Полный текст (522 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
٣١٤ - وَأَمَّا زَجْرُهُ الْغُوَاةَ، وَرَدْعُ الطُّغَاةِ، بِضُرُوبِ الْعُقُوبَاتِ، فَنَبْسُطُ الْقَوْلَ فِيهِ قَلِيلًا فِي أَحْكَامِ الْإِيَالَاتِ، فَنَقُولُ: الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى الزَّجْرِ بِنَصْبِ الْقِتَالِ، وَإِلَى إِقَامَةِ عُقُوبَاتٍ وَنَكَالٍ عَلَى آحَادٍ مِنَ الرِّجَالِ. فَأَمَّا الْقِتَالُ، فَالْقَوْلُ فِيهِ يَتَعَلَّقُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَتَفْصِيلِ صِفَاتِهِمْ، وَحَالَاتِهِمْ، وَدَفْعِهِمْ عَنِ الْبِلَادِ الَّتِي احْتَوَوْا عَلَيْهَا بِتَقْدِيمِ الْعُذْرِ أَوَّلًا، وَبِالْمُبَاحَثَةِ عَمَّا نَقَمُوهُ، وَإِسْعَافِهِمْ بِمُنَاهُمْ، إِنْ دَعَوْا إِلَى حَقٍّ، وَادَّعَوْا عَلَى صِدْقٍ، وَإِبَانَةِ حَيْدِهِمْ عَنْ سَنَنِ الصَّوَابِ، إِنْ عَرَتْهُمْ شَائِبَةُ الِارْتِيَابِ.
فَإِنْ أَبَوْا آذَنَهُمْ بِحَرْبٍ. كُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ مَشْهُورٌ.
٣١٥ - وَيَتَعَلَّقُ الْقِتَالُ بِقُطَّاعِ الطُّرُقِ وَالرَّاصِدِينَ لِلطَّارِقِينَ، وَالْمُجَاهِدِينَ بِشَهْرِ الْأَسْلِحَةِ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي بَابِ الْقُطَّاعِ، بِمَا فِيهِ أَكْمَلُ إِقْنَاعٍ.
وَكُلُّ مَنِ امْتَنَعَ عَنْ الِاسْتِسْلَامِ لِلْإِمَامِ وَالْإِذْعَانِ لِجَرَيَانِ الْأَحْكَامِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الِامْتِنَاعِ مَنْعَةٌ وَشَوْكَةٌ، اقْتُهِرَ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمُوَافَقَةِ الْجَمَاعَةِ.
стр. 212
وَإِنِ اسْتَظْهَرَ الْمُمْتَنِعُونَ بِشَوْكَةٍ دُعُوا إِلَى الطَّاعَةِ، فَإِنْ عَادُوا فَذَاكَ، وَإِلَّا صَدَمَهُمُ الْإِمَامُ بِشَوْكَةٍ تَفُضُّ صَدْمَتَهُمْ، وَتَفُلُّ غَرْبَهُمْ وَمَنْعَتَهُمْ.
[الحكم في أهل البدع]
٣١٦ - وَمِمَّا أَحَلْنَاهُ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ مِمَّا تَقَدَّمَ: الْقَوْلُ فِي أَهْلِ الْبِدَعِ إِذَا كَثُرُوا، فَيَدْعُوهُمُ الْإِمَامُ إِلَى الْحَقِّ فَإِنْ أَبَوْا زَجَرَهُمْ، وَنَهَاهُمْ عَنْ إِظْهَارِ الْبِدَعِ، فَإِنْ أَصَرُّوا، سَطَا بِهِمْ عِنْدَ امْتِنَاعِهِمْ عَنْ قَبُولِ الطَّاعَةِ، وَقَاتَلَهُمْ مُقَاتَلَةَ الْبُغَاةِ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي كُلِّ جَمْعٍ يَعْتَزُونَ إِلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذَا سَلُّوا أَيْدِيَهُمْ عَنْ رِبْقَةِ الطَّاعَةِ.
وَإِنْ ضَمِنُوا لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُظْهِرُوا الْبِدَعَ، وَعَلِمَ الْإِمَامُ أَنَّهُمْ سَيَبُثُّونَ الدَّعْوَةَ سِرًّا، وَيَجُرُّونَ إِلَى عَامَّةِ الْخَلْقِ شَرًّا، وَإِنْ لَمْ يَتَظَاهَرُوا بِهَا جَهْرًا، فَيَحْرِصُ الْإِمَامُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُمْ عَلَى خَافِيَةٍ، بَعْدَ تَقْدِيمِ الْإِنْذَارِ إِلَيْهِمْ، ثُمَّ يَتَنَاهَى فِي تَعْزِيرِ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ. فَإِنْ جَانَبُوا الِائْتِلَافَ، وَأَبْدَوْا صَفْحَةَ الْخِلَافِ، وَتَمَيَّزُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ، وَتَجَمَّعُوا لِلْخُرُوجِ عَنْ رَبْطِ الطَّاعَةِ، نَصَبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالَ إِذَا امْتَنَعُوا، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ لِكَثْرَتِهِمْ، وَعِظَمِ شَوْكَتِهِمْ لَا يُطَاقُونَ.
стр. 213
فَالْقَوْلُ فِيهِمْ كَالْقَوْلِ فِي الْبَاغِي إِذَا اسْتَحْفَلَ شَأْنُهُ، وَتَمَادَى زَمَانُهُ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْإِمَامِ أَنَّهُ لَوْ صَادَفَهُ، وَدَافَعَهُ بِمَنْ مَعَهُ، لَاصْطَلَمَ الْبَاغِي أَتْبَاعَهُ وَأَشْيَاعَهُ، وَلَمْ يَسْتَفِدْ بِلِقَائِهِ إِلَّا فِرَطَ عَنَائِهِ، وَاسْتِئْصَالَ أَوْلِيَائِهِ.
٣١٧ - فَالْوَجْهُ أَنْ يُدَارِيَ وَيَسْتَعِدَّ جُهْدَهُ، فَإِنْ سَقَطَتْ مُنَّةُ الْإِمَامِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَهَذَا إِمَامٌ سَقَطَتْ طَاعَتُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ فِي صِفَاتِ الْأَئِمَّةِ.
٣١٨ - فَهَذَا بَيَانُ الْقَوْلِ فِي مُقَاتَلَةِ فِرَقِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَتِمَّةُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ اجْتِهَادَ الْإِمَامِ إِذَا أَدَّى إِلَى حُكْمٍ فِي مَسْأَلَةٍ مَظْنُونَةٍ، وَدَعَا إِلَى مُوجَبِ اجْتِهَادِهِ قَوْمًا فَيَتَحَتَّمُ عَلَيْهِمْ مُتَابَعَةُ الْإِمَامِ، فَإِنْ أَبَوْا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ، كَمَا قَاتَلَ الصِّدِّيقُ ﵁ مَانِعِي الزَّكَاةِ، فِي الْقِصَّةِ الْمَعْرُوفَةِ، ثُمَّ قِتَالُهُ إِيَّاهُمْ لَا يَعْتَمِدُ ظَنًّا، فَإِنَّهُ لَا يَسُوغُ تَعْرِيضَ الْمُسْلِمِينَ لِلْقَتْلِ مِنَ الْفِئَتَيْنِ عَلَى ظَنٍّ وَحَدْسٍ، وَتَخْمِينِ نَفْسٍ، بَلْ يَجِبُ اتِّبَاعُ الْإِمَامِ قَطْعًا فِيمَا يَرَاهُ مِنَ الْمُجْتَهِدَاتِ ; فَيُرَتَّبُ الْقِتَالُ عَلَى أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ، وَهُوَ تَحْرِيمُ مُخَالَفَةِ الْإِمَامِ فِي الْأَمْرِ
стр. 214
الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَصْلُهُ مَظْنُونًا، وَلَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ إِتِّبَاعُ الْإِمَامِ فِي مَسَائِلِ التَّحَرِّي لَمَا تَأْتِي فَصْلَ الْخُصُومَاتِ فِي الْمُجْتَهَدَاتِ، وَلَاسْتَمْسَكَ كُلُّ خَصْمٍ بِمَذْهَبِهِ وَمَطْلَبِهِ، وَبَقِيَ الْخُصَمَاءُ فِي مَجَالِ خِلَافِ الْفُقَهَاءِ مُرْتَبِكِينَ فِي خُصُومَاتٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَمُعْظَمُ حُكُومَاتِ الْعِبَادِ فِي مَوَارِدِ الِاجْتِهَادِ.
قَدْ نَجُزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ نَصْبِ الْقِتَالِ عَلَى الْمَارِقِينَ الْمُنَافِقِينَ عَلَى الْإِمَامِ.
[الْعُقُوبَاتُ الَّتِي يُقِيمُهَا عَلَى آحَادِ النَّاسِ]
٣١٩ - فَأَمَّا الْعُقُوبَاتُ الَّتِي يُقِيمُهَا عَلَى آحَادِ النَّاسِ فَهِيَ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ.
فَأَمَّا الْحُدُودُ فَاسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي مُقْتَضَيَاتِهَا، وَتَفَاصِيلُ الْمَذَاهِبِ فِي كَيْفِيَّاتِهَا، وَإِقَامَاتِهَا فِي أَوْقَاتِهَا، وَسَبِيلُ إِثْبَاتِهَا، وَذِكْرُ مُسْقِطَاتِهَا مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَهِيَ بِجُمْلَتِهَا مُفَوَّضَةٌ إِلَى الْأَئِمَّةِ، وَالَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْأُمُورَ مِنْ جِهَتِهِمْ.
وَالْقِصَاصُ فِي النَّفْسِ وَالطَّرَفِ. فَإِنْ كَانَ خَالِصَ حَقِّ الْآدَمِيِّ ; فَلَيْسَ لِمُسْتَحِقِّيهِ اسْتِيفَاؤُهُ دُونَ الرَّفْعِ إِلَى السُّلْطَانِ.
стр. 215
٣٢٠ - وَأَمَّا التَّعْزِيرَاتُ، فَهِيَ أَيْضًا مُفَصَّلَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ فِي أَبْوَابٍ مُتَعَلِّقَاتٍ بِمُوجِبَاتٍ لَهَا وَأَسْبَابٍ: فَمِنْهَا مَا يَكُونُ حَقًّا لِلْآدَمِيِّ يَسْقُطُ بِإِسْقَاطِهِ، وَيُسْتَوْفَى بِطَلَبِهِ، وَمِنْهَا مَا يَثْبُتُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِارْتِبَاطِهِ بِسَبَبٍ هُوَ حَقُّ اللَّهِ. ثُمَّ رَأَى الشَّافِعِيُّ ﵀ أَنَّ التَّعْزِيرَاتِ لَا تَتَحَتَّمُ تَحَتُّمَ الْحُدُودِ، فَإِنَّ الْحُدُودَ إِذَا ثَبَتَتْ فَلَا خِيرَةَ فِي دَرْئِهَا، وَلَا تَرَدُّدَ فِي إِقَامَتِهَا، وَالتَّعْزِيرَاتُ مُفَوَّضَةٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ. فَإِنْ رَأَى التَّجَاوُزَ وَالصَّفْحَ تَكَرُّمًا، فَعَلَ، وَلَا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ، فِيمَا عَمِلَ. وَإِنْ رَأَى إِقَامَةَ التَّعْزِيرِ تَأْدِيبًا وَتَهْذِيبًا فَرَأْيُهُ الْمُتَّبَعُ، وَفِي الْعَفْوِ وَالْإِقَالَةِ مُتَّسَعٌ.
وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ تَحَيُّزًا مُسْتَنِدًا إِلَى التَّمَنِّي، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَرَى مَا هُوَ الْأَوْلَى، وَالْأَلْيَقُ وَالْأَحْرَى، فَرُبَّ عَفْوٍ هُوَ أَوْزَعُ لِكَرِيمٍ مِنْ تَعْزِيرٍ، وَقَدْ يَرَى مَا صَدَرَ عَنْهُ عَثْرَةً هِيَ بِالْإِقَالَةِ حَرِيَّةٌ، وَالتَّجَاوُزُ عَنْهَا يَسْتَحِثُّ عَلَى اسْتِقْبَالِ الشِّيَمِ الْمُرْضِيَّةِ، وَلَوْ يُؤَاخِذُ الْإِمَامُ النَّاسَ بِهَفَوَاتِهِمْ، لَمْ يَزَلْ دَائِبًا فِي عُقُوبَاتِهِمْ، وَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى
стр. 216
- ﵇: " «أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ» " وَلَوْ تَجَاوَزَ عَنْ عَرِمٍ خَبِيثٍ لَا يَزْدَادُ بِالتَّجَاوُزِ عَنْهُ إِلَّا تَمَادِيًا وَاسْتِجْرَاءً، وَتَهَجُّمًا وَاعْتِدَاءً، فَلَيْسَ لَهُ الصَّفْحُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ.
٣٢١ - ثُمَّ التَّعْزِيرَاتُ لَا تَبْلُغُ الْحُدُودَ عَلَى مَا فَصَلَهُ الْفُقَهَاءُ. وَمَا يَتَعَيَّنُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ الْآنَ، وَهُوَ مَقْصُودُ الْفَصْلِ أَنَّ أَبْنَاءَ الزَّمَانِ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّ مَنَاصِبَ السَّلْطَنَةِ وَالْوِلَايَةِ لَا تَسْتَدُّ إِلَّا عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ ﵁ وَكَانَ يَرَى الِازْدِيَادَ عَلَى مَبَالِغِ الْحُدُودِ فِي التَّعْزِيرَاتِ، وَيُسَوِّغُ لِلْوَالِي أَنْ يَقْتُلَ فِي التَّعْزِيرِ. وَنَقَلَ النَّقَلَةُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَ ثُلُثَ الْأُمَّةِ فِي اسْتِصْلَاحِ ثُلُثَيْهَا.
٣٢٢ - وَذَهَبَ بَعْضُ الْجَهَلَةِ عَنْ غِرَّةٍ وَغَبَاوَةٍ أَنَّ مَا جَرَى فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ التَّخْفِيفَاتِ، كَانَ سَبَبَهَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ
стр. 217
بِصَفْوَةِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ يَكْفِي فِي رَدْعِهِمُ التَّنْبِيهُ الْيَسِيرُ وَالْمِقْدَارُ الْقَرِيبُ مِنَ التَّعْزِيرِ، وَأَمَّا الْآنَ، فَقَدْ قَسَتِ الْقُلُوبُ، وَبَعُدَتِ الْعُهُودُ، وَوَهَنَتِ الْعُقُودُ، وَصَارَ مُتَشَبَّثَ عَامَّةِ الْخَلْقِ الرَّغَبَاتُ وَالرَّهَبَاتُ، فَلَوْ وَقَعَ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا كَانَ مِنَ الْعُقُوبَاتِ، لَمَا اسْتَمَرَّتِ السِّيَاسَاتُ.
٣٢٣ - وَهَذَا الْفَنُّ قَدْ يَسْتَهِينُ بِهِ الْأَغْبِيَاءُ، وَهُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ تَسَبُّبٌ إِلَى مُضَادَّةِ مَا ابْتُعِثَ بِهِ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ.
وَعَلَى الْجُمْلَةِ مَنْ ظَنَّ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تُتَلَقَّى مِنِ اسْتِصْلَاحِ الْعُقَلَاءِ، وَمُقْتَضَى رَأْيِ الْحُكَمَاءِ، فَقَدْ رَدَّ الشَّرِيعَةَ، وَاتَّخَذَ كَلَامَهُ هَذَا إِلَى رَدِّ الشَّرَائِعِ ذَرِيعَةً.
وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ، لَسَاغَ رَجْمُ مَنْ لَيْسَ مُحْصَنًا إِذَا زَنَا فِي زَمَنِنَا هَذَا لِمَا خَيَّلَهُ هَذَا الْقَائِلُ، وَلَجَازَ الْقَتْلُ بِالتُّهَمِ فِي الْأُمُورِ الْخَطِيرَةِ، وَلَسَاغَ إِهْلَاكُ مَنْ يَخَافُ غَائِلَتَهُ فِي بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ، إِذَا ظَهَرَتِ الْمَخَايِلُ وَالْعَلَامَاتُ، وَبَدَتِ الدَّلَالَاتُ، وَلَجَازَ الِازْدِيَادُ عَلَى مَبَالِغِ الزَّكَوَاتِ عِنْدَ ظُهُورِ الْحَاجَاتِ.
стр. 218
٣٢٤ - وَهَذِهِ الْفُنُونُ فِي رَجْمِ الظُّنُونِ، لَوْ تَسَلَّطَتْ عَلَى قَوَاعِدِ الدِّينِ، لَاتَّخَذَ كُلُّ مَنْ يَرْجِعُ إِلَى مُسْكَةٍ مِنْ عَقْلٍ فِكْرَهُ شَرْعًا، وَلَانْتَحَاهُ رَدْعًا وَمَنْعًا، فَتَنْتَهِضُ هَوَاجِسُ النُّفُوسِ حَالَّةً مَحَلَّ الْوَحْيِ إِلَى الرُّسُلِ. ثُمَّ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ ; فَلَا يَبْقَى لِلشَّرْعِ مُسْتَقَرٌّ وَثَبَاتٌ.
هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ. ثَقُلَ الِاتِّبَاعُ عَلَى بَعْضِ بَنِي الدَّهْرِ، فَرَامَ أَنْ يَجْعَلَ عَقْلَهُ الْمَعْقُولَ عَنْ مَدَارِكِ الرَّشَادِ، فِي دِينِ اللَّهِ أَسَاسًا، وَلِاسْتِصْوَابِهِ رَاسًا، حَتَّى يَنْفُضَ مِذْرَوَيْهِ، وَيَلْتَفِتَ فِي عِطْفَيْهِ اخْتِيَالًا وَشِمَاسًا.
فَإِذًا لَا مَزِيدَ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَبَالِغِ التَّعْزِيرِ.
٣٢٥ - فَإِنْ سَطَا مُعْتَدٍ، وَتَعَدَّى مَرَاسِمَ الشَّرْعِ، فَلْيُرَ ذَلِكَ حَيْدًا عَنْ دِينِ الْمُصْطَفَى ﷺ عَلَى الْقَطْعِ، وَمَنِ اعْتَدَى عَالِمًا أَنَّهُ
стр. 219
ارْتَكَبَ ذَنْبًا وَاقْتَحَمَ حُوبًا، فَهُوَ عَاصٍ غَيْرُ آيِسٍ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْوَيْلُ كُلُّ الْوَيْلِ لِمَنْ يَقْتَرِفُ الْكَبَائِرَ، وَيَرَاهَا بِمُقْتَضَى الِاسْتِصْوَابِ الَّذِي عَنَّ لَهُ عَنْ دِينِ الْمُصْطَفَى.
فَالْحَقُّ الْمُتَّبَعُ مَا نَقَلَهُ الْأَثْبَاتُ عَنْ سَيِّدِ الْوَرَى، وَمَا سِوَاهُ مُحَالٌ، وَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ؟ .
وَمَا أَقْرَبَ هَذَا الْمَسْلَكُ مِنْ عَقْدِ مَنْ يَتَّخِذُ سَنَنَ الْأَكَاسِرَةِ وَالْمُلُوكِ الْمُنْقَرِضِينَ عُمْدَةَ الدِّينِ، وَمَنْ تَشَبَّثَ بِهَذَا، فَقَدِ انْسَلَّ عَنْ رِبْقَةِ الدِّينِ انْسِلَالَ الشَّعْرَةِ عَنِ الْعَجِينِ.
٣٢٦ - وَإِنَّمَا أَرْخَيْتُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَضْلَ زِمَامِي ; وَجَاوَزْتُ حَدَّ الِاقْتِصَادِ فِي كَلَامِي، لِأَنِّي تَخَيَّلْتُ انْبِثَاثَ هَذَا الدَّاءِ الْعُضَالِ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ، فَقَدْ حَكَى لِي بَعْضُ الْمَرْمُوقِينَ بِالْعَقْلِ الرَّاجِحِ حِكَايَةً، فَقَالَ: دَخَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى بَعْضِ الْمُلُوكِ، فَسَأَلَهُ الْمَلِكُ عَنِ الْوِقَاعِ
стр. 220
فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، فَقَالَ مُجِيبًا: عَلَى مَنْ يَصْدُرُ ذَلِكَ مِنْهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ.
فَقِيلَ لِلْعَالِمِ - بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَنِ الْمَجْلِسِ - أَلَيْسَ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ مُقَدَّمًا عَلَى الصِّيَامِ فِي حَقِّ الْمُقْتَدِرِ عَلَيْهِ؟ وَالسَّائِلُ كَانَ مَلِكَ الزَّمَانِ الَّذِي تَرْكَعُ لَهُ التِّيجَانُ. فَقَالَ: لَوْ ذَكَرْتُ لَهُ الْإِعْتَاقَ لَاسْتَهَانَ بِالْوِقَاعِ فِي رَمَضَانَ، وَلَأَعْتَقَ عَبْدًا عَلَى الْفَوْرِ فِي الْمَكَانِ. فَإِذَا عَلِمْتَ أَنَّهُ يَثْقُلُ عَلَيْهِمْ صَوْمُ شَهْرَيْنِ تِبَاعًا ذَكَرْتَهُ لِيُفِيدَهُ ارْعِوَاءً وَامْتِنَاعًا.
٣٢٧ - وَأَنَا أَقُولُ: إِنْ صَحَّ هَذَا مِنْ مُعْتَزٍ إِلَى الْعُلَمَاءِ، فَقَدْ كَذَبَ عَلَى دِينِ اللَّهِ، وَافْتَرَى، وَظَلَمَ نَفْسَهُ، وَاعْتَدَى، وَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ فِي هَذِهِ الْفَتْوَى، وَدَلَّ عَلَى انْتِهَائِهِ فِي الْخِزْيِ إِلَى الْأَمْرِ الْأَقْصَى، ثَكِلَتْهُ أُمُّهُ لَوْ أَرَادَ مَسْلَكًا رَادِعًا، وَقَوْلًا وَازِعًا
стр. 221
فَاجِعًا، لَذَكَرَ مَا يَتَعَرَّضُ لِصَاحِبِ الْوَاقِعَةِ مِنْ سُخْطِ اللَّهِ، وَأَلِيمِ عِقَابِهِ، وَحَاقِّ عَذَابِهِ، وَأَبَانَ لَهُ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ، وَإِنْ أَتَتْ عَلَى ذَخَائِرِ الدُّنْيَا، وَاسْتَوْعَبَتْ خَزَائِنَ مَنْ غَبَرَ وَمَضَى، لَمَا قَابَلَتْ هَمًّا بِخَطِيئَةٍ فِي شَهْرِ اللَّهِ الْمُعَظَّمِ وَحِمَاهُ الْمُحَرَّمِ. وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ الْكَفَّارَاتِ لَمْ تَثْبُتْ مُمَحِّصَاتٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَكَانَ يُغْنِيهِ الْحَقُّ عَنِ التَّصْرِيفِ وَالتَّحْرِيفِ.
وَلَوْ ذَهَبْنَا نَكْذِبُ لِلْمُلُوكِ وَنُطَبِّقُ أَجْوِبَةَ مَسَائِلِهِمْ عَلَى حَسَبِ اسْتِصْلَاحِهِمْ طَلَبًا لِمَا نَظُنُّهُ مِنْ فَلَاحِهِمْ لَغَيَّرْنَا دِينَ اللَّهِ بِالرَّأْيِ، ثُمَّ لَمْ نَثِقْ بِتَحْصِيلِ صَلَاحٍ وَتَحْقِيقِ نَجَاحٍ، فَإِنَّهُ قَدْ يَشِيعُ فِي ذَوِي الْأَمْرِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْعَصْرِ يُحَرِّفُونَ الشَّرْعَ بِسَبَبِهِمْ، فَلَا يَعْتَمِدُونَهُمْ، وَإِنْ صَدَقُوهُمْ. فَلَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ أَمْرِهِمْ إِلَّا الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ، وَعَلَى رَسُولِهِ، وَالسُّقُوطَ عَنْ مَرَاتِبِ الصَّادِقِينَ، وَالِالْتِحَاقَ بِمَنَاصِبِ الْمُمَخْرِقِينَ الْمُنَافِقِينَ.
стр. 222
٣٢٩ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ رُوِيَ أَنَّ حَدَّ الشُّرْبِ كَانَ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ ثُمَّ رَأَى عُمَرُ ﵁ لَمَّا تَتَابَعَ النَّاسُ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ، وَاسْتَقَلُّوا ذَلِكَ الْقَدْرَ مِنَ الْجَلْدِ أَنْ يَجْلِدَ الشَّارِبَ ثَمَانِينَ، وَسَاعَدَهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ.
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَأْخُذُ الْعِلْمَ مِنْ بُعْدٍ! ! ! لِيَعْلَمَ هَذَا السَّائِلُ أَنَّ عُقُوبَةَ الشَّارِبِ لَمْ تَثْبُتْ مُقَدَّرَةً مَحْدُودَةً فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ «رُوِيَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَى مَجْلِسِهِ شَارِبٌ بَعْدَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ، فَأَمَرَ الْحَاضِرِينَ بِأَنْ يَضْرِبُوهُ بِالنِّعَالِ، وَأَطْرَافِ الثِّيَابِ، وَيُبَكِّتُوهُ، وَيُحْثُوا التُّرَابَ عَلَيْهِ» .
ثُمَّ رَأَى أَبُو بَكْرٍ الْجَلْدَ، فَكَانَ يَجْلِدُ أَرْبَعِينَ. مُجْتَهِدًا غَيْرَ بَانٍ عَلَى تَوْقِيفٍ وَتَقْدِيرٍ فِي الْحَدِّ، ثُمَّ رَأَى عُمَرُ مَا رَأَى.
стр. 223
وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ ﵁: " لَا أَحُدُّ رَجُلًا فَيَمُوتَ، فَأَجِدُ فِي نَفْسِي مِنْهُ شَيْئًا مِنْ أَنَّ الْحَقَّ قَتَلَهُ إِلَّا شَارِبَ الْخَمْرِ: فَإِنَّهُ شَيْءٌ رَأَيْنَاهُ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ".
فَكَأَنَّ عُقُوبَةَ الشَّارِبِ تُضَاهِي التَّعْزِيرَاتِ الْمُفَوَّضَةَ إِلَى رَأْيِ الْأَئِمَّةِ فِي مِقْدَارِهَا. وَإِنْ كَانَ لَا يَسُوغُ الصَّفْحُ عَنْهَا.
فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُ السَّائِلُ أَنْ يَتَّخِذَ قِصَّةً مُشْكِلَةً عَلَى الصَّحَابَةِ مَلَاذَهُ فِي تَغْيِيرِ دِينِ الْمُصْطَفَى ﷺ .
وَإِذْ قَضَيْتُ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ وَطَرِي فَأَقُولُ بَعْدَهُ:
٣٣٠ - لَسْتُ أَرَى لِلسُّلْطَانِ اتِّسَاعًا فِي التَّعْزِيرِ إِلَّا فِي إِطَالَةِ الْحَبْسِ، وَهُوَ صَعْبُ الْمَوْقِعِ جِدًّا، وَلَيْسَ الْحَبْسُ ثَابِتًا فِي
стр. 224
حَدٍّ، حَتَّى يُحَطَّ التَّعْزِيرُ عَنْهُ، وَيَسُوغُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْبِسَ فِي دِرْهَمٍ أَمَدًا بَعِيدًا إِلَى اتِّفَاقِ الْقَضَاءِ أَوِ الْإِبْرَاءِ.
وَقَدْ مَنَعَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ تَبْلِيغَ مُدَّةِ الْحَبْسِ فِي التَّعْزِيرِ سَنَةً نَظَرًا إِلَى مُدَّةِ التَّغْرِيبِ فِي حَدِّ الزِّنَا، وَهَذَا فَاسِدٌ عِنْدِي ; لِمَا قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ ; وَلَيْسَ التَّغْرِيبُ حَدًّا كَامِلًا فَيَنْقُصُ عَلَيْهِ تَعْزِيرٌ، وَإِنَّمَا هُوَ جُزْءٌ مِنْ حَدٍّ فَلْيَتَفَطَّنْ لِذَلِكَ النَّاظِرُ.
٣٣١ - وَقَدْ كُنْتُ أَحَلْتُ عَلَى هَذَا الْفَصْلَ شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَهَذَا أَوانُ الْوَفَاءِ بِهِ، فَأَقُولُ: إِنْ نَبَغَ فِي النَّاسِ دَاعٍ فِي الضَّلَالَةِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَنْكَفُّ عَنْ دَعْوَتِهِ وَنَشْرِ غَائِلَتِهِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَمْنَعَهُ وَيَنْهَاهُ وَيَتَوَعَّدَهُ لَوْ حَادَ عَنِ ارْتِسَامِ أَمْرِهِ وَأَبَاهُ، فَلَعَلَّهُ يَنْزَجِرُ وَعَسَاهُ، ثُمَّ يَكِلُ بِهِ مَوْثُوقًا بِهِ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ وَلَا يَرَاهُ، فَإِنْ عَادَ إِلَى مَا عَنْهُ نَهَاهُ، بَالَغَ فِي تَعْزِيرِهِ، وَرَاعَى حَدَّ الشَّرْعِ، وَتَحَرَّاهُ، ثُمَّ يُثَنِّي عَلَيْهِ الْوَعِيدَ وَالتَّهْدِيدَ، وَيُبَالِغُ فِي مُرَاقَبَتِهِ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ، وَيُرَشِّحُ مَجْهُولِينَ
стр. 225
يَجْلِسُونَ إِلَيْهِ عَلَى هَيْئَاتٍ مُتَفَاوِتَاتٍ، وَيَعْتَزُونَ إِلَى مَذْهَبِهِ، وَيَسْتَرْشِدُونَهُ، وَيَتَدَرَّجُونَ إِلَى التَّعَلُّمِ وَالتَّلَقِّي مِنْهُ. فَإِنْ أَبْدَى شَيْئًا أَطْلَعُوا السُّلْطَانَ عَلَيْهِ ; فَيَتَسَارَعُ إِلَى تَأْدِيبِهِ، وَالتَّنْكِيلِ بِهِ، وَإِذَا تَكَرَّرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، أَوْشَكَ أَنْ يَمْتَنِعَ وَيَرْتَدِعَ.
ثُمَّ إِنِ انْكَفَّ، فَهُوَ الْغَرَضُ، وَإِنْ تَمَادَى فِي دَعَوَاتِهِ أَعَادَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ تَنْكِيلَهُ وَعُقُوبَاتِهِ، فَتَبْلُغُ الْعُقُوبَاتُ مَبَالِغَ تُرْبِي عَلَى الْحُدُودِ، وَإِنَّمَا يَتَسَبَّبُ إِلَى تَكْثِيرِ الْعُقُوبَاتِ بِأَنْ يُبَادِرَهُ بِالتَّأْدِيبِ مَهْمَا عَادَ، وَإِذَا تَخَلَّلَتِ الْعُقُوبَاتُ فِي أَثْنَاءِ مُوجِبَاتِهَا، تَعَدَّدَتْ وَتَجَدَّدَتْ، فَلَا يَبْرَأُ جِلْدُهُ عَنْ تَعْزِيرٍ وَجَلَدَاتِ نَكَالٍ، حَتَّى تَحِلَّ بِهِ عُقُوبَةٌ أُخْرَى.
٣٣٢ - وَالَّذِي يُبْدِيهِ أَصْحَابُ السِّيَاسَاتِ أَنَّ التَّعْزِيرَ الْمَحْطُوطَ عَنِ الْحَدِّ لَا يُزَعُ وَلَا يُدْفَعُ، وَغَايَتُهُمْ أَنْ يَزِيدُوا عَلَى مَوَاقِفِ الشَّرِيعَةِ، وَيَتَعَدَّوْهَا لِيَتَوَصَّلُوا بِزَعْمِهِمْ إِلَى أَغْرَاضٍ رَأَوْهَا فِي الْإِيَالَةِ.
стр. 226
وَالْمَسْلَكُ الَّذِي مَهَّدْنَاهُ يَتَضَمَّنُ الزَّجْرَ الْأَعْظَمَ، وَالرَّدْعَ الْأَتَمَّ، وَاسْتِمْرَارَ الْعُقُوبَاتِ، مَعَ تَقْدِيرِ الْمُعَاوَدَاتِ. فَإِنِ انْكَفَّ بِالْقَلِيلِ - وَالْكَثِيرُ مُحَرَّمٌ - فَلَا أَرَبَ فِي تَعْذِيبِ مُسْلِمٍ، وَإِنْ أَبَى عُدْنَا لَهُ.
وَإِنَّمَا يَنْسَلُّ عَنْ ضَبْطِ الشَّرْعِ مَنْ لَمْ يُحِطْ بِمَحَاسِنِهِ، وَلَمْ يَطَّلِعْ عَلَى خَفَايَاهُ وَمَكَامِنِهِ، فَلَا يَسْبِقُ إِلَى مَكْرُمَةٍ سَابِقٌ إِلَّا وَلَوْ بَحَثَ عَنِ الشَّرِيعَةِ، لَأَلْفَاهَا أَوْ خَيْرًا مِنْهَا فِي وَضْعِ الشَّرْعِ.
وَلَوْ لَمْ يَأْمَنِ الْإِمَامُ مَعَ التَّنَاهِي فِي الْمُرَاقَبَةِ وَالْمُثَابَرَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ غَائِلَةَ الْمُبْتَدِعِ أَطَالَ حَبْسَهُ وَحَصَرَ نَفْسَهُ.
٣٣٣ - فَهَذَا مَسْلَكُ السَّدَادِ، وَمَنْهَجُ الرَّشَادِ وَالِاقْتِصَادِ، وَمَا عَدَاهُ سَرَفٌ وَمُجَاوَزَةُ حَدٍّ، وَغُلُوٌّ وَعُتُوٌّ، وَالْأَنْبِيَاءُ ﵈ مَبْعُوثُونَ بِحَسْمِ الْمَرَاسِمِ، وَالدُّعَاءِ إِلَى قَصْدِ الْأُمُورِ.
٣٣٤ - وَمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا نَحْنُ فِيهِ أَنَّ الْمُتَعَلِّقِينَ بِضَبْطِ الْأَحْوَالِ عَلَى حُكْمِ الِاسْتِصْوَابِ فِي كُلِّ بَابٍ، يَرَوْنَ رَدْعَ أَصْحَابِ التُّهَمِ قَبْلَ إِلْمَامِهِمْ بِالْهَنَاتِ، وَالسَّيِّئَاتِ، وَالشَّرْعُ لَا يُرَخِّصُ فِي ذَلِكَ.
стр. 227
وَالَّذِي انْتَزَعْتُ مِنَ الشَّرْعِ مَا يُقَرِّبُ سُبُلَ تَحْصِيلِ الْغَرَضِ فِي هَذَا: فَمِنْ آدَابِ الدِّينِ أَنْ لَا يَقِفَ الْإِنْسَانُ فِي مَوَاقِفِ التُّهَمِ، فَالْوَجْهُ أَنْ يَنْهَى الْإِمَامُ مَنْ يَتَصَدَّى لَهَا عَنْ ذَلِكَ عَلَى جَزْمٍ وَبَتٍّ، فَإِنْ عَادَ عَاقَبَهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ أَمْرَ سُلْطَانِهِ، وَاسْتِجْرَائِهِ عَلَى وَالِي زَمَانِهِ، فَيَكُونُ هَذَا تَطَرُّقًا إِلَى الرَّدْعِ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْعِ.
٣٣٥ - وَمِمَّا كُنْتُ أَحَلْتُهُ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ عَلَى هَذَا الْفَصْلِ الْقَوْلُ فِي تَوْبَةِ الزِّنْدِيقِ، وَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْ سَلَفِ هَذِهِ الْأَمَّةِ إِلَى أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ بَعْدَمَا ظَهَرَتْ زَنْدَقَتُهُ، فَإِنَّ مَنْ عَقْدِهِ أَنْ يُظْهِرَ خِلَافَ مَا يُضْمِرُ، وَيَتَّقِي النَّاسَ، وَيُبْدِي الْوِفَاقَ ; وَيُضْمِرَ الِالْتِبَاسَ فَالَّذِي أَبْدَاهُ مِنْ تَوْبَتِهِ عَيَّنَ مَذْهَبَهُ فِي زَنْدَقَتِهِ.
стр. 228
٣٣٦ - وَهَذَا خَارِجٌ عِنْدِي عَنْ قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنِّي لَا أَعْرِفُ خِلَافًا أَنَّ عَسْكَرًا مِنْ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ إِذَا أَنَاخُوا بِسَاحَةِ الْكُفَّارِ، فَلَمَّا أَظَلَّتْهُمُ السُّيُوفُ، وَعَايَنُوا مَخَايِلَ الْحُتُوفِ، نَطَقُوا بِكَلِمَتَيِ الشَّهَادَةِ، فَيُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِمْ، وَإِنْ تَحَقَّقْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يُلْهَمُوا الْهِدَايَةَ لِدِينِ الْحَقِّ الْآنَ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدَارِي الْمُنَافِقِينَ مَعَ الْقَطْعِ وَتَوَاتُرِ الْوَحْيِ بِنِفَاقِهِمْ وَشِقَاقِهِمْ، وَهُوَ الْقُدْوَةُ وَالْأُسْوَةُ، فَالْوَجْهُ إِذًا فِي كَفِّ شَرِّ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ فِي دَفْعِ عَادِيَةِ الدَّاعِي إِلَى بِدْعَتِهِ، وَالتَّسَبُّبُ إِلَى الْحَبْسِ بِالْمَسْلَكِ الْمَذْكُورِ لَائِقٌ بِالزَّنَادِقَةِ.
فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، وَلَا يُدْرِكُ مَا ضَمَّنَّاهُ هَذَا الْفَصْلَ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ مَقَاصِدِ ذَوِي الْإِيَالَةِ وَمُوَافَقَةِ الشَّرِيعَةِ، إِلَّا مَنْ وَفَرَ حَظُّهُ مِنَ الْعُلُومِ، وَدُفِعَ إِلَى مَضَائِقِ الْحَقَائِقِ، وَاللَّهُ الْمَشْكُورُ عَلَى الْمَيْسُورِ وَالْمَعْسُورِ، إِنَّهُ الْوَدُودُ الْغَفُورُ.
انْتَهَى مَرَامُنَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعُقُوبَاتِ مِنْ أَحْكَامِ الْإِيَالَاتِ.
стр. 229
الْقِيَامُ عَلَى الْمُشْرِفِينَ عَلَى الضَّيَاعِ .
[القيام على المشرفين على الضياع]
٣٣٧ - وَلَمْ يَبْقَ مِمَّا رَسَمْنَاهُ فِي حِفْظِ مَنْ فِي الْخِطَّةِ إِلَّا الْقِيَامُ عَلَى الْمُشْرِفِينَ عَلَى الضَّيَاعِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى الْوِلَايَاتِ، وَإِلَى سَدِّ الْحَاجَاتِ، وَإِنْقَاذِ ذَوِي الْفَاقَاتِ.
فَأَمَّا الْوِلَايَةُ، فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ مِنَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إِلَى وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَحِفْظِ الْأَمْوَالِ.
وَاسْتِيفَاءُ الْقَوْلِ فِي الْوِلَايَتَيْنِ مِنْ فَنِّ الْفِقْهِ، فَلْيَطْلُبْهُ طَالِبُهُ مِنَ الْمُشْتَغِلِينَ بِهِ.
٣٣٨ - وَأَمَّا سَدُّ الْحَاجَاتِ وَالْخَصَاصَاتِ فَمِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَذَا ضَرْبٌ مِنَ الْكَلَامِ الْكُلِّيِّ، وَقَدْ لَا يُلْفَى مَجْمُوعًا فِي الْفِقْهِ.
فَأَقُولُ: إِذَا بَنَيْنَا عَلَى غَالِبِ الْأَمْرِ فِي الْعَادَاتِ، وَفَرَضْنَا انْتِفَاءَ الزَّمَانِ عَنِ الْحَوَائِجِ وَالْعَاهَاتِ، وَضُرُوبِ الْآفَاتِ، وَوُفِّقَ
стр. 230
الْمُثْرُونَ الْمُوسِرُونَ لِأَدَاءِ الزَّكَوَاتِ، انْطَبَقَتْ فَضَلَاتُ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ عَلَى أَقْدَارِ الْحَاجَاتِ.
وَإِنْ قُدِّرَتْ آفَةٌ وَأَزْمٌ وَقَحْطٌ وَجَدْبٌ، عَارَضَهُ تَقْدِيرُ رَخَاءٍ فِي الْأَسْعَارِ تَزِيدُ مَعَهُ أَقْدَارُ الزَّكَوَاتِ عَلَى مَبَالِغِ الْحَاجَاتِ، فَالْوَجْهُ اسْتِحْثَاثُ الْخَلْقِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، عَلَى أَدَاءِ مَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فِي السُّنَّةِ، فَإِنِ اتَّفَقَ مَعَ بَذْلِ الْمَجْهُودِ فِي ذَلِكَ فُقَرَاءُ مُحْتَاجُونَ لَمْ تَفِ الزَّكَوَاتُ بِحَاجَاتِهِمْ، فَحَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَجْعَلَ الِاعْتِنَاءَ بِهِمْ مِنْ أَهَمِّ أَمْرٍ فِي بَالِهِ، فَالدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا لَا تَعْدِلُ تَضَرُّرَ فَقِيرٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي ضُرٍّ، فَإِنِ انْتَهَى نَظَرُ الْإِمَامِ إِلَيْهِمْ، رَمَّ مَا اسْتَرَمَّ مِنْ أَحْوَالِهِمْ، مِنَ الْجِهَاتِ الَّتِي سَيَأْتِي عَلَيْهَا شَرَحُنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
стр. 231
٣٣٩ - فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ نَظَرُ الْإِمَامِ، وَجَبَ عَلَى ذَوِي الْيَسَارِ وَالِاقْتِدَارِ الْبِدَارُ إِلَى رَفْعِ الضِّرَارِ عَنْهُمْ، وَإِنْ ضَاعَ فَقِيرٌ بَيْنَ ظَهَرَانِي مُوسِرِينَ، حَرِجُوا مِنْ عِنْدِ آخِرِهِمْ، وَبَاءُوا بِأَعْظَمِ الْمَآثِمِ، وَكَانَ اللَّهُ طَلِيبَهُمْ وَحَسِيبَهُمْ.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : " «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فَلَا يَبِيتَنَّ لَيْلَةً شَبْعَانَ وَجَارُهُ طَاوٍ» " وَإِذَا كَانَ تَجْهِيزُ الْمَوْتَى مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَحِفْظُ مُهَجِ الْأَحْيَاءِ، وَتَدَارُكُ حَشَاشَةَ الْفُقَرَاءِ أَتَمُّ وَأَهَمُّ.
٣٤٠ - وَمَقْصُودُ هَذَا الْفَصْلِ مَا نَذْكُرُهُ الْآنَ: فَلَوْ بُلِيَ أَهْلُ بَلَدٍ بِقَحْطٍ، وَكَشَّرَتِ الشِّدَّةُ عَنْ أَنْيَابِهَا، وَبَثَّتِ الْمَنُونُ بَدَائِعَ أَسْبَابِهَا، وَعَلِمَ مَنْ مَعَهُ بَلَاغٌ أَنَّهُمْ لَوْ صَفَّرُوا أَيْدِيَهُمْ، وَفَرَّقُوا مَا مَعَهُمْ، لَافْتَقَرُوا افْتِقَارَهُمْ، فَلَا نُكَلِّفُهُمْ أَنْ
стр. 232
يُنْهُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَى الضَّرَرِ النَّاجِزِ، وَالِافْتِقَارِ الْعَاجِلِ ; فَإِنَّهُمْ لَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ هَلَكُوا مَعَ الْهَالِكِينَ، وَلَوْ تَمَاسَكُوا أَوْشَكَ أَنْ يَبْقَوْا، وَيَبْقَى بِبَقَائِهِمْ مِنْ نَفَضَاتِ أَمْوَالِهِمْ مَضْرُورُونَ، وَغَايَتُنَا أَنْ نَذْكُرَ الْأَصْلَحَ عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ، وَمَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يَكُونَ كَانَ.
٣٤١ - وَلَا يَبِينُ مَا نُحَاوِلُهُ إِلَّا بِذِكْرِ مَسْأَلَةٍ عَلَى الْأَحْكَامِ تُخَالِفُ بِظَاهِرِهَا مَا افْتَتَحْنَاهُ: فَلَوْ فَرَضْنَا مُصْطَحِبَيْنِ فِي الْأَسْفَارِ فِي بَعْضِ الْقِفَارِ، وَانْتَهَى أَحَدُهُمَا إِلَى الْمَخْمَصَةِ، وَمَعَ الثَّانِي مَا يُبْلِغُهُ فِي غَالِبِ الظَّنِّ إِلَى الْعُمْرَانِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَنْ يَسُدَّ رَمَقَ رَفِيقِهِ، وَيَكْتَفِيَ بِبَلَاغٍ يَكْفِيهِ فِي طَرِيقِهِ. وَلَا نُكَلِّفُ الْمُوسِرِينَ فِي هَذِهِ الشِّدَّةِ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى كِفَايَةِ يَوْمِهِمْ، وَيُفَرِّقُوا بَاقِيَ أَمْوَالِهِمْ عَلَى الْمَحَاوِيجِ، وَيَرْقُبُوا أَمْرَ اللَّهِ فِي غَدِهِمْ، وَلَا يَسُوغُ لَهُمْ أَنْ يَغْفُلُوا عَنْ أُمُورِ الْمَسَاكِينِ أَصْلًا، وَيَتْرُكُوهُمْ يَمُوتُونَ هَزْلًا.
وَالْأَمْرُ فِي الرَّفِيقَيْنِ مَفْرُوضٌ فِيهِ إِذًا قُرْبُ وُصُولِهِمَا إِلَى الْبُلْدَانِ
стр. 233
وَالْعُمْرَانِ، وَلَا يُعْوِزُ فِيهَا سَدَادٌ. وَامْتِدَادُ آمَادِ الْقَحْطِ لَا يُفْضِي إِلَى مُنْتَهَى الْعُلُومِ.
وَهَذَا يُنَاظِرُ مَا لَوْ كَانَ الرَّفِيقَانِ فِي مَتَاهَاتٍ لَا يَدْرِيَانِ مَتَى تَنْتَهِي بِهِمَا إِلَى الْعُمْرَانِ، فَلَا نُكَلِّفُ مَنْ مَعَهُ زَادٌ وَاسْتِعْدَادٌ أَنْ يُؤْثِرَ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَجْتَزِئَ بِحَاجَةِ يَوْمِهِ أَوْ وَقْتِهِ.
٣٤٢ - فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي إِذَا ظَهَرَ الضُّرُّ، وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ، وَأَنْشَبَتِ الْمَنِيَّةُ أَظْفَارَهَا، وَأَشْفَى الْمَضْرُورُونَ، وَاسْتَشْعَرَ الْمُوسِرُونَ، أَنْ يَسْتَظْهِرَ كُلُّ مُوسِرٍ بِقُوتِ سَنَةٍ، وَيَصْرِفَ الْبَاقِي إِلَى ذَوِي الضَّرُورَاتِ، وَأَصْحَابِ الْخَصَاصَاتِ، وَلَسْتُ أَقُولُ أَنَّ مُنْقَرَضَ السَّنَةِ يَسْتَعْقِبُ انْجِلَاءَ الْمِحَنِ، وَانْفِصَالَ الْفِتَنِ عَلَى عِلْمٍ أَوْ ظَنٍّ غَالِبٍ. وَلَكِنْ لَا سَبِيلَ إِلَى تَرْكِ الْفُقَرَاءِ عَلَى ضُرِّهِمْ، وَلَا نَعْرِفُ تَوْفِيقًا فِي الشَّرْعِ ضَابِطًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ فِيمَا يَبْذُلُهُ الْمُوسِرُ، وَفِيمَا يُبْقِيهِ، وَرَأَيْنَا فِي السُّنَّةِ قَوَاعِدَ شَرْعِيَّةً تُشِيرُ إِلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ، وَفِي اعْتِبَارِ السَّنَةِ أَيْضًا حَالَةً ظَنِّيَّةً عَقْلِيَّةً.
стр. 234
٣٤٣ - فَأَمَّا أَمَارَاتُ الشَّرْعِ فَمِنْ أَقْرَبِهَا تَعَلُّقُ وَظِيفَةَ الزَّكَاةِ بِانْقِضَاءِ السَّنَةِ، «وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ لِنِسَائِهِ فِي أَوْقَاتِ الْإِمْكَانِ قُوتَ سَنَةٍ» .
فَأَمَّا الْأَمْرُ الْعَقْلِيُّ، فَقَدْ يُظَنَّ أَنَّ الْأَحْوَالَ تَتَبَدَّلُ فِي انْقِضَاءِ السَّنَةِ، فَإِنَّهَا مُدَّةُ الْغَلَّاتِ، وَأَمَدُ الثَّمَرَاتِ، وَفِيهَا تَحُولُ الْأَحْوَالُ، وَتَزُولُ وَتَعْتَقِبُ الْفُصُولُ. ثُمَّ الْبَاذِلُونَ فِي بَذْلِهِمْ عَلَى غَرَرٍ وَخَطَرٍ. وَلَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ أَقْصَدُ مُعْتَبَرٍ، وَمَا ذَكَرْتُهُ بَيَانُ مَا يَسُوغُ، وَلَيْسَ أَمْرًا مَجْزُومًا، وَلَا حُكْمًا مَحْتُومًا، فَمَنْ طَابَتْ نَفْسُهُ بِإِيثَارِ أَخِيهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَالْإِيثَارُ مِنْ شِيَمِ الصَّالِحِينَ، وَسِيَرِ الْمُوَفَّقِينَ.
فَهَذَا مُنْقَرَضُ الْقَوْلِ فِي الْأُمُورِ الْجُزْئِيَّةِ، الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فِي حِفْظِ مَنْ فِي خِطَّةِ الْإِسْلَامِ.
٣٤٤ - فَإِنْ قِيلَ: لَمْ تَذْكُرُوا الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ.
قُلْنَا: الشَّرْعُ مِنْ مُفْتَتَحِهِ إِلَى مُخْتَتَمِهِ أَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِمَامِ فِيهِ مَا فَصَّلْنَاهُ، وَالدُّعَاءُ إِلَى الْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ
стр. 235
عَنِ الْمُنْكَرِ يَثْبُتُ لِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، إِذَا قَدِمُوا بِثَبْتٍ وَبَصِيرَةٍ، وَلَيْسَ إِلَى الرَّعِيَّةِ إِلَّا الْمَوَاعِظُ وَالتَّرْغِيبُ وَالتَّرْهِيبُ، مِنْ غَيْرِ فَظَاظَةٍ وَمَلَقٍ. وَمَنْ ظَهَرَ مِنْهُ الصِّدْقُ وَالدِّيَانَةُ، وَتَجَرَّدَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَوْضَحَ الْحَقَّ وَأَبَانَهُ، عَلَى تَخَضُّعٍ لِلَّهِ وَاسْتِكَانَةٍ، ثُمَّ زَانَ بِرِفْقِهِ شَانَهُ، وَمَا دَخَلَ الرِّفْقُ أَمْرًا إِلَّا زَانَهُ، نَجَعَ كَلَامُهُ فِي الْمُسْتَكْبِرِينَ فِي زَمَانِهِمْ، الْمُتَوَلِّينَ بِأَرْكَانِهِمْ فَإِنْ لَمْ يَرْعُوا ; لَمْ يَكُنْ لِلرَّعِيَّةِ الْمُكَاوَحَةُ، وَشَهْرُ الْأَسْلِحَةِ، وَلَكِنَّهُمْ يُنْهُونَ الْأُمُورَ إِلَى الْوُلَاةِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ يَرَوْنَ رَأْيَهُمْ فِي فُنُونِ الرَّدْعِ، كَمَا سَبَقَ تَفْصِيلُهَا.
٣٤٥ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ الْوُلَاةُ يَعْتَنُونَ بِتَقْوِيمِ الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ؟ قُلْنَا: إِنْ تَوَلَّى السُّلْطَانُ أَبْوَابًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، فَلَا مُعْتَرِضَ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلَكِنْ لَا يَخْتَصُّ بِهِ إِلَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالسِّيَاسَةِ. وَلَوْ تَصَدَّى لِلْأَمْرِ بِالتَّقْوِيمِ، وَالْجَرَيَانِ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ، وَالْمَسْلَكِ
стр. 236
الْمُسْتَقِيمِ آحَادٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مُحْتَسِبِينَ، كَانُوا غَيْرَ مَمْنُوعِينَ، وَلَا مَدْفُوعِينَ. نَعَمْ يَتَعَلَّقُ بِالْوَالِي أَنْ يُكَلِّفَ الْمُتَّهَمَ بِالتَّطْفِيفِ عَرْضَ مِيزَانِهِ وَمِكْيَالِهِ، وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِمَنْ لَيْسَ مَأْمُورًا مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ، وَهَذَا يَدْخُلُ تَحْتَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ فَصْلِ الْعُقُوبَاتِ، وَرَدْعِ الْمُتَّهَمِينَ بِمَا لَا يَرْضَى مِنَ الْخَيَالَاتِ، فَلَمْ أَرَ إِفْرَادَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ بِالذِّكْرِ.
أَمَّا تَفَاصِيلُ الْقَوْلِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنَّهُ يَحْوِيهِ كِتَابٌ يَلِيقُ بِالْفُقَهَاءِ أَنْ يَسْتَقْصُوهُ، فَوَكَّلُوهُ إِلَى الْمُتَكَلِّمِينَ، كَمَا وَكَّلُوا إِلَيْهِمُ التَّوْبَةَ، وَتَفَاصِيلَ الْأَقْوَالِ فِي الْخُرُوجِ عَنِ الْمَظَالِمِ، وَلَوْ حَاوَلْتُ قَوْلًا قَرِيبًا فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَسِيطًا، لَأَبَرَّ عَلَى قَدْرِ هَذَا الْكِتَابِ، وَلَمْ يَكُنْ حَاوِيًا بَسِيطًا.
انْتَهَى الْقَوْلُ فِي الْكُلِّيِّ وَالْجُزْئِيِّ، مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الْإِمَامُ الرَّعِيَّةَ.
стр. 237
[نَجْدَةُ الْإِمَامِ وَعُدَّتُهُ] [ خُطَّةٌ وَتَرْتِيبٌ]
جـ - نَجْدَةُ الْإِمَامِ وَعُدَّتُهُ.
خُطَّةٌ وَتَرْتِيبٌ.
٣٤٦ - وَالْآنَ أَبْتَدِئُ ذِكْرَ نَجْدَةِ الْإِمَامِ وَعُدَّتِهِ: لَيْسَ يَخْفَى عَلَى ذِي بَصِيرَةٍ أَنَّ الْإِمَامَ يَحْتَاجُ فِي مَنْصِبِهِ الْعَظِيمِ، وَخَطْبِهِ الشَّامِلِ الْعَمِيمِ، إِلَى الِاعْتِضَادِ بِالْعَدَدِ وَالْعَتَادِ، وَالِاسْتِعْدَادِ بِالْعَسَاكِرِ وَالْأَجْنَادِ، فَإِنَّهُ مُتَصَدٍّ لِحِرَاسَةِ الْبَيْضَةِ، وَحِفْظِ الْحَرِيمِ، وَالتَّشَوُّفِ إِلَى بِلَادِ الْكُفَّارِ ; فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَسْكَرُهُ مَعْقُودًا، يَرَوْنَ التَّطَلُّعَ إِلَى أَوَامِرِهِ شَوْفًا مَقْصُودًا وَمَطْمَحًا مَعْمُودًا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُعَوَّلُهُ الْمُتَطَوِّعَةَ الَّذِينَ لَا يَتَنَشَّئُونَ إِذَا نُدِبُوا مُبَادِرِينَ، حَتَّى يَتَأَهَّبُوا، وَيَسْتَعِدُّوا وَيَتَأَلَّبُوا وَلَنْ تَقُومَ الْمَمَالِكُ إِلَّا بِجُنُودٍ مُجَنَّدَةٍ، وَعَسَاكِرَ مُجَرَّدَةٍ، هُمْ مُشْرَئِبُّونَ لِلِانْتِدَابِ، مَهْمَا نُدِبُوا، بِعَزَائِمَ جَامِعَةٍ، وَآذَانٍ مُتَشَوِّفَةٍ إِلَى صَوْتِ هَائِعَةٍ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْمُرْتَزِقَةُ
стр. 238
لَا يَشْغَلُهُمْ عَنِ الْبِدَارِ دَهْقَنَةٌ وَتِجَارَةٌ، وَلَا يُلْهِيهِمْ تُرْفَةٌ وَلَا عِمَارَةٌ.
٣٤٧ - وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي زَمَنِهِ لَا يُدَوِّنُ دِيوَانًا، وَلَا يُجَرِّدُ لِلْجِهَادِ أَعْوَانًا، إِذْ كَانَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ يَخِفُّونَ إِلَى ارْتِسَامِ أَوَامِرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنَاةٍ وَاسْتِئْخَارٍ، وَانْقَرَضَ عَلَى ذَلِكَ زَمَنُ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ ثُمَّ لَمَّا انْتَهَتِ النَّوْبَةُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ جَنَّدَ الْجُنُودَ، وَعَسْكَرَ الْعَسَاكِرَ، وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ، وَصَارَتْ سِيرَتُهُ وَإِيَالَتُهُ أُسْوَةً لِلْعَالَمِينَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
٣٤٨ - فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَتَحَتَّمُ اسْتِظْهَارُ الْإِمَامِ بِالْأَعْوَانِ وَالْأَنْصَارِ فَلَابُدَّ مِنْ الِاسْتِعْدَادِ بِالْأَمْوَالِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْأَمْوَالَ الَّتِي يَجْمَعُهَا وَيُجْبِيهَا وَيَطْلُبُهَا وَيَنْتَحِيهَا، تَنْقَسِمُ إِلَى مَا يَتَعَيَّنُ مَصْرِفُهُ، وَإِلَى مَا يَعُمُّ انْبِسَاطُهُ عَلَى وُجُوهِ الْمَصَالِحِ.
стр. 239
وَتَفَاصِيلُ [الْأَقْوَالِ] فِي الْأَمْوَالِ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ. وَلَكِنِّي أَذْكُرُ تَرَاجِمَهَا، وَأَبْسُطُ الْقَوْلَ قَلِيلًا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْآيَاتِ الْكَبِيرَةِ مِنْهَا.
فَمِنَ الْأَمْوَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِمَصَارِفِ الزَّكَوَاتِ، وَهِيَ مَصْرُوفَةٌ إِلَى الْأَصْنَافِ الْمَوْصُوفِينَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَوْصَافٍ.
وَالْقَوْلُ فِي أَقْدَارِهَا وَمَحَالِّهَا، وَفِي مَصَارِفِهَا مَذْكُورٌ فِي كِتَابَيْنِ مِنَ الْفِقْهِ، يُعْرَفُ أَحَدُهُمَا بِكِتَابِ الزَّكَاةِ، وَالثَّانِي بِكِتَابِ قَسْمِ الصَّدَقَاتِ.
وَمِنْهَا أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ. وَالْفَيْءُ مَالُ كَافِرٍ عُثِرَ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ إِيجَافِ خَيْلٍ وَرِكَابٍ، وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الْجِزْيَةُ، وَالْأَخْرِجَةُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهَا مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَمْوَالُ الْمُرْتَدِّينَ، وَمَا يَتَخَلَّى عَنْهُ الْكُفَّارُ مِنْ غَيْرِ قِتَالِ مَذْعُورِينَ أَوْ مُخْتَارِينَ.
стр. 240
فَأَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ مَا وَصَفْنَاهُ تَخْتَصُّ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ بِالْمُرْتَزِقَةِ وَالْجُنْدِ الْمُتَرَتِّبَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ. وَالْقَوْلُ فِيهِ وَفِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَخُمُسِ الْفَيْءِ، مَذْكُورٌ فِي كِتَابٍ مُفْرَدٍ فِي فَنِّ الْفِقْهِ.
٣٤٩ - وَأَمَّا الْمَالُ الْعَامُّ، فَهُوَ مَالُ الْمَصَالِحِ، وَهُوَ خُمُسُ خُمُسِ الْفَيْءِ، وَخُمُسُ خُمُسِ الْغَنِيمَةِ، وَمَا يَخْلُفُهُ مُسْلِمٌ لَيْسَ لَهُ وَارِثٌ خَاصٌّ، وَيَلْتَحِقُ بِالْمُرْصَدِ لِلْمَصَالِحِ مَالٌ ضَائِعٌ لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ تَحَقَّقَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَةِ مَالِكِهِ وَمُسْتَحَقِّهِ.
فَهَذِهِ الْأَمْوَالُ الَّتِي تَحْوِيهَا يَدُ الْإِمَامِ، وَمَصَارِفُهَا مُقَرَّرَةٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهَا الِاخْتِلَافُ، وَمَسَالِكُ الظُّنُونِ، وَالْإِمَامُ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ، وَإِنِ اعْتَاصَتْ مَسْأَلَةٌ أَجَالَ فِيهَا فِكْرَهُ، وَرَدَّدَ نَظَرَهُ، وَاسْتَضَاءَ بِرَأْيِ الْعُلَمَاءِ، فَإِذَا غَلَبَ ظَنُّهُ مَضَى قُدُمًا، وَأَمْضَى مُقْتَضَى رَأْيِهِ.
وَلَا يَلِيقُ بِهَذَا الْكِتَابِ التَّعَرُّضُ لِتَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ الظَّنِّيَّةِ مَعَ اعْتِنَاءِ الْعُلَمَاءِ بِتَصْنِيفِهَا وَجَمْعِهَا وَتَأْلِيفِهَا.
٣٥٠ - فَالَّذِي أَذْكُرُهُ فِي الْأَمْوَالِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ تَفْتَقِرُ إِلَيْهَا الْإِيَالَةُ لَا مَحَالَةَ:
стр. 241
أَحَدُهَا: ذِكْرُ أَلْفَاظٍ وَجِيزَةٍ ضَابِطَةٍ لِجُمَلِ الْمَصَارِيفِ وَكُلِّيَّاتِهَا.
وَالثَّانِي: فِي تَحْقِيقِ الْقَوْلِ فِي أَنَّ الْإِمَامَ هَلْ يَنْزِفُ مَالَ بَيْتِ الْمَالِ كُلَّ سَنَةٍ، أَوْ يَسْتَظْهِرُ بِذَخِيرَةٍ لِيَكُونَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى بَصِيرَةٍ ; وَالثَّالِثُ: تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيهِ إِذَا نَفِدَتِ الْأَمْوَالُ، وَانْحَسَمَتْ مَجَالِبُهَا وَمَكَاسِبُهَا، فَكَيْفَ يَكُونُ مُضْطَرَبُهُ وَمَجَالُهُ؟ ، وَمِنْ أَيْنَ مَالُهُ؟ وَإِلَى مَاذَا يَئُولُ مَآلُهُ؟ .
[فَصْلٌ الضَّابِطُ فِي كُلِّيِّ الْمَصَارِفِ]
فَصْلٌ.
٣٥١ - فَأَمَّا الْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي كُلِّيِّ الْمَصَارِفِ فَأَقُولُ: مَنْ يَرْعَاهُ الْإِمَامُ بِمَا فِي يَدِهِ مِنَ الْمَالِ ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ مِنْهُمْ مُحْتَاجُونَ، وَالْإِمَامُ يَبْغِي سَدَّ حَاجَاتِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ مُعْظَمُ مُسْتَحَقِّي الزَّكَوَاتِ فِي الْآيَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذِكْرِ أَصْنَافِ الْمُسْتَحِقِّينَ: قَالَ اللَّهُ ﵎: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ الْآيَةَ. وَلِلْمَسَاكِينِ اسْتِحْقَاقٌ فِي خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ كَمَا
стр. 242
يَفْصِلُهُ الْفُقَهَاءُ، فَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ.
٣٥٢ - وَالصِّنْفُ الثَّانِي: أَقْوَامٌ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ كِفَايَتُهُمْ، وَيَدْرَأُ عَنْهُمْ بِالْمَالِ الْمُوَظَّفِ لَهُمْ حَاجَتَهُمْ، وَيَتْرُكُهُمْ مَكْفِيِّينَ، لِيَكُونُوا مُتَجَرِّدِينَ لِمَا هُمْ بِصَدَدِهِ مِنْ مُهِمِّ الْإِسْلَامِ. وَهَؤُلَاءِ صِنْفَانِ: أَحَدُهُمَا: الْمُرْتَزِقَةُ، وَهُمْ نَجْدَةُ الْمُسْلِمِينَ وَعُدَّتُهُمْ، وَوَزَرُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصْرِفَ إِلَيْهِمْ مَا يَرُمُّ خَلَّتَهُمْ، وَيَسُدُّ حَاجَتَهُمْ، وَيَسْتَعِفُّوا بِهِ عَنْ وُجُوهِ الْمَكَاسِبِ وَالْمَطَالِبِ، وَيَتَهَيَّأُوا لِمَا رُشِّحُوا لَهُ، وَتَكُونُ أَعْيُنُهُمْ مُمْتَدَّةٌ إِلَى أَنْ يُنْدَبُوا فَيَخِفُّوا عَلَى الْبِدَارِ، وَيُنْتَدَبُوا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَثَاقَلُوا، وَيَتَشَاغَلُوا بِقَضَاءِ أَرَبٍ، وَتَمْهِيدِ سَبَبٍ، وَغَرَضُنَا الِاكْتِفَاءُ بِتَرَاجِمَ كُلِّيَّةٍ فِي التَّقَاسِيمِ.
وَالْفُقَهَاءُ يَسْتَقِلُّونَ بِإِيضَاحِ التَّفَاصِيلِ، فَهَؤُلَاءِ صِنْفٌ مِنَ الصِّنْفَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ آخِرًا.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: الَّذِينَ انْتَصَبُوا لِإِقَامَةِ أَرْكَانِ الدِّينِ
стр. 243
وَانْقَطَعُوا بِسَبَبِ اشْتِغَالِهِمْ وَاسْتِقْلَالِهِمْ بِهَا عَنِ التَّوَسُّلِ إِلَى مَا يُقِيمُ أَوَدَهُمْ، وَيَسُدُّ خَلَّتَهُمْ، وَلَوْلَا قِيَامُهُمْ بِمَا لَابَسُوهُ لَتَعَطَّلَتْ أَرْكَانُ الْإِيمَانِ.
فَعَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكْفِيَهُمْ مُؤَنَهُمْ، حَتَّى يَسْتَرْسِلُوا فِيمَا تَصَدَّوْا لَهُ بِفَرَاغِ جَنَانٍ، وَتَجَرُّدِ أَذْهَانٍ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ: الْقُضَاةُ، وَالْحُكَّامُ، وَالْقُسَّامُ، وَالْمُفْتُونَ، وَالْمُتَفَقِّهُونَ، وَكُلُّ مَنْ يَقُومُ بِقَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ، يُلْهِيهِ قِيَامُهُ عَمَّا فِيهِ سَدَادُهُ وَقِوَامُهُ.
فَأَمَّا الْمُرْتَزِقَةُ، فَالْمَالُ الْمَخْصُوصُ يَعُمُّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ.
وَالصِّنْفُ الثَّانِي: يُدِرُّ عَلَيْهِمْ كِفَايَتَهُمْ وَأَرْزَاقَهُمْ مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ.
وَقَدْ أَتَى مَسَاقُ التَّقْسِيمِ عَلَى صِنْفَيْنِ مِنَ الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
٣٥٣ - وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ: قَوْمٌ تُصْرَفُ إِلَيْهِمْ طَائِفَةٌ مِنْ مَالِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى غِنَاهُمْ وَاسْتِظْهَارِهِمْ، وَلَا يُوقَفُ اسْتِحْقَاقُهُمْ عَلَى سَدِّ حَاجَةٍ، وَلَا اسْتِبْقَاءِ كِفَايَةٍ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ الْمُسَمَّوْنَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ذَا الْقُرْبَى. فَهَؤُلَاءِ يَسْتَحِقُّونَ سَهْمًا مِنْ
стр. 244
خُمُسِ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ حَاجَةٍ وَكِفَايَةٍ، عِنْدَ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀.
وَقَدْ شَهِدَتْ بِصِحَّةِ مَذْهَبِهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، وَالنُّصُوصُ الصَّرِيحَةُ، وَسِيَرُ الْخُلَفَاءِ، وَمَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ، قَبْلَ ظُهُورِ اخْتِلَافِ الْآرَاءِ.
فَهَذِهِ جُمَلٌ فِي مَصَارِفِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، يَلِيقُ بِالْإِيَالَةِ الْعُظْمَى حِفْظُهَا.
وَقَدِ انْتَهَى الْغَرَضُ فِي هَذَا الْفَنِّ.
[فَصْلٌ هل للإمام أن ينزف بيت المال كل سنة]
فَصْلٌ.
٣٥٤ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي نَزْفِ الْأَمْوَالِ، أَوْ الِاسْتِظْهَارِ بِالذَّخَائِرِ، فَهَذَا الْفَنُّ أَلْيَقُ بِأَحْكَامِ السِّيَاسَاتِ مِمَّا قَبْلَهُ.
وَقَدْ ذَهَبَتْ طَوَائِفُ مِنْ عُلَمَاءِ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا أَوْصَلَ كُلَّ ذِي حَقٍّ فِي بَيْتِ الْمَالِ حَقَّهُ، فَفَضَلَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى تَبْقِيَتِهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ تَفْرِيقُهُ، وَاسْتِيعَابُ جَمِيعِ مَا احْتَوَتْهُ يَدُ الْإِمَامِ مِنَ الْأَمْوَالِ.
стр. 245
٣٥٥ - أَمَّا الْمُرْتَزِقَةُ إِنْ تَوَفَّرَتْ عَلَيْهِمْ كِفَايَتُهُمْ، وَانْسَدَّتْ خَلَّاتُهُمْ، وَفَضَلَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ فَاضِلٌ، فَيَجِبُ فَضُّ الْفَاضِلِ عَلَيْهِمْ عَلَى أَقْدَارِ أَعْطِيَتِهِمْ وَأَقْسَاطِهِمْ.
٣٥٦ - وَأَمَّا الزَّكَوَاتُ، إِنِ انْتَهَى مُسْتَحِقُّوهَا إِلَى مُقَارَبَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَاكْتَفَوْا بِمَا نَالُوهُ مِنْهَا، فَلَا سَبِيلَ إِلَى رَدِّ فَاضِلِ الزَّكَوَاتِ عَلَيْهِمْ ; فَإِنَّ أَسْبَابَ اسْتِحْقَاقِهِمْ مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنْ حَاجَاتِهِمْ ; فَإِذَا زَالَ أَسْبَابُ الِاسْتِحْقَاقِ، زَالَ الِاسْتِحْقَاقُ بِزَوَالِهَا، فَالْفَاضِلُ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ - إِنْ تُصُوِّرَ اسْتِغْنَاءُ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ فِي قُطْرٍ وَنَاحِيَةٍ - مَنْقُولٌ إِلَى مُسْتَحِقِّي الزَّكَاةِ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى.
وَإِنْ بَالَغَ مُصَوِّرٌ فِي تَصْوِيرِ شُغُورِ الْخِطَّةِ عَنْ مُسْتَحَقِّي الزَّكَاةِ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى، فَهَذَا خَرْقُ الْعَوَائِدِ، وَتَصْوِيرٌ عَسِرٌ، وَلَكِنَّ الْعُلَمَاءَ رُبَّمَا يَفْرِضُونَ صُوَرًا بَعِيدَةً، وَغَرَضُهُمْ بِفَرْضِهَا وَتَقْدِيرِهَا تَمْهِيدُ حَقَائِقِ الْمَعَانِي، فَإِنِ احْتَمَلْنَا تُصَوِّرَ ذَلِكَ، فَالْفَاضِلُ مِنَ الزَّكَوَاتِ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَرْدُودٌ إِلَى سَهْمِ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ.
٣٥٧ - وَأَمَّا الْمَالُ الْمُرْصَدُ لِلْمَصَالِحِ، فَلَا نَتَصَوَّرُ انْقِطَاعَ مَصَارِفِهِ.
стр. 246
وَالْإِمَامُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، فَإِنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى ضَمِّ طَائِفَةٍ مِنْهُ إِلَى مَالِ الْمُرْتَزِقَةِ، أَوْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْفَيْءِ، فَأَهَمُّ الْمَصَالِحِ تَمْهِيدُ كِفَايَةِ الْمُرْتَزِقَةِ، وَإِنْ لَمْ تَفِ الزَّكَوَاتُ بِحَاجَاتِ الْمَحَاوِيجِ سَدَّ الْإِمَامُ حَاجَتَهُمْ بِمَالِ الْمَصَالِحِ.
فَإِذًا مَالُ الْمَصَالِحِ مُعَدٌّ لِكُلِّ مَصْلَحَةٍ لَيْسَ لَهَا عَلَى الْخُلُوصِ وَالْخُصُوصِ مَالٌ، وَكُلُّ مَصْرِفٍ قَصُرَ عَنْهُ الْمَالُ الْمُعَدُّ لَهُ، فَمَالُ الْمَصَالِحِ يَسْتَتِمُّهُ وَيَسْتَكْمِلُهُ، وَلَوْ فُرِضَ زَوَالُ الْحَاجَاتِ، وَارْتِفَاعُ الضَّرُورَاتِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: فَاضِلُ مَالِ الْمَصَالِحِ يُبْنَى بِهِ الرِّبَاطَاتُ وَالْقَنَاطِرُ وَالْمَسَاجِدُ وَغَيْرُهَا مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ.
٣٥٨ - فَحَاصِلُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي مُنْقَرَضِ كُلِّ سَنَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، وَيُرَتِّبُ فِي اسْتِقْبَالِ السَّنَةِ الْمُنْتَظَرَةِ أَمْوَالَهَا.
وَهَؤُلَاءِ يَسْتَدِلُّونَ بِسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ - مَا كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ بِأَمْوَالٍ وَذَخَائِرَ، وَهُمْ أُسْوَةُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي أُمُورِ الْإِمَامَةِ، إِنْ حَاوَلُوا السَّدَادَ وَالِاسْتِقَامَةَ.
стр. 247
٣٥٩ - وَالَّذِي أَقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْحَاجَاتِ إِذَا انْسَدَّتْ، فَاسْتَمْكَنَ الْإِمَامُ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ بِالِادِّخَارِ، فَحَتْمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ التَّحَرِّي الَّتِي تَتَقَابَلُ فِيهَا مَسَالِكُ الظُّنُونِ.
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِالْجُنُودِ وَالْعَسْكَرِ الْمَعْقُودَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ حَتْمٌ، وَإِنْ بَعُدَ الْكُفَّارُ، وَتَقَاصَتِ الدِّيَارُ، لِأَنَّ الْخِطَّةَ إِذَا خَلَتْ عَنْ نَجْدَةٍ مُعَدَّةٍ، لَمْ نَأْمَنِ الْحَوَادِثَ وَالْبَوَائِقَ وَالْآفَاتِ وَالطَّوَارِقَ، وَإِذَا ارْتَبَطَ النَّظَرُ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ، وَآلَ الْخَوْفُ وَالِاسْتِشْعَارُ إِلَى الْبَيْضَةِ وَالْحَوْزَةِ، فَقَدْ عَظُمَ الْخَطَرُ، وَتَفَاقَمَ الْغَرَرُ، وَصَعُبَ مَوْقِعُ تَقْدِيرِ الزَّلَلِ وَالْخَطَلِ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِظْهَارُ بِالْجُنُودِ مَحْتُومًا، فَلَا مُعَوَّلَ عَلَى مَمْلَكَةٍ لَا مُعْتَضَدَ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا شَوْفُ الرِّجَالِ، وَمُرْتَبَطُ الْآمَالِ، وَمَنْ أَلِفَ مَبَادِئَ النَّظَرِ فِي تَصَارِيفِ الْأَحْوَالِ فِي الْإِيَالَاتِ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْحَقِّ فِي هَذَا الْمَقَالِ.
وَإِذَا كَانَ مَنْصِبُ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى طَبَقَاتِ الْأَنَامِ مُقْتَضِيًا أَنْ يَتَحَرَّى الْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنَظَرِ ذِي تَحْقِيقٍ أَنْ
стр. 248
يُبَدِّدَ الْأَمْوَالَ فِي ابْتِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالدَّسَاكِرِ، وَيَتْرُكَ مَا هُوَ مَلَاذُ الْعَسَاكِرِ؟
وَالْإِطْنَابُ فِي الْوَاضِحَاتِ سيُزْرِي بِذَوِي الْأَلْبَابِ.
فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى الْإِمَامِ الِاحْتِفَاظُ بِفَضَلَاتِ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا تُنَزَّلُ مِنْ نَجْدَةِ الْإِسْلَامِ مَنْزِلَةَ السُّورِ مِنَ الثُّغُورِ.
٣٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: إِنِ احْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يَأْخُذُ مِنْهَا لَوْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ.
قُلْنَا: هَذَا [ضَعْفٌ] بَيِّنٌ فِي الرَّأْيِ، وَانْحِلَالٌ وَاضِحٌ فِي النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ، وَلَا يَسْتَتِبُّ بِهَذَا النَّظَرِ أَمْرٌ جُزْئِيٌّ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِسِيَاسَةِ الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَجَازَ أَلَّا يَسْتَظْهِرَ بِالْجُنُودِ الْمَعْقُودَةِ، وَيُعَوِّلَ عَلَى اسْتِنْفَارِ الْمُطَّوَّعَةِ، مَهْمَا عَنَّتْ حَاجَةٌ، وَأَلَمَّتْ مُلِمَّةٌ.
وَهَذَا بَاطِلٌ لَا سَبِيلَ إِلَى الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ.
٣٦١ - وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ سِيَرِ الْخُلَفَاءِ، فَحَقٌّ عَلَى
стр. 249
الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُنْعِمَ نَظَرَهُ، وَيُجَرِّدَ لِدَرْكِ [التَّحْقِيقِ] فِكْرَهَ، فَنَقُولُ:
مَا كَانَتِ الْأَمْوَالُ تَبْلُغُ فِي زَمَنِهِمْ مَبْلَغًا يَحْتَمِلُ الِادِّخَارَ ; فَإِنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ بُلِيَ فِي مُعْظَمِ زَمَانِهِ بِقِتَالِ الرِّدَّةِ، وَمَا اتَّفَقَتْ مَغَانِمُ بِهَا اكْتِرَاثٌ وَاحْتِفَالٌ، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ ﵁ الْأَمْرَ وَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ، وَانْتَشَرَتْ رَايَاتُ الدِّينِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَثُرَتِ الْغَزَوَاتُ، وَانْبَثَّتِ الدَّعَوَاتُ، وَكَسَرَ جُنْدُ الْإِسْلَامِ صَوْلَ كِسْرَى، وَقَصَّرَ طُولَ قَيْصَرَ، وَاسْتَمَدَّتِ الدَّوْلَةُ وَعَظُمَتِ الصَّوْلَةُ، وَوَفَرَتِ الْمَغَانِمُ، وَتَجَرَّدَتْ لِلْجِهَادِ وَالْعَزَائِمِ.
وَأَلْقَتِ الْمَمَالِكُ إِلَى حُمَاةِ الْإِسْلَامِ مَقَالِيدَهَا، وَلَيَّنَتْ كُلُّ جَنَبَةٍ أَبِيَّةٍ لِلْأَحْكَامِ جِيدَهَا، وَفُتِحَتِ [الْكُوَرُ] وَالْأَمْصَارُ، وَكَثُرَ الْأَعْوَانُ [وَالْأَنْصَارُ] فَقَدْ يَعْتَقِدُ الْمُعْتَقِدُ إِمْكَانَ الِادِّخَارِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ:
стр. 250
٣٦٢ - كَانَ مُعْظَمُ الْأَمْوَالِ غَنَائِمَ احْتَوَى عَلَيْهَا عَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَلَيْسَ يَخْفَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا مَصْرُوفَةٌ إِلَى الْمُصْطَلِينَ بِنَارِ الْقِتَالِ: أَسْلَابًا، وَسِهَامًا، وَأَرْضَاخًا.
وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَتَّبَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ حُمَاةً وَكُفَاةً، وَأُمَرَاءَ وَوُلَاةً، وَوَلَّاهُمْ أُمُورَ الْأَمْوَالِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ الْأَحْكَامَ عَلَى تَصَارِيفِ الْأَحْوَالِ، وَرَسَمَ لَهُمْ مَرَاسِمَ يَقْتَدُونَ بِهَا، وَنَصَبَ لَهُمْ مَعَالِمَ فِي أَخْمَاسِ الْمَغَانِمِ يَهْتَدُونَ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَبُثُّونَ مَا يَتَّفِقُ مِنْ مَالٍ فِي الْعَسَاكِرِ الْمُرْتَزِقَةِ الْمُتَرَتِّبِينَ فِي النَّاحِيَةِ، فَلَا يَفْضُلُ إِلَّا النَّزْرَ، ثُمَّ مَا كَانَ يَفْضُلُ، وَيُجْبَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُفَرِّقُهُ عَلَى الَّذِينَ فِي جَزَائِرِ الْعَرَبِ، وَيَتَتَبَّعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كُلَّ سَبَبٍ.
فَمَا كَانَ يَفْضُلُ وَيُجْبَى مِنَ الْأَمْوَالِ الْمَجْنِيَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي انْقِضَاءِ السَّنَةِ [مَا يَفْرِضُ] ذَخِيرَةً.
٣٦٣ - وَلَمَّا ضُرِبَ الْخَرَاجُ عَلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ جَرَى الْأَمْرُ فِي
следующие страницы →