← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

بِالْهَيِّنِ اللَّيِّنِ، فَلَا يَثُورَنَّ عَلَى الْأُمَرَاءِ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ دَيِّنٌ. ١٥٥ - فَأَقُولُ: إِنْ تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ مُسْتَجْمِعٍ لِلْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْخِلَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِعَايَةِ الرَّعِيَّةِ، تَعَيَّنَ الْبِدَارُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَاتَّسَقَتْ لَهُ الطَّاعَةُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ إِذْ ذَاكَ يَدْرَأُ مَنْ كَانَ، وَقَدْ بَانَ الْآنَ أَنَّ تَقْدِيمَ دَرْئِهِ فِي مُهِمَّاتِ أُمُورِهِ، فَإِنْ أَذْعَنَ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَأَبَّى عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الطُّغَاةِ، وَقَابَلَهُ مُقَابَلَةَ الْبُغَاةِ. ١٥٦ - وَلَا مَطْمَعَ لِلْخَوْضِ فِي هَذَا، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْبُغَاةِ يَحْوِيهَا كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلْتُطْلَبْ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى نَصْبُ إِمَامٍ دُونَ اقْتِحَامِ دَاهِيَةٍ وَإِرَاقَةِ دِمَاءٍ، وَمُصَادَمَةِ أَحْوَالٍ جَمَّةِ الْأَهْوَالِ، وَإِهْلَاكِ أَنْفُسٍ وَنَزْفِ أَمْوَالٍ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَاسَ مَا النَّاسُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ مُبْتَلُونَ بِهِ بِمَا

стр. 107

يُفْرَضُ وُقُوعُهُ فِي مُحَاوَلَةِ دَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ النَّاجِزُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي رَوْمِ الدَّفْعِ، فَيَجِبُ احْتِمَالُ الْمُتَوَقَّعِ لَهُ لِدَفْعِ الْبَلَاءِ النَّاجِزِ. ١٥٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَقَبُ الْمُتَطَلَّعُ يَزِيدُ فِي ظَاهِرِ الظُّنُونِ إِلَى مَا الْخَلْقُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يُسَوَّغُ التَّشَاغُلُ بِالدَّفْعِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَقَدْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مُهِمًّا، وَيُؤَخِّرُ آخَرَ. وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ وَلِيُّ الْكِفَايَةِ. ١٥٨ - وَهَذَا يُعَضِّدُهُ أَمْرٌ لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ لَبِيبٌ، وَهُوَ أَنَّ طَوَائِفَ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ إِذْا كَانُوا يَرْصُدُونَ الرِّفَاقَ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُلْحِقَ الطَّلَبَ الْحَثِيثَ بِهِمْ، فَلَوْ بَلَغَهُ اخْتِلَالٌ فِي بَعْضِ الثُّغُورِ، وَوَطِئَ الْكُفَّارُ قُطْرًا مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ، وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ الْفَتْقَ لَا يَلْتَئِمُ إِلَّا بِصَرْفِ جَمِيعِ جُنُودِ الْإِسْلَامِ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِذَلِكَ، وَيَتَرَبَّصُ بِالْقُطَّاعِ الدَّوَائِرَ.

стр. 108

١٥٩ - وَالرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي الْإِيَالَةِ الْبِدَايَةُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَتَرَتَّبُ مُنَابَذَةُ الْكُفَّارِ، وَمُقَاتَلَتُهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ . وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَنْبَنِي مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ عَشْرَ سِنِينَ، إِذَا اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا. ١٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى طَلَبِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتِيَادِ الْأَنْفَعِ لَهُمْ، وَاعْتِمَادِ خَيْرِ الشَّرَّيْنِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِهِمَا جَمِيعًا، وَسِيرَةُ عَلِيٍّ ﵁ فِي مُعَاوِيَةَ وَمُتَّبِعِيهِ تُخَالِفُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَفُوتُ أَهْلَ مِصْرَ وَالشَّامِ مِنِ انْقِطَاعِ نَظَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَنْهُمْ لَا يُقَابِلُهَا قَتْلُ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. فَلَوْ كَانَ الْمَرْعِيُّ فِي ذَلِكَ الْمُوَازَنَةَ بَيْنَ رُتَبِ الْمَصَالِحِ، لَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَنْحَجِزَ عَلِيٌّ عَنْ بَعْضِ جِدِّهِ، وَيَكُفَّ مِنْ غَرْبِهِ وَحَدِّهِ. فَإِذَا كَانَ ﵁ جَادًّا مُسْتَهِينًا بِكَثْرَةِ الْقَتْلَى وَالصَّرْعَى،

стр. 109

غَيْرَ مُحْتَفِلٍ بِأَنْ يَقْتُلَ أَضْعَافَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَقِينًا وَقَطْعًا، فَكَأَنَّهُ ﵁ كَانَ يَرَى بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَى الشَّهَامَةِ وَالصَّرَامَةِ، وَتَنَكُّبِ الِاسْتِكَانَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاجَاةِ، وَكَانَ لَا يَلِينُ وَلَا يَسْتَكِينُ ; وَلَا تَغُضُّ الدَّوَاهِي إِذَا سِيمَ مُخَالَفَةَ الْحَقِّ مِنْ شِمَاسِهِ، وَلَا يَنْحَطُّ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْحَقِّ، وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَانَ شَوْفُهُ دُعَاءَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّقَمِ الْوَاضِحِ وَالسَّبِيلِ اللَّائِحِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا عَلِيًّا فَلَيَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْغَرَّاءِ وَلَوْ وُضِعَ عَلَى رَقَبَتِهِ السَّيْفُ» "، وَلَا يَبْعُدُ مَسْلَكُهُ عَنْ مَدْرَكِ الْحَقِّ، فَإِنَّ هَذَا مُؤَيَّدُ الْمِلَّةِ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى. ١٦١ - قُلْنَا قَدْ صَارَ أَوَّلًا طَوَائِفُ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى التَّخَلُّفِ عَنِ الْقِتَالِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁ -

стр. 110

وَإِيثَارِ السُّكُونِ، لِرُكُونٍ إِلَى السَّلَامَةِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنْ مُلْتَطَمِ الْغَوَائِلِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَا مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَمِمَّنْ تَخَلَّفَ أَوَّلًا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَتَبِعَ هَؤُلَاءِ أُمَمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَشْتَدَّ نَكِيرُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَيْهِمْ. أَمَّا سَعْدٌ لَمَّا نَدَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى الْقِتَالِ قَالَ: " لَا أَخْرُجُ

стр. 111

أَوْ يَكُونَ لِي سَيْفٌ لَهُ لِسَانَانِ، يَشْهَدُ لِلْمُؤْمِنِ بِإِيمَانِهِ، وَعَلَى الْمُنَافِقِ بِنِفَاقِهِ ". وَقَالَ أُسَامَةُ: " لَوْ وُضِعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي جَوْفِ أَسَدٍ، لَدَخَلْتُ مَعَكَ، وَلَكِنْ لَا مُسَامَحَةَ مَعَ النَّارِ " وَقَامَ أَبُو مُوسَى فِي قَوْمِهِ، وَكَانَ مَرْمُوقًا فِي الْيَمَنِ، فَقَالَ: " إِنِّي لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ فَلَا تَسْتَغِشِّونِي، أَغْمِدُوا سُيُوفَكُمْ، وَكَسِّرُوا رِمَاحَكُمْ، وَاقْطَعُوا أَوْتَارَكُمْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: " «سَتَكُونُ فِتَنٌ كَقِطَعِ اللَّيْلِ، الْمُضْطَجِعُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَاعِدِ، وَالْقَاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَاشِي» ". وَكَانَ عَلِيٌّ ﵁ يَدِرُّ عَلَيْهِمْ أَرْزَاقَهُمْ وَأَعْطِيَتَهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَلَوْ نَقَمَ مِنْهُمْ مَا رَأَوْهُ، لَبَدَأَهُمْ بِنَصْبِ الْقِتَالِ عَلَيْهِمْ. فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى هَذَا. ١٦٢ - ثُمَّ مَا ظَنَّ عَلِيٌّ أَنَّ الْأَمْرَ يُفْضِي إِلَى مَا أَفْضَى إِلَيْهِ، وَمُعْظَمُ تِلْكَ الْمَعَارِكِ جَرَتْ عَنِ اتِّفَاقَاتٍ رَدِيَّةٍ، ثُمَّ اشْتُهِرَ مِنْهُ أَنَّهُ نَدِمَ عَلَى مَا قُدِّمَ. وَلَمَّا تَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَكَادَتِ السُّيُوفُ تُفْنِي الْمُجَاهِدِينَ وَجُنْدَ اللَّهِ

стр. 112

الْمُؤَيَّدِينَ فِي ثُغُورِ الْمُسْلِمِينَ، أَجَابَ إِلَى التَّحْكِيمِ فِي خَلْعِهِ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي شَرْحِ مَجَارِي تِلْكَ الْأَحْوَالِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ فِي أَبْوَابِهَا، فَقَدِ اسْتَبَانَ الْأَصْلُ الَّذِي مَهَّدْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِي جَلْبِ النَّفْعِ وَالدَّفْعِ، فِي النَّصْبِ وَالْخَلْعِ، وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ. ١٦٣ - وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِإِتْمَامِ الْغَرَضِ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُتَصَدِّيَ لِلْإِمَامَةِ إِذَا عَظُمَتْ جِنَايَتُهُ، وَكَثُرَتْ عَادِيَتُهُ، وَفَشَا احْتِكَامُهُ وَاهْتِضَامُهُ، وَبَدَتْ فَضَحَاتُهُ، وَتَتَابَعَتْ عَثَرَاتُهُ، وَخِيفَ بِسَبَبِهِ ضَيَاعُ الْبَيْضَةِ، وَتَبَدُّدُ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ نَجِدْ مَنْ نُنَصِّبُهُ لِلْإِمَامَةِ حَتَّى يَنْتَهِضَ لِدَفْعِهِ حَسْبَ مَا يَدْفَعُ الْبُغَاةَ، فَلَا نُطْلِقُ لِلْآحَادِ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ أَنْ يَثُورُوا ; فَإِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَاصْطُلِمُوا وَأُبِيرُوا، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي ازْدِيَادِ الْمِحَنِ، وَإِثَارَةِ الْفِتَنِ، وَلَكِنْ إِنِ اتَّفَقَ رَجُلٌ

стр. 113

مُطَاعٌ ذُو أَتْبَاعٍ وَأَشْيَاعٍ، وَيَقُومُ مُحْتَسِبًا، آمِرًا بِالْمَعْرُوفِ نَاهِيًا عَنِ الْمُنْكَرِ، وَانْتَصَبَ بِكِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مَا دُفِعُوا إِلَيْهِ، فَلْيَمْضِ فِي ذَلِكَ قُدُمًا. وَاللَّهُ نَصِيرُهُ عَلَى الشَّرْطِ الْمُقَدَّمِ فِي رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، وَالنَّظَرِ فِي الْمَنَاجِحِ، وَمُوَازَنَةِ مَا يُدْفَعُ، وَيَرْتَفِعُ بِمَا يُتَوَقَّعُ. وَسَيَأْتِي هَذَا الْفَنُّ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْبَيَانِ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [فَصْلٌ إِذَا حُبِسَ الْإِمَامُ أَوْ أُسِرَ] فَصْلٌ. ١٦٤ - إِذَا أُسِرَ الْإِمَامُ وَحُبِسَ فِي الْمَطَامِيرِ، وَبَعُدَ تَوَقُّعُ خَلَاصِهِ، وَخَلَتْ دِيَارُ الْإِسْلَامِ عَنِ الْإِمَامِ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الْخِطَطِ شَاغِرَةً، وَوُجُودُ الْإِمَامِ الْمَأْسُورِ فِي الْمَطَامِيرِ لَا يُغْنِي، وَلَا يَسُدُّ مَسَدًّا، فَلَا نَجِدُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - مِنْ نَصْبِ إِمَامٍ بُدًّا. ١٦٥ - قُلْتُ: لَوْ سَقَطَتْ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِينَا، وَرَثَّتْ شَوْكَتُهُ، وَوَهَنَتْ عُدَّتُهُ، وَوَهَتْ مُنَّتُهُ، وَنَفَرَتْ مِنْهُ الْقُلُوبُ، مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فِيهِ يَقْتَضِيهِ، وَكَانَ فِي ذَلِكَ عَلَى فِكْرٍ ثَاقِبٍ، وَرَأْيٍ صَائِبٍ، لَا يُؤْتَى فِي ذَلِكَ عَنْ خَلَلٍ فِي عَقْلٍ، أَوْ عَتَهٍ وَخَبَلٍ، أَوْ زَلَلٍ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ،

стр. 114

أَوْ تَقَاعُدٍ عَنْ نَبْلٍ وَنَضْلٍ، وَلَكِنْ خَذَلَهُ الْأَنْصَارُ، وَلَمْ تُوَاتِهِ الْأَقْدَارُ، بَعْدَ تَقَدُّمِ الْعَهْدِ إِلَيْهِ، أَوْ صَحِيحِ الِاخْتِيَارِ، وَلَمْ نَجِدْ لِهَذِهِ الْحَالَةِ مُسْتَدْرَكًا، وَلَا فِي تَثْبِيتِ مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ لَهُ مُسْتَمْسَكًا، وَقَدْ يَقَعُ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ مَلَلٍ أَنْتَجَهُ طُولُ مَهَلٍ، وَتَرَاخِي أَجَلٍ، فَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ، فَقَدْ حِيلَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ وَزَرٍ يَسْتَقِلُّ بِالْأَمْرِ، فَالْوَجْهُ نَصْبُ إِمَامٍ مُطَاعٍ، وَلَوْ بَذَلَ الْإِمَامُ الْمُحَقَّقُ أَقْصَى مَا يُسْتَطَاعُ. وَيَنْزِلُ هَذَا مَنْزِلَةَ مَا لَوْ أُسِرَ الْإِمَامُ، وَانْقَطَعَ نَظَرُهُ عَنِ الْأَنَامِ، وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَلَا يَصِلُ إِلَى مَظَانِّ الْحَاجَاتِ أَثَرُ رَأْيِ الْإِمَامِ، إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُهُ الطُّولَى، وَلَمْ تَنْبَسِطْ طَاعَتُهُ عَلَى خِطَّةِ الْإِسْلَامِ عَرْضًا وَطُولًا، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَارِقِينَ صَوْلُهُ، وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى الْمُسْتَحِقِّينَ طَوْلُهُ، وَالْإِمَامُ لَا يُعْنَى لِعَيْنِهِ، وَلَا يَقْتَصِرُ انْقِطَاعُ نَظَرِهِ عَلَى مُوَافَاتِهِ حِينَ حَيْنِهِ.

стр. 115

١٦٦ - وَلَسْتُ أَسَتَرِيبُ أَنَّ مَوْلَانَا كَهْفَ الْأُمَمِ مُسْتَخْدِمَ السَّيْفِ وَالْقَلَمِ يُبَادِرُ النَّظَرَ فِي مَبَادِي هَذَا الْفَصْلِ ; لِلْغَوْصِ عَلَى مَغَاصِ الْقَاعِدَةِ وَالْأَصْلِ، وَقَدْ يُغْنِي التَّلْوِيحُ عَنِ التَّصْرِيحِ، وَالْمَرَامِزُ وَالْكِنَايَاتُ عَنِ الْبَوْحِ بِقُصَارَى الْغَايَاتِ. فَهَذِهِ تَفَاصِيلُ مَا يَتَضَمَّنُ الْخَلْعَ وَالِانْخِلَاعَ، وَتَتِمَّةُ الْغَرَضِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى فَصْلَيْنِ نَسْتَوْفِقُ اللَّهَ جَلَّتْ عَظَمَتُهُ فِي عَقْدِهِمَا. [فَصْلٌ الحكم لو فقد الإمام شيئا من الحواس اللازمة] فَصْلٌ. ١٦٧ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، وَصِفَاتِ الْأَئِمَّةِ، السَّلَامَةَ فِي بَعْضِ الْحَوَاسِّ، وَفَصَّلْنَا الْقَوْلَ فِي سَلَامَةِ الْبَدَنِ، وَالْقَوْلِ الضَّابِطِ فِيمَا يَطْرَأُ مِنْ ذَلِكَ: أَنَّ زَوَالَ نَظَرِ الْبَصَرِ يَقْطَعُ

стр. 116

الْإِمَامَةَ، وَيَتَضَمَّنُ انْخِلَاعَ الْإِمَامِ كَالْجُنُونِ، وَاخْتِلَالُ نَظَرِ الْبَصَرِ إِذَا أَمْكَنَ مَعَهُ التَّوَصُّلُ إِلَى الْإِدْرَاكِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنَ الْعَقْدِ، وَلَا قَاطِعٌ لَهُ فِي الدَّوَامِ، وَكَذَلِكَ الْوَقْرُ. فَأَمَّا الصَّمَمُ الْبَالِغُ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ مَانِعٌ مِنَ الْعَقْدِ أَوَّلًا، وَاضْطَرَبَ بَعْضُ الْخَائِضِينَ فِي هَذِهِ الْمَسَالِكِ فِي الصَّمَمِ الطَّارِئِ. ١٦٨ - وَالْوَجْهُ عِنْدِي الْقَطْعُ بِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ قَاطِعٌ كَالْعَمَى. وَمَا يُؤَثِّرُ مِنْ نُقْصَانِ الْأَعْضَاءِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَأَثَرُهُ فِي الدَّوَامِ يُضَاهِي أَثَرَهُ فِي الْعَقْدِ، فَلْيُعْتَبَرِ الْقَطْعُ بِالْمَنْعِ. [فَصْلٌ خلاصة القول في الفسوق والأسر وفقد الحواس والأعضاء] فَصْلٌ. ١٦٩ - قَدْ تَعَدَّيْنَا حَدَّ الِاخْتِصَارِ فِي تَقَاسِيمِ مَا يَطْرَأُ عَلَى الْمُتَصَدِّي لِلْإِمَامَةِ مِنَ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَغَيْرِهِ، وَمَعْقُودُ هَذَا الْفَصْلِ وَمَقْصُودُهُ يَتَحَرَّى مَرَاسِمَ وَمَنَاظِمَ تَجْرِي فِي التَّفْصِيلِ الطَّوِيلِ مَجْرَى التَّرَاجِمِ لِيُسْتَفَادَ التَّفْصِيلُ وَالتَّعْلِيلُ وَذِكْرُ مَسَالِكِ الدَّلِيلِ مِمَّا سَبَقَ، وَنَظْمُ النَّشْرِ بِالْمَعَاقِدِ الْمُشِيرَةِ إِلَى الْمَقَاصِدِ مِمَّا نَأْتِي بِهِ الْآنَ.

стр. 117

١٧٠ - فَنَقُولُ: الْهَنَاتُ وَالصَّغَائِرُ مَحْطُوطَةٌ، وَمَا يَجْرِي مِنَ الْكَبَائِرِ مَجْرَى الْعَثْرَةِ وَالْفَتْرَةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِمْرَارٍ عَلَيْهَا، لَا يُوجِبُ عِنْدَنَا خَلْعًا وَلَا انْخِلَاعًا، وَقَدْ قَدَّمْتُ فِيهِ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا خِلَافًا. وَأَمَّا التَّمَادِي فِي الْفُسُوقِ إِذَا جَرَّ خَبْطًا وَخَبَلًا فِي النَّظَرِ كَمَا تَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ وَتَقْدِيرُهُ، فَذَلِكَ يَقْتَضِي خَلْعًا وَانْخِلَاعًا، عَلَى مَا سَأُفَصِّلُهُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ١٧١ - وَانْقِطَاعُ نَظَرِ الْإِمَامِ بِأَسْرٍ بَعْدَ انْفِكَاكِهِ، أَوْ بِسُقُوطِ طَاعَتِهِ، أَوْ مَرْضَةٍ مُزْمِنَةٍ، يَتَضَمَّنُ اخْتِلَالًا بَيِّنًا وَاضِحًا، وَخَرْمًا فِي الرَّأْيِ لَائِحًا، يُوجِبُ الْخَلْعَ. ١٧٢ - وَخَلَلُ الْحَوَاسِّ، وَنُقْصَانُ الْأَعْضَاءِ يَنْدَرِجَانِ تَحْتَ ضَبْطٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ اعْتِبَارُ الدَّوَامِ بِالِابْتِدَاءِ. فَهَذِهِ مَجَامِعُ الْقَوْلِ فِيمَا تَقَدَّمَ مُفَصَّلًا. ١٧٣ - وَلَوْ كَانَ الْقَائِمُ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ يَتَعَاطَى عَلَى الدَّوَامِ مَا هُوَ

стр. 118

مِنْ قَبِيلِ الْكَبَائِرِ كَالشُّرْبِ فِي أَوَانٍ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مُثَابِرًا عَلَى رِعَايَةِ الْمَصَالِحِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ لَا يَبْلُغُ مَبْلَغَ الْقَطْعِ عِنْدِي، وَقَدْ يَخْطُرُ لِلنَّاظِرِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَضَمَّنْ ذَلِكَ خَرْمًا وَفَتْقًا، وَلَمْ يَمْنَعِ الْإِمَامُ ذَا حَقٍّ حَقًّا، فَفَرْضُ الدَّوَامِ فِيهِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ كَبِيرَةٍ تَنْدُرُ، وَتَصْدُرُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتَضِي انْقِطَاعَ أَثَرٍ، وَارْتِفَاعَ نَظَرٍ. ١٧٤ - وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ مُؤَثِّرٌ، فَإِنَّ الْكَبِيرَةَ إِذَا كَانَتْ عَثْرَةً، فَإِنَّهَا لَمْ تَجُرَّ خَبَالًا، وَلَمْ تَتَضَمَّنْ سُوءَ الظُّنُونِ، وَإِذَا تَتَابَعَ فِي فَنٍّ مِنَ الْعِصْيَانِ، أَشْعَرَ بِاجْتِرَاءِ الْإِمَامِ، وَاسْتِهَانَتِهِ بِأَحْكَامِ الْإِسْلَامِ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ الثِّقَةَ بِالدِّينِ، وَيُمْرِضُ قُلُوبَ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا مَظْنُونٌ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَقَدْ أَسْلَفْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَسَائِلَ الْإِمَامَةِ بَعْضُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ، وَبَعْضُهَا يُتَلَقَّى مِنْ طَرَائِقِ الظُّنُونِ

стр. 119

[فَصْلٌ الفرق بين الْخَلْعَ وَالِانْخِلَاعَ] فَصْلٌ. ١٧٥ - قَدْ أَجْرَيْنَا الْخَلْعَ وَالِانْخِلَاعَ فِي أَدْرَاجِ الْبَابِ، وَالْإِحَاطَةُ بِالْفَصْلِ بَيْنَهُمَا مِنْ أَعْظَمِ مَقَاصِدِ الْكِتَابِ، فَنَقُولُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَهُوَ رَبُّ الْأَرْبَابِ. الْجُنُونُ الْمُطْبِقُ الَّذِي لَا يُرْجَى زَوَالُهُ يَتَضَمَّنُ الِانْخِلَاعَ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا حَاجَةَ إِلَى إِنْشَاءِ خَلْعٍ وَرَفْعٍ، وَكَيْفَ يُتَوَقَّعُ ذَلِكَ، وَالْمَجْنُونُ مُوَلًّى عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ؟ وَعَيْنُ جُنُونِهِ يُوجِبُ اطِّرَادَ الْحَجْرِ عَلَيْهِ فِي خَاصَّتِهِ، فَكَيْفَ يُقَدَّرُ إِمَامًا إِلَى اتِّفَاقِ جَرَيَانِ خَلْعِهِ؟ فَالْجُنُونُ كَالْمَوْتِ إِذًا، وَإِذَا بَقِيَ مُكَلَّفًا، وَلَكِنْ عَرَاهُ خَبَلٌ وَعَتَهٌ مَأْيُوسُ الزَّوَالِ، بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ فِي دَرْكِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ وَافْتِكَارٍ وَنَظَرٍ وَاعْتِبَارٍ، فَهَذَا عِنْدِي نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْجُنُونِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الِانْخِلَاعَ بِنَفْسِهِ. ١٧٦ - فَأَمَّا الْفِسْقُ الْمُؤَثِّرُ، فَالْقَوْلُ فِيهِ يَنْقَسِمُ: فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ فِي إِظْهَارِ خَلَلِهِ إِلَى اجْتِهَادٍ، فَلَا نَقْضِي بِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الِانْخِلَاعَ

стр. 120

بِنَفْسِهِ، بَلِ الْأَمْرُ فِيهِ مُفَوَّضٌ إِلَى نَظَرِ النَّاظِرِينَ، وَاعْتِبَارِ الْمُعْتَبِرِينَ. ١٧٧ - وَإِذَا أُسِرَ الْإِمَامُ وَسَقَطَتْ طَاعَتُهُ كَمَا سَبَقَتْ صِفَتُهُ، فَلَا بُدَّ مِنْ إِنْشَاءِ الْخَلْعِ. ١٧٨ - فَالْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَا ظَهَرَ وَبَعُدَ زَوَالُهُ، فَهُوَ مُوجِبُ الِانْخِلَاعَ، وَمَا احْتِيجَ فِيهِ إِلَى نَظَرٍ وَعِبَرٍ، لَمْ يَتَضَمَّنْ بِنَفْسِهِ انْخِلَاعًا، وَوُقُوعُ الْإِمَامِ فِي الْأَسْرِ وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا بِهِ لَا أَرَاهُ مُقْتَضِيًا انْخِلَاعًا، فَإِنَّ فَرْضَ فَكِّهِ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالِاخْتِيَارِ وَالْإِيثَارِ مِنْ آسِرِيهِ، وَلَوْ قُدِّرَ ذَلِكَ قَبْلَ خَلْعِهِ كَانَ إِمَامًا. فَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ لَا يَنْخَلِعُ الْمَأْسُورُ مَا لَمْ يُخْلَعْ.

стр. 121

٢٧٩ - فَالَّذِي يَقْتَضِي الِانْخِلَاعَ سَبَبٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَيَبْعُدُ ارْتِقَابُ زَوَالِهِ، وَلَا يُقَدَّرُ تَعَلُّقُ زَوَالِهِ بِاخْتِيَارِ مُخْتَارٍ، وَإِيثَارِ مُؤْثِرٍ، فَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَتَضَمَّنُ الِانْخِلَاعَ، كَالْجُنُونِ الْمُزِيلِ لِلتَّكْلِيفِ إِذَا اسْتُحْكِمَ، وَالْعَتَهِ وَالْخَبَلِ الَّذِي يَظْهَرُ خَلَلُهُ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى نَظَرٍ، وَيَكُونُ مَأْيُوسَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ سَبَبٍ يَحْتَاجُ فِي إِظْهَارِ خَلَلِهِ إِلَى نَظَرٍ. فَإِنِ اقْتَضَى خَلْعًا فَهُوَ إِلَى النَّاظِرِينَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فِي خَاتِمِ الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ١٨٠ - وَإِنْ ظَهَرَ السَّبَبُ كَالْأَسْرِ، وَارْتُقِبَ ارْتِفَاعُهُ بِاخْتِيَارٍ، فَهُوَ مَا يَقْتَضِي إِنْشَاءَ الْخَلْعِ، وَلَا يُوجِبُ الِانْخِلَاعَ، وَكَذَلِكَ سُقُوطُ الطَّاعَةِ. ١٨١ - فَإِنْ قِيلَ: كَانَ عُثْمَانُ ﵁ إِذَا حُوصِرَ فِي الدَّارِ سَاقِطَ الطَّاعَةِ، فَمَا قَوْلُكُمْ فِي إِمَامَتِهِ مُدَّةَ بَقَائِهِ إِلَى أَنِ اسْتُشْهِدَ؟ ؟ .

стр. 122

قُلْنَا كَانَ إِمَامًا إِلَى أَنْ أَدْرَكَتْهُ سَعَادَةُ الشَّهَادَةِ، وَمَا كَانَ سُقُوطُ الطَّاعَةِ مَأْيُوسَ الزَّوَالِ، وَإِنَّمَا حَاصَرَهُ شِرْذِمَةٌ مِنَ الْهَمَجِ الْأَرْذَالِ، وَنُزَّاعِ الْقَبَائِلِ، وَكَانَ يَرَى ﵁ الْمُتَارَكَةَ وَالِاسْتِسْلَامَ وَالْإِذْعَانَ لِحُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَمْ يُؤْثِرْ أَنْ يُرَاقَ بِسَبَبِهِ مِحْجَمَةُ دَمٍ، حَتَّى قَالَ لِغِلْمَانِهِ: " مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ، فَهُوَ حُرٌّ " فَلَمْ تَجْرِ مُحَاصَرَتُهُ مَجْرَى الْأَسْرِ الْمُقَدَّمِ تَصْوِيرُهُ. ١٨٢ - فَإِنْ قِيلَ: رَدَّدْتُمْ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ ذِكْرَ مَا يَتَعَلَّقُ بِنَظَرِ النَّاظِرِينَ مِمَّا يُوجِبُ الْخَلْعَ فَأَبِينُوهُ وَاذْكُرُوا الْمَعْنِيَّ بِالنَّظَرِ. قُلْنَا: لَمْ نُرِدْ بِالنَّظَرِ مَا يَجُرُّ غَلَبَاتِ الظُّنُونِ، كَنَظَرِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي فُنُونِ الْمَظْنُونَاتِ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ الطَّارِئُ مُجْتَهَدًا فِيهِ لَمْ يَسُغْ خَلْعُ الْإِمَامِ بِهِ قَطْعًا، فَلْنُثْبِتْ هَذَا أَصْلًا فِي الْبَابِ، فَإِنَّ الِاجْتِهَادَاتِ

стр. 123

بِجُمْلَتِهَا لَا وَقْعَ لَهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ يَسْتَتْبِعُ الْمُجْتَهِدِينَ أَجْمَعِينَ، وَلَا يَتْبَعُ أَحَدًا، وَإِنَّمَا عَنَيْنَا بِالنَّظَرِ مَزِيدَ فِكْرٍ وَتَدَبُّرٍ مِنْ أَهْلِهِ، يُفِيدُ الْعِلْمَ وَالْقَطْعَ بِاخْتِلَالِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، بِسَبَبِ مَا طَرَأَ مِنْ فِسْقٍ، أَوْ خَبَلٍ. ١٨٣ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ قَدَّمْتُمْ أَنَّ وَجْهَ خَلْعِ الْإِمَامِ نَصْبُ إِمَامٍ ذِي عُدَّةٍ، فَمَا تَرْتِيبُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ؟ . قُلْنَا: الْوَجْهُ خَلْعُ الْمُتَقَدَّمِ، ثُمَّ نَصْبُ الثَّانِي، ثُمَّ الثَّانِي يَدْفَعُهُ دَفْعَهُ لِلْبُغَاةِ، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَنْ يَخْلَعُهُ؟ . قُلْنَا: الْخَلْعُ إِلَى مَنْ إِلَيْهِ الْعَقْدُ، وَقَدْ سَبَقَ وَصْفُ الْعَاقِدِينَ بِمَا فِيهِ مَقْنَعٌ، وَبَلَاغٌ تَامٌّ. وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُخْبَرْ هَذِهِ الْحَقَائِقَ إِلَى أَنَّا نَشْتَرِطُ الْإِجْمَاعَ فِي الْخَلْعِ، وَإِنْ لَمْ نَشْتَرِطْهُ فِي الْعَقْدِ. وَهَذَا زَلَلٌ عَظِيمٌ؛ فَإِنَّ الْحَاجَةَ قَدْ تُرْهِقُ إِلَى الْخَلْعِ، وَلَوِ انْتُظِرَ وِفَاقُ عُلَمَاءِ الْآفَاقِ، لَاتَّسَعَ الْخَرْقُ، وَعَظُمَ الْفَتْقُ. نَعَمْ لَا بُدَّ فِي الْخَلْعِ وَالْعَقْدِ مِنِ اعْتِبَارِ شَوْكَةٍ،

стр. 124

وَقَدْ أَوْضَحْنَا كَيْفِيَّةَ اعْتِبَارِهَا فِي الْبَابَيْنِ. ١٨٤ - وَالْآنَ كَمَا انْتَهَى مَقْصِدُنَا فِي هَذِهِ الْفُنُونِ، وَقَدْ جَرَتْ بِيُمْنِ أَيَّامِ صَدْرِ الْإِسْلَامِ كَهْفِ الْأَنَامِ عَلَى رَمْزَةٍ، لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهَا، وَلَمْ يَجْرِ فِي تَصَانِيفِ الْمُتَقَدِّمِينَ شَكْلُهَا، وَنَبَّهْتُ عَلَى دَقَائِقَ لَمْ يَخْطِرْ لِلْغَوَّاصِينَ فَرْعُهَا وَأَصْلُهَا، عَلَى أَنِّي لَمْ أَذْكُرْ - وَاللَّهِ - إِلَّا أَطْرَافًا، وَلَمْ أَقْصِدْ إِلَّا اسْتِطْرَافًا، فَإِنَّ كِتَابَ الْإِمَامَةِ لَيْسَ مَقْصُودِي فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ، وَحَقُّ التَّابِعِ أَنْ يُوجَزَ، وَنُؤَخِّرُ جُمَامَ الْكَلَامِ إِلَى الْمُتَوَقَّعِ.

стр. 125

[فَصْلٌ ليس من حق العاقدين خلع الإمام بدون سبب] فَصْلٌ. ١٨٥ - الْإِمَامُ إِذَا لَمْ يَخْلُ عَنْ صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ، فَرَامَ الْعَاقِدُونَ لَهُ عَقْدَ الْإِمَامَةِ أَنْ يَخْلَعُوهُ، لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ. فَإِنَّ عَقْدَ الْإِمَامَةِ لَازِمٌ، لَا اخْتِيَارَ فِي حَلِّهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، وَلَا تَنْتَظِمُ الْإِمَامَةُ، وَلَا تُفِيدُ الْغَرَضَ الْمَقْصُودَ مِنْهَا إِلَّا مَعَ الْقَطْعِ بِلُزُومِهَا، وَلَوْ تَخَيَّرَ الرَّعَايَا فِي خَلْعِ إِمَامٍ الْخُلُقَ عَلَى حُكْمِ الْإِيثَارِ وَالِاخْتِيَارِ، لَمَا اسْتَتَبَّ لِلْإِمَامِ طَاعَةٌ، وَلِمَا اسْتَمَرَّتْ لَهُ قُدْرَةٌ وَاسْتِطَاعَةٌ، وَلَمَا صَحَّ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ مَعْنًى. ١٨٦ - فَأَمَّا الْإِمَامُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، فَقَدِ اضْطَرَبَتْ مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ: فَمَنَعَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ، وَقَضَى بِأَنَّ الْإِمَامَةَ تَلْزَمُ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ لُزُومَهَا مِنْ جِهَةِ الْعَاقِدِينَ، وَكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ.

стр. 126

١٨٧ - وَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَهُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَاسْتَمْسَكَ بِمَا صَحَّ تَوَاتُرًا وَاسْتِفَاضَةً مِنْ خَلْعِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ نَفْسَهُ، وَكَانَ وَلِيَّ عَهْدِ أَبِيهِ، وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَدٍ نَكِيرٌ عَلَيْهِ. ١٨٨ - وَالْحَقُّ الْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ خَلَعَ نَفْسَهُ، لَاضْطَرَبَتِ الْأُمُورُ، وَزُلْزِلَتِ الثُّغُورُ، وَانْجَرَّ إِلَى الْمُسْلِمِينَ ضِرَارٌ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، وَهُوَ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَالْوَاقِفِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي صَفِّ الْقِتَالِ مَعَ الْمُشْرِكِينَ. إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنْهَزِمَ، وَعَلِمَ أَنَّ الْأَمْرَ بِهَذَا السَّبَبِ يَكَادُ أَنْ يَنْثَلِمَ وَيَنْخَرِمَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْمُصَابَرَةُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ الِابْتِدَارُ لِلْجِهَادِ مَعَ قِيَامِ الْكُفَاةِ بِهِ. ١٨٩ - وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ خَلْعَهُ نَفْسَهُ لَا يَضُرُّ الْمُسْلِمِينَ بَلْ يُطْفِئُ نَائِرَةً ثَائِرَةً، وَيَدْرَأُ فِتَنًا مُتَظَافِرَةً، وَيَحْقِنُ دِمَاءً فِي أُهَبِهَا، وَيُرِيحُ طَوَائِفَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ نَصَبِهَا، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ.

стр. 127

وَهَكَذَا كَانَ خَلْعُ الْحَسَنِ نَفْسَهُ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذْ كَانَ الْحَسَنُ صَبِيًّا رَضِيعًا كَانَ يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَيَقُولُ: " «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ وَسَيُصْلِحُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ» "، وَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ قَالَ: " أَقِيلُونِي فَإِنِّي لَسْتُ بِخَيْرِكُمْ " دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِنَفْسِهِ انْفِرَادًا وَاسْتِبْدَادًا فِي الْخَلْعِ، وَلِذَلِكَ سَأَلَ ﵁ الْإِقَالَةَ ; فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نُقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ. ١٩٠ - وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ مِنِ ارْتِبَاطِ مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ بِاسْتِمْرَارِ الصِّدِّيقِ عَلَى الْإِمَامَةِ، وَإِدَامَةِ الْإِمَامَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهَا. وَكَانَ لَا يَسُدُّ أَحَدٌ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ مَسَدَّهُ، كَمَا سَيَأْتِي ذِكْرُهُ فِي إِمَامَةِ الصِّدِّيقِ ﵁.

стр. 128

وَلَوْ كَانَ لَا يُؤَثِّرُ خَلْعُهُ نَفْسَهُ فِي إِلْحَاقِ ضِرَارٍ، وَلَا فِي تَسْكِينِ ثَائِرَةٍ، وَلَوْ خَلَعَ الْإِمَامُ نَفْسَهُ، لَقَامَ آخَرُ مُسْتَصْلَحٌ لِلْإِمَامَةِ مَقَامَهُ، فَلَسْتُ قَاطِعًا فِي ذَلِكَ جَوَابًا، بَلْ أَرَى الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مُتَكَافِئَيْنِ، قَرِيبَيِ الْمَأْخَذِ. ١٩١ - وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ لَوْ حَاوَلَ اسْتِخْلَاءً بِنَفْسِهِ، وَاعْتِزَالًا لِطَاعَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، لَمْ يَمْتَنِعْ، وَذَلِكَ مَظْنُونٌ، لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ قَطْعٌ، فَلْيَقَعْ ذَلِكَ فِي قِسْمِ الْمَظْنُونَاتِ.

стр. 129

[فَصْلٌ فِيمَنْ يَسْتَنِيبُهُ الْإِمَامُ] فَصْلٌ. فِيمَنْ يَسْتَنِيبُهُ الْإِمَامُ. ١٩٢ - قَدِ انْقَضَى بِنِجَازِ هَذِهِ الْفُصُولِ مَبْلَغُ غَرَضِنَا فِي ذِكْرِ مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِمَامَةُ أَوَّلًا، وَذِكْرِ صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ، وَنُعُوتِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ عَقْدَ الْإِمَامَةِ، وَهُمُ الْمُسَمَّوْنَ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، ثُمَّ ذَكَرْنَا مَا يَطْرَأُ عَلَى الْأَئِمَّةِ فِي الصِّفَاتِ الَّتِي تُؤَثِّرُ فِي الِانْخِلَاعِ، أَوْ تُسَلِّطُ عَلَى الْخَلْعِ. ١٩٣ - وَنَحْنُ نَرَى الْآنَ أَنْ نَذْكُرَ مَنْ يَسْتَنِيبُهُ الْإِمَامُ فِي مَكَرِّ الدُّهُورِ، وَيُوَلِّيهِ مَقَالِيدَ الْأُمُورِ، وَنُوَضِّحُ مَرَاتِبَهُمْ وَمَنَاصِبَهُمْ، وَمَا يَقْتَضِيهِ كُلُّ مَنْصِبٍ مِنَ الْخِلَالِ وَالْخِصَالِ، فَإِنَّ غَرَضَنَا

стр. 130

لَا يُفْضَى إِلَى قُصَارَاهُ، وَلَا يُبْلَغُ مُنْتَهَاهُ، مَا لَمْ نُمَهِّدْ فِي الْوُلَاةِ أَجْمَعِينَ قَوَاعِدَ تُنَبِّهُ عَلَى صِفَاتِ الْحُمَاةِ، عَلَى تَبَايُنِ الرُّتَبِ وَالدَّرَجَاتِ، حَتَّى إِذَا انْتَهَى النَّاظِرُ إِلَيْهَا، وَانْجَرَّتِ الْمُقَدِّمَاتُ إِلَى فَرْضِ خُلُوِّ الْأَرْضِ وَمَنْ عَلَيْهَا مِنَ الْمُسْتَجْمِعِينَ لِأَوْصَافِ الْوُلَاةِ، وَاسْتَبَانَ مَوَاقِعَ الْكَلَامِ، وَتَفَطَّنَ لِمَوَاضِعِ الْمَغْزَى وَالْمَرَامِ، كَانَ خَوْضُهُ فِي مَقْصُودِ الْكِتَابِ عَلَى بَصِيرَةٍ، إِذَا جَرَى عَلَى هَذِهِ الْوَتِيرَةِ. ١٩٤ - فَلْيَقَعِ الْخَوْضُ فِي تَقَاسِيمِ الْمُسْتَنَابِينِ مِمَّنْ يُرَتِّبُهُ الْإِمَامُ بِمَقَامٍ عَلَى أَنْحَاءَ وَأَقْسَامٍ، وَنَحْنُ نَبْغِي ضَبْطَهَا، وَجَمْعَهَا وَرَبْطَهَا، عَلَى إِتْقَانٍ وَإِحْكَامٍ. إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ١٩٥ - فَالَّذِي يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ يَنْقَسِمُ إِلَى مَنْ يَحُلُّ مَحَلَّ الْإِمَامِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ اسْتِيعَابًا، وَإِلَى مَنْ لَا يَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْكَامِ، بَلْ يَخْتَصُّ بِتَوَلِّي بَعْضِهَا.

стр. 131

١٩٦ - فَأَمَّا مَنْ يَسْتَقِلُّ بِجُمْلَةِ الْأَحْكَامِ الْمُرْتَبِطَةِ بِالْأَئِمَّةِ، فَيَنْقَسِمُ إِلَى مَنْ يُوَلِّيهِ الْإِمَامُ عَهْدَ الْإِمَامَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، وَإِلَى مَنْ يُقِيمُهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حَيَاتِهِ. [حكم تولية العهد] ١٩٧ - فَأَمَّا مَنْ يُوَلِّيهِ الْعَهْدَ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَهَذَا إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَوَزَرُ الْإِسْلَامِ وَالدِّينِ، وَكَهْفُ الْعَالِمِينَ، وَأَصْلُ تَوْلِيَةِ الْعَهْدِ ثَابِتٌ قَطْعًا مُسْتَنِدٌ إِلَى إِجْمَاعِ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمَّا عَهِدَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ وَوَلَّاهُ الْإِمَامَةَ بَعْدَهُ، لَمْ يُبْدِ أَحَدٌ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَكِيرًا، ثُمَّ اعْتَقَدَ كَافَّةُ عُلَمَاءِ الدِّينِ تَوْلِيَةَ الْعَهْدِ مَسْلَكًا فِي إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ فِي حَقِّ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ الْمُوَلَّى، وَلَمْ يَنْفِ أَحَدٌ أَصْلَهَا أَصْلًا، وَإِنْ كَانَ مَنْ تَرَدَّدَ وَتَبَلَّدَ، فَفِي صِفَةِ الْمُوَلَّى أَوِ الْمُوَلِّي، فَأَمَّا أَصْلُ الْعَهْدِ، فَثَابِتٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ. ثُمَّ تَكَلَّمُ الْعُلَمَاءُ فِي تَفَاصِيلِ تَوْلِيَةِ الْعُهُودِ، وَانْتَهَوْا إِلَى كُلِّ مَقْصُودٍ.

стр. 132

١٩٨ - وَنَحْنُ نُوَضِّحُ مِمَّا أَوْرَدُوهُ عُيُونَهُ، وَنِصْفُ ضُرُوبَ الْكَلَامِ وَفُنُونَهُ، وَنُوَضِّحُ الْقَطْعِيَّاتِ وَالْمَسَائِلَ الْمَظْنُونَةَ. ١٩٩ - فَالْمَقْطُوعُ بِهِ أَصْلُ التَّوْلِيَةِ، فَإِنَّهُ مُعْتَضَدٌ مُتَأَيَّدٌ بِالْإِطْبَاقِ وَالْوِفَاقِ، وَالْإِجْمَاعِ الْوَاجِبِ الِاتِّبَاعِ، وَفِي الْإِجْمَاعِ بَلَاغٌ فِي رَوْمِ الْقَطْعِ وَإِقْنَاعٌ. وَلَكِنْ مَعْنَى تَصْحِيحِ التَّوْلِيَةِ وَاضِحٌ فِي مَسَالِكِ الْإِيَالَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ التَّنْبِيهِ لَهُ. فَإِذَا كَانَتِ الْإِمَامَةُ تَنْعَقِدُ بِاخْتِيَارِ وَاحِدٍ أَوْ جَمْعٍ مِنَ الْمُخْتَارِينَ، كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ، وَتَحَقَّقَ تَحْصِيلُهُ، فَالْإِمَامُ الَّذِي هُوَ قُدْوَةُ الْمُسْلِمِينَ، وَمَوْئِلُ الْمُؤْمِنِينَ، وَقَدْ مَارَسَ الْأُمُورَ وَقَارَعَ الدُّهُورَ، وَخَبَرَ الْمَيْسُورَ وَالْمَعْسُورَ، وَسَبَرَ - عَلَى مَكَرِّ الْعُصُورِ - النَّقَائِصَ وَالْمَزَايَا، وَدَانَ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ وَالرَّعَايَا، وَهُوَ فِي اسْتِمْرَارِ سُلْطَانِهِ، وَاسْتِقْرَارِ وِلَايَتِهِ فِي زَمَانِهِ، أَوْلَى بِأَنْ يُنْفِذَ تَوْلِيَتَهُ،

стр. 133

وَيُعْمِلَ خِيَرَتَهُ. فَإِذًا هَذَا مَعْلُومٌ قَطْعًا. [الشروط الواجبة فيمن يتولى العهد] ٢٠٠ - وَمِمَّا نَقْطَعُ بِهِ [فِي هَذَا الْفَنِّ] اشْتِرَاطُ صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ فِي الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ [بَعْدَ مَوْتِ مُوَلِّيهِ] إِمَامٌ حَقًّا مُتَصَدٍّ لِلْمَنْصِبِ الْأَبْهَى، رَاقٍ إِلَى الْمَرْقَى الْأَعْلَى. ٢٠١ - وَمِمَّا نَعْلَمُهُ مِنْ غَيْرِ مِرَاءٍ، أَنَّ تَوْلِيَةَ الْعَهْدِ لَا تَثْبُتُ مَا لَمْ يَقْبَلِ الْمَعْهُودُ إِلَيْهِ الْعَهْدَ ; فَإِنَّ الْمُوَلَّى وَإِنْ كَانَ مُسْتَنَابَ الْإِمَامِ، فَالتَّوْلِيَةُ مِنَ الْإِمَامِ الْعَاهِدِ الْمُوَلِّي عَقْدَ الْإِمَامَةِ لِلْمُوَلَّى. وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ لِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مَا لَمْ يَقْبَلِ الْمُعَيَّنُ. ٢٠٢ - وَمِمَّا يُدْرَكُ بِمَدَارِكِ الْقَطْعِ أَنَّ وَلِيَّ الْعَهْدِ لَا يَلِي شَيْئًا فِي حَيَاةِ الْإِمَامِ، وَإِنَّمَا ابْتِدَاءُ إِمَامَتِهِ وَسُلْطَانِهِ، إِذَا قَضَى الْإِمَامُ الَّذِي تَوَلَّى نَصْبَهُ نَحْبَهُ. ٢٠٣ - فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مَعْلُومَةٌ، وَسَنَسْرِدُ أُمُورًا وَاقِعَةً فِي مَسَالِكِ الظُّنُونِ، مَعَ أَحْكَامٍ تَسْتَنِدُ إِلَى الْقَوَاطِعِ، وَلَمْ نُبْدِ الْفَصْلَ بَيْنَ

стр. 134

الْمَقْطُوعِ بِهِ وَبَيْنَ الْمَظْنُونِ تَمْيِيزًا وَتَحْيِيزًا، وَأَنَا أَسُوقُهَا عَلَى وُجُوهِهَا، وَأَفْصِلُ فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ، وَتَقَاسِيمِ الْأَحْكَامِ، بَيْنَ الْمَعْلُومِ مِنْهَا وَبَيْنَ الْمَظْنُونِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . [حكم تولية الإمام العهد لابنه] ٢٠٤ - فَمِنَ الْأَحْكَامِ الْمَظْنُونَةِ، أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ عَهِدَ إِلَى وَلَدِهِ، أَوْ وَالِدِهِ، فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ، فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُصَحِّحِ الْعَقْدَ بِتَوْلِيَتِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ تَزْكِيَةَ الْمُوَلِّي وَشَهَادَتَهُ بِاسْتِجْمَاعِ خِصَالِ الْكَمَالِ وَالِاتِّصَافِ بِالْخِصَالِ الَّتِي تُرْعَى فِي الْمَنْصِبِ الْأَعْلَى، فَإِذَا كَانَ لَا يُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمَا لِلثَّانِي فِي أَمْرٍ نَزْرٍ يَسِيرٍ، وَخَطْبٍ حَقِيرٍ، فَلِأَنْ لَا تُقْبَلَ فِي أَعْلَى الْمَرَاتِبِ وَأَرْفَعِ الْمَنَاصِبِ أَوْلَى. ٢٠٥ - وَمِنْهُمْ مَنْ صَحَّحَ الْعَقْدَ وَالْعَهْدَ، وَزَكَّى الْإِمَامَ عَنِ ارْتِقَابِ التُّهَمِ، وَالصِّفَاتُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي الْإِمَامَةِ مَشْهُورَةٌ غَيْرُ مَنْكُورَةٍ، وَلَا يُفْرَضُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ إِلَّا فِي حَقِّ مَنْ لُهِجَ بِمَعَالِيهِ، وَطَيَّبَ

стр. 135

خِطَّةَ الْإِسْلَامِ بِمَنَاقِبِهِ وَمَسَاعِيهِ، وَمَنِ انْتَهَى فِي صِفَاتِهِ وَسِمَاتِهِ إِلَى التَّفَرُّدِ وَالتَّوَحُّدِ عَنْ طَبَقَاتِ الْخَلَائِقِ، بِالرُّقِيِّ إِلَى الذُّرْوَةِ الْعُلْيَا فِي الْفَضَائِلِ، وَحَمِيدِ الطَّرَائِقِ، لَمْ يَكُنْ ظُهُورُ تَخَصُّصِهِ بِالْمَزَايَا الَّتِي فَضَلَ بِهَا الْبَرَايَا مُفْتَقِرًا إِلَى تَزْكِيَةِ مُزَكٍّ، وَإِطْرَاءِ مُطْرٍ. وَلَوِ اشْتَهَرَ رَجُلٌ بِصِفَةِ الْعَدَالَةِ، وَاسْتِقَامَةِ الْحَالَةِ، فَشَهِدَ أَبُوهُ عَلَى شَهَادَتِهِ قُبِلَتِ الشَّهَادَةُ ; فَإِنَّ عَدَالَةَ الْأَصْلِ الْمَشْهُودِ عَلَى شَهَادَتِهِ لَا تَتَوَقَّفُ بِثُبُوتِهَا عَلَى بِنَاءِ الْفَرْعِ فِي الشَّهَادَةِ، وَلَوْ أَمَّنَ مُسْلِمٌ ابْنَهُ الْكَافِرَ، صَحَّ أَمَانُهُ، فَإِنَّ عَقْدَ الْأَمَانِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى مُبَاحَثَةٍ فِي الصِّفَاتِ، وَفَحْصٍ عَنْ تَفَاصِيلِ الْحَالَاتِ. ٢٠٦ - فَالظَّاهِرُ عِنْدِي تَصْحِيحُ تَوْلِيَةِ الْعَهْدِ مِنَ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ، [إِذَا ثَبَتَ بِقَوْلِ غَيْرِ الْمُوَلِّي اسْتِجْمَاعُ الْمُوَلِّي لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ

стр. 136

فِيهِ] وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَظْنُونَةٌ، لَيْسَ لَهَا مُسْتَنَدٌ قَطْعِيٌّ، وَلَمْ أَرَ التَّمَسُّكَ بِمَا جَرَى مِنَ الْعُهُودِ مِنَ الْخُلَفَاءِ إِلَى بَنِيهِمْ ; لِأَنَّ الْخِلَافَةَ بَعْدَ مُنْقَرَضِ الْأَرْبَعَةِ الرَّاشِدِينَ شَابَتْهَا شَوَائِبُ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَأَضْحَى الْحَقُّ الْمَحْضُ فِي الْإِمَامَةِ مَرْفُوضًا، وَصَارَتِ الْإِمَامَةُ مُلْكًا عَضُوضًا. [الخلاف في اشتراط رضا أهل الاختيار والعقد] ٢٠٧ - فَإِنْ قِيلَ إِذَا وَلَّى الْإِمَامُ ذَا عَهْدٍ، فَهَلْ يَتَوَقَّفُ تَنْفِيذُ عَهْدِهِ عَلَى رِضَا أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي حَيَاتِهِ أَوْ مِنْ بَعْدِهِ؟ . قُلْنَا: ذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ خِلَافًا، وَالَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ ; فَإِنَّا عَلَى اضْطِرَارٍ نَعْلَمُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمَّا وَلَّى عُمَرَ ﵁ لَمْ يُقَدِّمْ عَلَى تَوْلِيَتِهِ مُرَاجَعَةً وَاسْتِشَارَةً وَمُطَالَعَةً، وَإِذَ أَمْضَى فِيهِ مَا حَاوَلَهُ لَمْ يَسْتَرْضِ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ عَلَى تَوَافُرِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

стр. 137

نَعَمْ. رُوِيَ أَنَّ طَلْحَةَ ﵁ قَالَ لِأَبِي بَكْرٍ: لَقَدِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَيْنَا فَظًّا غَلِيظًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ: أَجْلِسُونِي فَأُجْلِسَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ - وَقَالَ: لَئِنْ سَأَلَنِي رَبِّي عَنْ تَفْوِيضِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى عُمَرَ، لَقُلْتُ، اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِكَ خَيْرَ أَهْلِكَ. ٢٠٨ - وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْمُصَنِّفِينَ فِي اشْتِرَاطِ مُرَاجَعَةِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي تَوْلِيَةِ الْعَهْدِ خِلَافًا، وَأَجْرَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَجْرَى الْخِلَافِ فِي الْمَظْنُونَاتِ، وَوُضُوحُ غَرَضِنَا فِي ذَلِكَ يُغْنِي عَنْ بَسْطِ الْقَوْلِ فِيهِ. [غمز وهجوم على الماوردي صاحب الأحكام السلطانية] ٢٠٩ - وَالشَّكْوَى إِلَى اللَّهِ ثُمَّ إِلَى كُلِّ مُحَصِّلٍ مُمَيِّزٍ، مِنْ تَصَانِيفَ

стр. 138

أَلَّفَهَا مَرْمُوقٌ، مُتَضَمَّنُهَا تَرْتِيبٌ وَتَبْوِيبٌ، وَنَقْلُ أَعْيَانِ كَلَامِ الْمَهَرَةِ الْمَاضِينَ، وَالتَّنْصِيصُ عَلَى مَا تَعِبَ فِيهِ السَّابِقُونَ، مَعَ خَبْطٍ كَثِيرٍ فِي النَّقْلِ وَتَخْلِيطٍ، وَإِفْرَاطٍ وَتَفْرِيطٍ، لَا يَرْضَى بِالتَّلَقُّبِ بِالتَّصْنِيفِ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالنَّقْلِ الْمُجَرَّدِ حَصِيفٌ، ثُمَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي تَأْلِيفِهِ وَتَصْنِيفِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ، لَمْ يَتَمَيَّزْ لَهُ الْمَظْنُونُ عَنِ الْمَعْلُومِ، وَالْتَبَسَتْ عَلَيْهِ مَسَالِكُ الظُّنُونِ بِمَدَارِكِ الْعُلُومِ، وَإِنَّمَا جَرَّ هَذِهِ الشِّكَايَةَ نَظَرِي فِي كِتَابٍ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مُتَرْجَمٌ بِالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ، مُشْتَمِلٌ عَلَى حِكَايَةِ الْمَذَاهِبِ، وَرِوَايَةِ الْآرَاءِ وَالْمَطَالِبِ، مِنْ غَيْرِ دِرَايَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَتَشَوُّفٍ إِلَى مَدْرَكِ غَايَةٍ، وَتَطَلُّعٍ إِلَى مَسْلَكٍ يُفْضِي إِلَى نِهَايَةٍ، وَإِنَّمَا مَضْمُونُ الْكِتَابِ نَقْلُ

стр. 139

مَقَالَاتٍ عَلَى جَهْلٍ وَعَمَايَةٍ، وَشَرُّ مَا فِيهِ وَهُوَ الْأَمْرُ الْمُعْضِلُ الَّذِي يَعْسُرُ تَلَافِيهِ، سِيَاقَةُ الْمَظْنُونِ وَالْمَعْلُومِ عَلَى مِنْهَاجٍ وَاحِدٍ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى ارْتِبَاكِ الْمَسَالِكِ، وَاشْتِبَاكِ الْمَدَارِكِ، وَالْتِبَاسِ الْيَقِينِ بِالْحُدُوسِ، وَاعْتِيَاصِ طَرَائِقِ الْقَطْعِ فِي هَوَاجِسِ النُّفُوسِ. ٢١٠ - وَمِنَ الْأَحْكَامِ الْمُشْكِلَةِ فِي سُبُلِ الظَّنِّ فِي هَذَا الْفَنِّ، أَنَّ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ مَتَى يَدْخُلُ وَقْتُ قَبُولِهِ الْعَهْدَ؟ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ، فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ أَوَانُ الْقَبُولِ بِمَوْتِ الْمُوَلِّي، كَمَا يَدْخُلُ وَقْتُ قَبُولِ الْوِصَايَةِ بِمَوْتِ الْمُوصِي، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْمُوَلَّى صَاحِبَ الْعَهْدِ أَحْكَامَ الزَّعَامَةِ وَالْإِمَامَةِ، وَلَا يَسْتَقِلُّ بِالْإِيَالَةِ وَالسِّيَاسَةِ، مَا دَامَ الْمُوَلِّي الْعَاهِدُ حَيًّا، فَلَا مَعْنًى لِلْقَبُولِ فِي حَالِ حَيَاتِهِ كَالْوِصَايَةِ. ٢١١ - وَصَارَ صَائِرُونَ إِلَى أَنَّهُ يَقْبَلُ فِي حَيَاةِ الْعَاهِدِ ; فَإِنَّ تَوْلِيَةَ الْعَهْدِ مِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا يَعْهَدُ الْإِمَامُ إِلَى مُسْتَجْمِعٍ لِشَرَائِطِ

стр. 140

الْإِمَامَةِ، نَظَرًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَاسْتِيثَاقًا فِي الدِّينِ، وَسُكُونًا إِلَى إِعْدَادِ وَزَرٍ وَمَلَاذٍ، وَرُكُونًا إِلَى اعْتَادِ مَوْئِلٍ وَمَعَاذٍ، وَإِنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الْغَرَضُ بِأَنْ تَلْزَمَ التَّوْلِيَةُ فِي حَيَاتِهِ، فَيُقَدَّرُ وَفَاتُهُ وَالْإِمَامَةُ مَعْقُودَةٌ، وَسَاحَةٌ لِلْإِمَامِ مَوْرُودَةٌ مَصْمُودَةٌ، فَيَجُرُّ فِي الْإِمَامَةِ أَذْيَالَهَا، وَلَا تَنْتَثِرُ أَحْوَالُهَا. ٢١٢ - وَيَنْبَنِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ أَمْرُ خَلْعِ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ، فَمَنْ أَخَّرَ الْقَبُولَ إِلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ مَلَّكَ الْمُوَلِّي صَرْفَ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ، كَمَا يَصْرِفُ الْمُوصِي الْمُوصَى إِلَيْهِ. وَمَنْ نَجَّزَ الْقَبُولَ مَنَعَ خَلْعَ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيهِ، وَصَيَّرَ الْإِمَامَ الْعَاهِدَ كَالْمُخْتَارِ الْعَاقِدِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ صَحَّ مِنْهُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ لَمْ يَمْلِكِ الْخَلْعَ عَلَى حُكْمِ الْإِيثَارِ، فَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْمُوَلِّي الْعَاهِدِ، مَعَ [الْمُوَلَّى] الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ، وَيَنْقَدِحُ فِي ذَلِكَ لِلْخِلَافِ وَجْهٌ فَإِنَّ الْإِمَامَةَ مَا تَمَّتْ بَعْدُ لِوَلِيِّ الْعَهْدِ بِخِلَافِ مَنْ عَقَدَ لَهُ الْإِمَامَةَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ.

стр. 141

٢١٣ - وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ الْخَلْعِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُهُ. ٢١٤ - وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، وَلَكِنَّهُ عَلَّقَ التَّوْلِيَةَ عَلَى اسْتِجْمَاعِ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، فَالْوَجْهُ بُطْلَانُ التَّوْلِيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَسَاءَ فِي الِاخْتِيَارِ، وَالْغَرَضُ مِنَ الْعَهْدِ تَنْجِيزُ نَظَرٍ، وَكِفَايَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ هَوَاجِمَ خَطَرٍ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ فِي الْحَالِ وَالْأَوَانِ. ٢١٥ - وَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْطُوعًا بِهِ أَيْضًا فَلِلِاحْتِمَالِ عِنْدَ انْعِدَامِ الْقَوَاطِعِ، وَانْحِسَامِ الْبَرَاهِينِ السَّوَاطِعِ مُضْطَرَبٌ رَحْبٌ، وَلِلظُّنُونِ مَجَرٌّ وَسَحْبٌ. ٢١٦ - وَمَنْ قَالَ: مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ: إِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيَّ، فَوَلِيُّ عَهْدِي فُلَانٌ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَيْهِ النَّوْبَةُ، لَمْ يَكُنْ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَقْعٌ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، فَإِنَّهُ تَصَرَّفَ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.

стр. 142

[حكم تولية العهد لأكثر من واحد على سبيل الشورى والاختيار] ٢١٧ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ الْعَاهِدَ لَوْ جَعَلَ الْإِمَامَةَ شُورَى بَيْنَ مَحْصُورِينَ صَالِحِينَ لِلزَّعَامَةِ، فَالْأَمْرُ يَنْحَصِرُ فِيهِ، وَالْمُسْتَنَدُ الْقَطْعِيُّ فِيهِ مَا جَرَى لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ إِذْ جَعَلَ الْأَمْرَ فَوْضَى بَيْنَ السِّتَّةِ الْمَشْهُورِينَ. فَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ مِنْ إِمَامٍ، فَتَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ إِلَى مَنْ جَعَلَ الْإِمَامُ التَّعْيِينَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضِ التَّعْيِينَ إِلَى أَحَدٍ، فَإِلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُعَيِّنُوا أَفْضَلَ الْمَذْكُورِينَ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي إِمَامَةِ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٢١٨ - وَلَوْ رَتَّبَ الْعَاهِدُ التَّوْلِيَةَ فِي مَذْكُورِينَ صَالِحِينَ لِلْأَمْرِ، فَقَالَ: وَلِيُّ الْعَهْدِ فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاتِي فَفُلَانٌ، فَإِنِ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ مَوْتِي، فَفُلَانٌ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَعَهْدُهُ مُتَّبَعٌ، فَإِنْ ذَكَرَ صَالِحِينَ لِلْأَمْرِ، وَرَأَى أَنْ يُرَتِّبَ مَرَاتِبَهُمْ، فَلَيْسَ مَا جَاءَ بِهِ مُنَافِيًا لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَزِمَ تَنْفِيذُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَاسْتَأْنَسَ الْأَئِمَّةُ مَعَ الْقَطْعِ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَرَاءِ

стр. 143

جَيْشِ مُؤْتَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الرَّايَةِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ، فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ. ٢١٩ - وَلَوْ قَالَ الْعَاهِدُ: الْإِمَامُ بَعْدِي فُلَانٌ، ثُمَّ الْإِمَامَةُ بَعْدَهُ، لِفُلَانٍ، ثُمَّ الْإِمَامَةُ بَعْدَهُ لِفُلَانٍ، فَرَتَّبَ الْخِلَافَةَ فِي مَذْكُورِينَ مُعَيَّنِينَ لِلْإِمَامَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ لِلْأَمْرِ أَوَّلًا فَتُفْضَى الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ، فَفِي إِفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ خِلَافٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذِكْرِهِ مُتَرَتِّبِينَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ تَقْدِيرِ وَفَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَتَرَتَّبُونَ عَلَى تَقْدِيرِهِ مَعَ اسْتِمْرَارِ سُلْطَانِهِ، وَامْتِدَادِ زَمَانِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَانَتْ تَوْلِيَةُ أُمَرَاءِ جَيْشِ مُؤْتَةَ.

стр. 144

٢٢٠ - وَإِذَا ذَكَرَ الْعَاهِدُ أَوْلِيَاءَ عُهُودٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَفْضَتِ الْإِمَارَةُ إِلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَعَهِدَ هُوَ إِلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرَهُ الْعَاهِدُ الْأَوَّلُ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَقْدِيمُ عَهِدِهِ عَلَى عَهْدِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَفْضَى إِلَيْهِ الْأَمْرُ، فَقَدْ صَارَ الْوَالِيَ الْمُسْتَقِلَّ بِأَعْبَاءِ الْإِمَامَةِ. وَالْعَهْدُ الصَّادِرُ مِنْهُ أَحَقُّ بِالْإِمْضَاءِ مِنْ عَهْدٍ نَبَذَهُ الْعَاهِدُ الْأَوَّلُ وَرَاءَ أَيَّامِهِ، وَبَيْنَ مُنْقَرَضِ زَمَانِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَبَيْنَ نُفُوذِ عَهْدِهِ الثَّانِي اعْتِقَابُ أَيَّامٍ وَنَوْبَةُ إِمَامٍ. ٢٢١ - وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ خَاضَ فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّ تَرْتِيبَ عَهْدِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ لَا يُتْبَعُ بِالنَّقْضِ، وَلَا يُتَعَقَّبُ بِالرَّفْضِ. وَالصَّحِيحُ مَا اخْتَرْنَاهُ الْآنَ، مِنْ تَنْفِيذِ عَهْدِ مَنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، وَلَوْ شَعَّبَ مُشَعِّبٌ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ، لَكَثُرَتِ الْمَسَائِلُ وَتَضَاعَفَتِ الْغَوَائِلُ، وَلَا يَكَادُ يَخْفَى مَدْرَكُهَا عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَمَا مَهَّدْنَاهُ مُغْنٍ عَنِ الْإِمْعَانِ وَالْإِبْلَاغِ، فَفِيهِ أَكْمَلُ مَقْنَعٍ وَبَلَاغٍ.

стр. 145

وَالَّذِي يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ تَمْيِيزُ الْمَقْطُوعِ بِهِ عَنِ الْمَظْنُونِ، وَمُسْتَنَدُ الْقَطْعِ الْإِجْمَاعُ، فَمَا اتَّفَقَ ذَلِكَ فِيهِ تَعَيَّنَ فِيهِ الِاتِّبَاعُ، وَمَا لَمْ نُصَادِفْ فِيهِ إِجْمَاعًا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَسَالِكِ النَّظَرِ، وَأَعْمَلْنَا فِيهِ طُرُقَ الْمَقَايِيسِ، وَأَرْمَيْنَا فِيهِ سُبُلَ الِاجْتِهَادِ، فَهَذَا مُنْتَهَى مَقْصِدِنَا فِي اسْتِنَابَةِ الْخَلِيفَةِ إِمَامًا بَعْدَهُ. [المستناب في حياة الإمام ومدى سلطانه] ٢٢٢ - فَأَمَّا إِذَا اسْتَنَابَ فِي حَيَاتِهِ نَائِبًا، وَفَوَّضَ إِلَى نَظَرِهِ تَنْفِيذَ الْأُمُورِ النَّاجِزَةِ. نُظِرَ: فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مَقَالِيدَ الْأُمُورِ كُلِّهَا وَجَعَلَهُ يَسْتَقِلُّ وَيُنَفِّذُ، وَيَقْضِي وَيُمْضِي، وَيَعْقِدُ وَيَحِلُّ، وَيُوَلِّي وَيَعْزِلُ، وَهُوَ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا لَا يُطَالِعُ الْإِمَامَ، وَلَا يُرَاجِعُهُ، بَلْ يَنْفَرِدُ وَيَسْتَبِدُّ، فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ، فَإِنَّ فِي تَجْوِيزِهِ جَمْعَ إِمَامَيْنِ، وَسَنَعْقِدُ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ بَابًا، وَفَاءً بِتَرَاجِمِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٢٢٣ - فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْمُرَشَّحُ لِلِاسْتِبْدَادِ مُتَوَحِّدٌ بِالْأُمُورِ، وَالْإِمَامُ
следующие страницы →