Полный текст (522 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
اخْتَلَفُوا ; فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ يَكْفِي حُضُورُ شَاهِدَيْنِ، كَعَقْدِ النِّكَاحِ، وَلَمْ يَكْتَفِ الْقَاضِي بِالشَّاهِدَيْنَ، بَلِ اشْتَرَطَ أَنْ يَشْهَدَ الْأَمْرَ أَقْوَامٌ يَقَعُ بِحُضُورِهِمِ الْإِشَاعَةُ وَالنَّشْرُ وَالْإِذَاعَةُ.
٩٥ - وَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ عِنْدِي إِلَى حَدِّ الْقَطْعِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَصِيرُ إِلَى انْعِقَادِ الْإِمَامَةِ فِي الِاسْتِخْلَاءِ، وَمَا تَعَلَّقَ بِهِ الْقَاضِي ﵀ مِنْ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمْ يُبَايِعْ أَبَا بَكْرٍ ﵁ فِي الْخَلْوَةِ. قُلْنَا: يُمْكِنُ حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهٍ فِي الِاسْتِصْوَابِ ; فَإِنَّهُ لَوْ عُقِدَ سِرًّا فَرُبَّمَا يَتَّفِقُ عَقْدٌ فِي الْعَلَانِيَةِ جَهْرًا، وَعَقْدُ السِّرِّ سَابِقٌ، وَكَانَ الشَّرْعُ يَقْتَضِي تَقْدِيمَ عَقْدِ السِّرِّ.
ثُمَّ رُبَّمَا كَانَ الْأَمْرُ يَنْجَرُّ إِلَى إِنْكَارٍ وَجُحُودٍ، وَنِزَاعٍ فِي مَقْصُودٍ ; وَمَسِّ الْحَاجَةِ إِلَى شُهُودٍ. وَقَدْ نُدِبْنَا إِلَى الْإِشْهَادِ عَلَى الْبُيُوعِ، فَكَانَ تَأْخِيرُ عَقْدِ الْبَيْعَةِ إِلَى الْإِعْلَانِ لِهَذَا الشَّأْنِ.
٩٦ - فَأَمَّا لَوْ فُرِضَ رَجُلٌ عَظِيمُ الْقَدْرِ، رَفِيعُ الْمَنْصِبِ، ثُمَّ صَدَرَتْ
стр. 72
مِنْهُ بَيْعَةٌ لِصَالِحٍ لَهَا سِرًّا، وَتَأَكَّدَتِ الْإِمَامَةُ لِهَذَا السَّبَبِ بِالشَّوْكَةِ الْعُظْمَى، فَلَسْتُ أَرَى إِبْطَالَ الْإِمَامَةِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ قَطْعًا. وَلَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ مَظْنُونَةٌ مُجْتَهَدٌ فِيهَا، وَمُعْظَمُ مَسَائِلِ الْإِمَامَةِ عَرِيَّةٌ عَنْ مَسْلَكِ الْقَطْعِ، خَلِيَّةٌ عَنْ مَدَارِكِ الْيَقِينِ.
انْتَهَى مَبْلَغُ غَرَضِنَا مِنْ صِفَاتِ الْعَاقِدِينَ وَعَدَدِهِمْ.
стр. 73
[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي صِفَاتِ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ] [ أقسام الصِّفَاتُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْأَئِمَّةِ الصفات التي تتعلق بالحواس]
الْبَابُ الرَّابِعُ.
فِي صِفَاتِ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ.
٩٧ - الصِّفَاتُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْأَئِمَّةِ تَنْقَسِمُ أَقْسَامًا. مِنْهَا: * مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوَاسِّ.
* وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَعْضَاءِ.
* وَمَا يَرْتَبِطُ بِالصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ.
* وَمِنْهَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَضَائِلِ الْمُكْتَسَبَةِ.
стр. 74
٩٨ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي الْحَوَاسِّ، وَذِكْرُ مَا فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ بَيْنَ النَّاسِ، فَنَحْنُ نُوَضِّحُ مَا يُزِيلُ دَوَاعِيَ الِالْتِبَاسِ.
فَأَمَّا الْبَصَرُ، فَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهِ ; لِأَنَّ فَقْدَهُ مَانِعُ الِانْتِهَاضِ فِي الْمُلِمَّاتِ وَالْحُقُوقِ، وَيَجُرُّ ذَلِكَ إِلَى الْمُعْضِلَاتِ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ، وَالْأَعْمَى لَيْسَ لَهُ اسْتِقْلَالٌ بِمَا يَخُصُّهُ مِنَ الْأَشْغَالِ، فَكَيْفَ يَتَأَتَّى مِنْهُ تَطَوُّقُ عَظَائِمِ الْأَعْمَالِ؟ ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْأَشْخَاصِ فِي مَقَامِ التَّخَاطُبِ، وَانْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ يُغْنِي عَنِ الْإِطْنَابِ، وَلَكِنَّ مَقْصِدَنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ، التَّعَرُّضُ لِمَعَانِي الْإِيَالَةِ فِي أَدْرَاجِ الْأَبْوَابِ.
٩٩ - وَمِمَّا نَشْتَرِطُ مِنَ الْحَوَاسِّ السَّمْعُ، فَالْأَصَمُّ الْأَصْلَمُ الَّذِي يَعْسُرُ جِدًّا سَمَاعُهُ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْعَظِيمِ ; لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي الْبَصَرِ.
وَلَا يَضُرُّ الْوَقْرُ وَالطَّرَشُ، كَمَا لَا يَضُرُّ كَلَالُ الْبَصَرِ وَالْعَمَشُ.
١٠٠ - وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ نُطْقُ اللِّسَانِ ; فَالْأَخْرَسُ لَا يَصْلُحُ لِهَذَا الشَّأْنِ.
١٠١ - وَأَمَّا حَاسَّةُ الشَّمِّ وَالذَّوْقِ، فَلَا أَثَرَ لَهُمَا فِي الْإِمَامَةِ وُجِدَتَا أَوْ فُقِدَتَا.
стр. 75
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْحَوَاسِّ وَمَا فِي مَعْنَاهَا.
١٠٢ - فَأَمَّا مَا يَرْتَبِطُ بِنُقْصَانِ الْأَعْضَاءِ، فَكُلُّ مَا لَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فِي رَأْيٍ، وَلَا عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ الْإِمَامَةِ، وَلَا يُؤَدِّي إِلَى شَيْنٍ ظَاهِرٍ فِي الْمَنْظَرِ، فَلَا يَضُرُّ فَقْدُهُ، وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا الِاعْتِبَارِ نَصْبُ الْمَجْبُوبِ، وَالْخَصِيِّ، لِمَا سَبَقَ ذِكْرُهُ.
١٠٣ - وَأَمَّا مَا يُؤَثِّرُ عَدَمُهُ فِي الِانْتِهَاضِ إِلَى الْمَآرِبِ وَالْأَغْرَاضِ كَفَقْدِ الرِّجْلَيْنِ وَالْيَدَيْنِ، فَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ الْعُلَمَاءِ تَنْزِيلُ هَذِهِ الْآفَاتِ وَالْعَاهَاتِ مَنْزِلَةَ الْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ، وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَنْعَقِدْ فِيهِ إِجْمَاعُ انْعِقَادِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ، فَلَسْتُ أَرَاهُ مَقْطُوعًا بِهِ ; فَإِنَّ تَعْوِيلَ الْإِمَامَةِ عَلَى الْكِفَايَةِ وَالنَّجْدَةِ، وَالدِّرَايَةِ وَالْأَمَانَةِ، وَالزَّمَانَةِ لَا تُنَافِي الرَّأْيَ، وَتَأْدِيَةَ حُقُوقِ الصِّيَانَةِ، وَإِنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى نَقْلِهِ، فَاحْتِمَالُهُ عَلَى الْمَرَاكِبِ يَسْهُلُ، فَلْيَلْحَقْ هَذَا بِالْفُنُونِ الَّتِي يَجُولُ فِيهَا أَسَالِيبُ الظُّنُونِ.
١٠٤ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي قَطْعِ إِحْدَى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا لَمْ يَنْتَهِ إِلَى الزَّمَانَةِ وَالصَّمَامَةِ وَكَانَ الْمَأْوُوفُ بِحَيْثُ يَسْتَمْسِكُ عَلَى الْمَرَاكِبِ، فَلَا أَثَرَ لِلنَّقْصِ الَّذِي بِهِ مَعَ صِحَّةِ الْعَقْلِ وَالرَّأْيِ.
стр. 76
١٠٥ - فَأَمَّا مَا يَسُوءُ الْمَنْظَرَ كَالْعَوَرِ، وَجَدْعِ الْأَنْفِ، فَالَّذِي أُوثِرُهُ الْقَطْعَ بِأَنَّ هَذَا لَا أَثَرَ لَهُ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْمُسْتَطْرِفِينَ الشَّادِّينَ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ فِي مَنْعِ عَقْدِ الْإِمَامَةِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يُنَفِّرُ الْأَشْيَاعَ وَالْأَتْبَاعَ، وَيَسْحَبُ الرُّعَاعَ عَلَى الْمَطَاعِنِ وَالِاسْتِصْغَارِ، وَأَسْبَابِ الِانْحِلَالِ وَالِانْتِشَارِ.
وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا. وَلَوْ أَثَّرَ الْجَدْعُ وَالْعَوَرُ، لَأَثَّرَتِ الدَّمَامَةُ وَتَشَوُّهُ الْخَلْقِ، وَلَاشْتُرِطَ الْجَمَالُ وَالِاعْتِدَالُ فِي الْخَلْقِ، وَهَذَا غَيْرُ مَشْرُوطٍ بِاتِّفَاقِ الْفِرَقِ. فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنُقْصَانِ الْأَعْضَاءِ.
[الصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ]
١٠٦ - فَأَمَّا الصِّفَاتُ اللَّازِمَةُ، فَمِنْهَا النَّسَبُ ; فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قُرَشِيًّا، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي اشْتِرَاطِ النَّسَبِ غَيْرُ ضِرَارِ بْنِ
стр. 77
عَمْرٍو، وَلَيْسَ مِمَّنْ يُعْتَبَرُ خِلَافُهُ وَوِفَاقُهُ، وَقَدْ نَقَلَ الرُّوَاةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ» " وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَفِيضِ الْمَقْطُوعِ بِثُبُوتِهِ ; مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْأُمَّةَ تَلَقَّتْهُ بِالْقَبُولِ.
١٠٧ - وَهَذَا مَسْلَكٌ لَا أُوثِرُهُ، فَإِنَّ نَقَلَةَ هَذَا الْحَدِيثِ مَعْدُودُونَ، لَا يَبْلُغُونَ مَبْلَغَ عَدَدِ التَّوَاتُرِ.
وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّا لَا نَجِدُ فِي أَنْفُسِنَا ثَلَجَ الصُّدُورِ ; وَالْيَقِينَ الْمَبْتُوتَ بِصَدَرِ هَذَا مِنْ فَلْقٍ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَمَا لَا نَجِدُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ أَخْبَارِ الْآحَادِ، فَإِذًا لَا يَقْتَضِي هَذَا الْحَدِيثُ الْعِلْمَ بِاشْتِرَاطِ النَّسَبِ فِي الْإِمَامَةِ.
١٠٨ - فَالْوَجْهُ فِي إِثْبَاتِ مَا نُحَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمَاضِينَ مَا زَالُوا بَايِحِينَ بِاخْتِصَاصِ هَذَا الْمَنْصِبِ بِقُرَيْشٍ، وَلَمْ يَتَشَوَّفْ قَطُّ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ إِلَى الْإِمَامَةِ، عَلَى تَمَادِي الْآمَادِ، وَتَطَاوُلِ الْأَزْمَانِ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُمْكِنًا، لَطَلَبَهُ ذَوُو النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ، وَتَشَمَّرَ فِي ابْتِغَائِهِ عَنْ سَاقِ الْجَدِّ أَصْحَابُ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَقَدْ بَلَغَ طُلَّابُ الْمُلْكِ فِي انْتِحَاءِ الِاسْتِعْلَاءِ عَلَى الْبِلَادِ، وَالْعِبَادِ أَقْصَى غَايَاتِ
стр. 78
الِاعْتِدَاءِ، وَاقْتَحَمُوا فِي رَوْمِ مَا يُحَاوِلُونَهُ الْمَهَاوِيَ وَالْمَعَاطِبَ وَالْمَسَاوِئَ، وَرَكِبُوا الْأَغْرَارَ وَالْأَخْطَارَ، وَجَانَبُوا الرَّفَاهِيَةَ وَالدَّعَةَ وَالْأَوْطَانَ، فَلَوْ كَانَ إِلَى ادِّعَاءِ الْإِمَامَةِ مَسْلَكٌ، أَوْ لَهُ مَدْرَكٌ، لَزَاوَلَهُ مُحِقُّونَ، أَوْ مُبْطِلُونَ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ، وَلَمَّا اشْرَأَبَّ لِهَذَا الْمَنْصِبِ الْمَارِقُونَ فِي فُسْطَاطِ مِصْرَ، اعْتَزَوْا أَوَّلًا إِلَى شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ عَلَى الِافْتِرَاءِ، وَانْتَمَوُا انْتِمَاءَ الْأَدْعِيَاءِ، وَبَذَلُوا حَرَائِبَ الْأَمْوَالِ لِلْكَاذِبِينَ النَّسَّابِينَ، حَتَّى أَلْحَقُوهُمْ بِصَمِيمِ النَّسَبِ.
فَهَذَا إِذَا مَا تَطَابَقَتْ عَلَيْهِ مَذَاهِبُ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ، وَقَدْ تَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ مُلُوكٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا عَلَى مَرْتَبَةٍ مَرْمُوقَةٍ فِي الْعِلْمِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْعِلْمَ يَدَّعِيهِ كُلُّ شَادٍ مُسْتَطْرِفٍ، فَإِذَا انْضَمَّتْ أُبَّهَةُ الْمُلْكِ إِلَى قَلِيلٍ مِنَ الْعِلْمِ، لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ نِسْبَةَ الْمُلْكِ إِلَى الْعُرُوِّ عَنِ الْعِلْمِ، وَالنَّسَبُ مِمَّا لَا يُمْكِنُ ادِّعَاؤُهُ ; فَلَمْ يَدَّعِ - لِذَلِكَ - الْإِمَامَةَ مَنْ لَيْسَ نَسِيبًا.
فَهَذَا وَجْهُ إِثْبَاتِ شَرْطِ النَّسَبِ.
١٠٩ - وَلَسْنَا نَعْقِلُ احْتِيَاجَ الْإِمَامَةِ فِي وَضْعِهَا إِلَى النَّسَبِ. وَلَكِنْ خَصَّصَ اللَّهُ هَذَا الْمَنْصِبَ الْعَلِيَّ، وَالْمَرْقَبَ السَّنِيَّ بِأَهْلِ بَيْتِ
стр. 79
النَّبِيِّ ; فَكَانَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ.
١١٠ - وَمِنَ الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ الْمُعْتَبَرَةِ: الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ، وَنَحِيزَةُ الْعَقْلِ، وَالْبُلُوغُ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى الْإِطْنَابِ فِي نَصْبِ الدَّلَالَاتِ عَلَى إِثْبَاتِ هَذِهِ الصِّفَاتِ.
стр. 80
١١١ - وَمِمَّا يَلْتَحِقُ بِهَذَا الْقِسْمِ: الشَّجَاعَةُ وَالشَّهَامَةُ، وَهِيَ خُطَّةٌ عَلِيَّةٌ، وَلَا يَصْلُحُ لِإِيَالَةِ طَبَقَاتِ الْخَلَائِقِ، وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ وَالْمَقَانِبِ، وَعُلْيَاتِ الْمَنَاصِبِ جَبَانٌ خَوَّارٌ.
وَهَذِهِ الصِّفَةُ يَبْعُدُ اكْتِسَابُهَا بِالْإِيثَارِ وَالِاخْتِيَارِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ يُفِيدُ كَثْرَةُ مُصَادَمَةِ الْخُطُوبِ، وَمُمَارَسَةِ الْحُرُوبِ مَزِيدَ إِلْفٍ، وَمِزْيَةَ إِقْدَامٍ، إِذَا صَادَفَتْ جَسُورًا مِقْدَامًا، وَمَنْ فُطِرَ عَلَى الْجُبْنِ وَاسْتِشْعَارِ الْحَذَرِ لَا يَزْدَادُ عَلَى طُولِ الْمِرَاسِ إِلَّا فَرْطَ الْخَوَرِ، ثُمَّ الشَّهَامَةُ مَرْعِيَّةٌ مَعَ كَمَالِ الْعَقْلِ، وَلَا يَصْلُحُ مُقْتَحِمٌ هَجَّامٌ لِهَذَا الشَّأْنِ. وَهَذَا الْمَنْصِبُ إِلَى الرَّأْيِ أَحْوَجُ مِنْهُ إِلَى ثَبَاتِ الْجَنَانِ.
стр. 81
وَالرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي.
هَذَا مُنْتَهَى الْغَرَضِ فِي الصِّفَاتِ اللَّازِمَةِ.
[الصِّفَاتُ الْمُكْتَسَبَةُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْإِمَامَةِ]
١١٢ - فَأَمَّا الصِّفَاتُ الْمُكْتَسَبَةُ الْمَرْعِيَّةُ فِي الْإِمَامَةِ: فَالْعِلْمُ، وَالْوَرَعُ، وَسَنُلْحِقُ بِهِمَا بَعْدَ تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِيهِمَا صِفَةً ثَالِثَةً.
١١٣ - فَأَمَّا الْعِلْمُ، فَالشَّرْطُ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ مُجْتَهِدًا بَالِغًا مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، مُسْتَجْمِعًا صِفَاتَ الْمُفْتِينَ، وَلَمْ يُؤْثَرْ فِي اشْتِرَاطِ ذَلِكَ خِلَافٌ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ أُمُورَ مُعْظَمِ الدِّينِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ. فَأَمَّا مَا يَخْتَصُّ بِالْوُلَاةِ وَذَوِي الْأَمْرِ، فَلَا شَكَّ فِي ارْتِبَاطِهِ بِالْإِمَامِ، وَأَمَّا مَا عَدَاهُ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَقَدْ يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ جِهَةِ انْتِدَابِهِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَوْ لَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ مُسْتَقِلًّا بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، لَاحْتَاجَ إِلَى مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ فِي تَفَاصِيلِ الْوَقَائِعِ وَذَلِكَ يُشَتِّتُ رَأْيَهُ، وَيُخْرِجُهُ عَنْ رُتْبَةِ الِاسْتِقْلَالِ.
стр. 82
وَلَوْ قِيلَ: إِنَّهُ يُرَاجِعُ الْمُفْتِي مُرَاجَعَةَ آحَادِ النَّاسِ الْمُفْتِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ مُحَالًا ; فَإِنَّ الْوَقَائِعَ الَّتِي تُرْفَعُ إِلَى الْإِمَامِ فِي الْخُطُوبِ الْجِسَامِ، وَالْأُمُورِ الْعِظَامِ لَا تَتَنَاهَى كَثْرَةً ; إِذْ هُوَ شَرَفُ الْعَالَمِينَ، وَمَطْمَحُ أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ لَا يَجِدُ عِنْدَ رَفْعِ وَاقِعَةٍ إِلَيْهِ أَعْلَمَ عُلَمَاءِ الْقُطْرِ وَالنَّاحِيَةِ، فَيَتَرَدَّدُ، وَيَتَبَلَّدُ، وَيَبْطُلُ أَثَرُهُ فِي مَنْصِبِ الِاسْتِقْلَالِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَسَاغَ أَنْ لَا يَكُونَ الْإِمَامُ ذَا كِفَايَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ بِنَفْسِهِ. ثُمَّ يُرَاجِعُ الْكُفَاةَ، وَيَسْتَشِيرُ ذَوِي الْأَحْلَامِ وَالدُّهَاةَ.
وَهَذَا لَا قَائِلَ بِهِ، فَإِذَا كَانَتِ الْإِمَامَةُ زَعَامَةَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَوَجَبَ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ فِي تَدْبِيرِ الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ اسْتِقْلَالُهُ بِنَفْسِهِ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ، فَإِنَّ أُمُورَ الدُّنْيَا عَلَى مَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ تَجْرِي فَهِيَ الْمُتَّبَعُ وَالْإِمَامُ فِي جَمِيعِ مَجَارِي الْأَحْكَامِ، وَالرَّأْيُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَلَى مُقْتَضَى الشَّرْعِ ; فَإِنَّ الَّذِي لَا يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ.
стр. 83
فَالْكِفَايَةُ الْمَرْعِيَّةُ مَعْنَاهَا الِاسْتِقْلَالُ بِتَأْدِيَةِ الْأَصْوَبِ شَرْعًا فِي الْأُمُورِ الْمَنُوطَةِ بِالْإِمَامِ.
١١٤ - فَإِنْ قِيلَ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ، وَأَلَمَّتْ بِهِ مُلِمَّةٌ، اشْتَوَرُوا، وَلَمْ يَأْنَفُوا مِنَ الْمُرَاجَعَةِ وَالْمَرَادَّةِ، فَأَشْعَرَ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِمْ بِأَنَّ اسْتِقْلَالَ الْإِمَامِ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْإِمَامَةِ.
قُلْنَا: الْحَبْرُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، وَالْإِمَامُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ، وَمَنْ هُوَ الْبَحْرُ الَّذِي لَا يُنْزَفُ لَا يَبْعُدُ مِنْهُ أَنْ يَسْتَشِيرَ فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ، وَيَسْتَمِدَّ مِنْ نَتَائِجِ الْقَرَائِحِ، وَيَبْحَثَ فِي مُحَادَثَةِ أَطْرَافِ الْكَلَامِ عَنْ مَآخِذَ الْأَحْكَامِ، كَيْفَ وَقَدْ نَدَبَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﵇ إِلَى الِاسْتِشَارَةِ فَقَالَ: " ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ " وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ بُلُوغِ الْمَرْتَبَةِ الْعُلْيَا فِي الْعُلُومِ، وَبَيْنَ التَّنَاظُرِ وَالتَّشَاوُرِ فِي الْمُعْضِلَاتِ.
١١٥ - وَنَحْنُ نَرَى لِلْإِمَامِ الْمُسْتَجْمِعِ خِلَالَ الْكَمَالِ، الْبَالِغِ مَبْلَغَ الِاسْتِقْلَالِ أَنْ لَا يَغْفَلَ الِاسْتِضَاءَةَ فِي الْإِيَالَةِ وَأَحْكَامِ
стр. 84
الشَّرْعِ بِعُقُولِ الرِّجَالِ، فَإِنَّ صَاحِبَ الِاسْتِبْدَادِ لَا يَأْمَنُ الْحَيْدَ عَنْ سَنَنِ السَّدَادِ، وَمَنْ وُفِّقَ لِلِاسْتِمْدَادِ مِنْ عُلُومِ الْعُلَمَاءِ، كَانَ حَرِيًّا بِالِاسْتِدَادِ، وَلُزُومِ طَرِيقِ الِاقْتِصَادِ.
١١٦ - وَسِرُّ الْإِمَامَةِ اسْتِتْبَاعُ الْآرَاءِ، وَجَمْعُهَا عَلَى رَأْيٍ صَائِبٍ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ اسْتِقْلَالُ الْإِمَامِ، ثُمَّ هُوَ مَحْثُوثٌ عَلَى اسْتِفَادَةِ مَزَايَا الْقَرَائِحِ، وَتَلَقِّي الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ مِنْهَا ; فَإِنَّ فِي كُلِّ عَقْلٍ مِيزَةً، وَلَكِنَّ اخْتِلَافَ الْآرَاءِ مَفْسَدَةٌ لِإِمْضَاءِ الْأُمُورِ، فَإِذَا بَحَثَ عَنِ الْآرَاءِ إِمَامٌ مُجْتَهِدٌ، وَعَرَضَهَا عَلَى عِلْمِهِ الْغَزِيرِ، وَنَقَدَهَا بِالسَّبْرِ وَالْفِكْرِ الْأَصْوَبِ مِنْ وُجُوهِ الرَّأْيِ، كَانَ جَالِبًا إِلَى الْمُسْلِمِينَ ثَمَرَاتِ الْعُقُولِ، وَدَافِعًا عَنْهُمْ غَائِلَةَ التَّبَايُنِ وَالِاخْتِلَافِ، فَكَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ يَتَّحِدُونَ بِنَظَرِ الْإِمَامِ، وَحُسْنِ تَدْبِيرِهِ، وَفَحْصِهِ وَتَنْقِيرِهِ، وَلَا بُدَّ عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ كَوْنِ الْإِمَامِ مَتْبُوعًا
стр. 85
غَيْرَ تَابِعٍ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا فِي دِينِ اللَّهِ، لَلَزِمَهُ تَقْلِيدُ الْعُلَمَاءِ وَاتِّبَاعُهُمْ، وَارْتِقَابُ أَمْرِهِمْ، وَنَهْيِهِمْ، وَإِثْبَاتِهِمْ، وَنَفْيِهِمْ وَهَذَا يُنَاقِضُ مَنْصِبَ الْإِمَامَةِ، وَمَرْتَبَةَ الزَّعَامَةِ.
فَهَذَا قَوْلُنَا فِي الْعِلْمِ.
١١٧ - فَأَمَّا التَّقْوَى وَالْوَرَعُ، فَلَا بُدَّ مِنْهُمَا ; إِذْ لَا يُوثَقُ بِفَاسِقٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى فَلَسٍ، فَكَيْفَ يُوَلَّى أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ كَافَّةً، وَالْأَبُ الْفَاسِقُ مَعَ فَرْطِ حَدَبِهِ وَإِشْفَاقِهِ عَلَى وَلَدِهِ لَا يُعْتَمَدُ فِي مَالِ وَلَدِهِ، فَكَيْفَ يُؤْتَمَنُ فِي الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى فَاسِقٌ لَا يَتَّقِي اللَّهَ؟ وَمَنْ لَمْ يُقَاوِمْ عَقْلُهُ هَوَاهُ وَنَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ، وَلَمْ يَنْتَهِضْ رَأْيُهُ بِسِيَاسَةِ نَفْسِهِ فَأَنَّى يَصْلُحُ لِسِيَاسَةِ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ.
стр. 86
١١٩ - فَأَمَّا الصِّفَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي ضَمِنَّا ضَمَّهَا إِلَى الْفَضَائِلِ الْمُكْتَسَبَةِ، فَهِيَ ضَمُّ تَوَقُّدِ الرَّأْيِ فِي عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَالنَّظَرِ فِي مَغَبَّاتِ الْعَوَاقِبِ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ يُنْتِجُهَا نَحِيزَةُ الْعَقْلِ، وَيُهَذِّبُهَا التَّدْرِيبُ فِي طُرُقِ التَّجَارِبِ.
١١٩ - وَالْغَرَضُ الْأَعْظَمُ مِنَ الْإِمَامَةِ جَمْعُ شَتَاتِ الرَّأْيِ، وَاسْتِتْبَاعُ رَجُلٍ أَصْنَافَ الْخَلْقِ عَلَى تَفَاوُتِ إِرَادَتِهِمْ، وَاخْتِلَافِ أَخْلَاقِهِمْ وَمَآرِبِهِمْ وَحَالَاتِهِمْ، فَإِنَّ مُعْظَمَ الْخَبَالِ وَالِاخْتِلَالِ يَتَطَرَّقُ إِلَى الْأَحْوَالِ مِنِ اضْطِرَابِ الْآرَاءِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنِ النَّاسُ مَجْمُوعِينَ عَلَى رَأْيٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَنْتَظِمْ تَدْبِيرٌ، وَلَمْ يَسْتَتِبَّ مِنْ إِيَالَةِ الْمُلْكِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَاصْطُلِمَتِ الْحَوْزَةُ، وَاسْتُؤْصِلَتِ الْبَيْضَةُ، وَلْيَعْتَبِرِ الْعَاقِلُ ذَلِكَ بِمَلِكٍ مُطَاعٍ بَيْنَ أَتْبَاعٍ، مَحْفُوفٍ بِجُنُودٍ، وَخَفْقِ بُنُودٍ وَأَشْيَاعٍ، إِذَا اخْتُطِفَ الْمَلِكُ بَغْتَةً، وَفَاجَأَتْهُ الْمَنِيَّةُ فَلْتَةً. فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ تَنْفَضُّ الْجُمُوعُ، وَيَصِيرُونَ عِبْرَةَ أَسْمَاعٍ وَأَبْصَارٍ، فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي خِطَّةِ الْإِسْلَامِ
стр. 87
مَتْبُوعٌ يَأْوِي إِلَيْهِ الْمُخْتَلِفُونَ، وَيَنْزِلُ عَلَى حُكْمِهِ الْمُتَنَازِعُونَ، وَيُذْعِنُ لِأَمْرِهِ الْمُتَدَافِعُونَ، إِذَا أَعْضَلَتِ الْحُكُومَاتُ، وَنَشَبَتِ الْخُصُومَاتُ، وَتَبَدَّدَتِ الْإِرَادَاتُ، لَارْتَبَكَ النَّاسُ فِي أَفْظَعِ الْأَمْرِ، وَلَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ.
١٢٠ - وَإِذَا تَبَيَّنَ الْغَرَضُ مِنْ نَصْبِ الْإِمَامِ، لَاحَ أَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذِي كِفَايَةٍ وَدِرَايَةٍ، وَهِدَايَةٍ إِلَى الْأُمُورِ وَاسْتِقْلَالٍ بِالْمُهِمَّاتِ، وَجَرِّ الْجُيُوشِ، لَا يَزَعُهُ خَوَرُ الطَّبِيعَةِ عَنْ ضَرْبِ الرِّقَابِ أَوَانَ الِاسْتِحْقَاقِ، وَلَا تَحْمِلُهُ الْفَظَاظَةُ عَلَى تَرْكِ الرِّقَّةِ وَالْإِشْفَاقِ. ثُمَّ لَا يَكْفِي أَنْ يُسَمَّى كَافِيًا، فَرُبَّ مُسْتَقِلٍّ بِأَمْرٍ قَرِيبٍ لَا يَسْتَقِلُّ بِأَمْرٍ فَوْقَهُ، فَلْتُعْتَبَرْ مَقَاصِدُ الْإِمَامَةِ، وَلْيُشْتَرَطِ اسْتِقْلَالُ الْإِمَامِ بِهَا. فَهَذَا مَعْنَى النَّجْدَةِ وَالْكِفَايَةِ.
١٢١ - فَتَنَحَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ أَنَّ الصَّالِحَ لِلْإِمَامَةِ هُوَ الرَّجُلُ الْحُرُّ، الْقُرَشِيُّ، الْمُجْتَهِدُ، الْوَرِعُ، ذُو النَّجْدَةِ وَالْكِفَايَةِ.
стр. 88
١٢٢ - وَيُمْكِنُ رَدُّ هَذِهِ الصِّفَاتِ إِلَى شَيْئَيْنِ ; فَيُقَالُ: الْمَرْعِيُّ الِاسْتِقْلَالُ وَالنَّسَبُ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ الِاسْتِقْلَالِ الْكِفَايَةُ، وَالْعِلْمُ، وَالْوَرَعُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالذُّكُورَةُ تَدْخُلُ أَيْضًا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِأَنْ تَلْزَمَ خِدْرَهَا، وَمُعْظَمُ أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ تَسْتَدْعِي الظُّهُورَ وَالْبُرُوزَ، فَلَا تَسْتَقِلُّ الْمَرْأَةُ إِذًا.
فَهَذَا مُنْتَهَى مَا أَرَدْنَا فِي ذَلِكَ.
[فَصْلٌ اشتراط طوائف من الإمامية عصمة الإمام]
فَصْلٌ.
١٢٣ - ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنَ الْإِمَامِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا، وَمَنْصِبُ الْإِمَامَةِ يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ كَالنُّبُوَّةِ.
١٢٤ - وَالْقَوْلُ فِي الْعِصْمَةِ وَتَقْسِيمِهَا وَتَفْصِيلِهَا وَتَحْصِيلِهَا يَطُولُ، وَلَوْ ذَهَبْنَا نِصْفَ مَعْنَاهَا، لَمَلَأْنَا فِي مَغْزَاهَا أَوْرَاقًا، وَالْإِمَامَةُ كَثِيرَةُ التَّفَنُّنِ عَظِيمَةُ التَّشَعُّبِ: فَتَارَةً يَرْتَبِطُ الْكَلَامُ فِيهَا بِقَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، وَطَوْرًا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْأَخْبَارِ فِي انْقِسَامِهَا، وَتَارَةً يُنَاطُ بِالشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا. فَلَوِ الْتَزَمَ الْخَائِضُ فِي الْإِمَامَةِ تَقْرِيرَ كُلِّ مَا يَجْرِي فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ، لَطَالَ الْمَدَى، وَلَغَمُضَ مَقْصُودُ الْكِتَابِ.
стр. 89
١٢٥ - وَالْمِقْدَارُ الْمُتَعَلِّقُ بِمَقْصِدِنَا الْآنَ أَنَّ الْإِمَامَ لَا تَجِبُ عِصْمَتُهُ عَنِ الزَّلَلِ وَالْخَطَلِ. ثُمَّ سَيَأْتِي بَابٌ مَعْقُودٌ فِي الْإِمَامِ إِذَا فَارَقَ دِينًا، وَاحْتَقَبَ وَزِرًا.
١٢٦ - وَالْقَوْلُ الْمُقْنِعُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامِيَّةَ لَمْ يَرَوْا لِلْإِمَامَةِ مُسْتَنَدًا، غَيْرَ نَصِّ الرَّسُولِ ﷺ وَزَعَمُوا أَنَّ الْإِثْنَيْ عَشَرَ إِمَامًا نَصَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَصَّ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، وَعُمْرُ الدُّنْيَا يَنْقَرِضُ بِانْقِرَاضِهِمْ، وَآخِرُهُمُ الْمَهْدِيُّ، يَقْتَدِي بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ﵇ فِي تُرَّهَاتٍ وَخُرَافَاتٍ، يَنْبُو عَنْ قَبُولِهَا قَلْبُ كُلِّ عَاقِلٍ. ثُمَّ زَعَمُوا أَنَّ الرَّسُولَ لَا يَنُصُّ إِلَّا عَلَى مَعْصُومٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
١٢٧ - وَنَحْنُ قَدْ أَبْطَلْنَا بِالْقَوَاطِعِ الْمَصِيرَ إِلَى ادِّعَاءِ النُّصُوصِ وَحَصَرْنَا مَأْخَذَ الْإِمَامَةِ فِي الِاخْتِيَارِ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَفِيهِ بُطْلَانُ اشْتِرَاطِ الْعِصْمَةِ ; فَإِنَّ الَّذِينَ يَخْتَارُونَ إِمَامًا لَا يَطَّلِعُونَ عَلَى سَرِيرَتِهِ فِي الْحَالِ، فَكَيْفَ يَضْمَنُونَ عِصْمَتَهُ فِي الِاسْتِقْبَالِ عَنِ
стр. 90
الذُّنُوبِ؟ وَلَا مُطَّلِعَ عَلَى الْعُيُوبِ. وَهَذَا فِيهِ مَقْنَعٌ بَالِغٌ.
١٢٨ - عَلَى أَنَّا بِاضْطِرَارٍ مِنْ عُقُولِنَا نَعْلَمُ أَنَّ عَلِيًّا وَابْنَيْهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ وَأَوْلَادَهُمْ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - مَا كَانُوا يَدَّعُونَ لِأَنْفُسِهِمُ الْعِصْمَةَ وَالتَّنَقِّي مِنَ الذُّنُوبِ ; بَلْ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِهَا سِرًّا وَعَلَنًا، وَيَتَضَرَّعُونَ إِلَى اللَّهِ مُسْتَغْفِرِينَ خَاضِعِينَ، خَانِعِينَ، فَإِنْ صَدَقُوا، فَهُوَ الْمُبْتَغَى، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَالْكَذِبُ خَطِيئَةٌ مِنَ الْخَطَايَا يَجِبُ الِاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ مِنْهَا.
١٢٩ - فَمَنْ أَبْدَى مِرَاءً فِي اعْتِرَافِهِمْ بِالذُّنُوبِ، فَقَدْ جَاحَدَ ضَرُورَاتِ الْعُقُولِ، وَمَنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، وَاعْتَقَدَ عِصْمَتَهُمْ، فَقَدْ نَسَبَهُمْ إِلَى الْخُلْفِ عَمْدًا، وَالْكَذِبِ قَصْدًا، وَهَذَا إِثْبَاتُ ذَنْبٍ فِي مَسَاقِ ادِّعَاءِ التَّبَرِّي مِنَ الذُّنُوبِ.
١٣٠ - فَإِنْ قَالُوا: كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَسْتَغْفِرُونَ أَيْضًا مَعَ وُجُوبِ الْعِصْمَةِ لَهُمْ. قُلْنَا: مَذْهَبُنَا الَّذِي نَدِينُ بِهِ، لَا تَجِبُ عِصْمَةُ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ، وَآيُ الْقُرْآنِ فِي أَقَاصِيصِ النَّبِيِّينَ
стр. 91
مَشْحُونَةٌ بِالتَّنْصِيصِ عَلَى هَنَاتٍ كَانَتْ مِنْهُمْ، اسْتَوْعَبُوا أَعْمَارَهُمْ فِي الِاسْتِغْفَارِ مِنْهَا.
١٣١ - وَالْإِمَامِيَّةُ أَوْجَبُوا عِصْمَةَ الْأَئِمَّةِ عَنِ الصَّغَائِرِ وَالْكَبَائِرِ، فَإِنْ قَالُوا: الْإِمَامُ شَوْفُ الْخَلْقِ، وَمِنْهُ تَلَقِّي الْجُزْئِيِّ وَالْكُلِّيِّ فِي دِينِ اللَّهِ، وَبِهِ ارْتِبَاطُ عُرَى الْإِسْلَامِ، فَلَوْ كَانَ عُرْضَةً لِلزَّلَلِ، لَبَطَلَ غَرَضُ الْإِمَامَةِ، وَلَمَا حَصَلَتِ الثِّقَةُ بِهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، وَلَمْ تُؤْمَنْ عَثَرَاتُهُ فِي الدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ، وَسَدِّ الثُّغُورِ، وَالْقِيَامِ بِعَظَائِمَ الْأُمُورِ، وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ فِيهِمْ، لَمَا وَجَبَتِ الْعِصْمَةُ لِلْمُرْسَلِينَ وَالنَّبِيِّينَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
١٣٢ - قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُمُوهُ بَاطِلٌ مِنْ وُجُوهٍ، مِنْهَا: أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ تَعَاطِي مُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ، وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنِ اسْتِخْلَافِ الْوُلَاةِ، وَنَصْبِ الْقُضَاةِ، وَجُبَاةِ الْأَخْرِجَةِ وَالصَّدَقَاتِ، وَغَيْرِهَا مِنْ أَمْوَالِ اللَّهِ، وَالَّذِي يَتَوَلَّى الْإِمَامُ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ بِنَفْسِهِ الْأَقَلَّ، ثُمَّ لَا تَجِبُ عِصْمَةُ وُلَاةِ
стр. 92
الْأَمْرِ حَيْثُ كَانُوا فِي أَطْرَافِ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ. وَفِيهِ بُطْلَانِ مَا ذَكَرُوهُ فَمَا تُغْنِي عِصْمَتُهُ، وَلَا يُشْتَرَطُ عِصْمَةُ مُسْتَخْلِفِيهِ.
١٣٣ - وَقَدْ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنْ غُلَاةِ الْإِمَامِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْعِصْمَةِ لِكُلِّ مَنْ يَتَعَلَّقُ طَرْفٌ مِنْ مَصَالِحِ الْإِمَامَةِ بِهِ، حَتَّى طَرَدُوا ذَلِكَ فِي سَاسَةِ الدَّوَابِّ، وَالْمُسْتَخْدَمِينِ فِي الْمُسْتَحْقَرَاتِ وَالْعَبِيدِ.
١٣٤ - وَمَنِ انْتَهَى تَجَرُّؤُهُ إِلَى هَذَا، فَقَدْ كَشَفَ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ عَنْ وَجْهِهِ، وَتَعَلَّقَ بِمَا هُوَ حَرِيٌّ بِأَنْ يُعَدَّ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالْهُزْءِ، وَالتَّلَاعُبِ بِالدِّينِ، ثُمَّ يَلْزَمُ مِنْهُ عِصْمَةُ رُوَاةِ الْأَخْبَارِ حَتَّى لَا يُفْرَضَ مِنْهُمْ زَلَلٌ، وَعِصْمَةُ الشُّهُودِ الْمُقِيمِينَ لِلشَّهَادَاتِ فِي الْحُكُومَاتِ. وَعِصْمَةُ الْمُفْتِينَ الَّذِينَ إِلَيْهِمْ رُجُوعُ الْعَامِلِينَ فِي الْمُشْكِلَاتِ وَحَلِّ الْمُعْوِصَاتِ.
١٣٥ - ثُمَّ مِنْ عَجِيبِ الْأَمْرِ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: التَّقِيَّةُ دِينُنَا وَدِينُ آبَائِنَا، وَيُوجِبُونَ عَلَى الْأَئِمَّةِ أَنْ يَبُوحُوا بِالْكَذِبِ الصَّرَاحِ،
стр. 93
وَيُبْدُوا خِلَافَ مَا يَعْتَقِدُونَ، وَإِذَا كَانُوا كَذَلِكَ، فَلَيْتَ شِعْرِي فَكَيْفَ يَعْتَمِدُونَ فِي أَقْوَالِهِمْ، مَعَ تَجْوِيزِ أَنَّهُمْ يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُونَ، وَغَايَتُهُمْ فِي اشْتِرَاطِ الْعِصْمَةِ اتِّبَاعُ الْأَئِمَّةِ فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُونَ، فَإِذَا سَقَطَتِ الثِّقَةُ بِأَقْوَالِهِمْ كَيْفَ تَجِبُ الْعِصْمَةُ فِي أَفْعَالِهِمْ؟ وَلَئِنْ جَازَ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ تَقِيَّةً، فَلْيَجُزِ الزَّلَلُ فِي الْعَمَلِ لِمِثْلِ ذَلِكَ.
وَأَقْدَارُ هَؤُلَاءِ تَقِلُّ عَنْ الِازْدِيَادِ عَلَى هَذَا الْمَبْلَغِ فِي قَبَائِحِهِمْ، وَبَثِّ فَضَائِحِهِمْ.
١٣٦ - وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ، فَإِنَّمَا تَجِبُ عِصْمَتُهُمْ لِدَلَالَاتِ الْمُعْجِزَاتِ عَلَى صِدْقِ لَهْجَتِهِمْ، وَلَوْ لَمْ يَتَمَيَّزْ مُدَّعِي النُّبُوَّةِ بِآيَةٍ بَاهِرَةٍ، وَحُجَّةٍ قَاهِرَةٍ عَنِ الْمُمَخْرِقِينَ الْكَذَّابِينَ، لَمَا اسْتَقَرَّ عَقْدٌ فِي نُبُوَّةٍ، فَمُسْتَنَدُ النُّبُوَّاتِ الْمُعْجِزَاتُ إِذًا.
١٣٧ - وَأَمَّا الْأَئِمَّةُ، فَقَدْ صَحَّ مِنْ دِينِ النَّبِيِّ إِمَامَتُهُمْ مَعَ مَا يَتَعَرَّضُونَ لَهُ مِنْ إِمْكَانِ الْهَفَوَاتِ، فَإِنَّا أَثْبَتْنَا صِحَّةَ الِاخْتِيَارِ،
стр. 94
وَيَسْتَحِيلُ مَعَهُ عِلْمُ الْمُخْتَارِينَ فِي مُطَّرَدِ الْعَادَاتِ بِأَحْوَالِ الْمَنْصُوبِينَ لِلزَّعَامَةِ، فَاسْتِنَادُ الْإِمَامَةِ إِلَى النُّبُوَّةِ، وَمُسْتَنَدُ النُّبُوَّةِ الْمُعْجِزَةُ، فَلَمَّا تَعَلَّقْ مُسْتَنَدُ التَّبْلِيغِ بِالنَّبِيِّ، لَمْ يَكُنْ لِتَمَيُّزِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ بُدٌّ مِنْ آيَةٍ. وَالْأَئِمَّةُ يُبَيِّنُونَ أَوْ يُفْتُونَ أَوْ يَتَّبِعُونَ فُرُوعًا فِي شَرَائِعِ الرُّسُلِ، فَإِذَا دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى انْتِصَابِهِمْ مَعَ التَّعَرُّضِ لِلزَّلَلِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْعُقُولِ مَا يَأْبَى ذَلِكَ، وَيُحِيلُهُ تَلَقَّيْنَاهُ بِالْقَبُولِ، وَنَزَّلْنَاهُ مَنْزِلَةَ الشُّهُودِ وَالْمُفْتِينَ وَسَائِرِ وُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ، وَحُمَاةِ الدِّينِ.
وَهَذَا الْمَبْلَغُ كَافٍ فِي مُكَالَمَةِ هَؤُلَاءِ، فَهُمْ أَذَلُّ قَدْرًا مِنْ أَنْ يُنْتَهَى الْكَلَامُ مَعَهُمْ إِلَى حُدُودِ الْإِطْنَابِ. وَهَذَا نِجَازُ الْبَابِ.
стр. 95
[الْبَابُ الْخَامِسُ فِيمَا يَتَضَمَّنُ خَلْعَ الْأَئِمَّةِ وَانْخِلَاعَهُمْ] [ الأمور المؤثرة في الخلع والانخلاع]
الْبَابُ الْخَامِسُ.
فِيمَا يَتَضَمَّنُ خَلْعَ الْأَئِمَّةِ وَانْخِلَاعَهُمْ.
١٣٨ - فَنَقُولُ: مَا يَجِبُ بِنَاءُ أَسَاسِ الْبَابِ عَلَيْهِ أَنَّ الْكَلَامَ الْمُتَقَدِّمَ اشْتَمَلَ عَلَى ذِكْرِ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الْأَئِمَّةِ. فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ اسْتِدَادُ النَّظَرِ ابْتِدَارًا قَبْلَ الِافْتِكَارِ وَإِنْعَامِ الِاعْتِبَارِ أَنَّ كُلَّ مَا يُنَاقِضُ صِفَةً مَرْعِيَّةً فِي الْإِمَامَةِ وَيَتَضَمَّنُ انْتِفَاءَهَا، فَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي الْخَلْعِ وَالِانْخِلَاعِ، وَهَذَا لَا مَحَالَةَ مُعْتَبَرُ الْبَابِ.
وَلَكِنَّ وُضُوحَ الْغَرَضِ يَسْتَدْعِي تَفْصِيلًا، فَنَقُولُ:
١٣٩ - الْإِسْلَامُ هُوَ الْأَصْلُ وَالْعِصَامُ، فَلَوْ فُرِضَ انْسِلَالُ الْإِمَامِ عَنِ الدِّينِ، لَمْ يَخْفَ انْخِلَاعُهُ، وَارْتِفَاعُ مَنْصِبِهِ وَانْقِطَاعُهُ،
стр. 96
فَلَوْ جَدَّدَ إِسْلَامًا لَمْ يَعُدْ إِمَامًا إِلَّا أَنْ يُجَدَّدَ اخْتِيَارُهُ.
١٤٠ - وَلَوْ جُنَّ جُنُونًا مُطْبِقًا انْخَلَعَ، وَكَذَلِكَ لَوْ ظَهَرَ فِي عَقْلِهِ خَبَلٌ، وَعَتَهٌ فِي رَأْيِهِ، وَاضْطَرَبَ نَظَرُهُ اضْطِرَابًا لَا يَخْفَى دَرْكُهُ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْوُقُوفِ عَلَيْهِ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ، وَعَسُرَ بِهَذَا السَّبَبِ اسْتِقْلَالُهُ بِالْأُمُورِ، وَسَقَطَتْ نَجْدَتُهُ وَكِفَايَتُهُ، فَإِنَّهُ يَنْعَزِلُ كَمَا يَنْعَزِلُ الْمَجْنُونُ، فَإِنَّ مَقْصُودَ الْإِمَامَةِ الْقِيَامُ بِالْمُهِمَّاتِ وَالنُّهُوضُ بِحِفْظِ الْحَوْزَةِ، وَضَمُّ النَّشْرِ، وَحِفْظُ الْبِلَادِ الدَّانِيَةِ وَالنَّائِيَةِ بِالْعَيْنِ الْكَالِئَةِ، فَإِذَا تَحَقَّقَ عُسْرُ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الِاتِّسَامُ بِنَبَزِ الْإِمَامِ مَعْنًى.
١٤١ - وَالَّذِي غَمُضَ عَلَى الْعُلَمَاءِ مَدْرَكُهُ، وَاعْتَاصَ عَلَى الْمُحَقِّقِينَ مَسْلَكُهُ طَرَيَانُ مَا يُوجِبُ التَّفْسِيقَ عَلَى الْإِمَامِ، فَلْيُنْعِمْ طَالِبُ التَّحْصِيلِ فِي ذَلِكَ نَظَرَهُ، وَلْيُعَظِّمْ فِي نَفْسِهِ خَطَرَهُ، وَلْيَجْمَعْ لَهُ فِكْرَهُ ; فَإِنَّهُ
стр. 97
مِنْ مَعَاصَاتِ الْكَلَامِ فِي الْكِتَابِ. وَالْمُسْتَعَانُ رَبُّ الْأَرْبَابِ.
١٤٢ - قَدْ ذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِسْقَ إِذَا تَحَقَّقَ طَرَيَانُهُ ; أَوْجَبَ انْخِلَاعَ الْإِمَامِ كَالْجُنُونِ. وَهَؤُلَاءِ يَعْتَبِرُونَ الدَّوَامَ بِالِابْتِدَاءِ، وَيَقُولُونَ: اقْتِرَانُ الْفِسْقِ إِذَا تَحَقَّقَ يَمْنَعُ عَقْدَ الْإِمَامَةِ. فَطَرَيَانُهُ يُوجِبُ انْقِطَاعَهَا ; إِذِ السَّبَبُ الْمَانِعُ مِنَ الْعَقْدِ عَدَمُ الثِّقَةِ بِهِ وَامْتِنَاعُ ائْتِمَانِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِفْضَاءُ تَقْلِيدِهِ إِلَى نَقِيضِ مَا يُطْلَبُ مِنْ نَصْبِ الْأَئِمَّةِ. وَهَذَا الْمَعْنَى يَتَحَقَّقُ فِي الدَّوَامِ تَحَقُّقَهُ فِي الِابْتِدَاءِ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَقْرِيرُهُ ; بَلْ يَجِبُ عِنْدَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِانْخِلَاعِهِ خَلْعُهُ، وَإِذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ، فَرَبْطُ الْأَمْرِ بِإِنْشَاءِ خَلْعِهِ لَا مَعْنًى لَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ.
١٤٣ - وَذَهَبَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الْفِسْقَ بِنَفْسِهِ لَا
стр. 98
يَتَضَمَّنُ الِانْخِلَاعَ، وَلَكِنْ يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ إِذَا تَحَقَّقَ خَلْعُهُ.
١٤٤ - وَنَحْنُ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ نُوَضِّحُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ، فَنَقُولُ: الْمَصِيرُ إِلَى أَنَّ الْفِسْقَ يَتَضَمَّنُ الِانْعِزَالَ وَالِانْخِلَاعَ بَعِيدٌ عَنِ التَّحْصِيلِ ; فَإِنَّ التَّعَرُّضَ لِمَا يَتَضَمَّنُ الْفِسْقَ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَجِبُ عِصْمَتُهُ ظَاهِرُ الْكَوْنِ سِرًّا وَعَلَنًا، عَامُّ الْوُقُوعِ، وَإِنَّمَا التَّقْوَى وَمُجَانَبَةُ الْهَوَى وَمُخَالَفَةُ مَسَالِكِ الْمُنَى، وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ، وَالِانْزِجَارُ عَنِ الْمَنَاهِي وَالْمَزَاجِرِ، وَالِارْعِوَاءُ عَنِ الْوَطَرِ الْمَنْقُودِ، وَانْتِحَاءُ الثَّوَابِ الْمَوْعُودِ، هُوَ الْبَدِيعُ.
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ لَا يَسْتَدُّ عَلَى التَّقْوَى إِلَّا مُؤَيَّدٌ بِالتَّوْفِيقِ، وَالْجِبِلَّاتُ دَاعِيَةٌ إِلَى اتِّبَاعِ اللَّذَّاتِ، وَالطِّبَاعُ مُسْتَحِثَّةٌ عَلَى الشَّهَوَاتِ. وَالتَّكَالِيفُ مُتَضَمَّنُهَا كَلَفٌ وَعَنَاءٌ. وَوَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ، وَهَوَاجِسُ نَفْسِ الْإِنْسَانِ مُتَظَافِرَةٌ عَلَى حُبِّ الْعَاجِلِ، وَاسْتِنْجَازِ الْحَاصِلِ، وَالْجِبِلَّةُ بِالسُّوءِ أَمَّارَةٌ، وَالْمَرْءُ عَلَى أُرْجُوحَةِ الْهَوَى تَارَةً وَتَارَةً، وَالدُّنْيَا مُسْتَأْثَرَةٌ، وَبَابُ الثَّوَابِ مُحْتَجَبٌ، فَطُوبَى لِمَنْ سَلِمَ، وَلَا مَنَاصَ، وَلَا خَلَاصَ إِلَّا لِمَنْ عُصِمَ، وَالزَّلَّاتُ تَجْرِي مَعَ الْأَنْفَاسِ، وَالْقَلْبُ
стр. 99
مَطْرَقُ الْوِسْوَاسِ، فَمَنِ الَّذِي يَنْجُو فِي بَيَاضِ نَهَارٍ مِنْ زَلَّتِهِ، وَلَا يَتَخَلَّصُ مِنْ حَقِّ الْمَخَافَةِ إِلَّا يَتَغَمَّدُهُ اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ.
١٤٥ - وَمِنْ شُغْلِ الْإِمَامِ عَقْدُ الْأَلْوِيَةِ، وَالْبُنُودِ، وَجَرُّ الْجُنُودِ، وَلَا يَتَرَتَّبُ فِي دِيوَانِ الْمُقَاتِلَةِ إِلَّا أُولُو النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ، وَأَصْحَابُ النُّفُوسِ الْأَبِيَّةِ، ذَوِي الشِّرَاسِ وَالشَّمَاسِ، فَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ السَّلَامَةُ مِنْ مَعَرَّةِ الْجُنْدِ، وَكَيْفَ الِاسْتِقَامَةُ عَلَى شَرْطِ التَّقْوَى فِي الْحَلِّ وَالْعَقْدِ؟ .
١٤٦ - وَمِنْ شَأْنِهِ أَيْضًا تَفْرِيقُ الْأَمْوَالِ بَعْدَ الِاسْتِدَادِ فِي الْجِبَايَةِ وَالْجَلْبِ، عَلَى أَهْلِ الشَّرْقِ وَالْغَرْبِ، وَلَا يَخْفَى عَلَى مُنْصِفٍ أَنَّ اشْتِرَاطَ دَوَامِ التَّقْوَى يَجُرُّ قُصَارَاهُ عُسْرَ الْقِيَامِ بِالْإِيَالَةِ الْعُظْمَى، ثُمَّ لَوْ كَانَ الْفِسْقُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ يُوجِبُ انْخِلَاعَ الْإِمَامِ أَوْ يَخْلَعُهُ لَكَانَ الْكَلَامُ يَتَطَرَّقُ إِلَى جَمِيعِ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ عَلَى تَفَنُّنِ أَطْوَارِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَلَمَا خَلَا زَمَنٌ عَنْ خَوْضِ خَائِضِينَ فِي فِسْقِهِ الْمُقْتَضِي خَلْعَهُ، وَلَتَحَزَّبَ النَّاسُ أَبَدًا فِي مُطَّرِدِ الْأَوْقَاتِ عَلَى افْتِرَاقٍ
стр. 100
وَشَتَاتٍ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَلَمَا اسْتَتَبَّتْ صَفْوَةُ الطَّاعَةِ لِلْإِمَامِ فِي سَاعَةٍ.
١٤٧ - وَإِذَا لَمْ تَكُنِ الْإِيَالَةُ الضَّابِطَةُ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِلْزَامِ وَالْإِبْرَامِ، كَانَ ضَيْرُهَا مُبِرًّا عَلَى خَيْرِهَا.
فَخَرَجَ مِنْ مَحْصُولِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْقَائِمَ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْصُومًا، وَكَانَ لَا يَأْمَنُ اقْتِحَامَ الْآثَامِ، وَمَنْ لَا يَأْمَنِ اقْتِحَامَ الْآثَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِخَاصَّتِهِ، فَبَعُدَ أَنْ يَسْلَمَ عَنِ احْتِقَابِ الْأَوْزَارِ فِي حُقُوقِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا إِيفَاءً وَاسْتِيفَاءً، وَمَنْعًا وَاسْتِوَاءً، وَرَدْعًا وَدُعَاءً، وَقَبُولًا وَرَدًّا، وَفَتْحًا وَسَدًّا، فَلَا يَبْقَى لِذِي بَصِيرَةٍ إِشْكَالٌ فِي اسْتِحَالَةِ اسْتِمْرَارِ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ، مَعَ الْمَصِيرِ إِلَى أَنَّ الْفِسْقَ يُوجِبُ انْخِلَاعَ الْإِمَامِ، أَوْ يُسَلِّطُ خَلْعَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ.
وَالَّذِي يَجِبُ الْقَطْعُ بِهِ أَنَّ الْفِسْقَ الصَّادِرَ عَنِ الْإِمَامِ لَا يَقْطَعُ
стр. 101
نَظَرَهُ، وَمِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتُوبَ وَيَسْتَرْجِعَ وَيَئُوبَ. وَقَدْ قَرَّرْنَا بِكُلِّ عِبْرَةٍ أَنَّ فِي الذَّهَابِ إِلَى خَلْعِهِ أَوِ انْخِلَاعِهِ بِكُلِّ عَثْرَةٍ رَفْضَ الْإِمَامَةِ وَنَقْضَهَا، وَاسْتِئْصَالَ فَائِدَتِهَا وَرَفْعَ عَائِدَتِهَا، وَإِسْقَاطَ الثِّقَةِ بِهَا، وَاسْتِحْثَاثَ النَّاسِ عَلَى سَلِّ الْأَيْدِي عَنْ رِبْقَةِ الطَّاعَةِ.
١٤٨ - وَلَا خِلَافَ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ عَرَضٌ، أَوْ عَرَاهُ مَرَضٌ، وَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الرَّأْيُ بِهِ، وَلَكِنَّهُ كَانَ مَرْقُوبَ الزَّوَالِ لَمْ نَقْضِ بِانْخِلَاعِهِ، وَمَنْ شَبَّبَ فِي ذَلِكَ بِخِلَافٍ، كَانَ مُنْسَلًّا عَنْ وِفَاقِ الْمُسْلِمِينَ انْسِلَالَ الشَّعْرَةِ مِنَ الْعَجِينِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ مَعَ أَنَّ الْمَرَضَ قَاطِعٌ نَظَرَهُ فِي الْحَالِ، فَمَا يَطْرَأُ مِنْ زَلَّةٍ وَهِيَ لَا تَقْطَعُ نَظَرَهُ عَلَى أَنَّهَا مَرْقُوبَةُ الزَّوَالِ، أَوْلَى بِأَنْ لَا يَتَضَمَّنَ انْخِلَاعَهُ، وَالْأَخْبَارُ الْمُسْتَحِثَّةُ عَلَى اتِّبَاعِ الْأُمَرَاءِ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِفَاضَةِ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُ أَلْفَاظِهَا مَنْقُولَةً أَفْرَادًا؛ مِنْهَا قَوْلُهُ ﷺ : " «هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُونَ لِي أُمَرَائِي؛ لَكُمْ صَفْوُ أَمْرِهِمْ
стр. 102
وَعَلَيْهِمْ كَدَرُهُ» "؟ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَلْفَاظِ. فَلْيَطْلُبِ الْحَدِيثَ طَالِبُهُ مِنْ أَهْلِهِ.
١٤٩ - وَإِنَّمَا غَرَضِي مِنْ وَضْعِ هَذَا الْكِتَابِ، وَتَبْوِيبِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ، تَحْقِيقُ الْإِيَالَاتِ الْكُلِّيَّةِ، وَذِكْرُ مَا لَهَا مِنْ مُوجِبٍ وَقَضِيَّةٍ، وَهَذِهِ مَسَالِكُ لَا أُبَارِي فِي حَقَائِقِهَا وَلَا أُجَارِي فِي مَضَايِقِهَا.
١٥٠ - فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ مَنَعْتُمْ عَقْدَ الْإِمَامَةِ لِفَاسِقٍ؟ .
قُلْنَا: أَهْلُ الْعَقْدِ عَلَى تَخَيُّرِهِمْ فِي افْتِتَاحِ الْعَهْدِ، وَمِنْ سُوءِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يُعَيَّنَ لِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ، وَالْخَطْبِ الْجَسِيمِ فَاسِقٌ، وَهُمْ مَأْمُورُونَ بِالنَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ أَقْصَى الْإِمْكَانِ، وَأَمَّا الذَّهَابُ إِلَى الِانْخِلَاعِ بَعْدَ الِاسْتِمْرَارِ وَالِاسْتِتْبَابِ مَعَ التَّعَرُّضِ لِلزَّلَّاتِ، فَمُفْسِدٌ لِقَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ، وَلَا خَفَاءَ بِذَلِكَ عِنْدَ ذَوِي الدِّرَايَةِ.
[إِذَا تَوَاصَلَ مِن الإمام الْعِصْيَانُ وَفَشَا مِنْهُ الْعُدْوَانُ]
١٥١ - وَهَذَا كُلُّهُ - حَرَسَ اللَّهُ مَوْلَانَا - فِي نَوَادِرِ الْفُسُوقِ
стр. 103
فَأَمَّا إِذَا تَوَاصَلَ مِنْهُ الْعِصْيَانُ، وَفَشَا مِنْهُ الْعُدْوَانُ، وَظَهَرَ الْفَسَادُ، وَزَالَ السَّدَادُ، وَتَعَطَّلَتِ الْحُقُوقُ وَالْحُدُودُ، وَارْتَفَعَتِ الصِّيَانَةُ، وَوَضَحَتِ الْخِيَانَةُ، وَاسْتَجْرَأَ الظَّلَمَةُ، وَلَمْ يَجِدِ الْمَظْلُومُ مُنْتَصِفًا مِمَّنْ ظَلَمَهُ، وَتَدَاعَى الْخَلَلُ وَالْخَطَلُ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَتَعْطِيلِ الثُّغُورِ، فَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِدْرَاكِ هَذَا الْأَمْرِ الْمُتَفَاقِمِ عَلَى مَا سَنُقَرِّرُ الْقَوْلَ فِيهِ عَلَى الْفَاهِمِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَةَ إِنَّمَا تُعْنَى لِنَقِيضِ هَذِهِ الْحَالَةِ.
١٥٢ - فَإِذَا أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى خِلَافِ مَا تَقْتَضِيهِ الزَّعَامَةُ وَالْإِيَالَةُ، فَيَجِبُ اسْتِدْرَاكُهُ لَا مَحَالَةَ، وَتَرْكُ النَّاسِ سُدًى، مُلْتَطِمِينَ لَا جَامِعَ لَهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ أَجْدَى عَلَيْهِمْ مِنْ تَقْرِيرِهِمْ عَلَى اتِّبَاعِ مَنْ هُوَ عَوْنُ الظَّالِمِينَ، وَمَلَاذُ الْغَاشِمِينَ، وَمَوْئِلُ الْهَاجِمِينَ، وَمُعْتَصَمُ الْمَارِقِينَ النَّاجِمِينَ، وَإِذَا دُفِعَ الْخَلْقُ إِلَى ذَلِكَ، فَقَدِ اعْتَاصَتِ الْمَسَالِكُ، وَأَعْضَلَتِ الْمَدَارِكُ، فَلْيَتَّئِدِ النَّاظِرُ هُنَالِكَ، وَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا اسْتَمَرَّ عَلَى الْخَبَالِ، وَالْخَبْطِ وَالِاخْتِلَالِ، كَانَ ذَلِكَ لِصِفَةٍ
стр. 104
فِي الْمُتَصَدِّي لِلْإِمْرَةِ، وَتِيكَ هِيَ الَّتِي جَرَّتْ مِنْهُ هَذِهِ الْفَتْرَةَ، وَلَا يَرْتَضِي هَذِهِ الْحَالَةَ مَنْ نَفْسُهُ ذُو حَصَافَةٍ فِي الْعَقْلِ، وَدَوَامُ التَّهَافُتِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ مُشْعِرٌ بِرَكَاكَةِ الدِّينِ فِي الْأَصْلِ، أَوْ بِاضْطِرَابِ الْجِبِلَّةِ، وَهُوَ خَبَلٌ، فَإِنْ أَمْكَنَ اسْتِدْرَاكُ ذَلِكَ، فَالْبِدَارَ الْبِدَارَ قَبْلَ أَنْ تَزُولَ الْأُمُورُ عَنْ مَرَاتِبِهَا وَتَمِيلَ مِنْ مَنَاصِبِهَا، وَتَمِيدَ خِطَّةُ الْإِسْلَامِ بِمَنَاكِبِهَا، وَهَا أَنَا - بِعَوْنِ اللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ وَجَلَّتْ عَظَمَتُهُ - لَا آلُو فِي وَجْهِ ذَلِكَ جُهْدًا، وَلَا أُغَادِرُ مُضْطَرَبًا وَقَصْدًا.
وَعَلَى الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يَقْبَلَ فِي هَذِهِ الْإِطَالَةِ عُذْرِي وَيُحْسِنَ أَمْرِي، فَقَدِ انْجَرَّ الْكَلَامُ إِلَى غَائِلَةٍ، وَمَعَاصَةٍ هَائِلَةٍ، لَا يُدْرِكُهَا أُولُو الْآرَاءِ الْفَائِلَةِ، وَالْوَجْهُ عِنْدِي قَبْضُ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَقْصُودِ وَالْمَرَامِ، وَبَسْطُهُ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي التَّمَامِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْإِمَامِ، وَفِيهَا الِاتِّسَاقُ وَالِانْتِظَامُ.
[حكم مدافعة الإمام الفاسق]
١٥٣ - فَأَقُولُ: إِنْ عَسُرَ الْقَبْضُ عَلَى يَدِهِ الْمُمْتَدَّةِ لِاسْتِظْهَارِهِ
стр. 105
بِالشَّوْكَةِ الْعَتِيدَةِ، وَالْعُدَدِ الْمُعَدَّةِ، فَقَدْ شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، وَدُفِعَ إِلَى مُصَابَرَةِ الْمِحَنِ طَبَقَاتُ الْخَلْقِ، وَوَقَعَ الْكَلَامُ فِي أَحَدِ مَقْصُودَيِ الْكِتَابِ ; إِذْ هَذَا الْمَجْمُوعُ مَطْلُوبُهُ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: بَيَانُ أَحْكَامِ اللَّهِ عِنْدَ خُلُوِّ الزَّمَنِ عَنِ الْأَئِمَّةِ.
وَالثَّانِي: إِيضَاحُ مُتَعَلَّقِ الْعِبَادِ عِنْدَ عُرُوِّ الْبِلَادِ عَنِ الْمُفْتِينَ الْمُسْتَجْمِعِينَ لِشَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ.
وَمَا عَدَا هَذَيْنِ الْمَقْصُودَيْنِ فِي حُكْمِ الْمُقَدِّمَاتِ.
١٥٤ - وَإِنَّمَا اضْطُرِرْتُ إِلَى كَشْفِ أَحْكَامِ الْوُلَاةِ إِذَا وُجِدُوا ; لِأَتَوَصَّلَ إِلَى بَيَانِ غَرَضِي إِذَا فُقِدُوا ; فَنُوجِزُ هَذَا الْفَصْلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ إِلَى وُصُولِنَا إِلَى مَقْصِدِ الْكِتَابِ، فَأَمَّا إِذَا تَمَكَّنَّا مِنْ كِفَايَةِ هَذَا الْمُهِمِّ، وَدَفْعِ هَذَا الْمُلِمِّ، فَلْنُشَمِّرْ فِيهِ عَنْ سَاقِ الْجِدِّ، وَلْنَسْعَ فِيهِ بِأَقْصَى الْجُهْدِ، وَلَيْسَ الْخَوْضُ فِي ذَلِكَ
стр. 106
بِالْهَيِّنِ اللَّيِّنِ، فَلَا يَثُورَنَّ عَلَى الْأُمَرَاءِ مِنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ دَيِّنٌ.
١٥٥ - فَأَقُولُ: إِنْ تَيَسَّرَ نَصْبُ إِمَامٍ مُسْتَجْمِعٍ لِلْخِصَالِ الْمَرْضِيَّةِ، وَالْخِلَالِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي رِعَايَةِ الرَّعِيَّةِ، تَعَيَّنَ الْبِدَارُ إِلَى اخْتِيَارِهِ، فَإِذَا انْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ، وَاتَّسَقَتْ لَهُ الطَّاعَةُ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ، فَهُوَ إِذْ ذَاكَ يَدْرَأُ مَنْ كَانَ، وَقَدْ بَانَ الْآنَ أَنَّ تَقْدِيمَ دَرْئِهِ فِي مُهِمَّاتِ أُمُورِهِ، فَإِنْ أَذْعَنَ، فَذَاكَ، وَإِنْ تَأَبَّى عَامَلَهُ مُعَامَلَةَ الطُّغَاةِ، وَقَابَلَهُ مُقَابَلَةَ الْبُغَاةِ.
١٥٦ - وَلَا مَطْمَعَ لِلْخَوْضِ فِي هَذَا، فَإِنَّ أَحْكَامَ الْبُغَاةِ يَحْوِيهَا كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، فَلْتُطْلَبْ مِنْ مَوْضِعِهَا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى نَصْبُ إِمَامٍ دُونَ اقْتِحَامِ دَاهِيَةٍ وَإِرَاقَةِ دِمَاءٍ، وَمُصَادَمَةِ أَحْوَالٍ جَمَّةِ الْأَهْوَالِ، وَإِهْلَاكِ أَنْفُسٍ وَنَزْفِ أَمْوَالٍ، فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَاسَ مَا النَّاسُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ مُبْتَلُونَ بِهِ بِمَا
стр. 107
يُفْرَضُ وُقُوعُهُ فِي مُحَاوَلَةِ دَفْعِهِ، فَإِنْ كَانَ الْوَاقِعُ النَّاجِزُ أَكْثَرَ مِمَّا يُقَدَّرُ وُقُوعُهُ فِي رَوْمِ الدَّفْعِ، فَيَجِبُ احْتِمَالُ الْمُتَوَقَّعِ لَهُ لِدَفْعِ الْبَلَاءِ النَّاجِزِ.
١٥٧ - وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَقَبُ الْمُتَطَلَّعُ يَزِيدُ فِي ظَاهِرِ الظُّنُونِ إِلَى مَا الْخَلْقُ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ، فَلَا يُسَوَّغُ التَّشَاغُلُ بِالدَّفْعِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى الْأَمْرِ الْوَاقِعِ، وَقَدْ يُقَدِّمُ الْإِمَامُ مُهِمًّا، وَيُؤَخِّرُ آخَرَ. وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ وَلِيُّ الْكِفَايَةِ.
١٥٨ - وَهَذَا يُعَضِّدُهُ أَمْرٌ لَا يَسْتَرِيبُ فِيهِ لَبِيبٌ، وَهُوَ أَنَّ طَوَائِفَ مِنْ قُطَّاعِ الطُّرُقِ إِذْا كَانُوا يَرْصُدُونَ الرِّفَاقَ، وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، فَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُلْحِقَ الطَّلَبَ الْحَثِيثَ بِهِمْ، فَلَوْ بَلَغَهُ اخْتِلَالٌ فِي بَعْضِ الثُّغُورِ، وَوَطِئَ الْكُفَّارُ قُطْرًا مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ، وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ الْفَتْقَ لَا يَلْتَئِمُ إِلَّا بِصَرْفِ جَمِيعِ جُنُودِ الْإِسْلَامِ إِلَى تِلْكَ الْجِهَةِ، فَإِنَّهُ يَبْدَأُ بِذَلِكَ، وَيَتَرَبَّصُ بِالْقُطَّاعِ الدَّوَائِرَ.
стр. 108
١٥٩ - وَالرُّكْنُ الْأَعْظَمُ فِي الْإِيَالَةِ الْبِدَايَةُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَتَرَتَّبُ مُنَابَذَةُ الْكُفَّارِ، وَمُقَاتَلَتُهُمْ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى " ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ .
وَعَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ يَنْبَنِي مُهَادَنَةُ الْكُفَّارِ عَشْرَ سِنِينَ، إِذَا اسْتَشْعَرَ الْإِمَامُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا.
١٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: مَبْنَى هَذَا الْكَلَامِ عَلَى طَلَبِ مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَارْتِيَادِ الْأَنْفَعِ لَهُمْ، وَاعْتِمَادِ خَيْرِ الشَّرَّيْنِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِهِمَا جَمِيعًا، وَسِيرَةُ عَلِيٍّ ﵁ فِي مُعَاوِيَةَ وَمُتَّبِعِيهِ تُخَالِفُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمَزِيَّةَ الَّتِي كَانَتْ تَفُوتُ أَهْلَ مِصْرَ وَالشَّامِ مِنِ انْقِطَاعِ نَظَرِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٍّ عَنْهُمْ لَا يُقَابِلُهَا قَتْلُ مِائَةِ أَلْفٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
فَلَوْ كَانَ الْمَرْعِيُّ فِي ذَلِكَ الْمُوَازَنَةَ بَيْنَ رُتَبِ الْمَصَالِحِ، لَكَانَ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَنْحَجِزَ عَلِيٌّ عَنْ بَعْضِ جِدِّهِ، وَيَكُفَّ مِنْ غَرْبِهِ وَحَدِّهِ.
فَإِذَا كَانَ ﵁ جَادًّا مُسْتَهِينًا بِكَثْرَةِ الْقَتْلَى وَالصَّرْعَى،
стр. 109
غَيْرَ مُحْتَفِلٍ بِأَنْ يَقْتُلَ أَضْعَافَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَقِينًا وَقَطْعًا، فَكَأَنَّهُ ﵁ كَانَ يَرَى بِنَاءَ الْأَمْرِ عَلَى الشَّهَامَةِ وَالصَّرَامَةِ، وَتَنَكُّبِ الِاسْتِكَانَةِ، وَاجْتِنَابِ الْمُدَارَاةِ وَالْمُدَاجَاةِ، وَكَانَ لَا يَلِينُ وَلَا يَسْتَكِينُ ; وَلَا تَغُضُّ الدَّوَاهِي إِذَا سِيمَ مُخَالَفَةَ الْحَقِّ مِنْ شِمَاسِهِ، وَلَا يَنْحَطُّ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى الْحَقِّ، وَالسَّيْفُ مَسْلُولٌ عَلَى رَأْسِهِ، وَكَانَ شَوْفُهُ دُعَاءَ الْخَلْقِ إِلَى اللَّقَمِ الْوَاضِحِ وَالسَّبِيلِ اللَّائِحِ، كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «إِنْ وَلَّيْتُمُوهَا عَلِيًّا فَلَيَحْمِلَنَّكُمْ عَلَى الْمَحَجَّةِ الْغَرَّاءِ وَلَوْ وُضِعَ عَلَى رَقَبَتِهِ السَّيْفُ» "، وَلَا يَبْعُدُ مَسْلَكُهُ عَنْ مَدْرَكِ الْحَقِّ، فَإِنَّ هَذَا مُؤَيَّدُ الْمِلَّةِ بِنَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى.
١٦١ - قُلْنَا قَدْ صَارَ أَوَّلًا طَوَائِفُ مِنْ جِلَّةِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَى التَّخَلُّفِ عَنِ الْقِتَالِ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ ﵁ -
стр. 110
وَإِيثَارِ السُّكُونِ، لِرُكُونٍ إِلَى السَّلَامَةِ، وَالتَّبَاعُدِ عَنْ مُلْتَطَمِ الْغَوَائِلِ، مِنْهُمْ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ، وَكَانَا مِنَ الْعَشَرَةِ الْمُبَشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وَمِمَّنْ تَخَلَّفَ أَوَّلًا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ، وَتَبِعَ هَؤُلَاءِ أُمَمٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَشْتَدَّ نَكِيرُ عَلِيٍّ ﵁ عَلَيْهِمْ. أَمَّا سَعْدٌ لَمَّا نَدَبَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى الْقِتَالِ قَالَ: " لَا أَخْرُجُ
следующие страницы →