← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9241–9280 · переход к 9246.

стр. 9241

الأخبار بين مكثر منها بدون تمحيص أو تعقيب، وبين من نقلها مع بيان ما فيها من علل الإسناد وبطلان المعنى، ومنهم من أضرب عنها صفحا فلا ترد في تفسيره إلا قليلا. كما أن الدارس عليه أن يتابع مناقشات المفسر للأقوال التي ينقلها ومدى تمحيصه لها وما يرجحه من الأقوال ليتبين من هذا قوة شخصية المفسر وظهورها في تفسيره، أو عدم ذلك، كما هو حاصل في التفاسير التي تجمع الأقوال بدون مناقشة، أو ترجيح إلا في حالات قليلة. هذه من أهم الأمور التي ينبغي مراعاتها عند دراسة منهج أي مفسر، وسأحاول أن أتابع هذه الأمور في اختصار العز لتفسير الماوردي، مع المقارنة بينهما ليتضح ما امتاز به أحدهما على الآخر، وستكون هذه الدراسة مطبقة على تفسيره من سورة مريم إلى سورة النور في المباحث الآتية:

стр. 9242

مصادر تفسير العز وحيث إن تفسير العز اختصار لتفسير الماوردي، فمصادره هي نفس مصادر الماوردي، وقد جمع الماوردي مادة تفسيره من مصادر كثيرة ومتنوعة، منها مصادر في التفسير بالمأثور كتفسير الطبري (ت٣١٠هـ) فقد اعتمد عليه كثيرا. ومصادر جمعت بين اللغة والنحو ولها صلة وثيقة بالنص القرآني كالكتب التي ألفت في معاني القرآن وغريبه ومجازه ككتاب " معاني القرآن للفراء (ت٢٠٧هـ) والأخفش (ت٢١٠هـ) وثعلب (ت٢٩١هـ) والزجاج (ت٣١١هـ) كما نقل عن كتاب "إعراب القرآن " لمحمد بن المستنير المعروف بقطرب (ت٢٠٦هـ)

стр. 9243

ومجاز القرآن لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ت٢١٠هـ) وعن ابن قتيبة (ت٢٧٦هـ) وله كتاب " غريب القرآن " و "تأويل مشكل القرآن "، وعن محمد بن السائب الكلبي (ت١٤٦هـ)، وله تفسير "القرآن "، وعن مقاتل بن سليمان (ت١٥٠هـ)، وله تفسير كامل للقرآن طبعت بعض أجزائه، وعن محمد بن إسحاق بن يسار (ت١٥١هـ) صاحب السيرة، وعن عيسى بن علي الرماني (ت٣٨٤هـ) وهو من المعتزلة وله " الجامع لعلم القرآن " وعن ابن بحر وهو أبو مسلم الأصفهاني (ت٣٢٢هـ) وهو من المعتزلة، وعن سهل بن عبد الله التستري (ت٢٨٣ هـ) وله تفسير صوفي مختصر مطبوع. هذه أهم المصادر التي جمع منها الماوردي تفسيره، وهي كما تلاحظ مصادر أصيلة لقدمها، وأصالة هذه المصادر تضفي على تفسير الماوردي أهمية كبيرة حيث إنه سطر في تفسيره آراء نخبة من العلماء الأعلام حتى أن بعض هذه الكتب قد فقدت، أو لم تحظ بالتحقيق والنشر فأصبح تفسير الماوردي مصدرا لهذه الآراء التي احتوتها تلك الكتب، كما أن قدم مؤلف هذا التفسير حيث توفي سنة (٤٥٠هـ) جعل تفسيره مصدرا هاما لمن جاء بعده من المفسرين، فلا يكاد يخلو تفسير من التفاسير التي جاءت بعده من النقل عنه. فمنهم من اقتبس منهجه في حصر الأقوال في عدد ثم تفصيلها مع نسبة كل قول إلى قائله كابن الجوزي (ت٥٩٧هـ). فقد نقل كثيرا من أقوال الماوردي، فتارة ينسبها إليه، وأخرى لا يفعل ذلك، كما استفاد منه القرطبي المتوفى سنة (٦٧١هـ) فنقل كثيرا من آرائه في تفسيره، وممن نقل عنه - أيضا - ابن عطية (ت ٥٤١هـ) والفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) وغيرهم من المفسرين.

стр. 9244

طريقة عرضه للقراءات لا يخفى ما للقراءات من أثر في تفسير القرآن الكريم وفهم معناه واستنباط الأحكام الشرعية، لذا اهتم المفسرون بذكرها في تفاسيرهم، وقد اختلفت طرقهم في عرضها، فمنهم من يعتني بذكر القراءة ونسبتها إلى من قرأ بها مع مناقشتها وبيان معناها والترجيح بين القراءات فهو يعرضها عرضا سريعا، فيشير إليها مع ذكر معناها وقليلا ما ينسبها إلى من قرأ بها بالإضافة إلى ذكر معناها وإليك أمثلة توضح ذلك. ١ - قال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (١) قال العز في تفسيره هذه الآية: " (وولدا) وولدا " واحد كعدم وعدم، أو بالضم جمع وبالفتح واحد لغة لقيس. " وقال الماوردي: " (وولدا) قرأ حمزة والكسائي (وولدا) بضم الواو، وقرأ الباقون بفتحها، فاختلف في ضمها وفتحها على وجهين (أحدهما) أنهما لغتان معناهما واحد، يقال: ولد وولد، وعدم وعدم، وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشرا ... قد ثمروا مالا وولدا (٢) والثاني: أن قيسا تجعل الولد بالضم جمعا، والولد بالفتح واحدا ". فنلاحظ أن العز قد ضبط شكل القراءتين وبين معناهما، ولكنه لم يشر إلى أنهما قراءتان، وهذا نقص في عرض القراءة، بينما نجد الماوردي بين هاتين القراءتين ونسب كل قراءة إلى من قرأ بها بالإضافة إلى بيان معنى كل قراءة، فهو أكمل وأوفى من تفسير العز، ولا يشفع للعز

стр. 9245

هنا أنه يقصد بهذا الاختصار لأن ما تركه لازم حتى في حالة الاختصار، وليس في ذكره تطويل يحتاج إلى الاختصار. ٢ - قال تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى﴾ (١) قال العز في تفسير هذه الآية: " وسوى بالضم والكسر واحد، أو بالضم المنصف وبالكسر العدل ". وقال الماوردي: " ويقرأ سوى بضم السين وكسرها، وفيهما وجهان (أحدهما) أن معناهما واحد وإن اختلف لفظهما. (والثاني) أن معناهما مختلف، فهو بالضم المنصف وبالكسر العدل (٢) " فنلاحظ أن العز ضبط شكل القراءتين وبين معناهما ولم يشر إلى أنهما قراءتان، بينما أشار الماوردي إلى ذلك ولم ينسب كل قراءة إلى من قرأ بها فهو أكمل منه، فقراءة الضم قرأ بها ابن عامر وعاصم وحمزة، وقرأ بقية القراء بكسر السين (٣). وراجع: تفسير العز للآية (٦٣، ٨١، ١٣٠) من سورة طه، والآية (٥٨، ٩٥) من سورة الأنبياء، والآية (٦٧، ١١٠) من سورة المؤمنين، والتعليق عليها. ٣ - قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ (٤). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ (٥) وقودها أو حطبها، أو يرمون فيها كما ترمى الحصباء فكأنها تحصب بهم و: حضب جهنم

стр. 9246

بالإعجام يقال: حضبت النار إذا خبت وألقيت فيها ما يشعلها من الحطب. وقال الماوردي: وقرأ ابن عباس: (حضب جهنم) بالضاد معجمة، قال الكسائي: حضبت النار بالضاد المعجمة إذا أججتها فألقيت فيها ما يشعلها من الحطب (١). فنلاحظ أن العز قد ضبط هذه القراءة ولم يبين أنها قراءة، بينما بينها الماوردي ونسبها إلى ابن عباس، وهي قراءة شاذة، وقد أوضحنا ذلك في تعليقنا على هذه الآية من تفسير العز. ٤ - قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ (٢). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿صَوَافَّ﴾ (٣) مصطفة أو قائمة تصف بين أيديها بالقيود أو معقولة، قرأ الحسن (صوافي) أي خالصة لله تعالى من الصفوة، ابن مسعود (صوافن) معقولة إحدى يديها فتقوم على ثلاث؛ صفن الفرس ثنى إحدى يديه وقام على ثلاث. ففي هذا المثال ذكر العز ثلاث قراءات، الأولى قراءة الجمهور كما في المصحف، والثانية نسبها إلى الحسن، وهي شاذة وكذلك الثالثة (٤) وقد نسبها إلى ابن مسعود. وبين معاني هذه القراءات ذاكرا الخلاف في ذلك، ومن هذا يتضح أنه قد يشير إلى القراءة وينسبها ولكنه قليل، وقد قمت بتوثيق القراءات التي ذكرها ونسبتها إلى من قرأ بها، وبينت حكمها من حيث الصحة والشذوذ.

стр. 9247

جمعه بين أقاويل السلف والخلف مما امتاز به تفسير العز جمعه للأقوال الكثيرة في تفسير الآية، فبعض هذه الأقوال مأثورة كتفسير الرسول ﷺ ، وهو قليل، أو تفسيرات الصحابة والتابعين، وبعض هذه الأقوال اجتهادات للعلماء الذين جاءوا بعدهم من علماء السنة والمعتزلة والصوفية، فيرتب هذه الأقوال عاطفا بعضها على بعض بأو، وقد ترك نسبة كثير منها إلى قائليها، وهذا مما يؤخذ عليه، لأنه يوقع في اللبس وعدم التمييز بين القول الصحيح والضعيف، كما أنه لا يرجح بين الأقوال إلا قليلا. وقد امتاز عليه الماوردي بنسبة الأقوال إلى قائليها إلا في حالات قليلة، كما أنه يحصر الأقوال في عدد ثم يفصلها الأول فالثاني فالثالث. . . وهكذا، وإليك أمثلة توضح ذلك. ١ - قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ (١). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ (٢) المطمئنين إلى ذكر الله تعالى، أو المتواضعين، أو الخاشعين، الخشوع في الأبدان والتواضع في الأخلاق، أو الخائفين، أو المخلصين، أو الرقيقة قلوبهم، أو المجتهدين في العبادة، أو الصالحين المقلين، أو الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا، قاله الخليل. ذكر العز في معنى ﴿الْمُخْبِتِينَ﴾ (٣) تسعة أقوال ولم ينسبها إلى قائليها عدا القول الأخير نسبه إلى الخليل بن أحمد، بينما نسب الماوردي هذه الأقوال إلى قائليها، فالأول: نسبه إلى مجاهد، والثاني: إلى قتادة.

стр. 9248

والثالث: إلى الحسن، وقال عن الرابع: إنه معنى قول يحيى بن سلام. ونسب الخامس إلى إبراهيم النخعي، والسادس: إلى الكلبي. والسابع: إلى الكلبي ومجاهد. والثامن إلى مجاهد (١). وهذه الأقوال متقاربة. ٢ - قال تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (٢). قال العز في تفسير هذه الآية: الإنسان آدم خلق بعجل يوم الجمعة آخر الأيام الستة قبل غروب الشمس، أو لما نفخ الروح في عينيه ولسانه بعد إكمال صورته سأل ربه أن يعجل تمام خلقه وإجراء الروح في جسده قبل الغروب، أو العجل الطين، قال: والنبع في الصخرة الصماء منبتة ... والنخل ينبت بين الماء والعجل أو الإنسان الناس كلهم فخلق الإنسان عجولا، أو خلق على حب العجلة أو خلقت العجلة فيه، والعجلة تقديم الشيء قبل وقته والسرعة تقديمه في أول أوقاته. فيلاحظ أن العز ذكر في المراد بالإنسان في الآية قولين: القول الأول: أن المراد به آدم. وقد اختلف في معنى (عجل) على هذا القول، فذكر العز ثلاثة أقوال بدون نسبة، وقد نسب الماوردي القول الأول إلى مجاهد والسدي، والثاني إلى الكلبي (٣). والقول الثاني: الذي ذكره العز في المراد بالإنسان أنه الناس كلهم، وذكر في معنى (العجل) على هذا ثلاثة أقوال بدون نسبة، وقد نسب الماوردي القول الأول إلى قتادة، والثالث إلى ابن قتيبة (٤). فقد ذكر العز

стр. 9249

هنا في المراد بخلق الإنسان من عجل ستة أقوال لجماعة من السلف والخلف ولم ينسب واحدا منها بينما نسب الماوردي أربعة منها فهو أكمل. ولم يناقش العز هذه الأقوال ولم يرجح بينها تبعا للماوردي. فكان الأولى به أن يفعل ذلك؛ ليتضح الصواب ويزول اللبس فلا يقع القارئ لهذه الأقوال في حيرة. لذا نجد الطبري لما ساق هذه الأقوال ناقشها ورجح قول من قال: إن الإنسان خلق عجولا، أي: طبع على العجلة في أموره مستدلا على ذلك بقوله تعالى في آخر الآية: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ (١) وقوله في آية الإسراء (١١): ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ (٢) وكذلك فعل القرطبي في تفسيره راجع تعليقنا على هذه الآية من تفسير العز. ١ - قال تعالى: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ (٣) قال العز في تفسير هذه الآية: التنور تنور الخبز، أو أحر مكان في دارك أو طلوع الفجر، أو عبر به عن شدة الأمر كقولهم: حمي الوطيس. فالعز ذكر في المراد بالتنور أربعة أقوال بدون نسبة. وقد نسب الماوردي القول الأول إلى الكلبي، والثاني إلى أبي الحجاج، والثالث إلى علي ﵁. والرابع إلى ابن بحر. ولم يرجح العز بين هذه الأقوال تبعا للماوردي وكان الأولى به أن يبين القول الراجح ليتضح الصواب، والراجح من هذه الأقوال أن المراد بالتنور تنور الخبز؛ لأنه المعروف من كلام العرب، وكلام الله لا يحمل إلا على الأغلب والأشهر من معاني الكلام عند العرب، ولا يصرف إلى غيره إلا بدليل يدل عليه، وبه قال أكثر المفسرين راجع: تعليقنا على هذه الآية من تفسير العز.

стр. 9250

٤ - قال تعالى: ﴿كهيعص﴾ (١). ذكر العز في المراد بها ستة أقوال، ولم ينسب هذه الأقوال، عدا القول الأخير فقد نسب جزءا منه إلى الربيع بن أنس، وقد نسب الماوردي هذه الأقوال (٢)، ولم يرجح العز قولا من هذه الأقوال هنا ولا عند تفسير ﴿الم﴾ (٣) من سورة البقرة حينما أورد فيها سبعة أقوال فلم يتبين لنا رأيه في فواتح السور، وهي مسألة كثر كلام المفسرين حولها وكثرت أقوالهم فيها حتى إن الفخر الرازي في تفسيره (٢/ ٣ - ٨) أوصلها إلى إحدى وعشرين قولا، فالمفسرون لم يجمعوا فيها على معنى واحد ولم يرو فيها عن الصادق المعصوم معنى، فيتعين المصير إليه، فهي محتملة لمعاني كثيرة، فمن ظهر له من المفسرين قول من الأقوال بدليل فله اتباعه، وإلا فالوقف حتى يتبين. والأولى عندي أن المراد بهذه الحروف الدلالة على إعجاز القرآن حيث إنه مركب من جنس هذه الحروف التي يتكلم بها العرب ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله كما قرره الزمخشري في تفسيره ﴿الم﴾ (٤) من سورة البقرة. وقد حكى هذا المذهب الرازي في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، ورجحه ابن كثير في تفسيره (١/ ٣٨) ونقل ترجيحه عن شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ المزي.

стр. 9251

نقله لأقوال الصوفية : والعز ينقل عند تفسير بعد الآيات أقوالا للصوفية في حالات قليلة بينما نجد الماوردي يكثر من ذلك ويصدرها بقوله. قال أصحاب الخواطر

стр. 9252

أو المعارف أو الإشارة أو المتعمقة أو يسمي من نقل عنه كالتستري، أو بشر بن الحارث الحافي، فيذكر هذه الأقوال دون تعقيب، وتارة يتعقبها إذا كانت بعيدة عن معنى الآية، أما العز فإنه لا يذكر هذه الأقوال إلا في حالات قليلة، فعدم ذكره لها يحتمل أنه من قبيل الاختصار، أو عدم الاقتناع بها. وإليك أمثلة توضح ذلك. ١ - قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ (١). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿وَجِلَةٌ﴾ (٢) خائفة، قيل: وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته؛ لأن التوبة تمحو المخالفة والطاعة تطلب بتصحيح الغرض. وقال الماوردي: ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ (٣) أي خائفة، قال بعض أصحاب الخواطر: وجل العارف من طاعته أكثر من وجله من مخالفته؛ لأن المخالفة تمحوها التوبة، والطاعة تطلب لتصحيح الغرض (٤). ٢ - قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (٥). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿لَيِّنًا﴾ (٦) لطيفا رفيقا، أو كنياه وكنيته أبو مرة أو أبو الوليد، قيل: كان لحسن تربية موسى، فجعل الله - تعالى - رفقه به مكفأة له لما عجز موسى عن مكافأته. وقال الماوردي: بعد أن ذكر القولين السابقين: ويحتمل (ثالثا) أن يبدأه بالرغبة قبل الرهبة، ليلين بها فيتوطأ بعدها من رهبة ووعيد، قال بعض

стр. 9253

الصوفية: يا رب هذا رفقك لمن عاداك، فكيف رفقك بمن والاك (١). ٣ - قال تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٢). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ (٣) الإبل عند الجمهور، أو الإبل والبقر، أو ذوات الخف من الإبل والبقر والغنم حكاه ابن شجرة سميت بدنا لأنها مبدنة بالسمن. بعد أن ذكر الماوردي ما سبق في معنى (البدن) قال: (وتعمق بعض أصحاب الخواطر فتأول البدن أن تطهر بدنك من البدع والشعائر أن تستشعر بتقوى الله وطاعته، وهو بعيد) (٤). ذكر الماوردي في كل آية من هذه الآيات الثلاث قولا للصوفية ورد القول الأخير بقوله: وهو بعيد. بينما اقتصر العز على قول واحد كما في الآية الأولى، فذكره لأقوال الصوفية التي يوردها الماوردي عند تفسير بعض الآيات قليل.

стр. 9254

ترجيحه لبعض الأقوال مما سبق يتضح أن العز يجمع الأقوال الكثيرة في تفسير الآية، بدون ترجيح، ولكنه قد يرجح في حالات قليلة بألفاظ مقتضبة على طريقة الفقهاء في مختصراتهم، ولعل هذا من أثر تخصصه في الفقه فتجده يرجح

стр. 9255

بقوله: هذا أصح، أو أصوب، أو أظهر، أو أشبه، ويرد بعض الأقوال بقوله: وهذا شاذ، أو غير ظاهر أو بعيد، ولا يوجه ما يقول إلا نادرا ولذا لم تبرز شخصيته في تفسيره، وإليك أمثلة تبين ذلك: ١ - قال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ (١). قال العز: ﴿فَأَشَارَتْ﴾ (٢) إلى الله تعالى، فلم يفهموا إشارتها، أو إلى عيسى على الأظهر، ألهمها الله - تعالى - ذلك (٣) بأنه سيبرئها، أو أمرها به. فالعز ذكر في مرجع الضمير في (إليه) قولين أحدهما أنه يعود إلى الله تعالى، والثاني أنه يعود إلى عيسى ﵇، وقد رجح القول الأخير تبعا للماوردي (٤). لأنه هو الظاهر من كلام وسياق الآيات، أما القول الأول فبعيد ولا دليل في الكلام عليه. راجع تعليقنا على هذه الآية من تفسير العز. ٢ - قال تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ (٥). قال العز في تفسير هذه الآية سلام توديع وهجر، أو سلام إكرام وبر، قابل جفوته بالإحسان رعاية لحق الأبوة وهو أظهر. ٣ - قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ (٦).

стр. 9256

قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ (١) لأنه أوتي الحكم في صغره وأوتيه داود في كبره، وهذا شاذ، أو أخطأ داود وأصاب سليمان على قول الجمهور. فالعز ذكر في سبب تخصيص الله سليمان بالفهم قولين. فحكم على القول الأول بأنه شاذ، وقد نسبه الماوردي للمتكلمين، ونسب العز القول الثاني إلى الجمهور، فهو يرجح القول الثاني لأنه رد القول الأول، وهو في ذلك متابع للماوردي، وراجع: تفسير العز للآية (٩٤) من سورة طه، حيث ذكر فيها ثلاثة أقوال، فتعقب القول الثاني بالرد، ورجح الثالث بقوله: وهو الأشبه.

стр. 9257

عنايته باللغة وأسلوبه في التعبير العلم باللغة شرط من شروط التفسير؛ لأن القرآن منزل بلسان عربي مبين، فلا يوصل إلى معرفة معانيه ومقاصده وتدبر ما فيه إلا بمعرفة لغة العرب، والمطلع على تفسير العز يدرك من قراءته تمكن العز من اللغة وتعمقه في معرفة معانيها، وإدراكه للفروق الدقيقة بين الألفاظ المتقاربة، وعلمه بأصول الكلمات، فكان لهذا أثر كبير في تفسيره حيث صاغه بأسلوب سهل واضح ولغة فصيحة، وعبارة دقيقة مشرقة متوخيا في ذلك الدقة والاختصار، فعبر عما في تفسير الماوردي بعبارة مختصرة تدل على المقصود بألفاظ قليلة، فجمع بين الاختصار وحسن العرض مع الاستشهاد بالشعر لتوضيح معاني بعض الكلمات لأن الشعر ديوان العرب كما قال ابن عباس ﵄ (١)، ولم يكثر من ذلك

стр. 9258

كالماوردي لأنه بصدد الاختصار، كما أنه قد يشير إلى بعض الوجوه النحوية وإليك أمثلة توضح المقصود. الوجه الأول: أمثلة على بيان لأصول بعض الكلمات واشتقاقها: ١ - قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ (١). قال العز في معنى: ﴿سَرِيًّا﴾ (٢) عيسى، السروات: الأشراف، أو السري: النهر بالنبطية، أو بالعربية من السراية لأن الماء يسري فيه، قيل: يطلق السري على ما يعبره الناس من الأنهار وثبا. فلاحظ بيانه لمعنى السروات، وهم الأشراف وبيانه بأن السري (النهر مأخوذ من سراية الماء فيه)، وبيانه بأن (السري) يطلق على النهر الصغير الذي يعبره الناس وثبا، فهذه معان دقيقة عبر عنها بعبارة وجيزة واضحة. ٢ - قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ (٣). قال العز في معنى: ﴿لُدًّا﴾ (٤) فجارا، أو أهل لجاج وخصام من اللدود للزومهم الخصام كما يحصل اللدود في الأفواه، أو الجدل في الباطل من اللدد وهو شدة الخصومة. فيلاحظ أنه فسر لدا بأنهم أهل لجاج وخصام على أن لدا مشتق من اللدود وهو ما سقي الإنسان في أحد شقي الفم. أو أنه مأخوذ من اللدود وهو شدة الخصومة، فبين أن اشتقاق هذه الكلمة محتمل لأمرين والمعنى واحد. راجع: تعليقنا على هذه الآية من تفسير العز.

стр. 9259

٣ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا﴾ (١). قال العز في معنى: تترا منون متواترين يتبع بعضهم بعضا (ع)، أو متقطعين بين كل اثنين دهر طويل، تترا: اشتق من وتر القوس لاتصاله بمكانه منه، أو من الوتر لأن كل واحد يبعث فردا بعد صاحبه، أو من التواتر. فلاحظ الأصول الثلاثة التي ذكرها لاشتقاق كلمة (تترا) وإليها يرجع القولان اللذان ذكرهما في بيان المراد بإرسال الرسل تترا. وراجع: تفسير العز للكلمة ﴿زُرْقًا﴾ (٢) من الآية (١٠٢) سورة طه، و ﴿حَدَبٍ﴾ (٣) من الآية (٩٦) من سورة الأنبياء و ﴿مَنْسَكًا﴾ (٤) من الآية (٣٤) من سورة الحج، وراجع أيضا تفسيره للآية (٣٦) من سورة الحج. الوجه الثاني: أمثلة على ذكره للفروق بين الألفاظ المتقاربة. ١ - قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (٥). قال العز في معنى: ﴿خَلْفٌ﴾ (٦) بالسكون إذا خلفه من ليس من أهله، وبالفتح إذا كان من أهله، أو بالسكون في الذم وبالفتح في الحمد. لاحظ تفريقه بين معاني (خلف) حسب اختلاف حركة اللام منها بين السكون والفتح.

стр. 9260

٢ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى﴾ (١). قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿أُخْفِيهَا﴾ (٢) لا أظهر عليها أحدا، فيكون ﴿أَكَادُ﴾ (٣) بمعنى أريد، أو أخفيها من نفسي (ع) مبالغة في تبعيد إعلامه بها، أو أخفيها أظهرها، أخفيته كتمته وأظهرته من الأضداد، وأسررته كتمته وأظهرته أيضا، أو المعنى آتية أكاد آتي بها، فحذف للعلم به ثم استأنف: ﴿أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ (٤) قال: هممت ولم أفعل وكدت وليتني ... تركت على عثمان تبكي حلائله أي وكدت أقتله. ذكر العز في معنى ﴿أُخْفِيهَا﴾ (٥) أربعة أقوال عرضها عرضا بديعا بعبارة موجزة ودقيقة مع توجيه كل قول، ثم ذكر أن الإخفاء والإسرار من الأضداد يأتيان بمعنى الإظهار والكتم، ووجه القول الرابع على أن في الكلام محذوفا، وقدره واستدل عليه ببيت من الشعر. وهو يستشهد على بعض الوجوه النحوية، ومعاني الكلمات بالشعر ولا يكثر من ذلك كالماوردي، وقد أجريت بينهما مقارنة فأحصيت ما استشهد به العز في سورة طه فكان خمسة أبيات بينما استشهد فيها الماوردي بسبعة وعشرين بيتا. ويؤخذ على العز أنه في بعض الأحوال قد يستشهد بأجزاء من أبيات ويدمجها في التفسير دون التنبيه على أنها جزء من بيت، وهذا فيه تلبيس وخلط في الكلام، ومن أمثلة ذلك راجع: تفسيره ﴿غَيًّا﴾ (٦) من الآية: ٥٩ سورة مريم. وتفسيره ﴿يَسْتَحْسِرُونَ﴾ (٧) من الآية: ١٩ سورة الأنبياء، وتفسيره ﴿يَنْسِلُونَ﴾ (٨) من الآية: ٩٦ سورة

стр. 9261

الأنبياء، وتفسيره ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ (١) من الآية: ٢٠ سورة المؤمنين. ٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ (٢) ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ (٣). قال العز في تفسير هاتين الآيتين: ﴿وَمَا تِلْكَ﴾ (٤) سؤال تقرير، وجوابه ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ (٥) ولكنه أضافها إلى ملكه، ليكفي الجواب إن سئل عنها، ثم ذكر احتياجه إليها لئلا يكون عابثا بحملها. ﴿وَأَهُشُّ﴾ (٦) أخبط ورق الشجر، والهش والهس واحد، أو المعجم خبط الشجر، وغير المعجم زجر الغنم ﴿مَآرِبُ﴾ (٧) حاجات، نص على لوازم الحاجات، وكنى عن عارضها من طرد السباع، أو قدح النار واستخراج الماء، أو كانت تضيء له بالليل. لاحظ توجيه العز للاستفهام في قوله: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ (٨) إلى المعنى المجازي وهو التقرير، ولاحظ إشارته الدقيقة إلى معنى الإضافة في ﴿عَصَايَ﴾ (٩) وتفريقه بين الهش والهس، وتعبيره عن معنى ﴿مَآرِبُ﴾ (١٠) وصياغته لبعض الأقوال الإسرائيلية في المراد بمآربه الأخرى في العصا، فقد صاغ هذه الأقوال بعبارة موجزة، ولم يستطرد في ذكر الأخبار الإسرائيلية التي يذكرها أكثر المفسرين في عصا موسى ﵇ (١١). فقارن ما سبق بتفسير الماوردي يتبين لك أسلوبه في الاختصار وصياغته لتفسير الماوردي في ثوب جديد. وراجع تفسير العز لقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾ (١٢).

стр. 9262

وتفسير العز لكلمة ﴿يَفْرُطَ﴾ (١) من الآية [٤٥: طه]، وتفريقه بين النفش والهمل كما في الآية [٧٨: الأنبياء].

стр. 9263

طريقة عرضه لآيات الأحكام أكثر العز من ذكر أقوال العلماء عند تفسير آيات الأحكام بدون نسبة الأقوال إلا في حالات قليلة، فلذا لم تتضح أقوال أئمة المذاهب، وفي عرضه لهذه الأقوال لا يرجح بينها غالبا، ولا يستطرد في عرض التفاصيل الجزئية، كما يفعل القرطبي في تفسيره والفخر الرازي وغيرهما ممن اعتنوا بتفسير آيات الأحكام واختصوها بالتأليف كالجصاص الحنفي المذهب، وابن العربي المالكي والكيا الهراس الشافعي، فقد تأثر تفسيرهم بالصبغة المذهبية بل إن بعضهم يتعصب لمذهبه ويأول الآية على ما يوافق مذهبه، ويشنع على من خالفه، ولم يظهر شيء من ذلك على تفسير العز لآيات الأحكام مع أنه إمام من أئمة الشافعية فلم ينتصر لمذهبه بل عرض الأقوال دون مناقشة ولا استطراد رغبة في الاختصار، وعدم تشتيت ذهن القارئ لتفسير آيات الله، ولكن يؤخذ عليه عدم بيان القول الراجح بدليله إيضاحا للحق ودفعا للبس، وكذا عدم نسبة الأقوال، وإليك أمثلة توضح ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ (١). ذكر العز في المراد بالمسجد الحرام قولين: الأول أن المراد به نفس المسجد، فعلى هذا معنى استواء العاكف وهو المقيم به، والبادي وهو الوافد إليه في حكم المسجد، أو حكم النسك.

стр. 9264

والقول الثاني: أن المراد به جميع الحرم، فعلى هذا استواؤهما في الأمن في الحرم وأن لا يقتلا به صيدا، أو استواؤهما في دوره ومنازله فعلى هذا لا يجوز بيع دور مكة ولا كرائها على خلاف بين الفقهاء، وممن قال بذلك أبو حنيفة وخالفه الشافعي. فقال بجواز بيع دور مكة وكرائها وله أدلة على ذلك ليس هذا مكان بسطها. فيلاحظ من هذا أن العز عرض الأقوال عرضا سريعا بدون نسبة ولا مناقشة وترجيح، ولو رجعنا إلى تفسير الفخر الرازي (٢٣/ ٢٤) لوجدنا أنه يفصل الخلاف في هذه المسألة ذاكرا الأدلة ومرجحا قول الشافعي مع التوجيه. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ (١) قال العز في تفسير هذه الآية: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ (٢) الإبل عند الجمهور، أو الإبل والبقر، أو ذوات الخف من الإبل والبقر والغنم حكاه ابن شجرة، سميت بدنا لأنها مبدنة بالسمن ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٣) معالم دينه أو فروضه ﴿فِيهَا خَيْرٌ﴾ (٤) أجر، أو ركوبها عند الحاجة وشرب لبنها عند الحلب. ثم ذكر معاني: ﴿صَوَافَّ﴾ (٥) ثم قال: ﴿وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٦) سقطت إلى الأرض، وجب الحائط سقط، وجبت الشمس: غربت ﴿فَكُلُوا﴾ (٧) يجب الأكل من المتطوع به أو يستحب عند الجمهور ولا يجب، كانوا في الجاهلية يحرمون أكلها على أنفسهم.

стр. 9265

ذكر العز في معنى البدن ثلاثة أقوال الأول نسبه للجمهور، والثاني لم ينسبه. وقد نسبه الماوردي إلى جابر وعطاء (١) والثالث نسبه العز إلى ابن شجرة وحكم عليه الماوردي بالشذوذ، ولو رجعنا إلى تفسير القرطبي لوجدناه قد فصل القول في هذه المسألة وذكر فيها رأي أئمة المذاهب، فنقل عن الشافعي أنه قال بالقول الأول، وعن مالك وأبي حنيفة أنهما قالا بالقول الثاني، وذكر أدلة كل مذهب وثمرة الخلاف في ذلك، ورجح قول الشافعي لقوله ﵊ في الحديث الصحيح في يوم الجمعة: «من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة (٢)» الحديث. فتفريقه ﵇ بين البقرة والبدنة يدل على أن البقرة لا يقال عليها: بدنة، والله أعلم، وأيضا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾ (٣) يدل على ذلك، فإن الوصف خاص بالإبل. والبقر يضجع ويذبح كالغنم، على ما يأتي (٤). وذكر العز الخلاف في حكم الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ (٥) فأورد فيه قولين للعلماء، نسب الثاني منهما إلى الجمهور، بينما نجد القرطبي في تفسيره يفصل القول في هذه المسألة فينقل عن الشافعي أن الأكل مستحب، والإطعام واجب، فإن أطعم جميعها أجزاه، وإن أكل جميعها لم يجزه، وهذا فيما كان تطوعا، فأما واجبات الدماء فلا يجوز أن يأكل منها شيئا حسبما تقدم بيانه (٦).

стр. 9266

من ذلك يتضح الفرق بين طريقة العز في تفسير آيات الأحكام حيث يورد الأقوال دون مناقشة، وطريقة القرطبي حيث يناقش الأقوال ويرجح بينها غالبا، فهو أكمل من العز وإن كان يؤخذ عليه الاستطراد في تفصيل الخلاف وذكر جزئيات المذاهب مما يشتت ذهن القارئ عن تدبر معنى الآية وما تقصد إليه. ونكتفي بهذين المثالين خشية الإطالة، وللمزيد من ذلك يمكن مراجعة تفسير العز لقوله تعالى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ (١) الآيتان (٧٨، ٧٩) من سورة الأنبياء، ومراجعة تفسيره للآيات (٢٨) إلى (٣٤) من سورة الحج، مع مقارنة ذلك بالتفاسير التي تعنى بآيات الأحكام.

стр. 9267

موقفه من الإسرائيليات الإسرائيليات هي الأخبار والأساطير التي تروى عن أهل الكتاب في أخبار الأولين وقصص الأنبياء والمرسلين، وغالبا ما تكون هذه الأخبار كاذبة وباطلة؛ لأن أكثرها ينقل من التوراة والإنجيل وقد أصابهما التحريف، وقد اختلفت مواقف المفسرين من هذه الأخبار، فبعضهم يكثر منها كالطبري والثعلبي، ومنهم من ينقل منها على حذر ويتعقبها بالرد والنقد كابن عطية وابن كثير، أما العز فقد قلل منها تبعا للماوردي بل إنه حذف بعض الأخبار التي أوردها الماوردي واختصر ما ذكره منها، وإليك أمثلة توضح ذلك: ١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ (١).

стр. 9268

قال العز عند تفسير هذه الآية في عدد السحرة: وكانوا سبعين ألف ساحر، أو تسعمائة: ثلاثمائة من العريش، وثلاثمائة من الفيوم، ويشكون في الثلاثمائة من الإسكندرية، أو اثنين وسبعين، اثنان من القبط، وسبعون من بني إسرائيل، كانوا أول النهار سحرة وآخره شهداء. ذكر العز في عدد سحرة فرعون ثلاثة أقوال؛ فالقول الأول رواه الطبري في تفسيره (١٦/ ١٨٤) عن القاسم بن أبي بزة. والقول الثاني عن ابن جريج، وفي هذين القولين تفاصيل لم يذكرها العز هنا كما أن الطبري روى أخبارا أخرى في عددهم لم يذكرها العز عنه، أما القول الثالث فنسبه الماوردي في تفسيره (٣/ ٢١) إلى أبي صالح عن ابن عباس، وذكره الثعلبي في كتابه (قصص الأنبياء) (ص١٦٤) عن مقاتل. ولم يرد خبر عن النبي ﷺ في تحديد عددهم، وهذه الأخبار التي ذكرها العز أخبار إسرائيلية وهي كما ترى متناقضة ولا فائدة من ذكرها، ولو كان في ذلك فائدة تعود على المكلف في دينه أو دنياه لأخبر بها القرآن، وظاهر القرآن أنهم كانوا كثيرين. قال تعالى: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ (١) ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ﴾ (٢) والله أعلم بعددهم. فنلاحظ من هذا أن العز قد أورد هذه الأخبار الإسرائيلية باختصار وبدون تعقيب بينما نجد الطبري وابن كثير قد توسعا فيها ولم يعقبا عليها أيضا وكان الأولى بالعز أن يتعقب هذه الأخبار بالرد، أو ينزه تفسيره

стр. 9269

منها لئلا تشغل القارئ لتفسير كتاب الله عن تدبر معانيه ومعرفة مقاصده وهداياته راجع التعليق على هذه الآية من تفسير العز. ٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (١). قال العز في قصة بلاء أيوب: كان ذا مال وولد فهلك ماله ومات أولاده، ثم بلي في بدنه فقرح وسعى فيه الدود واشتد بلاؤه فطرح على مزبلة بني إسرائيل، ولم يبق أحد يدنو منه إلا امرأته. ذكر الماوردي هذه القصة في تفسيره عن الحسن مطولة في إحدى وعشرين سطرا، وقد رواها الطبري عنه في ثلاثة وأربعين سطرا، كما رواها عن وهب بن منبه مطولة جدا في حدود ثمان صفحات من القطع الكبير، وذكرها أكثر المفسرين في تفاسيرهم مطولة، ولم يعقبوا عليها بالرد مع أن أكثر ما ورد فيها كذب وباطل لا يليق أن ينسب إلى الأنبياء. وقد اختصرها العز هنا في سطرين تقريبا، وما ذكره العز هنا من رمي أيوب ﵇ على مزبلة بني إسرائيل ونفور الناس منه أمر لا دليل عليه من القرآن، ولم يرد به خبر عن الرسول ﷺ وهو أمر لا يليق بنبي من أنبياء الله أن يصل إلى هذا المستوى من المهانة بأن يرمى على المزبلة وينفر الناس عنه، فأين عشيرته عنه أن تواسيه وتداويه وأين أتباعه المؤمنون به، فالله ﵎ يبتلي رسله بالمرض والألم وغير ذلك من صنوف البلاء، ولكن لا يبتليهم بما ينفر الناس عنهم فكان

стр. 9270

الأولى بالعز أن يرد على مثل هذا الباطل أو ينزه تفسيره منه، والصواب في قصة بلاء أيوب أن نقف على ما أخبر الله به عنه في هذه السورة، وسورة (ص)، فقد ابتلاه الله في ماله وولده وجسده فصبر على ذلك الابتلاء بما استحق عليه الثناء من الله تعالى، وصار مضرب المثل، فكشف الله عنه ذلك وأثابه أعظم الثواب، فلا يجوز لنا أن نتزيد على ما أخبر به القرآن عنه مما لم يثبت به خبر صحيح عن النبي ﷺ ، وأكثر ما روي في تلك القصة من أباطيل بني إسرائيل مما لا تجوز حكايته، فكان الأولى بمن ذكرها من المفسرين أن يبين بطلانها، أو يعرض عنها لئلا يشغل الدارس لتفسير القرآن عن تدبر معاني آياته والعمل بما فيها، فإن مثل هذه الحكايات الباطلة تثير اللبس والشكوك، نسأل الله العافية من ذلك، وقد ذكر هذه القصة القرطبي في تفسيره، ونقل كلاما طويلا للقاضي ابن العربي في مناقشتها وإبطالها (١). وراجع ما ذكره العز من الإسرائيليات في مآرب عصا موسى ﵇ وتعليقنا على ذلك عند تفسير الآية (١٨) من سورة طه، وما ذكره عند تفسير الآية (٦٩) من هذه السورة، وما ذكره من تفسير الآية (٩٤) من هذه السورة أيضا، وتعقبه بالرد. وتعقيبه على الإسرائيليات قليل جدا.

стр. 9271

نتيجة هذه الدراسة بعد هذه الدراسة المختصرة. يتلخص مما سبق أن تفسير العز يمتاز بالأمور التالية: ١ - رجوعه إلى مصادر أصيلة وقديمة في التفسير. ٢ - جمعه لأقوال السلف والخلف الكثيرة في تفسير الآية مع ترجيحه لبعض الأقوال. ٣ - عنايته باللغة بذكر أصول الكلمات واشتقاقها والفرق بين الألفاظ المتقاربة مع الاستشهاد بالشعر في بعض المواضع. ٤ - أسلوبه الواضح السهل في تفسير الكلمات وصياغة الأقوال بعبارة موجزة مع الدقة. ٥ - أنه لم يستطرد في تفسير آيات الأحكام. ٦ - أنه لم يكثر من الأخبار الإسرائيلية مع اختصار ما ذكره منها. ٧ - تنبيهه على المكي والمدني في أول كل سورة. ويؤخذ عليه ما يلي: ١ - أنه لم يعتن بالقراءات حيث يذكرها بدون إشارة إلى أنها قراءة، وبدون نسبة إلى من قرأ بها في مواضع قليلة. ٢ - ترك كثيرا من الأقوال بدون نسبة وترجيح. ٣ - أنه لم يخرج الأحاديث التي يستشهد بها ولم يعقب على الإسرائيليات والأقوال الضعيفة إلا في حالات نادرة. ٤ - أنه قد يستشهد بأجزاء من أبيات ويدمجها في التفسير دون التنبيه على أنها جزء من بيت، وهذا يوقع في الاشتباه والخلط في الكلام.

стр. 9272

المصادر ١ - الإشارة إلى الإيجاز في بعض أنواع المجاز للعز بن عبد السلام (ت٦٦٠هـ) طبع دار الفكر بدمشق. ٢ - البداية والنهاية لابن كثير (ت٧٧٤هـ) ط: ١ سنة ١٩٦٦م - مكتبة المعارف- بيروت، ومكتبة النصر - الرياض. ٣ - تفسير ابن الجوزي (٥٠٨ - ٥٩٧هـ) - زاد المسير في علم التفسير: تسعة أجزاء - طبع المكتب الإسلامي بدمشق - ط / ١. ٤ - تفسير الطبري (ت٣١٠ هـ) جامع البيان عن آي القرآن - تحقيق أحمد شاكر وأخيه محمود - طبعة دار المعارف المصرية، وهي ناقصة، كما رجعت إلى طبعة مصطفى الحلبي الثالثة [١٣٨٨هـ - ١٩٦٨م] وهي كاملة في ثلاثين جزءا. وعند الرجوع إلى طبعة دار المعارف أنبه عليها. ٥ - تفسير العز بن عبد السلام (ت٦٦٠هـ) - بتحقيقنا تحت الطبع. ٦ - تفسير الفخر الرازي (ت٦٠٦هـ) - ٣٢ جزءا - طبع عبد الرحمن محمد - بالقاهرة. ٧ - تفسير القرطبي (ت ٦٧١ هـ): الجامع لأحكام القرآن -٢٠ جزءا - طبعة مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية - ١٣٨٧هـ - ١٩٦٧م. ٨ - تفسير ابن كثير (ت٧٧٤ هـ) - أربعة أجزاء - طبع عيسى الحلبي بمصر. ٩ - تفسير الماوردي (ت٤٥٠ هـ): النكت والعيون - بتحقيق السيد خضر محمد خضر.

стр. 9273

نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت (٤ أجزاء - ١٤٠٢هـ). ١٠ - حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة للسيوطي (ت٩١١هـ) تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم -جزءان- طبع عيسى الحلبي بمصر ط: ١ [١٩٦٧م - ١٣٨٧هـ]. ١١ - الذيل على الروضتين لأبي شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) طبع دار الجيل بيروت - ط: ٢ - ١٩٧٤ م. ١٢ - طبقات الشافعية للأسنوي (ت٧٧٢ هـ) تحقيق عبد الله الجبوري - جزءان - مطبعة الإرشاد بغداد - ط / ١ - ١٣٩١ هـ - ١٩٧١ م. ١٣ - طبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي (٧٢٧ - ٧٧١ هـ) تحقيق محمود الطناحي وعبد الفتاح الحلو - عشرة أجزاء - طبع عيسى الحلبي - ط / ١. ١٤ - طبقات المفسرين للداودي (ت٩٤٥هـ) بتحقيق علي محمد عمر - جزءان - مطبعة الاستقلال الكبرى بمصر ط / ١ - ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م. ١٥ - العز بن عبد السلام حياته وآثاره ومنهجه في التفسير د. عبد الله إبراهيم الوهيبي - المطبعة السلفية بالقاهرة - ١٣٩٩هـ. ١٦ - فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي (ت٧٦٤هـ) تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد - جزءان - مطبعة السعادة بمصر - ١٩٥١م. ١٧ - قصص الأنبياء لأبي إسحاق الثعلبي (ت٤٢٧هـ) طبع عيسى الحلبي.

стр. 9274

الإسلام وعلاقته بالديانات الأخرى للشيخ عثمان بن جمعة ضميرية (١) دعوة عالمية بلغت ذروة الكمال: شاء الله أن تكون رسالة محمد ﷺ خاتمة الرسالات السماوية، والتي اختصت عرفا بمدلول كلمة الإسلام كما أن كلمة (اليهودية) أو (الموسوية) تخص شريعة موسى ﵇، وما اشتق منها، وكلمة (النصرانية) أو (المسيحية) تخص شريعة عيسى ﵇ وما تفرع عنها. وهذه الرسالة التي أنزلها الله على نبينا محمد ﷺ بلغت ذروة الكمال، وجاءت دعوة إنسانية عالمية، لا تخاطب قوما بأعيانهم، ولا جنسا بذاته، رضيها الله تعالى للناس دينا، فكانت هي (الدين) الكامل الذي أتم الله تعالى به علينا نعمته: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٢). وبعد أن كان الموكب الكريم من الرسل والأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يرفع راية التوحيد، ويهتف كل بقومه: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ (٣)

стр. 9275

﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ (١). . . إلخ، جاء خاتم النبيين وجامع كلمة المرسلين فجمع الرايات كلها تحت راية واحدة، وجعل ينادي الناس جميعا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (٢)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ (٣)، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ (٤)، بل هو بلاغ لكل من بلغه خبره وانتهى إليه أمره في عصره وفي سائر العصور إلى يوم القيامة: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ (٥)، والجن والإنس في هذا الخطاب والبلاغ سواء: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ (٦). وقد فصل الله تعالى في القرآن الكريم سمات هذه الدعوة العالمية العامة، وعرضها على أعين الناس في كثير من آياته، فقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ (٧)

стр. 9276

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (٢)، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (٣). وأشار رسول الله ﷺ إلى عموم بعثته وعالمية دعوته فقال: «أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي: كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض طيبة وطهورا ومسجدا، فأيما رجل أدركته الصلاة صلى حيث كان، ونصرت بالرعب بين يدي مسيرة شهر، وأعطيت الشفاعة (٤)». وقال ﵊: «فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب، وأحلت لي الغنائم، وجعلت لي الأرض طهورا ومسجدا، وأرسلت إلى الخلق كافة، وختم بي النبيون (٥)».

стр. 9277

خاتم النبيين: ومن ثم كان محمد ﷺ خاتم الأنبياء والمرسلين، وكانت

стр. 9278

رسالته خاتمة الرسالات جميعا: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (١). ويصور الرسول الكريم ﷺ ختم رسالته للرسالات السابقة، وكيف أتم البناء الذي تعاقبت عليه رسل الله الكرام، فيقول: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي، كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين (٢)».

стр. 9279

و دعوته ناسخة للرسالات السابقة: وإذا كان محمد ﷺ قد أرسل من عند الله تعالى بدين بلغ ذروة الكمال الذي لا كمال بعده، وتوجه الخطاب فيه للعالمين كافة، وختم الله به الرسالات، فإن النتيجة المنطقية اللازمة لهذا الكمال ولتمام النعمة أنه تنقطع صلة الإنسانية عن سائر الرسالات والنبوات السابقة في طاعتها واتباعها - مع الإيمان بأصولها المنزلة - لا بما آلت إليه بعد التحريف على يد الأتباع. فكل ما جاء به الأنبياء السابقون وعرضوه على الإنسانية ودعوها إلى اتباعه، قد نسخ برسالة محمد ﷺ ، وما من شك أن الإيمان بنبوتهم وصدق دعوتهم على وجه الإجمال لازم لا بد منه، إذ ما كانوا إلا دعاة

стр. 9280

إلى الإسلام، وما التصديق بدعوتهم إلا تصديق بالإسلام ولكن مع ذلك فقد انقطعت عنهم صلة الإنسانية في طاعتها واتباعها فعلا، وإنما ارتبطت برسالة محمد ﷺ وتعليمه وأسوته الحسنة، لأن الذي يقتضيه المبدأ: أولا: أن لا تعود الإنسانية بحاجة إلى الناقص بعد أن جاءها الكامل. وثانيا: أنه قد لعبت يد التحريف والإهمال بسيرة وتعاليم الأنبياء السابقين مما لم يعد من الممكن لأجله أن تتبعهم الإنسانية فعلا. ومن هنا، فإن القرآن الكريم حيثما يأمر بطاعة الرسول واتباع أحكامه وأوامره، لا يأتي بكلمة (الرسول) و (النبي) إلا معرفتين بالألف واللام؛ لتكونا خاصتين بمحمد ﷺ . يقول الله تعالى مثلا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١). ويقول: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ (٢). ويقول أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (٣).
следующие страницы →