← Джавами‘

Джавами‘ · id 8322

مجلة البحوث الإسلامية

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (48 258 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

سند المخطوطة إلى المؤلف بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ أخبرنا الشيخان الأجلان الأمينان: الثقة نجم الدين أبو بكر محمد بن علي بن المظفر بن القاسم النشبي (١). والإمام العالم العلامة مسند عصره تقي الدين أبو محمد إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (٢) قراءة على كل واحد منهم وأنا أسمع، بمدينة دمشق في تاريخين (مختلفين) (٣). قيل لكل واحد منهما: أخبرتك الشيخة الصالحة ست الكتبة نعمة (٤) بنت علي بن يحيى بن علي بن الطراح البغدادي قراءة عليها وأنت تسمع بدمشق في تاريخ سماعه منها، فأقر به، قيل لها: أخبرك جدك الشيخ أبو محمد يحيى (٥) بن علي بن محمد الطراح قراءة عليه وأنت تسمعين في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة فأقرت به. قال: أنبأنا الشيخ الإمام العالم الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب (٦) البغدادي إجازة. قال: ... مقدمة المؤلف الحمد لله رب العالمين شكرا لنعمته، ولا إله إلا الله إقرارا (٧) بوحدانيته، وصلى الله على خير خلقه، محمد نبينا المصطفى لرسالته، وعلى إخوانه من النبيين وأهل بيته، وصحابته، وتابعيه بالإحسان المتمسكين بسنته. سألني بعض إخواننا تولاهم الله برعايته، ووفقنا وإياهم للعمل بطاعته، بيان علة ترك أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، الرواية عن الإمام أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي، في كتابه " الجامع "

стр. 982

للآثار، عن سلف الأمة الأخيار، وذكر أن بعض من يذهب إلى رأي أبي حنيفة ومقالته، ضعف أحاديث للشافعي واعترض بالطعن عليه في روايته، لإعراض أبي عبد الله البخاري عنها، واطراحه ما انتهى إليه منها. - ولولا ما أخذ الله تعالى على العلماء فيما يعلمونه (١)، ليبيننه للناس ولا يكتمونه، لكان أولى الأشياء الإعراض عن اعتراض الجهال، والسكوت عن جوابهم فيما اجترءوا عليه من النطق بالمحال، وتركهم على جهلهم يعمهون بتحيرهم في الباطل والضلال، لكن وعيد الله في القرآن، منع العلماء من الكتمان، ثم ما صح واشتهر، عن المصطفى سيد البشر " ﷺ "، من التغليظ في الخبر. - الذي أخبرنا به أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ بأصبهان ثنا حبيب بن الحسن القزاز، ثنا عبد الله بن أيوب يعني الجزار ثنا أبو نصر التمار ثنا حماد (٢) عن علي بن الحكم (٣) عن عطاء عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «من كتم علما علمه الله، ألجمه الله

стр. 983

تعالى بلجام من نار (١)».

стр. 984

وأخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي بالبصرة ثنا عبد الرحمن بن أحمد الحافظ ثنا عمر بن إبراهيم أبو الآذان ثنا القاسم بن سعيد بن المسيب بن شريك ثنا أبو النضر الأكفاني ثنا سفيان الثوري عن جابر - يعني - الجعفي عن عطاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : «من سئل عن علم نافع فكتمه جاء يوم القيامة ملجما بلجام من نار (١)». وأنا بمشيئة الله أجيب أخانا عن مسألته، مؤملا من الله جزيل أجره ومثوبته، وسائلا له المعونة بتوفيقه وعصمته، فإنه لا حول لي ولا قوة إلا بمعونته. ... وقد كان جرى بيني وبين بعض من يشار إليه بالمعرفة، كلام في هذه المسألة، واعترض علي بما تقدم ذكره، وزاد في احتجاجه بخلو كتب مسلم بن الحجاج النيسابوري، وأبي داود السجستاني، وأئمة الحديث غيرهما ممن صنف الصحاح بعدهما من حديث الشافعي.

стр. 985

فأجبته بما فتحه الله علي ويسره، وقضى لي به النطق في الحال وقدره، وسألخص إن شاء الله في هذه المسألة الكلام، وأشرحها شرحا يؤمن معه وقوع الإيهام، ليكون حجة على من رام دفع الحق وظهور الباطل بعدوانه، ونزول شبهه إن اعترضت في قلب من لم يكن علم الحديث من شأنه (١)، وأعوذ بالله من الرياء والإعجاب، وأسأله التوفيق لإدراك الحق والصواب. ... قال أنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ثنا أبو العباس محمد بن أحمد الأثرم ثنا حميد بن الربيع، ثنا يونس بن بكير أخبرني محمد بن إسحاق حدثني إبراهيم بن أبي عبلة عن أبيه عن عوف بن مالك - رحمه الله تعالى - قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن أمام الدجال سنين خوادع، فسئل: ما الرويبضة؟ قال: من لا حسب له، ولا يؤبه له (٣)».

стр. 986

- فقد شاهدنا ما كنا قبل نسمعه، ووصلنا إلى الزمان الذي كنا نحذره ونتوقعه، وحل بنا ما لم (١) نزل نهابه ونفزعه، من استعلاء الجاهلين، وظهور الخاملين، وخوضهم بجهلهم في الدين، وقذفهم بوصفهم الذي ما زالوا به معروفين، السادة من العلماء والأئمة المنزهين، وبسطهم ألسنتهم بالوقيعة في الصالحين، وإن الذنب بهم ألحق، والذم إليهم أسبق، والقبيح بهم ألصق، والعيب بهم أليق. - وما سبيلهم فيما قصدوه، من الطريق الذي سلكوه، وظنهم الكاذب الذي يوهموه، وقولهم الباطل إذ أذاعوه، إلا ما أخبرنا محمد بن أحمد بن رزق البزاز قال: أنشدنا أحمد بن كامل قال: أنشدنا أبو يزيد أحمد بن روح البزاز قال: أنشدنا عبيد بن محمد العبسي في ابنه: حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالناس أضداد (له) (٢) وخصوم كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغيا إنه لذميم وترى اللبيب محسدا لم يجترم ... شتم الرجال وعرضه مشتوم - وأخبرنا ابن رزق أيضا قال: أنشدنا أحمد بن كامل قال: أنشدنا الحارث بن محمد بن أبي أسامة قال: أنشدنا علي بن محمد المدايني: إن الغرانيق نلقاها محسدة ... ولا نرى للئام الناس حسادا

стр. 987

بعض مزايا الشافعي فمثل الشافعي من حسد، وإلى ستر معالمه قصد ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (١) ويظهر بفضله من كل حق مستوره، وكيف لا يغيظ من حاز الكمال، بما جمع الله تعالى له من الخلال، اللواتي لا ينكرها إلا ظاهر الجهل، أو خارج عن حد التكليف لذهاب العقل. - منها: جزيل حظه من الأدب، وجلالة (٢) محتده في النسب، الذي ساوى به في الحكم بني عبد المطلب. ثم لما كان عليه من قوة الدين، وحسن الطريقة عند الموافقين والمخالفين. وحفظه لكتاب ربه، ومعرفته بواجبه وندبه، وتصرفه في سائر أنواع علمه، مما يعجز غيره عن بلوغ فهمه. - وفقهه بالسنن المنقولة، وبصره بالصحاح منها والمعلولة. وكلامه في الأصول، وحكم المرسل والموصول، وتمييز وجوه النصوص، وذكر العموم والخصوص، وهذا ما لم يدرك الكلام فيه، أبو حنيفة ولا غيره من متقدميه. تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا ثم تركه التقليد لأهل البلدة. وإيثاره (٣) ما ظهر دليله وثبتت به الحجة.

стр. 988

- مع اتخاذه اليد العظيمة، وتقليده المنن الجسيمة، كافة أهل الآثار، ونقلة الأحاديث والأخبار، بتوقيفه إياهم على معاني السنن وتنبيههم، وقذفه بالحق على باطل (١) أهل الرأي وتمويههم، فنشلهم الله تعالى به (٢) بعد أن كانوا خاملين، وظهرت كلمتهم على من سواهم من ساير المخالفين، ودمغوهم بواضحات الدلايل والبراهين، حتى ظلت أعناقهم لها خاضعين. ثناء الأئمة على الشافعي أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي قال: سمعت الخضر بن داود يقول: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول: قال محمد بن الحسن: إن تكلم أصحاب الحديث يوما فبلسان الشافعي (٣) - يعني لما وضع كتبه -. قرأت على محمد بن أحمد بن يعقوب عن محمد بن نعيم النيسابوري قال: سمعت أبا زكريا يحيى بن محمد العنبري يقول: سمعت أبا جعفر محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن محمد بن أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب يقول: سمعت الحسن بن محمد الزعفراني يقول: كان أصحاب الحديث رقودا حتى جاء الشافعي فأيقظهم (٤) فتيقظوا. - حدثني أبو رجاء هبة الله بن محمد بن علي الشيرازي في مجلس أبي الحسين بن بشران ثنا عبد الرحمن بن عمر التميمي بن راشد الدينوري ثنا عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن القاضي ثنا الفضل بن

стр. 989

زياد قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: ما أحد مس بيده محبرة ولا قلما إلا وللشافعي في رقبته منة. - فهذا قول سيد أصحاب الحديث وأهله، ومن لا يختلف العلماء في ورعه وفضله، ويحق له ذلك، وقد كان أحد تلاميذ الشافعي ومن أعيان أصحابه، وأكثر الناس ملازمة له، وأشدهم حرصا على سماع كتبه، وأحضهم للخلق على حفظ علمه، ومن شكره للشافعي قال هذا القول، ومن لم يشكر الناس لم يشكر الله عز وجل

стр. 990

ففي بعض ما ذكرنا من معالم الشافعي ما يوجب الحسد والكذب عليه. - وما الذي يضره ويقدح فيه، من جهل عدو ومناوئيه (١)، مع تولي رب العالمين لنصرته، وإرادته في السابق إظهار كلمته. أبى الله إلا رفعه وعلوه ... وليس لما يعليه ذو العرش واضع وما يتعدى الحاسد فعله، ولا يضر كيده إلا نفسه. - أنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قال: أنا أبو عبيد الله محمد بن عمران بن موسى بن المرزباني ثنا عبد الله بن محمد بن أبي سعيد البزاز قال: أنا أحمد بن أبي طاهر قال حدثني حبيب بن أوس قال: قال رجل لابنه: يا بني إياك والحسد، فإنه يتبين فيك، ولا يتبين في عدوك. ولو أن رعاع التبع، وأسرى حبالة الطمع (٢)، شغلتهم عيوبهم، وأهمتهم ذنوبهم، وأعينوا من الله بالتوفيق وحسن البصيرة، لأسقط أهل العلم عن أنفسهم مؤنا كثيرة، من تكلفهم إزالة أكاذيبهم، وكشفهم (٣) شبه زخارفهم وأعاجيبهم، لكن لم يرد الله بهم خيرا فخذلهم، وعن دفع (٤) الحق بالباطل الذي لا ينفعهم شغلهم، ونحن نعوذ بالله من غضبه وخذلانه، ونسأله التوفيق لما يؤدي إلى رحمته ورضوانه. أخبرني بكر بن أبي الطيب الحرجرائي ثنا محمد بن أحمد المفيد ثنا عبد الصمد بن محمد قال: سمعت أبا تراب النخشبي يقول: إذا ألف القلب الإعراض عن الله صحبه الوقيعة في أولياء الله. أنبأنا عبد العزيز (٥) بن أبي الحسن القرميسيني ثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم بن كثير ثنا الفيض بن إسحاق قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: تكلمت فيما لا يعنيك فشغلك عما يعنيك، ولو شغلك ما يعنيك

стр. 991

تركت ما لا يعنيك. - ولن يخلي الله كل عصر، آنف بعد سالف إلى آخر الدهر، من دافع للكذب بالصدق، ودامغ للباطل بالحق، يجاهد في الله بفعاله، ويحتسب ما عند الله بمقاله، متيقنا أن مذهبه القويم، وسبيله هو السبيل المستقيم، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). - أنبأنا أبو بكر أحمد بن غالب الفقيه ثنا محمد بن العباس الخزاز ثنا أبو عبيد بن حربويه ثنا الحسن بن محمد الزعفراني ثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يزال ناس من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين حتى يأتيهم أمر الله وهم على ذلك (٢)» - أنبأنا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد الطبراني ثنا أسلم بن سهل الواسطي ثنا تميم بن المنتصر قال: لما حدث يزيد بن هارون بحديث شعبة عن معاوية بن قرة عن أبيه قال يزيد: إن لم يكونوا أهل الحديث والأثر فلا أدري " من هم " (٣). - أنبأنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح المقري بأصبهان قال: أنبأ أبو محمد عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان ثنا إسحاق بن أحمد الفارسي ثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري ثنا ابن أبي أويس ثنا ابن أبي الزناد عن موسى بن عقبة عن أبي الزبير قال: سمعت جابرا يقول: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 992

يقول: «لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة (١)».

стр. 993

قال أبو عبد الله البخاري: يعني أهل الحديث - كل طائفة وإن كانت تتأول أن هذا الحديث وارد فيها، دون غيرها ممن خالفها، فإنها لا تنكر أن أشد الناس نظرا في حال المنقول، واهتماما بأمور الأسانيد المؤدية عن الرسول ﷺ أصحاب الحديث لأنهم العالمون بأسماء الرجال، وأهل العناية بالبحث عن الأحوال،

стр. 994

وذووا المعرفة بالجرح والتعديل، والحافظون طرق الصحيح والمعلول، اجتهدوا في تعلم ذلك وضبطه، وأتعبوا أنفسهم في سماعه وحفظه، وفنيت فيه أعمارهم، وبعدت فيه أسفارهم، واستقربوا له الشقة البعيدة، وهونوا لأجله المشقة الشديدة، حتى علموا - بتوفيق الله لهم - صحيح الآثار، ومنكر الروايات والأخبار، وعرفوا أهل النقل، من مجروح وعدل، ومتقن وحافظ، وصدوق وصالح، ولين وضعيف، وساقط، ومتروك، فنزلوا الرواة منازلهم، وميزوا أحوالهم ومراتبهم، ودونوا من الأحاديث صحيحها، ونبهوا على باطلها وموضوعها، (البخاري لم يلتزم إخراج ما صحح عنده ولا عن كل ثقة) وكان من أحسنهم مذهبا فيما ألفه، وأصحهم اختيارا لما صنفه، محمد بن إسماعيل البخاري هذب ما - في جامعه - جمعه، ولم يأل عن الحق فيما أودعه، غير أنه عدل عن كثير من الأصول، إيثارا للإيجاز وكراهة للتطويل، وإن كان قد عني عن المتروك بأمثاله، ودل على ما هو من شرطه بأشكاله، ولم يكن قصده - والله أعلم - استيعاب طرق الأحاديث كلها، ما صح إسناده، وإنما جعل كتابه أصلا يؤتم به، ومثالا يستضاء بمجموعه، ويرد ما شذ عنه إلى الاعتبار بما هو فيه. سبب تأليف البخاري للصحيح ويدل على ذلك ما أخبرنا أبو سعد أحمد بن محمد الماليني قال أنبأنا عبد الله بن عدي الحافظ قال: سمعت الحسن بن الحسين البخاري (١) يقول: سمعت إبراهيم بن معقل (٢) يقول: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح، وتركت " من الصحاح لحال الطوال ". - وأنبأنا أبو سعد أيضا قال أنبأنا عبد الله بن عدي (٣) قال: حدثني محمد بن أحمد القومسي قال: سمعت محمد بن حمدويه يقول: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: أحفظ مائة ألف حديث صحيح، وأحفظ مائتي ألف حديث غير صحيح (٤).

стр. 995

وجامع البخاري إنما يشتمل على ألوف يسيرة من الأصول. - وأحسبه أراد بقوله: أحفظ مائة ألف حديث صحيح: طرق الأخبار من المرفوعة والموقوفة وأقوال التابعين ومن بعدهم، جعل كل طريق منها حديثا، لا أنه أراد الأصول حسب. وأي ذلك كان مراده، فقد بين أن في الصحاح ما لم يشتمل عليه كتابه، ولم يحوه جامعه. وكمثل ما فعل في الأحاديث فعل في الرجال، فإن كتاب التاريخ الذي صنفه تشتمل أسماء الرجال المذكورة فيه على ألوف كثيرة في العدد، وأخرج في صحيحه عن بعض المذكورين في تاريخه. - وسبيل من ترك الإخراج عنه سبيل ما ترك من الأصول.

стр. 996

إما أن يكون الراوي ضعيفا ليس من شرطه، أو يكون مقبولا عنده غير أنه عدل عنه استغناء بغيره، والله أعلم.

стр. 997

فصل سبب ترك البخاري إخراج الحديث عن طريق الشافعي والذي نقول في تركه الاحتجاج بحديث الشافعي إنما تركه لا لمعنى يوجب ضعفه لكن غني عنه بما هو أعلى منه، وذلك أن أقدم شيوخ الشافعي الثقات الذين روى عنهم: مالك بن أنس، وعبد العزيز بن محمد الدراوردي، وداود بن عبد الرحمن العطار وسفيان بن عيينة. البخاري لم يدرك الشافعي وروى عمن هو أكبر سنا من الشافعي والبخاري لم يدرك الشافعي (وروى عن من) (١) كان أكبر منه سنا، وأقدم منه سماعا، مثل مكي بن إبراهيم البلخي وعبيد الله بن موسى العبسي، وأبي عاصم الشيباني ومحمد بن عبد الله الأنصاري، وخلق (٢) يطول ذكرهم. وهؤلاء الذين سميتهم رووا عن بعض التابعين. وحدثه أيضا عن شيوخ الشافعي جماعة كعبد الله بن مسلمة القعنبي وعبد الله بن يوسف

стр. 998

التنيسي وإسماعيل بن أبي أويس، وعبد العزيز الأويسي، ويحيى بن قزعة (١)، وأبي نعيم الفضل بن دكين، وخالد بن مخلد وأحمد بن يونس، وقتيبة بن سعيد. - وهؤلاء كلهم رووا عن مالك، ومنهم من روى عن الدراوردي كسعيد بن أبي مريم المصري، وأبي غسان النهدي، وعبد الله بن الزبير الحميدي، وعلي بن المديني. وهؤلاء رووا عن سفيان بن عيينة، وفيهم من يحدث عن داود بن عبد الرحمن العطار. وغير من ذكرت أيضا ممن أدرك شيوخ الشافعي قد كتب عنه البخاري. - فلم ير أن يروي عنه حديثا عن رجل عن الشافعي عن مالك، وقد حدثه به غير واحد عن مالك، كما رواه الشافعي، مع كونه الذي حدثه به أكبر من الشافعي سنا، وأقدم سماعا.

стр. 999

اعتراض: البخاري روى في صحيحه حديثا نازلا وهو عنده عال فإن قيل: فقد أورد البخاري في صحيحه نازلا حديثا كان عنده عاليا، وهو حديث " مدعم " رواه عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك (١)، ورواه أيضا عن عبد الله بن محمد المسندي عن معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق الفزاري عن مالك، وهذا الحديث في الموطأ. - ولا شك أن البخاري قد سمعه من غير واحد من أصحاب مالك. إذ كان قد لقي جماعة ممن روى له الموطأ عن مالك.

стр. 1000

- " فأعظم ما في الباب لو روى عن رجل عن الشافعي عن مالك " أن يكون قد نزل عن عالي حديثه درجة، وهو في الاعتبار أعلى من حديث أبي إسحاق الفزاري الذي أخرجه بدرجة لأن بينه وبين مالك من طريق الشافعي لو أخرجه رجلين ومن طريق الفزاري ثلاثة. وهذا يدل عن خلاف ما ذكرت، وينقض ما عليه في هذا الباب اعتمدت. ***

стр. 1001

البخاري لم يرو نازلا وهو عنده عال إلا لمعنى إن البخاري لم يرو في الصحيح حديثا نازلا وهو عنده عال إلا لمعنى في النازل لا يجده في العالي، أو يكون أصلا مختلفا فيه، فيذكر بعض طرقه عاليا ويردفه بالحديث النازل متابعة لذلك القول، فأما أن يورد الحديث النازل وهو عنده عالي لا لمعنى يختص به، ولا على وجه المتابعة لبعض ما اختلف لبعض ما اختلف فيه فغير موجود في الكتاب. وحديث أبي إسحاق الفزاري فيه بيان الخبر وهو معدوم في غيره، وأنا أسوقه ليوقف على صحة ما ذكرته. حديث مدعم وتخريج الخطيب له أنبأنا القاضي أبو بكر أحمد بن الحسن بن أحمد الحرشي بنيسابور ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم ثنا محمد بن إسحاق الصغاني ثنا معاوية بن عمرو (١) عن أبي إسحاق عن مالك بن أنس قال: حدثني ثور (٢) أخبرني سالم مولى ابن مطيع أنه «سمع أبا هريرة ﵁ يقول: افتتحنا خيبر فلم نغنم ذهبا ولا فضة إنما غنمنا الإبل والبقر والمتاع والحوائط ثم انصرفنا مع رسول الله ﷺ إلى وادي القرى، ومعه عبد له يقال له " مدعم " وهبه له أحد بني الضباب فبينما هو يحط رحل رسول الله ﷺ إذ جاءه

стр. 1002

سهم " عائر " حتى أصاب ذلك العبد فقال الناس: هنيئا له الشهادة، فقال رسول الله ﷺ : بل (٤) - حين سمع ذلك من النبي ﷺ بشراك أو بشراكين (٥) فقال: هذا شيء كنت أصبته. فقال رسول الله ﷺ : شراك أو شراكان من نار». - فلينظر كيف قد جود أبو إسحاق رواية هذا الحديث وحكى فيه سماع " مالك من ثور بن زيد " (٦)، وسماع ثور من سالم وسماع سالم من أبي هريرة. - وأما أصحاب مالك: عبد الله بن وهب، ومعن بن عيسى، وأبو قرة موسى بن طارق (٧)، ومحمد بن إدريس الشافعي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وعبد الله بن مسلمة القعنبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وسعيد بن كثير بن عفير، وأبو مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، ومصعب بن

стр. 1003

عبد الله الزبيري، وسويد بن سعيد، فإنهم جميعا رووه من غير بيان خبر ولا نص سماع. - أنا القاضي أبو بكر بن الحسن الحيري ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب الأصم قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: أنا ابن وهب قال: أخبرني مالك بن أنس (١): - وأنا أبو الحسين محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان قال: أنا عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي ثنا إبراهيم بن الهيثم ثنا إسماعيل بن أبي أويس المدني حدثني مالك بن أنس (٢). - وأنا عبد الرحمن بن عبيد الله الحربي وعثمان بن محمد بن يوسف العلاف قالا: أنا محمد بن عبد الله بن إبراهيم حدثني إسحاق الحربي ثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك (٣): - وأنبأنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي قال: ثنا محمد بن عبد الله بن سفيان المعمري، قال: ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: ثنا أبو مصعب أحمد بن أبي بكر، قال: ثنا مالك بن أنس: - وأنا علي بن أبي علي المعدل قال: ثنا عبيد الله بن محمد بن إسحاق البزار قال: ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العز قال: ثنا مصعب بن عبد الله الزبيري قال: ثنا مالك: - وأخبرني عبيد الله بن أبي الفتح الفارسي قال: ثنا محمد بن المظفر الحافظ قال: أنا محمد بن محمد بن سليمان الباغندي قال: قرأ علي سويد، مالك. - وأنا أبو بكر أحمد بن محمد بن غالب الخوارزمي قال: قرأت على أبي بكر الإسماعيلي، أخبركم هارون بن يوسف قال: ثنا ابن أبي عمر قال: ثنا معن (٤) عن مالك: - وأنا القاضي أبو العلاء محمد بن علي بن يعقوب الواسطي قال: أنا عبد الله بن محمد بن عثمان المدني الحافظ: أنا المفضل بن محمد الجندي قال: ثنا أبو حمه محمد بن يوسف (٥) ثنا أبو قرة قال: ذكر مالك:

стр. 1004

- وأنا أبو محمد عبد الرحمن بن عثمان بن القاسم الدمشقي (١) في كتابه إلينا ثنا أبو علي الحسن بن حبيب بن عبد الملك الفقيه قال: أنبأنا الربيع بن سليمان أنبأنا الشافعي قال: أنبأنا مالك: - وأخبرني الحسن بن أبي طالب ثنا محمد بن المظفر ثنا أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي ثنا أبو إبراهيم المزني ثنا الشافعي أنبأنا مالك: (٢). - وأنبأنا الحسن بن أبي بكر بن شاذان قال: أنبأنا القاضي أبو نصر أحمد بن نصر بن محمد بن إسكاب البخاري ثنا عبد الله بن عبد الوهاب القزويني ثنا إسماعيل بن توبة ثنا محمد بن الحسن عن مالك بن أنس (٣): - وأخبرني عتيق بن سلامة بن نصر بن عبد الله الأنصاري ثنا عبد الرحمن بن عمر بن محمد المصري ثنا أحمد بن بهزاد الفارسي ثنا عبيد الله بن سعيد بن كثير بن عفير حدثني أبي حدثني مالك. - عن ثور بن زيد عن أبي الغيث مولى مطيع عن أبي هريرة قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر فذكر الحديث بطوله نحو ما تقدم. - وهكذا رواه عن مالك عبد الرحمن بن القاسم ويحيى بن عبد الله بن بكير المصريان.

стр. 1005

والبخاري يتبع الألفاظ بالخبر في بعض الأحاديث، ويراعيها لأسباب.

стр. 1006

وقد كان بعض الناس أنكر قول أبي هريرة: " خرجنا مع رسول الله ﷺ يوم خيبر "، لأن أبا هريرة إنما قدم في أثناء الوقعة، فأخرج البخاري حديث أبي إسحاق لتجويده وإسناده، إذ فيه قطع لعذر (١) من اعترض عليه بتجويز كونه مرسلا مقطوعا أو مدلسا غير مسموع، وتأول قوله ففتحنا خيبر أنه أراد بذلك إدراكه رسول الله ﷺ بخيبر أثناء الوقعة، لا أنه أراده كونه معه في ابتدائها، وكذلك كانت قضية قدم على رسول الله ﷺ عقيب فتحه بعض حصون خيبر فشهد بقية الفتح، وسار معه لما قفل من غزوته. ... وقد أورد البخاري في الجامع لحديث أبي إسحاق نظائر، إذا تأملها الناظر تبين صحة ما قلنا. لا يوجد للشافعي حديث على شرط البخاري أغرب به، وأنا اعتبرنا روايات الشافعي التي (٢) ضمنها كتبه فلم نجد فيها حديثا واحدا على شرط البخاري أغرب به ولا تفرد بمعنى فيه يشبه ما بيناه في حديث أبي إسحاق، ونلزم البخاري إخراجه من طريقه، وإن كان لا يلزمه.

стр. 1007

وإذ قد بينا الوجه الذي لأجله " خنى " (١) البخاري عن إخراج حديث الشافعي في صحيحه، فمثله القول في ترك مسلم بن الحجاج إياه، لإدراكه ما أدرك البخاري من ذلك. ... رواية أبي داود لحديث الشافعي وأما أبو داود السجستاني فقد أخرج في كتابه (٢) الذي جمع السنن فيه، عن الشافعي غير حديث: من ذلك: ما أخبرنا القاضي أبو عمر القاسم بن جعفر بن عبد الواحد الهاشمي ثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي ثنا أبو داود ثنا ابن السرح وإبراهيم بن خالد (٣) هو " أبو ثور " الكلبي في آخرين قالوا ثنا محمد بن إدريس الشافعي حدثني عمي محمد بن علي بن شافع عن عبد الله بن علي بن السائب عن نافع بن عجير بن عبد يزيد بن ركانة «أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته سهيمة (٥) ما أردت إلا واحدة فقال رسول الله ﷺ : والله ما أردت إلا واحدة؟ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله ﷺ ، فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان». قال أبو داود: أوله لفظ إبراهيم وآخره لفظ ابن السرح.

стр. 1008

من أخرج من الحفاظ حديث الشافعي وأخرج له أبو عيسى الترمذي، ومحمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري، وعبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي، ولم نرد بقولنا لهذا إلا الإبانة ليتطاول قول من حكينا عنه أنه احتج علينا بترك الأئمة له، على أن الترك لا يزيد في حال المتروك إذا كانت عدالته ظاهرة، والألسن بالثناء عليه ناطقة، وإنما التأثير لذكر " ينكت " (١) به الجرح، وترك " يرد فيه " (٢) التضعيف والقدج، وقد كان لشعبة (٣) بن الحجاج مذهب فيمن يترك حديثه. ... مذهب شعبة فيمن يترك حديثه أنبأنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران المعدل أنبأنا علي بن محمد بن أحمد المصري ثنا محمد بن عمرو بن نافع. وأنبأنا محمد بن عيسى بن عبد العزيز الهمذاني بها ثنا صالح بن أحمد الحافظ أنبأنا عبد الرحمن بن أبي حاتم قراءة ثنا علي بن الحسن الهسنجاني ثنا نعيم بن حماد قال: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: سمعت شعبة وسئل من الذي يترك حديثه؟ قال: الذي إذا روى عن المعروفين ما لا يعرفه المعرفون فأكثر طرح حديثه، وإذا اتهم بالكذب طرح حديثه، - يعني إذا صح عليه - وإذا روى حديثا غلطا مجمعا عليه فلم يتهم نفسه فيتركه طرح حديثه، وإذا أكثر الغلط يترك حديثه، وما كان غير ذلك فارو عنه دخل لفظ أحد الحديثين في الآخر.

стр. 1009

فصل زعم: إنما عدل البخاري عن الاحتجاج بالشافعي لقلة عمله بالحديث وزعم بعض من يدعي المعرفة أن الشافعي إنما عدل البخاري عن الاحتجاج بروايته، لقلة علمه كان بالحديث وعلله، ومعرفة أسانيده وطرقه، وتمييزه صحيحه من سقيمه، وأحوال رواته (١) ونقلته، وهذه دعوى متعرية عن البرهان، ما أنزل الله بها من سلطان، وأظن صاحبها تأول: ما أنبأنا أبو نعيم الحافظ ثنا سليمان بن أحمد اللخمي قال: سمعت عبد الله بن أحمد بن حنبل يقول: سمعت أبي يقول: قال محمد بن إدريس الشافعي: أنتم (٢) أعلم بالأخبار الصحاح منا (٣)، فإذا كان خبر صحيح فأعلمني حتى أذهب إليه، كوفيا أو بصريا أو شاميا.

стр. 1010

فرأى أن هذا قول مقر بالتقصير، يقول في قاعدة مذهبه على التقليد، وليس الأمر كذلك. وإنما أراد الشافعي إعلام أحمد بن حنبل أن أصله الذي بنى عليه مذهبه الأثر دون غيره فيما ثبت النص بخلافه، وأشار إلى أن أصحاب الحديث أشد عناية من غيرهم بتصحيح الأحاديث وتعليلها، وأكثر بحثا عن أحوال الأمة في جرحها وتعديلها، ليستخرج بذلك ما في نفس أحمد " ويسبره " (١)، هل يجد عنده طعنا عليه، أو عيبا فيما يذهب إليه، أو " خبرا " (٢) يخالف أصله، أو أثرا ينقض قوله، وهذا يدل على قوة نفسه فيما أصله، وإتقانه قاعدة مذهبه وما شيده. ... قول الشافعي إذا وجدتم سنة خلاف قولي فخذوا بها وقد أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق البزار ثنا دعلج بن أحمد (٣) قال: سمعت أبا محمد الجارودي يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة من رسول الله ﷺ خلاف قولي، فخذوا بالسنة، ودعوا قولي، فإني أقول بها. وكيف يوجد في الأمر ما يخالف مذهبه!!! وعلى الأثر عول ومنه استنبط، وبه أخذ!!!

стр. 1011

وإنما قال هذا تعظيما للأثر، وحثا على التمسك بالسنن. إخراج البخاري عن جماعة هم دون الشافعي ويبطل قول المعتل بما ذكرناه في أول هذا " الفصل " (١) أن البخاري قد أخرج منهم قدم في العلم ثابتة، ولا حالة عند أهله ظاهرة، كعبد الله بن مرة، في صحيحه أحاديث عن جماعة ليس لواحد وسعدان بن يحيى اللخمي، وشبيب بن سعيد الحبطي وطلحة بن أبي سعيد، وعبد الله بن يحيى بن أبي كثير، وخلق يطول ذكرهم، احتج بأحاديثهم وليس يقاربون الشافعي في اشتهار الاسم، وانتشار العلم، وبيان الفضل، وصحة الأصل،

стр. 1012

بعض مناقب الشافعي فإن مناقبه أكثر من أن تحصى، وعد ما جمع الله فيه لا يستوفى، إذ كان المخصوص من الدين، والرجحان الظاهر المبين، والتقدم في المسلمين بما فاق به النظراء، وسما به على الأكفاء، فصار نسيج وحده، وفريد مجده، وقريع دهره،

стр. 1013

وواحد عصره، إن ذكرت المفاخر فهو الغاية، وإن عدت المحاسن فإليه النهاية، ذو القدم السابقة، وصاحب النية الصادقة، والفهم الراجح، والفضل الواضح، والمجد الشامخ، والسناء الباذخ، والفطنة الدقيقة والقريحة العميقة، والعقدة الوثيقة، واستقامة الطريقة، وكرم الخلقة، والمزية الشامخة العليا، والتقدم في الفقه والفتيا، " فتصرف " (١) في سائر العلوم بافتنان، وحاز ما عجز عنه أهل الأسنان (٢)، وضبط ذلك بحسن بصيرة وإتقان، ولو عدد المبالغون، وأحصى مناقبه المحصون، لأدركتهم السآمة في حسابها، ولأقروا بالعجز " عن " (٣) استيعابها، وأنا ذاكر من شواهد أخباره، ومورد من مشهور أذكاره، نبذة موجزة يسيرة، تزيد المستبصر بصيرة، وتكبت العدو الحاسد، وتخصم الألد المعاند، تزيل - إن شاء الله - شك المستريب، وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب.

стр. 1014

قول مالك بن أنس فيه أنبأنا محمد بن رزق البزار أنبأنا محمد بن الحسن السراحي ثنا أبو نعيم الاستراباذي حدثني علي بن عبد الرحمن بن المغيرة: علان المصري قال: سمعت حرملة يقول: سمعت الشافعي يقول: أتيت مالك بن أنس، وأنا ابن ثلاث عشرة سنة وكان ابن عم لي والي المدينة فكلم لي مالكا فأتيته، لأقرأ عليه، فقال: اطلب من يقرأ لك، فقلت: أنا أقرأ. قال: فقرأت عليه، فكان ربما قال لي لشيء قد مر: أعد حديث كذا فأعيد عليه حفظا، فكأنه أعجبه، ثم سألته عن مسألة فأجابني، ثم أخرى فقال: أنت يجب أن تكون قاضيا. (١). أخبرني علي بن أحمد الرزاز قال: أنبأنا علي بن محمد بن سعيد الموصلي ثنا أبو عبد الله أحمد بن إبراهيم الطائي ثنا عبد الله بن عمر القواريري ثنا عبد الرحمن بن مهدي قال: سمعت مالكا يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى - يعني الشافعي - (٢). ... وصف ابن عيينة له أنبأنا أبو نعيم الحافظ بأصبهان ثنا عبد الله بن محمد " بن جعفر بن حبان (٣) " ثنا عمرو بن عثمان المكي " حدثني " (٤) أحمد بن محمد ابن بنت الشافعي قال: سمعت أبي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها، التفت إلى الشافعي، فيقول: سلوا هذا. ...

стр. 1015

ذكر مسلم بن خالد إياه أخبرني الحسن بن أبي طالب ثنا محمد بن العباس الخزاز ثنا محمد بن (محمد) (١) الباغندي حدثني الربيع بن سليمان. وأنبأنا أحمد بن محمد البزار واللفظ له قال: أنبأنا علي بن عبد العزيز البرذعي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا الربيع بن سليمان المرادي قال: سمعت الحميدي يقول: سمعت الزنجي - يعني مسلم بن خالد - يقول للشافعي: أفت يا أبا عبد الله، فقد آن لك أن تفتي، وهو ابن خمس عشرة سنة. ... قول عبد الرحمن بن مهدي فيه أنبأنا محمد بن " أحمد بن " (٢) رزق ثنا دعلج بن أحمد (٣) قال: سمعت جعفر بن أحمد الساماني يقول: سمعت جعفر ابن أخي ابن أبي ثور يقول: سمعت عمي يقول: كتب عبد الرحمن بن مهدي إلى الشافعي وهو شاب " أن " (٤) يضع له كتابا فيه معاني القرآن، ويجمع " قبول " (٥) الأخبار فيه، وحجة الإجماع، وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنة، فوضع كتاب الرسالة. قال عبد الرحمن بن مهدي: ما أصلي صلاة إلا وأنا أدعو للشافعي فيها.

стр. 1016

قول يحيى بن سعيد القطان فيه أنبأنا أحمد بن أبي جعفر القطيعي أنبأنا علي بن عبد العزيز البرذعي أنبأنا عبد الرحمن بن أبي حاتم ثنا الحسن بن محمد الصباح قال: أخبرت عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: إني أدعو الله للشافعي في كل صلاة، أو في كل يوم - يعني لما فتح الله عليه من العلم ووفقه للسداد فيه -. ... ذكر أيوب بن سويد له أنبأنا أحمد بن أبي جعفر أنبأنا علي بن عبد العزيز أنبأنا ابن أبي حاتم قال: في كتابي عن الربيع بن سليمان قال: سمعت أيوب بن سويد الرملي لما رأى الشافعي قال: ما ظننت أني أعيش حتى أرى مثل هذا الرجل (١)، ما رأيت مثل هذا الرجل قط. قلت: وقد رأى الأوزاعي، ومالك بن أنس وسفيان الثوري.

стр. 1017

وصف مصعب بن عبد الله الزبيري أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق ثنا أحمد بن كامل القاضي حدثني أبو الحسن بن القواس قال: حدثني ابن بنت الشافعي قال: سمعت زبير بن بكار يقول: قال لي عمي مصعب: كتبت عن فتى من بني شافع من أشعار هذيل ووقائعها وقرا، لم تر عيناي مثله، (١) " قال: قلت: يا عمي أنت تقول: لم تر عيناي مثله!! قال: نعم يا بني لم تر عيناي مثله " (٢). قلت: وقد رأى مصعب (٣) مالك بن أنس ومن عاصره من العلماء بالمدينة. ... ذكر محمد بن الحسن الشيباني إياه أنبأنا أبو نعيم أحمد بن عبد الله الحافظ ثنا محمد بن إبراهيم " بن علي " (٤) ثنا عبد العزيز بن أحمد ابن أبي رجاء قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي: كان محمد بن الحسن يقرأ علي جزءا، فإذا جاء أصحابه قرأه عليهم أوراقا، فقالوا له: إذا جاء هذا الحجازي قرأت عليه جزءا، وإذا جئنا قرأت علينا أوراقا؟ فقال (٥): اسكتوا، إن تابعكم هذا لم يثبت لكم أحد (٦). ... قول بشر بن غياث المريسي فيه أنبأنا أبو نعيم الحافظ ثنا الحسن بن سعيد بن جعفر " البصري (٧) " ثنا زكريا " بن يحيى " (٨) الساجي ثنا الزعفراني قال: حج بشر (٩) المريسي سنة إلى مكة، ثم قدم فقال: لقد رأيت

стр. 1018

بالحجاز رجلا ما رأيت مثله سائلا ولا مجيبا - يعني الشافعي. ... ذكر أحمد بن حنبل له أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق ثنا عبد الله بن جعفر بن شاذان ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: لولا الشافعي ما عرفنا فقه الحديث (١). زعم: إبطال أهل الحديث لروايات جماعة من الفقهاء اختلاف الشافعي عنهم فإن قال قائل: إن وصف الشافعي بالفقه وعلو مرتبته في العلم مما لا يمكن دفعه، ولا يتوصل إلى ستره، غير أن ذلك على مذاهب أصحاب الحديث بمجرده لا يوجب قبول الخبر، والاحتجاج بالرواية، إذ قد أبطلوا روايات جماعة من العلماء، وردوا أخبار غير واحد من الفقهاء، كأبي حنيفة، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف القاضي، وأبي البختري وهب بن وهب، ومحمد بن الحسن، وغيرهم ممن يطول ذكره، مع اشتهار هؤلاء بمعرفة الأحكام والاجتهاد في مسائل الحلال والحرام، فهل الشافعي إلا كواحد منهم؟ أو حكمه عند المحدثين يفارق حكمهم؟؟؟

стр. 1019

قلت (١): بل بين حكمه وحكمهم تفاوت كثير، وفرقان - إذا تأمله الناظر - واضح منير، وذلك أن كل واحد ممن تقدم ذكره، لما رد أخباره أصحاب الحديث ضعفوا أمره. ما قبل من تجريح في أبي حنيفة ﵀ كما أخبرنا محمد بن الحسين القطان أنبأنا علي بن إبراهيم المستملي قال: أخبرني محمد بن إبراهيم بن شعيب الغازي قال: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: ثنا نعيم - يعني ابن حماد - ثنا الفزاري وهو أبو إسحاق قال: كنت عند الثوري فنعي أبو حنيفة فقال: الحمد لله، وسجد، قال: كان ينقض الإسلام عروة عروة. وقال - يعني الثوري: ما ولد في الإسلام مولود أشأم منه. . أخبرني عبد الله بن أبي الفتح ثنا عمر بن أحمد الواعظ ثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز ثنا محمود بن غيلان ثنا المؤمل قال: ذكر أبو حنيفة عند الثوري " وهو " (٢) في الحجر فقال: غير ثقة، ولا مأمون، غير ثقة ولا مأمون، فلم يزل يقول، حتى " جاوز " (٣) الطواف. حدثني الحسن بن أبي طالب ثنا عبد الواحد بن علي القاضي " ثنا أبو محمد عبد الله بن سليمان بن عيسى القاضي " (٤) ثنا إسحاق بن إبراهيم بن هانئ قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حنبل وسئل عن أبي حنيفة

стр. 1020

يروي عنه؟ قال: لا. . أنبأنا محمد بن أحمد بن رزق أنبأنا هبة الله بن محمد بن حبش الفراء ثنا أبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة قال: سمعت يحيى بن معين وسئل عن أبي حنيفة فقال: كان يضعف في الحديث. أنبأنا محمد بن الحسين القطان أنبأنا عثمان بن أحمد الدقاق ثنا سهل بن أحمد الواسطي ثنا عمرو بن علي قال: أبو حنيفة النعمان بن ثابت ضعيف الحديث، عامة حديثه غلط. ما يسنده عن النبي ﷺ ، وهو قليل الحديث.
следующие страницы →