السؤال الثاني: سائق سيارة كبيرة ناقلة يسافر دائما هل يحق له الجمع بالصلاة أم يحق له القصر وهل يصح له المسح ثلاثة أيام أم لا؟
الجواب: إذا كان سائق هذه السيارة الكبيرة له بلد معين يسكن فيها في الوقت الذي لا يسافر فيه فإنه يترخص برخص السفر إذا كان سفره مباحا لعموم أدلة الرخص في السفر وبالله التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن سليمان بن منيع ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... إبراهيم بن محمد آل الشيخ
стр. 9487
فتوى برقم ١٢٠٧ وتاريخ ٨/ ٣ / ١٣٩٦ هـ
السؤال: شخص يقول: سمعت بعض طلبة العلم يقول في الحرم المدني أن استئجار من يدرس القرآن على نية الميت ليس بمشروع. وبما أن هذا منتشر في بعض البلدان فكيف يعمل بالمال الذي أوصى به الميت في درس قرآن على نيته؟
الجواب: استئجار من يقرأ قرآنا على نية الميت تنفيذا لوصيته التي أوصى بها من الأمور المبتدعة فلا يجوز ذلك ولا يصح لقوله ﷺ «من عملا عملا
стр. 9488
ليس عليه أمرنا فهو رد (١)» وقوله ﵊ «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٢)».
أما المال الذي أوصى به هذا الميت ليدفع أجرة لقارئ على نيته فتصرف غلته في وجوه الخير فإن كان له ذرية فقراء تصدق عليهم منه بقدر ما يدفع حاجتهم، وهكذا من يحتاج إلى المساعدة من متعلمي القرآن وطلبة العلم فإنهم جديرون بالمساعدة من هذا المال وهكذا بقية وجوه الخير وبالله التوفيق. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 9489
فتوى برقم ٣٥٠٧ وتاريخ ١٢/ ٣ / ١٤٠١ هـ
السؤال الأول: شخص يقول: بعد التخرج نقضي فترة تدريبية في جميع أقسام الطب العامة (جراحة - باطنية - أطفال - نساء وولادة) والحمد لله قضيتها كلها ما عدا قسم النساء والولادة فأنا لا يرتاح صدري لهذا العمل خاصة بعد ما علمت ما به من شبهات ولكن مدة التدريب شهرين فقط وبعد انتهاء فترة التدريب (الامتياز) أشرف على وحدة صحية إما وحدي أو مع طبيب آخر وأمارس جميع أنواع الطب ومن يدري لعل بعض النساء تحضر بمرض خطير أو ولادة متعسرة فيكون أمرها في هذه الحالة ضرورة والله أعلم ولعلني أكون وحيدا أو معي نصراني كافر أو مسلم فاسق فكيف
стр. 9490
يتسنى لي علاجها وأنا لم أتدرب هذين الشهرين؟ فأنا في حيرة ولا أعلم أيهما أصح؟
الجواب: إذا كان الواقع كما ذكر من أنه قد يعين في وحدة صحية بالقرى وحده أو يكون معه كافر أو مسلم فاسق فعليه أن يتدرب على ما بقي من أنواع الطب كأمراض النساء والولادة حتى يستعد للقيام بواجبه على الكمال ولو كان كشفا على امرأة أو توليدها إذا ادعت الضرورة إلى ذلك إذا لم يوجد طبيبات يقمن بذلك وكان وحده أو معه طبيب كافر أو مسلم فاسق لكن ليس له أن يخلو بها عند الكشف والعلاج أو الولادة لنهي النبي ﷺ عن ذلك.
السؤال الثاني: بالنسبة لبقية فروع الطب بعيدا عن النساء والولادة ما هي الشروط التي يمكن بموجبها للطبيب المسلم الكشف على المرأة المسلمة.
الجواب: أن لا توجد طبيبة مسلمة تكفي للكشف عليها وعلاجها، وأن يكون من يكشف عليها مسلما دينا، وأن لا يخلو بها لما تقدم وقد صدرت فتوى من اللجنة الدائمة في حكم كشف الطبيب على المرأة وعلاجها هذا نصها:
الأصل وجوب ستر العورة من الرجال والنساء وعورة الرجل من السرة إلى الركبة والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها في الصلاة والإحرام وإذا كانت ترى الرجال الأجانب ويرونها وجب عليها ستر وجهها وبدنها سواء كانت في الصلاة أو في إحرام حج أو عمرة ويجوز كشف العورة إذا دعت الحاجة إلى ذلك ويجوز الإطلاع عليها إذا اقتضت المصلحة الشرعية ذلك ومن ذلك إطلاع الطالبات والطلاب على النساء في أثناء إجراء عمليات تتعلق بأمراض النساء والولادة وذلك من أجل حصولهم على درجات النجاح في هذه المادة
стр. 9491
من أجل الانتقال إلى المرحلة التالية وهكذا حتى يتخرج الطالب والطالبة. والمصلحة الشرعية المترتبة على القول بجواز ذلك هي توفير عدد كاف من الأطباء والطبيبات من المسلمين وإذا منع ذلك في المسلمين نشأ عنه الاحتياج إلى الأطباء والطبيبات من غير المسلمين وهذا فيه من المفاسد الشيء الكثير وقد جاءت الشريعة الإسلامية بجلب المصالح ودرء المفاسد.
السؤال الثالث: ما الذي يحل للزوج من زوجته بعد عقد القران وقبل البناء بها؟
الجواب: يحل له منها ما يحل للزوج من زوجته التي دخل بها من نظر وقبلة وخلوة وسفر بها وجماع. . الخ.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 9492
فتوى برقم ٣١١١ وتاريخ ٢١/ ٧ / ١٤٠٠ هـ
السؤال الأول: امرأة بها العادة الشهرية وطلب منها زوجها الجماع عن طريق الغصب فما حكم ذلك؟ مبينا ما عليه أي الزوج وما عليها وهل يختلف الحكم عن طريق الرضا إذا كانت الزوجة راضية.
الجواب: يحرم على الزوج جماع زوجته الحائض، وله أن يستمتع بما شاء من جسدها سوى الجماع بعد أن تلبس إزارا فإن جامعها في فرجها فعليه أن
стр. 9493
يتصدق بنصف دينار كفارة لذلك وعليها أيضا نصف دينار إن طاوعته، وإلا فلا شيء عليها.
стр. 9494
السؤال الثاني: امرأة تتناول حبوب منع الحمل في شهر رمضان بغرض منع العادة الشهرية حتى لا تأتيها في شهر رمضان وكذلك في أيام الحج إذا أرادت الحج فما الحكم؟
الجواب: يجوز لها أخذ الحبوب لما ذكر من التمكن من الصيام وأداء النسك إذا كان تناولها لا يضر بها.
стр. 9495
السؤال الثالث: هل حلي المرأة من رشرش وغوائش وخماخم وقلب ونحوه إذا كانت المرأة تلبسه لغرض الزينة فيه زكاة أم لا؟
الجواب: نعم تجب فيه الزكاة على الصحيح من قولي العلماء.
стр. 9496
السؤال الرابع: بعض نساء البادية يضعن عليهن حجابا عن أزواج بناتهن ويمتنعن من السلام عليهم مصافحة فهل يجوز لهن ذلك أم لا؟
الجواب: زوج ابنة المرأة من محارمها بالمصاهرة، يجوز له أن يرى منها ما يجوز أن يراه من أمه وأخته وابنته وسائر محارمه فسترها وجهها أو شعر رأسها أو ذراعها ونحو ذلك من زوج ابنتها من الغلو في الحجاب ، والامتناع من مصافحته عن اللقاء غلو أيضا في التحفظ وقد يوجب ذلك نفرة وقطيعة فينبغي لها أن تترك الغلو في ذلك إلا إذا أحست منه ريبة أو وجدت منه عينا خائنة فهي محسنة فيما فعلت.
стр. 9497
السؤال الخامس: يلجأ بعض الرجال إلى مصافحة النساء القريبات وهن لسن محارم له ولكن عن طريق قرابة وجيران فما حكم ذلك، وهل يكفي لو تضع المرأة على يدها قطعة قماش لغرض التستر.
стр. 9498
الجواب: لا يجوز للرجل أن يصافح امرأة أجنبية منه ولو وضعت خرقة على يدها عند المصافحة وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عضو ... عضو ... نائب رئيس اللجنة ... الرئيس
عبد الله بن قعود ... عبد الله بن غديان ... عبد الرزاق عفيفي ... عبد العزيز بن عبد الله بن باز
стр. 9499
من فتاوى سماحة الشيخ
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
أولا: أسئلة حول تربية اللحية
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد. فقد سألني بعض الإخوان عن الأسئلة التالية:
١ - هل تربية اللحية واجبة أو جائز.
٢ - هل حلقها ذنب أو إخلال بالدين.
٣ - هل حلقها جائز مع تربية الشنب.
والجواب عن هذه الأسئلة: أن نقول: قد صح عن النبي ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : «احفوا الشوارب ووفروا اللحى خالفوا المشركين (١)» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «جزوا الشوارب وأرخوا اللحى خالفوا المجوس (٢)». وخرج النسائي في سننه بإسناد صحيح عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٣)» قال العلامة الكبير والحافظ الشهير أبو محمد بن حزم: اتفق العلماء أن قص الشارب وإعفاء اللحية فرض. والأحاديث في هذا الباب وكلام أهل العلم فيما يتعلق بإحفاء الشوارب وتوفير اللحى وإكرامها وإرخائها كثير لا يتيسر استقصاء الكثير منه في هذه الرسالة ومما تقدم من الأحاديث وما نقله ابن حزم من الإجماع تعلم الجواب عن الأسئلة الثلاثة وخلاصته أن تربية اللحية وتوفيرها
стр. 9500
وإرخاءها فرض لا يجوز تركه لأن الرسول ﷺ أمر بذلك وأمره على الوجوب كما قال الله : ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١) وهكذا قص الشارب واجب وإحفاؤه أفضل أما توفيره أو اتخاذ الشنبات فذلك لا يجوز لأنه يخالف قول النبي ﷺ «قصوا الشوارب (٢)» «أحفوا الشوارب (٣)» «جزوا الشوارب (٤)» «من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٥)» وهذه الألفاظ الأربعة كلها جاءت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ ، وفي اللفظ الأخير وهو قوله ﷺ «من لم يأخذ من شاربه فليس منا (٦)» وعيد شديد وتحذير أكيد وذلك يوجب للمسلم الحذر مما نهى الله عنه ورسوله والمبادرة إلى امتثال ما أمر الله به ورسوله ومن ذلك تعلم أيضا أن إعفاء الشارب واتخاذ الشنبات ذنب من الذنوب ومعصية من العاصي وهكذا حلق اللحية وتقصيرها من جملة الذنوب والمعاصي التي تنقص الإيمان وتضعفه ويخشى منها حلول غضب الله ونقمته. وفي الأحاديث المذكورة آنفا الدلالة على أن إطالة الشوارب وحلق اللحى وتقصيرها من مشابهة المجوس والمشركين والتشبه بهم منكر لا يجوز فعله لقول النبي ﷺ «من تشبه بقوم فهو منهم (٧)» وأرجو أن يكون في هذا الجواب كفاية وإقناع.
والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
стр. 9501
ثانيا: أهمية الغطاء على وجه المرأة
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الأخ المكرم، وفقه الله لكل خير آمين.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بعده: كتابكم المؤرخ بدون وصل وصلكم الله بهداه وهذا نصه؛ أرجو من فضيلتك إجابتي عن أهمية الغطاء على وجه المرأة، وهل هو واجب أوجبه الدين الإسلامي وإذا كان كذلك فما هو الدليل على ذلك إنني أسمع الكثير وأعتقد أن الغطاء عم استعماله في الجزيرة على عهد الأتراك ومنذ ذلك الوقت سار التشديد على استعماله حتى أصبح يراه الجميع أنه فرض على كل امرأة، كما قرأت أنه في عهد النبي ﷺ وعهد الصحابة الراشدين كانت المرأة تشارك الرجل في الكثير من الأعمال كما تساعده في أيام الحروب فهل هذه الأشياء حقيقة أم أن فهمي غلط لا أساس له. إنني أنتظر الإجابة من فضيلتك لفهم الحقيقة وحذف ما هو مشوه. انتهى.
الجواب: الحجاب كان أول الإسلام غير مفروض على المرأة وكانت تبدي وجهها وكفيها عند الرجال، ثم شرع الله سبحانه الحجاب للمرأة وأوجب ذلك عليها صيانة لها وحماية لها من نظر الرجال الأجانب إليها وحسما لمادة الفتنة بها وذلك بعد نزول آية الحجاب وهي قوله تعالى في سورة الأحزاب ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ (١)
стр. 9502
الآية، والآية المذكورة وإن كانت نزلت في زوجات النبي ﷺ فالمراد منها هن وغيرهن من النساء لعموم العلة المذكورة والمعنى، وذلك مثل قوله سبحانه في السورة نفسها: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ (١). الآية، فإن هذه الآية تعمهن وغيرهن بالإجماع، ومثل قوله في سورة الأحزاب أيضا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (٢) الآية، وأنزل الله في ذلك أيضا آيتين أخريين في سورة النور وهما قوله تعالى ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ (٣). الآية، والبعولة هم الأزواج، والزينة هي المحاسن والمفاتن والوجه أعظمها، وقوله سبحانه ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ (٤) المراد به الملابس في أصح قولي العلماء كما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ﵁ لقوله تعالى ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ (٥). الآية ووجه الدلالة من هذه الآية على وجوب تحجب النساء وهو ستر الوجه وجميع
стр. 9503
البدن عن الرجال غير المحارم، أن الله سبحانه رفع الجناح عن القواعد اللاتي لا يرجون نكاحا وهن العجائز إذا كن غير متبرجات بزينة، فعلم بذلك أن الشابات يجب عليهن الحجاب وعليهن جناح في تركه، وهكذا العجائز المتبرجات بالزينة عليهن أن يتحجبن لأنهن فتنة، ثم إنه سبحانه أخبر في آخر الآية أن استعفاف القواعد غير المتبرجات خير لهن وما ذاك إلا لكونه أبعد لهن من الفتنة، وقد ثبت عن عائشة وأختها أسماء ﵄ ما يدل على وجوب ستر المرأة وجهها عن غير المحارم ولو كانت في حال الإحرام كما ثبت عن عائشة وأختها أسماء ﵄ ما يدل على وجوب ستر المرأة وجهها عن غير المحارم ولو كانت في حال الإحرام كما ثبت عن عائشة ﵂ ما يدل على أن كشف الوجه للمرأة كان في أول الإسلام ثم نسخ بآية الحجاب وبذلك تعلم أن حجاب المرأة أمر قديم من عهد النبي ﷺ قد فرضه الله سبحانه، وليس من عمل الأتراك، أما مشاركة النساء للرجال في كثير من الأعمال على عهد النبي ﷺ كعلاج الجرحى وسقيهم في حال الجهاد ونحو ذلك فهو صحيح مع التحجب والعفة والبعد عن أسباب الريبة كما «قالت أم سليم ﵂ كنا نغزو مع النبي ﷺ فنسقى الجرحى ونحمل الماء ونداوي المرضى»، هكذا كان عملهن لا عمل نساء اليوم في كثير من الأقطار التي يدعي أهلها الإسلام اللائي اختلطن بالرجال في مجالات الأعمال متبرجات متبذلات فآل الأمر تفشي الرذيلة، وتفكك الأسر وفساد المجتمع ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، ونسأل الله أن يهدي الجميع صراطه المستقيم وأن يوفقنا وإياك وسائر إخواننا للعلم النافع والعمل به إنه خير مسؤول.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،،
стр. 9504
ثالثا: تنبيه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز
حول محاورة نشرتها مجلة اقرأ بين أرسطو وأرسطوقان
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وعلى آله وصحبه.
أما بعد: فقد اطلعت على كلمة نشرتها مجلة اقرأ في عددها (٦٠٤) الصادرة في ٢٢/ ٥ / ١٤٠٧ هـ عن محاورة بين أرسطوا وأرسطوقان. جاء فيها ما نصه " الطبيعة تخطئ والإنسان يصحح " وهذا الإطلاق منكر عظيم وكفر صريح. ومعلوم أن الفلاسفة لا يؤمنون بإله خالق مدبر له الكمال المطلق يفعل لحكمة ويترك لحكمة وهو منزه عن الخطأ في أفعاله وأقواله ومن أجل عدم إيمانهن بالخالق العظيم الكامل في أسمائه وصفاته ينسبون الحوادث إلى الطبيعة وهذا من جهلهم وبعدهم عما جاءت به الرسل عليهم الصلاة والسلام فالواجب عدم الاغترار بأقوالهم فيما يتعلق بالإلهيات والشرائع لجهلهم بها وعدم إيمانهم ولا شك أن ما يقع في العالم من أمراض وحوادث وتشويه خلقة أو غير ذلك كلها تقع بمشيئة الله سبحانه وله فيها الحكمة البالغة والحجة الدامغة وإن جهلها الخلق كما قال ﴿إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ (١). وقال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (٢)
стр. 9505
وقال : ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ (١) وما ذاك إلا لكمال حكمته وعلمه تبارك اسمه وتقدس عن قول الظالمين والكافرين والجاهلين وتعالى علوا كبيرا. ولواجب النصح لله ولعباده جرى التنبيه، والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
стр. 9506
رابعا: إجابة سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز على أسئلة تقدمت بها جريدة عكاظ
س١: فضل الله شهر رمضان المبارك عن بقية الأشهر، ولياليه العشر الأخيرة عن ليالي العام وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
هل ليلة القدر محددة التاريخ أم أنها خلال العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم؟
س٢: ارتبط نزول القرآن الكريم بهذه الليلة المباركة. . وكتاب الله دستورنا الذي نهتدي بنهجه القويم. . هل ترى أن حالة التشتت والتمزق التي يعاني منها عالمنا الإسلامي في المرحلة الراهنة هو ابتعاده وعدم تمسكه بكتاب الله؟
س٣: ما هي أمنيات سماحتكم في هذه الليلة المباركة على المستوى المحلي والعربي والإسلامي؟
стр. 9507
ج١: ليلة القدر أخبر النبي ﷺ أنها في العشر الأخيرة من رمضان وبين ﵊ أن أوتار العشر آكد من أشفاعها فمن قامها جميعا أدرك ليلة القدر. وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه (١)» والمعنى أن من قامها بالصلاة وسائر أنواع العبادة من قراءة ودعاء وصدقة وغير ذلك إيمانا بأن الله شرع ذلك واحتسابا للثواب عنده لا رياء ولا لغرض آخر من أغراض الدنيا غفر الله له ما تقدم من ذنبه.
وهذا عند جمهور أهل العلم مقيد باجتناب الكبائر لقول النبي ﷺ «الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما لم تغش الكبائر (٢)» خرجه الإمام مسلم في صحيحه.
فنسأل الله أن يوفق المسلمين جميعا في كل مكان بقيامها إيمانا واحتسابا إنه جواد كريم.
ج٢: لا شك أن ما أصاب المسلمين من تفرق واختلاف ومصائب متنوعة، كل ذلك بأسباب ما كسبت أيديهم من الذنوب والمعاصي وأعظم ذلك عدم تحكيم الشريعة الإسلامية بين أكثر المسلمين. وعدم التزام قادتهم بذلك كما قال الله : ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ (٣). فنسأل الله أن يوفق المسلمين حكاما وشعوبا للالتزام بشريعته والحكم بها والاستقامة على دينه قولا وعملا وعقيدة، وترك ما
стр. 9508
يخالف ذلك إنه ولي ذلك والقادر عليه.
ج٣ أمنيتي وأمنية كل مسلم بصير بدينه أن يوفق المسلمين للالتزام بشريعته قولا وعملا وأن يؤدوا ما فرض الله عليهم ويتركوا ما حرم الله عليهم، وأن يعتصموا بحبله جميعا وأن يكونوا متحابين في الله متعاونين على البر والتقوى وبذلك ينصرهم الله ويحفظهم من كل سوء. كما قال سبحانه: ﴿وَالْعَصْرِ﴾ (١) ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ (٢) ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ (٣). وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٤) ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ (٥). وقال : ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (٦). الآية.
والآيات في هذا المعنى كثيرة ونسأل الله أن يحقق للمسلمين وقادتهم كل ما فيه صلاحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة إنه سميع قريب.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 9509
صفحة فارغة
стр. 9510
موقف الشريعة الإسلامية
من ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار
الشيخ /
عبد الله بن سليمان المنيع (١)
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد وعلى آله وصحبه وبعده:
لا شك أن الالتزام بالحق سواء كان التزاما بدين نقدي أم بمال عيني كديون السلم أم بعمل كعقود المقاولات والإجارات الخاصة أو المشتركة أو بتوثيق كعقود الكفالات والضمان. إن الالتزام بالحق يعني تعلق ذلك الحق بذمة من التزم به سواء كان ذلك الملتزم شخصا اعتباريا أو شخصا طبيعيا. ولا شك أن الحق اللازم في الذمة قد تحدد بعقد الالتزام به قدره ونوعه وصفته وأجل الوفاء به إن كان له أجل، وأن توثيق الالتزام به يعني عقدا جرى التعهد بالالتزام به والوفاء بمقتضاه وبما نص عليه من شروط وقيود وتعهدات. وهذا يعني أن عقدا جرى تعيين الالتزام بما فيه بمقدار معين وصفة معينة فإن مقتضى العقد يوجب أن هذا الحق لا يجوز أن يتغير بزيادة ولا نقصان إلا باتفاق طرفيه طبقا للمقتضيات
стр. 9511
الشرعية إلا ما اقتضى إعطاؤه حكما شرعيا استثنائيا يتفق مع العدل ودفع الظلم وآثاره.
وهذا هو الأصل في العقود طبقا للنصوص الشرعية من كتاب الله تعالى ومن سنة رسوله محمد ﷺ ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ (٢) ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ (٣) ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ (٤) ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ (٥) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٦) وقال تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾ (٧).
وفي المنتقى عن عمرو بن عوف أن النبي ﷺ قال: «المسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما (٨)» قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وفي كتاب عمر بن الخطاب ﵁ الذي كتبه إلى أبي موسى الأشعري: المسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا.
ولا شك أن عقود الالتزام عقود تراض مشتملة على شروط اتفقت إرادتا طرفي العقد على الأخذ بها وبما اشتملت عليه من شروط وقيود
стр. 9512
وتعهدات فلا يجوز تغييرها بزيادة أو نقص من إرادة منفردة إلا بما لا يضر الطرف الآخر.
بهذا يتضح أن الالتزام بالحق يعني ثباته نوعا وقدرا وصفة وأمدا وأن محاولة التدخل في تغيير الالتزام بدون إرادة طرفيه يعني ترتيب مظالم على الذمم المختصة بهذا الالتزام فالمنتفع بهذا التغيير ظالم والمتضرر به مظلوم ومحتوى الالتزام متغير إلى ما يمكن أن يعتبر من ضروب الربا أو من أكل المال بالباطل أو من القروض التي تجر نفعا.
توضيح ذلك أن الحق موضوع الالتزام إذا طرأ عليه من التقلبات الاقتصادية ما يعتبر جنسه مهيأ للزيادة أو النقص في وقت سداده مما يوجب الضرر لأحد طرفيه بذلك فإن هذا الضرر قد يكون أحد طرفي الالتزام سببا في حصوله على الطرف الآخر كمماطلته في الوفاء بهذا الالتزام حتى تغيرت الأسعار وترتب عليها الضرر، وقد لا يكون لأحد طرفيه سبب في ذلك إلا أن هناك جائحة قضائية من الله أو يكون الالتزام من طرف واحد لآخر كمن يغصب حقا لشخص طبيعي أو اعتباري فيتغير سعر مثل ذلك الحق بما يعتبر نقصا على المغصوب في وقت تسليم ذلك الحق المغتصب.
هذه الحالات الثلاث، للفقه الإسلامي نظر في ربط تغير الأسعار بالالتزام وسيأتي الحديث عن وجهة النظر في ذلك الربط.
أما ما عدا الحالات الثلاث فمنذ زاول الإنسان نشاطه الاقتصادي فإنتاجه عرضة للزيادة والنقصان تزيد قيم السلع باختلال ميزان العرض على الطلب بالنقص وتنقص قيمها بعكس ذلك، ومن عوامل هذه التغيرات الاقتصادية تنشأ الأرباح والخسائر ويتحقق ما وصفه ﷺ من
стр. 9513
أن التجارة غارات المؤمنين.
وبالاجتهاد في الأخذ بأسباب الأرباح وتجنب الخسائر دون الحركة الاقتصادية وبالتالي تتوفر وسائل أكثر لتحصيل العمل وتقليل البطالة وتوفير وسائل الحياة الأفضل.
ولهذا نجد الإسلام يضيق دائرة التعامل بالأثمان على سبيل المصارفة المتمثلة في بيع وشراء لما في حركتها والتحرك من حبس الأثمان التي هي وسيلة التقويم والتقدير عن وظيفتها وجعلها سلعا تباع وتشتري فينتج من ذلك التقليل من الحركة الاقتصادية المتمثلة في الإنتاج والتسويق والاستهلاك.
كما أن الإسلام يحرم المكاسب المضمونة والمبيعات غير المملوكة وتعيين قدر معين من المضاربة في التجارة أو المغارسة أو المخابرة كما أنه يحرم الاحتكار وتلقي الركبان ويقف من قضايا الغش والتدليس والغرر والجهالة والغبن مواقف حازمة كمواقفه الحكيمة في إنكار المكاسب عن طريق الرهان والقمار والميسر، ويدعو الإسلام إلى السعي في الأرض والضرب في الأسواق، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٢) وقال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ (٣).
стр. 9514
فالإسلام يعتبر المخاطرة في التجارة عنصرا ذا أثر فعال في إنعاش الحركة الاقتصادية لما تستلزمه المخاطرة من الحيطة والحذر والحرص والتدبر والمراقبة المستمرة للتقلبات الاقتصادية وبالتالي الأخذ بنتائج ذلك من بيع وشراء وإنتاج وتسويق، فإذا قلنا بربط الحقوق المؤجلة بمستوى الأسعار ولم يكن لمن ترتبت عليه هذه الالتزامات سبب في التضرر بتغير الأسعار فإن هذا يعني معالجة الضرر بضرر ودفع خسارة طرف من أطراف والالتزامات بظلم طرفه الملتزم فضلا عما في ذلك من تشجيع الاستثمارات البنكية والتقليل من عنصر المخاطرة في التجارة حينما يعلم طرفا الالتزام أن العبرة بقيمة الحق موضوع الالتزام هو سعر يوم سداده وما يترتب على ذلك من الجهالة في مقدار الحق بالرغم من تقديره وقت الالتزام بقدر معين، فملتزم بمليون دولار مثلا لزيد من الناس بعد عام يحل أجل السداد في وقت تكون القيمة الشرائية للدولار قد انخفضت بمقدار ٤٠% في المائة مثلا فربط الحق بسعر يوم سداده يعني أن مليون الدولار تتحول إلى مليون وأربعمائة دولار، فالملتزم بالحق يعرف أن التزامه بمليون دولار، ولكنه لا يعرف وقت سدادها مقدار ما يسدده فقد يزيد مبلغ الالتزام وقد ينقص وهكذا في أموال عقود السلم ومضاربات البورصات وأجور العمال والالتزامات التوثيقية.
وبهذا يتضح لنا أن الأخذ بمبدأ ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار مصادم للمقتضيات الشرعية في الشريعة الإسلامية وللتوجيهات الإسلامية للاقتصاد الإسلامي الحر وللطمأنينة الموجبة للثقة في أن الحق الملتزم به هو الحق قدرا نوعا وصفة وأجلا، فلا يخشى صاحب الحق نقص حقه ولا يخشى الملتزم به تغيره عليه بزيادة. كما أن الأخذ بذلك موجب لظلم أحد طرفي العقد وأكل الظالم منهما مالا بدون
стр. 9515
حق فضلا عما في ذلك من الجهالة وتشجيع البنوك على مضاعفة نشاطاتها الربوية وتثبيط التجارة بما يعطي التاجر التردد في إجراء صفقات تجارية، فيها التزامات بحقوق مؤجلة حيث لا يدري وهو يسوق بضائعه عن ربحه أو خسارته بالرغم من معرفته مقدار قيمة شراء بضاعته ومقدار قيمة بيعها لأنه لا يعرف الزيادة المحتملة على ما التزم به طبقا لربط هذا الالتزام بسعر يوم سداده فقد تأتي هذه الزيادة على ربح محسوس حققته صفقته التجارية.
وقبل دخولي في نقاش القائلين بوجاهة ربط الحقوق والالتزامات المؤجلة بمستوى الأسعار أرغب إبداء ما عندي في وجود حالات استثنائية توجب ربط الالتزام بمستوى الأسعار حتى تكتمل الصورة ويتضح الاتجاه ويتحرر موضوع النقاش.
أولى هذه الحالات ما إذا كان الالتزام بالحق حال الأداء وكان الملتزم مليئا غنيا، إلا أنه صار يماطل صاحب الحق حتى تغيرت الأسعار سواء انخفضت القيمة الشرائية للنقد موضع الالتزام، أم انخفض سعر العين المالية موضوعة الالتزام كديون السلم. فمماطلة من عليه الحق لمن له الحق ظلم وعدوان موجبة لحل عرضه وعقوبته كما قال ﷺ : «مطل الغني ظلم (١)». رواه الشيخان في صحيحهما. وقال ﷺ : «لي الواجد يحل عرضه وعقوبته (٢)». رواه أهل السنن. ومن العقوبة أن يربط الحق بسعر يوم سداده إذا كان فيه نقص على صاحبه، فالزيادة على المماطل بأداء الحق، عقوبة يستحقها بسبب ليه ومطله، وإعطاء صاحب الحق هذه الزيادة يعتبر من العدل والإنصاف لأن مماطلة خصمه أضرت به بمقدار هذه الزيادة.
стр. 9516
لقد اختلف الفقهاء ﵏ في تقدير الحق المغتصب المماطل في أدائه بسعر يوم سداده، قال في منتهى الإرادات، ولا يضمن نقص سعر. اهـ (١) كما اختلفوا في تعيين العقوبة التي يستحقها فذهب جمهورهم إلى عدم الزيادة على الحق بشيء مطلقا، كما مر النقل من المنتهى وأن العقوبة المقصودة في الحديث «لي الواجد يحل عقوبته (٢)»، ما يوقعها ولي الأمر أو نائبه على المماطل بأداء الحق من عقوبة تعزيرية بحبس أو جلد أو بهما معا. وذهب بعضهم إلى أن العقوبة هي تكليف المماطل بضمان ما خسره صاحب الحق في سبيل المطالبة بتحصيل حقه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن مطل صاحب الحق حتى أحوجه إلى الشكاية فما غرمه بسبب ذلك فهو على الظالم المبطل إذا كان غرمه على الوجه المعتاد (٣).
وذهب بعض المحققين من أهل العلم إلى القول بضمان نقص السعر قال الشيخ عبد الرحمن بن سعدي ﵀: قال الأصحاب: وما نقص بسعر لم يضمن. أقول: وفي هذا نظر فإن الصحيح أنه يضمن نقص السعر وكيف يغصب شيئا يساوي ألفا وكان مالكه يستطيع بيعه بالألف ثم نقص السعر نقصا فاحشا فصار يساوي خمسمائة أنه لا يضمن النقص فيرده كما هو؟ اهـ (٤).
وهذا القول هو ما يقتضيه العدل الذي أمر الله به وهو في نفس الأمر عقوبة للظالم أقرها رسول الله ﷺ بقوله: «لي الواجد يحل عقوبته (٥)» ولا شك أن المماطل في حكم الغاصب بمماطلته أداء الحق الواجب عليه إلا
стр. 9517
أن تقدير الزيادة عليه يجب أن يراعى في تعيينها العدل فلا يجوز دفع ظلم بظلم ولا ضرر بضرر، فمثلا زيد من الناس قد التزم لعمرو بمبلغ مائة ألف دولار مثلا يحل أجلها في غرة شهر محرم عام ١٤٠٧، وكان سعر الدولار بالين الياباني وقت الالتزام مائتين وأربعين ينا وفي أول يوم من شهر محرم عام ١٤٠٧ انخفض سعره إلى مائتين وعشرين ينا فطلب صاحب الحق حقه من الملتزم زيد فماطله إلى وقت انخفض سعر الدولار إلى مائة وخمسين ينا، فما بين سعر الدولار وقت الالتزام بالحق وبين سعره وقت الاستعداد بالسداد نقص مقداره تسعون ينا في الدولار الواحد فإذا قلنا بضمان النقص للمماطلة فإن الفرق بين سعره وقت الحلول ثم المماطلة وبين سعره وقت الاستعداد بالوفاء هو سبعون ينا، فالعدل أن يقتصر الضمان على هذا المقدار سبعين ينا عن كل دولار. أما التغير بزيادة فيتصور تضرر المدين بهذا التغير إلا أن الدائن ليس سببا في هذا الضرر ولهذا فضرره كضرر غيره من عموم من يتضرر بهذا التغير وانتفاع الدائن بهذا التغير كانتفاع غيره ممن ينتفع بهذا التغير من العموم، وتأسيسا على هذا فليس للمدين حق ضمان ما يصيبه من ضرر لقاء تغير السعر بزيادة لانتفاء السبب الخاص بذلك.
الحال الثانية: أن لا يكون للملتزم بالحق سبب في خسارة صاحب الحق بنقص حقه وإنما يرجع ذلك إلى أسباب قهرية لا دخل لأي من طرفي العقد بها، فهذه الحال إن كانت الخسارة على أحد أطراف العقد تزيد عن الثلث فقد تقاس على قاعدة وضع الجوائح وإن كان القائلون بها يرون قصرها على الثمار على أصولها مما تم بيعها ولم تقبض فأصابها جائحة سماوية قضت عليها أو على بعضها إلا أن المسألة محل نظر في اجتماع القضيتين في حصول خسارة فاحشة ليس لأحد طرفي العقد سبب
стр. 9518
في حصولها، وتنفرد إحداهما عن الأخرى في أن قضيتنا حق تم الالتزام به وجرى تعيين موجبه في غالب مسائله.
وعلى أي حال فهذه المسألة تحتاج إلى إفرادها ببحث تستقصى فيه مبررات الحكم فيها.
الحال الثالث: إذا كان الالتزام بدين نقدي من عملة ورقية معينة ثم انخفضت قيمة هذه العملة الورقية انخفاضا فاحشا ولم يحل أجل سدادها، ونمثل بالليرة اللبنانية ونضرب مثلا لهذه الحال: خالد من الناس التزم لمحمد بمائة ألف ليرة قيمة بضاعة جرى قبضها في مجلس العقد، وتم الاتفاق على تأجيل دفعها إلى عام، وكانت قيمة الليرة وقت الالتزام تعادل ريالا سعوديا وبعد حلول أجل الدفع انخفضت قيمة الليرة حيث صارت قيمة مائة ليرة ثلاثة ريالات سعودية، فهل يسلم خالد لمحمد مائة ألف ليرة لبنانية بغض النظر عن انخفاض قيمتها وفي هذا خسارة بالغة على محمد أم يلزم خالد بقيمتها وقت الالتزام لأن الليرة الآن في حكم السكة المنقطعة يمكننا أن نرجع في حكم هذه المسألة إلى ما ذكره الفقهاء ﵏.
فقد ذكر الشيخ عبد الله أبا بطين ﵀ عن الشيخ تقي الدين ابن تيمية ﵀ بعد أن ذكر أن الدائن يرجع على مدينه بقيمة ما عليه من دين نقدي إذا أبطل السلطان التعامل به، أما إذا زادت قيمته أو نقصت فليس له إلا ما في ذمة مدينه. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: قال الأثرم سمعت أبا عبد الله يسأل عن رجل له على رجل دراهم مكسرة فسقطت المكسرة أو الفلوس. قال يكون عليه قيمتها من الذهب.
وقد نص في القرض على أن الدراهم المكسرة إذا منع التعامل بها
стр. 9519
فالواجب القيمة فيخرج من سائر المتلفات، وكذلك في الغصب والقرض فإنه معلوم أنه ليس المراد عين الشيء المعين فإنه ليس هو المستحق وإنما المراد عيب النوع، والأنواع لا يعقل عيبها إلا بنقصان قيمتها فإذا أقرضه أو غصبه طعاما فنقصت قيمته فهو نقص النوع فلا يجبر على أخذه ناقصا فيرجع إلى القيمة وهذا هو العدل فإن المالين يتماثلان إذا استوت قيمتهما وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل، فعيب الدين إفلاس المدين، وعيب العين المعينة خروجها عن الكمال بالنقص. اهـ (١).
وقال ابن مفلح في الفروع: وقيل إن رخصت فله القيمة كالمكان (٢).
وقال الشيخ محمد بن إبراهيم ﵀: قوله وكذلك المغشوشة وعندهم أنها مثلية، فيكفي ردها لكن فيما إذا وجد نقصا فإنه يلزمه المثل عندهم وعلى أصل الشيخ، الظاهر أنه يلزمه القيمة ثم هذا في القرض ونص عليه أحمد واختار الشيخ أن هذا يجري في سائر الديون - قال الشيخ: وهذا هو الذي ينبغي لما على كل من النقص. اهـ (٣).
وقال الرهوني: ظاهر كلام غير واحد من أهل المذهب وصريح كلام آخرين فهم أن الخلاف السابق محل إذا قطع التعامل بالسكة القديمة جملة. أما إذا تغيرت بزيادة أو نقص فلا، وممن صرح بذلك أبو سعيد بن لب، قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر جدا حتى يصير
стр. 9520
القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه، لوجود العلة التي علل بها المخالف. اهـ (١).
وقال الشوكاني في كتابه نيل الأوطار:
فائدة قال في البحر: مسألة الإمام يحيى لو باع بنقد ثم حرم السلطان التعامل به قبل قبضه فوجهان يلزم ذلك النقد إذا عقد عليه، الثاني يلزم قيمته إذا صار لكساده كالعرض. انتهى. قال في المنار: وكذلك لو صار كذلك يعني النقد لعارض آخر، وكثيرا ما وقع هذا في زماننا لإفساد الضربة لإهمال الولاة النظر في المصالح والأظهر أن اللازم القيمة لما ذكره المصنف. اهـ (٢).
قوله: وكذلك لو صار لعارض آخر يفهم منه أن النقص الفاحش أو الزيادة الفاحشة موجبة للأخذ بالقيمة قياسا على منع السلطان التعامل بالسكة موضوعة الالتزام.
بقي علينا أن نعرف ما مقدار الفحش في الزيادة أو النقص.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في تحديد ما يوجب اعتبار الجائحة ما نصه:
(. . فلا فرق بين قليل الجائحة وكثيرها في أشهر الروايتين. . والثانية أن الجائحة الثلث فما زاد كقول مالك؛ لأنه لا بد من تلف بعض الثمر في العادة فيحتاج إلى تقدير الجائحة فتقدر بالثلث كما قدرت به
стр. 9521
الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك لأن النبي ﷺ قال: الثلث والثلث كثير (١).
وخلاصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى الالتزام بها ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو زيادتها وأن من التزم لآخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه لا يلزمه غير مثله وأن بعضهم ذهب إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها، وبعضهم توسط فاعتبر النقص الفاحش، والزيادة الفاحشة موجبة لأخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة والنقص، فقال بعضهم: إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال: إن ذلك مقدر بالثلث فما فوقه.
وما جرى استعراضه في الحالات الثلاث وما في أحكامها من أقوال لأهل العلم تدور بين الاعتبار وعدمه يعطي تصورا واضحا إلى أن القول بربط الحقوق والالتزامات الآجلة بالأسعار موضع تحفظ بالغ في الشريعة الإسلامية. فحتى إذا ظهرت المبررات للأخذ به فإن هناك من يرفضه أخذا بمبدأ الالتزام والاحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع الالتزام قيمة معتبرة وإن نقصت عن قيمتها الحقيقة وقت الالتزام.
وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق الآجلة بالأسعار فنقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد:
أولى هذه المبررات القول بأن الإسلام دين العدل والإنصاف،
стр. 9522
والتضخم الاقتصادي يأتي على هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي ش من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة فهم يعانون قلة ذات اليد. وربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم.
والإجابة على هذا التسليم بأن الإسلام دين العدل والإنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات في أيدي قلة من الناس، قال تعالى في تبرير الإنفاق على المحتاجين دون الأغنياء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات وإعادة توزيعها على أكبر عدد ممكن. فهو يحض على الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله غير محصورة في جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيلا لله ويوجب في الأموال حقوقا معينة كالزكوات وحقوقا غير معينة كالنفقات الواجبة، وفي الأثر عن رسول الله ﷺ «إن في المال حقا سوى الزكاة (٢)».
والإسلام حينما يحارب التضخم الاقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعاملات التجارية كبيوع الغرر والغبن والجهالة والاسترسال وبيع ما لا يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن الإحتكار، كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب ضوابطه عن الظلم وينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. ومما يعود على المجتمعات والدول بالتضخم المتاجرة بالأثمان - العملات النقدية - فقد اتجه كثير من علماء الإسلام ومحققيهم إلى
стр. 9523
التحذير من ذلك فقد قال الإمام الغزالي في كتابه " الإحياء " ما نصه:
من نعم الله خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما - إلى أن قال - فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونا صالحين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهي التوصل بهما إلى سائر الأشياء - إلى أن قال - فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد كفر بنعمة الله تعالى فيهما، فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر بالنعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. اهـ (١).
ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقديم الأموال فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع - ثم ذكر أسباب فساد المعاملات ومنها اتخاذ الأثمان سلعا فقال: كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم - إلى أن قال - فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت
стр. 9524
في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. اهـ (١).
وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل بالأثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف.
ولا يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال الأعمال عن الإسهام في المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش الإنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته الأساسية " تقييم السلع وواسطة التبادل ". وبهذا يتضح موقف الإسلام من التضخم ومن أسباب التضخم، وأنه يحارب التضخم بتشريعات في الأخذ بها حماية المجتمع من التضخم وصيانة الأسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته تغيير الالتزامات الآجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات الأسعار إذ لا شك أن في هذا أثرا عكسيا في اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي والتضخم النقدي، أما وجه اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي فإن من يلتزم لغيره بحق ففي حال الأخذ بربط الالتزام بمؤشرات الأسعار فإنه لا يدري عن ميزان التزامه ولا عن مردود حركته الاقتصادية فقد يخطط لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إلا أن الأخذ بربط الالتزام بالأسعار قد يأتي على ما يراه ربحا محققا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن القيام بذلك المشروع الذي يرى
стр. 9525
ربحه محققا فيه إلا أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على ذلك الربح.
وأما وجه اعتباره عاملا من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي لا يتناسب حجمه العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات، وتغير الالتزامات الآجلة وربطها بسعر أجل سدادها، وفي ظروف تقلبات اقتصادية لا تحكمها قواعد واضحة ولا تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة الالتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو تستودع إياه للحفظ، أو الاستثمار. وبهذا يتضح أن ربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يعتبر من عوامل التضخم المالي والانكماش الاقتصادي، لا أنه من عوامل محاربة التضخم.
المبرر الثاني: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، قاعدتان شرعيتان، والتضخم يوجب الضرر والإضرار وليس للدائن أو المدين سبب في هذا الضرر إلى آخر التوجيه.
والإجابة عن هذا، أن الضرر لا يزال بالضرر، وأن الظلم لا يزال بظلم، فطالما أن المدين لم يكن له سبب في انخفاض قيمة ما التزم به والمسعر هو الله ، والالتزام بالحق طالما أن الحق مثلي وفي الذمة وهو معلوم القدر والصفة وأجل الوفاء به، فإن الزيادة في قدره وطبقا لتغير الأسعار ظلم محقق في حق من التزم به وضرر بالغ عليه لم يكن السبب في حصول موجبه وإن كان موجب تغير الأسعار النقص، فإن الدائن مظلوم ومتضرر من تخفيض حقه الملتزم له به قدرا وصفة وأمدا. ولا يخفى أن الآثار الشرعية المعتبرة والمترتبة على تغير الالتزامات