أما أضرار الزنا الصحية ، حسب العلم الحديث فيقول الدكتور الفرنسي عبد المعطي - الذي أسلم حديثا وكان قبل إسلامه طبيبا وقرأ القرآن فوجد فيه عجائب طبية فأسلم.
يقول هذا الطبيب: وحسب الإنسان أن يعلم أن الزنا ينشر أمراضا خطيرة فتاكة كالزهري والسيلان والقرحة الرحوة والقرحة الأكالة.
كل واحدة منها أخطر من غيرها. ويعتقد أن الزهري أخطرها لأنه يقود إلى الشلل، وتصلب الشرايين، والذبحة الصدرية وسقوط الشعر، وفي المرأة الإجهاض، وفي الجنين البله، والضمور العضلي والوراثي، والسيلان، ويؤدي إلى العقم والتهاب الجهاز التناسلي بأجمعه والعمى وروماتزم الشبان (١).
ونعرض هنا بالتفصيل لبعض الأمراض الناشئة عن انتشار الزنى، ونترك الباقي مقيسا عليها.
أولا: الزهري: - وهو خطير جدا ومعد، وأعراض المرض الأولى تتمثل في قرحة صلبة تكون على الأعضاء التناسلية بعد ثلاثة أسابيع من الإصابة بهذا المرض، وفي مواضع أخرى كالشفة مثلا عقب القبلة وبين الحاجبين وثقب الأنف وفتحة الأذن، ثم يوسع المكروب نطاق هجومه
стр. 9942
حيث يهاجم القلب والكلى والكبد، فتظهر بقع وردية في أجزاء الجسم وترى بالعين المجردة، وقد تحدث بقع خضر في اللثة والحلق ويصعب المضغ على المصاب.
كما يسبب هذا المرض أمراضا أخرى مثل القرحة الأكالة التي تشوه الجلد وتسبب الشلل والجنون والصرع، وقد يهاجم المكروب العظام وينخر فيها كالسوس ويصيب تارة بالعمى والصمم إذا هاجم الأعين والآذان ويصيب بالذبحة الصدرية إذا هاجم الشرايين والأوردة.
وفي اتصال المريض بزوجته أو غيرها ينقل إليها العدوى ذاتها ويصيبها بإجهاض، أو تكون ذريتها مشوهة وغبية ومنحرفة كأنها لم تولد إلا لإعمار السجون والمستشفيات العقلية والإصلاحيات.
وأخطر من هذا أن الأعراض للمرحلة الثالثة تجيء بدرجات متفاوتة بعد الثانية بأشهر أو سنين ربما وصلت على عشرين سنة.
٢ - السيلان وسببه مكروب اسمه (الجنوكوكس) وهو غير وراثي، ولا يصيب إلا الأعضاء التناسلية والمجاري البولية.
وأول شيء يشعر به المريض حرقان في مجرى البول ولا سيما عند التبول، ويزداد الحرقان ويبدأ معه نزول مادة لازجة تتحول بسرعة إلى صديد غزير، ثم يتورم العضو ويلتهب، ويحس المريض بهبوط سريع لصحته العمومية، وترتفع حرارته ويحصل عنده إمساك ويلازم الفراش وينقطع عن العمل تماما.
ثم يزداد المرض شيئا فشيئا ويحس المريض بألم في أسفل البطن، ويكون بوله صديدا تقريبا ويصعب الشفاء جدا.
ثم يمتد في المثانة إلى الحالبين والكلى، ومن خلال الكلى قد يحدث تسمم عام بالجسم، وإذا أزمن هذا المرض تصلبت المفاصل بالروماتزم السيلانية، وقد تصل جراثيم السيلان إلى القلب، وتهاجمه فيموت المصاب، وقد تصيب هذه الجرثومة العين إما عن طريق يد المريض الملوثة أو
стр. 9943
عن طريق ولادة الطفل إذا كانت أمه مصابة فإنه يأخذ الجرثومة عند ولادته.
لذا فإنه مسبب لنسبة لا يستهان بها من العمى، وعند النساء يصيب الرحم والمبيضين وينشأ عنه العقم والالتهابات التي لا نهاية لها.
٣ - الهربس وسببه فيروس يصيب الأجهزة التناسلية، ويستطيع إدخال جيناته الخاصة إلى خلايا الجسم، وتبقى خاملة؛ لأن الجسم أقوى منها، ولكن عند حدوث توتر أو إجهاد للجسم يتحول إلى الطور النشط، ويبدأ بالانقسامات مسببا الفقاقيع والنقط الجسدية، وقد تعود هذه الحالة كل أسبوعين مرة، في بعض الحالات المرضية، وهذا المرض غامض جدا، ولا يمكن الشفاء منه تماما، وإذا شفي المريض منه فإنه شفاء مؤقت، وخطير على النساء إذ يسبب سرطان المهبل.
أما أسباب هذا المرض فتعزى إلى انتشار الفاحشة والإباحية الجنسية والممارسات غير الشرعية، وينتقل الفيروس عقب الاتصال الجنسي المباشر، وهذه الوسيلة العادية لنقله، وقد يصيب بسبب استخدام أدوات المصاب، ومن خطورة هذا المرض أنه ليس له دواء شاف تماما، لذا فاحتمال العدوى به مستمر، وأول ما ظهر هذا المرض ظهر في الولايات المتحدة الأمريكية، وبدأت تصدره للعالم عبر الطلاب والسياح، وعملت شركات الأدوية كثيرا من المحاولات لإنشاء دواء لهذا المرض لكن بدون جدوى حتى الآن.
وهناك دواء يعمل على تطوره يكلف سنويا مليونا ونصف مليون دولار وليس هناك ضمان لنجاحه مع ذلك، وقد أصيب الشارع الأمريكي بالهلع عندما نشرت بعض التحقيقات الرسمية أن ٢٠ مليون أمريكي يحملون فيروسات هذا المرض وأن المصابين به يزدادون سنويا بمعدل مائة ألف.
واللواط ملحق بالزنا وله ما لا يحصى من الأضرار؛ لأن الجهاز التناسلي خلق خاليا من الجراثيم عادة وخلق للاتصال بجهاز مثله خال منها أيضا، ولم يخلق للاتصال بنهاية الأمعاء الغليظة التي تخرج منها الفضلات وتحمل
стр. 9944
الجراثيم الضارة، ومن المعلوم أن الجهاز التناسلي يرتبط بإفرازات الغدة النخامية التي تتحكم بنشاط أجهزة الجسم المختلفة.
فإذا اتصل الجهاز التناسلي مع الجراثيم التي في الفضلات تدخل هذه الجراثيم في الجهاز الذي ليست له مناعة كافية للقضاء عليها؛ لأنه لم يخلق للاتصال بها، فتنتشر في الجسم عن طريقه إلى الغدد النخامية ويتلف الجسم.
أما المفعول به فتتمزق وتتلف أنسجته، ويفقد السيطرة على البراز فيخرج منه دون إرادته.
إن أصحاب اللواط معرضون أكثر من غيرهم للإصابة بالأمراض العصبية والنفسية واختلال التوازن العقلي نتيجة قلة الإفرازات الداخلية التي تفرزها الغدة الدرقية ومن أمراضه المرض الذي لم يعرف في تاريخ الإنسانية قبل ١٩٨١ ميلادية وهو الإيدز الذي ظهر في أمريكا في هذه السنة، ثم صدرته للخارج ولا زال مشكلة طبية عظمى تتحدى العلم؛ لأن سببه غامض حتى الآن.
أما السبب كما قلنا آنفا فليس فيه إلا النظريات التي لم تثبت بعد ولا حاجة لنا بها إذن، والمعروف عنه أنه ينتقل بواسطة الدم والسائل المنوي للشاذين جنسيا.
وقد أصاب كثيرا من الأميركيين وأثار الرعب فيهم وأخرج فروعا إلى الخارج وأول دولة استقبلته بعد أمريكا هي إسرائيل.
وعرف أن المصاب به لا يفارقه حتى يقتله وبسرعة وإن لم يقتله بسرعة يجعله بدون فائدة على المجتمع، وقد قدر في أحسن حالاته أنه يقتل سنويا من
стр. 9945
المصابين به ٨٠% والعشرين الباقية تلحق بهم قريبا، إلا أنها يمكن أن تتأخر عن نفس السنة التي أصابهم فيها.
وقد حدثت أزمة كبيرة في بنوك الدم بعد اكتشاف هذا المرض لخوف الناس منه وقل المتبرعون بالدم، وفرضت الدول الأوروبية حصارا على الدم المستورد من أمريكا حيث نصح المجلس الأعلى الأوروبي بعدم اعتماده.
وقد اكتشف أخيرا أن المرض ينتقل أيضا عن طريق القبلة أو مجرد اللمس العادي للمريض.
والناس الآن يخافون منه أكثر من السلاح النووي؛ لأن النووي بأيديهم وله علاجات عديدة.
والإيدز ليس بأيديهم وليس له علاجات بل ولا علاج واحد، وهو سريع الانتشار مع ذلك.
والتفسير لكلمة الإيدز باللغة العربية هو فقد المناعة المكتسبة (١).
стр. 9946
خاتمة وذكرى: -
في ذكر منتهى المطاف لمن جاهد نفسه وتحصن بلباس التقوى توازنا، مع ما تقدم من أنواع الهوان وسوء العاقبة لمن أتبع نفسه هواها وخلع جلباب الحياء، قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ (١). وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). وقال تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ (٣) ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ (٤).
стр. 9947
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى﴾ (١) ﴿وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (٢) ﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٣) ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ (٤) ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (٥).
وقال ﷺ : من السبعة الذين يظلهم الله يوم لا ظل إلا ظله: «رجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله (٦)».
وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه عن ابن عمر ﵄: -
قال: «سمعت رسول الله ﷺ يحدث حديثا لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدد سبع مرات، ولكن سمعته أكثر من ذلك: -
سمعت رسول الله ﷺ يقول: كان الكفل من بني إسرائيل، وكان لا يتورع عن ذنب عمله، فأتته امرأة فأعطاها ستين دينارا على أن يطأها، فلما قعد منها مقعد الرجل من امرأته ارتعدت وبكت، فقال: ما يبكيك؟ أأكرهتك؟ قالت: لا، ولكنه عمل ما عملته قط، وما حملني عليه إلا الحاجة. فقال: تفعلين أنت هذا من مخافة الله، فأنا أحرى، اذهبي فلك ما أعطيتك والله لا أعصيه بعدها أبدا. فمات من ليلته، فأصبح مكتوبا على بابه إن الله قد غفر للكفل، فعجب الناس من ذلك (٨)».
وكحديث أصحاب الصخرة الثلاثة المتفق عليه، الذين توسلوا إلى الله ﵎ بأعمالهم الصالحة ففرج الله عنهم، ومن بين الثلاثة من قال في دعائه: «اللهم إنه كانت لي ابنة عم، وكانت أحب الناس إلي، فراودتها
стр. 9948
عن نفسها فامتنعت، حتى ألمت بها سنة من السنين: أي نزل بها حاجة وفقر لشدة القحط، فجاءتني فأعطيتها مائة وعشرين دينارا على أن تخلي بيني وبين نفسها، ففعلت، حتى إذا قدرت عليها قالت: لا أحل لك أن تفض الخاتم - أي تطأني - إلا بحقه - أي بالنكاح - فتحرجت من الوقوع عليها، فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي، فتركت لها الذهب الذي أعطيتها، اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه. فانفرجت الصخرة (١)».
وكم من آية كريمة، وحديث شريف، وقصة صحيحة، ومثل سائر، وبيت حكيم، في بيان الفرق بين المطيع والعاصي، وبين المتقي والفاسق، ولكن القلوب في هذه العصور كما قال تعالى: ﴿فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ (٢) وكما قال: ﴿وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
ومن كلام الحكماء قول الشاعر:
إن الهوى لهو الهوان بعينه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا
وقال آخر: -
وليس الهوى إلا الهوان المرخم
وقال ابن دريد: -
وآفة العقل الهوى فمن علا ... على هواه عقله فقد نجا
وقال أيضا: -
والحمد خير ما اتخذت عدة ... وأنفس الأذخار من بعد التقى
وقال الأخطل:
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال
стр. 9949
وقال لبيد بن ربيعة ﵁:
رأيت التقى والجود خير تجارة ... وذخرا إذا ما المرء أصبح ناقلا
وقال الحطيئة:
وتقوى الله خير الزاد ذخرا ... وعند الله للأتقى مزيد
والله ولي التوفيق، وقال تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾ (١)، وقد قلت مضمنا في بيتي الحطيئة المشهورين: -
وكم أبدى لسان الحال يأسا ... من الذكرى بمختلف البلاد
وأنشد من يروم الوعظ جهرا ... بكل مجمع وبكل ناد
ونارا لو نفخت بها أضاءت ... ولكن أنت تنفخ في رماد
لقد اسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن تناد
وفي النهاية يقول الله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (٢).
وقال تعالى: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (٣).
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
عبد الله بن محمد بن إسحاق آل الشيخ
стр. 9950
صفحة فارغة
стр. 9951
كتاب
تسلية نفوس النساء والرجال
عند فقد الأطفال
الحافظ عبد الرحمن بن رجب
٧٣٦ - ٧٩٥ هـ
بتحقيق الوليد بن عبد الرحمن الفريان
مقدمة: -
يقول الله ﵎: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (١).
ويقول النبي ﷺ فيما رواه أبو سعيد الخدري وأبو هريرة ﵄: «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه (٢)»، وفي حديث آخر من رواية صهيب ﵁ قال: «عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له (٣)».
الصبر في قمة الأعمال الصالحة التي وعد الله عليها بالثواب الوافر ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا﴾ (٤).
стр. 9952
﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (١). ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ (٢) وأصبر الناس على بلاء الله هم الأنبياء ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (٣).
لأنه في مواقف الضيق والحرج يمتحن الإيمان، وتظهر للناس خبيئته، حيث تتجرع النفس مرارة الألم، وتعبس الدنيا ويكفهر وجهها. هناك تتجلى قيمة الصبر وفضائله، متى استطاع الإنسان بعزيمته الصادقة وتسليمه بقضاء الله، أن يكبح جماح نفسه الشموس، ويأخذ بمجامعها إلى الجادة، فإذا ذاقت حلاوة الصبر وبرد الإيمان، هجعت واطمأنت، وذهب عنها وهج الحزن وكدره، حتى ترجع أصلب ما تكون عودا، وأقوى في مصاولة خطوب الدنيا ونكساتها.
وبهذا الدرع الفريد، يتجاوز المسلم أزماته؛ ليحمل مشعل الحياة الكريمة في دروب الأرض وفجاجها الواسعة، ويقوم بالمهمة التي خلق من أجلها، وليكمل مسيرة الخير تحت راية التوحيد الخالدة، فتتحول المنغصات الخانقة، إلى محرك نشط يدفع بالأمة إلى واجهة التاريخ، ويصقل بخشونته النفوس فتعود أكثر تألقا؛ لتعيش هنيئة راغدة في ظل دوحة الإسلام الوارفة، تتفيا ظلالها وتتقلب في خيراتها.
стр. 9953
موضوع الكتاب:
غرس الله في قلوب الآباء محبة الأولاد والشغف بهم، فلا تكاد تجد أبا أو أما إلا وهو متعلق بأولاده، كلف بهم، مهما بلغ جفاء قبله وخشونة أخلاقه، وقد أشار إلى ذلك المولى جل وعلا في كتابه الكريم بقوله:
стр. 9954
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (١) وقوله: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (٢).
وقال مذكرا خلقه بهذه النعمة وممتنا عليهم بها: ﴿وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا﴾ (٣). وقال: ﴿أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ﴾ (٤). وقال: ﴿وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ﴾ (٥).
حتى بلغت الشفقة بالآباء أن ذهب يعقوب ﵇ يوصي أولاده بقوله: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ (٦). مع أنه ﴿مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا﴾ (٧).
وذهب نوح ﵇ يدعو ابنه إلى الركوب معه في السفينة فقال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ﴾ (٨).
ثم سأل الله تعالى أن يرده إليه: ﴿وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾ (٩).
وابتلى الله إبراهيم ﵇ بذبح ابنه ووحيده إسماعيل ﵇ ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ (١٠)؛ ليمتحن صبره وجلده على
стр. 9955
أقدار الله فكان من الصابرين المتحسبين، وقد وصف الله ذلك بأنه بلاء مبين ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ (١).
من هذا نلمح مدى ما يتمتع به الأولاد من مكانة عالية في نفوس أهليهم، ولذلك فالابتلاء فيهم له وقع شديد على النفوس، وأثر لا تمحوه الأيام، إلا من تذرع بالصبر، وفوض أمره إلى الله كما قال يعقوب ﵇: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ (٢).
وإفراد هذا الموضوع الإنساني بالبحث لفتة بارعة من أبي الفرج تفيض بالحس الرفيع والروح الشفافة.
стр. 9956
المؤلف: -
هو العلامة الحافظ المفسر الفقيه الأصولي الواعظ أبو الفرج زين الدين عبد الرحمن بن أحمد بن رجب بن الحسين السلامي البغدادي ثم الدمشقي، المعروف بابن رجب الحنبلي ولد ببغداد سنة ٧٣٦ هـ وتوفي سنة ٧٩٥ هـ.
والحديث عن أخلاقه ومناقبه وخلاله الجمة، لا تكاد تفي به الصفحات الطوال، وأظن أن أصدق وصف له ما قاله العليمي: اجتمعت الفرق عليه ومالت القلوب بالمحبة إليه (١).
أما عبادته وزهده وورعه فحدث ولا حرج، يقول الحافظ ابن حجر: كان
стр. 9957
رحمه الله عبادة وتهجد منجمعا عن الناس لا يخالطهم، ولا يتودد إلى أحد من ذوي الولايات (١).
ولو ذهبنا نستنطق التاريخ ونسأل صفحاته، لظفرنا بما ننوء بحمله ونعجز عن تسطيره. وحسبنا القول الذي ألقي على تراثه، والمحبة التي أشربت بها القلوب.
وهذه المنزلة المرموقة الشامخة لم يكن وصوله إليها ضربا من العبث ولم تأت عفوا، فدونها خرط القتاد، وإنما جاءت تتويجا لأعماله وجهوده ووعيه النادر؛ لأن التاريخ مرآة صادقة يعكس الواقع بتجرد، ويعطي كل ذي حق حقه من غير ادعاء أو تزييف.
فالتأريخ حكم فصل تسقط دونه جميع الأقنعة، وتنكشف أمامه مواطن الضعف ومسارب القصور.
وبالطبع فإننا نقصد به التأريخ الحقيقي - سواء كان منشورا أم لا - البعيد عن المؤثرات البيئية التي ربما كانت سببا في إخفائه أو تشويهه.
ابن رجب: أيها الرجل المعطاء لقد أنصفك التأريخ، وبوأك مكان الصدارة في عالم الفكر ودنيا الثقافة، فلله درك من عالم وهب نفسه لله وأتحف الناس بروائعه، التي لا زالت نبعا صافيا يردونه في كل حين.
стр. 9958
الأصل المخطوط: -
وصلتنا صورته ضمن مجموعة خطية، عن أصل محفوظ في مكتبة فاتح تحت رقم ٥٣١٨، ويقع في ست ورقات، نسخت سنة ثلاث وتسعين وثمان مائة كتبها عيسى بن علي الحوراني (١)، بقلم نسخي جيد
стр. 9959
ومسطرتها ١٩ سطرا (ينظر الأنموذج) وسجل في أوله ما نصه: (يتلوه كتاب تسلية نفوس النساء والرجال عند فقد الأطفال. تأليف الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ زين الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الشيخ الإمام شهاب الدين أبي العباس الحنبلي الشهير بابن رجب رحمهما الله تعالى) (١).
وقد حاولت الحصول على نسخ أخرى لأستفيد منها في التحقيق فلم أجد، ولعلي أن أعثر على ذلك في مستقبل الأيام.
стр. 9960
التوثيق: -
سلفت الإشارة إلى أن المجموع الذي يضم هذا الكتاب على درجة لا بأس بها من الصحة والإتقان.
وتداول العلماء له بالتملك والوقف، مع اشتماله على رسائل أخرى للمؤلف دليل آخر على صحة نسبة الكتاب إليه، وإذا ما أضفنا إلى ذلك التشابه في الأسلوب بينه وبين مؤلفاته المعروفة، فإننا نصل إلى القناعة بصدق هذه النسبة.
ولا يضر بعد ذلك إهمال المترجمين له في ثبت المؤلفات؛ لأنهم دأبوا على الاكتفاء بالمشتهر دون غيره.
стр. 9961
منهج التحقيق: -
حرصت على أن يخرج الكتاب كما وضعه مؤلفه. فلم أتصرف في النص إلا بقدر ما تقضي به الضرورة؛ من إضافة أو تعديل، فقمت به ونبهت عليه في موضعه، وعزوت الآيات الكريمة وخرجت الأحاديث الواردة - مع نقل ما قاله أهل العلم في شأن ثبوتها - والآثار التي أسعفتني المصادر
стр. 9962
بها، وترجمت لمن رأيت أنه بحاجة إلى التعريف به، وفسرت ما حسبته غامضا.
وبعد:
أرجو الله مخلصا أن أوفق إلى متابعة هذا الجهد المتواضع فيما يعود بالخير والنفع المتصل، فمنه نستمد العون ونستلهمه الرشد والسداد.
كتبه الوليد بن عبد الرحمن الفريان
١٩/ ٦ / ١٤٠٧ هـ
الوجه الأول من الورقة الأولى
стр. 9963
نص الكتاب
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رب يسر يا كريم
الحمد لله رب العالمين، وصلواته وسلامه على سيدنا محمد، وآله وصحبه أجمعين وبعد: -
ففي الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: «قال النساء للنبي ﷺ : غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يوما من نفسك. فواعدهن يوما لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن: ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها، إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ قال: واثنين (١)».
هذا يدل على أن مجالس النبي ﷺ للفقه في الدين والتذكير ونحو ذلك - لم يكن النساء يحضرنها مع الرجال، وإنما كن يشهدن الصلوات في مؤخر المساجد ليلا، ثم ينصرفن عاجلا، وكن يشهدن العيدين مع المسلمين منفردات عن الرجال من ورائهم، ولهذا «لما خطب النبي ﷺ يوم العيد رأى أنه لم يسمع النساء، فلما فرغ جاء ومعه بلال إلى
стр. 9964
النساء، فوعظهن وذكرهن وأمرهن بالصدقة، وأجلس الرجال حتى يفرغ من موعظة النساء (١)».
وأصل هذا، أن اختلاط النساء بالرجال في المجالس بدعة كما قال الحسن البصري. فلذلك قال له النساء: يا رسول الله، غلبنا عليك الرجال.
وقد روي (١٨٢ / ب).
من حديث أبي هريرة، «أن النساء قلن: يا رسول الله، إنا لا نقدر على أن نجالسك في مجلسك فقد غلبنا عليها الرجال، فواعدنا موعدا نأتيك. قال: موعدكن بيت فلانة. فأتاهن فحدثهن (٣)».
وقد أمره الله تعالى أن يبلغ ما أنزل إليه: للرجال والنساء، وأن يعلمه الجميع، كما قال له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ (٤). الآية.
وقال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٥) الآية.
стр. 9965
فامتثل ما أمره الله تعالى، ووعدهن مجلسا خاصا لهن، في بيت امرأة، ولعل تلك المرأة كانت من أزواجه أو محارمه - والله أعلم بحقيقة ذلك - ثم وفى بموعده لهن، فأتاهن في يوم موعدهن، فوعظهن وأمرهن ونهاهن ورغبهن ورهبهن، فكان من جملة ما بشرهن به أن قال لهن: «ما منكن امرأة تقدم ثلاثة من ولدها لم يبلغوا الحنث إلا كان لها حجابا من النار. فقالت امرأة: واثنين؟ قال: واثنين (١)». وليس في هذا حد سالم (٢).
وعمومه يدخل فيه من بلغ الحنث ومن لم يبلغه، والمصيبة بمن بلغ أعظم وأشق على النفوس.
والمصيبة بمن لم يبلغ أهون وأخف، وقد جاء تقييده في حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ (١٨٣ / أ): «ما من الناس مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث، إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم (٣)». خرجاه في الصحيحين.
والمراد بالحنث الإثم (٤)، والمعنى أنه لم يجر عليه الإثم ببلوغه العمر الذي يكتب عليه الإثم فيه. وهو ببلوغ الحلم وعلل: بفضل رحمة الله إياهم. يعني أن الله يرحم أطفال المسلمين رحمة تامة، حتى تفضل عنهم، فيدخل آباؤهم في فضل تلك الرحمة. وهذا مما يستدل (به) (٥) على أن أطفال المسلمين في الجنة.
стр. 9966
وقد قال الإمام أحمد (١): ليس فيهم اختلاف أنهم في الجنة (٢) - وضعف ما روي مما يخالف ذلك أيضا (٣) - و (لا) (٤) أحد يشك أنهم في الجنة (٥): قال: وإنما اختلفوا في أطفال المشركين (٦).
وقال أيضا: هو يرجى لأبويه فكيف يشك فيه (٧)!! يعني أنه يرجى لأبويه دخول الجنة بسببه، فكيف يشك فيه!
ولذلك نص الشافعي (٨) على أن أطفال المؤمنين في الجنة (٩)، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وابن عباس وكعب.
وخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود قال: أرواح ولدان المؤمنين في أجواف عصافير، تسرح في الجنة حيث شاءت، فتأوي إلى قناديل معلقة في العرش (١٠). وخرج البيهقي من رواية ابن عباس عن كعب نحوه (١١).
وفي صحيح مسلم «عن أبي هريرة، أن رجلا قال له: مات لي ابنان
стр. 9967
فما أنت محدثي عن رسول الله (١٨٣ / ب) ﷺ بحديث تطيب به أنفسنا عن موتانا. فقال: نعم، صغارهم دعاميص (٢) الجنة».
وخرج النسائي من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلمين يموت لهما ثلاثة أولاد لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله بفضل رحمته إياهم الجنة. قال: يقال لهم: ادخلوا الجنة. فيقولون: حتى يدخل أبوانا. فيقال لهم: ادخلوا الجنة أنتم وآباؤكم (٥)».
وخرج الإمام أحمد، وابن ماجه من حديث معاذ، عن النبي ﷺ قال: «والذي نفسي بيده، إن السقط ليجر أمه بسرره إلى الجنة، إذا احتسبته (٦)».
وخرج الإمام أحمد وابن ماجه أيضا من حديث عتبة بن عبد السلمي، سمعت رسول الله ﷺ يقول: «ما من مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا تلقوه من أبواب الجنة الثمانية من أيها شاء
стр. 9968
دخل (١)».
وفي رواية للإمام أحمد، «أن الله تعالى يقول للوالدان يوم القيامة: ادخلوا الجنة. فيقولون: يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا. قال: فيأبون. فيقول الله : مالي أراهم محبنطيين؟ (٣)». وروى الطبراني من حديث أنس نحوه وزاد (١٨٤ / أ) فيه: «أن يقال لهم في المرة الرابعة: ادخلوا ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنة. فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم الذين في بيوتكم (٤)».
وخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية قرة (٥) «أن رجلا كان يأتي النبي ﷺ ، ومعه ابن له. فقال له: أتحبه؟ قال: أحبك الله كما أحبه. فمات ففقده فسأل عنه، فقال: أما يسرك أن لا تأتي بابا من أبواب الجنة إلا وجدته عندها. يسعى ليفتح لك - زاد الإمام أحمد - فقال رجل: له خاصة أم لكلنا؟ قال: بل لكلكم (٧)».
وخرج الطبراني من حديث ابن عمر نحوه، ولكن قال فيه: فقال له
стр. 9969
النبي ﷺ : «أو ما ترضى أن يكون ابنك مع ابني إبراهيم يلاعبه تحت ظل العرش؟ قال: بلى يا رسول الله (١)».
وفي المعنى أحاديث كثيرة جدا. وقد كان الصحابة يرجون ذلك عند موتهم، كما روي عن أبي ذر أنه لما حضرته الوفاة بكت أم ذر فقال لها: أبشري ولا تبكي؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «لا يموت بين امرأين مسلمين ولدان أو ثلاثة، فيصبران ويحتسبان فيريان النار أبدا (٢)». وقد مات لنا ثلاثة من الولد.
والحديث الذي قبله يدل على أن أطفال المسلمين الموتى يلعبون تحت ظل (١٨٤ / ب) العرش، وفي حديث أبي هريرة أنهم دعاميص الجنة. والدعموص: دويبة صغيرة تكون في الماء. والمعنى أنهم يتربون في أنهار الجنة، ويغتمسون فيها، وفي رواية: ينغمسون في أنهار الجنة (٣). يعني يلعبون فيها.
وقد روي أنه يكفلهم إبراهيم ﵇ وزوجته سارة ﵍.
وخرج ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ
стр. 9970
قال: «ذراري المؤمنين يكفلهم إبراهيم في الجنة (١)». وخرجه الإمام أحمد مع نوع شك في رفعه، ووقفه على أبي هريرة (٢).
وروي من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: «أولاد المسلمين في جبل في الجنة، يكفلهم إبراهيم وسارة ﵉، فإذا كان يوم القيامة دفعوا إلى آبائهم». خرجه البيهقي وغيره مرفوعا، ويشهد لذلك ما في صحيح البخاري، عن سمرة بن جندب، أن النبي ﷺ قال: «أتاني الليلة آتيان، - فذكر حديثا طويلا وفيه، إن الملكين فسراه له، وأنهما جبريل وميكائيل، وأنه من جملة ما رأى - رجلا طويلا في روضة وحوله ولدان وقالا له: الرجل الطويل في الروضة إبراهيم، والولدان حوله كل مولود مات على الفطرة. فقال رجل. يا رسول الله (١٨٥ / أ) وأولاد المشركين؟ قال: وأولاد المشركين (٣)».
стр. 9971
وقد روي أنهم يرضعون من شجرة طوبى. وروى ابن أبي حاتم بإسناده عن خالد بن معدان (١) قال: «إن في الجنة شجرة يقال لها: طوبى. ضروع كلها. ترضع صبيان أهل الجنة، وإن سقط المرأة يكون
стр. 9972
في (نهر من) أنهار (الجنة) يتقلب فيه حتى يوم القيامة، فيبعث ابن أربعين سنة (٢)». كذا قال.
وفي حديث المقدام بن معدي كرب المرفوع: «إن ما بين السقط والهرم، يبعثون أبناء ثلاثين سنة (٣)». وفي رواية: «أبناء ثلاث وثلاثين (٤)».
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عن خالد بن معدان قال: «إن في الجنة شجرة يقال: لها طوبى كلها ضروع، فمن مات من الصبيان الذين يرضعون يرضع من طوبى. وحاضنهم إبراهيم ﵇ (٥)». وروى الخلال بإسناده عن عبيد بن عمير: «إن في الجنة شجرة لها ضروع كضروع البقر، يغذى به ولدان أهل الجنة، حتى إنهم يستنون كاستنان البكارة (٦)».
وبعض الأطفال له مرضع في الجنة، مثل «إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ؛ فإنه لما مات قبل أن يفطم قال النبي ﷺ : إن له مرضعا في الجنة تكمل رضاعه فيها (٧)». وفي رواية " ظئرا " (٨). وفي رواية: «إن له
стр. 9973
مرضعين يكملان رضاعه في الجنة (١)»، «وكان النبي ﷺ (١٨٥ / ب) قد حضره وهو يكيد بنفسه، فدمعت عيناه ﷺ وقال: تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي الرب، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون (٣)». وفي رواية: «ولولا أنه أمر حق، ووعد صدق، وأنها سبيل مأتية، وأن آخرنا سيلحق بأولنا لحزنا عليك حزنا هو أشد من هذا (٤)».
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب العزاء، من حديث زرارة بن أوفى، «أن النبي ﷺ عزى رجلا على ابنه فقال الرجل: يا رسول (الله)، أنا شيخ كبير وكان ابني قد أجزا عنا. فقال: أيسرك، قد نشر لك، أو يتلقاك من أبواب الجنة بالكأس؟ قال: من لي بذاك يا رسول الله؟ قال: الله لك بهن ولكل مسلم مات له ولد في الإسلام (٦)». وبإسناده عن عبيد بن عمير قال: «إذا كان يوم القيامة خرج ولدان المسلمين من الجنة بأيديهم الشراب، فيقول الناس: اسقونا اسقونا. فيقولون: أبوينا أبوينا. حتى السقط محبنطيا بباب الجنة يقول: لا أدخل حتى يدخل أبواي». وفي المعنى
стр. 9974
حديث مرفوع من رواية ابن عمر لكن إسناده لا يصح وهو باطل، قاله أبو حاتم الرازي (١).
وفي المعنى رؤيا إبراهيم الحربي (٢). المشهورة حتى (٨٦ / أ) صار يتمنى موت ابنه. ومات قبل البلوغ (٣)، وروى البيهقي بإسناده عن ابن شوذب (٤)، أن رجلا كان له ابن لم يبلغ الحلم، فأرسل إلى قومه: إن لي إليكم حاجة: إني أريد أن أدعو على ابني هذا أن يقبضه الله، وتؤمنون (٥) فسألوه عن ذلك، فأخبرهم أنه رأى في نومه كأن الناس جمعوا إلى القيامة، فأصاب الناس عطش شديد، فإذا الوالدان قد خرجوا من الجنة معهم الأباريق، فأبصرت ابن أخ لي فقلت: يا فلان اسقني. فقال: يا عم إنا لا نسقي إلا آباءنا. قال فأحببت أن يجعل الله ولدي هذا فرطا لي (٦). فدعا فأمنوا. فلم يلبث الغلام إلا يسيرا حتى مات.
وفي أكثر الأحاديث ذكر الثلاثة والاثنين. وفي بعضها وأظن لو قلنا وواحدا لقال: وواحدا. خرجه أحمد من حديث جابر (٧).
وقد جاء ذكر الواحد في حديث، خرج الترمذي وغيره من حديث
стр. 9975
ابن مسعود مرفوعا: «من قدم ثلاثة لم يبلغوا الحنث كانوا له حصنا حصينا. فقال أبو ذر: قدمت اثنين. فقال: واثنين. فقال أبي بن كعب: قدمت واحدا. قال: وواحدا، ولكن إنما ذاك عند الصدمة الأولى (١)». وفي الترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : «من كان له فرطان من أمتي أدخله الله بهما الجنة. فقالت عائشة: ومن كان له فرط من أمتك. قال: ومن (١٨٦ / ب) كان له فرط من أمتي يا موفقة. قالت: فمن لم يكن له فرط من أمتك؟ قال: فأنا فرط أمتي، لن يصابوا بمثلي (٤)» ويشهد له قوله ﷺ في آخر خطبة خطبها: «إني فرطكم على الحوض (٥)» يشير إلى أنه يتقدمهم ويسبقهم إلى الحوض، وينتظرهم عنده.
وفي حديث مرسل خرجه ابن أبي الدنيا: «من مات ولم يقدم فرطا لم يدخل الجنة إلا تصريدا فقيل: يا رسول الله، وما الفرط؟ قال: الولد (أ) وولد الولد. والأخ يؤاخيه في الله . فمن لم يكن له فرط، فأنا له فرط (٨)».
стр. 9976
وفي حديث عبد الرحمن بن سمرة، في ذكر المنام الطويل عن النبي ﷺ : «ورأيت رجلا من أمتي خف ميزانه، فجاءته أفراطه الصغار فثقلوا ميزانه (١)».
وعن داود بن أبي هند (٢). قال: رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت، وكأن الناس يدعون للحساب فقدمت إلى الميزان، فوضعت حسناتي في كفة وسيئاتي في كفة، فرجحت السيئات على الحسنات، فبينا أنا كذلك مغموم، إذ أتيت بشيء كالمنديل أو كالخرقة البيضاء، فوضعت في حسناتي (فرجحت على السيئات) (٣) فقيل لي: تدري ما هذا؟ قلت: لا. قال: سقط كان لك. قلت: إنه قد كانت لي صبية ابنة لي. فقيل لي: تيك ليست لك؛ لأنك كنت تتمنى موتها (٤).
وفي (١٨٧ / أ) هذا إشارة إلى أن الميزان إنما يثقل بما يثقل على النفوس: من المصائب ويشق، فأما ما لا يثقل عليها ولا يشق لمن يتمنى موته من أولاده فلا يثقل به الميزان.
قال ابن أسلم (٥): «مات ابن لداود ﵇ فحزن عليه حزنا شديدا. فأوحى الله (إليه) (٦): ماذا كنت مفتديه؟ قال: بطلاع (٧) الأرض ذهبا. قال: فأوحى الله إليه: إن لك عندي من الأجر بحساب
стр. 9977
ذلك». وفي رواية «قال: يا داود ما كان يعدل هذا الولد عندك؟ قال: كان يعدل عندي ملء الأرض ذهبا. قال: فلك يوم القيامة عندي ملء الأرض ثوابا (١). سبحان من لا يحصي العباد نعمه. وربما كانت نعمه فيما يسوء أكثر من نعمه فيما يسر كما قيل: شعر». .
إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر
وما فيهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر
لما كان للمؤمن داران: دار يرتحل منها، ودار ينتقل إليها ويقيم بها أمره أن ينقل من دار ارتحاله إلى دار إقامته؛ ليعمرها من بعض ما أعطاه في دار ترحاله.
وربما أخذ منه كرها ما يعمر به دار إقامته، ويكمل له به عمارتها وإصلاحها، ويقدم له إليها ما يحب من أهل ومال وولد، يسبقونه إليها؛ ليقدم على ما يحب من مال وأهل وولد، وإن كان المؤمن (١٨٧ / ب) لا يشعر بذلك.
فما فرق إلا ليجمع، ولا أخذ إلا ليرد، ولا سلب (إلا) (٢) ليهب، ولا استرد العواري إلا ليردها تمليكا ثابتا لا استرجاع فيه بعد ذلك!!
وفي مراسيل الحسن، «أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لأن أموت قبل أخي أحب إلى. فقال: لأن يكون لك أحب إليك من أن تكون له (٣)».
قال الحسن: علموا أن ما لهم من أهاليهم (إلا) (٤). ما قدموا
стр. 9978
أمامهم (١). وكذا قال عمر بن عبد العزيز (٢) وغيره. ويشهد له حديث: «الرقوب من لم يقدم ولدا (٤)».
سبحان من أنعم على عباده بما خولهم من المال والولد، ثم استرجع بعض ذلك منهم كرها، وعوضهم الصلاة والرحمة والهدى وذلك أفضل مما أخذ كما قيل: شعر. . . . .
عطيته إذا أعطى سرورا ... وإن أخذ الذي أعطى أثابا
فأي النعمتين أجل قدرا ... وأحمد في عواقبها مآبا (٥)
أرحمته التي جاءت بكره ... أم الأخرى التي جلبت ثوابا
بل الأخرى وإن نزلت بضر ... أجل لفقد من صبر احتسابا
آخره، والحمد لله وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما كثيرا (٦).
الوليد بن عبد الرحمن الفريان
стр. 9979
التدابير الزجرية والوقاية
في التشريع الإسلامي
وتطبيقها
الشيخ: إسماعيل بن محمد الأنصاري
أوضحت الشريعة الإسلامية المحرمات ومنعت منها منعا يثير في النفوس شدة الخوف من الإقدام عليها، واتخذت للزجر عنها وللوقاية من أضرارها التدابير التالية: -
(١) سد باب الوسائل والذرائع المفضية إلى ارتكاب تلك المحرمات بتحريم تلك الوسائل والنهي عنها ، فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه فإنه يحرم تلك الطرق والوسائل ويمنع منها تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له ومنعا أن يقرب حماه، إذ لو أباح الوسائل والذرائع المفضية إلى المحرم كان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به، وذلك يأباه علمه تعالى وحكمته كل الإباء، كما أوضحه الإمام ابن القيم في (ج٣ "إعلام الموقعين" ص ١٣ ط مكتبة الكليات الأزهرية) وأتبع لك قوله: " بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك؛ فإن أحدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه عد متناقضا، وحصل من رعيته وجنده ضد مقصوده، وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسم الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه، فما الظن بهذه الشريعة الكاملة؟ التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال.
ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها " وذكر ابن القيم في صفحة ١٥٩ أن سد الذرائع
стр. 9980
هو أحد أرباع التكليف، وأوضح ذلك بقوله ﵀: " فإنه - أي التكليف - أمر ونهي، والأمر نوعان: أحدهما مقصود لنفسه، والثاني وسيلة إلى المقصود. والنهي نوعان: أحدهما ما يكون النهي عنه مفسدة في نفسه، والثاني ما يكون وسيلة إلى المفسدة فصار سد الذرائع المفضية إلى الحرام أحد أرباع الدين ". وقد ذكر شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في "إقامة الدليل على إبطال التحليل ج / ٣ من الفتاوى المصرية، ص / ١٤٠ " أن شواهد قاعدة سد باب الذرائع المفضية إلى المحرمات أكثر من أن تحصر، وسرد منها ثلاثين شاهدا، قال صفحة ١٤٥ بعد سردها: " لم نذكر من شواهد هذا الأصل إلا ما هو متفق عليه، أو منصوص عليه، أو مأثور عن الصدر الأول ". وذكر تلميذه العلامة شمس الدين ابن القيم في "إعلام الموقعين عن رب العالمين" منها تسعة وتسعين شاهدا منها نهي الشارع عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة، وإن ظلموا أو جاروا ما أقاموا الصلاة؛ سدا لذريعة الفساد والشر الكثير الذي يحصل بقتالهم، وذكر أنه قد حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم أضعاف أضعاف ما هم عليه. قال ابن القيم " والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن ".