الاقتصادية الضارة وتقيم لها وحدة اقتصادية قوية على أسس إسلامية.
والاقتصاد في الحقيقة هو جزء من "الشريعة الإسلامية المتكاملة والتي تعتبر أساسا ثابتا لوحدة الأمة. . والذي أريده هنا هو إيجاد أسواق
رابعا: الاكتفاء الذاتي:
للأمة مطالب متنوعة لا تستطيع الاستغناء عنها، وتلك المطالب تشتمل على كل جوانب الحياة.
مطالب ثقافية وسياسية.
ومطالب اقتصادية.
ومطالب عسكرية. .
ومطالب صناعية مختلفة.
هذه المطالب لا يجوز بقاء الأمة عالة على أعدائها فيها، كل بلد إسلامي له وجهة يوليها ويشحذها، بل لا بد من الاستغناء والاكتفاء في هذه الجوانب بالإنتاج الإسلامي في بلاد المسلمين وبأيد مسلمة.
فالعمل على اكتفاء الأمة بإنتاج نفسها من أقوى الوسائل لاستقلالها وقوتها وبالتالي لوحدتها واجتماعها، إذ انقسام الأمة إلى أجزاء تابعة للبلدان المصنعة لن يمكنها من توحيد صفوفها ولا استقلالها، فلا بد من هذا الاكتفاء ولو على المدى الطويل.
стр. 9224
خامسا: إيجاد مراكز علمية:
لما كانت هذه الوسائل المتقدم ذكرها لا بد لها من إعداد وتخطيط بحيث تتحقق بالصورة الصحيحة، كان لا بد من إيجاد مراكز علمية متخصصة في كل جوانب الحياة، تكون مهمتها التخطيط الدقيق والدراسة المتأنية لتحديد الوسائل والضوابط لتحقيق المطلوب.
وهذه المراكز متعددة الأغراض تمثل هيئات استشارية وتخطيطية
стр. 9225
تشترك فيها جميع البلدان الإسلامية تضم في داخلها كفاءات علمية من أبناء الأمة الذين يؤمنون بعقيدتها ويسعون إلى تحقيق أهدافها.
وبهذا كله يمكن للأمة أن يجتمع شملها، وتتحد كلمتها، وتتحقق لها مكانتها التي أرادها الله لها ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله، وما ذلك على الله بعزيز.
стр. 9226
" الخاتمة "
بعد هذا العرض الموجز لواقع الأمة والأسس التي يجب تحقيقها لوحدة الأمة وتصحيح واقعها والوسائل التي يمكن أن تعين على تحقيق الهدف المطلوب، يتبين لنا عدة أمور نجملها فيما يلي:
إن واقع الأمة واقع مؤلم ولا يرضي الله .
وإن هذا الواقع لا يمكن أن تتوحد الأمة مع استمراره.
وإن وحدة الأمة مرهونة بتغيير هذا الواقع على ضوء الكتاب والسنة.
وإن هناك أسسا لهذه الوحدة تعتبر قاعدة ضرورية لوحدة الأمة.
وإن التغيير المطلوب يحتاج إلى وسائل متعددة لتحقيقه.
هذا واجتماع كلمة المسلمين حلم يراود أفرادها وجماعاتها المخلصة التي يحزنها أن ترى أن القيادة والريادة مكبلة بسلاسل الجهل والمعاصي والانحطاط، وتترقب اليوم الذي تعتز فيه الأمة وتحتل مكانها الصحيح.
أمة هادية.
أمة رائدة.
أمة قائدة.
стр. 9227
وإن كانت هناك عقبات في هذا الطريق وعراقيل يضعها أعداء الله فيه، ولكن الأمل في الله عظيم أن يحيي نفوس هذه الأمة ويوقظ عقولها ويقوي عزمها ويومئذ تتحطم كل عقبة، وتتلاشى كل السدود، ويرتفع صوت الحق، وينصب ميزان العدل، وتستظل البشرية بظلال الخير والسعادة.
وصلى الله وسلم على سيدنا وإمامنا محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه.
стр. 9228
" فهرس المراجع "
١ - القرآن الكريم.
٢ - الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر.
للدكتور محمد محمد حسين، طبعة دار الإرشاد.
٣ - الإسلام والحضارة.
لمحمد كرد علي، مطبعة لجنة التأليف والترجمة.
٤ - الإسلام والعالم المعاصر.
أنور الجندي، دار الكتاب اللبناني.
٥ - أصول الكافي.
لمحمد بن إسحاق الكليني، مطبعة النجف ١٣٧٦هـ.
٦ - الأعلام.
خير الدين الزركلي، الطبعة الثانية.
٧ - الأقدس.
لبهاء حسين بن علي المازندراني، طبعة النهضة العربية.
٨ - الإنسان ذلك المجهول.
الكسيس كاريل، مؤسسة المعارف.
٩ - بروتوكولات حكماء صهيون.
ترجمة محمد خليفة السوسي، الطبعة الخامسة.
١٠ - البيان.
لمحمد بن علي الشيرازي، طبعة دار النهضة العربية.
١١ - التبشير والاستعمار في البلاد العربية.
الدكتور مصطفى خالدي والدكتور عمر فروخ، المكتبة العصرية.
стр. 9229
١٢ - تذكرة وحي مقدس.
لغلام أحمد القادياني، طبعة دار الطليعة.
١٣ - تلبيس إبليس.
لابن الجوزي، دار الوعي العربي.
١٤ - الحلول المستوردة.
للدكتور يوسف القرضاوي، مؤسسة الرسالة.
١٥ - وسائل الإصلاح.
لمحمد الخضر حسين، دار الإصلاح.
١٦ - صحيح مسلم.
تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.
١٧ - الصراع بين الفكرة الإسلامية والفكرة الغربية.
لأبي الحسن الندوي، الدار الكويتية.
١٨ - سنن أبي داود.
مطبعة السعادة.
١٩ - الغرب والشرق الأوسط.
برنارد لويس، ترجمة الدكتور نبيل صبحي.
٢٠ - الغزو الفكري.
بحوث مقدمة لمؤتمر الفقه الإسلامي بجامعة الإمام لعام ١٣٩٦ هـ مطابع الجامعة.
٢١ - الفتاوى.
لابن تيمية، الطبعة الأولى.
٢٢ - الفرق بين الفرق.
البغدادي، مطبعة المعارف.
стр. 9230
٢٣ - لوامع الأنوار البهية.
محمد بن أحمد السفاريني، طبعة آل ثاني.
٢٤ - ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين.
لأبي الحسن الندوي، دار الكتاب العربي.
٢٥ - المخططات الاستعمارية لمكافحة الإسلام.
محمد محمود الصواف، الطبعة الأولى.
٢٦ - مذاهب فكرية معاصرة.
محمد قطب، دار الشروق.
٢٧ - معجم المؤلفين.
عمر رضا كحالة، مطبعة الترقي.
٢٨ - معركة الإسلام.
لمحمد محمود الصواف، الطبعة الأولى.
٢٩ - مقالات الإسلاميين.
لأبي الحسن الأشعري، الطبعة الثانية - تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد.
٣٠ - الملل والنحل.
للشهرستاني، مؤسسة الحلبي.
٣١ - منهاج السنة.
لابن تيمية، مطبعة بولاق.
٣٢ - موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين.
لمصطفى صبري، دار إحياء التراث العربي.
٣٣ - واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم.
لأبي الأعلى المودودي، دار الفكر.
٣٤ - ولاية الله والطريق إليها.
للشوكاني، تحقيق إبراهيم هلال، الطبعة الأولى.
стр. 9231
العز بن عبد السلام مفسرا
الدكتور عبد الله بن إبراهيم الوهيبي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحابته أجمعين، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، وأستمد من الله العون والسداد والتوفيق إنه سميع مجيب وبعد:
فالعز بن عبد السلام علم من أعلام الإسلام، ومن كبار المفكرين في القرن السابع الهجري، وأحد سلاطين العلماء الذين حاربوا الظلم والطغيان، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر وغيروه، وهانت عليهم أنفسهم في سبيل إعزاز الدين ونصرة المظلومين، فهو القائل:
" ينبغي لكل عالم إذا أذل الحق وأخمل الصواب أن يبذل جهده في نصرهما، وأن يجعل نفسه بالذل والخمول أولى منهما، وإن عز الحق فظهر الصواب أن يستظل بظلهما، وأن يكتفي باليسير من رشاش غيرهما " (١).
стр. 9232
وقد اشتهر العز عند الباحثين بذلك، كما اشتهر بأنه فقيه مجتهد، أما كونه مفسرا فغير مشهور مع أن له تفسيرين:
أحدهما: اختصار تفسير الماوردي " النكت والعيون " وقد قمنا بتحقيقه.
والآخر: ألفه ابتداء في تفسير القرآن الكريم ولا يزال مخطوطا.
ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث الذي يكشف الجانب التفسيري من حياة العز بن عبد السلام العلمية، وقبل الشروع في ذلك نمهد له بترجمة موجزة عن العز تتناول نسبه ومولده وأعماله ومواقفه وشخصيته العلمية.
стр. 9233
ترجمة العز بن عبد السلام:
نسبه:
هو أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن بن محمد بن مهذب السلمي المغربي الأصل الدمشقي ثم المصري الشافعي، الملقب بسلطان العلماء، وقد اشتهر بالعز بن عبد السلام.
стр. 9234
مولده:
ولد بدمشق سنة (٥٧٧هـ) وقيل: سنة (٥٧٨ هـ)، وتوفي بالقاهرة سنة (٦٦٠هـ).
أعماله ومواقفه:
بعد أن تعلم العز ونضج، بدأ يزاول حياته العملية في التدريس والإفتاء والقضاء والخطابة آمرا بالمعروف وناهيا عن المنكر، فكان لا يخشى في الله لومة لائم، وقد اشتهر بمواقفه العظيمة في إقامة الحق وتغيير المنكر. فكانت له مواقف مع حكام عصره، فقد أنكر على حاكم دمشق الصالح إسماعيل بن الكامل تحالفه مع الصليبيين ضد أخيه نجم الدين أيوب حاكم مصر، وتسليمه لهم بعض حصون المسلمين ليساعدوه في محاربة أخيه الذي كان يريد أن ينتزع دمشق منه، فأنكر الشيخ عليه وعرض به في الخطبة ولم يدع له كالعادة. فلما علم الصالح إسماعيل بذلك أمر بعزله عن الخطابة واعتقاله، ثم أفرج عنه بعد محاورات ومراجعات، فاتجه العز بعد ذلك إلى مصر، فوصلها سنة ٦٣٩ هـ فرحب به حاكمها نجم الدين أيوب، فولاه الخطابة والقضاء فبدأ العز نشاطه في مصر بإقامة السنة ومحاربة البدعة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم، وكانت له مواقف عظيمة مشهورة منها بيعه لأمراء المماليك الذين كان يستعملهم الملك نجم الدين في خدمته وجيشه وتصريف أمور الدولة، فأبطل العز تصرفهم بالبيع والشراء؛ لأن المملوك لا ينفذ تصرفه شرعا
стр. 9235
وقد ضايقهم ذلك وعطل مصالحهم فراجعوه، فقال: لا بد من إصلاح أمركم بأن يعقد لكم مجلس فتباعوا فيه، ويرد ثمنكم إلى بيت مال المسلمين، ثم يحصل عتقكم بطريق شرعي فينفذ تصرفكم، فلما سمعوا هذا الحكم ازدادوا غيظا وقالوا: كيف يبيعنا هذا الشيخ ونحن ملوك الأرض، ورفعوا الأمر للملك فغضب، وقال: هذا ليس من اختصاص الشيخ، وليس له شأن به فلما علم العز بذلك عزل نفسه عن القضاء وقرر الرحيل من مصر إلى الشام، فتبعه العلماء والصلحاء والتجار والنساء والصبيان، وجاء من همس في أذن الملك قائلا " متى راح الشيخ ذهب ملكك "، فخرج الملك مسرعا ولحق بالعز وأدركه في الطريق وترضاه، وطلب منه أن يعود وينفذ حكم الله. فرجع العز ونفذ شرع الله بأن باع أمراء المماليك ورد ثمنهم إلى بيت مال المسلمين. فهذا الموقف العظيم قد خلد ذكره وأقام منار الحق، وأخضع الملك والأمراء المتكبرين على الشعب لحكم الله، وحقق المساواة بين الحاكم والمحكوم أمام شرع الله. وقد اعتزل العز القضاء سنة (٦٤٠هـ) وتفرغ للإفتاء والتدريس والتأليف. وقد تخرج عليه طلاب كثيرون. منهم شيخ الإسلام ابن دقيق العيد مجدد القرن الثامن، فقد تأثر به في عمله وسلوكه. وهو الذي لقبه "بسلطان العلماء ". ومنهم جلال الدين الدشناوي، وكان زاهدا ورعا وقد انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي بقوص إحدى مدن صعيد مصر. ومنهم أبو شامة المقدسي المؤرخ الكبير الجامع بين فنون العلم، فقد لازم العز كثيرا وسافر معه وسجل كثيرا من أخباره.
شخصيته العلمية:
نبغ العز في علوم متعددة فترك فيها مؤلفات كثيرة غالبها رسائل
стр. 9236
صغيرة وهو من الذي قيل فيهم: علمهم أكثر من تصانيفهم.
قال الذهبي: " وقرأ الأصول والعربية ودرس وأفتى وصنف، وبرع في المذهب، وبلغ رتبة الاجتهاد، وقصده الطلبة من الآفاق، وتخرج به أئمة وله التصانيف المفيدة والفتاوى السديدة " (١). وقد ترك لنا مؤلفات متنوعة في الفقه وقواعده تدل على سعة علمه وبعد نظره ودقة ملاحظته وكثرة اطلاعه. قال أكثر مترجميه: إنه بلغ رتبة الاجتهاد، وقال ابن الحاجب: إنه أفقه من الغزالي (٢)، وذكرت كتب التراجم أنه أول من ألقى التفسير دروسا في مصر (٣).
فيظهر من هذا أن تدريس التفسير توقف فترة من الزمن بمصر واقتصر فيه على التأليف، فأعاد العز تدريسه، فكان أول من ألقاه دروسا بجانب العلوم الأخرى.
وقد اشتهر العز عند الباحثين بأنه فقيه مجتهد ولم يشتهر بالتفسير مع أنه ترك لنا ثروة عظيمة في التفسير احتوتها مؤلفاته المتعددة في التفسير وعلومه، فله تفسير كامل للقرآن الكريم، كما قام باختصار تفسير الماوردي " النكت والعيون " الذي أنا بصدد دراسته، وألف في مجاز القرآن كتابه " الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز "، أبرز فيه ما اشتمل عليه كتاب الله من فنون البيان والمعاني، وحقق ما فيه من إعجاز لم يستطع العرب الفصحاء أن يأتوا بمثله رغم ما كانوا يجيدون من فنون القول.
стр. 9237
كما ألف في متشابه القرآن كتابه " فوائد في مشكل القرآن " أجاب فيه على إشكالات قد ترد على بعض الآيات، وجل هذه الإشكالات لغوية أو نحوية أو بلاغية.
والدارس لمؤلفات العز في التفسير وعلومه يلحظ تضلعه في اللغة وتمكنه من علم المعاني والبيان وسعة علمه بذلك، لذا عني بالمعاني البيانية واللغوية، وقد يستطرد فيذكر أصول الكلمات اللغوية، ويستشهد عليها بالشعر، فهو يرى أن تفسير القرآن يتوقف على معرفة اللغة، وقد أوضح ذلك في كتابه "الإشارة إلى الإيجاز" فقال "ص٢٧٩ ": وتتوقف معرفة القرآن على معرفة اللغة والإعراب.
قال ابن عباس: إذا أشكل عليكم شيء من القرآن فالتمسوه في الشعر، فإنه ديوان العرب. فما كان موجبا للعمل جاز أن يستدل عليه بالآحاد والبيت والبيتين من الشعر، وما كان موجبا للعلم فلا يستدل عليه بمثل ذلك.
هذا وهناك ضروب أخرى للتفسير، وقواعد للترجيح ذكرها في الفصول التي ختم بها كتابه "الإشارة إلى الإيجاز " من ص٢٥٩ إلى آخر الكتاب. تركت إيرادها خشية الإطالة، وكلها تدل على سعة علم العز بالتفسير وتمكنه منه وبعد نظره فيه، والذي أعانه على ذلك تمكنه من اللغة وعلم المعاني والأصول، ولكن يلاحظ عليه أنه لم يطبق تلك القواعد في تفسيره المختصر فاكتفى بسرد أقوال المفسرين، وبيان المعاني التي يحتملها اللفظ دون ترجيح إلا في حالات قليلة كما سيأتي بيانه.
стр. 9238
التعريف بتفسيره المختصر
هو اختصار لتفسير الماوردي " النكت والعيون " ولم يبين العز سبب اختصاره، ولا منهجه في الاختصار.
ولعل سبب اختصاره ما يلي:
١ - قيمة تفسير الماوردي العلمية وأهميته ونفاسته.
٢ - ما فيه من تطويل يحتاج إلى اختصار وتهذيب.
٣ - مجاراة للعصر الذي عاش فيه العز، فقد كثرت فيه المختصرات؛ لأن العلوم قد كملت تقريبا ونضجت، فالمطلع على مؤلفات العز يجد أن بعضها مختصرات حتى أنه اختصر كتابه " قواعد الأحكام " في كتاب " القواعد الصغرى ".
وقد بدأ تفسيره بمقدمة ذكر فيها أسماء القرآن ومعنى السورة والآية والأحرف السبعة والإعجاز بكلام موجز، ثم شرع في تفسير القرآن الكريم سورة سورة من الفاتحة إلى آخر سورة الناس، ولا يوجد لهذا التفسير - حسب علمي - إلا نسخة واحدة بدار الكتب المصرية برقم (٣٢ - تفسير) ومكتوب على الورقة الأولى منها العنوان التالي (تفسير القرآن للشيخ الإمام سلطان العلماء عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام السلمي الدمشقي الشافعي اختصار النكت والعيون للماوردي ﵄). ويقع في مجلد كبير عدد أوراقه (٢٣٠) ورقة أي (٤٦٠) صفحة من القطع الكبير، وفي الورقة (٢٣) سطرا، وكلمات السطر
стр. 9239
تترواح فيما بين (١٠) كلمات إلى (١٣) كلمة، وخطه رديء غير مشكول وغير معجم غالبا، والآيات القرآنية وأسماء السور مكتوبة بالمداد الأحمر. وليس عليها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، وخطها يشبه خطوط القرن الثامن، ورقها جيد إلا أن الورقات الأولى منها فيها خروم مرممة، وكذا الورقات الأخيرة، وقد سقط منها ورقة تقريبا، وتمتاز هذه النسخة بقلة الأخطاء، وقد قمت بتحقيقه وهو تحت الطبع.
стр. 9240
دراسة تفسيره
إن دراسة منهج أي مفسر تعني معرفة مصادره التي اعتمد عليها في تفسيره وطريقة استفادته من هذه المصادر والأسلوب الذي اتبعه في عرض هذه المعلومات والجانب الذي غلب على تفسيره، فبعض المفسرين يعتني بذكر أقوال السلف المأثورة، فيغلب على تفسيره الأثر، وبعضهم يعتني بذكر اجتهادات العلماء المتأخرين بجانب أقوال السلف، فيغلب على تفسيره الرأي، كما أن المفسر يتأثر تفسيره بالعلم الذي تخصص فيه من حديث أو عقيدة أو فقه أو لغة أو بلاغة أو نحو أو تأريخ وغير ذلك من العلوم، فعلى الدارس للتفسير أن يبرز هذا الجانب في دراسته ومدى ظهور اختصاص المفسر على تفسيره، وتلون هذا التفسير بذلك الاختصاص.
وأن يتعرف على موقف المفسر من القصص الإسرائيلية التي استهوت بعض المفسرين، فأخذوا يسطرونها في تفاسيرهم حبا لمعرفة المجهول، أو متابعة لمن سبقهم من المفسرين، وقد اختلفت اتجاهات المفسرين في هذه
стр. 9241
الأخبار بين مكثر منها بدون تمحيص أو تعقيب، وبين من نقلها مع بيان ما فيها من علل الإسناد وبطلان المعنى، ومنهم من أضرب عنها صفحا فلا ترد في تفسيره إلا قليلا.
كما أن الدارس عليه أن يتابع مناقشات المفسر للأقوال التي ينقلها ومدى تمحيصه لها وما يرجحه من الأقوال ليتبين من هذا قوة شخصية المفسر وظهورها في تفسيره، أو عدم ذلك، كما هو حاصل في التفاسير التي تجمع الأقوال بدون مناقشة، أو ترجيح إلا في حالات قليلة. هذه من أهم الأمور التي ينبغي مراعاتها عند دراسة منهج أي مفسر، وسأحاول أن أتابع هذه الأمور في اختصار العز لتفسير الماوردي، مع المقارنة بينهما ليتضح ما امتاز به أحدهما على الآخر، وستكون هذه الدراسة مطبقة على تفسيره من سورة مريم إلى سورة النور في المباحث الآتية:
стр. 9242
مصادر تفسير العز
وحيث إن تفسير العز اختصار لتفسير الماوردي، فمصادره هي نفس مصادر الماوردي، وقد جمع الماوردي مادة تفسيره من مصادر كثيرة ومتنوعة، منها مصادر في التفسير بالمأثور كتفسير الطبري (ت٣١٠هـ) فقد اعتمد عليه كثيرا. ومصادر جمعت بين اللغة والنحو ولها صلة وثيقة بالنص القرآني كالكتب التي ألفت في معاني القرآن وغريبه ومجازه ككتاب " معاني القرآن للفراء (ت٢٠٧هـ) والأخفش (ت٢١٠هـ) وثعلب (ت٢٩١هـ) والزجاج (ت٣١١هـ) كما نقل عن كتاب "إعراب القرآن " لمحمد بن المستنير المعروف بقطرب (ت٢٠٦هـ)
стр. 9243
ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت٢١٠هـ) وعن ابن قتيبة (ت٢٧٦هـ) وله كتاب " غريب القرآن " و "تأويل مشكل القرآن "، وعن محمد بن السائب الكلبي (ت١٤٦هـ)، وله تفسير "القرآن "، وعن مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ)، وله تفسير كامل للقرآن طبعت بعض أجزائه، وعن محمد بن إسحاق بن يسار (ت١٥١هـ) صاحب السيرة، وعن عيسى بن علي الرماني (ت٣٨٤هـ) وهو من المعتزلة وله " الجامع لعلم القرآن " وعن ابن بحر وهو أبو مسلم الأصفهاني (ت٣٢٢هـ) وهو من المعتزلة، وعن سهل بن عبد الله التستري (ت٢٨٣ هـ) وله تفسير صوفي مختصر مطبوع.
هذه أهم المصادر التي جمع منها الماوردي تفسيره، وهي كما تلاحظ مصادر أصيلة لقدمها، وأصالة هذه المصادر تضفي على تفسير الماوردي أهمية كبيرة حيث إنه سطر في تفسيره آراء نخبة من العلماء الأعلام حتى أن بعض هذه الكتب قد فقدت، أو لم تحظ بالتحقيق والنشر فأصبح تفسير الماوردي مصدرا لهذه الآراء التي احتوتها تلك الكتب، كما أن قدم مؤلف هذا التفسير حيث توفي سنة (٤٥٠هـ) جعل تفسيره مصدرا هاما لمن جاء بعده من المفسرين، فلا يكاد يخلو تفسير من التفاسير التي جاءت بعده من النقل عنه. فمنهم من اقتبس منهجه في حصر الأقوال في عدد ثم تفصيلها مع نسبة كل قول إلى قائله كابن الجوزي (ت٥٩٧هـ).
فقد نقل كثيرا من أقوال الماوردي، فتارة ينسبها إليه، وأخرى لا يفعل ذلك، كما استفاد منه القرطبي المتوفى سنة (٦٧١هـ) فنقل كثيرا من آرائه في تفسيره، وممن نقل عنه - أيضا - ابن عطية (ت ٥٤١هـ) والفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) وغيرهم من المفسرين.
стр. 9244
طريقة عرضه للقراءات
لا يخفى ما للقراءات من أثر في تفسير القرآن الكريم وفهم معناه واستنباط الأحكام الشرعية، لذا اهتم المفسرون بذكرها في تفاسيرهم، وقد اختلفت طرقهم في عرضها، فمنهم من يعتني بذكر القراءة ونسبتها إلى من قرأ بها مع مناقشتها وبيان معناها والترجيح بين القراءات فهو يعرضها عرضا سريعا، فيشير إليها مع ذكر معناها وقليلا ما ينسبها إلى من قرأ بها بالإضافة إلى ذكر معناها وإليك أمثلة توضح ذلك.
١ - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (١) قال العز في تفسيره هذه الآية: " (وولدا) وولدا " واحد كعدم وعدم، أو بالضم جمع وبالفتح واحد لغة لقيس. " وقال الماوردي: " (وولدا) قرأ حمزة والكسائي (وولدا) بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها، فاختلف في ضمها وفتحها على وجهين (أحدهما) أنهما لغتان معناهما واحد، يقال: ولد وولد، وعدم وعدم، وقال الحارث بن حلزة:
ولقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا (٢)
والثاني: أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا، والولد بالفتح واحدا ".
فنلاحظ أن العز قد ضبط شكل القراءتين وبين معناهما، ولكنه لم يشر إلى أنهما قراءتان، وهذا نقص في عرض القراءة، بينما نجد الماوردي بين هاتين القراءتين ونسب كل قراءة إلى من قرأ بها بالإضافة إلى بيان معنى كل قراءة، فهو أكمل وأوفى من تفسير العز، ولا يشفع للعز
стр. 9245
هنا أنه يقصد بهذا الاختصار لأن ما تركه لازم حتى في حالة الاختصار، وليس في ذكره تطويل يحتاج إلى الاختصار.
٢ - قال تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ (١) قال العز في تفسير هذه الآية: " وسوى بالضم والكسر واحد، أو بالضم المنصف وبالكسر العدل ".
وقال الماوردي: " ويقرأ سوى بضم السين وكسرها، وفيهما وجهان (أحدهما) أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. (والثاني) أن معناهما مختلف، فهو بالضم المنصف وبالكسر العدل (٢) " فنلاحظ أن العز ضبط شكل القراءتين وبين معناهما ولم يشر إلى أنهما قراءتان، بينما أشار الماوردي إلى ذلك ولم ينسب كل قراءة إلى من قرأ بها فهو أكمل منه، فقراءة الضم قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة، وقرأ بقية القراء بكسر السين (٣).
وراجع: تفسير العز للآية (٦٣، ٨١، ١٣٠) من سورة طه، والآية (٥٨، ٩٥) من سورة الأنبياء، والآية (٦٧، ١١٠) من سورة المؤمنين، والتعليق عليها.
٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٤).
قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٥) وقودها أو حطبها، أو يرمون فيها كما ترمى الحصباء فكأنها تحصب بهم و: حضب جهنم