← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

٢١٣ - وَالْأَظْهَرُ مَنْعُ الْخَلْعِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ يُوجِبُهُ. ٢١٤ - وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ مَنْ لَيْسَ عَلَى شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، وَلَكِنَّهُ عَلَّقَ التَّوْلِيَةَ عَلَى اسْتِجْمَاعِ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، فَالْوَجْهُ بُطْلَانُ التَّوْلِيَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ أَسَاءَ فِي الِاخْتِيَارِ، وَالْغَرَضُ مِنَ الْعَهْدِ تَنْجِيزُ نَظَرٍ، وَكِفَايَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ هَوَاجِمَ خَطَرٍ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوَلِّي عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ فِي الْحَالِ وَالْأَوَانِ. ٢١٥ - وَلَيْسَ ذَلِكَ مَقْطُوعًا بِهِ أَيْضًا فَلِلِاحْتِمَالِ عِنْدَ انْعِدَامِ الْقَوَاطِعِ، وَانْحِسَامِ الْبَرَاهِينِ السَّوَاطِعِ مُضْطَرَبٌ رَحْبٌ، وَلِلظُّنُونِ مَجَرٌّ وَسَحْبٌ. ٢١٦ - وَمَنْ قَالَ: مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْخِلَافَةِ: إِذَا أَفْضَتِ الْخِلَافَةُ إِلَيَّ، فَوَلِيُّ عَهْدِي فُلَانٌ، ثُمَّ انْتَهَتْ إِلَيْهِ النَّوْبَةُ، لَمْ يَكُنْ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ قَبْلَ الْخِلَافَةِ وَقْعٌ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، عَلَى الْبَتِّ وَالْقَطْعِ، فَإِنَّهُ تَصَرَّفَ وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ.

стр. 142

[حكم تولية العهد لأكثر من واحد على سبيل الشورى والاختيار] ٢١٧ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الْمَقْطُوعِ بِهِ أَنَّ الْعَاهِدَ لَوْ جَعَلَ الْإِمَامَةَ شُورَى بَيْنَ مَحْصُورِينَ صَالِحِينَ لِلزَّعَامَةِ، فَالْأَمْرُ يَنْحَصِرُ فِيهِ، وَالْمُسْتَنَدُ الْقَطْعِيُّ فِيهِ مَا جَرَى لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ ﵁ إِذْ جَعَلَ الْأَمْرَ فَوْضَى بَيْنَ السِّتَّةِ الْمَشْهُورِينَ. فَإِذَا اتَّفَقَ ذَلِكَ مِنْ إِمَامٍ، فَتَعْيِينُ وَاحِدٍ مِنَ الْمَذْكُورِينَ إِلَى مَنْ جَعَلَ الْإِمَامُ التَّعْيِينَ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُفَوِّضِ التَّعْيِينَ إِلَى أَحَدٍ، فَإِلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُعَيِّنُوا أَفْضَلَ الْمَذْكُورِينَ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي إِمَامَةِ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٢١٨ - وَلَوْ رَتَّبَ الْعَاهِدُ التَّوْلِيَةَ فِي مَذْكُورِينَ صَالِحِينَ لِلْأَمْرِ، فَقَالَ: وَلِيُّ الْعَهْدِ فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فِي حَيَاتِي فَفُلَانٌ، فَإِنِ اخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ قَبْلَ مَوْتِي، فَفُلَانٌ، فَهَذَا صَحِيحٌ، وَعَهْدُهُ مُتَّبَعٌ، فَإِنْ ذَكَرَ صَالِحِينَ لِلْأَمْرِ، وَرَأَى أَنْ يُرَتِّبَ مَرَاتِبَهُمْ، فَلَيْسَ مَا جَاءَ بِهِ مُنَافِيًا لِلنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَزِمَ تَنْفِيذُهُ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ. وَاسْتَأْنَسَ الْأَئِمَّةُ مَعَ الْقَطْعِ بِمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي أُمَرَاءِ

стр. 143

جَيْشِ مُؤْتَةَ، فَإِنَّهُ قَالَ صَاحِبُ الرَّايَةِ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ، فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ أُصِيبَ فَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ فَلْيَرْتَضِ الْمُسْلِمُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ. ٢١٩ - وَلَوْ قَالَ الْعَاهِدُ: الْإِمَامُ بَعْدِي فُلَانٌ، ثُمَّ الْإِمَامَةُ بَعْدَهُ، لِفُلَانٍ، ثُمَّ الْإِمَامَةُ بَعْدَهُ لِفُلَانٍ، فَرَتَّبَ الْخِلَافَةَ فِي مَذْكُورِينَ مُعَيَّنِينَ لِلْإِمَامَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنُ لِلْأَمْرِ أَوَّلًا فَتُفْضَى الْخِلَافَةُ إِلَيْهِ، فَإِنْ مَاتَ، فَفِي إِفْضَاءِ الْخِلَافَةِ إِلَى الْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ خِلَافٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ كَذِكْرِهِ مُتَرَتِّبِينَ فِي حَيَاتِهِ عِنْدَ تَقْدِيرِ وَفَاتِهِمْ، فَإِنَّهُمْ يَتَرَتَّبُونَ عَلَى تَقْدِيرِهِ مَعَ اسْتِمْرَارِ سُلْطَانِهِ، وَامْتِدَادِ زَمَانِهِ، وَعَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَانَتْ تَوْلِيَةُ أُمَرَاءِ جَيْشِ مُؤْتَةَ.

стр. 144

٢٢٠ - وَإِذَا ذَكَرَ الْعَاهِدُ أَوْلِيَاءَ عُهُودٍ بَعْدَ وَفَاتِهِ، فَأَفْضَتِ الْإِمَارَةُ إِلَى الْأَوَّلِ مِنْهُمْ، فَعَهِدَ هُوَ إِلَى غَيْرِ مَنْ ذَكَرَهُ الْعَاهِدُ الْأَوَّلُ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَقْدِيمُ عَهِدِهِ عَلَى عَهْدِ مَنْ تَقَدَّمَهُ، فَإِنَّهُ لَمَّا أَفْضَى إِلَيْهِ الْأَمْرُ، فَقَدْ صَارَ الْوَالِيَ الْمُسْتَقِلَّ بِأَعْبَاءِ الْإِمَامَةِ. وَالْعَهْدُ الصَّادِرُ مِنْهُ أَحَقُّ بِالْإِمْضَاءِ مِنْ عَهْدٍ نَبَذَهُ الْعَاهِدُ الْأَوَّلُ وَرَاءَ أَيَّامِهِ، وَبَيْنَ مُنْقَرَضِ زَمَانِهِ وَسُلْطَانِهِ، وَبَيْنَ نُفُوذِ عَهْدِهِ الثَّانِي اعْتِقَابُ أَيَّامٍ وَنَوْبَةُ إِمَامٍ. ٢٢١ - وَذَهَبَ بَعْضُ مَنْ خَاضَ فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّ تَرْتِيبَ عَهْدِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ لَا يُتْبَعُ بِالنَّقْضِ، وَلَا يُتَعَقَّبُ بِالرَّفْضِ. وَالصَّحِيحُ مَا اخْتَرْنَاهُ الْآنَ، مِنْ تَنْفِيذِ عَهْدِ مَنْ أَفْضَتْ إِلَيْهِ الْخِلَافَةُ، وَلَوْ شَعَّبَ مُشَعِّبٌ هَذِهِ الْقَوَاعِدَ، لَكَثُرَتِ الْمَسَائِلُ وَتَضَاعَفَتِ الْغَوَائِلُ، وَلَا يَكَادُ يَخْفَى مَدْرَكُهَا عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ فِي الشَّرِيعَةِ. وَمَا مَهَّدْنَاهُ مُغْنٍ عَنِ الْإِمْعَانِ وَالْإِبْلَاغِ، فَفِيهِ أَكْمَلُ مَقْنَعٍ وَبَلَاغٍ.

стр. 145

وَالَّذِي يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ تَمْيِيزُ الْمَقْطُوعِ بِهِ عَنِ الْمَظْنُونِ، وَمُسْتَنَدُ الْقَطْعِ الْإِجْمَاعُ، فَمَا اتَّفَقَ ذَلِكَ فِيهِ تَعَيَّنَ فِيهِ الِاتِّبَاعُ، وَمَا لَمْ نُصَادِفْ فِيهِ إِجْمَاعًا عَرَضْنَاهُ عَلَى مَسَالِكِ النَّظَرِ، وَأَعْمَلْنَا فِيهِ طُرُقَ الْمَقَايِيسِ، وَأَرْمَيْنَا فِيهِ سُبُلَ الِاجْتِهَادِ، فَهَذَا مُنْتَهَى مَقْصِدِنَا فِي اسْتِنَابَةِ الْخَلِيفَةِ إِمَامًا بَعْدَهُ. [المستناب في حياة الإمام ومدى سلطانه] ٢٢٢ - فَأَمَّا إِذَا اسْتَنَابَ فِي حَيَاتِهِ نَائِبًا، وَفَوَّضَ إِلَى نَظَرِهِ تَنْفِيذَ الْأُمُورِ النَّاجِزَةِ. نُظِرَ: فَإِنْ سَلَّمَ إِلَيْهِ مَقَالِيدَ الْأُمُورِ كُلِّهَا وَجَعَلَهُ يَسْتَقِلُّ وَيُنَفِّذُ، وَيَقْضِي وَيُمْضِي، وَيَعْقِدُ وَيَحِلُّ، وَيُوَلِّي وَيَعْزِلُ، وَهُوَ فِي أُمُورِهِ كُلِّهَا لَا يُطَالِعُ الْإِمَامَ، وَلَا يُرَاجِعُهُ، بَلْ يَنْفَرِدُ وَيَسْتَبِدُّ، فَهَذَا غَيْرُ سَائِغٍ، فَإِنَّ فِي تَجْوِيزِهِ جَمْعَ إِمَامَيْنِ، وَسَنَعْقِدُ فِي امْتِنَاعِ ذَلِكَ بَابًا، وَفَاءً بِتَرَاجِمِ الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٢٢٣ - فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الْمُرَشَّحُ لِلِاسْتِبْدَادِ مُتَوَحِّدٌ بِالْأُمُورِ، وَالْإِمَامُ

стр. 146

لَا يُشَارِكُهُ فِيمَا يَتَعَاطَاهُ، وَإِنَّمَا الْمُمْتَنِعُ انْتِصَابُ إِمَامَيْنِ قَائِمَيْنِ بِالْأُمُورِ. قُلْنَا: هَذَا أَبْعَدُ مِنَ الْجَوَازِ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَنْتَصِبُ لِلْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّظَرِ فِي مُهِمَّاتِ الْأَنَامِ بِعَيْنٍ سَاهِرَةٍ، فَإِذَا آثَرَ السُّكُونَ إِلَى التَّعْطِيلِ وَاخْتَارَ الرُّكُونَ إِلَى التَّوَدُّعِ ; كَانَ الْإِمَامُ تَارِكًا مَنْصِبَهُ، وَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَيْسَ إِمَامًا مُتَصَدِّيًا لِلْإِمَامَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مُسَوَّغٍ قَطْعًا، فَهَذَا إِنْ سَلَّمَ الْأُمُورَ إِلَيْهِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ وَالِاسْتِبْدَادِ. ٢٢٤ - وَإِنْ فَوَّضَ إِلَيْهِ الْأُمُورَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ بِمَرْأَى مِنِ الْإِمَامِ وَمَسْمَعٍ، وَلَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ ذَاهِلًا عَنْ مَجَامِعِ أُمُورِهِ، وَكَانَ الْمُتَصَرِّفُ الْمُسْتَنَابُ يُرَاجِعُ الْإِمَامَ فِيمَا يُجْرِيهِ وَيُمْضِيهِ، فَهَذَا جَائِزٌ غَيْرُ مُمْتَنَعٍ، وَهَذَا الْمَنْصِبُ هُوَ الْمُسَمَّى الْوِزَارَةُ. ٢٢٥ - ثُمَّ الْإِمَامُ لَا يَسْتَوْزِرُ إِلَّا شَهْمًا كَافِيًا، ذَا نَجْدَةٍ،

стр. 147

وَكِفَايَةٍ، وَدِرَايَةٍ، وَنَفَاذِ رَأْيٍ، وَاتِّقَادِ قَرِيحَةٍ، وَذَكَاءِ فَطِنَةٍ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُتَلَفِّعًا مِنْ جَلَابِيبِ الدِّيَانَةِ بِأَسْبَغِهَا وَأَضْفَاهَا وَأَصْفَاهَا رَاقِيًا مِنْ أَطْوَادِ الْمَعَالِي إِلَى ذُرَاهَا ; فَإِنَّهُ مُتَصَدٍّ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ، وَخَطْبٍ جَسِيمٍ، وَالِاسْتِعْدَادُ لِلْمَرَاتِبِ عَلَى قَدْرِ أَخْطَارِ الْمَنَاصِبِ. وَقَدْ قِيلَ يُشْتَرَطُ فِي الْمُسْتَوْزَرِ اجْتِمَاعُ شَرَائِطِ الْإِمَامَةِ إِلَّا النَّسَبَ وَالِاعْتِزَاءَ إِلَى شَجَرَةِ قُرَيْشٍ، وَأَنَا أَقُولُ: أَمَّا النَّجْدَةُ وَالْكِفَايَةُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا، وَكَذَلِكَ الْوَرَعُ، فَإِنَّهُ رَأْسُ الْخَيْرَاتِ وَأَسَاسُ الْمَنَاقِبِ، وَمَنْ لَمْ يَتَّصِفْ بِهِ فَجَمِيعُ مَا فِيهِ مِنَ الْمَآثِرِ تَصِيرُ وَسَائِلَ وَوَصَائِلَ إِلَى الشَّرِّ، وَطَرَائِقَ إِلَى اجْتِلَابِ الضُّرِّ، وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ الْفَطِنَ الْمَاجِنَ غَيْرَ الْمُرْضِيِّ، أَضَرُّ عَلَى خَلِيقَةِ اللَّهِ مِنَ الْأَحْمَقِ الْغَبِيِّ. وَلَا شَكَّ

стр. 148

أَنَّ الْعَقْلَ أَصْلُ الْفَضَائِلِ، فَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ الْوَرَعُ وَالتَّقْوَى، انْقَلَبَ ذَرِيعَةً إِلَى الْفَسَادِ، وَمَطِيَّةً جَائِرَةً عَنْ مَنْهَجِ الرَّشَادِ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُ اسْتِجْمَاعِ الْوَزِيرِ شَرَائِطَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَمَرَاتِبَ الْأَئِمَّةِ فِي عُلُومِ الدِّينِ. وَظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵀ أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ فِي التَّصَدِّي لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْعَلِيِّ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا مِنْ أَصْلِ هَذَا الْحَبْرِ، وَسَنُقَرِّرُ مِنْ طَرِيقَتِهِ اشْتِرَاطَ اسْتِجْمَاعِ الْقُضَاةِ رُتَبَ الْمُجْتَهِدِينَ. فَإِذَا كَانَ يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِيهِمْ فَمَنْ إِلَيْهِ نَصْبُ الْقُضَاةِ وَصَرْفِهِمْ، وَتَرْشِيحُ الْوُلَاةِ لِمُهِمَّاتِ الْأَنَامِ، فِي خِطَّةِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى فِي مُعْتَقَدِهِ بِالْإِمَامَةِ فِي دِينِ اللَّهِ، وَعِلْمِ الشَّرِيعَةِ. ٢٢٦ - وَأَنَا بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ، آتٍ فِي ذَلِكَ بِالْحَقِّ الْمُبِينِ، وَأُمَهِّدُ فِي هَذَا لِلنَّاظِرِينَ مَدْرَكَ الْيَقِينِ، وَالْمُسْتَعَانُ رَبُّ الْعَالَمِينَ. ٢٢٧ - فَأَقُولُ: أَمَّا الْإِمَامُ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا مَبْلَغَ

стр. 149

الْمُجْتَهِدِينَ قَطْعًا ; فَإِنَّهُ وَزَرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَوْئِلُ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ، وَهُوَ مَرْجِعُ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ فِي مُهِمَّاتِهِمْ عَلَى تَفَنُّنِ حَالَاتِهِمْ، وَأَوْلَى الْأُمُورِ بِالرِّعَايَةِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّظَرِ فِي قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، وَضَبْطِ أُصُولِ الْأَحْكَامِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ فِي الدِّينِ عَلَى أَعْلَى مَنْصِبٍ وَمَقَامٍ، لَكَانَ مُقَلِّدًا تَابِعًا غَيْرَ مَتْبُوعٍ، وَلَمَا كَانَ مَلَاذًا لِلَّائِذِينَ، وَمَعَاذًا لِلْمُسْلِمِينَ، جَامِعًا لِشَتَاتِ الْآرَاءِ، مُحْتَوِيًا عَلَى مَقَالِيدِ الشَّرِيعَةِ، مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمِلَّةِ. وَلَئِنْ سَاغَ أَنْ لَا يُرْتَبِطَ أَمْرُ الدِّينِ بِرَأْيٍ قَوَّامٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ، فَلْيَجُزْ تَرْكُ الْأَمْرِ سُدًى مَجْرًى يَخْتَبِطُ النَّاسُ فِيهَا، فَإِنَّ الدُّنْيَا إِنَّمَا تُرْعَى مِنْ حَيْثُ يُسْتَمَدُّ اسْتِمْرَارُ قَوَاعِدِ الدِّينِ مِنْهَا، فَهِيَ مَرْعِيَّةٌ عَلَى سَبِيلِ التَّبَعِيَّةِ، وَلَوْلَا مَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، لَكَانَتِ الدُّنْيَا الدَّنِيَّةُ حَرِيَّةً بِأَنْ نُضْرِبَ عَنْهَا بِالْكُلِّيَّةِ. ٢٢٨ - وَالَّذِي يَكْشِفُ الْغِطَاءَ فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّقْلِيدَ إِنَّمَا يُسَوَّغُ عِنْدَ

стр. 150

تَحَقُّقِ الْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِبْدَادِ بِالِاجْتِهَادِ، ثُمَّ عَلَى الْمُقَلِّدِ نَظَرٌ ضَعِيفٌ فِي تَخَيُّرِ قُدْوَةٍ وَتَعْيِينِ أُسْوَةٍ، فَلَوْ كَانَ الْإِمَامُ مُقَلِّدًا لَحَمَلَ النَّاسَ عَلَى مُقْتَضَى تَقْلِيدِهِ، وَمُوجَبِ نَظَرِهِ الْوَاهِي فِي تَعْيِينِ مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَهَذَا مُسْتَحِيلٌ لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ ذُو تَحْصِيلٍ، فَإِذًا الْإِمَامُ مِنْ حَيْثُ كَانَ قُدْوَةَ الْخَلْقِ، وَحَامِلَهُمْ عَلَى مَسَالِكِ الْحَقِّ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ، وَالِاسْتِجْمَاعِ لِخِلَالَ الْكَمَالِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، لَكَانَ تَابِعًا غَيْرَ مَتْبُوعٍ. ٢٢٩ - فَأَمَّا مَنْ سِوَى الْإِمَامِ، فَأَحْرَى الْمَنَازِلِ بِاجْتِمَاعِ الْفَضَائِلِ مَنْصِبُ الْوَزِيرِ الْقَائِمِ مَقَامَ الْإِمَامِ، فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ نَظَرَهُ يَعُمُّ عُمُومَ نَظَرِ الْإِمَامِ فِي خِطَّةِ الْإِسْلَامِ، وَلَكِنْ مِنْ حَيْثُ لَيْسَ لَهُ رُتْبَةُ الِاسْتِقْلَالِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُرَاجِعَ الْإِمَامَ فِي مَجَامِعِ الْخُطُوبِ لَا يَبْلُغُ اشْتِرَاطُ بُلُوغِهِ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ رُتْبَةَ الْقَطْعِ، فَإِنَّهُ قِيلَ: إِنَّهُ يُنْفِذُ الْأُمُورَ، فَإِذَا اعْتَاصَ عَلَيْهِ أَمْرٌ رَاجَعَ الْإِمَامَ،

стр. 151

أَوْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُرَاجَعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَحَمْلَةِ الشَّرِيعَةِ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ هُجُومًا عَلَى مُخَالَفَةِ مَقْطُوعٍ بِهِ ; إِذْ مَرْتَبَةُ الْوَزِيرِ وَإِنْ عَلَتْ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ رُتْبَةُ الْمُسْتَقِلِّينَ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَقِلُّ الْإِمَامُ. عَلَى أَنَّ الْأَظْهَرَ اشْتِرَاطُ كَوْنِ الْوَزِيرِ الَّذِي إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْأُمُورِ إِمَامًا فِي الدِّينِ، فَإِنَّ مَا يَتَعَاطَاهُ عَظِيمُ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ، وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ مُرَاجَعَةُ الْإِمَامِ فِي تَفَاصِيلِ الْوَقَائِعِ، وَإِنَّمَا يُطَالِعُ الْإِمَامَ فِي الْأُصُولِ وَالْمَجَامِعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي الدِّينِ لَمْ يُؤْمَنْ زَلَلُهُ فِي أُمُورٍ لِلْمُسْلِمِينَ، يَتَعَذَّرُ تَلَافِيهَا، كَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ، وَمَا فِي مَعَانِيهَا. وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الصِّفَاتِ فِي الْوَزِيرِ الَّذِي إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الْأُمُورِ. ٢٣٠ - فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَتَوَلَّى التَّنْفِيذَ ; وَالْمُتَصَدِّي لِلْوِزَارَةِ يَظْهَرُ ; فَلَيْسَ إِلَيْهِ افْتِتَاحُ أَمْرٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ السَّفِيرِ فِي كُلِّ قَضِيَّةٍ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالرَّعِيَّةِ.

стр. 152

٢٣١ - فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ يَسْتَضِيءُ بِرَأْيهِ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ، فَهُوَ مُسْتَشَارٌ مُبَلِّغٌ، وَلَيْسَ إِلَيْهِ مِنِ الْوِلَايَةِ شَيْءٌ، فَلَا يَشْتَرِطُ فِيهِ إِلَّا أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا بِهِ بِحَيْثُ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، فَإِنَّ مِلَاكَ أَمْرِهِ إِخْبَارُ الْجُنْدِ وَالرَّعَايَا بِمَا يُنْفِذُهُ الْإِمَامُ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي الْوَرَعَ وَصِدْقَ اللَّهْجَةِ، وَالتَّنْفِيذُ وَالثِّقَةُ تُشْعِرُ بِهِمَا. وَالثَّانِي: الْفِطْنَةُ وَالْكِيَاسَةُ ; فَإِنَّ عَظَائِمَ الْأُمُورِ لَا يُدْرِكُ مَعَانِيهَا لِيَنْقُلَهَا إِلَّا فَطِنٌ، لَا يُؤْتَى عَنْ غَفْلَةٍ وَذُهُولٍ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَطِنًا لَمْ يُوثَقْ بِفَهْمِهِ لِمَا يُنْهِيهِ، وَلَمْ يُؤْمَنْ خَطَؤُهُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ وَيُؤَدِّيهِ. وَلَا يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ هَذَا الْمَنْصِبِ عَبْدًا مَمْلُوكًا، فَإِنَّ الَّذِي يُلَابِسُهُ لَيْسَ وِلَايَةً، وَإِنَّمَا هُوَ إِنْبَاءٌ وَإِخْبَارٌ، وَالْمَمْلُوكُ مِنْ أَهْلِ وِلَايَةِ الْأَخْبَارِ. ٢٣٢ - وَذَكَرَ مُصَنِّفُ الْكِتَابِ الْمُتَرْجَمِ بِالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ

стр. 153

أَنَّ صَاحِبَ هَذَا الْمَنْصِبِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا، وَهَذِهِ عَثْرَةٌ لَيْسَ لَهَا مَقِيلٌ، وَهِيَ مُشْعِرَةٌ بِخُلُوِّ صَاحِبِ الْكِتَابِ عَنِ التَّحْصِيلِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ لَا بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهَا، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ مَوْثُوقًا بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ، وَتَصَارِيفِ أَحْوَالِهِ، وَرِوَايَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُسْنِدُهُ وَيَعْزِيهِ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، فَمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَى بَاقَةِ بَقْلٍ، وَلَا يُوثَقُ بِهِ فِي قَوْلٍ وَفِعْلٍ، كَيْفَ يَنْتَصِبُ وَزِيرًا؟ وَكَيْفَ يَنْتَهِضُ مُبَلِّغًا عَنِ الْإِمَامِ سَفِيرًا، عَلَى أَنَّا لَا نَأْمَنُ فِي أَمْرِ الدِّينِ شَرَّهُ، بَلْ نَرْتَقِبُ - نَفَسًا فَنَفَسًا - ضُرَّهُ، وَقَدْ تَوَافَتْ شَهَادَةُ نُصُوصِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى النَّهْيِ عَنِ الرُّكُونِ إِلَى الْكُفَّارِ، وَالْمَنْعِ مِنِ ائْتِمَانِهِمْ، وَإِطْلَاعِهِمْ عَلَى الْأَسْرَارِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ وَقَالَ: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ .

стр. 154

وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «أَنَا بَرِئٌ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا» ". وَاشْتَدَّ نَكِيرُ عُمَرَ عَلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا. وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - عَلَى أَنَّ الْمُتَرْجِمَ الَّذِي يُنْهِي إِلَى الْقَاضِي مَعَانِيَ لُغَاتِ الْمُدَّعِينَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا عَدْلًا رِضًا، وَلَسْتُ أَعْرِفُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ. فَكَيْفَ يُسَوَّغُ أَنْ يَكُونَ السَّفِيرُ بَيْنَ الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْكُفَّارِ؟ . ٢٣٣ - فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَسْتَجِيزُ التَّصَدِّي لِلتَّصْنِيفِ مَنْ هَذَا مُنْتَهَى فَهْمِهِ وَمَبْلَغُ عِلْمِهِ؟ ، وَمَنِ اسْتَجْرَأَ عَلَى تَأْلِيفِ الْكُتُبِ تَعْوِيلًا عَلَى ذَرَابَةٍ فِي عَذَبَةِ لِسَانِهِ، وَاسْتِمْكَانِهِ مِنْ طَرَفٍ مِنَ

стр. 155

الْبَسْطِ فِي بَيَانِهِ، وَلَمْ يَكُنْ بَحْرًا مَعْلُومًا فِي الْعُلُومِ لَا يُنْكَشْ، وَلَا يُغَضْغَضْ، وَنَهْرًا مَعْدُودًا لَا يُنْزَفْ وَلَا يُمْخَضْ، فَقَدْ تَهَدَّفَ فِيمَا صَنَّفَ، وَاقْتَحَمَ الْمَهَاوِي وَتَعَسَّفَ، وَلَسْتُ - وَاللَّهِ - فِي ذَلِكَ أَتَغَلَّبُ وَأَتَصَلَّفُ. [حكم الأطراف وولاة المدن والأقطار ٢٣٤ - فَهَذَا انْتِهَاءُ مَرَامِنَا فِيمَنْ يَسْتَنِيبُهُ الْإِمَامُ بَعْدَ وَفَاتِهِ أَوْ فِي اسْتِمْرَارِ حَيَاتِهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ. فَأَمَّا الَّذِينَ يَسْتَنِيبُهُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْصَارِ وَالْأَقْطَارِ، أَوْ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ، فَأَنَا الْآنَ بَعْدَ تَقْدِيمِ اللِّيَاذَ بِرَبِّ الْبَرِيَّةِ وَالتَّبَرِّي مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، أَذْكُرُ فِي مُسْتَنَابِيهِ قَوْلًا كَافِيًا شَافِيًا، وَمَجْمُوعًا وَجِيزًا وَافِيًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، فَأَقُولُ:

стр. 156

٢٣٥ - أَوَّلًا: الِاسْتِنَابَةُ لَا بُدَّ مِنْهَا، وَلَا غِنًى عَنْهَا، فَإِنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَوَلِّي جَمِيعِ الْأُمُورِ وَتَعَاطِيهَا، وَلَا يَفِيءُ نَظَرُهُ بِمُهِمَّاتِ الْخِطَّةِ وَلَا يَحْوِيهَا، وَهَذِهِ الْقَضِيَّةُ بَيِّنَةٌ فِي ضَرُورَاتِ الْعُقُولِ لَا يَسْتَرِيبُ اللَّبِيبُ فِيهَا، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُطَوِّقَ الْكُفَاةَ الْأَعْمَالَ، ثُمَّ يَقْطَعَ الْبَحْثَ عَنْهُمْ، وَيُضْرِبَ عَنْ سَبْرِ أَحْوَالِهِمْ ; فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ، لَكَانَ مُعَطِّلًا فَائِدَةَ الْإِمَامَةِ، مُبْطِلًا سِرَّ الزَّعَامَةِ وَالرِّيَاسَةِ الْعَامَّةِ، بَلْ عَلَيْهِ أَنْ يُمَهِّدَ مَسَالِكَ انْتِهَاءِ الْأَخْبَارِ وَالْأَنْبَاءِ إِلَيْهِ فِي مَجَامِعِ الْخُطُوبِ. وَيُنَصِّبَ مُرَتَّبِينَ لِلْإِنْهَاءِ وَتَبْلِيغِ الْأَخْبَارِ وَالْأَنْبَاءِ، حَتَّى تَكُونَ الْخِطَّةُ بِكِلَاءَتِهِ مَرْبُوطَةً، وَبِرِعَايَتِهِ مَحُوطَةً، وَمَجَامِعُ الْأُمُورِ بِرَأْيهِ مَنُوطَةً، وَاطِّلَاعَاتُهُ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ مَبْسُوطَةً، فَهُوَ يَرْعَاهُمْ كَأَنَّهُ يَرَاهُمْ، وَإِنْ شَطَّ الْمَزَارُ وَتَقَاصَتِ الدِّيَارُ، وَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَكَلَّفَ الْإِحَاطَةَ بِتَفَاصِيلِ الْأُمُورِ وَآحَادِ أَفْرَادِهَا، وَلَكِنَّهُ لَا يَغْفَلُ عَنْ مَجَامِعِهَا

стр. 157

وَأُصُولِهَا، وَاسْتِبْرَاءِ أَحْوَالِ أَصْحَابِ الْأَعْمَالِ، وَأَقْوَى ذَرَائِعَهُ فِي الْوُقُوفِ عَلَى أَحْوَالِ الْعُمَّالِ دُعَاؤُهُ الْمُتَظَلِّمِينَ إِلَى خِبَائِهِ، وَاسْتِحْثَاثُهُ أَصْحَابَ الْحَاجَاتِ عَلَى شُهُودِ بَابِهِ. ٢٣٦ - فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ، فَإِنْ سُئِلْنَا بَعْدَهَا عَنْ تَفَاصِيلِ الْمُسْتَنَابِينَ وَأَعْدَادِهِمْ. قُلْنَا: اسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى بَيَانِ مَا يُنَاطُ بِالْإِمَامِ مِنْ أَشْغَالِ الْمُسْلِمِينَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينِ ; وَسَنَعْقِدُ فِي ذَلِكَ بَابًا جَامِعًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمَضْمُونُهُ عَمْرَةُ الْكِتَابِ وَالْمَقْصِدِ وَاللُّبَابِ. ثُمَّ إِذَا تَبَيَّنَ مَا يَرْتَبِطُ بِنَظَرِ الْإِمَامِ، فَإِنَّهُ يَسْتَنِيبُ فِيمَا إِلَيْهِ الْكُفَاةَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْأُمُورِ، وَيَجْمَعُ جَمِيعَهُمُ اشْتِرَاطُ الدِّيَانَةِ وَالثِّقَةِ وَالْكِفَايَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّغُلِ الْمُفَوَّضِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ذَلِكَ مُفَصَّلًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فِي الْبَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تَفْصِيلِ مَا يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ.

стр. 158

٢٣٧ - وَالَّذِي نَذْكُرُهُ الْآنَ اشْتِرَاطُ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، وَنَفْيُ اشْتِرَاطِهَا. فَنَقُولُ: إِنْ كَانَ الْأَمْرُ الْمُفَوَّضُ إِلَى الْمُسْتَنَابِ أَمْرًا خَالِصًا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالتَّنْصِيصِ عَلَيْهِ، وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ، فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنَابُ فِيهِ إِمَامًا فِي الدِّينِ، وَلَكِنَّهُ يَقْتَصُّ أَثَرَ النَّصِّ، وَيَرْتَادُ اتِّبَاعَ الْمِثَالِ، وَتَكْفِيهِ فِيمَا يُرَشَّحُ لَهُ الدِّيَانَةُ وَالِاسْتِقْلَالُ بِالْأَمْرِ الْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ، وَالْهِدَايَةُ إِلَيْهِ. ٢٣٨ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّا يَضْبِطُهُ النَّصُّ، وَلَكِنْ كَانَ لَا يَسْتَدْعِي الْقِيَامُ بِهِ الِاطِّلَاعَ عَلَى قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، فَلَا يُشْتَرَطُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ، بَلْ يَكْفِي مِنَ الْبَصِيرَةِ مَا يَنْتَهِضُ رُكْنًا وَذَرِيعَةً إِلَى تَحْصِيلِ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ فِي الْأَمْرِ الْمُفَوَّضِ إِلَيْهِ: فَالَّذِي يَنْتَصِبُ لِجِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا بِالْأَمْوَالِ الزَّكَاتِيَّةِ وَنُصُبِهَا وَأَوْقَاصِهَا، وَمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ فِيهَا. وَأُمَرَاءُ الْأَجْنَادِ وَأَصْحَابُ الْأَلْوِيَةِ وَالْمَرَاتِبِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونُوا مُحِيطِينَ بِمَا تَقْتَضِيهِ مَنَاصِبُهُمْ.

стр. 159

٢٣٩ - وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ الْمُفَوَّضُ مِمَّا لَا تَضْبِطُهُ النُّصُوصُ مِنَ الْمُوَلِّي، وَكَانَ عَظِيمَ الْوَقْعِ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ، لَا يَكْفِي فِيهِ فَنٌّ مَخْصُوصٌ مِنَ الْعُلُومِ، كَالْقَضَاءِ، فَالَّذِي يُؤْثِرُهُ الشَّافِعِيُّ ﵁ وَمُعْظَمُ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْمُتَوَلِّي لِلْقَضَاءِ مُجْتَهِدًا، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ ذَلِكَ. وَجَوَّزَ أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا، يَسْتَفْتِي فِيمَا يَعِنُّ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ الْمُفْتِي. وَيَحْكُمُ بِمُوجَبِهِ. ٢٤٠ - وَهَذَا عِنْدَنَا مَظْنُونٌ لَا يَتَطَرَّقُ الْقَطْعُ إِلَى النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فِيهِ. وَسَيَأْتِي ذَلِكَ مَشْرُوحًا مُوَضَّحًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ الْآنَ جُمَلٌ تَجْرِي مَجْرَى الْأَسَاسِ وَالتَّوْطِئَةِ، وَتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ، وَنَحْنُ نَخْتِمُ هَذَا الْبَابَ بِنُكَتَةٍ لَا بُدَّ مِنَ الْإِحَاطَةِ بِهَا فَنَقُولُ: ٢٤١ - قَدْ دَلَّتِ الْمَرَامِزُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَلَى صِفَاتِ الْوُلَاةِ،

стр. 160

فَأَمَّا إِذَا طَرَأَتْ عَلَيْهِمْ أَحْوَالٌ لَوْ كَانُوا عَلَيْهَا ابْتِدَاءً لَمَا جَازَ نَصْبُهُمْ، فَوَجْهُ الْقَوْلِ فِي طَرَيَانِهَا عَلَيْهِمْ كَوَجْهِهِ فِي طَرَيَانِ الصِّفَاتِ الْمُنَافِيَةِ لِعَقْدِ الْإِمَامَةِ عَلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ مَضَى ذَلِكَ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْبَيَانِ، وَلَكِنَّا ذَكَرْنَا أَنَّ الْفِسْقَ الَّذِي يَجْرِي مَجْرَى الْعَثْرَةِ لَا يُوجِبُ خَلْعَ الْإِمَامِ، وَلَا انْخِلَاعَهُ. فَلَوْ فُرِضَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي حَقِّ بَعْضِ الْمُسْتَنَابِينِ فَالْإِمَامُ يَخْلَعُهُ، وَلَا يَجْرِي أَمْرُ الْمُسْتَنَابِ الَّذِي هُوَ فِي قَبْضَةِ الْإِمَامِ، مَجْرَى الْإِمَامِ الَّذِي لَوْ تَعَرَّضَ لِخَلْعِهِ لَمَادَتِ الْمَمْلَكَةُ بِأَكْنَافِهَا، وَلَارْتَجَّتْ خِطَّةُ الْإِسْلَامِ بِأَعْطَافِهَا. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ يَخْلَعُ الْقَاضِيَ الْإِمَامُ، وَيَدُ الْخَلِيفَةِ لَا تُطَاوِلُهَا يَدٌ، وَلَوْ سُوِّغَ خَلْعُ الْإِمَامِ، لَاسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَدَّى لِخَلْعِ الْإِمَامِ مَنْ يَشَاءُ مِنَ الْأَتْبَاعِ، وَقَدْ مَضَى مِنْ ذَلِكَ مَا فِي بَعْضِهِ إِقْنَاعٌ، وَسَتَأْتِي صِفَاتُ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ اقْتِرَانًا بِالتَّوْلِيَةِ وَطَرَيَانًا، وَمَا يُوجِبُ الْخَلْعَ وَالِانْخِلَاعَ.

стр. 161

[الْبَابُ السَّادِسُ فِي إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ] الْبَابُ السَّادِسُ. فِي إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ. ٢٤٢ - اخْتَلَفَ الْخَائِضُونَ فِي هَذَا الْفَنِّ، فِي إِمَامَةِ الْمَفْضُولِ، عَلَى آرَاءَ مُتَفَاوِتَةٍ، وَمَذَاهِبَ مُتَهَافِتَةٍ، وَلَوْ ذَهَبْتُ أَذْكُرُ الْمَقَالَاتِ وَأَسْتَقْصِيهَا، وَأَنْسِبُهَا إِلَى قَائِلِيهَا وَأَعْزِيهَا، لَخِفْتُ خَصْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: خَصْلَةٌ أَحَاذِرُهَا فِي مُصَنَّفَاتِي وَأَتَّقِيهَا، وَتَعَافُّهَا نَفْسِي الْأَبِيَّةُ وَتَجْتَوِيهَا، وَهِيَ سَرْدُ فَصْلٍ مَنْقُولٍ، عَنْ كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَقُولٌ. وَهَذَا عِنْدِي يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الِاخْتِزَالِ وَالِانْتِحَالِ، وَالتَّشْيِيعِ بِعُلُومِ الْأَوَائِلِ، وَالْإِغَارَةِ عَلَى مُصَنَّفَاتِ الْأَفَاضِلِ، وَحَقٌّ عَلَى كُلِّ مَنْ تَتَقَاضَاهُ قَرِيحَتُهُ تَأْلِيفًا، وَجَمْعًا، وَتَرْصِيفًا، أَنْ يَجْعَلَ مَضْمُونَ كِتَابِهِ أَمْرًا لَا يُلْفَى فِي مَجْمُوعٍ، وَغَرَضًا لَا يُصَادَفُ فِي تَصْنِيفٍ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ ذِكْرِهَا أَتَى بِهِ فِي مَعْرِضِ التَّذَرُّعِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَا هُوَ الْمَقْصُودُ وَالْمَعْمُودُ، فَهَذِهِ وَاحِدَةٌ.

стр. 162

وَالْخَصْلَةُ الثَّانِيَةُ: اجْتِنَابُ الْإِطْنَابِ، وَتَنَكُّبُ الْإِسْهَابِ فِي غَيْرِ مَقْصُودِ الْكِتَابِ. ٢٤٣ - فَأَعُودُ وَأَقُولُ: ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْهُمُ الزَّيْدِيَّةُ إِلَى تَصْحِيحِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِلْمَفْضُولِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْإِرْسَالِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ، وَالَّذِي يَتَعَيَّنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ فِي صَدْرِ الْبَابِ، أَنَّ الَّذِي يَقَعُ التَّعَرُّضُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ، وَالْقَوْلِ فِي الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ، لَيْسَ هُوَ عَلَى أَعْلَى الْقَدْرِ وَالْمَرْتَبَةِ وَارْتِفَاعِ الدَّرَجَةِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي عَمَلِهِ، فَرُبَّ وَلِيٍّ مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ هُوَ قُطْبُ الْأَرْضِ، وَعِمَادُ الْعَالَمِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ، وَفِي الْعَصْرِ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، فَالْمَعْنِيُّ بِالْفَضْلِ اسْتِجْمَاعُ الْخِلَالِ الَّتِي يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهَا فِي الْمُتَصَدِّي لِلْإِمَامَةِ. فَإِذَا أَطْلَقْنَا الْأَفْضَلَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنَيْنَا بِهِ الْأَصْلَحَ لِلْقِيَامِ

стр. 163

عَلَى الْخَلْقِ بِمَا يَسْتَصْلِحُهُمْ. وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَعْنَى التَّفْضِيلِ، وَسَيَأْتِي مَشْرُوحًا فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ عَلَى التَّفْصِيلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٢٤٤ - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَقَدْ صَارَ طَوَائِفُ مِنْ أَئِمَّتِنَا إِلَى تَجْوِيزِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ لِلْمَفْضُولِ، مَعَ التَّمَكُّنِ مِنَ الْعَقْدِ لِلْأَفْضَلِ الْأَصْلَحِ، وَاعْتَلُّوا بِأَنَّ الْمَفْضُولَ إِذَا كَانَ مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ، فَاخْتِصَاصُ الْفَاضِلِ بِالْمَزَايَا اتِّصَافٌ بِمَا لَا تَفْتَقِرُ الْإِمَامَةُ إِلَيْهِ، فَإِذَا عُقِدَتِ الْإِمَامَةُ لِمَنْ لَيْسَ عَارِيًا عَنِ الْخِلَالِ الْمُعْتَبَرَةِ، اسْتَقَلَّتْ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا غِنَى عَنْهَا وَلَا مَنْدُوحَةَ، وَلَيْسَ لِلْفَضَائِلِ نِهَايَةٌ وَغَايَةٌ. ٢٤٥ - وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْمُنْتَمِينَ إِلَى الْأُصُولِ مِنْ جِلَّةِ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ لِلْمَفْضُولِ مَعَ إِمْكَانِ الْعَقْدِ لِلْفَاضِلِ، ثُمَّ تَحَزَّبَ هَؤُلَاءِ حِزْبَيْنِ، وَتَصَدَّعُوا صَدْعَيْنِ: فَذَهَبَ فَرِيقٌ إِلَى أَنَّ مَدْرَكَ ذَلِكَ الْقَطْعُ، وَصَارَ فَرِيقٌ إِلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مِنَ المَظْنُونَاتِ الَّتِي لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا أَسَالِيبُ الْعُقُولِ، وَلَا قَوَاطِعُ الشَّرْعِ الْمَنْقُولِ.

стр. 164

٢٤٦ - وَمَسْلَكُ الْحَقِّ الْمُبِينِ، مَا أُوَضِّحُهُ الْآنَ لِلْمُسْتَرْشِدِ الْمُسْتَبِينِ. فَأَقُولُ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ إِذَا عَسُرَ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِلْفَاضِلِ، وَاقْتَضَتْ مَصْلَحَةُ الْمُسْلِمِينَ تَقْدِيمَ الْمَفْضُولِ، وَذَلِكَ لِصَغْوِ النَّاسِ، وَمَيْلِ أُولِي الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ إِلَيْهِ، وَلَوْ فُرِضَ تَقْدِيمُ الْفَاضِلِ لَاشْرَأَبَّتِ الْفِتَنُ، وَثَارَتِ الْمِحَنُ، وَلَمْ نَجِدْ عَدَدًا، وَتَفَرَّقَتِ الْأَجْنَادُ بَدَدًا، فَإِذَا كَانَتِ الْحَاجَةُ فِي مُقْتَضَى الْإِيَالَةِ تَقْتَضِي تَقْدِيمَ الْمَفْضُولِ، قُدِّمَ لَا مَحَالَةَ ; إِذِ الْغَرَضُ مِنْ نَصْبِ الْإِمَامِ اسْتِصْلَاحُ الْأُمَّةِ، فَإِذَا كَانَ فِي تَقْدِيمِ الْفَاضِلِ اخْتِبَاطُهَا وَفَسَادُهَا، وَفِي تَقْدِيمِ الْمَفْضُولِ ارْتِبَاطُهَا وَسَدَادُهَا، تَعَيَّنَ إِيثَارُ مَا فِيهِ صَلَاحُ الْخَلِيقَةِ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْحَقِيقَةِ، وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّمَ فَاضِلٌ، وَاتَّسَقَتْ لَهُ الطَّاعَةُ، وَنَشَأَ فِي الزَّمَنِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، فَلَا يُتْبَعُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِلْأَوَّلِ بِالْقَطْعِ وَالرَّفْعِ. ٢٤٧ - فَإِذَا وَضُحَ مَا ذَكَرْتُهُ فَأَقُولُ: إِنْ تَهَيَّأَ لِأَهْلِ الِاخْتِيَارِ تَقْدِيمَ الْفَاضِلِ مِنْ غَيْرِ مَانِعٍ مُدَافِعٍ،

стр. 165

وَتَحَقَّقَ الِاسْتِكْمَانُ مِنْ تَرْشِيحِ الْأَصْلَحِ، فَيَجِبُ الْقَطْعُ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ بِإِيجَابِ تَقْدِيمِ الْأَفْضَلِ الْأَصْلَحِ، وَالَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا تَصَدَّى لَهُ مَسْلَكَانِ فِي مُهِمٍّ أَلَمَّ، وَخَطْبٍ أَعْضَلَ وَادْلَهَمَّ، وَتَحَقَّقَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَوْ آثَرَهُ وَاخْتَارَهُ، لَعَمَّتْ فَائِدَتُهُ وَعَائِدَتُهُ، وَعَظُمَ وَقْعُهُ نَفْعًا وَدَفْعًا، وَلَوْ سَلَكَ الْمَسْلَكَ الثَّانِيَ، لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فِي مُقْتَضَى الِاخْتِيَارِ مِنْ مَدَارِكِ الرَّشَادِ، وَلَا جَارًّا إِضْرَارًا، فَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْأَنْفَعِ، وَإِذَا كَانَ يَتَحَتَّمُ ذَلِكَ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ عَلَى الْإِمَامِ الْمُطَاعِ عَلَى أَقْصَى مَا يُسْتَطَاعُ، فَلِأَنْ يَجِبَ عَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُؤْثِرُوا الْأَكْمَلَ وَالْأَفْضَلَ أَوْلَى، فَإِنَّ مَزِيدَ الْكِفَايَةِ، وَمَزِيَّةَ الْهِدَايَةِ وَالدِّرَايَةِ، لَيْسَ هَيِّنَ الْأَثَرِ، قَرِيبَ الْوَقْعِ، فَلَا ارْتِيَابَ فِي إِيجَابِ تَحْصِيلِ ذَلِكَ لِلْمُسْلِمِينَ، إِذَا سَهُلَ مَدْرَكُهُ، وَلَمْ يَتَوَعَّرْ مَسْلَكُهُ. ٢٤٨ - وَلَكِنْ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَنْعَقِدُ فِي اخْتِيَارِنَا إِلَّا بِعَقْدِ مَنْ يُسْتَعْقَبُ عَقْدُهُ مَنْعَةً وَشَوْكَةً لِلْإِمَامِ الْمَعْقُودِ لَهُ، بِحَيْثُ

стр. 166

لَا يَبْعُدُ مِنَ الْإِمَامِ أَنْ يُصَادِمَ بِهَا مَنْ نَابَذَهُ وَنَاوَاهُ، وَيُقَارِعَ مَنْ خَالَفَهُ وَعَادَاهُ، وَإِذَا فُرِضَ الْعَقْدُ لِلْمَفْضُولِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَفِي الْحُكْمِ بِأَنَّ الْإِمَامَةَ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ لَهُ فِتَنٌ ثَائِرَةٌ، وَهَيَجَانُ نَائِرَةٍ، وَقَدْ يَهْلَكُ فِيهَا أُمَمٌ، وَيُصْرَعُ الْأَبْطَالُ الَّذِينَ هُمْ نَجْدَةُ الْإِسْلَامِ، عَلَى السَّوَاعِدِ وَاللَّمَمِ، وَلَا يَفِي مَا كُنَّا نَتَرَقَّبُهُ مِنْ مَزَايَا الْفَوَائِدِ، بِتَقْدِيمِ الْفَاضِلِ بِمَا نُحَاذِرُهُ الْآنَ مِنْ تَأْخِيرِ الْمَفْضُولِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْمَصْلَحَةَ إِذَا اقْتَضَتْ تَقْدِيمَ الْمَفْضُولِ، قَدَّمْنَاهُ. ٢٤٩ - فَآلَ حَاصِلُ الْكَلَامِ وَمُنْتَهَى الْمَرَامِ، إِلَى أَنَّا نَقْطَعُ بِتَحْرِيمِ تَقْدِيمِ الْمَفْضُولِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ تَقْدِيمِ الْفَاضِلِ، وَلَكِنْ إِذَا اتَّفَقَ تَقْدِيمُ الْمَفْضُولِ وَاخْتِيَارُهُ، مَعَ مَنْعَةٍ تَتَحَصَّلُ مِنْ مُشَايَعَةِ أَشْيَاعٍ، وَمُتَابَعَةِ أَتْبَاعٍ، فَقَدْ نَفَذَتِ الْإِمَامَةُ نُفُوذًا لَا يُدْرَأُ. وَإِنْ جَرَى الْعَقْدُ مِنْ غَيْرِ مَنْعَةٍ فَالْإِمَامَةُ لِلْفَاضِلِ عِنْدِي لَا تَنْعَقِدُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. فَمَا الظَّنُّ بِالْمَفْضُولِ؟ وَهَذَا مُشْكِلٌ عَظِيمٌ بَيَّنْتُهُ، وَسِرٌّ جَسِيمٌ فِي الْإِيَالَةِ أَعْلَنْتُهُ، وَلَا يَحْظَى - وَاللَّهِ - بِهَذَا الْكِتَابِ إِلَّا

стр. 167

مَنْ وَافَقَهُ التَّوْفِيقُ، وَسَاوَقَهُ التَّحْقِيقُ، فَكَمْ فِيهِ مِنْ عُقَدٍ فِي مُشْكِلَاتٍ فَضَضْتُهَا، وَأَبْكَارٍ مِنْ بَدَائِعِ الْمَعَانِي افْتَضَضْتُهَا، فَإِذَا وَضَحَ الْقَوْلُ فِي إِمَامَةِ الْفَاضِلِ وَالْمَفْضُولِ، فَأَنَا وَرَاءُ ذَلِكَ أَقُولُ: ٢٥٠ - قَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّ الْأَفْضَلَ هُوَ الْأَصْلَحُ، فَلَوْ فَرَضْنَا مُسْتَجْمِعًا لِلشَّرَائِطِ بَالِغًا فِي الْوَرَعِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى، وَقَدَّرْنَا آخَرَ أَكْفَأَ مِنْهُ، وَأَهْدَى إِلَى طُرُقِ السِّيَاسَةِ وَالرِّيَاسَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَعِ مِثْلُهُ، فَالْأَكْفَأُ أَوْلَى بِالتَّقَدُّمِ. وَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَفْقَهَ، وَالثَّانِي أَعْرَفَ بِتَجْنِيدِ الْجُنُودِ، وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ وَالْبُنُودِ، وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ وَالْمَقَانِبِ، وَتَرْتِيبِ الْمَرَاتِبِ وَالْمَنَاصِبِ، فَلْيَنْظُرْ ذُو الرَّأْيِ إِلَى حُكْمِ الْوَقْتِ، فَإِنْ كَانَتْ أَكْنَافُ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ إِلَى الِاسْتِقَامَةِ، وَالْمَمَالِكُ مُنْتَفِضَةً عَنْ ذَوِي الْعَرَامَةِ، وَلَكِنْ ثَارَتْ بِدَعٌ وَأَهْوَاءٌ، وَاضْطَرَبَتْ مَذَاهِبُ وَمَطَالِبُ وَآرَاءُ، وَالْحَاجَةُ مَاسَّةٌ إِلَى مَنْ يَسُوسُ الْأُمُورَ الدِّينِيَّةَ أَمَسُّ، فَالْأَعْلَمُ أَوْلَى.

стр. 168

٢٥١ - وَإِنْ تُصُوِّرَتِ الْأُمُورَ عَلَى الضِّدِّ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ، وَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى شَهَامَةٍ وَصَرَامَةٍ، وَبَطَّاشٍ، يَحْمِلُ النَّاسَ عَلَى الطَّاعَةِ وَلَا يُحَاشِ، فَالْأَشْهَمُ أَوْلَى بِأَنْ يُقَدَّمَ. وَالْآنَ كَمَا وَضُحَ الْمَقَالُ، وَزَالَ الْإِشْكَالُ، فَلْنَخْتِمِ الْكَلَامَ، وَلْنَخُضْ فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ.

стр. 169

[الْبَابُ السَّابِعُ فِي مَنْعِ نَصْبِ إِمَامَيْنِ] الْبَابُ السَّابِعُ. فِي مَنْعِ نَصْبِ إِمَامَيْنِ. ٢٥٢ - إِذَا تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ يُطَبِّقُ خِطَّةَ الْإِسْلَامِ نَظَرُهُ، وَيَشْمَلُ الْخَلِيقَةَ عَلَى تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا أَثَرُهُ، تَعَيَّنَ نَصْبُهُ، وَلَمْ يَسُغْ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - نَصْبُ إِمَامَيْنِ. وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَا يُلْفَى فِيهِ خِلَافٌ، وَلَمَّا اسْتَتَبَّتِ الْبَيْعَةُ لِخَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ ثُمَّ اسْتَمَرَّتِ الْخِلَافَةُ إِلَى مُنْقَرَضِ زَمَنِ الْأَئِمَّةِ ﵃ أَجْمَعِينَ - فُهِمَ عَلَى الِاضْطِرَارِ، مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى نَقْلِ أَخْبَارٍ، مِنْ مَذَاهِبِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، أَنَّ مَبْنَى الْإِمَامَةِ عَلَى أَنْ لَا يَتَصَدَّى لَهَا إِلَّا فَرْدٌ، وَلَا يَتَعَرَّضُ لَهَا إِلَّا وَاحِدٌ فِي الدَّهْرِ، وَمَنْ لَمْ يُحِطْ بِدَرْكِ ذَلِكَ مِنْ شِيَمِ الْعَاقِدِينَ وَالَّذِينَ عُقِدَ لَهُمْ، فَهُوَ بَعِيدُ الْفَهْمِ، فَدْمُ الْقَرِيحَةِ، مُسْتَمِيتُ الْفِكْرِ. ٢٥٣ - وَقَدْ تَقَرَّرَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ قَاطِبَةً أَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْإِمَامَةِ

стр. 170

جَمْعُ الْآرَاءِ الْمُشَتَّتَةِ، وَارْتِبَاطُ الْأَهْوَاءِ الْمُتَفَاوِتَةِ، وَلَيْسَ بِالْخَافِي عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ أَنَّ الدُّوَلَ إِنَّمَا تَضْطَرِبُ بِتَحَزُّبِ الْأُمَرَاءِ، وَتَفَرُّقِ الْآرَاءِ، وَتَجَاذُبِ الْأَهْوَاءِ، وَنِظَامُ الْمُلْكِ، وَقِوَامُ الْأَمْرِ بِالْإِذْعَانِ، وَالْإِقْرَارُ لِذِي رَأْيٍ ثَابِتٍ لَا يَسْتَبِدُّ، وَلَا يَنْفَرِدُ، بَلْ يَسْتَضِيءُ بِعُقُولِ الْعُقَلَاءِ، وَيَسْتَبِينُ بِرَأْيِ طَوَائِفِ الْحُكَمَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ، وَيَسْتَثْمِرُ لُبَابَ الْأَلْبَابِ، فَيَحْصُلُ مِنِ انْفِرَادِهِ الْفَائِدَةُ الْعُظْمَى فِي قَطْعِ الِاخْتِلَافِ، وَيَتَحَقَّقُ بِاسْتِضَاءَتِهِ اسْتِثْمَارُ عُقُولِ الْعُقَلَاءِ. ٢٥٤ - فَالْغَرَضُ الْأَظْهَرُ إِذًا مِنَ الْإِمَامَةِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِانْفِرَادِ الْإِمَامِ، وَهَذَا مُغْنٍ بِوُضُوحِهِ عَنِ الْإِطْنَابِ وَالْإِسْهَابِ، مُسْتَنِدٌ إِلَى الْإِطْبَاقِ وَالِاتِّفَاقِ، إِذْ دَاعِيَةُ التَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ وَالشِّقَاقِ رَبْطُ الْأُمُورِ بِنَظَرِ نَاظِرَيْنِ، وَتَعْلِيقُ التَّقَدُّمِ بِأَمِيرَيْنِ، وَإِنَّمَا تَسْتَمِرُّ أَكْنَافُ الْمَمَالِكِ بِرُجُوعِ أُمَرَاءِ الْأَطْرَافِ إِلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ ضَابِطٍ، وَنَظَرٍ مُتَّحِدٍ رَابِطٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَوْئِلٌ عَنْهُ يَصْدُرُونَ، وَمَطْمَحٌ إِلَيْهِ يَتَشَوَّفُونَ، تَنَافَسُوا وَتَتَطَاوَلُوا، وَتَغَالَبُوا وَتَصَاوَلُوا، وَتَوَاثَبُوا عَلَى

стр. 171

ابْتِغَاءِ الِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ، وَتَغَالَبُوا غَيْرَ مُكْتَرِثِينَ بِاسْتِئْصَالِ الْجَمَاهِيرِ وَالدَّهْمَاءِ، فَتَكُونُ الدَّاهِيَةُ الدَّهْيَاءُ، وَهَذَا مَثَارُ الْبَلَايَا، وَمَهْلَكَةُ الْبَرَايَا، وَفِيهِ تَنْطَحِنُ السَّلَاطِينُ وَالرَّعَايَا. ٢٥٥ - فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ نَصْبَ إِمَامَيْنِ مَدْعَاةُ الْفَسَادِ، وَسَبَبُ حَسْمِ الرَّشَادِ، ثُمَّ إِنْ فُرِضَ نَصْبُ إِمَامَيْنِ عَلَى أَنْ يَنْفَذَ أَمْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْخِطَّةِ، جَرَّ ذَلِكَ تَدَافُعًا وَتَنَازُعًا، وَأَثَرُ ضُرِّ نَصْبِهِمَا يُبِرُّ عَلَى تَرْكِ الْأَمْرِ مُهْمَلًا سُدًى. وَإِنْ نُصِبَ إِمَامٌ فِي بَعْضِهَا، وَآخَرُ فِي بَاقِيهَا، مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ نَصْبِ إِمَامٍ نَافِذِ الْأَمْرِ فِي جَمِيعِ الْخِطَّةِ، كَانَ ذَلِكَ بَاطِلًا إِجْمَاعًا، كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، وَفِيهِ إِبْطَالُ فَائِدَةِ الْإِمَامَةِ الْمَنُوطَةِ بِرَأْيٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُ الْآرَاءَ كَمَا سَبَقَ إِيضَاحُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ. ٢٥٦ - وَالَّذِي تَبَايَنَتْ فِيهِ الْمَذَاهِبُ أَنَّ الْحَالَةَ إِذَا كَانَتْ بِحَيْثُ لَا يَنْبَسِطُ رَأْيُ إِمَامٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمَمَالِكِ، وَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ بِأَسْبَابٍ

стр. 172

لَا تَغْمُضُ: مِنْهَا: اتِّسَاعُ الْخِطَّةِ، وَانْسِحَابُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَقْطَارٍ مُتَبَايِنَةٍ، وَجَزَائِرَ فِي لُجُجٍ مُتَقَاذِفَةٍ، وَقَدْ يَقَعُ قِيَامُ قَوْمٍ مِنَ النَّاسِ نُبْذَةً مِنَ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي إِلَيْهِمْ نَظَرُ الْإِمَامِ، وَقَدْ يَتَوَلَّجُ خِطَّةٌ مِنْ دِيَارِ الْكُفْرِ بَيْنَ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ، وَيَنْقَطِعُ بِسَبَبِ ذَلِكَ نَظَرُ الْإِمَامِ عَنِ الَّذِينَ وَرَاءَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. ٢٥٧ - فَإِذَا اتَّفَقَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَقَدْ صَارَ صَائِرُونَ عِنْدَ ذَلِكَ إِلَى تَجْوِيزِ نَصْبِ إِمَامٍ فِي الْقُطْرِ الَّذِي لَا يَبْلُغُهُ أَثَرُ نَظَرِ الْإِمَامِ، وَيُعْزَى هَذَا الْمَذْهَبُ إِلَى شَيْخِنَا أَبِي الْحَسَنِ، وَالْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَقَ الْإِسْفِرَايِينِيِّ ﵁ وَغَيْرِهِمَا، وَابْتَغَى هَؤُلَاءِ مَصْلَحَةَ الْخَلْقِ، وَقَالُوا: إِذَا كَانَ الْغَرَضُ مِنَ الْإِمَامَةِ اسْتِصْلَاحَ الْعَامَّةِ، وَتَمْهِيدَ الْأُمُورِ، وَسَدَّ الثُّغُورِ، فَإِذَا تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ نَافِذِ الْأَمْرِ، فَهُوَ أَصْلَحُ لَا مَحَالَةَ فِي مُقْتَضَى السِّيَاسَةِ وَالْإِيَالَةِ، وَإِنْ عَسُرَ

стр. 173

ذَلِكَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ نَظَرُ الْإِمَامِ مُهْمَلِينَ لَا يَجْمَعُهُمْ وَازِعٌ، وَلَا يَرْدَعُهُمْ رَادِعٌ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَنْصِبُوا فِي نَاحِيَتِهِمْ وَزَرًا يَلُوذُونَ بِهِ، إِذْ لَوْ بَقَوْا سُدًى، لَتَهَافَتُوا عَلَى وَرَطَاتِ الرَّدَى. وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ. ٢٥٨ - وَأَنَا أَقُولُ فِيهِ: مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ تَعَالَى: إِنْ سَبَقَ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِصَالِحٍ لَهَا، وَكُنَّا نَرَاهُ عِنْدَ الْعَقْدِ مُسْتَقِلًّا بِالنَّظَرِ فِي جَمِيعِ الْأَقْطَارِ، ثُمَّ ظَهَرَ مَا يَمْنَعُ مِنِ انْبِثَاثِ نَظَرِهِ، أَوْ طَرَأَ، فَلَا وَجْهَ لِتَرْكِ الَّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ أَمْرُ الْإِمَامِ مُهْمَلِينَ، وَلَكِنَّهُمْ يُنَصِّبُونَ أَمِيرًا يَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ وَيَصْدُرُونَ عَنْ أَمْرِهِ وَيَلْتَزِمُونَ شَرِيعَةَ الْمُصْطَفَى فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْمَنْصُوبُ إِمَامًا، وَلَوْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ، وَاسْتَمَكْنَ الْإِمَامُ مِنَ النَّظَرِ لَهُمْ، أَذْعَنَ الْأَمِيرُ وَالرَّعَايَا لِلْإِمَامِ، وَأَلْقَوْا إِلَيْهِ السَّلَمَ، وَالْإِمَامُ يُمَهِّدُ عُذْرَهُمْ، وَيَسُوسُ أَمْرَهُمْ، فَإِنْ رَأَى تَقْرِيرَ مَنْ نَصَّبُوهُ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى تَغْيِيرَ الْأَمْرِ، فَرَأْيُهُ الْمَتْبُوعُ، وَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ. ٢٥٩ - وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ نَصْبُ إِمَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ تَصْوِيرُهُ، وَلَكِنْ

стр. 174

خَلَا الدَّهْرُ عَنْ إِمَامٍ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ، وَانْفَصَلَ شَطْرٌ مِنَ الْخِطَّةِ عَنْ شَطْرٍ، وَعَزَّ نَصْبُ إِمَامٍ وَاحِدٍ، يَشْمَلُ رَأْيُهُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ، فَنُصِبَ أَمِيرٌ فِي أَحَدِ الشَّطْرَيْنِ لِلضَّرُورَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَنُصِبَ أَمِيرٌ فِي الْقُطْرِ الْآخَرِ مَنْصُوبٌ، وَلَمْ يَقَعِ الْعَقْدُ الْوَاحِدُ عَلَى حُكْمِ الْعُمُومِ، إِذَا كَانَ يَتَأَتَّى ذَلِكَ، فَالْحَقُّ الْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ وَاحِدًا مِنْهُمَا لَيْسَ إِمَامًا، إِذِ الْإِمَامُ هُوَ الْوَاحِدُ الَّذِي بِهِ ارْتِبَاطُ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ. وَلَسْتُ أُنْكِرُ تَجْوِيزَ نَصْبِهِمَا عَلَى حَسَبِ الْحَاجَةِ، وَنُفُوذَ أَمْرِهِمَا عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ، وَلَكِنَّهُ زَمَانٌ خَالٍ عَنِ الْإِمَامِ، وَسَيَأْتِي فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْإِمَامِ أَكْمَلُ شَرْحٍ وَتَفْصِيلٍ، فَهُوَ أَحَدُ غَرَضَيِ الْكِتَابِ اللَّذَيْنِ عَلَيْهِمَا التَّعْوِيلُ. فَإِنِ اتَّفَقَ نَصْبُ إِمَامٍ، فَحَقٌّ عَلَى الْأَمِيرَيْنِ أَنْ يَسْتَسْلِمَا لَهُ

стр. 175

لِيَحْكُمَ عَلَيْهِمَا بِمَا يَرَاهُ صَلَاحًا أَوِ اسْتِصْلَاحًا. وَهَذَا بَيَانُ مَضْمُونِ الْبَابِ، وَإِيضَاحُ سِرِّهِ. ٢٦٠ - ثُمَّ فَرَّعَ الْمُتَكَلِّفُونَ مَسَائِلَ لَا يَكَادُ يَخْفَى مَدْرَكُهَا عَلَى الْمُحَصِّلِ الْمُتَأَمِّلِ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ فِيهِ مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْغَرَضُ، وَيُرْشِدُ إِلَى أَمْثَالِهِ وَأَشْكَالِهِ. فَلَوِ اتَّفَقَ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي قُطْرَيْنِ، وَكَانَا صَالِحَيْنِ لِلْإِمَامَةِ مُسْتَجْمِعَيْنِ لِلصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، وَعُقِدَ لِكُلِّ وَاحِدٍ الْإِمَامَةُ عَلَى حُكْمِ الْعُمُومِ، وَلَمْ يَشْعُرِ الْعَاقِدُونَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ بِمَا جَرَى فِي النَّاحِيَةِ الْأُخْرَى، وَلَكِنْ بَيَّنَ كُلُّ قَوْمٍ مَا أَنْشَأُوهُ مِنْ الِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ عَلَى أَنْ يَتَفَرَّدَ مَنِ اخْتَارُوهُ بِالْإِمَامَةِ. فَإِنِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، فَلَا شَكَّ أَنْ لَا تَثْبُتَ الْإِمَامَةُ لَهُمَا ; لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ، فَإِنَّ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ يَقْتَضِي الِاسْتِقْلَالَ بِالْأَشْغَالِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَمْعُ مُسْتَقِلَّيْنِ بِالزَّعَامَةِ الْكُبْرَى مُحَالٌ. ٢٦١ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ نَصْبِ قَاضِيَيْنِ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى تَقْدِيرِ عُمُومِ وِلَايَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي جَمِيعِ الْبُقْعَةِ، وَالْأَصَحُّ مَنْعُ ذَلِكَ فِي الْقَاضِيَيْنِ، وَذَلِكَ مَظْنُونٌ، مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْإِمَامَ مِنْ وَرَاءِ الْقُضَاةِ وَالْوُلَاةِ، وَالْمُسْتَنَابِينَ فِي الْأَعْمَالِ. فَإِنْ فُرِضَ تَنَازُعٌ، وَتَمَانُعٌ بَيْنَ وَالِيَيْنِ كَانَ وَزَرُ الْمُسْلِمِينَ مَرْجُوعًا إِلَيْهِ فِي الْخُصُومَاتِ الشَّاجِرَةِ

стр. 176

٢٦٢ - وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، وَلَيْسَ بَعْدَهَا تَقْدِيرُ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ وَمَتْبُوعٍ ; فَيَسْتَحِيلُ فَرْضُ إِمَامَيْنِ نَافِذَيِ الْحُكْمِ عُمُومًا. فَإِذَا عُقِدَتِ الْإِمَامَةُ لِرَجُلَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَصْوِيرُهُ، نُظِرَ: فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ مَعًا، لَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَبْتَدِئُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ عَقْدَ الْإِمَامَةِ لِمُسْتَصْلِحٍ لَهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ، فَهُوَ النَّافِذُ، وَالْمُتَأَخِّرُ مَرْدُودٌ. وَإِنْ غَمُضَ التَّارِيخُ، وَعَسُرَ إِثْبَاتُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهَا بِالْبَيِّنَةِ، كَانَ كَمَا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُقُوعَ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ الْبَيْضَةِ عَنْ مَنْصِبِ الْإِمَامِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ مُبْهَمًا، مَعَ تَحْقِيقِ الْيَأْسِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَارِيخِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِيقَاعِ. وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُخْتَارَيْنِ تَقَدُّمًا، وَرَامَ تَحْلِيفَ الثَّانِي لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْخَطْبَ الْعَظِيمَ يَجِلُّ عَنِ الْإِثْبَاتِ بِالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْلِيفِ النَّائِبِ، وَمَقْصُودُ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ، فَهَذَا الْمِقْدَارُ مُقْنِعٌ كَافٍ فِي غَرَضِ الْبَابِ. [الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ] [مقدمات الباب]

стр. 177

الْبَابُ الثَّامِنُ. فِيمَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. مُقَدِّمَاتُ الْبَابِ. ٢٦٣ - لِيَعْلَمَ طَالِبُ الْحَقِّ وَبَاغِي الصِّدْقِ أَنَّ مَطْلُوبَ الشَّرَائِعِ مِنَ الْخَلَائِقِ، عَلَى تَفَنُّنِ الْمِلَلِ وَالطَّرَائِقِ، وَالِاسْتِمْسَاكُ بِالدِّينِ وَالتَّقْوَى، وَالِاعْتِصَامُ بِمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَالتَّشْمِيرُ لِابْتِغَاءِ مَا يُرْضِي اللَّهَ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَالِاكْتِفَاءُ بِبَلَاغٍ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَالنَّدْبُ إِلَى الِانْكِفَافِ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى، وَالِانْحِجَازِ عَنْ مَسَالِكِ الْمُنَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَطَرَ الْجِبِلَّاتِ عَلَى التَّشَوُّفِ وَالشَّهَوَاتِ، وَنَاطَ بَقَاءَ الْمُكَلَّفِينَ بِبُلْغَةٍ وَسَدَادٍ، فَتَعَلَّقَتِ التَّكَالِيفُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى تَمْهِيدِ الْمَطَالِبِ وَالْمَكَاسِبِ، وَتَمْيِيزِ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ، وَتَهْذِيبِ مَسَالِكِ الْأَحْكَامِ عَلَى فِرَقِ الْأَنَامِ، فَجَرَتِ الدُّنْيَا مِنَ الدِّينِ مَجْرَى

стр. 178

الْقِوَامِ، وَالنِّظَامُ مِنَ الذَّرَائِعِ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الشَّرَائِعِ. ٢٦٤ - وَمِنَ الْعِبَارَاتِ الرَّائِقَةِ الْفَائِقَةِ الْمُرْضِيَةِ فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْمَقَاصِدِ الْكُلِّيَّةِ فِي الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّ مَضْمُونَهَا دُعَاءٌ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا، وَحَتْمًا وَإِيجَابًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَمَا يُخَالِفُ الْمَعَالِيَ، تَحْرِيمًا وَحَظْرًا، وَكَرَاهِيَةً تُبَيِّنُ عِيَافَةً وَحَجْرًا، وَإِبَاحَةٌ تُغْنِي عَنِ الْفَوَاحِشِ، كَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ الْمُغْنِي عَنِ السِّفَاحِ، أَوْ تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتُعْضِدُ أَسْبَابَ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ. ٢٦٥ - ثُمَّ لَمَّا جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ الْعَاجِلِ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى الضِّنَّةِ بِالْحَاصِلِ، وَالتَّعَلُّقِ فِي تَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِالْوَصَائِلِ وَالْوَسَائِلِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالْمَهَالِكِ وَالْغَوَائِلِ، وَالتَّهَالُكِ عَلَى جَمْعِ الْحُطَامِ مِنْ غَيْرِ تَمَاسُكٍ وَتَمَالُكٍ ; وَهَذَا يَجُرُّ التَّنَافُسَ وَالِازْدِحَامَ، وَالنِّزَاعَ وَالْخِصَامَ، وَاقْتِحَامَ الْخُطُوبِ الْعِظَامِ، فَاقْتَضَى الشَّرْعُ فَيْصَلًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَإِنْصَافًا وَانْتِصَافًا بَيْنَ طَبَقَاتِ الْأَنَامِ، وَتَعْلِيقَ

стр. 179

الْإِقْدَامِ عَلَى الْقُرْبِ وَالطَّاعَاتِ بِالْفَوْزِ بِالثَّوَابِ، فَيَرْبِطُ اقْتِحَامَ الْآثَامِ بِالْعِقَابِ. ٢٦٦ - ثُمَّ لَمْ يَنْحَجِزْ مُعْظَمُ النَّاسِ عَنِ الْهَوَى بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّهْذِيبِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ السَّلَاطِينَ وَأُولِي الْأَمْرِ وَازِعِينَ، لِيُوَفِّرُوا الْحُقُوقَ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَيُبْلِغُوا الْحُظُوظَ ذَوِيهَا، وَيَكُفُّوا الْمُعْتَدِينَ، وَيُعَضِّدُوا الْمُقْتَصِدِينَ، وَيُشَيِّدُوا مَبَانِيَ الرَّشَادِ، وَيُحْسِمُوا مَعَانِيَ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ، فَتَنْتَظِمُ أُمُورُ الدُّنْيَا، وَيُسْتَمَدُّ مِنْهَا الدِّينُ الَّذِي إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى. ٢٦٧ - وَمَا ابْتَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَتَّى أَيَّدَهُ وَعَضَّدَهُ بِسُلْطَانٍ ذِي عُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ، وَمِنَ الرُّسُلِ ﵈ مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ وَالْأَيْدُ وَالْقُوَّةُ كَدَاوُدَ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمَّا اخْتَتَمَ اللَّهُ الرِّسَالَةَ فِي الْعَالَمِ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَيَّدَهُ بِالْحُجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَالْمَحَجَّةِ الْغَرَّاءِ، وَشَدَّ بِالسَّيْفِ أَزْرَهُ، وَضَمِنَ إِظْهَارَهُ وَنَصْرَهُ، وَجَعَلَهُ إِمَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَلَاذَ الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، ثُمَّ

стр. 180

أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ وَاخْتَتَمَ الْوَحْيَ، فَاسْتَأْثَرَ بِرَسُولِهِ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ، فَخَلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِيَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ دُعَاهُ، وَيُقَرِّرَ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَمَرَاشِدِهَا، وَيَنْتَحِي فِي اسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ انْتِحَاهُ. ٢٦٨ - وَغَرَضُنَا مِنْ تَقْدِيمِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ تَوْطِئَةُ طُرُقِ الْأَفْهَامِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالْإِمَامِ. فَالْقَوْلُ الْكُلِّيُّ: أَنَّ الْغَرَضَ اسْتِيفَاءُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَالْمَقْصِدُ الدِّينُ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا اسْتَمَدَّ اسْتِمْرَارَهُ مِنَ الدُّنْيَا، كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مَرْعِيَّةً، ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَئِمَّةِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ. وَنَحْنُ الْآنَ - بَعْدَ هَذَا التَّرْتِيبِ - نَذْكُرُ نَظَرَ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ ، ثُمَّ نَذْكُرُ نَظَرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَبِنِجَازِ الْقِسْمَيْنِ يَحْصُلُ الْغَرَضُ الْأَقْصَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوَرَى. [نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ] [وَاجِبُ الْإِمَامِ نَحْوَ أَصْلِ الدِّينِ] أ - نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ. فَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الدِّينِ، فَيَنْقَسِمُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي فُرُوعِهِ.
следующие страницы →