الوصية والنذر ومواضع في الجراح وغير ذلك لأن النبي ﷺ قال: الثلث والثلث كثير (١).
وخلاصة القول في هذه المسألة أن جمهور أهل العلم ذهبوا إلى وجوب قيمة عملة جرى الالتزام بها ثم أبطل السلطان التعامل بها قبل قبضها وأن جمهورهم ذهبوا إلى عدم اعتبار نقص العملة أو زيادتها وأن من التزم لآخر بنقد جرى فيه النقص أو الزيادة أنه لا يلزمه غير مثله وأن بعضهم ذهب إلى اعتبار النقص والزيادة كاعتبار منع السلطان التعامل بها في وجوب القيمة فيها، وبعضهم توسط فاعتبر النقص الفاحش، والزيادة الفاحشة موجبة لأخذ القيمة ثم اختلفوا في تقدير الفحش في الزيادة والنقص، فقال بعضهم: إن ذلك يرجع إلى العرف والعادة وبعضهم قال: إن ذلك مقدر بالثلث فما فوقه.
وما جرى استعراضه في الحالات الثلاث وما في أحكامها من أقوال لأهل العلم تدور بين الاعتبار وعدمه يعطي تصورا واضحا إلى أن القول بربط الحقوق والالتزامات الآجلة بالأسعار موضع تحفظ بالغ في الشريعة الإسلامية. فحتى إذا ظهرت المبررات للأخذ به فإن هناك من يرفضه أخذا بمبدأ الالتزام والاحتفاظ بقدره ونوعه وأمده طالما أن لموضوع الالتزام قيمة معتبرة وإن نقصت عن قيمتها الحقيقة وقت الالتزام.
وبعد هذا يمكن أن ننتقل إلى نقاش مبررات القول بربط الحقوق الآجلة بالأسعار فنقول وبالله التوفيق وعليه الاعتماد:
أولى هذه المبررات القول بأن الإسلام دين العدل والإنصاف،
стр. 9522
والتضخم الاقتصادي يأتي على هذه القاعدة حيث إن التضخم سبب في تكدس الثروات بأيدي ش من الناس وتبقى الكثرة الكاثرة فهم يعانون قلة ذات اليد. وربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يحقق العدل ويقضي على التضخم.
والإجابة على هذا التسليم بأن الإسلام دين العدل والإنصاف وأنه ضد التضخم وتجمع الثروات في أيدي قلة من الناس، قال تعالى في تبرير الإنفاق على المحتاجين دون الأغنياء: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (١) وهو يهدف من تشريعاته الصائبة إلى إشاعة المال بطرق مشروعة ومختلفة وتفتيت الثروات وإعادة توزيعها على أكبر عدد ممكن. فهو يحض على الإنفاق في سبيل الله، وسبل الله غير محصورة في جهة معينة فكل طريق من طرق الخير يعتبر سبيلا لله ويوجب في الأموال حقوقا معينة كالزكوات وحقوقا غير معينة كالنفقات الواجبة، وفي الأثر عن رسول الله ﷺ «إن في المال حقا سوى الزكاة (٢)».
والإسلام حينما يحارب التضخم الاقتصادي فهو يحاربه بتحريمه جملة من المعاملات التجارية كبيوع الغرر والغبن والجهالة والاسترسال وبيع ما لا يملك أو لم يقبض وبيوع الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة وينهى عن تلقي الركبان وعن الإحتكار، كما أنه ينهى عن التسعير ما لم توجد له أسباب ضوابطه عن الظلم وينهى عن التصرف في سكة المسلمين بما يعود عليهم بالضرر فقد نهى ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس. ومما يعود على المجتمعات والدول بالتضخم المتاجرة بالأثمان - العملات النقدية - فقد اتجه كثير من علماء الإسلام ومحققيهم إلى
стр. 9523
التحذير من ذلك فقد قال الإمام الغزالي في كتابه " الإحياء " ما نصه:
من نعم الله خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما - إلى أن قال - فإذن خلقهما الله تعالى لتتداولهما الأيدي ويكونا صالحين بين الأموال بالعدل، ولحكمة أخرى وهي التوصل بهما إلى سائر الأشياء - إلى أن قال - فهذه هي الحكمة الثانية وفيهما أيضا حكم يطول ذكرها فكل من عمل فيهما عملا لا يليق بالحكم بل يخالف الغرض المقصود للحكم فقد كفر بنعمة الله تعالى فيهما، فإن من كنزهما فقد ظلمهما وأبطل الحكمة فيهما، وكان كمن حبس حاكم المسلمين في سجن يمتنع عليه الحكم لسببه وكل من عامل معاملة الربا على الدراهم والدنانير فقد كفر بالنعمة وظلم لأنهما خلقا لغيرهما لا لأنفسهما إذ لا غرض في عينهما فإذا اتجر في عينهما فقد اتخذهما مقصودا على خلاف وضع الحكمة إذ طلب النقد لغير ما وضع له ظلم. اهـ (١).
ويقول ابن القيم ﵀ في كتابه إعلام الموقعين ما نصه:
فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات، والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقديم الأموال فيجب أن يكون محدودا مضبوطا لا يرتفع ولا ينخفض إذ لو كان الثمن يرتفع وينخفض كالسلع لم يكن لنا ثمن لنعتبر به المبيعات بل الجميع سلع - ثم ذكر أسباب فساد المعاملات ومنها اتخاذ الأثمان سلعا فقال: كما رأيت من فساد معاملاتهم والضرر اللاحق بهم حين اتخذت سلعة تعد للربح فعم الضرر وحصل الظلم - إلى أن قال - فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل يقصد التوصل بها إلى السلع فإذا صارت
стр. 9524
في أنفسها سلعا تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود لا يتعدى إلى سائر الموزونات. اهـ (١).
وجاءت المقتضيات الشرعية بتضييق دائرة التعامل بالأثمان متاجرة ومصارفة فحرمت الزيادة في الجنس الواحد وضرورة التقابض في مجلس العقد سواء اتفق الجنس أو اختلف.
ولا يخفى أن في المتاجرة في النقود جملة سلبيات منها انصراف رجال الأعمال عن الإسهام في المشروعات التنموية وتجميد مدخراتهم النقدية في البنوك للمتاجرة بها فينتج عن ذلك ظهور بطالة سببها انكماش السوق الصناعية بانكماش الإنفاق عليها للمتاجرة بالنقد نفسه وصرفه عن وظيفته الأساسية " تقييم السلع وواسطة التبادل ". وبهذا يتضح موقف الإسلام من التضخم ومن أسباب التضخم، وأنه يحارب التضخم بتشريعات في الأخذ بها حماية المجتمع من التضخم وصيانة الأسواق التجارية عن التضخم وليس من تشريعاته تغيير الالتزامات الآجلة بنقص أو بزيادة وذلك بربطها بمؤشرات الأسعار إذ لا شك أن في هذا أثرا عكسيا في اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي والتضخم النقدي، أما وجه اعتباره أحد عوامل الكساد الاقتصادي فإن من يلتزم لغيره بحق ففي حال الأخذ بربط الالتزام بمؤشرات الأسعار فإنه لا يدري عن ميزان التزامه ولا عن مردود حركته الاقتصادية فقد يخطط لمشروع تنموي يظهر له من مخططه توفر الثقة لديه في نجاح مشروعه إلا أن الأخذ بربط الالتزام بالأسعار قد يأتي على ما يراه ربحا محققا في مشروعه وهذا في حد ذاته عامل قوي في إحجامه عن القيام بذلك المشروع الذي يرى
стр. 9525
ربحه محققا فيه إلا أنه غير مطمئن إلى تغير التزامه بما يأتي على ذلك الربح.
وأما وجه اعتباره عاملا من عوامل التضخم فإن التضخم معناه ظهور سوق نقدي لا يتناسب حجمه العام مع المثمنات المتاحة من سلع وخدمات، وتغير الالتزامات الآجلة وربطها بسعر أجل سدادها، وفي ظروف تقلبات اقتصادية لا تحكمها قواعد واضحة ولا تصورات جلية يعطي المزيد من مضاعفة الالتزامات وبالتالي تتيح المجال لهروب النقد إلى ما فيه ضمان نمائه وهذا يعني ظهور فئات تتكدس في أيديها الثروات وقد تكون البنوك أوضح مثال لهذه الفئات يستوي في ذلك ما تملكه أو تستودع إياه للحفظ، أو الاستثمار. وبهذا يتضح أن ربط الالتزامات الآجلة بمؤشرات الأسعار يعتبر من عوامل التضخم المالي والانكماش الاقتصادي، لا أنه من عوامل محاربة التضخم.
المبرر الثاني: لا ضرر ولا ضرار، الضرر يزال، قاعدتان شرعيتان، والتضخم يوجب الضرر والإضرار وليس للدائن أو المدين سبب في هذا الضرر إلى آخر التوجيه.
والإجابة عن هذا، أن الضرر لا يزال بالضرر، وأن الظلم لا يزال بظلم، فطالما أن المدين لم يكن له سبب في انخفاض قيمة ما التزم به والمسعر هو الله ، والالتزام بالحق طالما أن الحق مثلي وفي الذمة وهو معلوم القدر والصفة وأجل الوفاء به، فإن الزيادة في قدره وطبقا لتغير الأسعار ظلم محقق في حق من التزم به وضرر بالغ عليه لم يكن السبب في حصول موجبه وإن كان موجب تغير الأسعار النقص، فإن الدائن مظلوم ومتضرر من تخفيض حقه الملتزم له به قدرا وصفة وأمدا. ولا يخفى أن الآثار الشرعية المعتبرة والمترتبة على تغير الالتزامات
стр. 9526
بزيادة أو نقص لا تتجاوز أسبابها أطراف الالتزام فإن كانت الأسباب خارجة عن مقدورهم فلا اعتبار لها في زيادة الالتزام أو نقص إلا بما ذكرناه من الحالات الاستثنائية.
والقول بأن ربط الالتزام بتغير الأسعار يصون طرفي الالتزام والضرر غير صحيح، فالضرر على أحدهما محقق والظلم من أحدهما على الآخر واقع.
المبرر الثالث: الاستدلال على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (١). وإن من إيفاء الكيل والوزن بالقسط ربط الالتزامات بمؤشرات الأسعار.
والإجابة على هذا أن الاستدلال بذلك ظاهر التعسف فيه، فليس في الآية دليل على ذلك ولو صح الاستدلال بها لكان الاستدلال بها على رفض هذا المبدأ أولى وأوضح لأن الحق إذا تعين مقداره كان من القيام بالقسط الوفاء به قدرا ونوعا وصفة وأصلا، قال تعالى في معرض مدح المؤمنين: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ (٢).
وليس من الوفاء بالعهد والميثاق القول بتغير الالتزام طبقا لتغير الأسعار فإن الأسعار بيد الله وتغير الأسعار بالزيادة أو النقص من أسباب رزق الله الناس بعضهم ببعض وفي الأثر عن النبي ﷺ «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض (٣)».
وليس من القسط ولا من العدل أن يكون لي على إنسان مائة ألف
стр. 9527
ريال وعند حلول أجل سدادها أطلب منه مائة وعشرين ألفا لتغير القيمة الشرائية بل إن هذه الزيادة قد لا نجد أحدا من علماء الإسلام يعتبرها مشروعة وقد لا نجد أحدا من علماء الإسلام لا يعتبر هذه الزيادة من الربا الصريح الجلي.
المبرر الرابع: الاستدلال على القول بمبدأ ربط الالتزام بتغير الأسعار بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (١) وهذا الاستدلال أكثر تطرفا وبعدا من الاستدلال السابق على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ (٢) فعقد جرى بين زيد وعمرو استلزم ذلك العقد حقا لأحدهما على الآخر هل يكون من الوفاء بهذا العقد أن يرتب على الملتزم بالحق للملتزم له به زيادة عليه أو العكس، لا شك أن الوفاء بالعقد يعني تأديته ما يقتضيه العقد دون زيادة أو نقص إلا فيما تراضيا عليه مما لا محذور في اعتباره شرعا.
المبرر الخامس: أن الحنفية، أجازوا أخذ الفرق بين قيمة النقد والدين وهذا هو ربط تغيرات الأسعار بالالتزامات.
وكم يكون ناقل هذا القول مؤكدا لقوله لو أورد نصوصا عن الحنفية تؤيد قوله عنهم، فإن المنقول عنهم يخالف ذلك فلقد وجد الاختلاف بينهم فيما إذا كانت الفلوس ثمنا في الذمة ثم كسد بانقطاع التعامل به.
قال الكاساني:
لو اشترى بفلوس نافقة ثم كسدت قبل القبض انفسخ العقد عند أبي حنيفة ﵀، وعلى المشتري رد المبيع إن كان قائما وقيمته أو
стр. 9528
مثله إن كان هالكا وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يبطل البيع والبائع بالخيار إن شاء فسخ البيع وإن شاء أخذ قيمة الفلوس كما إذا كان الثمن رطبا فانقطع قبل القبض ولأبي حنيفة أن الفلوس بالكساد خرجت عن كونها ثمنا لأن ثمنيتها تثبت باصطلاح الناس فإذا ترك الناس التعامل بها عددا فقد زال عنها صفة الثمن ولا بيع بلا ثمن فينفسخ العقد ضرورة اهـ (١).
المبرر السادس: نفي وجود نص من الكتاب أو السنة يحرم هذا النظام لا شك أن الدائن حينما يكون دينه مؤجلا بزمن ومعينا بقدر فإن الزيادة على هذا المقدار بعد أن تعين تعتبر زيادة على الملتزم به بمعنى أن زيدا من الناس له عند بكر مائة ألف ريال مدة عام وفي نهاية العام تغيرت القيمة الشرائية لمائة الألف إلى مائة وعشرين ألفا، وربط الالتزام بالأسعار يعني أن على بكر تسليم مائة وعشرين ألف ريال والله يقول: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (٢) ثم إن حقا تعين مقداره في الذمة فإن الزيادة عليه تعتبر ظلما وعدوانا على المدين، ولا شك أن النصوص من كتاب الله تعالى وسنة رسوله ﷺ في تحريم الظلم أكثر من أن تحصر والمطالبة بوجود نص من كتاب أو سنة على تحريم هذا النظام كالمطالبة بوجود نص على تحريم الظلم والعدوان.
المبرر السابع: القول بأن هذا النظام لا يتعارض مع قوله ﷺ " مثلا بمثل " فإن القيمة الحقيقية للالتزام وقت السداد هي القيمة الحقيقية وقت الإلتزام.
стр. 9529
والجواب عن هذا أن العبرة بما تعين مقداره لا بما اختلفت قيمته فطالما أن ما تم الالتزام به موجود مثله فلا يجوز تغييره بنقص أو بزيادة إذا كان مالا ربويا وإن لم يكن مالا ربويا فلا يجوز إلا بتوافق الطرفين ورسول الله ﷺ هو المبلغ عن رب العالمين شرعه لعباده وله ﷺ من الفصاحة والقدرة على البيان ما لا يعجزه البيان للأمة فيما يرونه عدلا وإنصافا ومع ذلك فقد قال ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة مثلا بمثل بيد سواء بسواء (١)». فجملة مثلا بمثل المؤكدة لكلمتي سواء بسواء تعني إرادة النص وإرادة مدلوله، ولو كان من العدل والإنصاف الأخذ بطريقة الالتزام بقيمته وقت السداد لبينه ﷺ ولكنه أعطى نصا صريحا عاما شاملا في وجوب التماثل في الجنس ونصوصا أخرى في تحريم مال المسلم وتحريم الظلم بين المسلمين. فعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل يدا بيد فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء (٢)» رواه أحمد والبخاري. ووجه الاستدلال بهذا أن كلا من طرفي عقد الالتزام قد وقعا في الربا، وجه ذلك أن المستقر في الذمة مثلا مائة ريال فإذا دفع الطرف الملتزم للطرف الملتزم له مائة وعشرين ريالا فقد خالف المماثلة والمساواة في المعين قدرا وجنسا فالملتزم زاد والملتزم له استزاد وبالتالي وقعا في الربا كما قال ﷺ " فمن زاد أو استزاد فقد أربى الآخذ والمعطي فيه سواء ".
المبرر الثامن: أن إنكار هذا النظام منع للقرض الحسن.
والإجابة على هذا أن الزيادة على القرض قرض جر نفعا وفي الأثر
стр. 9530
مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه «نهى عن قرض جر منفعة». وروي موقوفا على ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس وفضالة بن عبيد ﵃. وفي صحيح البخاري عن أبي بردة بن أبي موسى قال: قدمت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي: إنك بأرض، الربا فيها فاش فإذا كان لك على رجل حق فأهدي إليك حمل تين أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا. ومن هذا يتضح أن الذي يقرض ألف ريال مثلا ثم يأخذ بطريق الإلزام ممن أقرض ألفا ومائتين سدادا للألف التي أقرضه إياها فهو أولى بالإنكار واعتبار الزيادة ربا. وأن القول بأن المقرض قرضا حسنا يتضرر من نقص القيمة الشرائية لما أقرضه عما كانت عليه وقت الإقراض فالإجابة عن هذا أن الغرض من القروض الحسنة التقرب إلى الله تعالى بتيسير أمور عباده وفي الإقراض من الأجر عند الله ما يهون هذا النقص. فعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة (١)». رواه ابن ماجه.
أما إذا قضى المقترض من أقرضه بما هو أكثر مما أقترضه من غير طلب من المقرض ولا تشوف فلا بأس بذلك. ففي الصحيحين عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: «أتيت النبي ﷺ وكان لي عليه دين فقضاني وزادني (٢)». وفيهما عن أبي هريرة ﵁ قال «كان لرجل على النبي ﷺ سن من الإبل أعطوه فطلبوا سنه، فلم يجدوا إلا سنا فوقه فقال أعطوه. فقال أوفيتني أوفاك الله فقال النبي ﷺ " إن خيركم أحسنكم قضاء (٣)».
وبهذا يتضح أن إلزام الملتزم بزيادة على التزامه سواء كان قرضا أو
стр. 9531
غيره من الربا وأن الانتفاع من المقترض قبل سداد القرض من ذلك وأن الوفاء بالقرض زيادة عنه من غير طلب من المقرض أو تلميح بذلك لا بأس به وأن القرض عمل إرفافي تدعو إليه مكارم الأخلاق واحتساب ما عند الله وبهذا يندفع القول بأن منع هذا النظام منع القرض الحسن.
المبرر التاسع: أن هذا النظام يساعد على حصول القروض الأجنبية للبلدان الإسلامية المتخلفة.
والإجابة عن هذا: أن روح هذا النظام هو المحافظة على القيمة الشرائية بحق الملتزم به وقت سداده، بمعنى أن صاحب الحق لا يستفيد إلا ضمان حقه عن النقص عند سداده فكيف يكون في هذا النظام إغراء للمؤسسات المالية الأجنبية بإقراض الدول الإسلامية المتخلفة. بل إننا نستطيع القول بأن الأخذ بهذا النظام سيضاعف الالتزام على هذه الدول المقترضة من المؤسسات المالية الأجنبية بفوائد حينما تراعي القيمة الشرائية وقت السداد فيكون على الملتزم للبنوك الأجنبية الفوائد الربوية وفرق القيمة عند ربط الالتزام بمؤشرات الأسعار. وبهذا يتضح أن هذا التبرير غير ظاهر وأن التبرير به لرد هذا النظام متجه.
المبرر العاشر: ربط تغيرات الأسعار يشبه الإضافة التي يضيفها البائع على ما يبيعه بالدين.
والإجابة عن هذا تتضح بمزيد من التأمل فإن الفرق بين الصورتين واضح فالزيادة التي يحصل عليها من يبيع بالدين يحصل عليها قبل الالتزام فإذا تم الالتزام بمائة ألف ريال مثلا فإن الدائن لا يستطيع الحصول على هللة واحدة زيادة على حجم الالتزام الذي التزم به، وما حصل عليه من زيادة هي في الواقع من رأس ماله فيما باعه قيمة ما جرى عليه الاتفاق
стр. 9532
بين طرفي الالتزام قيمة للبضاعة. أما الزيادة في الالتزام بعد تمامه واستقراره في الذمة فإنها أبشع من الزيادة الربوية أتقضي أم تربي، يوضح ذلك أن المعاملة الربوية أتقضي أم تربي تكمن الزيادة فيها في حال الاتفاق على تأجيل الدفع بعد حلوله وأما في صورة ربط الالتزام بتغير الأسعار فإن الزيادة على الملتزم حتمية في حال الاستعداد لسداد مقدار الالتزام، وبهذا يتضح أن الصورتين مختلفتان وأن الجمع بينهما جمع بين متباينين وبقية المبررات تكاد تكون مكررة للمبررات التي جرى التعليق عليها.
وإذا كان لنا مجال في معالجة التضخم الاقتصادي ولنا قدرة في الإسهام في ذلك فينبغي تشخيص أسباب التضخم والتعرف على تلك الأسباب بما في ذلك زيادة الطلب على العرض والتساهل في التقيد بمؤشرات الاعتدال في إصدار النقود وإحجام رؤوس الأموال عن الدخول في مشروعات تنموية وتقويم العملات النقدية وجعلها سلعا تباع وتشتري وانكماش الإنفاق الحكومي على المرافق الحيوية في البلاد ولو قلنا بربط الالتزامات الآجلة بمستوى الأسعار لكان الأخذ بذلك أحد أسباب التضخم في البلاد وقد مر فيما سبق ذكره.
هذه ملاحظات عابرة وتعليقات اقتضاها المقام أحببت إبرازها لتسهم في توضيح الموقف السلبي من مبدأ ربط الالتزامات الآجلة بمستوى الأسعار والله ولي التوفيق وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
عبد الله بن سليمان بن منيع
стр. 9533
صفحة فارغة
стр. 9534
حقيقة التصوف وموقف الصوفية من أصول العبادة والدين
الشيخ / صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان
مقدمة في بيان ضوابط العبادة الصحيحة
الحمد لله رب العالمين، أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينا، وأمرنا بالتمسك إلى الممات، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (١).
وتلك وصية إبراهيم ويعقوب لبنيه.
﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٢).
اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك نبينا محمد وعلى آله وأصحابه
стр. 9535
أجمعين، وبعد:
فإن الله خلق الجن والإنس لعبادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ (١).
وفي ذلك شرفهم وعزهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة، لأنهم بحاجة إلى ربهم، لا غنى لهم عنه طرفة عين، وهو غني عنهم وعن عبادتهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ (٣). . .
والعبادة حق لله على خلقه وفائدتها تعود إليهم، فمن أبى أن يعبد الله فهو مستكبر، ومن عبد الله وعبد معه غيره فهو مشرك، ومن عبد الله وحده بغير ما شرع فهو مبتدع، ومن عبد الله وحده بما شرع فهو المؤمن الموحد.
ولما كان العباد في ضرورة إلى العبادة، ولا يمكنهم أن يعرفوا بأنفسهم حقيقتها التي ترضي الله سبحانه وتوافق دينه لم يكلهم إلى أنفسهم بل أرسل إليهم الرسل وأنزل الكتب لبيان حقيقة تلك العبادة كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (٤).
стр. 9536
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ (١).
فمن حاد عما بينته الرسل ونزلت به الكتب من عبادة الله وعبد الله بما يلي عليه ذوقه وما تهواه نفسه وما زينته له شياطين الإنس والجن فقد ضل عن سبيل الله ولم تكن عبادته في الحقيقة عبادة الله، بل هي عبادة لهواه:
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ (٢).
وهذا الجنس كثير في البشر وفي طليعتهم النصارى، ومن ضل من فرق هذه الأمة، كالصوفية فإنهم اختطوا لأنفسهم خطة في العبادة مخالفة لما شرعه الله في كثير من شعاراتهم. وهذا يتضح ببيان حقيقة العبادة التي شرعها الله على لسان رسول الله ﷺ وبيان ما عليه الصوفية اليوم من انحرافات عن حقيقة تلك العبادة.
إن العبادة التي شرعها الله تنبني على أصول وأسس ثابتة تتلخص فيما يلي:
أولا: أنها توقيفية - بمعنى أنه لا مجال للرأي فيها - بل لا بد أن يكون المشروع لها هو الله ، كما قال تعالى لنبيه:
﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا﴾ (٣).
стр. 9537
وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١).
وقال عن نبيه:
﴿إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (٢).
ثانيا: لا بد أن تكون العبادة خالصة لله تعالى من شوائب الشرك، كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٣).
فإن خالط العبادة شيء من الشرك أبطلها كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٤).
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (٥) ﴿بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (٦).
ثالثا: لا بد أن يكون القدوة في العبادة والمبين لها رسول الله ﷺ كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٧) وقال تعالى
стр. 9538
﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ (١)، وقال النبي ﷺ «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد (٢)» وفي رواية «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد (٣)». وقوله ﷺ : «صلوا كما رأيتموني أصلي (٤)» وقوله: «خذوا عني مناسككم (٥)» إلى غير ذلك من النصوص.
رابعا: أن العبادة محددة بمواقيت ومقادير لا يجوز تعديها وتجاوزها كالصلاة مثلا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ (٦).
وكالحج قال تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ (٧).
وكالصيام، قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٨) الآية.
خامسا: لا بد أن تكون العبادة قائمة على محبة الله تعالى والذل له وخوفه ورجائه، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ﴾ (٩)
стр. 9539
﴿رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ (١)،
وقال تعالى عن أنبيائه
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣) ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ (٤).
فذكر سبحانه علامات محبة الله وثمراته - أما علامتها فاتباع الرسول ﷺ وطاعة الله وطاعة الرسول.
أما ثمراتها فنيل محبة الله سبحانه ومغفرة الذنوب والرحمة منه سبحانه.
سادسا: أن العبادة لا تسقط عن المكلف من بلوغه عاقلا إلى وفاته، قال تعالى: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٥).
وقال:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٦). . .
стр. 9540
أ - حقيقة التصوف:
لفظ التصوف والصوفية لم يكن معروفا في صدر الإسلام وإنما هو محدث بعد ذلك أو دخيل على الإسلام من أمم أخرى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في مجموع الفتاوى: أما لفظ الصوفية فإنه لم يكن مشهورا في القرون الثلاثة، وإنما اشتهر التكلم به بعد ذلك وقد نقل التكلم به عن غير واحد من الأئمة والشيوخ، كالإمام أحمد بن حنبل وأبي سليمان الداراني وغيرهما، وقد روي عن سفيان الثوري أنه تكلم به، وبعضهم يذكر ذلك عن الحسن البصري، وتنازعوا في المعنى الذي أضيف إليه الصوفي فإنه من أسماء النسب كالقرشي والمدني وأمثال ذلك، فقيل: إنه نسبة إلى أهل الصفة، وهو غلط، لأنه لو كان كذلك، لقيل: صفي، وقيل نسبة إلى الصف المقدم بين يدي الله - وهو أيضا غلط، فإنه لو كان كذلك لقيل: صفي، وقيل نسبة إلى الصفوة من خلق الله - وهو غلط لأنه لو كان كذلك لقيل: صفوي، وقيل نسبة إلى صوفة بن بشر بن أد بن بشر بن طابخة - قبيلة من العرب كانوا يجاورون بمكة من الزمن القديم ينسب إليهم النساك - وهذا وإن كان موافقا للنسب من جهة اللفظ فإنه ضعيف أيضا، لأن هؤلاء غير مشهورين ولا معروفين عند أكثر النساك ولأنه لو نسب النساك إلى هؤلاء لكان هذا النسب في زمن الصحابة والتابعين وتابعيهم أولى. ولأن غالب من تكلم باسم الصوفي لا يعرف هذه القبيلة ولا يرضى أن يكون مضافا إلى قبيلة في الجاهلية لا وجود لها في الإسلام - وقيل وهو المعروف إنه نسبة إلى الصوف، فإنه أول ما ظهرت الصوفية في البصرة.
стр. 9541
وأول من ابتنى دويرة الصوفية بعض أصحاب عبد الواحد بن زيد، وعبد الواحد من أصحاب الحسن، وكان في البصرة من المبالغة في الزهد والعبادة والخوف ونحو ذلك ما لم يكن في سائر أهل الأمصار. . . وقد روى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن محمد بن سيرين أنه بلغه أن قوما يفضلون لباس الصوف، فقال: إن قوما يتخيرون لباس الصوف يقولون إنهم يتشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا، وكان ﷺ يلبس القطن وغيره، أو كلاما نحوا من هذا، ثم يقول بعد ذلك: وهؤلاء نسبوا إلى اللبسة الظاهرة وهي لباس الصوف فقيل في أحدهم صوفي، وليس طريقهم مقيدا بلبس الصوف ولا هم أوجبوا ذلك ولا علقوا الأمر به - لكن أضيفوا إليه لكونه ظاهر الحال.
إلى أن قال: فهذا أصل التصوف ثم إنه بعد ذلك تشعب وتنوع - وكلامه (١) ﵀ يعطي أن التصوف نشأ في بلاد الإسلام على يد عباد البصرة نتيجة لمبالغتهم في الزهد والعبادة ثم تطور بعد ذلك - والذي توصل إليه بعض الكتاب العصريين - أن التصوف تسرب إلى بلاد المسلمين من الديانات الأخرى كالديانة الهندية والرهبانية النصرانية - وقد يستأنس لهذا بما نقله الشيخ عن ابن سيرين أنه قال: إن قوما يتخيرون لباس الصوف يقولون إنهم يتشبهون بالمسيح ابن مريم، وهدي نبينا أحب إلينا. فهذا يعطي أن التصوف له علاقة بالديانة النصرانية -. . .
ويقول الدكتور صابر طعيمة في كتابه (الصوفية معتقدا ومسلكا): ويبدو أنه لتأثير الرهبنة المسيحية التي كان فيها الرهبان يلبسون الصوف وهم في أديرتهم كثرة كثيرة من المنقطعين لهذه الممارسة على امتداد
стр. 9542
الأرض التي حررها الإسلام بالتوحيد أعطى هو الآخر دورا في التأثر الذي بدا على سلوك الأوائل (١). . وقال الشيخ إحسان إلهي ظهير ﵀ في كتابه: (التصوف، المنشأ والمصادر) عندما نتعمق في تعاليم الصوفية الأوائل والأواخر وأقاويلهم المنقولة منهم والمأثورة في كتب الصوفية القديمة والحديثة نفسها نرى بونا شاسعا بينها وبين تعاليم القرآن والسنة، وكذلك لا نرى جذورها وبذورها في سيرة سيد الخلق محمد ﷺ وأصحابه الكرام البررة خيار خلق الله وصفوة الكون، بل بعكس ذلك نراها مأخوذة مقتبسة من الرهبنة المسيحية والبرهمة الهندوكية وتنسك اليهودية وزهد البوذية (٢).
ويقول الشيخ: عبد الرحمن الوكيل ﵀ في مقدمة كتاب: (مصرع التصوف): إن التصوف أدنأ وألأم كيدا ابتدعه الشيطان ليسخر معه عباد الله في حربه لله ولرسوله، إنه قناع المجوس يتراءى بأنه رباني، بل قناع كل عدو صوفي للدين الحق فتش فيه تجد برهمية وبوذية وزرادشتية ومانوية وديصانية، تجد أفلاطونية وغنوصية، تجد فيه يهودية ونصرانية ووثنية جاهلية (٣).
ومن خلال عرض آراء هؤلاء الكتاب المعاصرين في أصل الصوفية. وغيرهم مما لم نذكره، كثيرون يرون هذا الرأي. يتبين أن الصوفية دخيلة على الإسلام، يظهر ذلك في ممارسات المنتسبين إليها - تلك
стр. 9543
الممارسات الغريبة على الإسلام والبعيدة عن هديه، وإنما نعني بهذا المتأخرين من الصوفية حيث كثرت وعظمت شطحاتهم.
أما المتقدمون منهم فكانوا على جانب من الاعتدال، كالفضيل بن عياض والجنيد وإبراهيم بن أدهم وغيرهم. . . .
стр. 9544
ب- موقف الصوفية من العبادة والدين:
للصوفية - خصوصا - المتأخرين منهم منهج في الدين والعبادة يخالف منهج السلف ويبتعد كثيرا عن الكتاب والسنة. فهم قد بنوا دينهم وعبادتهم على رسوم ورموز واصطلاحات اخترعوها وهي تتلخص فيما يلي:
١ - قصرهم العبادة على المحبة، فهم يبنون عبادتهم لله على جانب المحبة ويهملون الجوانب الأخرى كجانب الخوف والرجاء، كما قال بعضهم: أنا لا أعبد الله طمعا في جنته ولا خوفا من ناره - ولا شك أن محبة الله تعالى هي الأساس الذي تبنى عليه العبادة. ولكن العبادة ليست مقصورة على المحبة كما يزعمون، بل لها جوانب وأنواع كثيرة غير المحبة كالخوف والرجاء والذل والخضوع والدعاء إلى غير ذلك، فهي كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية: اسم جامع لما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. . .
ويقول العلامة ابن القيم:
وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذلك عابده هما قطبان وعليهما فلك العبادة دائر ما دار حتى قامت القطبان
стр. 9545
ولهذا يقول بعض السلف: من عبد الله بالحب وحده فهو زنديق، ومن عبده بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومن عبده بالخوف وحده فهو حروري، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد.
وقد وصف الله رسله وأنبياءه بأنهم يدعون ربهم خوفا وطمعا، وأنهم يرجون رحمته ويخافون عذابه، وأنهم يدعونه رغبا ورهبا.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: ولهذا قد وجد في نوع من المتأخرين من انبسط في دعوى المحبة حتى أخرجه ذلك إلى نوع من الرعونة والدعوى التي تنافي العبودية، وقال أيضا: وكثير من السالكين سلكوا في دعوى حب الله أنواعا من الجهل بالدين، إما من تعدي حدود الله، وإما من تضييع حقوق الله. وإما من ادعاء الدعاوى الباطلة التي لا حقيقة لها (١)، وقال أيضا: والذين توسعوا من الشيوخ في سماع القصائد المتضمنة للحب والشوق واللوم والعذل والغرام كان هذا أصل مقصودهم، ولهذا أنزل الله آية المحبة محنة يمتحن بها المحب، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ (٢).
فلا يكون محبا لله إلا من يتبع رسوله، وطاعة الرسول ومتابعته لا تكون إلا بتحقيق العبودية، وكثير ممن يدعي المحبة يخرج عن شريعته وسنته ﷺ ويدعي من الخيالات ما لا يتسع هذا الموضع لذكره، حتى يظن أحدهم سقوط الأمر - وتحليل الحرام له، وقال أيضا: وكثير من الضالين الذين اتبعوا أشياء مبتدعة من الزهد والعبادة على غير علم ولا
стр. 9546
نور من الكتاب والسنة وقعوا فيما وقع فيه النصارى من دعوى المحبة لله مع مخالفة شريعته وترك المجاهدة في سبيله ونحو ذلك، انتهى.
فتبين بذلك أن الاقتصار على جانب المحبة لا يسمى عبادة قد يؤول بصاحبه إلى الضلال بالخروج عن الدين.
٢ - الصوفية في الغالب لا يرجعون في دينهم وعبادتهم إلى الكتاب والسنة والاقتداء بالنبي ﷺ ، وإنما يرجعون إلى أذواقهم وما يرسمه لهم شيوخهم من الطرق المبتدعة، والأذكار والأوراد المبتدعة، وربما يستدلون بالحكايات والمنامات والأحاديث الموضوعة لتصحيح ما هم عليه بدلا من الاستدلال بالكتاب والسنة، هذا ما ينبني عليه دين الصوفية.
ومن المعلوم أن العبادة لا تكون عبادة صحيحة إلا إذا كانت مبنية على ما جاء في الكتاب والسنة - قال شيخ الإسلام ابن تيمية ويتمسكون (يعني الصوفية) في الدين الذي يتقربون به إلى ربهم بنحو ما تمسك به النصارى من الكلام المتشابه والحكايات التي لا يعرف صدق قائلها، ولو صدق لم يكن معصوما، فيجعلون متبوعيهم وشيوخهم شارعين لهم دينا، كما جعل النصارى قسيسيهم ورهبانهم شارعين لهم دينا. . انتهى.
ولما كان هذا مصدرهم الذي يرجعون إليه في دينهم وعباداتهم - وقد تركوا الرجوع إلى الكتاب والسنة صاروا أحزابا متفرقين - كما قال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ (١).
стр. 9547
فصراط الله واحد لا انقسام فيه ولا اختلاف عليه، وما عداه فهو سبل متفرقة تتفرق بمن سلكها، وتبعده عن صراط الله المستقيم، وهذا ينطبق على فرق الصوفية فإن كل فرقة لها طريقة خاصة تختلف عن طريقة الفرقة الأخرى. ولكل فرقة شيخ يسمونه شيخ الطريقة يرسم لها منهاجا يختلف عن منهاج الفرق الأخرى، ويبتعد بهم عن الصراط المستقيم، وهذا الشيخ الذي يسمونه شيخ الطريقة يكون له مطلق التصرف وهم ينفذون ما يقول ولا يعترضون عليه بشيء - حتى قالوا: المريد مع شيخه يكون كالميت مع غاسله. وقد يدعي بعض هؤلاء الشيوخ أنه يتلقى من الله مباشرة ما يأمر به مريديه وأتباعه.
٣ - من دين الصوفية التزام أذكار وأوراد يضعها لهم شيوخهم فيتقيدون بها ويتعبدون بتلاوتها، وربما فضلوا تلاوتها على تلاوة القرآن الكريم، ويسمونها ذكر الخاصة.
وأما الذكر الوارد في الكتاب والسنة فيسمونه ذكر العامة. فقول لا إله إلا الله عندهم هو ذكر العامة، وأما ذكر الخاصة - فهو الاسم المفرد: الله؛ وذكر خاصة الخاصة (هو).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ومن زعم أن هذا - أي قول لا إله إلا الله ذكر العامة وأن ذكر الخاصة - هو الاسم المفرد، وذكر خاصة الخاصة (هو) أي الاسم المضمر فهو ضال مضل. واحتجاج بعضهم على ذلك بقوله:
﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾ (١) من أبين غلط هؤلاء، بل من تحريفهم للكلم عن مواضعه، فإن الاسم
стр. 9548
- الله - مذكور في الأمر بجواب الاستفهام في الآية قبله وهو قوله: ﴿مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ﴾ (١) إلى قوله:
﴿قُلِ اللَّهُ﴾ (٢)
أي الله هو الذي أنزل الكتاب الذي جاء به موسى.
فالاسم - الله - مبتدأ خبره دل عليه الاستفهام كما في نظائر ذلك - تقول: من جارك؟ فيقول: زيد، وأما الاسم المفرد مظهرا ومضمرا فليس بكلام تام ولا جملة مفيدة ولا يتعلق به إيمان ولا كفر ولا أمر ولا نهي، ولم يذكر ذلك أحد من سلف الأمة ولا شرع ذلك رسول الله ﷺ ولا يعطي القلب نفسه معرفة مفيدة، ولا حالا نافعا، وإنما يعطيه تصورا مطلقا لا يحكم فيه بنفي ولا إثبات - إلى أن قال: وقد وقع بعض من واظب على هذا الذكر بالاسم المفرد وبـ: " هو " في فنون من الإلحاد وأنواع من الاتحاد، وما ذكر عن بعض الشيوخ في أنه قال: أخاف أن أموت بين النفي والإثبات، حال لا يقتدى فيها بصاحبها، فإن في ذلك من الغلط ما لا خفاء به إذ لو مات العبد في هذه الحال لم يمت إلا على ما قصده ونواه، إذ الأعمال بالنيات، وقد ثبت أن النبي ﷺ أمر بتلقين الميت لا إله إلا الله. وقال «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة (٣)»، ولو كان ما ذكره محظورا لم يلقن الميت كلمة يخاف أن يموت في أثنائها موتا غير محمود. بل كان ما اختاره من ذكر الاسم المفرد - والذكر بالاسم المضمر أبعد عن السنة وأدخل في البدعة وأقرب إلى إضلال الشيطان، فإن من قال: يا هو
стр. 9549
يا هو، أو هو هو، ونحو ذلك لم يكن الضمير عائدا إلا إلى ما يصوره قلبه، والقلب قد يهتدي وقد يضل - وقد صنف صاحب الفصوص (١) كتابا سماه كتاب " ألهو " - وزعم بعضهم أن قوله:
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ (٢) معناه: وما يعلم تأويل هذا الاسم الذي هو الهو - وهذا مما اتفق المسلمون بل العقلاء على أنه من أبين الباطل - فقد يظن هذا من يظنه من هؤلاء. حتى قلت لبعض من قال شيئا من ذلك لو كان هذا كما قلته لكتبت الآية وما يعلم تأويل هو منفصلة (٣) - أي كتبت (هو) منفصلة عن: (تأويل). . .
٤ - غلو الصوفية في الأولياء والشيوخ خلاف عقيدة أهل السنة والجماعة. فإن عقيدة أهل السنة والجماعة موالاة أولياء الله ومعاداة أعدائه - قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾ (٤)،
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ (٥) وأولياء الله هم المؤمنون المتقون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون، ويجب علينا محبتهم والاقتداء بهم واحترامهم - وليست الولاية وقفا على أشخاص معينين. فكل مؤمن تقي فهو ولي لله ،
стр. 9550
وليس معصوما من الخطأ، هذا معنى الولاية والأولياء، وما يجب في حقهم عند أهل السنة والجماعة - أما الأولياء عند الصوفية فلهم اعتبارات ومواصفات أخرى، فهم يمنحون الولاية لأشخاص معينين من غير دليل من الشارع على ولايتهم، وربما منحوا الولاية لمن لم يعرف بإيمان ولا تقوى، بل قد يعرف بضد ذلك من الشعوذة والسحر واستحلال المحرمات، وربما فضلوا من يدعون لهم الولاية على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم كما يقول أحدهم:
مقام النبوة في برزخ ... فريق الرسول ودون الولي
ويقولون: إن الأولياء يأخذون من المعدن الذي يأخذ منه الملك الذي يوحي به إلى الرسول ويدعون لهم العصمة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وكثير من الناس يغلط في هذا الموضع فيظن في شخص أنه ولي لله - ويظن أن ولي الله يقبل منه كل ما يقوله، ويسلم إليه كل ما يقوله. ويسلم إليه كل ما يفعله، وإن خالف الكتاب والسنة. فيوافق ذلك الشخص. ويخالف ما بعث الله به رسوله الذي فرض الله على جميع الخلق تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر - إلى أن قال وهؤلاء مشابهون للنصارى الذين قال الله فيهم: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (١).
وفي المسند وصححه الترمذي عن عدي بن حاتم في تفسير هذه الآية، «لما سأل النبي ﷺ عنها، فقال: ما عبدوهم، فقال النبي
стр. 9551
صلى الله عليه وسلم: أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فأطاعوهم وكانت هذه عبادتهم إياهم (١)» - إلى أن قال: ونجد كثيرا من هؤلاء: في اعتقاد كونه وليا لله، أنه قد صدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، مثل أن يشير إلى شخص فيموت أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها، أو يمشي على الماء أحيانا أو يملأ إبريقا من الهواء، أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك - وليس في هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله.
بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته للرسول ﷺ وموافقته لأمره ونهيه.
وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور - وهذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها وليا لله فقد يكون عدوا لله فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين، فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيء من هذه الأمور أنه ولي لله.
بل يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة، ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة. مثال ذلك أن هذه الأمور المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة، بل يكون ملابسا للنجاسات معاشرا للكلاب يأوي إلى الحمامات والقمامين والمقابر والمزابل، رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف. إلى أن قال: فإذا كان الشخص مباشرا للنجاسات والخبائث
стр. 9552
التي يحبها الشيطان، أو يأوي إلى الحمامات والحشوش التي تحضرها الشياطين، أو يأكل الحيات والعقارب والزنابير وآذان الكلاب التي هي خبائث وفواسق أو يشرب البول ونحوه من النجاسات التي يحبها الشيطان، أو يدعو غير الله فيستغيث بالمخلوقات ويتوجه إليها أو يسجد إلى ناحية شيخه، ولا يخلص الدين لرب العالمين، أو يلابس الكلاب أو النيران أو يأوي إلى المزابل والمواضع النجسة أو يأوي إلى المقابر ولا سيما إلى مقابر الكفار من اليهود والنصارى والمشركين، أو يكره سماع القرآن وينفر عنه ويقدم عليه سماع الأغاني والأشعار ويؤثر سماع مزامير الشيطان على سماع كلام الرحمن، فهذه علامات أولياء الشيطان، لا علامات أولياء الرحمن (١). . . انتهى.
ولم يقف الصوفية عند هذا الحد من منح الولاية لأمثال هؤلاء بل غلوا فيهم حتى جعلوا فيهم شيئا من صفات الربوبية، وأنهم يتصرفون في الكون ويعلمون الغيب. ويجيبون من استغاث بهم بطلب ما لا يقدر عليه إلا الله. ويسمونهم الأغواث والأقطاب والأوتاد، يهتفون بأسمائهم في الشدائد، وهم أموات أو غائبون ويطلبون منهم قضاء الحاجات وتفريج الكربات، وأضفوا عليهم هالة من التقديس في حياتهم وعبدوهم من دون الله بعد وفاتهم، فبنوا على قبورهم الأضرحة وتبركوا بتربتهم وطافوا بقبورهم، وتقربوا إليهم بأنواع النذور، وهتفوا بأسمائهم في طلباتهم، هذا منهج الصوفية في الولاية والأولياء.
٥ - من دين الصوفية الباطل تقربهم إلى الله بالغناء والرقص وضرب الدفوف والتصفيق ويعتبرون هذا عبادة لله.
стр. 9553
قال الدكتور صابر طعيمة في كتابه: الصوفية معتقدا ومسلكا: أصبح الرقص الصوفي الحديث عند معظم الطرق الصوفية في مناسبات الاحتفال بموالد بعض كبارهم أن يجتمع الأتباع لسماع النوتة الموسيقية التي يكون صوتها أحيانا أكثر من مائتي عازف من الرجال والنساء، وكبار الأتباع يجلسون في هذه المناسبات يتناولون ألوانا من شرب الدخان، وكبار أئمة القوم وأتباعهم يقومون بمدارسة بعض الخرافات التي تنسب لمقبوريهم، وقد انتهى إلى علمنا من المطالعات أن الأداء الموسيقي لبعض الطرق الصوفية الحديثة مستمد مما يسمى " كورال صلوات الآحاد المسيحية ".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية مبينا وقت حدوث هذا. وموقف الأئمة منه ومن الذي أحدثه:. . . . اعلم أنه لم يكن في عنفوان القرون الثلاثة المفضلة لا بالحجاز ولا بالشام ولا باليمن ولا مصر ولا المغرب ولا العراق ولا خراسان من أهل الدين والصلاح والزهد والعبادة من يجتمع على مثل سماع المكاء والتصدية لا بدف ولا بكف ولا بقضيب وإنما أحدث هذا بعد ذلك في أواخر المائة الثانية فلما رآه الأئمة أنكروه فقال: الشافعي ﵁: خلفت ببغداد شيئا أحدثته الزنادقة يسمونه (التغبير) يصدون به الناس عن القرآن، وقال يزيد بن هارون: ما يغبر إلا فاسق، ومتى كان التغبير؟. . . .
وسئل الإمام أحمد فقال: أكرهه هو محدث، قيل: أتجلس معهم، قال: لا. وكذلك سائر أئمة الدين كرهوه، وأكابر الشيوخ الصالحين لم يحضروه، فلم يحضره إبراهيم بن أدهم، ولا الفضيل بن عياض، ولا معروف الكرخي، ولا أبو سليمان الداراني، ولا أحمد بن أبي الحواري، والسري السقطي وأمثالهم.
стр. 9554
والذين حضروه من الشيوخ المحمودين تركوه في آخر أمرهم، وأعيان المشايخ عابوا أهله كما فعل ذلك عبد القادر والشيخ أبو البيان، وغيرهما من المشايخ، وما ذكره الشافعي ﵀ من أنه من إحداث الزنادقة، كلام إمام خبير بأصول الإسلام فإن هذا السماع لم يرغب فيه ويدع إليه في الأصل إلا من هو متهم بالزندقة كابن الراوندي والفارابي وابن سينا وأمثالهم - إلى أن قال: وأما الحنفاء أهل ملة إبراهيم الخليل الذي جعله الله إماما، وأهل دين الإسلام الذي لا يقبل الله من أحد دينا غيره، المتبعون لشريعة خاتم الرسل محمد ﷺ فليس فيهم من يرغب في ذلك ولا يدعو إليه، وهؤلاء هم أهل القرآن والإيمان والهدى والسعد والرشاد والنور والفلاح وأهل المعرفة والعلم واليقين والإخلاص لله، والمحبة له، والتوكل عليه والخشية له والإنابة إليه. إلى أن قال: ومن كان له خبرة بحقائق الدين وأحوال القلوب ومعارفها وأذواقها ومواجيدها عرف أن سماع المكاء والتصدية لا يجلب للقلوب منفعة ولا مصلحة إلا وفي ضمن ذلك من الضرر والمفسدة ما هو أعظم منه فهو للروح كالخمر للجسد، ولهذا يورث أصحابه سكرا أعظم من سكر الخمر فيجدون لذة بلا تمييز، كما يجد شارب الخمر، بل يحصل لهم أكثر وأكبر مما يحصل لشارب الخمر ويصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة أعظم مما يصدهم الخمر، ويوقع بينهم العداوة والبغضاء أعظم من الخمر.
وقال أيضا: وأما الرقص فلم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من الأئمة، بل قد قال الله في كتابه:
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ (١).
стр. 9555
وقال في كتابه:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ (١).
أي بسكينة ووقار، وإنما عبادة المسلمين الركوع والسجود.
بل الدف والرقص لم يأمر الله به ولا رسوله ولا أحد من سلف الأمة، وقال: وأما قول القائل هذه شبكة يصاد بها العوام - فقد صدق فإن أكثرهم إنما يتخذون ذلك شبكة لأجل الطعام والتوانس على الطعام، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (٢).
ومن فعل هذا فهو من أئمة الضلال الذي قيل في رؤوسهم:
﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا﴾ (٣) ﴿رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا﴾ (٤).
وأما الصادقون منهم فهم يتخذونه شبكة لكن هي شبكة مخرقة يخرج منها الصيد إذا دخل فيها، كما هو الواقع كثيرا، فإن الذين دخلوا في السماع المبتدع في الطريق ولم يكن معهم أصل شرعي شرعه الله ورسوله - أورثهم أحوالا فاسدة. . . انتهى كلامه (٥).
فهؤلاء الصوفية الذين يتقربون إلى الله بالغناء والرقص يصدق عليهم قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا﴾ (٦).
стр. 9556
٦ - ومن دين الصوفية الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد كان أصل التصوف - كما ذكره ابن الجوزي: رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق.
قال: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم، فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن، وكان أصل تلبيسه عليهم أن صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم وشبهوا المال بالعقارب. ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري، ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي، وجاء آخرون فهذبوا مذهب الصوفية وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق. ثم ما زال الأمر ينمى، والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بمواقعاتهم - وبعدوا عن العلماء ورأوا ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه. فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به. . . وهؤلاء بين الكفر والبدعة
стр. 9557
ثم تشعبت بأقوام منهم الطرف ففسدت عقائدهم فمن هؤلاء من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد، وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا. انتهى (١).
وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوم داوموا على الرياضة مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما علمنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة فأجاب: لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه وهو شر من قول اليهود والنصارى. فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض. وأولئك هم الكافرون حقا، كما أنهم يقرون أن لله أمرا ونهيا، ووعدا ووعيدا وأن ذلك متناول لهم إلى حين الموت، هذا إن كانوا متمسكين باليهودية والنصرانية المبدلة المنسوخة، وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم كما هو الغالب على متكلميهم ومتفلسفتهم كانوا شرا من منافقي هذه الأمة، حيث كانوا مظهرين للكفر ومبطنين للنفاق فهم شر ممن يظهر إيمانا ويبطن نفاقا.
والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية، فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال من جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرا ولا نهيا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين المتمسكين ببقايا من الملل كمشركي العرب الذين كانوا متمسكين ببقايا من دين إبراهيم عليه
стр. 9558
السلام فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه. وإن كانوا مع ذلك مشركين، وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق بحيث يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهي - إلى أن قال: ومن هؤلاء من يحتج بقوله:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١).
ويقول معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل لك حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض وارتكاب المحارم. وهذا كفر كما تقدم إلى أن قال: فأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢) فهي عليهم لا لهم - قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين أجلا دون الموت، وقرأ قوله:
﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٣).
وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين وذلك مثل قوله:
﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤) ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٥).
إلى قوله:
﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (٦) ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧) ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٨).
فهذا قالوه وهم في جهنم وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة والخوض مع الخائضين حتى أتاهم
стр. 9559
اليقين. . ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم:
﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١).
وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون وهو اليقين. . انتهى (٢).
فالآية تدل على وجوب العبادة على العبد منذ بلوغه سن التكليف عاقلا: إلى أن يموت. وأنه ليس هناك حال قبل الموت ينتهي عندها التكليف كما تزعمه الصوفية.
الخاتمة:
وبعد: فهذا هو دين الصوفية قديما وحديثا وهذا موقفهم من العبادة ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم وكتب منتقديهم وما تدل عليه ممارساتهم المعاصرة ولم أتناول إلا جانبا واحدا من جوانب البحث حولهم هو جانب العبادة وموقفهم منها، وبقيت جوانب أخرى تحتاج إلى محاضرات ومحاضرات كموقفهم من التوحيد وموقفهم من الرسالات وموقفهم من الشريعة والقدر، إلى غير ذلك. . .
هذا وأسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه،،،
صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان