Полный текст (522 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
٢٦٢ - وَأَمَّا الْإِمَامَةُ فَهِيَ الْغَايَةُ الْقُصْوَى، وَلَيْسَ بَعْدَهَا تَقْدِيرُ مَرْجُوعٍ إِلَيْهِ وَمَتْبُوعٍ ; فَيَسْتَحِيلُ فَرْضُ إِمَامَيْنِ نَافِذَيِ الْحُكْمِ عُمُومًا.
فَإِذَا عُقِدَتِ الْإِمَامَةُ لِرَجُلَيْنِ كَمَا سَبَقَ تَصْوِيرُهُ، نُظِرَ: فَإِنْ وَقَعَ الْعَقْدَانِ مَعًا، لَمْ يَصِحَّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، وَيَبْتَدِئُ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ عَقْدَ الْإِمَامَةِ لِمُسْتَصْلِحٍ لَهَا، وَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ، فَهُوَ النَّافِذُ، وَالْمُتَأَخِّرُ مَرْدُودٌ. وَإِنْ غَمُضَ التَّارِيخُ، وَعَسُرَ إِثْبَاتُ الْمُتَقَدِّمِ مِنْهَا بِالْبَيِّنَةِ، كَانَ كَمَا لَوْ تَحَقَّقْنَا وُقُوعَ الْعَقْدَيْنِ مَعًا، إِذْ لَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ الْبَيْضَةِ عَنْ مَنْصِبِ الْإِمَامِ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الْأَمْرِ مُبْهَمًا، مَعَ تَحْقِيقِ الْيَأْسِ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى تَارِيخِ الْإِنْشَاءِ وَالْإِيقَاعِ. وَلَوِ ادَّعَى أَحَدُ الْمُخْتَارَيْنِ تَقَدُّمًا، وَرَامَ تَحْلِيفَ الثَّانِي لَمْ يُجَبْ إِلَيْهِ، فَإِنَّ هَذَا الْخَطْبَ الْعَظِيمَ يَجِلُّ عَنِ الْإِثْبَاتِ بِالْيَمِينِ وَالنُّكُولِ، وَالْإِمَامُ نَائِبٌ عَنِ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ، وَلَا سَبِيلَ إِلَى تَحْلِيفِ النَّائِبِ، وَمَقْصُودُ الْحَقِّ لِغَيْرِهِ، فَهَذَا الْمِقْدَارُ مُقْنِعٌ كَافٍ فِي غَرَضِ الْبَابِ.
[الْبَابُ الثَّامِنُ فِيمَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ]
[مقدمات الباب]
стр. 177
الْبَابُ الثَّامِنُ.
فِيمَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوُلَاةِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ.
مُقَدِّمَاتُ الْبَابِ.
٢٦٣ - لِيَعْلَمَ طَالِبُ الْحَقِّ وَبَاغِي الصِّدْقِ أَنَّ مَطْلُوبَ الشَّرَائِعِ مِنَ الْخَلَائِقِ، عَلَى تَفَنُّنِ الْمِلَلِ وَالطَّرَائِقِ، وَالِاسْتِمْسَاكُ بِالدِّينِ وَالتَّقْوَى، وَالِاعْتِصَامُ بِمَا يُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، وَالتَّشْمِيرُ لِابْتِغَاءِ مَا يُرْضِي اللَّهَ تَقَدَّسَ وَتَعَالَى، وَالِاكْتِفَاءُ بِبَلَاغٍ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا، وَالنَّدْبُ إِلَى الِانْكِفَافِ عَنْ دَوَاعِي الْهَوَى، وَالِانْحِجَازِ عَنْ مَسَالِكِ الْمُنَى، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَطَرَ الْجِبِلَّاتِ عَلَى التَّشَوُّفِ وَالشَّهَوَاتِ، وَنَاطَ بَقَاءَ الْمُكَلَّفِينَ بِبُلْغَةٍ وَسَدَادٍ، فَتَعَلَّقَتِ التَّكَالِيفُ مِنْ هَذِهِ الْجُمْلَةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى تَمْهِيدِ الْمَطَالِبِ وَالْمَكَاسِبِ، وَتَمْيِيزِ الْحَلَالِ مِنَ الْحَرَامِ، وَتَهْذِيبِ مَسَالِكِ الْأَحْكَامِ عَلَى فِرَقِ الْأَنَامِ، فَجَرَتِ الدُّنْيَا مِنَ الدِّينِ مَجْرَى
стр. 178
الْقِوَامِ، وَالنِّظَامُ مِنَ الذَّرَائِعِ إِلَى تَحْصِيلِ مَقَاصِدِ الشَّرَائِعِ.
٢٦٤ - وَمِنَ الْعِبَارَاتِ الرَّائِقَةِ الْفَائِقَةِ الْمُرْضِيَةِ فِي الْإِعْرَابِ عَنِ الْمَقَاصِدِ الْكُلِّيَّةِ فِي الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّ مَضْمُونَهَا دُعَاءٌ إِلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ نَدْبًا وَاسْتِحْبَابًا، وَحَتْمًا وَإِيجَابًا، وَالزَّجْرُ عَنِ الْفَوَاحِشِ وَمَا يُخَالِفُ الْمَعَالِيَ، تَحْرِيمًا وَحَظْرًا، وَكَرَاهِيَةً تُبَيِّنُ عِيَافَةً وَحَجْرًا، وَإِبَاحَةٌ تُغْنِي عَنِ الْفَوَاحِشِ، كَإِبَاحَةِ النِّكَاحِ الْمُغْنِي عَنِ السِّفَاحِ، أَوْ تُعِينُ عَلَى الطَّاعَةِ، وَتُعْضِدُ أَسْبَابَ الْقُوَّةِ وَالِاسْتِطَاعَةِ.
٢٦٥ - ثُمَّ لَمَّا جُبِلَتِ النُّفُوسُ عَلَى حُبِّ الْعَاجِلِ، وَالتَّطَلُّعِ إِلَى الضِّنَّةِ بِالْحَاصِلِ، وَالتَّعَلُّقِ فِي تَحْصِيلِ الدُّنْيَا بِالْوَصَائِلِ وَالْوَسَائِلِ، وَالِاسْتِهَانَةِ بِالْمَهَالِكِ وَالْغَوَائِلِ، وَالتَّهَالُكِ عَلَى جَمْعِ الْحُطَامِ مِنْ غَيْرِ تَمَاسُكٍ وَتَمَالُكٍ ; وَهَذَا يَجُرُّ التَّنَافُسَ وَالِازْدِحَامَ، وَالنِّزَاعَ وَالْخِصَامَ، وَاقْتِحَامَ الْخُطُوبِ الْعِظَامِ، فَاقْتَضَى الشَّرْعُ فَيْصَلًا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَإِنْصَافًا وَانْتِصَافًا بَيْنَ طَبَقَاتِ الْأَنَامِ، وَتَعْلِيقَ
стр. 179
الْإِقْدَامِ عَلَى الْقُرْبِ وَالطَّاعَاتِ بِالْفَوْزِ بِالثَّوَابِ، فَيَرْبِطُ اقْتِحَامَ الْآثَامِ بِالْعِقَابِ.
٢٦٦ - ثُمَّ لَمْ يَنْحَجِزْ مُعْظَمُ النَّاسِ عَنِ الْهَوَى بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالتَّرْغِيبِ وَالتَّهْذِيبِ، فَقَيَّضَ اللَّهُ السَّلَاطِينَ وَأُولِي الْأَمْرِ وَازِعِينَ، لِيُوَفِّرُوا الْحُقُوقَ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَيُبْلِغُوا الْحُظُوظَ ذَوِيهَا، وَيَكُفُّوا الْمُعْتَدِينَ، وَيُعَضِّدُوا الْمُقْتَصِدِينَ، وَيُشَيِّدُوا مَبَانِيَ الرَّشَادِ، وَيُحْسِمُوا مَعَانِيَ الْغَيِّ وَالْفَسَادِ، فَتَنْتَظِمُ أُمُورُ الدُّنْيَا، وَيُسْتَمَدُّ مِنْهَا الدِّينُ الَّذِي إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى.
٢٦٧ - وَمَا ابْتَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا فِي الْأُمَمِ السَّالِفَةِ حَتَّى أَيَّدَهُ وَعَضَّدَهُ بِسُلْطَانٍ ذِي عُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ، وَمِنَ الرُّسُلِ ﵈ مَنِ اجْتَمَعَتْ لَهُ النُّبُوَّةُ وَالْأَيْدُ وَالْقُوَّةُ كَدَاوُدَ وَمُوسَى وَسُلَيْمَانَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَلَمَّا اخْتَتَمَ اللَّهُ الرِّسَالَةَ فِي الْعَالَمِ بِسَيِّدِ وَلَدِ آدَمَ أَيَّدَهُ بِالْحُجَّةِ الْبَيْضَاءِ، وَالْمَحَجَّةِ الْغَرَّاءِ، وَشَدَّ بِالسَّيْفِ أَزْرَهُ، وَضَمِنَ إِظْهَارَهُ وَنَصْرَهُ، وَجَعَلَهُ إِمَامَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَمَلَاذَ الْخَلْقِ فِي الْآخِرَةِ وَالْأُولَى، ثُمَّ
стр. 180
أَكْمَلَ اللَّهُ الدِّينَ وَاخْتَتَمَ الْوَحْيَ، فَاسْتَأْثَرَ بِرَسُولِهِ سَيِّدِ النَّبِيِّينَ، فَخَلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِيَدْعُوَ إِلَى اللَّهِ دُعَاهُ، وَيُقَرِّرَ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا وَمَرَاشِدِهَا، وَيَنْتَحِي فِي اسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ انْتِحَاهُ.
٢٦٨ - وَغَرَضُنَا مِنْ تَقْدِيمِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ تَوْطِئَةُ طُرُقِ الْأَفْهَامِ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ مِنَ الْأَحْكَامِ بِالْإِمَامِ.
فَالْقَوْلُ الْكُلِّيُّ: أَنَّ الْغَرَضَ اسْتِيفَاءُ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، وَالْمَقْصِدُ الدِّينُ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا اسْتَمَدَّ اسْتِمْرَارَهُ مِنَ الدُّنْيَا، كَانَتْ هَذِهِ الْقَضِيَّةُ مَرْعِيَّةً، ثُمَّ الْمُتَعَلِّقُ بِالْأَئِمَّةِ الْأُمُورُ الْكُلِّيَّةُ.
وَنَحْنُ الْآنَ - بَعْدَ هَذَا التَّرْتِيبِ - نَذْكُرُ نَظَرَ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ ، ثُمَّ نَذْكُرُ نَظَرَهُ فِي الدُّنْيَا، وَبِنِجَازِ الْقِسْمَيْنِ يَحْصُلُ الْغَرَضُ الْأَقْصَى مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ وَالْوَرَى.
[نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ]
[وَاجِبُ الْإِمَامِ نَحْوَ أَصْلِ الدِّينِ]
أ - نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدِّينِ.
فَأَمَّا نَظَرُهُ فِي الدِّينِ، فَيَنْقَسِمُ إِلَى النَّظَرِ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَإِلَى النَّظَرِ فِي فُرُوعِهِ.
стр. 181
فَصْلٌ.
وَاجِبُ الْإِمَامِ نَحْوَ أَصْلِ الدِّينِ.
٢٦٩ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي أَصْلِ الدِّينِ فَيَنْقَسِمُ إِلَى: حَفِظِ الدِّينِ بِأَقْصَى الْوُسْعِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَدَفْعِ شُبُهَاتِ الزَّائِغِينَ، كَمَا سَنُقَرِّرُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ.
وَإِلَى دُعَاءِ الْجَاحِدِينَ وَالْكَافِرِينَ، إِلَى الْتِزَامِ الْحَقِّ الْمُبِينِ.
فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ الْآنَ بِتَقْرِيرِ سَبِيلِ الْإِيقَانِ عَلَى أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَنَقُولُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ: إِنْ صَفَا الدِّينُ عَنِ الْكَدَرِ وَالْأَقْذَاءِ، وَانْتَفَضَ عَنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، كَانَ حَقًّا عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَرْعَاهُمْ بِنَفْسِهِ وَرُقَبَائِهِ، بِالْأَعْيُنِ الْكَالِئَةِ، فَيَرْقُبُهُمْ بِذَاتِهِ وَأُمَنَائِهِ بِالْآذَانِ الْوَاعِيَةِ، وَيُشَارِفُهُمْ مُشَارَفَةَ الضَّنِينِ ذَخَائِرُهُ، وَيَصُونُهُمْ عَنْ نَوَاجِمِ الْأَهْوَاءِ، وَهَوَاجِمِ الْآرَاءِ، فَإِنَّ مَنْعَ الْمَبَادِي أَهْوَنُ مِنْ قَطْعِ التَّمَادِي.
٢٧٠ - فَإِنْ قِيلَ: بِمَ يَزِيغُ عَنِ الْمَنْهَجِ الْمُسْتَقِيمِ وَالدِّينِ الْقَوِيمِ؟ .
قُلْنَا: إِنْ كَانَ مَا انْتَحَلَهُ ذَلِكَ الزَّائِغُ النَّابِغُ رِدَّةً اسْتَتَابَهُ. فَإِنْ
стр. 182
أَبَى وَاسْتَقَرَّ وَأَصَرَّ، تَقَدَّمَ بِضَرْبِ رَقَبَتِهِ. وَالْقَوْلُ فِي الْمُرْتَدِّ وَحُكْمِهِ يَحْوِيهِ كِتَابٌ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ، فَمَنْ أَرَادَ الِاحْتِوَاءَ عَلَى التَّفَاصِيلِ، فَلْيَطْلُبْهُ مِنْ فَنِّ الْفِقْهِ.
وَإِنْ تَابَ وَاتَّهَمَهُ الْإِمَامُ بِالِاتِّقَاءِ مَعَ الِانْطِوَاءِ عَلَى نَقِيضِ مَا أَظْهَرَهُ مِنَ التَّوْبَةِ، فَسَيَأْتِي ذَلِكَ عِنْدَ الْقَوْلِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ.
٢٧١ - وَإِنْ كَانَ مَا صَارَ إِلَيْهِ النَّاجِمُ بِدْعَةً لَا تَبْلُغُ مَبْلَغَ الرِّدَّةِ، فَيَتَحَتَّمُ عَلَى الْإِمَامِ الْمُبَالَغَةُ فِي مَنْعِهِ وَدَفْعِهِ، وَبَذْلُ كُنْهَ الْمَجْهُودِ فِي رَدْعِهِ وَوَزْعِهِ، فَإِنْ تَرَكَهُ عَلَى بِدْعَتِهِ، وَاسْتِمْرَارِهِ فِي دَعْوَتِهِ يَخْبِطُ الْعَقَائِدَ، وَيَخْلِطُ الْقَوَاعِدَ، وَيَجُرُّ الْمِحَنَ وَيُثِيرُ الْفِتَنَ، ثُمَّ إِذَا رَسَخَتِ الْبِدَعُ فِي الصُّدُورِ، أَفْضَتْ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، وَتَرَقَّتْ إِلَى حَلِّ عِصَامِ الْإِسْلَامِ.
٢٧٢ - فَإِنْ قِيلَ: إِذَا لَمْ تَكُنِ الْبِدْعَةُ رِدَّةً، وَأَصَرَّ عَلَيْهَا مُنْتَحِلُهَا، فَبِمَاذَا يَدْفَعُ الْإِمَامُ غَائِلَتَهُ؟ .
قُلْنَا: سَنَعْقِدُ بَابًا فِي تَقَاسِيمِ الْعُقُوبَاتِ وَمَرَاتِبِهَا، وَتَفَاصِيلِهَا وَمَنَاصِبِهَا، وَنَعْزِي كُلَّ عُقُوبَةٍ إِلَى مُقْتَضِيهَا وَمُوجِبِهَا، وَفِيهِ يَتَبَيَّنُ الْمَسْئُولُ عَنْهُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
стр. 183
٢٧٣ - فَإِنْ قِيلَ: فَصِّلُوا مَا يَقْتَضِي التَّكْفِيرَ، وَمَا يُوجِبُ التَّبْدِيعَ وَالتَّضْلِيلَ.
قُلْنَا: هَذَا طَمَعٌ فِي غَيْرِ مَطْمَعٍ ; فَإِنَّ هَذَا بَعِيدُ الْمَدْرَكِ مُتَوَعِّرُ الْمَسْلَكِ، يُسْتَمَدُّ مِنْ تَيَّارِ بِحَارِ عُلُومِ التَّوْحِيدِ، وَمَنْ لَمْ يُحِطْ بِنِهَايَاتِ الْحَقَائِقِ، لَمْ يَتَحَصَّلْ فِي التَّكْفِيرِ عَلَى وَثَائِقَ، وَلَوْ أَوْغَلْتُ فِي جَمِيعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ أَطْرَافُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْكِتَابِ، لَبَلَغَ مُجَلَّدَاتٍ ; ثُمَّ لَا يَبْلُغُ مُنْتَهَى الْغَايَاتِ. فَالْوَجْهُ الْبَسْطُ فِي مَقْصُودِ هَذَا الْمَجْمُوعِ، وَإِيثَارُ الْقَبْضِ فِيمَا لَيْسَ مِنْ مَوْضُوعِهِ، وَإِحَالَةُ الِاسْتِقْصَاءِ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَحَلِّهِ وَفَنِّهِ.
٢٧٤ - فَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ إِذَا أَخَذَتِ الْبِدَعُ تَبْدُو، أَوْ أَمْكَنَ قَطْعُهَا، فَأَمَّا إِذَا شَاعَتِ الْأَهْوَاءُ وَذَاعَتْ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَاسْتَمَرَّتِ الْمَذَاهِبُ الزَّائِغَةُ، وَاشْتَدَّتِ الْمَطَالِبُ الْبَاطِلَةُ ; فَإِنِ اسْتَمْكَنَ الْإِمَامُ مِنْ مَنْعِهِمْ لَمْ يَأْلُ فِي مَنْعِهِمْ جَهْدًا، وَلَمْ يُغَادِرْ فِي ذَلِكَ قَصْدًا، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ شَوْفَهُ الْأَعْظَمَ، وَأَمْرَهُ الْأَهَمَّ، وَشُغْلَهُ الْأَطَمَّ، فَإِنَّ الدِّينَ أَحْرَى بِالرِّعَايَةِ، وَأَوْلَى بِالْكِلَاءَةِ، وَأَخْلَقُ بِالْعِنَايَةِ، وَأَجْدَرُ بِالْوِقَايَةِ، وَأَلْيَقُ بِالْحِمَايَةِ.
стр. 184
وَقَدْ أَدْرَجْنَا فِي أَثْنَاءِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِاهْتِمَامِ الْإِمَامِ الدِّينُ وَالنَّظَرُ فِي الدُّنْيَا تَابِعٌ عَلَى قَطْعٍ وَيَقِينٍ، بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ.
فَإِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ دَفْعِهِمْ إِلَّا بِقِتَالٍ، وَاعْتِنَاقِ أَهْوَالٍ، فَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي الْبَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تَقَاسِيمِ الْعُقُوبَاتِ، وَضُرُوبِ السِّيَاسَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ يَجُرُّ عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ إِلَى الْبُغَاةِ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَأَثَرُ امْتِنَاعِهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ، وَالْخُرُوجِ عَنْ رِبْقَةِ الْجَمَاعَةِ، آيِلٌ إِلَى فَرْعِ الدِّينِ، فَمَا يَئُولُ إِلَى أَصْلِ الدِّينِ أَوْلَى بِاعْتِنَاءِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ، وَسَنَقُولُ ذَلِكَ مَشْرُوحًا، إِنْ قَدَّرَ اللَّهُ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ.
فَهَذَا إِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقْتَدِرًا عَلَى النَّابِغِينَ، وَصَدِّ الْمُمْتَنِعِينَ الْمُبْتَدِعِينَ.
٢٧٥ - وَإِنْ تَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَفَاتَ اسْتِدْرَاكُهُ الْإِطَاقَةَ، وَعَسُرَتْ مُقَاوَمَةُ وَمُصَادَمَةُ ذَوِي الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ مُسَالَمَتَهُمْ وَمُتَارَكَتَهُمْ وَتَقْرِيرَهُمْ عَلَى مَذَاهِبِهِمْ وَجْهُ الرَّأْيِ، وَلَوْ
стр. 185
جَاهَرَهُمْ لَتَأَلَّبُوا وَتَأَشَّبُوا، وَنَابَذُوا الْإِمَامَ، مُكَاوِحِينَ مُكَافِحِينَ، وَسَلُّوا أَيْدِيَهُمْ عَنِ الطَّاعَةِ، لَخَرَجَ تَدَارُكُ الْأُمُورِ عَنِ الطَّوْقِ وَالِاسْتِطَاعَةِ، وَقَدْ يَتَدَاعَى الْأَمْرُ إِلَى تَعْطِيلِ الثُّغُورِ فِي الدِّيَارِ، وَاسْتِجْرَاءِ الْكُفَّارِ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، لَمْ يُظْهِرْ مَا يَخْرُقُ حِجَابَ الْهَيْبَةِ، وَيَجُرُّ مُنْتَهَاهُ عُسْرًا وَخَيْبَةً، لَكِنْ إِنْ أَغْمَدَ عَنْهُمْ صَوَارِمَهُ، لَمْ يَكُفَّ عَنْهُمْ صَرَائِمَهُ، وَعَزَائِمَهُ، وَتَرَبَّصَ بِهِمُ الدَّوَائِرَ، وَاضْطَرَّهُمْ بِالرَّأْي الثَّاقِبِ إِلَى أَضْيَقِ الْمَصَائِرِ، وَأَتَاهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُونَ، وَحَرَصَ أَنْ يَسْتَأْصِلَ رُؤَسَاءَهُمْ، وَيَجْتَثَّ كُبَرَاءَهُمْ، وَيَقْطَعَ بِلُطْفِ الرَّأْيِ عَدَدَهُمْ، وَيُبَدِّدَ فِي الْأَقْطَارِ الْمُتَبَايِنَةِ عَدَدَهُمْ، وَيَحْسِمُ عَنْهُمْ عَلَى حَسْبِ الْإِمْكَانِ مَدَدَهُمْ، وَيَعْمَلَ بِمُغْمَضَاتِ الْفِكْرِ فِيهِمْ سُبُلَ الْإِيَالَةِ، وَالْمَرْءُ يَعْجِزُ لَا مَحَالَةَ.
وَهَذَا هَيِّنٌ إِذَا لَمْ يُبْدُوا شِرَاسًا، وَلَمْ يَنْصِبُوا لِلْخُرُوجِ عَلَى الْإِمَامِ رَاسًا، فَإِذَا وَهَتْ قَوَّتُهُمْ وَوَهَنَتْ، صَالَ عَلَيْهِمْ صَوْلَةً تَكْفِي
стр. 186
شَرَّهُمْ، وَسَطَا بِهِمْ سَطْوَةً تَمْحَقُ ضُرَّهُمْ، كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِي أَنْحَاءِ حَالَةِ السِّيَاسَاتِ.
٢٧٦ - وَإِنِ انْتَهَى الْأَمْرُ إِلَى تَفَاقُمِهِمْ عَلَى الْإِمَامِ، وَخُرُوجِهِمْ عَنِ الطَّاعَةِ، فَنَذْكُرُ ذَلِكَ مُتَّصِلًا بِبَابِ السِّيَاسَاتِ، عِنْدَ تَفْصِيلِنَا صُفُوفَ الْقِتَالِ، وَعَلَى اللَّهِ الِاتِّكَالُ.
٢٧٧ - وَلَا يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ مَا أَطَلْنَا الْقَوْلَ فِيهِ هُوَ الْحَيِّدُ عَنْ مَسْلَكِ الْحَقِّ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ، فَأَمَّا اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَمَسَالِكِ التَّحَرِّي وَالِاجْتِهَادِ، وَالتَّأَخِّي مِنْ طُرُقِ الظُّنُونِ، فَعَلَيْهِ دَرَجَ السَّلَفُ الصَّالِحُونَ، وَانْقَرَضَ صَحْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَكْرَمُونَ، وَاخْتِلَافُهُمْ سَبَبُ الْمُبَاحَثَةِ عَنْ أَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، وَهُوَ مِنَّةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَنِعْمَةٌ. وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ» " فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَرَّضَ الْإِمَامُ لِفُقَهَاءِ
стр. 187
الْإِسْلَامِ فِيمَا يَتَنَازَعُونَ فِيهِ مِنْ تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ ; بَلْ يُقِرُّ كُلُّ إِمَامٍ وَمُتَّبِعِيهِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ، وَلَا يَصُدُّهُمْ عَنْ مَسْلَكِهِمْ وَمَطْلَبِهِمْ.
٢٧٨ - فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحَقُّ الَّذِي يَحْمِلُ الْإِمَامُ الْخَلْقَ عَلَيْهِ فِي الِاعْتِقَادِ إِذَا تَمَكَّنَ مِنْهُ؟ .
قُلْنَا: هَذَا لَا يَحْوِي الْغَرَضَ مِنْهُ أَسْطُرٌ وَأَوْرَاقٌ، وَفِيهِ تَنَافَسَ الْمُتَنَافِسُونَ، وَكُلُّ فِئَةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا النَّاجِيَةُ، وَمَنْ عَدَاهُمْ هَالِكُونَ، وَلَكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا بِالْهَيِّنِ، فَمَدْرَكُ الْحَقِّ بَيِّنٌ، فَمَنْ أَرَادَ التَّنَاهِي فِي ذَلِكَ لِيَكُونَ قُدْوَةً وَأُسْوَةً اسْتَحَثَّتْهُ النَّفْسُ الطُّلَعَةُ عَلَى نَزْفِ بُحُورٍ، وَمُقَارَعَةِ شَدَائِدَ وَأُمُورٍ، وَطَيِّ رُقْعَةِ الْعُمْرِ عَلَى الْعَنَاءِ وَالْمَضَضِ وَالصَّبْرِ.
٢٧٩ - وَمَنْ رَامَ اقْتِصَادًا، وَحَاوَلَ تَرَقِّيًا عَنِ التَّقْلِيدِ وَاسْتِبْدَادًا، فَعَلَيْهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِعِلْمِ التَّوْحِيدِ مِنَ الْكِتَابِ الْمُتَرْجَمِ بِالنِّظَامِيِّ، فَهُوَ مُحْتَوٍ عَلَى لُبَابِ الْأَلْبَابِ، وَفِيهِ سِرُّ كُلِّ كِتَابٍ، فِي أَسَالِيبِ الْعُقُولِ.
٢٨٠ - وَالَّذِي أَذْكُرُهُ الْآنَ لَائِقًا بِمَقْصُودِ هَذَا الْكِتَابِ أَنَّ الَّذِي يَحْرِصُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ جَمْعُ عَامَّةِ الْخَلْقِ عَلَى مَذَاهِبِ السَّلَفِ السَّابِقَيْنِ ; قَبْلَ أَنْ نَبَغَتِ الْأَهْوَاءُ، وَزَاغَتِ الْآرَاءُ ; وَكَانُوا ﵃ -
стр. 188
يَنْهَوْنَ عَنِ التَّعَرُّضِ لِلْغَوَامِضِ، وَالتَّعَمُّقِ فِي الْمُشْكِلَاتِ، وَالْإِمْعَانِ فِي مُلَابَسَةِ الْمُعْضِلَاتِ، وَالِاعْتِنَاءِ بِجَمْعِ الشُّبُهَاتِ، وَتَكَلُّفِ الْأَجْوِبَةِ عَمَّا لَمْ يَقَعْ مِنَ السُّؤَالَاتِ، وَيَرَوْنَ صَرْفَ الْعِنَايَةِ إِلَى الِاسْتِحْثَاثِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، وَكَفِّ الْأَذَى، وَالْقِيَامِ بِالطَّاعَةِ حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، وَمَا كَانُوا يَنْكَفُّونَ ﵃ عَمَّا تَعَرَّضَ لَهُ الْمُتَأَخِّرُونَ عَنْ عَيٍّ وَحَصْرٍ، وَتَبَلُّدٍ فِي الْقَرَائِحِ. هَيْهَاتَ، قَدْ كَانُوا أَذْكَى الْخَلَائِقِ أَذْهَانًا، وَأَرْجَحَهُمْ بَيَانًا، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَيْقَنُوا أَنَّ اقْتِحامَ الشُّبُهَاتِ دَاعِيَةُ الْغِوَايَاتِ، وَسَبَبُ الضَّلَالَاتِ، فَكَانُوا يُحَاذِرُونَ فِي حَقِّ عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَا هُمُ الْآنَ بِهِ مُبْتَلُونَ، وَإِلَيْهِ مَدْفُوعُونَ. فَإِنْ أَمْكَنَ حَمْلُ الْعَوَامِّ عَلَى ذَلِكَ، فَهُوَ الْأَسْلَمُ، وَلَمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي ثَلَاثًا وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، النَّاجِي مِنْهَا وَاحِدَةٌ» " فَاسْتَوْصَفَهُ الْحَاضِرُونَ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ فَقَالَ: «هُمُ الَّذِينَ كَانُوا عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» . وَنَحْنُ عَلَى قَطْعٍ وَاضْطِرَارٍ مِنْ عُقُولِنَا نَعْلَمُ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يَرَوْنَ الْخَوْضَ فِي الدَّقَائِقِ، وَمَضَايِقِ الْحَقَائِقِ، وَلَا كَانُوا يَدْعُونَ إِلَى التَّسَبُّبِ إِلَيْهَا، بَلْ كَانُوا يَشْتَدُّونَ عَلَى مَنْ يَفْتَتِحُ الْخَوْضَ فِيهَا.
стр. 189
٢٨١ - وَالَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ أَسَالِيبَ الْعُقُولِ لَا يَسْتَقِلُّ بِهَا إِلَّا الْفَذُّ الْفَرْدُ الْمَرْمُوقُ الَّذِي تُثْنَى عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ، وَيُشِيرُ إِلَيْهِ الْأَصَاغِرُ وَالْأَكَابِرُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى أَغْرَارٍ وَأَخْطَارٍ، إِنْ لَمْ يَعْصِمْهُ اللَّهُ. فَكَيْفَ يَسْلَمُ مِنْ مَهَاوِي الْأَفْكَارِ الْغِرُّ الْغَبِيُّ، وَالْحَصِرُ الْعَيِيُّ؟ وَكَيْفَ الظَّنُّ بِالْعَوَامِّ إِذَا اشْتَبَكُوا فِي أَحَابِيلِ الشُّبُهَاتِ، وَارْتَبَكُوا فِي وَرَطَاتِ الْجَهَالَاتِ؟ .
٢٨٢ - فَلْيَجْعَلِ الْإِمَامُ مَا وَصَفْنَاهُ الْآنَ أَكْبَرَ هَمِّهِ ; فَهُوَ مَحْسَمَةُ الْفِتَنِ، وَمَدْعَاةٌ إِلَى اسْتِدَادِ الْعَوَامِّ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَنِ، فَإِنِ انْبَثَّتْ فِي الْبَرِيَّةِ غَوَائِلُ الْبِدَعِ، وَاحْتَوَتْ عَلَى الشُّبُهَاتِ أَحْنَاءُ الصُّدُورِ، وَنَشَرَ دُعَاةُ الضَّلَالَةِ أَعْلَامَ الشُّرُورِ، فَلَوْ تُرِكُوا وَقَدْ أَخَذَتْ مِنْهُمُ الشُّبُهَاتُ مَأْخَذَهَا، لَضَلُّوا وَارْتَكَسُوا، وَذَلُّوا وَانْتَكَسُوا، فَالْوَجْهُ - وَالْحَالَةُ هَذِهِ - أَنْ يَبُثَّ فِيهِمْ دُعَاةَ الْحَقِّ، وَيَتَقَدَّمَ إِلَى الْمُسْتَقِلِّينَ بِالْحَقَائِقِ حَتَّى يَسْعَوْا فِي إِزَاحَةِ الشُّبُهَاتِ بِالْحُجَجِ
стр. 190
وَالْبَيِّنَاتِ، وَيَتَنَاهَوْا فِي بُلُوغِ قُصَارَى الْغَايَاتِ، وَإِيضَاحِ الدَّلَالَاتِ، وَارْتِيَادِ أَوْقَعِ الْعَبَّارَاتِ، وَيَدْرَءُوا أَصْحَابَ الضَّلَالَاتِ فَيَجْتَمِعُ انْحِسَامُ كَلَامِ الزَّائِغِينَ، وَظُهُورُ دَعْوَةِ الْمُتَوَحِّدِينَ، وَإِيضَاحُ مَسَالِكِ الْحَقِّ الْمُبِينِ.
وَحُكْمُ الزَّمَانِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.
٢٨٣ - وَهَذِهِ تَفَاصِيلُ مِنْ أَحَقِّ مَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِمَامِ الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَقَدْ يَخْتَلِفُ نَظَرُهُ فِي الْبِلَادِ عَلَى حَسَبِ تَبَايُنِ أَحْوَالِ الْعِبَادِ، فَيَرَى فِي بَعْضِهَا الْحَمْلَ عَلَى مَذَاهِبِ السَّابِقِينَ، وَفِي بَعْضِهَا حَمْلَ دُعَاةِ الْحَقِّ عَلَى إِبْدَاءِ مَسَالِكِ الصِّدْقِ، وَهَذَا مَغَاصٌ يَهْلَكُ فِيهِ الْأَنَامُ بِزَلَّةِ الْإِمَامِ، وَقَدِ اتَّفَقَ لِلْمَأْمُونِ
стр. 191
وَكَانَ فِي أَمْجَدِ الْخُلَفَاءِ وَأَقْصَدِهِمْ - خُطَّةٌ ظَهَرَتْ هَفْوَتُهُ فِيهَا، وَعَسُرَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ تَلَافِيهَا، فَإِنَّهُ رَأَى تَقْرِيرَ كُلِّ ذِي مَذْهَبٍ عَلَى رَأْيِهِ، فَنَبَغَ النَّابِغُونَ، وَزَاغَ الزَّائِغُونَ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَتَطَوَّقَ خَطْبًا هَائِلًا، وَانْتَهَى زَلَلُهُ وَخَطَلُهُ، إِلَى أَنْ سَوَّغَ لِلْمُعَطِّلَةِ أَنْ يُظْهِرُوا آرَاءَهُمْ، وَرَتَّبَ مُتَرْجِمِينَ لِيَرُدُّوا كُتُبَ الْأَوَائِلِ إِلَى لِسَانِ الْعَرَبِ، وَهَلُمَّ جَرَّا، إِلَى أَحْوَالٍ يَقْصُرُ الْوَصْفُ عَنْ أَدْنَاهَا.
وَلَوْ قُلْتُ: إِنَّهُ مُطَالَبٌ بِمَغَبَّاتِ الْبِدَعِ وَالضَّلَالَاتِ، فِي الْمَوْقِفِ الْأَهْوَلِ فِي الْعَرَصَاتِ، لَمْ أَكُنْ مُجَازِفًا.
٢٨٤ - فَالَّذِي تَحَصَّلَ مِمَّا سَلَفَ بَعْدَ الْإِطْنَابِ، وَمُجَاوَزَةِ الِاقْتِصَادِ إِلَى الْإِسْهَابِ، أَنَّ التَّعَرُّضَ لِحَسْمِ الْبِدَعِ مِنْ أَهَمِّ مَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ
стр. 192
الِاعْتِنَاءُ بِهِ، وَقَدْ قَدَّمَتُ فِي وَجْهِ الِانْتِدَابِ لِذَلِكَ مَا فِيهِ مَقْنَعٌ وَبَلَاغٌ.
وَجَمِيعُ مَا ذَكَرْتُهُ قِسْمٌ وَاحِدٌ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَصْلِ الدِّينِ، وَهُوَ حِفْظُهُ عَلَى أَهْلِهِ.
٢٨٥ - وَالْقِسْمُ الثَّانِي فِي أَصْلِ الدِّينِ: السَّعْيُ فِي دُعَاءِ الْكَافِرِينَ إِلَيْهِ فَأَقُولُ: قَدْ أَيَّدَ اللَّهُ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ الدِّينَ بِالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ، وَالْحُجَجِ اللَّائِحَةِ، وَحَفَّهُ بِالْقُوَّةِ وَالْعُدَّةِ وَالشَّوْكَةِ وَالنَّجْدَةِ، وَالْإِمَامُ الْقَوَّامُ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ مَأْمُورٌ بِاسْتِعْمَالِ مِنْهَاجِ الْحِجَاجِ فِي أَحْسَنِ الْجِدَالِ، فَإِنْ نَجَعَ، وَإِلَّا تَرَقَّى إِلَى أَعْمَالِ الْأَبْطَالِ الْمُصْطَلِينَ بِنَارِ الْقِتَالِ، فَلِلدُّعَاءِ إِلَى الدِّينِ الْحَقِّ مَسْلَكَانِ: أَحَدُهُمَا: الْحُجَّةُ وَإِيضَاحُ الْمَحَجَّةِ.
وَالثَّانِي: الِاقْتِهَارُ بِغِرَارِ السُّيُوفِ، وَإِيرَادِ الْجَاحِدِينَ
стр. 193
الْجَاهِدِينَ مَنَاهِلَ الْحُتُوفِ.
وَالْمَسْلَكُ الثَّانِي مُرَتَّبٌ عَلَى الْأَوَّلِ ; فَإِنْ بَلَغَ الْإِمَامُ تَشَوُّفَ طَوَائِفَ مِنَ الْكُفَّارِ إِلَى قَبُولِ الْحَقِّ لَوْ وَجَدُوا مُرْشِدًا، أَشْخَصَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْبَغِي أَنْ نَتَخَيَّرَ لِذَلِكَ فَطِنًا لَبِيبًا، بَارِعًا أَرِيبًا، مُتَهَدِّيًا أَدِيبًا، يَنْطَبِقُ عَلَى عِرْفَانِهِ بَيَانُهُ، وَيُطَاوِعُهُ فِيمَا يُحَاوِلُ لِسَانُهُ، ذَا عِبَارَةٍ رَشِيقَةٍ، مُشْعِرَةٍ بِالْحَقِيقَةِ، وَأَلْفَاظٍ رَائِقَةٍ مُتَرَقِّيَةٍ عَنِ الرَّكَاكَةِ، مُنْحَطَّةٍ عَنِ التَّعَمُّقِ، وَشَوَارِدِ الْأَلْفَاظِ، مُطَبِّقَةٍ مَفْصَلَ الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِ قُصُورٍ وَلَا ازْدِيَادٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مُتَهَدِّيًا إِلَى التَّدَرُّجِ إِلَى مَسَالِكِ الدَّعْوَةِ، رَفِيقًا مَلِقًا شَفِيقًا، خَرَّاجًا وَلَّاجًا، جَدِلًا مِحْجَاجًا، عَطُوفًا رَحِيمًا رَءُوفًا.
٢٨٦ - فَإِنْ لَمْ تَنْجَحِ الدَّعْوَةُ، وَظَهَرَ الْجَحْدُ وَالنَّبْوَةُ، تَطَرَّقَ إِلَى
стр. 194
اسْتِفْتَاحِ مَسَالِكِ النَّجَاحِ، بِذَوِي النَّجْدَةِ وَالسِّلَاحِ، وَهَذَا يَتَّصِلُ الْآنَ بِذِكْرِ الْجِهَادِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ مَقْصُودِ الْكِتَابِ فِي أَثْنَاءِ الْأَبْوَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَهَذَا مُنْتَهَى الْغَرَضِ فِي النَّظَرِ الْكُلِّيِّ فِي أُصُولِ الدِّينِ.
[فَصْلٌ نَظَرُ الْإِمَامِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ]
فَصْلٌ.
نَظَرُ الْإِمَامِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ.
٢٨٧ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي ذِكْرِ تَفَاصِيلِ نَظَرِ الْإِمَامِ فِي فُرُوعِ الدِّينِ فَهَذَا مِمَّا يَتَّسِعُ فِيهِ الْكَلَامُ، وَتَكْثُرُ الْأَقْسَامُ، وَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا نُقَصِّرُ فِي التَّقْرِيبِ، وَتَحْسِينِ التَّرْتِيبِ، وَالنَّظْمِ الْبَدِيعِ الْعَجِيبِ، فَذُو الْبَيَانِ مَنْ إِذَا تَبَدَّدَ الْمَقْصِدُ وَانْتَشَرَ، لَأَمَ الْأَطْرَافَ وَضَمَّ النَّشَرَ، وَإِذَا ضَاقَ نِطَاقُ النُّطْقِ، اسْتَطَالَ بِعَذَبَةِ لِسَانِهِ، وَعَبَّرَ عَنْ غَايَةِ الْمَقْصُودِ بِأَدْنَى بَيَانِهِ.
٢٨٨ - فَأَقُولُ: قَدْ يَبْتَدِرُ إِلَى ظَنِّ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنِّي أُرِيدُ بِمَا أَفْتَتِحُهُ تَفْصِيلَ تَصَرُّفَاتِ الْإِمَامِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ، وَلَيْسَ الْأَمْر كَذَلِكَ ; فَإِنَّ الْغَرَضَ الْآنَ بَيَانُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، لِيَتْلُوَ الْقَوْلُ فِيهَا مَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ فِي أَصْلِ
стр. 195
الدِّينِ، وَيَنْتَظِمَ أَصْلُ الدِّينِ بِفَرْعِهِ، وَذِكْرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ فِي الْمُعَامَلَاتِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الْمَالِيَّةِ سَيَأْتِي فِي الْقِسْمِ الثَّانِي الْمُشْتَمِلِ عَلَى ذِكْرِ نَظَرِ الْإِمَامِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا.
فَنَعُودُ إِلَى الْمَقْصُودِ النَّاجِزِ ; وَنَقُولُ:
٢٨٩ - الْعِبَادَاتُ الْبَدَنِيَّةُ الَّتِي تَعَبَّدَ اللَّهُ بِهَا الْمُكَلَّفِينَ، لَا تَتَعَلَّقُ صِحَّتُهَا بِنَظَرِ الْإِمَامِ، وَإِذَا أَقَامَهَا الْمُتَعَبِّدُونَ عَلَى شَرَائِطِهَا وَأَرْكَانِهَا فِي أَوْقَاتِهَا وَأَوَانِهَا، صَحَّتْ وَوَقَعَتْ مَوْقِعَ الِاعْتِدَادِ. وَقَدْ زَلَّ مَنْ شَرَطَ فِي انْعِقَادِ الْجُمُعَةِ تَعَلُّقُهَا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَطْلُوبٌ مِنْ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا وَجْهُ ارْتِبَاطِ الْعِبَادَاتِ بِنَظَرِ الْإِمَامِ؟ .
٢٩٠ - قُلْنَا: مَا كَانَ مِنْهَا شِعَارًا ظَاهِرًا فِي الْإِسْلَامِ، تَعَلَّقَ بِهِ نَظَرُ الْإِمَامِ.
وَذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى: مَا يَرْتَبِطُ بِاجْتِمَاعِ عَدَدٍ كَبِيرٍ، وَجَمٍّ غَفِيرٍ، كَالْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَامِعِ الْحَجِيجِ.
стр. 196
مَا لَا يَتَعَلَّقُ بِاجْتِمَاعٍ، كَالْأَذَانِ وَعَقْدِ الْجَمَاعَاتِ فِيمَا عَدَا الْجُمُعَةِ مِنَ الصَّلَوَاتِ.
فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِشُهُودِ جَمْعٍ كَبِيرٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَغْفَلَ عَنْهُ، فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا كَثُرُوا عَظُمَ الزِّحَامُ، وَجَمَعَ الْمَجْمَعُ أَخْيَافًا ; وَأَلَّفَ أَصْنَافًا، خِيفَ فِي مُزْدَحَمِ الْقَوْمِ أُمُورٌ مَحْذُورَةٌ.
فَإِذَا كَانَ مِنْهُمْ ذُو نَجْدَةٍ وَبَأْسٍ، يَكُفُّ عَادِيَةً إِنْ هَمَّ بِهَا مُعْتَدُونَ كَانَ الْجَمْعُ مَحْرُوسًا، وَدَرَأَتْ هَيْبَةُ الْوَالِي ظُنُونًا وَحُدُوسًا، وَلِذَلِكَ أَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْحَجِيجِ، ثُمَّ اسْتَمَرَّتْ تِلْكَ السُّنَّةُ فِي كُلِّ سَنَةٍ، فَلَمْ يَخْلُ حَجٌّ عَنْ إِمَامٍ، أَوْ مُسْتَنَابٍ مِنْ جِهَةِ إِمَامٍ، وَلِذَلِكَ صَدَّرَ الْخُلَفَاءُ مَيَاسِيرَ الْأُمَرَاءِ، وَذَوِي الْأَلْوِيَةِ بِإِقَامَةِ الْجَمْعِ، فَإِنَّهَا تَجْمَعُ الْجَمَاعَاتِ، وَهِيَ إِنْ لَمْ تُصَنْ عُرْضَةُ الْفِتَنِ وَالْآفَاتِ.
стр. 197
فَهَذَا وَجْهُ نَظَرِ الْإِمَامِ فِي الشِّعَارِ الَّذِي يَجْمَعُ جَمْعًا كَثِيرًا.
٢٩١ - فَأَمَّا الشِّعَارُ الظَّاهِرُ الَّذِي لَا يَتَضَمَّنُ اجْتِمَاعَ جَمَاعَاتٍ، فَهُوَ كَالْأَذَانِ وَإِقَامَةِ الْجَمَاعَاتِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ، فَإِنَّ عَطَّلَ أَهْلُ نَاحِيَةٍ الْأَذَانَ وَالْجَمَاعَاتِ، تَعَرَّضَ لَهُمُ الْإِمَامُ، وَحَمَلَهُمْ عَلَى إِقَامَةِ الشِّعَارِ، فَإِنْ أَبَوْا فَفِي الْعُلَمَاءِ مَنْ يُسَوِّغُ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَحْمِلَهُمْ عَلَيْهِ بِالسَّيْفِ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ، وَالْمَسْأَلَةُ مُجْتَهَدٌ فِيهَا، وَتَفْصِيلُهَا مَوْكُولٌ إِلَى الْفُقَهَاءِ.
٢٩٢ - فَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ شِعَارًا ظَاهِرًا مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ، فَلَا يَظْهَرُ تَطَرُّقُ الْإِمَامِ إِلَيْهِ إِلَّا أَنْ تُرْفَعَ إِلَيْهِ وَاقِعَةٌ فَيَرَى فِيهَا رَأْيَهُ.
مِثْلُ أَنْ يُنْهَى إِلَيْهِ أَنَّ شَخْصًا تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، وَامْتَنَعَ عَنْ قَضَائِهَا. فَقَدْ نَرَى قَتْلَهُ عَلَى رَأْيِ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَوَحَبْسَهُ وَتَعْذِيبَهُ عَلَى رَأْيِ الْآخَرِينَ.
فَهَذَا مَجْمُوعُ الْقَوْلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ مِنْ أَصْلِ الدِّينِ وَفُرُوعِهِ.
стр. 198
[نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا] [ خُطَّةٌ وَتَرْتِيبٌ]
ب - نَظَرُ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالدُّنْيَا.
خُطَّةٌ وَتَرْتِيبٌ.
٢٩٣ - فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَئِمَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الدُّنْيَا فَنُقَدِّمُ فِيهِ أَوَّلًا تَرْتِيبًا ضَابِطًا يُطْلِعُ عَلَى غَرَضٍ كُلِّيٍّ، وَيُفِيدُ النَّاظِرَ الْعِلْمَ بِانْحِصَارِ الْقَضَايَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَئِمَّةِ، ثُمَّ نَخُوضُ فِي إِيضَاحِ الْأَقْسَامِ عَلَى حَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ هَذَا الْكِتَابُ، فَنَقُولُ:
عَلَى الْإِمَامِ بَذْلُ كُنْهِ الِاجْتِهَادِ فِي ابْتِغَاءِ الِازْدِيَادِ فِي خِطَّةِ الْإِسْلَامِ. وَالسَّبِيلُ إِلَيْهِ الْجِهَادُ وَمُنَابَذَةُ أَهْلِ الْكُفْرِ وَالْعِنَادِ، وَعَلَيْهِ الْقِيَامُ بِحِفْظِ الْخِطَّةِ، فَالتَّقْسِيمُ الْأَوَّلِيُّ الْكُلِّيُّ طَلَبُ مَا لَمْ يَحْصُلْ، وَحِفْظُ مَا حَصَلَ.
٢٩٤ - وَالْقَوْلُ فِي حِفْظِ مَا حَصَلَ يَنْقَسِمُ إِلَى حِفْظِهِ عَنِ الْكُفَّارِ، وَإِلَى حِفْظِ أَهْلِهِ عَنِ التَّوَاثُبِ وَالتَّغَالُبِ، وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ وَالتَّوَاصُلِ.
فَأَمَّا حِفْظُ الْخِطَّةِ عَنِ الْكُفَّارِ، فَهُوَ بِسَدِّ الثُّغُورِ، وَإِقَامَةِ الرِّجَالِ عَلَى الْمَرَاصِدِ. عَلَى مَا سَيَأْتِي الشَّرْحُ عَلَيْهِ.
٢٩٥ - وَأَمَّا حِفْظُ مَنْ تَحْوِيهِ الْخِطَّةُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِمَرَاتِبِ الْكُلِّيَّاتِ وَعَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجُزْئِيَّاتِ.
стр. 199
٢٩٦ - فَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَمْرٍ كُلِّيٍّ، فَهُوَ نَقْضُ بِلَادِ الْإِسْلَامِ عَنْ أَهْلِ الْغَرَامَةِ، وَالْمُتَلَصِّصِينَ وَالْمُتَرَصِّدِينَ لِلرِّفَاقِ، فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ صَرْفُ الِاهْتِمَامِ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَفِضَ الْبِلَادُ عَنْ كُلِّ غَائِلَةٍ، وَتَتَمَهَّدُ السُّبُلُ لِلسَّابِلَةِ.
٢٩٧ - وَأَمَّا مَا يَرْتَبِطُ بِالْجُزْئِيَّاتِ، فَتَحْصُرُهُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: فَصْلُ الْخُصُومَاتِ الثَّائِرَةِ، وَقَطْعُ الْمُنَازَعَاتِ الشَّاجِرَةِ، وَهَذَا يُنَاطُ بِالْقُضَاةِ وَالْحُكَّامِ.
وَإِنَّمَا عَدَدْنَا ذَلِكَ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ، فَإِنَّ الْحُكُومَاتِ تَنْشَأُ مِنَ الْآحَادِ وَالْأَفْرَادِ، وَالْغَوَائِلُ مِنَ الْمُتَلَصِّصِينَ وَقُطَّاعِ الطُّرُقِ تَثْبُتُ بِاجْتِمَاعِ أَقْوَامٍ.
ثُمَّ إِذَا رَتَّبَ السُّلْطَانُ بِحَسْمِ مَوَادِّهِمْ رِجَالًا، لَمْ
стр. 200
يَثُورُوا، فَيَكُونُ ذَلِكَ نَظَرًا كُلِّيًّا فِي كِفَايَةِ أَهَمِّ الْأَشْغَالِ. وَتَصَدِّي الْقُضَاةِ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ لَا يَحْسِمُ ثَوَرَانَ الْخُصُومَةِ، بَلْ إِذَا ثَارَتْ فَصَلَهَا الْحُكَّامُ.
٢٩٨ - وَالْقِسْمُ الثَّانِي: فِي نَظَرِهِ الْجُزْئِيِّ فِي حِفْظِ الْمَرَاشِدِ عَلَى أَهْلِ الْخِطَّةِ. يَكُونُ بِإِقَامَةِ السِّيَاسَاتِ وَالْعُقُوبَاتِ الزَّاجِرَةِ مِنِ ارْتِكَابِ الْفَوَاحِشِ وَالْمُوبِقَاتِ.
٢٩٩ - وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْقِيَامُ عَلَى الْمُشْرِفِينَ عَلَى الضَّيَاعِ بِأَسْبَابِ الصَّوْنِ وَالْحِفْظِ وَالْإِنْقَاذِ وَهَذَا يَتَنَوَّعُ نَوْعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: بِالْوِلَايَةِ عَلَى مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ مِنَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ.
وَالثَّانِي: فِي سَدِّ حَاجَاتِ الْمَحَاوِيجِ.
٣٠٠ - فَهَذِهِ جَوَامِعُ مَا يَرْعَى بِهِ الْإِمَامُ مَنْ فِي الْخِطَّةِ.
ثُمَّ لَا يَتَأَتَّى الِاسْتِقْلَالُ بِهَذَا الْمَنْصِبِ إِلَّا بِنَجْدَةٍ عَظِيمَةٍ تُطَبِّقُ
стр. 201
الْخِطَّةَ وَتَفْضُلُ عَنْهَا، فَتَتَقَاذَفُ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ، وَالنَّجْدَةُ بِالرِّجَالِ، وَيُرَتِّبُ الرِّجَالَ بِالْعُدَدِ وَالْأَمْوَالِ.
٣٠١ - وَالْأَمْوَالُ الَّتِي تَمْتَدُّ يَدُ الْإِمَامِ إِلَيْهَا قِسْمَانِ: أَحَدُهَا: مَالَا يَتَعَيَّنُ مَصَارِفُهُ.
وَالثَّانِي مَا لَا يَتَخَصَّصُ بِمَصَارِفَ مَضْبُوطَةٍ، بَلْ يُضَافُ إِلَى عَامَّةِ الْمَصَالِحِ.
فَأَمَّا مَا يَتَعَيَّنُ مَصْرِفُهُ فَالزَّكَوَاتُ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِ الْفَيْءِ، وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ. وَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ، فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ لَهَا مَصَارِفُ مَعْلُومَةٌ مُسْتَقْصَاةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَقَدْ نَرْمُزُ إِلَيْهَا فِي تَفْصِيلِ الْكَلَامِ.
وَأَمَّا الْمَالُ الَّذِي يَعُمُّ وُجُوهَ الْخَيْرِ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الْفُقَهَاءُ
стр. 202
الْمُرْصَدَ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ خُمُسُ خُمُسِ الْفَيْءِ، وَخُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَيَنْضَمُّ إِلَيْهَا تَرِكَةُ مَنْ مَاتَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يُخْلِفْ وَارِثًا خَاصًّا، وَكَذَلِكَ الْأَمْوَالُ الضَّائِعَةُ الَّتِي أُيِسَ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهَا كَمَا سَنَذْكُرُهَا.
فَهَذِهِ مَآخِذُ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَقْتَضِيهَا الْإِمَامُ وَيَصْرِفُهَا إِلَى مَصَارِفِهَا. وَقَدْ نَجَزَ التَّقْسِيمُ الْمُحْتَوِي الضَّابِطُ عَلَى مَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ.
٣٠٢ - وَالْآنَ نَرْجِعُ إِلَى تَفْصِيلِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ عَلَى مَا يَلِيقُ بِمَقْصُودِ هَذَا الْكِتَابِ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ أَطْرَافُ الْكَلَامِ بِأَحْكَامٍ فِقْهِيَّةٍ، أَحَلْنَاهَا عَلَى كُتُبِ الْفِقْهِ، فَإِنَّا لَمْ نَخُضْ فِي تَأْلِيفِ هَذَا وَغَرَضُنَا تَفَاصِيلُ الْأَحْكَامِ ; وَإِنَّمَا حَاوَلْنَا تَمْهِيدَ الْإِيَالَاتِ الْكُلِّيَّةِ. ثُمَّ كُتُبُ الْفِقْهِ عَتِيدَةٌ لِمَنْ أَرَادَهَا.
٣٠٣ - وَالْعَجَبُ لِمَنْ صَنَّفَ الْكِتَابَ الْمُتَرْجَمَ بِالْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ.
стр. 203
حَيْثُ ذَكَرَ جُمَلًا فِي أَحْكَامِ الْإِمَامَةِ فِي صَدْرِ الْكِتَابِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى نَقْلِ الْمَذَاهِبِ، وَلَمْ يُقْرِنِ الْمُخْتَارَ مِنْهَا بِحِجَاجِ وَإِيضَاحِ مِنْهَاجٍ بِهِ اكْتِرَاثٌ، وَأَحْسَنُ مَا فِيهِ تَرْتِيبُ أَبْوَابٍ، وَذِكْرُ تَقَاسِيمَ وَأَلْقَابٍ، ثُمَّ لَيْسَ لِتَقَاسِيمِهِ صَدَرٌ عَنْ دِرَايَةٍ وَهِدَايَةٍ إِلَى دَرْكِ مَنْشَأِ الْأَقْسَامِ عَنْ قَوَاعِدِهَا وَأُصُولِهَا، وَجَرَى لَهُ اخْتِبَاطٌ وَزَلَلٌ كَثِيرٌ فِي النَّقْلِ، ثُمَّ ذَكَرَ كُتُبًا مِنِ الْفِقْهِ فَسَرَدَهَا سَرْدًا وَطَرْدَهَا عَلَى مَسَالِكِ الْفُقَهَاءِ طَرْدًا، وَلَمْ يَأْتِ بِهَا مُنَقِّحًا مُوَضِّحًا عَلَى طُرُقِ الْفُقَهَاءِ، فَذَكَرَ طَرَفًا مِنْ كِتَابِ السِّيَرِ، وَقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَأَدَبِ الْقُضَاةِ، وَقَسْمِ الْفَيْءِ وَالْغَنَائِمِ.
وَلَمْ أَذْكُرْ مَا ذَكَرْتُهُ غَايِبًا ثَالِبًا، بَلْ ذَكَرْتُهُ تَمْهِيدًا لِعُذْرِي أَنْ قَبَضْتُ الْكَلَامَ فِي غَيْرِ مَقْصُودِ الْكِتَابِ، وَأَحَلْتُهُ عَلَى فَنِّ الْفِقْهِ.
[تفصيل ما أجمله من خطة وترتيب]
[فَصْلٌ طَلَبُ مَا لَمْ يَحْصُلْ]
فَصْلٌ.
طَلَبُ مَا لَمْ يَحْصُلْ.
٣٠٤ - فَأَعُودُ الْآنَ إِلَى تَفْصِيلِ الْأَقْسَامِ.
فَأَمَّا الْجِهَادُ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ أَمْرٌ كُلِّيٌّ، وَقَدْ يَغْفُلُ الْمُتَجَرِّدُ لِلْفِقْهِ عَنْهُ، فَأَقُولُ:
стр. 204
ابْتَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ إِلَى الثَّقَلَيْنِ، وَحَتَّمَ عَلَى الْمُسْتَقِلِّينَ بِأَعْبَاءِ شَرِيعَتِهِ دَعْوَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: الدَّعْوَةُ الْمَقْرُونَةُ بِالْأَدِلَّةِ وَالْبَرَاهِينِ، وَالْمَقْصِدُ مِنْهَا إِزَالَةُ الشُّبُهَاتِ، وَإِيضَاحُ الْبَيِّنَاتِ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْحَقِّ بِأَوْضَحِ الدَّلَالَاتِ.
وَالْأُخْرَى: الدَّعْوَةُ الْقَهْرِيَّةُ الْمُؤَيَّدَةُ بِالسَّيْفِ الْمَسْلُولِ عَلَى الْمَارِقِينَ الَّذِينَ أَبَوْا وَاسْتَكْبَرُوا بَعْدَ وُضُوحِ الْحَقِّ الْمُبِينِ.
فَأَمَّا الْبَرَاهِينُ، فَقَدْ ظَهَرَتْ وَلَاحَتْ وَمُهِّدَتْ، وَالْكُفَّارُ بَعْدَ شُيُوعِهَا فِي رُتْبِ الْمُعَانِدِينَ، فَيَجِبُ وَضْعُ السَّيْفِ فِيهِمْ، حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهَا إِلَّا مُسْلِمٌ أَوْ مُسَالِمٌ.
٣٠٥ - وَقَدْ قَالَ طَوَائِفُ مِنَ الْفُقَهَاءِ: الْجِهَادُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَإِذَا قَامَ بِهِ مَنْ فِيهِ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَعَطَّلَ الْجِهَادُ حَرِجَ الْكَافَّةُ، عَلَى تَفَاصِيلَ مَعْرُوفَةٍ فِي مَسَالِكِ الْفِقْهِ.
стр. 205
ثُمَّ قَالُوا: يَجِبُ أَنْ يَنْتَهِضَ إِلَى كُلِّ صَوْبٍ مِنْ أَصَوَابِ بِلَادِ الْكُفْرِ فِي الْأَقْطَارِ، عِنْدَ الِاقْتِدَارِ عَسْكَرٌ جَرَّارٌ فِي السَّنَةِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَزَعَمُوا أَنَّ الْفَرْضَ يَسْقُطُ بِذَلِكَ.
٣٠٦ - وَهَذَا عِنْدِي ذُهُولٌ عَنِ التَّحْصِيلِ ; فَيَجِبُ إِدَامَةُ الدَّعْوَةِ الْقَهْرِيَّةِ فِيهِمْ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ، وَلَا يَتَخَصَّصُ ذَلِكَ بِأَمَدٍ مَعْلُومٍ فِي الزَّمَانِ، فَإِنِ اتَّفَقَ جِهَادٌ فِي جِهَةٍ، ثُمَّ صَادَفَ الْإِمَامُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ النَّاحِيَةِ غِرَّةً، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ فُرْصَةٍ، وَتَيَسَّرَ إِنْهَاضُ عَسْكَرٍ إِلَيْهِمْ، تَعَيَّنَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ.
وَلَوِ اسْتَشْعَرَ مِنْ رِجَالِ الْمُسْلِمِينَ ضَعْفًا، وَرَأَى أَنْ يُهَادِنَ الْكُفَّارَ عَشْرَ سِنِينَ، سَاغَ ذَلِكَ، فَالْمُتَّبَعُ فِي ذَلِكَ الْإِمْكَانُ لَا الزَّمَانُ.
وَلَكِنَّ كَلَامَ الْفُقَهَاءِ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَمْرِ الْوَسَطِ الْقَصْدِ فِي غَالِبِ الْعُرْفِ، فَإِنَّ جُنُودَ الْإِسْلَامِ إِذَا لَمْ يَلْحَقْهَا وَهَنٌ، وَلَمْ يَتَجَاوَزْ عَدَدُهُمْ وَعُدَدُهُمُ الْمَعْرُوفَ فِي مُسْتَمَرِّ الْعُرْفِ، فَإِذَا غَزَتْ فِرَقًا
стр. 206
أَحْزَابًا فِي أَقْطَارِ الدِّيَارِ، فَكَابَدُوا مِنَ الشَّقَاءِ وَالْعَنَاءِ وَوَعْثَاءِ الْأَسْفَارِ، وَمُصَادَمَةِ أَبْطَالِ الْكُفَّارِ مَا كَابَدُوا، وَعَضَّهُمُ السِّلَاحُ، وَفَشَى فِيهِمُ الْجِرَاحُ، وَهَزَلَتْ دَوَابُّهُمْ، وَتَبَتَّرَتْ أَسْبَابُهُمْ، فَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ لَا يَقْوَوْنَ عَلَى افْتِتَاحِ غَزْوَةٍ أُخْرَى، مَا لَمْ يَتَوَدَّعُوا سَنَةً، فَجَرَى مَا ذَكَرُوهُ عَلَى حُكْمِ الْغَالِبِ.
فَأَمَّا إِذَا كَثُرَ عَدَدُ جُنْدِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتَمْكَنَ الْإِمَامُ مِنْ تَجْهِيزِ جَيْشٍ بَعْدَ انْصِرَافِ جَيْشٍ، فَلْيَفْعَلْ ذَلِكَ جَادًّا مُجْتَهِدًا، عَالِمًا بِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِمُكَاوَحَةِ الْكُفَّارِ مَا بَقِيَ مِنْهُمْ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ دِيَارٌ، ثُمَّ لَا يُؤْثَرُ لِذَوِي الْبَأْسِ وَالنَّجْدَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الِاسْتِئْثَارُ، وَالِانْفِرَادُ وَالِاسْتِبْدَادُ بِالْأَنْفُسِ فِي الْجِهَادِ، بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَصْدُرُوا عَنْ رَأْيِ صَاحِبِ الْأَمْرِ، حَتَّى يَكُونَ كَالِئَهُمْ، وَرِدْأَهُمْ، وَمُرَاعِيَهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ، فَلَا يَضِيعُونَ فِي غَالِبِ الظُّنُونِ.
стр. 207
٣٠٧ - وَمِمَّا يَجِبُ الْإِحَاطَةُ بِهِ أَنَّ مُعْظَمَ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ مِمَّا لَا تَتَخَصَّصُ بِإِقَامَتِهَا الْأَئِمَّةُ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كَافَّةِ أَهْلِ الْإِمْكَانِ أَنْ لَا يُغْفِلُوهُ، وَلَا يَغْفَلُوا عَنْهُ، كَتَجْهِيزِ الْمَوْتَى، وَدَفْنِهِمْ، وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ.
وَأَمَّا الْجِهَادُ فَمَوْكُولٌ إِلَى الْإِمَامِ، ثُمَّ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إِدَامَةُ النَّظَرِ فِيهِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ، فَيَصِيرُ أَمْرُ الْجِهَادِ فِي حَقِّهِ بِمَثَابَةِ فَرَائِضِ الْأَعْيَانِ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ تَطَوَّقَ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَصَارَ مَعَ اتِّحَادِ شَخْصِهِ كَأَنَّهُ الْمُسْلِمُونَ بِأَجْمَعِهِمْ، فَمِنْ حَيْثُ انْتَاطَ جَرُّ الْجُنُودِ وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ وَالْبُنُودِ بِالْإِمَامِ، وَهُوَ نَائِبٌ عَنْ كَافَّةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، صَارَ قِيَامُهُ بِهَا عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ بِهِ كَصَلَاتِهِ الْمَفْرُوضَةِ الَّتِي يُقِيمُهَا.
٣٠٨ - وَأَمَّا سَائِرُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَإِنَّهَا مُتَوَزِّعَةٌ عَلَى الْعِبَادِ فِي الْبِلَادِ، وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِالْإِمَامِ. نَعَمْ. إِنِ ارْتَفَعَ إِلَى مَجْلِسِ
стр. 208
الْإِمَامِ أَنَّ قَوْمًا فِي قُطْرٍ مِنْ أَقْطَارِ الْإِسْلَامِ يُعَطِّلُونَ فَرْضًا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ زَجَرَهُمْ وَحَمَلَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ بِهِ.
فَهَذَا مُنْتَهَى مَا أَرَدْنَاهُ فِي الْجِهَادِ.
٣٠٩ - ثُمَّ الْقَوْلُ فِي كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ وَالْغَنَائِمِ وَالْأَسْرَى مِنَ النِّسَاءِ وَالذَّرَّارِي وَالْمُقَاتِلَةِ يُسْتَقْصَى فِي كِتَابِ السِّيَرِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ.
[فَصْلٌ حِفْظُ مَا حَصَلَ]
[عناية الأمة بالثغور والحصون والقلاع]
فَصْلٌ.
حِفْظُ مَا حَصَلَ.
٣١٠ - وَأَمَّا اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ بِسَدِّ الثُّغُورِ، فَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحَصِّنَ أَسَاسَ الْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَيَسْتَذْخِرَ لَهَا بِذَخَائِرِ الْأَطْعِمَةِ، وَمُسْتَنْقَعَاتِ الْمِيَاهِ، وَاحْتِفَارِ الْخَنَادِقِ، وَضُرُوبِ الْوَثَائِقِ، وَإِعْدَادِ الْأَسْلِحَةِ وَالْعَتَادِ، وَآلَاتِ الصَّدِّ وَالدَّفْعِ، وَيُرَتِّبَ فِي كُلِّ ثَغْرٍ مِنَ الرِّجَالِ مَا يَلِيقُ بِهِ. وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْثِرُوا فَيَجُوعُوا، أَوْ يُقِلُّوا فَيَضِيعُوا.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي كُلِّ ثَغْرٍ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَوْ أَتَاهُ جَيْشٌ، لَاسْتَقَلَّ
стр. 209
أَهْلُهُ بِالدِّفَاعِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ خَبَرُهُمُ الْإِمَامَ، أَوْ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمَرَاءِ الْإِسْلَامِ. وَإِنْ رَأَى أَنْ يُرَتِّبَ فِي نَاحِيَةٍ جُنْدًا ضَخْمًا يَسْتَقِلُّونَ بِالدَّفْعِ لَوْ قُصِدُوا، وَيَشُنُّونَ الْغَارَاتِ عَلَى أَطْرَافِ دِيَارِ الْكُفَّارِ، فَيُقَدِّمُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَرَاهُ الْأَصْوَبَ وَالْأَصْلَحَ، وَالْأَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْغَرَضِ. وَالْأَصَحُّ مُعَوَّلًا، بَعْدَ جِدِّهِ عَلَى فَضْلِ رَبِّهِ لَا عَلَى جَدِّهِ.
٣١١ - وَأَمَّا نَفْضُ أَهْلِ الْغَرَامَةِ مِنْ خِطَّةِ الْإِسْلَامِ، فَفِيهِ انْتِظَامُ الْأَحْكَامِ، وَلَا تَصْفُو نِعْمَةٌ عَنِ الْأَقْذَاءِ، مَا لَمْ يَأْمَنْ أَهْلُ الْإِقَامَةِ وَالْأَسْفَارِ مِنَ الْأَخْطَارِ وَالْأَغْرَارِ، فَإِذَا اضْطَرَبَتِ الطُّرُقُ، وَانْقَطَعَتِ الرِّفَاقُ، وَانْحَصَرَ النَّاسُ فِي الْبِلَادِ، وَظَهَرَتْ دَوَاعِي الْفَسَادِ، تَرَتَّبَ عَلَيْهِ غَلَاءُ الْأَسْعَارِ، وَخَرَابُ الدِّيَارِ، وَهَوَاجِسُ الْخُطُوبِ الْكِبَارِ، فَالْأَمْنُ وَالْعَافِيَةُ قَاعِدَتَا النِّعَمِ كُلِّهَا، وَلَا يُهْنَأُ بِشَيْءٍ مِنْهَا دُونَهَا ; فَلْيَنْتَهِضِ الْإِمَامُ لِهَذَا الْمُهِمِّ، وَلِيُوَكِّلْ بِذَلِكَ
стр. 210
الَّذِينَ يَخِفُّونَ وَإِذَا حَزَبَ خَطْبٌ لَا يَتَوَاكَلُونَ، وَلَا يَتَجَادَلُونَ، وَلَا يَرْكَنُونَ إِلَى الدَّعَةِ وَالسُّكُونِ، وَيَتَسَارَعُونَ إِلَى لِقَاءِ الْأَشْرَارِ بَدَارَ الْفَرَاشِ إِلَى النَّارِ، فَلَيْسَ لِلنَّاجِمِينَ مِنَ الْمُتَلَصِّصِينَ مِثْلُ أَنْ يُبَادَرُوا قَبْلَ أَنْ يَتَجَمَّعُوا أَوْ يَتَأَلَّبُوا، وَتَتَّحِدَ كَلِمَتُهُمْ، وَيَسْتَقِرُّ قَدَمُهُمْ. ثُمَّ يَنْدُبُ لِكُلِّ صُقْعٍ مِنْ ذَوِي الْبَأْسِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِكِفَايَةِ هَذَا الْمُهِمِّ.
٣١٢ - وَإِذَا تَمَهَّدَتِ الْمَمَالِكُ، وَتَوَطَّدَتِ الْمَسَالِكُ، انْتَشَرَ النَّاسُ فِي حَوَائِجِهِمْ، وَدَرَجُوا فِي مَدَارِجِهِمْ، وَتَقَاذَفَتْ أَخْبَارُ الدِّيَارِ مَعَ تَقَاصِي الْمَزَارِ إِلَى الْإِمَامِ، وَصَارَتْ خِطَّةُ الْإِسْلَامِ كَأَنَّهَا بِمَرْأًى مِنْهُ وَمَسْمَعٍ، وَاتَّسَقَ أَمْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَاطْمَأَنَّ إِلَى الْأَمَنَةِ الْوَرَى، وَالْإِمَامُ فِي حُكْمِ الْبَذْرَقَةِ فِي الْبِلَادِ لِلسُّفْرَةِ وَالْحَاضِرَةِ، فَلْيَكْلَأْهُمْ بِعَيْنٍ سَاهِرَةٍ، وَبَطْشَةٍ قَاهِرَةٍ.
[فَصْلُ الْخُصُومَاتِ]
٣١٣ - فَأَمَّا فَصْلُ الْخُصُومَاتِ فَمِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ، وَلَوْلَاهُ لَتَنَازَعَ الْخَلْقُ، وَتَمَانَعُوا وَتَدَافَعُوا، فَلْيُرَتِّبِ الْإِمَامُ لَهَا الْقُضَاةَ، ثُمَّ الْقَوْلُ فِي أَحْكَامِهِمْ، مُسْتَقْصًى فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ مِنَ الْفِقْهِ.
стр. 211
٣١٤ - وَأَمَّا زَجْرُهُ الْغُوَاةَ، وَرَدْعُ الطُّغَاةِ، بِضُرُوبِ الْعُقُوبَاتِ، فَنَبْسُطُ الْقَوْلَ فِيهِ قَلِيلًا فِي أَحْكَامِ الْإِيَالَاتِ، فَنَقُولُ: الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى الزَّجْرِ بِنَصْبِ الْقِتَالِ، وَإِلَى إِقَامَةِ عُقُوبَاتٍ وَنَكَالٍ عَلَى آحَادٍ مِنَ الرِّجَالِ. فَأَمَّا الْقِتَالُ، فَالْقَوْلُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَتَفْصِيلِ صِفَاتِهِمْ، وَحَالَاتِهِمْ، وَدَفْعِهِمْ عَنِ الْبِلَادِ الَّتِي احْتَوَوْا عَلَيْهَا بِتَقْدِيمِ الْعُذْرِ أَوَّلًا، وَبِالْمُبَاحَثَةِ عَمَّا نَقَمُوهُ، وَإِسْعَافِهِمْ بِمُنَاهُمْ، إِنْ دَعَوْا إِلَى حَقٍّ، وَادَّعَوْا عَلَى صِدْقٍ، وَإِبَانَةِ حَيْدِهِمْ عَنْ سَنَنِ الصَّوَابِ، إِنْ عَرَتْهُمْ شَائِبَةُ الِارْتِيَابِ.
فَإِنْ أَبَوْا آذَنَهُمْ بِحَرْبٍ. كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ مَشْهُورٌ.
٣١٥ - وَيَتَعَلَّقُ الْقِتَالُ بِقُطَّاعِ الطُّرُقِ وَالرَّاصِدِينَ لِلطَّارِقِينَ، وَالْمُجَاهِدِينَ بِشَهْرِ الْأَسْلِحَةِ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ الْقُطَّاعِ، بِمَا فِيهِ أَكْمَلُ إِقْنَاعٍ.
وَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ الِاسْتِسْلَامِ لِلْإِمَامِ وَالْإِذْعَانِ لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الِامْتِنَاعِ مَنْعَةٌ وَشَوْكَةٌ، اقْتُهِرَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ.
стр. 212
وَإِنِ اسْتَظْهَرَ الْمُمْتَنِعُونَ بِشَوْكَةٍ دُعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ عَادُوا فَذَاكَ، وَإِلَّا صَدَمَهُمُ الْإِمَامُ بِشَوْكَةٍ تَفُضُّ صَدْمَتَهُمْ، وَتَفُلُّ غَرْبَهُمْ وَمَنْعَتَهُمْ.
[الحكم في أهل البدع]
٣١٦ - وَمِمَّا أَحَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ: الْقَوْلُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ إِذَا كَثُرُوا، فَيَدْعُوهُمُ الْإِمَامُ إِلَى الْحَقِّ فَإِنْ أَبَوْا زَجَرَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إِظْهَارِ الْبِدَعِ، فَإِنْ أَصَرُّوا، سَطَا بِهِمْ عِنْدَ امْتِنَاعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الطَّاعَةِ، وَقَاتَلَهُمْ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ جَمْعٍ يَعْتَزُونَ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا سَلُّوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ رِبْقَةِ الطَّاعَةِ.
وَإِنْ ضَمِنُوا لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُظْهِرُوا الْبِدَعَ، وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُمْ سَيَبُثُّونَ الدَّعْوَةَ سِرًّا، وَيَجُرُّونَ إِلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ شَرًّا، وَإِنْ لَمْ يَتَظَاهَرُوا بِهَا جَهْرًا، فَيَحْرِصُ الْإِمَامُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمْ عَلَى خَافِيَةٍ، بَعْدَ تَقْدِيمِ الْإِنْذَارِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي تَعْزِيرِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ. فَإِنْ جَانَبُوا الِائْتِلَافَ، وَأَبْدَوْا صَفْحَةَ الْخِلَافِ، وَتَمَيَّزُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَتَجَمَّعُوا لِلْخُرُوجِ عَنْ رَبْطِ الطَّاعَةِ، نَصَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ إِذَا امْتَنَعُوا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ، وَعِظَمِ شَوْكَتِهِمْ لَا يُطَاقُونَ.
стр. 213
فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْبَاغِي إِذَا اسْتَحْفَلَ شَأْنُهُ، وَتَمَادَى زَمَانُهُ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَهُ، وَدَافَعَهُ بِمَنْ مَعَهُ، لَاصْطَلَمَ الْبَاغِي أَتْبَاعَهُ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِلِقَائِهِ إِلَّا فِرَطَ عَنَائِهِ، وَاسْتِئْصَالَ أَوْلِيَائِهِ.
٣١٧ - فَالْوَجْهُ أَنْ يُدَارِيَ وَيَسْتَعِدَّ جُهْدَهُ، فَإِنْ سَقَطَتْ مُنَّةُ الْإِمَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَهَذَا إِمَامٌ سَقَطَتْ طَاعَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ.
٣١٨ - فَهَذَا بَيَانُ الْقَوْلِ فِي مُقَاتَلَةِ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَتِمَّةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ إِذَا أَدَّى إِلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ مَظْنُونَةٍ، وَدَعَا إِلَى مُوجَبِ اجْتِهَادِهِ قَوْمًا فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، كَمَا قَاتَلَ الصِّدِّيقُ ﵁ مَانِعِي الزَّكَاةِ، فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، ثُمَّ قِتَالُهُ إِيَّاهُمْ لَا يَعْتَمِدُ ظَنًّا، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ تَعْرِيضَ الْمُسْلِمِينَ لِلْقَتْلِ مِنَ الْفِئَتَيْنِ عَلَى ظَنٍّ وَحَدْسٍ، وَتَخْمِينِ نَفْسٍ، بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ قَطْعًا فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْمُجْتَهِدَاتِ ; فَيُرَتَّبُ الْقِتَالُ عَلَى أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فِي الْأَمْرِ
стр. 214
الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَظْنُونًا، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ إِتِّبَاعُ الْإِمَامِ فِي مَسَائِلِ التَّحَرِّي لَمَا تَأْتِي فَصْلَ الْخُصُومَاتِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ، وَلَاسْتَمْسَكَ كُلُّ خَصْمٍ بِمَذْهَبِهِ وَمَطْلَبِهِ، وَبَقِيَ الْخُصَمَاءُ فِي مَجَالِ خِلَافِ الْفُقَهَاءِ مُرْتَبِكِينَ فِي خُصُومَاتٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَمُعْظَمُ حُكُومَاتِ الْعِبَادِ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ.
قَدْ نَجُزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ نَصْبِ الْقِتَالِ عَلَى الْمَارِقِينَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الْإِمَامِ.
[الْعُقُوبَاتُ الَّتِي يُقِيمُهَا عَلَى آحَادِ النَّاسِ]
٣١٩ - فَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ الَّتِي يُقِيمُهَا عَلَى آحَادِ النَّاسِ فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ.
فَأَمَّا الْحُدُودُ فَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي مُقْتَضَيَاتِهَا، وَتَفَاصِيلُ الْمَذَاهِبِ فِي كَيْفِيَّاتِهَا، وَإِقَامَاتِهَا فِي أَوْقَاتِهَا، وَسَبِيلُ إِثْبَاتِهَا، وَذِكْرُ مُسْقِطَاتِهَا مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهِيَ بِجُمْلَتِهَا مُفَوَّضَةٌ إِلَى الْأَئِمَّةِ، وَالَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْأُمُورَ مِنْ جِهَتِهِمْ.
وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ. فَإِنْ كَانَ خَالِصَ حَقِّ الْآدَمِيِّ ; فَلَيْسَ لِمُسْتَحِقِّيهِ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ الرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ.
стр. 215
٣٢٠ - وَأَمَّا التَّعْزِيرَاتُ، فَهِيَ أَيْضًا مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَلِّقَاتٍ بِمُوجِبَاتٍ لَهَا وَأَسْبَابٍ: فَمِنْهَا مَا يَكُونُ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ، وَيُسْتَوْفَى بِطَلَبِهِ، وَمِنْهَا مَا يَثْبُتُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِارْتِبَاطِهِ بِسَبَبٍ هُوَ حَقُّ اللَّهِ. ثُمَّ رَأَى الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ التَّعْزِيرَاتِ لَا تَتَحَتَّمُ تَحَتُّمَ الْحُدُودِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا ثَبَتَتْ فَلَا خِيرَةَ فِي دَرْئِهَا، وَلَا تَرَدُّدَ فِي إِقَامَتِهَا، وَالتَّعْزِيرَاتُ مُفَوَّضَةٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. فَإِنْ رَأَى التَّجَاوُزَ وَالصَّفْحَ تَكَرُّمًا، فَعَلَ، وَلَا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ، فِيمَا عَمِلَ. وَإِنْ رَأَى إِقَامَةَ التَّعْزِيرِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا فَرَأْيُهُ الْمُتَّبَعُ، وَفِي الْعَفْوِ وَالْإِقَالَةِ مُتَّسَعٌ.
وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ تَحَيُّزًا مُسْتَنِدًا إِلَى التَّمَنِّي، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَرَى مَا هُوَ الْأَوْلَى، وَالْأَلْيَقُ وَالْأَحْرَى، فَرُبَّ عَفْوٍ هُوَ أَوْزَعُ لِكَرِيمٍ مِنْ تَعْزِيرٍ، وَقَدْ يَرَى مَا صَدَرَ عَنْهُ عَثْرَةً هِيَ بِالْإِقَالَةِ حَرِيَّةٌ، وَالتَّجَاوُزُ عَنْهَا يَسْتَحِثُّ عَلَى اسْتِقْبَالِ الشِّيَمِ الْمُرْضِيَّةِ، وَلَوْ يُؤَاخِذُ الْإِمَامُ النَّاسَ بِهَفَوَاتِهِمْ، لَمْ يَزَلْ دَائِبًا فِي عُقُوبَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى
следующие страницы →