← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 9556–9595 · переход к 9561.

стр. 9556

٦ - ومن دين الصوفية الباطل ما يسمونه بالأحوال التي تنتهي بصاحبها إلى الخروج عن التكاليف الشرعية نتيجة لتطور التصوف، فقد كان أصل التصوف - كما ذكره ابن الجوزي: رياضة النفس ومجاهدة الطبع برده عن الأخلاق الرذيلة وحمله على الأخلاق الجميلة من الزهد والحلم والصبر والإخلاص والصدق. قال: وعلى هذا كان أوائل القوم فلبس إبليس عليهم في أشياء ثم لبس على من بعدهم من تابعيهم، فكلما مضى قرن زاد طمعه في القرن الثاني فزاد تلبيسه عليهم إلى أن تمكن من المتأخرين غاية التمكن، وكان أصل تلبيسه عليهم أن صدهم عن العلم وأراهم أن المقصود العمل، فلما أطفأ مصباح العلم عندهم تخبطوا في الظلمات، فمنهم من أراه أن المقصود من ذلك ترك الدنيا في الجملة فرفضوا ما يصلح أبدانهم وشبهوا المال بالعقارب. ونسوا أنه خلق للمصالح وبالغوا في الحمل على النفوس حتى إنه كان فيهم من لا يضطجع، وهؤلاء كانت مقاصدهم حسنة غير أنهم على غير الجادة، وفيهم من كان لقلة علمه يعمل بما يقع إليه من الأحاديث الموضوعة وهو لا يدري، ثم جاء أقوام فتكلموا لهم في الجوع والفقر والوساوس والخطرات وصنفوا في ذلك مثل الحارث المحاسبي، وجاء آخرون فهذبوا مذهب الصوفية وأفردوه بصفات ميزوه بها من الاختصاص بالمرقعة والسماع والوجد والرقص والتصفيق. ثم ما زال الأمر ينمى، والأشياخ يضعون لهم أوضاعا ويتكلمون بمواقعاتهم - وبعدوا عن العلماء ورأوا ما هم فيه أو في العلوم حتى سموه العلم الباطن وجعلوا علم الشريعة العلم الظاهر، ومنهم من خرج به الجوع إلى الخيالات الفاسدة فادعى عشق الحق والهيمان فيه. فكأنهم تخايلوا شخصا مستحسن الصورة فهاموا به. . . وهؤلاء بين الكفر والبدعة

стр. 9557

ثم تشعبت بأقوام منهم الطرف ففسدت عقائدهم فمن هؤلاء من قال بالحلول، ومنهم من قال بالاتحاد، وما زال إبليس يخبطهم بفنون البدع حتى جعلوا لأنفسهم سننا. انتهى (١). وسئل شيخ الإسلام ابن تيمية عن قوم داوموا على الرياضة مرة فرأوا أنهم قد تجوهروا فقالوا لا نبالي الآن ما علمنا، وإنما الأوامر والنواهي رسوم العوام، ولو تجوهروا لسقطت عنهم، وحاصل النبوة يرجع إلى الحكمة والمصلحة والمراد منها ضبط العوام ولسنا نحن من العوام فندخل في حجر التكليف لأنا قد تجوهرنا وعرفنا الحكمة فأجاب: لا ريب عند أهل العلم والإيمان أن هذا القول من أعظم الكفر وأغلظه وهو شر من قول اليهود والنصارى. فإن اليهودي والنصراني آمن ببعض الكتاب وكفر ببعض. وأولئك هم الكافرون حقا، كما أنهم يقرون أن لله أمرا ونهيا، ووعدا ووعيدا وأن ذلك متناول لهم إلى حين الموت، هذا إن كانوا متمسكين باليهودية والنصرانية المبدلة المنسوخة، وأما إن كانوا من منافقي أهل ملتهم كما هو الغالب على متكلميهم ومتفلسفتهم كانوا شرا من منافقي هذه الأمة، حيث كانوا مظهرين للكفر ومبطنين للنفاق فهم شر ممن يظهر إيمانا ويبطن نفاقا. والمقصود أن المتمسكين بجملة منسوخة فيها تبديل خير من هؤلاء الذين يزعمون سقوط الأمر والنهي عنهم بالكلية، فإن هؤلاء خارجون في هذه الحال من جميع الكتب والشرائع والملل، لا يلتزمون لله أمرا ولا نهيا بحال، بل هؤلاء شر من المشركين المتمسكين ببقايا من الملل كمشركي العرب الذين كانوا متمسكين ببقايا من دين إبراهيم عليه

стр. 9558

السلام فإن أولئك معهم نوع من الحق يلتزمونه. وإن كانوا مع ذلك مشركين، وهؤلاء خارجون عن التزام شيء من الحق بحيث يظنون أنهم قد صاروا سدى لا أمر عليهم ولا نهي - إلى أن قال: ومن هؤلاء من يحتج بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (١). ويقول معناها: اعبد ربك حتى يحصل لك العلم والمعرفة فإذا حصل ذلك سقطت العبادة، وربما قال بعضهم: اعمل حتى يحصل لك حال فإذا حصل لك حال تصوفي سقطت عنك العبادة، وهؤلاء فيهم من إذا ظن حصول مطلوبه من المعرفة والحال استحل ترك الفرائض وارتكاب المحارم. وهذا كفر كما تقدم إلى أن قال: فأما استدلالهم بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٢) فهي عليهم لا لهم - قال الحسن البصري: إن الله لم يجعل لعمل المؤمنين أجلا دون الموت، وقرأ قوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ (٣). وذلك أن اليقين هنا الموت وما بعده باتفاق علماء المسلمين وذلك مثل قوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤) ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ (٥). إلى قوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ (٦) ﴿وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ (٧) ﴿حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ﴾ (٨). فهذا قالوه وهم في جهنم وأخبروا أنهم كانوا على ما هم عليه من ترك الصلاة والزكاة والتكذيب بالآخرة والخوض مع الخائضين حتى أتاهم

стр. 9559

اليقين. . ومعلوم أنهم مع هذا الحال لم يكونوا مؤمنين بذلك في الدنيا ولم يكونوا مع الذين قال الله فيهم: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ (١). وإنما أراد بذلك أنه أتاهم ما يوعدون وهو اليقين. . انتهى (٢). فالآية تدل على وجوب العبادة على العبد منذ بلوغه سن التكليف عاقلا: إلى أن يموت. وأنه ليس هناك حال قبل الموت ينتهي عندها التكليف كما تزعمه الصوفية. الخاتمة: وبعد: فهذا هو دين الصوفية قديما وحديثا وهذا موقفهم من العبادة ولم ننقل عنهم إلا القليل مما تضمنته كتبهم وكتب منتقديهم وما تدل عليه ممارساتهم المعاصرة ولم أتناول إلا جانبا واحدا من جوانب البحث حولهم هو جانب العبادة وموقفهم منها، وبقيت جوانب أخرى تحتاج إلى محاضرات ومحاضرات كموقفهم من التوحيد وموقفهم من الرسالات وموقفهم من الشريعة والقدر، إلى غير ذلك. . . هذا وأسأل الله أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه،،، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان

стр. 9560

صفحة فارغة

стр. 9561

النفقة الواجبة على المرأة لحق الغير الدكتور / عبد الله بن عبد المحسن بن منصور الطريقي الحمد لله الذي بنعمته تتم الطيبات ويحصل بفضله رعاية الحقوق والواجبات والصلاة والسلام على الكريم الجواد هادي الأنام إلى كل خصلة من خصال الفضائل والأعمال. وبعد: فإن المرء مثل ما له حق على الآخرين فعليه لهم مثله. وقد بين الإسلام ذلك من خلال ما شرعه من النفقات وغيرها وجعل الإنفاق حقا للمحتاج من زوج أو قريب أو لملك. وبما أن أصل الإنفاق لازم على الرجل تجاه الآخرين ممن يلزمه الإنفاق عليهم - من رجال ونساء وغيرهم إلا أن هذا الأصل لا يكون قاعدة ثابتة فقد تلزم المرأة بالإنفاق على الآخرين لأسباب سنذكرها بين ثنايا هذا البحث - الذي أسميته " النفقة الواجبة على المرأة لحق الغير " وفق ضوابط معينة اقتضتها لوازم الإنفاق ولا يعني ذكري وجوب الإنفاق على الرجل خروجي عن موضوع البحث وإنما ذكرته للتلازم في الإنفاق بين الرجل والمرأة من خلال مشاركتهما فيه أو لبيان أن وجوبها على أحدهما فقط سقوط عن الآخر.

стр. 9562

وقد شجعني على الكتابة فيه أنني لم أعلم فيما اطلعت عليه أن أحدا أفرده ببحث مستقل فآثرت جمعه وترتيبه وإبرازه خدمة للعلم وطالبيه. وهذا البحث يتضمن عرضا لآراء المذاهب الأربعة وقد أذكر غيرهم وعملت على ترجيح ما ظهر لي ترجيحه وحسبي أنني أقصد الحق وأسعى إليه ومن الله أرجو أن أنال الجزاء وحسن الثواب والحمد لله رب العالمين.

стр. 9563

معنى النفقة - النفقة لغة تأتي بمعنى راح وبمعنى نقص (١). - وفي الاصطلاح: كفاية من يمونه خبزا أو أدما وكسوة وسكن وتوابعها (٢).

стр. 9564

أنواع النفقة الواجبة على المرأة لحق الغير - النفقة الواجبة على المرأة لحق الغير تتكون من أربعة موضوعات: الموضوع الأول: نفقة الأقارب. الموضوع الثاني: نفقة خادم المرأة. الموضوع الثالث: نفقة الرقيق. الموضوع الرابع: نفقة البهائم والجمادات.

стр. 9565

الأسباب الموجبة لبعض تلك النفقات نفقة الأقارب سبب وجوب النفقة هي القرابة المحرمة للقطع لأنه إذا حرم قطعها حرم كل سبب مفض إليه، وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته وحاجته تفضي إلي قطع الرحم، فيحرم الترك وإذا حرم الترك وجب الفعل ضرورة (١). نفقة الرقيق سبب وجوب هذه النفقة الملك الموجب للاختصاص بالمملوك انتفاعا وتصرفا ليكون به صلاحه ودوامه ومن ملك منفعة شيء لزمته مؤنته إذ الخراج بالضمان، ولأن الرقيق لا مال له وما في يده لمولاه فلا يجوز للرقيق أن ينفق على نفسه من مال غيره مما يجعل الإنفاق واجبا على سيده (٢).

стр. 9566

نفقة البهائم والجمادات سبب وجوب هذه النفقة هو أن تركها تجويعا للحيوان والتجويع تعذيب له وهو محرم لما له من حرمة في نفسه ولعدم جواز الإضرار به ولأن البهائم والجمادات المملوكة مال والمال يلزم استصلاحه واستبقاؤه ومن أراد ضياعه وجب الحجر عليه. وفيما يلي نتحدث عن تلك الموضوعات بشيء من البيان فنقول وبالله التوفيق:

стр. 9567

الموضوع الأول: نفقة الأقارب وفيه ثلاث فصول: الفصل الأول: نفقة الفروع وهم الأولاد. الفصل الثاني: نفقة الأصول وهم الآباء والأمهات. الفصل الثالث: نفقة القرابة من غير الأصول والفروع وهم الأخوة والأخوات ومن في حكمهم. الفصل الأول: نفقة الفروع من الأولاد وسبب وجوب هذه النفقة هو الولادة لأن به تثبت الجزئية والبعضية والإنفاق على المحتاج إحياء له ويجب على الإنسان إحياء كله وجزئه. ولأنها قرابة يحرم قطعها وإذا حرم القطع حرم كل سبب مفض إليه وترك الإنفاق من ذي الرحم المحرم مع قدرته وحاجة المنفق عليه تفضي إلى قطع الرحم فيحرم الترك وإذا حرم الترك وجب الفعل (١) مما يدل على وجوب الإنفاق على الأولاد.

стр. 9568

وحال الأولاد تكون على نوعين: النوع الأول: الأولاد الصغار النوع الثاني: الأولاد الكبار ولكل منهم حكمه المستنبط من الأدلة الشرعية كما سيأتي

стр. 9569

النوع الأول: نفقة الأولاد الصغار وفيه عدة مباحث: المبحث الأول: وجوب نفقة الولد الصغير على أبيه . الأصل في نفقة الطفل الحر الفقير على أبيه للإجماع على ذلك ويؤيده قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) وهو أمر للأزواج يقضي بوجوب إعطاء المرأة أجرة الرضاع المستلزمة وجوب المؤنة عموما من رضاع وغيره (٢). وقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) فلفظ المولود له يعم الوالد وسيد العبد ويبين أن الولد لأبيه لا لأمه والآية توجب رزق الرضيع على أبيه دون غيره (٤). ولما روى أبو هريرة ﵁ «أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فقال يا رسول الله: عندي دينار؟ فقال أنفقه على نفسك قال: عندي آخر؟ فقال أنفقه على ولدك، قال: عندي آخر؟ قال أنفقه على أهلك قال: عندي آخر قال أنفقه على خادمك قال: عندي آخر قال: أنت أعلم به (٦)» ففي هذا الحديث أمر ﷺ بالإنفاق على الولد بما فضل عن كفاية النفس والأمر للوجوب مما يدل على وجوب إنفاق الأب على أولاده.

стр. 9570

وما روي عنه ﷺ أنه قال لهند «خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف (٢)» وهذا يقتضي لزوم نفقة الولد على أبيه وإلا لما كان لها الأخذ بالمعروف. ولأن للأب ولاية على ابنه مما يدل على استحقاقه النفقة من أبيه (٣) ولأن ولد الإنسان بعضه فكما يجب على الإنسان أن ينفق على نفسه فيجب عليه أن ينفق على ولده (٤).

стр. 9571

المبحث الثاني: نفقة الأب على ابنه من اليسار والإعسار أوجب الحنفية إنفاق الأب على ابنه يسارا وإعسارا ويرجع على الأب إذا أيسر) وهو قول عند الشافعية (١) خلافا للمالكية الذي يرون سقوطها مع الإعسار واليسار شرط النفقة عند الشافعية في قولهم الآخر لأنها مواساة فاعتبر يسار المنفق معها وهو شرط عند الحنابلة في وجوب النفقة أما إذا عجز الأب عن الإنفاق فيرى الحنفية في قول لهم أنه يتكفف (٢) وينفق على ابنه وفي قول آخر لهم ينفق عليه من بيت المال. وقالوا في قول ثالث إن عجز الأب فالأولى أن لا يتكفف مع وجود قريب ينفق عليهما كالزوجة الموسرة والتي تعد أولى من غيرها بالإنفاق على زوجها وابنه من سائر الأقارب بما فيهم الجد لأب وترجع على الأب إذا أيسر. ويرى الحنابلة أن الأم إذا أنفقت على ابنها، وهو في حضانتها وهي تنوي الرجوع على الأب فلها أن ترجع عليه بالنفقة، وهذا ظاهر مذهب أحمد الذي عليه قدماء أصحابه، فإن من أصلهما إن أدى عن غيره واجبا رجع عليه، وإن فعله بغير إذنه مثل أن يقضي دينه، أو ينفق على

стр. 9572

عبده، وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) فأمر بإيتاء الأجر بمجرد الإرضاع ولم يشترط عقدا ولا إذنا من الأب بذلك. أما إذا تبرعت الأم بالنفقة بدون نية الرجوع فليس لها أن ترجع على الأب بالنفقة (٢). وفي قول آخر أن الأب إذا أعسر بالنفقة وجبت على الأم دون أن ترجع بها عليه إن أيسر لأن من وجب عليه الإنفاق بالقرابة لم يرجع على أحد (٣). والقول في الرجوع بالنفقة على الأب إذا أيسر عند الحنفية باعتبار أن النفقة واجبة على الأب وحده في ظاهر الرواية عندهم وأنه لا يشاركه أحد في النفقة على الطفل لا أمه ولا غيرها لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٤) فهذه الآية صريحة في إيجاب نفقة النساء لأجل الأولاد، مما يدل على أن النفقة واجبة على الأب من باب أولى حيث النسب له. وفي رواية لأبي حنيفة أن النفقة على الأب والأم أثلاثا بحسب ميراثهما من الولد (٥) والحنابلة في قولهم بالرجوع على الأب باعتبار المذهب عندهم أن النفقة على الأب وحده لقوله تعالى ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٦) فهذه الآية أوجبت نفقة الولد حملا ورضيعا بواسطة الإنفاق على الحامل والمرضع فإنه لا يمكن رزقه بدون رزق حامله ومرضعته. أما نفقة الولد على أبيه بعد فطامه فقد دل عليه النص تنبيها فإنه إذا كانت النفقة واجبة على الأب - حال اختفاء الطفل أثناء

стр. 9573

الحمل - بالإنفاق على أمه فالإنفاق عليه بعد فصاله مباشرة من باب أولى. وقد تضمن الخطاب بأن الحكم المسكوت أولى منه في المنطوق مما يدل على وجوب النفقة على الأب دون الأم وأنها ترجع عليه بالنفقة (١).

стр. 9574

المبحث الثالث: إرضاع الأم لولدها يرى الحنفية: أن القاضي لا يحق له إجبار أم الطفل على إرضاعه حكما. لأنها غير ملزمة إلا بتسليم نفسها لزوجها لغرض الاستمتاع فقط غير أنها تؤمر بذلك ديانة، لأنه من باب الاستخدام ككنس البيت والطبخ وغسل الثياب والخبز ونحو ذلك، مما يجب عليها ديانة (١). والمشهور عند المالكية: أنه يجب على الأم أن ترضع ولدها إلا أن يكون مثلها لا يرضع لسقم وقلة لبن، أو لكون مثلها لا يرضع باعتبار العرف والعادة، فعلى الزوج أن يستأجر له من يرضعه وفي قول آخر لهم: لا يلزمها إرضاعه وهو من فقراء المسلمين (٢) لأنها ليست عصبة لولدها (٣). وعند الشافعية: لا يلزم الأم التبرع بإرضاع ولدها (٤) غير أنه يجب عليها إرضاعه اللبن (٥) لأن الولد لا يعيش بدونه غالبا وغيرها لا يغني عنها فيه. خاصة وأن اللبن يشد بنيته ويقوي جسمه وتسقيه حتى يروى منه (٦). ويرى الحنابلة: أن رضاع الولد على الأب وحده، وليس له إجبار أمه على رضاعه سواء أكانت ممن يرضع عادة أم ليس ممن يرضع عادة

стр. 9575

وسواء أكانت في حبال الزوج أم مطلقة لقوله تعالى ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى﴾ (١) وإذا اختلفا فقد تعاسرا، والرضاع ليس من حق الزوج، لأنه لا يملك إجبار زوجته لإرضاع ولده من غيرها ولا من حق الولد لأنه لو كان من حقه للزمها بعد الفرقة، فصار الإرضاع مما يلزم الأب خاصة. والفقهاء في إزاء عدم إجبار الأم على إرضاع ولدها لم يتركوا الطفل دون رعاية وحفظ فجعلوا رعايته على أبيه ولم يجردوا أمه من مسؤوليتها إذا تعين عليها الأمر وأصبح الإرضاع عليها لازما. فيرى الحنفية إجبار الأم على إرضاع ولدها إذا تعين عليها الإرضاع بأن لا يجد الأب من يرضعه، أو كان الابن لا يأخذ ثدي غيرها، أو لم يكن له مال والأب معسر فحينئذ تجبر الأم على إرضاعه صيانة له عن الضياع. وهذا عليه المذهب عندهم وبه تكون الفتوى. وهو مذهب المالكية والشافعية الذين جعلوا لها إزاء ذلك أخذ الأجرة من ماله أو ممن تلزمه نفقته (٢) والقول بالإجبار إذا تعين على الأم هو المذهب عند الحنابلة. وذلك لقوله تعالى ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٣) والامتناع عن إرضاعه وهو لا يجد غيرها مضارة له، وهو لا يجوز مما يدل على وجوب إرضاعها له إذا تعين عليها. ولأنه إذا وجبت على الأب نفقته وولادته له من جهة الظاهر فوجوب نفقته على الأم إذا تعين عليها أولى. لأن ولادتها له من جهة القطع (٤) وهذا هو الأولى خلافا لظاهر رواية الحنفية أن الأم لا تجبر على إرضاعه لإمكانية تغذيته بغير لبنها والقول بالوجوب هو الراجح عندهم.

стр. 9576

وقالوا: إذا لم يكن للأب ولا للولد مال فيجبر الأم على إرضاعه عند الكل. وقيل: تجعل الأجرة دينا على الأب (١) وقال بهذا المالكية. وذهب الحنفية أنه إذا لم يكن للولد أب أو جد فتجبر الأم بالاتفاق على الإنفاق على ولدها دون أن ترجع بالنفقة على أحد. وإلى هذا ذهب الحنابلة، لأنها أحد الوالدين فأشبهت الأب ولأن بينهما قرابة توجب رد الشهادة ووجوب العتق فأشبهت الأب (٢) وإيجاب الإرضاع على المرأة إنما هو باعتبار أن المرأة الموسرة تجبر على ما يجبر عليه الرجل من نفقة الأقارب، لأن هذا الاستحقاق إنما يكتسب بطريق الصلة فيستوي فيه الرجال والنساء كالعتق عند الدخول في الملك. والمالكية لا يجب عندهم على الأم نفقة لولدها - في غير الرضاع مع وجود الأب ولا مع عدمه فقيرة كانت أم غنية وشذ عنهم ابن المواز فأوجب النفقة على الأم في الرضاع وغيره (٣). أما في الرضاع فقالوا: إن لم يكن لها لبن فإنها تستأجر من يرضعه. وكذا لو كان لها ولا يكفي الطفل، أو مرضت وانقطع لبنها أو حملت لأنه لما كان عليها الإرضاع مجانا فعليها خلفه فإن لم يكن لها مال في تلك الحالة فمن مال الأب فإن لم يكن له مال فمن مال الابن. كما تلزم الأم النفقة عند الحنفية إذا كان معها غير وارث للولد كالجد لأم مثلا فتلزمها النفقة وحدها لترجحها بالأرث ولقربها (٤).

стр. 9577

المبحث الرابع: بذل الأجرة للمرضع ولدها بعصمة زوجها الرضاع حق على الزوج وهو من مسؤولياته تجاه طفله إذا تخلت المرأة التي يلزمه الإنفاق عليها عن إرضاعه وسبق أن تقرر أن الزوج

стр. 9578

لا يحق له إجبار زوجته على إرضاع طفله وأنها غير ملزمة برضاعه إلا إذا تعين عليها. فهل إذا تعين عليها وهي بعصمة زوجها لها أن تأخذ الأجرة؟ وهل لها أن تأخذها ولو لم يتعين عليها؟ للجواب على هذا أقول: للعلماء في ذلك قولان: القول الأول: ذهب الحنفية إلى أن المرأة التي بعصمة زوجها ولم تكن معتدة بطلاق بائن لا يجوز للزوج استئجارها لترضع ولدها، ولو استأجرها فلا تستحق لذلك أجرة. لأن الإرضاع مستحق عليها ديانة لقوله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ (١) وهو أمر بصيغة الخبر وهو آكد، واستئجار الشخص لأمر مستحق عليه لا يجوز، ولهذا لا يجوز أن تأخذ الأجرة على خدمة البيت من الكنس وغيره وإنما لا تجبر على الرضاعة لاحتمال عجزها فعذرت فإذا أقدمت عليه ظهر قدرتها فلا تعذر. وبهذا قال المالكية لأن عرف المسلمين على توالي الأعصار في سائر الأمصار جار على أن الأمهات يرضعن أولادهن من غير طلب أجرة على ذلك (٢) وهذا القول قال به الشافعية لاستحقاق الزوج الاستمتاع بها ولا يجوز أن يعقد عليها عقدا آخر يمنعه استيفاء حقه. وإلى هذا القول ذهب بعض الحنابلة لاستحقاق الزوج منافعها للخدمة (٣) فلا يجوز أن يستأجر منها ما هو أو بعضه حق له (٤). والقول الثاني: أن الأم إذا طلبت إرضاعه بأجر مثلها فهي أحق به سواء أكانت في حبال الزوجية أو بعدها وسواء وجد الأب مرضعة متبرعة أم لم يجد، لأن الإرضاع عقد إجارة فكما يجوز من غير الزوج إذا أذن

стр. 9579

فيه فيجوز معه كإجارة نفسها للخياطة أو الخدمة وهذا هو ما عليه المذهب عند الحنابلة وعليه جماهيرهم. واختار هذا القول الحنفية في رواية لهم وهو قول عند المالكية إن كان مثلها لا يرضع (١) وقول عند الشافعية لقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٢) والأم أحق بالرضاعة من غيرها مما يدل على أن استئجار الزوج لها جائز إذ أن الرضاعة لو كانت محتمة على الأم لم يكن على الأب أجرة ولهذا قال الله تعالى ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٣) ومن المعروف بذل الأجرة للأم إذا رغبت في إرضاعه بأجر ولو كانت في عصمة الزوج. وأجاب أصحاب هذا القول عن استدلال أصحاب القول الأول بأن عقد الرضاعة يمنع الزوج من استيفاء حقه من الاستمتاع: بأن الاستئجار رضى بترك حقه في الاستمتاع خاصة إذا كان الرضاع لا يمنعه من الاستمتاع ولا ينقصه حقه (٤) ثم إنه إذا استأجرها فقد أذن لها في إجارة نفسها فصح كما يصح من الأجنبي (٥). وأجابوا عن استدلال أصحاب القول الأول بكون المنافع مملوكة للزوج غير صحيح لأن الزوج لو ملك منفعة الحضانة لملك إجبارها عليها، ولم تجز إجارة نفسها لغيره بإذنه ولكانت الأجرة له (٦). قلت وهذا يختلف عن الإرضاع إذ أنه يتعين على المرأة في بعض الحالات كما سبق (٧) بخلاف تأجير نفسها للغير فلا يتعين عليها البتة لانشغالها بخدمة زوجها والرضاع جزء من هذه الخدمة. والزوج كيف له أن يؤجرها لإرضاع ولدها في الوقت الذي يقوم بالإنفاق عليها وقوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٨)

стр. 9580

فهذه الآية خاصة بالمطلقات إذ أن الزوج لا ينفق عليها مما يوجب لها الأجرة أثناء الرضاع أما الزوجات اللاتي بعصمة الزوج فأوجب القرآن لهن الرزق والكسوة بالمعروف ولا زيادة على ذلك وتدخل نفقة الطفل ضمن نفقة أمه لكونه يتغذى بغذائها سواء كانت حاملا أم مرضعا (١) وهذا يؤكد أن المرأة بعصمة زوجها لا تستحق أجرة لرضاع ولدها وأن القول الأول أرجح.

стр. 9581

المبحث الخامس: بذل الأجرة للمطلقة البائن بذل الأجرة للمطلقة البائن لا يخلو إما أن يكون البذل لها في العدة أو بعدها ففي جواز استئجار المعتدة البائن لإرضاع طفلها روايتان عند الحنفية. فظاهر الرواية أنه يجوز لأن النكاح قد زال فهي كالأجنبية وقد حكى ابن تيمية اتفاق العلماء على استحقاق المعتدة البائن أجر الرضاع كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١). غير أن هذا الاتفاق ينظر فيه بما صحح في الجوهرة وفي رواية الحسن أنه لا يجوز عند الحنفية استئجار المرأة المعتدة من طلاق بائن لإرضاع طفلها لأن حكم النكاح باق في حق بعض الأحكام (٢). أما بعد العدة فيجوز استئجارها بالاتفاق لزوال النكاح بالكلية لإجماع العلماء الذي دل عليه قوله تعالى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣).

стр. 9582

المبحث السادس: نفقة المرأة على أولادها المرأة إذا كانت أمة مكاتبة ولها أولاد دخلوا معها الكتابة فيرى الحنفية

стр. 9583

أن نفقتهم واجبة عليها لتبعيتهم لها في الكتابة ولأن كسبه وإرش الجناية عليه وإرثه لها (١) وإلى هذا ذهب المالكية (٢) والحنابلة (٣). مسألة: يرى الحنفية إجبار المرأة الحرة إذا كانت موسرة بالإنفاق على أولادها إذا كان أبوهم عبدا.

стр. 9584

المبحث السابع: مشاركة الأب والأم أو غيرهما في نفقة الطفل الطفل كائن حي اعتني فيه وروعيت حاجاته ومتطلباته من خلال الإلزام بنفقته سواء على أسرته أو بيت مال المسلمين. والأسرة قد تكون أما وأبا وقد يكون غيرهما، لذا نرى الحنفية يقررون وجوب نفقة الطفل على أصوله الوارثين له كالأم والجد لأب أو الأم والعم أو الأم والأخ فعلى ظاهر الرواية عندهم تلزمهما النفقة على قدر ميراثهما أثلاثا لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) فقد اعتبر صفة الوراثة في حق غير الأب فدل على أن النفقة تجب على الورثة حسب الميراث. ولقد لاحظ الفقهاء منهم حالة اليسر والعسر فبعضهم لم يوجب على العم مع الأم نفقة أثناء فترة الرضاع باعتبار أن الأم موسرة باللبن والعم معسر به في هذه الفترة لكن ظاهر الرواية أن قدرة العم على تحصيل اللبن بما له يجعله موسرا به ولهذا كان عليهما أثلاثا. أما إذا كان العم فقيرا والأم غنية فالرضاع والنفقة على الأم لأن النفقة مستحقة على العم في ماله لا في كسبه والمعسر ليس له مال فلا يلزمه شيء من النفقة وتكون بهذا لازمة على الأم (٢).

стр. 9585

وحيث ما قالوا بالوجوب قالوا يرجعا على الأب إذا أيسر (١). وقال في البحر إن الوجوب على الأب المعسر إنما هو إذا أنفقت الأم الموسرة وإلا فالأب كالميت والوجوب على غيره لو كان ميتا ولا رجوع عليه في الصحيح (٢) والجد لأب لا يطالب عند الحنفية بالنفقة مع وجود الأب إلا إذا كانت الأم معسرة. كما تلزم الجد النفقة إذا مات والد الطفل أو كان والده زمنا (٣) فهنا تلزم الجد النفقة بالاتفاق لأن نفقة الأب واجبة على الجد بالاتفاق فكذا نفقة صغاره. والأم لا تشارك الجد النفقة لو كان معها أخ عاصب أو ابن أخ أو عم لأن الجد يحجب هؤلاء عن الإرث لتنزيله معهم منزلة الأب حيث لا يرثون بوجوده فكذا الجد هنا تلزمه النفقة وحده دون مشاركة الأم له. أما إذا لم يكن معها أحد من هؤلاء بل صار للولد الفقير أم وجد لأب فقط فإن الجد لم ينزل منزلة الأب. لذا يجب النفقة عليهما أثلاثا في ظاهر الرواية (٤) كما سبق آنفا. وهم يقولون بسقوط النفقة عن المحجوب عن الميراث فإن كان للطفل أم وأخ لأب وعم وهم أغنياء فالرضاع على الأم والأخ لأب أثلاثا بحسب الميراث ولا شيء من ذلك على العم لأنه ليس بوارث مع الأخ، والغرم مقابل الغنم والنفقة تجب على من يكون الغنم له إذا مات الولد. وهم يوجبون النفقة بعد الأب على ذي الرحم المحرم الغني حسب الميراث وتسقط عن الفقير فإن كانت الأم فقيرة وللولد عمة وخالة غنيتان فالنفقة عليهما أثلاثا على العمة الثلثان وعلى الخالة الثلث لأن الأم الفقيرة كالمعدومة والميراث بين العمة والخالة أثلاثا فكذا النفقة عليهما أثلاثا ولا تلزم الوارث من غير ذي الرحم المحرم فلو كان للطفل ابن عم يرثه

стр. 9586

فإنه ليس بذي رحم فلا شيء عليه من النفقة ويلزم بها العمة والخالة أثلاثا وإن كان الميراث لابن العم (١). ولو كان مع الأم وارث من الحواشي كأخ عاصب أو ابن أخ أو عم فعلى الأم ثلث النفقة وعلى العصبة الثلثان (٢). والمالكية لا يوجبون النفقة على جد ولا على جدة من قبل الأب أو الأم ولا على أحد من الأخوة وسائر ذوي المحارم وذلك باعتبار أن الجد ليس بأب حقيقي (٣) وغيره لا يقوم مقامه في وجوب النفقة. أما الشافعية: فيرون أن الطفل إذا كان له أم وجد لأب موسران فالنفقة على الجد لأن له ولادة وتعصيبا فقدم على الأم كالأب (٤). ولأن الأحفاد ملحقون بالأولاد لقوله تعالى ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ (٥) فولد الولد يقع عليه مسمى ابن مما يدل على وجوب النفقة على الأجداد (٦) لهذا نرى الشافعية يجعلون الجد لأب مع الأم كالأب في وجوب النفقة على الأصح عندهم (٧). والأجداد والجدات إن أولى بعضهم ببعض فالأقرب منهم فالأقرب تلزمه النفقة لكون القرب أدلى بالاعتبار. وإن لم يدل بعضهم ببعض فبالقرب يعتبر لزوم النفقة. وقيل يعثر بالإرث. وقيل بولاية المال لأنها تشعر بتفويض التربية إليه باعتبار أنها الجهة التي لها حق الولاية. وهم يرون أن النفقة لا تجب على من عدا المولودين فلا تلزم النفقة الأخوة ولا الأعمام ولا غيرهم (٨).

стр. 9587

والحنابلة: يوجبون النفقة على الأجداد والجدات وإن علوا لقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (١) ولأن الطفل يدخل في مطلق اسم الولد في قوله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ (٢) ولأن بينهما قرابة توجب العتق ورد الشهادة فأشبه الولد والوالد القريبين. والحنابلة يشترطون في المنفق أن يكون وارثا لأن بين المتوارثين صلة تقتضي كون الوارث أحق بمال الموروث من سائر الناس فينبغي أن يختص بوجوب صلته بالنفقة دونهم، فإن لم يكن وارثا لعدم القرابة لم تجب عليه النفقة لذلك. ويرى الحنابلة سقوط النفقة عن المحجوب عن الميراث إلا إذا كان الحاجب له معسرا فقيل تجب عليه النفقة لعسر حاجبه ففي أب معسر وجد موسر النفقة على الجد وفي أم معسرة وجدة موسرة النفقة على الجدة وهذا بشرط أن يكون المحجوب من عمودي النسب إما إذا كان من غير عمودي النسب فلا تجب النفقة عليه والرواية الثانية سقوط النفقة عن المحجوب ولو كان من عمودي النسب وهي المذهب عندهم (٣). أما ذوو الأرحام الذين لا يرثون بفرض ولا تعصيب فلا نفقة عليهم إن كانوا من غير عمودي النسب فالخالة والعمة لا نفقة عليهما رواية واحدة وهي المذهب وذلك لأن قرابتهما ضعيفة حيث يأخذون المال عند عدم الوارث فهم كسائر المسلمين. وقيل تلزمهم النفقة عند عدم العصبات وذوي الفروض لأنهم وارثون في تلك الحال. أما عمودا النسب فذكر القاضي ما يدل على أنه يجب الإنفاق عليهم سواء أكانوا من ذوي الأرحام كابن البنت أو كانوا محجوبين أو

стр. 9588

وارثين وذلك لأن قرابتهم قرابة جزئية وبعضية تقتضي رد الشهادة وتمنع جريان القصاص على الوالد بقتل الولد وإن سفل فأوجبت النفقة على كل حال كقرابة الأب الأدنى. وحاصله أن الصبي الفقير في ظاهر المذهب إن لم يكن له أب أجبر وارثه الموسر على نفقته على قدر ميراثه منه. فإذا كان للولد أم وجد فعلى الأم ثلث النفقة وعلى الجد ثلثاها وحكي عن أحمد في الصبي المرضع لا أب له ولا جد نفقته وأجرة رضاعه على الرجال دون النساء وقيل إن نفقته على العصبات.

стр. 9589

النوع الثاني: نفقة الأولاد الكبار يرى الحنفية أن نفقة البنت البالغة التي لم تتزوج وليس لها مال والابن البالغ الزمن الفقير على الأب خاصة في ظاهر الرواية وعليه الفتوى. وهو مذهب المالكية في البنت البالغة والابن البالغ المجنون أو العاجز لمرض ونحوه على المشهور عندهم. وهو قول للشافعية استصحابا لوجوبها عليه في الصغر. وهو قول عند الحنابلة وعليه المذهب سواء كان الولد زمنا أو صحيحا مكلفا وهو لا حرفة له فنفقته واجبة لعجزه عن الكسب. وقال بعض الحنفية (١) على الأب ثلثاها وعلى الأم الثلث باعتبار الإرث ولأنه ليس للأب ولاية على الكبير فتشاركه الأم في النفقة (٢). وهم يرون أن من تجب عليه نفقة الكبار وأعسر في نفقتهم ولزمت غيره وأنفق فلا يرجع على من كانت النفقة واجبة عليه، لأنها لا تجب مع الإعسار وبهذا الرأي قال المالكية (٣).

стр. 9590

ويرى الشافعية في قول لهم أن نفقة الكبار على الأب والأم لاستوائهما في القرب ولأن الولاية ولاية الأب قد زالت بكبر الولد (١) وهل يسوى بين الأب والأم في وجوبها؟ أم يجعل بينهما أثلاثا بحسب الإرث؟ وجهان أرجحهما الثاني (٢). والولد الكبير البالغ لا تجب نفقته على أحد إذا كان غنيا مكتسبا صحيح الجسم (٣) سوى من لا يستأجره الناس لمنزلته الرفيعة بينهم أو لكونه لا يحسن العمل. ومن يشتغل في طلب العلم ويمنعه عن الكسب فيعد في حكم العاجز ويجبر من تلزمه نفقته بالإنفاق عليه كأبيه. ويرى المالكية في قول لهم أن نفقة الصغير تنتهي ببلوغه كالصحيح.

стр. 9591

الفصل الثاني نفقة الأصول وفيه عدة مباحث: المبحث الأول: في وجوب نفقة الآباء والأمهات نفقة الآباء والأمهات واجبة على أولادهم من الذكور والإناث لقوله تعالى ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (١) وليس من المعروف أن يعيش الولد في نعم الله ويتركهما يموتان جوعا ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما. ولقوله تعالى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ (٢) ومن الإحسان أن ينفق عليهما عند حاجتهما للإنفاق.

стр. 9592

وقوله تعالى ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ (١) ففي هذه الآية نهي عن التأفيف لمعنى الأذى ومنع النفقة عند حاجتهما يكون به معنى الأذى وأكثر ولهذا يلزمه نفقتهما وإن كانا قادرين على الكسب لأن معنى الأذى في الكد والتعب أكثر منه في التأفيف (٢). ولما روي عن عائشة ﵂ قالت: إن النبي ﷺ قال «إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه وإن ولده من كسبه فكلوا مما كسب أولادكم (٤)». ففي هذا الحديث بيان وأمر بالأكل من مال الولد مما يدل على أن نفقة الآباء واجبة في مال الولد. وعن عائشة ﵂ قالت: إن رسول الله ﷺ قال «إن أولادكم هبة لكم يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور وأموالهم لكم إذا احتجتم إليهم (٦)». ففي هذا الحديث جعل الرسول ﷺ مال الولد هبة للوالد إذا احتاج إليه مما يدل على وجوب نفقة الوالد على ولده. وقال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد.

стр. 9593

المبحث الثاني: في وجوب نفقة الأجداد والجدات نفقة الأجداد والجدات وإن علوا واجبة على أبنائهم عند جمهور العلماء خلافا للمالكية الذين لا يرون وجوب نفقة الجد على ابن الابن لوجوب نفقته على ابنه فلا تنتقل إلى بنيه (١). واستدل الجمهور بقوله تعالى ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ (٢) وولد الولد يرث الجد جملة فوجبت عليه نفقته.

стр. 9594

ولأن الجد يدخل في مطلق اسم الوالد في قوله تعالى ﴿وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ﴾ (١) وفي قوله تعالى ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (٢) ولأن الأجداد والجدات من الآباء والأمهات وملحقون بهم وإن لم يدخلوا في عموم ذلك كما ألحقوا بهم في العتق والملك وعدم القود ورد الشهادة وغير ذلك فأشبهوا الوالد القريب ثم إنهم قد تسببوا في إحيائه فاستوجبوا عليه الإحياء كالأبوين (٣) مما يوجب نفقتهم على أولادهم وإن نزلوا. ووجوب نفقة الأجداد والجدات على أولادهم وإن نزلوا هو الأولى لتأكد عجزهم في الغالب عن العمل لكبر سنهم ولاحتمال عجز أبنائهم لكبر أو عدم مقدرة على الكسب ولأن الإسلام يحث على التكافل بين المسلمين عموما والأجداد أولى بذلك.

стр. 9595

المبحث الثالث: شرط وجوب نفقة الأصول والنفقة الواجبة هذه إنما تكون بالشروط التالية: يسار المنفق يسارا يحرم الصدقة عليه عند الحنفية واكتفى الشافعية بيسار المنفق لأنها مواساة فاعتبر فيها اليسار (١). والمالكية جعلوا اليسار بما زاد عن حاجة النفس ولا يلزم المنفق الكسب لأجل الإنفاق على أصوله. والحنابلة جعلوا يسار المنفق بما زاد عن حاجة نفسه. ويرى الخصاف من الحنفية عدم اليسار في نفقة الأصول بل يكفي القدرة على الكسب والمعتمد عندهم خلافه (٢). أن يكون المنفق عليه فقيرا سواء كان قادرا على الكسب أم غير قادر عليه في ظاهر الرواية عند الحنفية ويرى المالكية أن النفقة هذه
следующие страницы →