Полный текст (522 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
وَالْإِمَامُ يَبْدَأُ فِيهِ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، فَإِنْ مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى ضَمِّ طَائِفَةٍ مِنْهُ إِلَى مَالِ الْمُرْتَزِقَةِ، أَوْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ عَنِ الْفَيْءِ، فَأَهَمُّ الْمَصَالِحِ تَمْهِيدُ كِفَايَةِ الْمُرْتَزِقَةِ، وَإِنْ لَمْ تَفِ الزَّكَوَاتُ بِحَاجَاتِ الْمَحَاوِيجِ سَدَّ الْإِمَامُ حَاجَتَهُمْ بِمَالِ الْمَصَالِحِ.
فَإِذًا مَالُ الْمَصَالِحِ مُعَدٌّ لِكُلِّ مَصْلَحَةٍ لَيْسَ لَهَا عَلَى الْخُلُوصِ وَالْخُصُوصِ مَالٌ، وَكُلُّ مَصْرِفٍ قَصُرَ عَنْهُ الْمَالُ الْمُعَدُّ لَهُ، فَمَالُ الْمَصَالِحِ يَسْتَتِمُّهُ وَيَسْتَكْمِلُهُ، وَلَوْ فُرِضَ زَوَالُ الْحَاجَاتِ، وَارْتِفَاعُ الضَّرُورَاتِ، فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: فَاضِلُ مَالِ الْمَصَالِحِ يُبْنَى بِهِ الرِّبَاطَاتُ وَالْقَنَاطِرُ وَالْمَسَاجِدُ وَغَيْرُهَا مِنْ جِهَاتِ الْخَيْرِ.
٣٥٨ - فَحَاصِلُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَبْقَى فِي مُنْقَرَضِ كُلِّ سَنَةٍ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، وَيُرَتِّبُ فِي اسْتِقْبَالِ السَّنَةِ الْمُنْتَظَرَةِ أَمْوَالَهَا.
وَهَؤُلَاءِ يَسْتَدِلُّونَ بِسِيرَةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، فَإِنَّهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ - مَا كَانُوا يَسْتَظْهِرُونَ بِأَمْوَالٍ وَذَخَائِرَ، وَهُمْ أُسْوَةُ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي أُمُورِ الْإِمَامَةِ، إِنْ حَاوَلُوا السَّدَادَ وَالِاسْتِقَامَةَ.
стр. 247
٣٥٩ - وَالَّذِي أَقْطَعُ بِهِ أَنَّ الْحَاجَاتِ إِذَا انْسَدَّتْ، فَاسْتَمْكَنَ الْإِمَامُ مِنْ الِاسْتِظْهَارِ بِالِادِّخَارِ، فَحَتْمٌ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ، وَلَسْتُ أَرَى ذَلِكَ مِنْ مَسَائِلِ التَّحَرِّي الَّتِي تَتَقَابَلُ فِيهَا مَسَالِكُ الظُّنُونِ.
وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِالْجُنُودِ وَالْعَسْكَرِ الْمَعْقُودَ عِنْدَ التَّمَكُّنِ حَتْمٌ، وَإِنْ بَعُدَ الْكُفَّارُ، وَتَقَاصَتِ الدِّيَارُ، لِأَنَّ الْخِطَّةَ إِذَا خَلَتْ عَنْ نَجْدَةٍ مُعَدَّةٍ، لَمْ نَأْمَنِ الْحَوَادِثَ وَالْبَوَائِقَ وَالْآفَاتِ وَالطَّوَارِقَ، وَإِذَا ارْتَبَطَ النَّظَرُ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ، وَآلَ الْخَوْفُ وَالِاسْتِشْعَارُ إِلَى الْبَيْضَةِ وَالْحَوْزَةِ، فَقَدْ عَظُمَ الْخَطَرُ، وَتَفَاقَمَ الْغَرَرُ، وَصَعُبَ مَوْقِعُ تَقْدِيرِ الزَّلَلِ وَالْخَطَلِ، وَإِذَا كَانَ الِاسْتِظْهَارُ بِالْجُنُودِ مَحْتُومًا، فَلَا مُعَوَّلَ عَلَى مَمْلَكَةٍ لَا مُعْتَضَدَ، وَلَا مُسْتَنَدَ لَهَا مِنَ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا شَوْفُ الرِّجَالِ، وَمُرْتَبَطُ الْآمَالِ، وَمَنْ أَلِفَ مَبَادِئَ النَّظَرِ فِي تَصَارِيفِ الْأَحْوَالِ فِي الْإِيَالَاتِ، لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْحَقِّ فِي هَذَا الْمَقَالِ.
وَإِذَا كَانَ مَنْصِبُ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى طَبَقَاتِ الْأَنَامِ مُقْتَضِيًا أَنْ يَتَحَرَّى الْأَصْلَحَ فَالْأَصْلَحَ، فَكَيْفَ يَلِيقُ بِنَظَرِ ذِي تَحْقِيقٍ أَنْ
стр. 248
يُبَدِّدَ الْأَمْوَالَ فِي ابْتِنَاءِ الْقَنَاطِرِ وَالدَّسَاكِرِ، وَيَتْرُكَ مَا هُوَ مَلَاذُ الْعَسَاكِرِ؟
وَالْإِطْنَابُ فِي الْوَاضِحَاتِ سيُزْرِي بِذَوِي الْأَلْبَابِ.
فَإِذَا تَعَيَّنَ عَلَى الْإِمَامِ الِاحْتِفَاظُ بِفَضَلَاتِ الْأَمْوَالِ، فَإِنَّهَا تُنَزَّلُ مِنْ نَجْدَةِ الْإِسْلَامِ مَنْزِلَةَ السُّورِ مِنَ الثُّغُورِ.
٣٦٠ - فَإِنْ قِيلَ: إِنِ احْتَاجَ الْإِمَامُ إِلَى مَالٍ أَخَذَهُ مِنَ الْجِهَةِ الَّتِي يَأْخُذُ مِنْهَا لَوْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ.
قُلْنَا: هَذَا [ضَعْفٌ] بَيِّنٌ فِي الرَّأْيِ، وَانْحِلَالٌ وَاضِحٌ فِي النَّظَرِ فِي الْعَوَاقِبِ، وَلَا يَسْتَتِبُّ بِهَذَا النَّظَرِ أَمْرٌ جُزْئِيٌّ، فَكَيْفَ الظَّنُّ بِسِيَاسَةِ الْإِسْلَامِ.
وَلَوْ سَاغَ ذَلِكَ، لَجَازَ أَلَّا يَسْتَظْهِرَ بِالْجُنُودِ الْمَعْقُودَةِ، وَيُعَوِّلَ عَلَى اسْتِنْفَارِ الْمُطَّوَّعَةِ، مَهْمَا عَنَّتْ حَاجَةٌ، وَأَلَمَّتْ مُلِمَّةٌ.
وَهَذَا بَاطِلٌ لَا سَبِيلَ إِلَى الْمَصِيرِ إِلَيْهِ، وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهِ.
٣٦١ - وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْأَوَّلُونَ مِنْ سِيَرِ الْخُلَفَاءِ، فَحَقٌّ عَلَى
стр. 249
الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنْ يُنْعِمَ نَظَرَهُ، وَيُجَرِّدَ لِدَرْكِ [التَّحْقِيقِ] فِكْرَهَ، فَنَقُولُ:
مَا كَانَتِ الْأَمْوَالُ تَبْلُغُ فِي زَمَنِهِمْ مَبْلَغًا يَحْتَمِلُ الِادِّخَارَ ; فَإِنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ بُلِيَ فِي مُعْظَمِ زَمَانِهِ بِقِتَالِ الرِّدَّةِ، وَمَا اتَّفَقَتْ مَغَانِمُ بِهَا اكْتِرَاثٌ وَاحْتِفَالٌ، ثُمَّ لَمَّا وَلِيَ عُمَرُ ﵁ الْأَمْرَ وَاتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ، وَانْتَشَرَتْ رَايَاتُ الدِّينِ، وَاسْتَفْحَلَ أَمْرُ الْمُسْلِمِينَ، وَكَثُرَتِ الْغَزَوَاتُ، وَانْبَثَّتِ الدَّعَوَاتُ، وَكَسَرَ جُنْدُ الْإِسْلَامِ صَوْلَ كِسْرَى، وَقَصَّرَ طُولَ قَيْصَرَ، وَاسْتَمَدَّتِ الدَّوْلَةُ وَعَظُمَتِ الصَّوْلَةُ، وَوَفَرَتِ الْمَغَانِمُ، وَتَجَرَّدَتْ لِلْجِهَادِ وَالْعَزَائِمِ.
وَأَلْقَتِ الْمَمَالِكُ إِلَى حُمَاةِ الْإِسْلَامِ مَقَالِيدَهَا، وَلَيَّنَتْ كُلُّ جَنَبَةٍ أَبِيَّةٍ لِلْأَحْكَامِ جِيدَهَا، وَفُتِحَتِ [الْكُوَرُ] وَالْأَمْصَارُ، وَكَثُرَ الْأَعْوَانُ [وَالْأَنْصَارُ] فَقَدْ يَعْتَقِدُ الْمُعْتَقِدُ إِمْكَانَ الِادِّخَارِ. وَلَكِنَّا نَقُولُ:
стр. 250
٣٦٢ - كَانَ مُعْظَمُ الْأَمْوَالِ غَنَائِمَ احْتَوَى عَلَيْهَا عَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، وَلَيْسَ يَخْفَى أَنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا مَصْرُوفَةٌ إِلَى الْمُصْطَلِينَ بِنَارِ الْقِتَالِ: أَسْلَابًا، وَسِهَامًا، وَأَرْضَاخًا.
وَكَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ رَتَّبَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ حُمَاةً وَكُفَاةً، وَأُمَرَاءَ وَوُلَاةً، وَوَلَّاهُمْ أُمُورَ الْأَمْوَالِ، وَفَوَّضَ إِلَيْهِمُ الْأَحْكَامَ عَلَى تَصَارِيفِ الْأَحْوَالِ، وَرَسَمَ لَهُمْ مَرَاسِمَ يَقْتَدُونَ بِهَا، وَنَصَبَ لَهُمْ مَعَالِمَ فِي أَخْمَاسِ الْمَغَانِمِ يَهْتَدُونَ إِلَيْهَا، وَكَانُوا يَبُثُّونَ مَا يَتَّفِقُ مِنْ مَالٍ فِي الْعَسَاكِرِ الْمُرْتَزِقَةِ الْمُتَرَتِّبِينَ فِي النَّاحِيَةِ، فَلَا يَفْضُلُ إِلَّا النَّزْرَ، ثُمَّ مَا كَانَ يَفْضُلُ، وَيُجْبَى إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ يُفَرِّقُهُ عَلَى الَّذِينَ فِي جَزَائِرِ الْعَرَبِ، وَيَتَتَبَّعُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ كُلَّ سَبَبٍ.
فَمَا كَانَ يَفْضُلُ وَيُجْبَى مِنَ الْأَمْوَالِ الْمَجْنِيَّةِ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ فِي انْقِضَاءِ السَّنَةِ [مَا يَفْرِضُ] ذَخِيرَةً.
٣٦٣ - وَلَمَّا ضُرِبَ الْخَرَاجُ عَلَى بِلَادِ الْعِرَاقِ جَرَى الْأَمْرُ فِي
стр. 251
الْأَمْوَالِ الْمُسْتَفَادَةِ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَاهُ إِذْ كَانَ كَثُرَ الْجُنْدُ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، وَهُمُ النَّجْدَةُ الْكُبْرَى فِي وَجْهِ الرُّومِ وَمُلُوكِ الْأَطْرَافِ، وَأَعْنَاقُهُمْ [صُورٌ] إِلَى بِلَادِ الشَّرْقِ، وَسَائِرِ الْأَكْنَافِ.
وَلَا نَقْطَعُ بِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ خَلَا فِي زَمَانِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ﵁ عَنِ الْأَمْوَالِ، بَلْ نَظُنُّ ظَنًّا غَالِبًا أَنَّهُ كَانَ اسْتَظْهَرَ بِذَخَائِرَ، عَلَى تَطَلُّعٍ إِلَى الْعَوَاقِبِ وَبَصَائِرَ، حَتَّى اشْرَأَبَّتِ الْفِتَنُ، وَثَارَتِ الْمِحَنُ، وَاضْطَرَبَ الزَّمَنُ، وَتَقَلْقَلَتِ الْخِلَافَةُ فِي نِصَابِهَا، وَأُصِيبَتِ الْمِلَّةُ بِسَنَدِهَا وَنَابِهَا، وَمَا اتَّسَقَ بَعْدَهُ أَمْرٌ، وَمَا اسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ يُعْهَدُ عَصْرٌ.
وَلَمْ يَتَفَرَّغْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - مِنْ مُصَادَمَةِ الْبُغَاةِ، وَمُكَاوَحَةِ الطُّغَاةِ، إِلَى تَجْهِيزِ الْغُزَاةِ، وَجَرَتْ هَنَاةٌ عَلَى أَثَرِ هَنَاةٍ، ثُمَّ صَارَ بَعْدَ مَقْتَلِهِ رَسْمُ الْخِلَافَةِ مَرْفُوضًا، وَانْقَلَبَ الْأَمْرُ مُلْكًا
стр. 252
عَضُوضًا، وَتَغَيَّرَ الْحُكْمُ وَالزَّمَانُ، وَاللَّهُ جَلَّتْ (١٣٥) قُدْرَتُهُ أَعْلَمُ بِمَا جَرَى وَكَانَ.
٣٦٤ - فَإِنْ قِيلَ: عَلَى مَاذَا تَحْمِلُونَ الْأَمْرَ فِي زَمَانِ الْمُصْطَفَى ﷺ .
قُلْنَا: كَانَ صَحْبُهُ الْأَكْرَمُونَ الْأَنْصَارُ وَالْمُهَاجِرُونَ لَمَّا نُدِبُوا إِلَى الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [تَعَالَى] ، وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ يُصَادِمُونَ الْمَارِقِينَ عَلَى الضُّرِّ [وَاللَّأْوَاءِ] ، وَيَطِيرُونَ إِلَى الْغَزَوَاتِ صَابِرِينَ عَلَى الْبَأْسَاءِ، وَمُعْظَمُهُمْ فِي مُلْتَطِمِ أَهْوَالِ الْقِتَالِ رِجَالٌ، وَجَرَتْ نَهَضَاتٌ وَكَثِيرٌ مِنَ الْأَعِزَّةِ فِي رَمْضَاءِ الْحِجَازِ حُفَاةٌ، وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَسْتَمِدُّ مِنْ أَمْوَالِ الْمُوسِرِينَ فِي تَجْهِيزِ الْمُجَاهِدِينَ، إِذَا أَهَمَّ أَمْرٌ، وَادْلَهَمَّ خَطْبٌ، كَمَا جَرَى فِي تَجْهِيزِ جَيْشِ الْعُسْرَةِ.
وَهَذَا الْمِقْدَارُ فِيهِ إِقْنَاعٌ وَعِبْرَةٌ.
٣٦٥ - فَأَمَّا الْآنُ فَقَدِ اتَّسَعَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ، وَهِيَ عَلَى الِازْدِيَادِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ، وَلِكُلِّ زَمَانٍ رَسْمُهُ وَحُكْمُهُ. وَنَحْنُ عَلَى ارْتِجَالٍ مِنْ عُقُولِنَا نَعْلَمُ فِيمَا نَمْضِي، وَنَحْكُمُ أَنَّ صَاحِبَ الْأَمْرِ لَوْ لَمْ
стр. 253
يَجْعَلِ الِاسْتِظْهَارَ بِالِادِّخَارِ أَكْثَرَ هَمِّهِ عِنْدَ الْإِيثَارِ، وَاطِّرَادِ أَسْبَابِ الِاخْتِيَارِ - لَعَظُمَ الْفَتْقُ، وَعَسُرَ الرَّتْقُ، وَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى عَظَائِمَ لَا يُحِيطُ بِهَا مَجَارِي الْأَفْكَارِ.
فَهَذَا الْقَدْرُ فِيهِ مَقْنَعٌ وَبَلَاغٌ، وَلِلِازْدِيَادِ عَلَى مَا مَهَّدْنَاهُ مُضْطَرَبٌ رَحْبٌ وَمَسَاغٌ.
وَقَدِ انْتَهَى الْمَرَامُ، وَغَرَضُ الْكَلَامِ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي مِنَ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَرْجَمَةِ أَوَّلًا فِي أَحْكَامِ الْأَمْوَالِ.
[فَصْلٌ ما الحكم إذا صفرت يد راعي الرعية]
[فَصْلٌ] ٣٦٦ - فَأَمَّا الْكَلَامُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ مِنْهَا، وَهُوَ أَهَمُّهَا. فَالْغَرَضُ ذِكْرُ مَا تَقْتَضِيهِ الْإِيَالَةُ الشَّرْعِيَّةُ، وَالسِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ فِيهِ، إِذَا صَفِرَتْ يَدُ رَاعِي الرَّعِيَّةِ عَنِ الْأَمْوَالِ، وَالْحَاجَاتُ مَاسَّةٌ.
فَلَيْتَ شِعْرِي، كَيْفَ الْحُكْمُ (١٣٦) وَمَا وَجْهُ الْقَضِيَّةِ؟ فَإِنِ ارْتَقَبَ الْإِمَامُ حُصُولَ أَمْوَالٍ فِي الِاسْتِقْبَالِ، ضَاعَ رِجَالُ الْقِتَالِ، وَجَرَّ ضَيَاعُهُمْ أَسْوَأَ الْأَحْوَالِ.
стр. 254
وَإِنِ اسْتَرْسَلَ فِي مَدِّ الْيَدِ إِلَى مَا يُصَادِفُهُ مِنْ مَالٍ مِنْ غَيْرِ ضَبْطٍ أَفْضَى إِلَى الِانْحِلَالِ، وَالْخُرُوجِ عَنِ الشَّرْعِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِيمَا سَبَقَ، أَنَّا لَا نُحْدِثُ لِتَرْبِيَةِ الْمَمَالِكِ فِي مَعْرِضِ الِاسْتِصْوَابِ مَسَالِكَ، لَا يُرَى لَهَا مِنْ شِرْعَةِ الْمُصْطَفَى ﷺ مَدَارِكُ.
٣٦٧ - فَإِنْ بُلِيَ الْإِمَامُ بِذَلِكَ فَلْيَتَّئِدْ، وَلِيُنْعِمِ النَّظَرَ هُنَالِكَ فَقَدَ دُفِعَ إِلَى [خَطْبَيْنِ عَظِيمَيْنِ] :
[أَحَدُهُمَا]- تَعْرِيضُ الْخُطَّةِ لِلضَّيَاعِ. [وَالثَّانِي]- أَخْذُ أَمْوَالٍ فِي غَيْرِ إِسْنَادِ اسْتِحْقَاقِهِ إِلَى مُسْتَنَدٍ مَعْرُوفٍ مَأْلُوفٍ.
وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ وَالتَّيْسِيرِ وَهُوَ بِإِسْعَافِ رَاجِيهِ جَدِيرٌ.
٣٦٨ - فَنَقُولُ: إِذَا خَلَا بَيْتُ الْمَالِ انْقَسَمَتِ الْأَحْوَالُ، وَنَحْنُ نُرَتِّبُهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ، وَنَأْتِي فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا بِمَا هُوَ مَأْخَذُ الْأَحْكَامِ.
وَطَرْحُ الْقَضَايَا السِّيَاسِيَّةِ بِالْمُوجِبَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا يَخْلُو الْحَالُ، وَقَدْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَنْحَاءٍ:
стр. 255
أَحَدُهَا - أَنْ يَطَأَ الْكُفَّارُ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - دِيَارَ الْإِسْلَامِ.
وَالثَّانِي - أَلَّا يَطَئُوهَا، وَلَكِنَّا نَسْتَشْعِرُ مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ اخْتِلَالًا، وَنَتَوَقَّعُ انْحِلَالًا وَانْفِلَالًا، لَوْ لَمْ نُصَادِفْ مَالًا، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ اسْتِجْرَاءُ الْكُفَّارِ فِي الْأَقْطَارِ، وَتَشَوُّفُهُمْ إِلَى وَطْءِ أَطْرَافِ الدِّيَارِ.
وَالثَّالِثُ - أَنْ يَكُونَ جُنُودُ الْإِسْلَامِ فِي الثُّغُورِ وَالْمَرَاصِدِ عَلَى أُهَبٍ وَعَتَادٍ، وَشَوْكَةٍ وَاسْتِعْدَادٍ، لَوْ وَقَفُوا، وَلَوْ نُدِبُوا لِلْغَزْوِ وَالْجِهَادِ، لَاحْتَاجُوا إِلَى ازْدِيَادٍ فِي الِاسْتِعْدَادِ، وَفَضْلِ اسْتِمْدَادٍ، وَلَوْ لَمْ يُمَدُّوا لَانْقَطَعُوا عَنِ الْجِهَادِ (١٣٧) .
فَهَذِهِ التَّقَاسِيمُ قَاعِدَةُ الْفَصْلِ: فَلْنَقُلْ فِيهَا أَوَّلًا، وَلْنَذْكُرْ فِي كُلِّ قِسْمٍ مِنْهَا مُعَوِّلًا ثُمَّ نَنْظُرْ إِلَى مَا وَرَاءَهَا وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا نُحَاوِلُهُ مِنَ الْبَيَانِ.
٣٦٩ - فَأَمَّا إِذَا وَطِئَ الْكُفَّارُ دِيَارَ الْإِسْلَامِ، فَقَدِ اتَّفَقَ حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخِفُّوا وَيَطِيرُوا إِلَى مُدَافَعَتِهِمْ زَرَافَاتٍ وَوِحْدَانًا، حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى أَنَّ الْعَبِيدَ يَنْسَلُّونَ
стр. 256
عَنْ رِبْقَةِ طَاعَةِ السَّادَةِ، وَيُبَادِرُونَ الْجِهَادَ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا دِينُ [اللَّهِ ، دِينُ] الْأُمَّةِ، وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ، فَأَيُّ مِقْدَارٍ لِلْأَمْوَالِ فِي هُجُومِ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَهْوَالِ، لَوْ مَسَّتْ إِلَيْهَا الْحَاجَةُ، وَأَمْوَالُ الدُّنْيَا لَوْ قُوبِلَتْ بِقَطْرَةِ دَمٍ، لَمْ تَعْدِلْهَا، وَلَمْ تُوَازِنْهَا.
فَإِذَا وَجَبَ تَعْرِيضُ الْمُهَجِ لِلتَّوَى، وَتَعَيَّنَ فِي مُحَاوَلَةِ الْمُدَافَعَةِ التَّهَاوِي عَلَى وَرَطَاتِ الرَّدَى، وَمُصَادَمَةِ الْعِدَا، وَمَنْ أَبْدَى فِي ذَلِكَ تَمَرُّدًا فَقَدْ ظَلَمَ وَاعْتَدَى.
٣٧٠ - فَإِذَا كَانَتِ الدِّمَاءُ تَسِيلُ عَلَى حُدُودِ الظُّبَّاتِ، فَالْأَمْوَالُ فِي هَذَا الْمَقَامِ مِنَ الْمُسْتَحْقَرَاتِ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَجْمَعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا اتَّفَقَ فِي الزَّمَانِ مُضَيَّعُونَ فُقَرَاءُ مُمْلِقُونَ تَعَيَّنَ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ أَنْ يَسْعَوْا فِي كِفَايَتِهِمْ، وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا كَافَّةً عَلَى وُجُوبِ بَذْلِ الْأَمْوَالِ فِي تَجْهِيزِ الْمَوْتَى وَغَيْرِهِ مِنْ جِهَاتِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَلَاحَ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْإِيضَاحِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ فِي هَذَا الْقِسْمِ أَنْ يَبْذُلُوا فَضَلَاتِ أَمْوَالِهِمْ
стр. 257
- كَمَا سَنُفَصِّلُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، حَتَّى تَنْجَلِيَ هَذِهِ الدَّاهِيَةُ، وَتَنْكَفَّ الْفِئَةُ الْمَارِقَةُ الطَّاغِيَةُ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَ النَّاظِرُ الْآنَ فِكْرَهُ بِالتَّفْصِيلِ ; فَأَنَا بَعْدُ فِي التَّأْسِيسِ وَالتَّأْصِيلِ.
وَسَيَأْتِي فِي شَرْحِ ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَهَذَا بَيَانُ مِقْدَارِ غَرَضِنَا الْآنَ، إِذَا وَطِئَ الْكُفَّارُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ.
٣٧١ - فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَجْرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَلَكِنَّا نُحَاذِرُهُ وَنَسْتَشْعِرُهُ لِانْقِطَاعِ مَوَادِّ الْأَمْوَالِ، وَاخْتِلَالِ الْحَالِ، وَإِشَارَةِ الزَّمَنِ إِلَى سُوءِ الْمَغَبَّاتِ فِي الْمَآلِ، وَلَوْ لَمْ نَتَدَارَكْ مَا نَخَافُ وُقُوعَهُ لَوَقَعَ فِي غَالِبِ الظَّنِّ، فَهَذَا الْفَنُّ مُلْحَقٌ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ قَطْعًا.
وَلَا يَحِلُّ فِي الدِّينِ تَأْخِيرُ النَّظَرِ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ إِلَى اتِّفَاقِ اسْتِجْرَاءِ الْكَافِرِينَ. وَلَوْ فُرِضَ فِي مِثْلِ هَذَا الْحَالِ تَوَقُّفٌ وَتَمَكُّثٌ، لَانْحَلَّ الْعِصَامُ وَانْتَثَرَ النِّظَامُ، وَالدَّفْعُ أَهْوَنُ مِنَ الرَّفْعِ وَأَمْوَالُ [الْعَالَمِينَ] لَا تُقَابِلُ غَائِلَةَ وَطْأَةِ الْكُفَّارِ فِي قَرْيَةٍ مِنْ
стр. 258
قُرَى الدِّيَارِ، وَفِيهَا سَفْكُ دَمِ الْمُسْلِمِينَ، أَوِ امْتِدَادُ يَدٍ إِلَى الْحُرَمِ، وَلَوْ وَقَعَ وَتَمَّ، فَلَا مُسْتَدْرَكَ لَمَا انْقَضَى وَتَقَدَّمَ، إِلَّا التَّأَسُّفُ وَقَرْعُ سِنِّ النَّدَمِ، فَإِذَنْ يَلْتَحِقُ هَذَا الْقِسْمُ بِمَا تَقَدَّمَ.
٣٧٢ - فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ - وَهُوَ أَلَّا نَخَافَ مِنَ الْكُفَّارِ هُجُومًا، لَا خُصُوصًا فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ وَلَا عُمُومًا.
وَلَكِنِ الِانْتِهَاضُ إِلَى الْغَزَوَاتِ وَالِانْتِدَابُ لِلْجِهَادِ فِي الْبِلَادِ يَقْتَضِي مَزِيدَ عَتَادٍ وَاسْتِعْدَادٍ، فَهَلْ يُكَلِّفُ الْإِمَامُ الْمُثْرِينَ وَالْمُوسِرِينَ أَنْ يَبْذُلُوا مَا يَسْتَعِدُّونَ بِهِ؟ هَذَا مَوْقِعُ النَّظَرِ، وَمَجَالُ الْفِكَرِ.
ذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا يُكَلِّفُهُمْ ذَلِكَ، بَلْ يَرْتَقِبُ فِي تَوْجِيهِ الْعَسَاكِرِ مَا يَحْصُلُ مِنَ الْأَمْوَالِ.
٣٧٣ - وَالَّذِي أَخْتَارُهُ قَاطِعًا بِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يُكَلِّفُ الْأَغْنِيَاءَ مِنْ بَذْلِ فَضَلَاتِ الْأَمْوَالِ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ وَالْغِنَاءُ ; فَإِنَّ إِقَامَةَ الْجِهَادِ فَرْضٌ عَلَى الْعِبَادِ، وَتَوْجِيهَ الْأَجْنَادِ عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْبِلَادِ مَحْتُومٌ لَا تَسَاهُلَ فِيهِ.
وَمَا أَقْرَبَ تَقَاعُدَنَا عَنْهُمْ إِلَى مَسِيرِهِمْ إِلَيْنَا وَاسْتِجْرَائِهِمْ عَلَيْنَا.
стр. 259
وَإِذَا كُنَّا لَا نُسَوِّغُ تَعْطِيلَ شَيْءٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَأَحْرَى فَنُونِهَا بِالْمُرَاعَاةِ الْغَزَوَاتُ.
وَالْأُمُورُ فِي الْوِلَايَاتِ إِذَا لَمْ تُؤْخَذُ مِنْ مَبَادِيهَا جَرَّتْ أُمُورًا يَعْسُرُ تَدَارَكُهَا عِنْدَ تَمَادِيهَا.
وَقَدْ أَجْرَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الدُّنْيَا تَبَعُ الدِّينِ، وَأَنَّ صَاحِبَنَا بُعِثَ لِتَأْسِيسِ الدِّينِ، وَتَأْدِيَةِ الرِّسَالَةِ، وَالْإِبْلَاغِ وَالِاكْتِفَاءِ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا بِبَلَاغٍ، فَمِنْ عَظَائِمِ الْأُمُورِ تَرْكُ الْأَجْنَادِ، وَتَعْطِيلُ الْجِهَادِ، وَانْحِصَارُ الْعَسَاكِرِ فِي الثُّغُورِ.
٣٧٤ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّهُ تَمْتَدُّ يَدُ الْإِمَامِ إِلَى أَمْوَالِ الْمُوسِرِينَ عِنْدَ الْهَمِّ بِتَجْهِيزِ الْأَجْنَادِ إِلَى الْجِهَادِ، فَمَا قَوْلُكُمْ فِيهِ إِذَا كَانَ مَعَ الْمُرْتَزِقَةِ كِفَايَتُهُمْ وَعُدَّتُهُمْ فِي إِقَامَتِهِمْ وَنَهْضَتِهِمْ، وَمُرَابَطَتِهِمْ وَغَزْوَتِهِمْ، فِي أَوَانِهَا وَإِبَّانِهَا وَلَكِنْ خَلَا بَيْتُ الْمَالِ
стр. 260
أَوْ كَادَ أَنْ يَخْلُوَ وَخَافَ الْإِمَامُ غَائِلَةً هَائِلَةً مِنْ خُلُوِّ بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ [عَكْرَةِ الْكُفَّارِ] ، أَوْ دَبْرَةٍ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ؟
فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ النَّافِعُ الْوَاقِعُ فِي وُجُوبِ الِاسْتِظْهَارِ بِالذَّخَائِرِ، وَتَنْزِيلِ إِعْدَادِ الْمَالِ مَنْزِلَةَ إِعْدَادِ الرِّجَالِ، وَلَوْ وَهَتْ كِفَايَةُ الرِّجَالِ، امْتَدَّتْ يَدُ الْإِمَامِ إِلَى الْأَمْوَالِ. وَالذَّخِيرَةُ إِحْدَى الْعُدَّتَيْنِ. فَمَا الْوَجْهُ فِي ذَلِكَ؟
٣٧٥ - قُلْتُ: هَذَا الْآنَ دُونَ التَّقْسِيمِ الْأَخِيرِ الَّذِي تَقَرَّرَ نِجَازُهُ فَإِنَّ الْمُرْتَزِقَةَ، إِذَا لَزِمُوا الثُّغُورَ وَالْمَرَاصِدَ، وَتَقَاعَدُوا عَنِ الِانْبِعَاثِ إِلَى الْمَقَاصِدِ، كَانَ ذَلِكَ مُتَضَمِّنًا تَعْطِيلَ الْجِهَادِ نَاجِزًا.
وَفِيهِ خَصْلَةٌ أُخْرَى، وَهِيَ أَنَّ مُعْظَمَ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ مِمَّا تَحْوِيهِ أَيْدِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْكَافِرِينَ فَإِذَا انْقَطَعَ (١٤٠) الْجِهَادُ،
стр. 261
انْقَطَعَ بِانْقِطَاعِهِ وُجُوهُ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَنْصَبُّ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَيَتَدَاعَى ذَلِكَ إِلَى اخْتِلَالٍ وَانْحِلَالٍ، يَتَعَذَّرُ مَعَهُ الْمُرَابَطَةُ ; فَإِنَّ الْمُؤَنَ إِذَا كَانَتْ دَارَّةً بِجِمَامِهَا، وَقَدْ [أَكْدَتِ] الْمَطَالِبُ، وَعَسُرَتْ وُجُوهُهَا ; لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي نَظَرٍ فِي الْعَوَاقِبِ - إِفْضَاءُ الْأَمْرِ عَلَى قُرْبٍ وَكَثَبٍ، إِلَى انْقِطَاعِ أَصْلِ السَّبَبِ.
٣٧٦ - وَالْقَيِّمُ الْمَنْصُوبُ فِي مَالِ طِفْلٍ مَأْمُورٌ بِأَلَّا [يُقْصِرَ] نَظَرَهُ عَلَى ضَرُورَةِ حَالَةٍ، بَلْ يَنْظُرُ فِي حَالِهِ بِاسْتِنْمَاءِ مَالِهِ، وَطَلَبِ الْأَغْبَطِ، فَالْأَغْبَطِ فِي جَمِيعِ أَمْوَالِهِ وَلَيْسَ أَمْرُ كُلِّيِّ [الْمِلَّةِ] بِأَقَلَّ مَنْ أَمْرِ طِفْلٍ، وَلَا نَظَرُ الْإِمَامِ الْقَوَّامِ عَلَى خُطَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَقْصَرَ نَظَرًا وَفِكْرًا مِنْ قَيَّمٍ.
وَهَذَا وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِمَدْرِكِهِ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْجِهَادِ. فَأَمَّا إِذَا كَانَ جُنُودُ الْإِسْلَامِ مُشَمِّرِينَ لِلْجِهَادِ، فَالْوُجُوهُ الَّتِي
стр. 262
مِنْهَا تَنْتَظِمُ الْأَمْوَالُ غَيْرُ مُنْحَسِمَةٍ، وَالْأَحْوَالُ مُتَّسِقَةٌ مُنْتَظِمَةٌ فَيَبْعُدُ تَنْجِيزُ التَّعَرُّضِ لِأَمْوَالِ النَّاسِ لِأَمْرٍ مُقَدَّرٍ عَلَى نَأْيٍ وَبُعْدٍ.
وَلَا يَنْجَلِي هَذَا الْفَصْلُ حَتَّى أَذْكُرَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ أَمْرًا يُوَضِّحُ الِانْفِصَالَ عَمَّا تَضَمَّنَهُ هَذَا السُّؤَالُ مِنَ الْإِشْكَالِ. وَلَكِنَّ الَّذِي ذَكَرْتُهُ الْآنَ فِيهِ بِلَاغٌ وَاسْتِقْلَالٌ.
٣٧٧ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتُمْ فِي التَّقَاسِيمِ الَّتِي قَدَّمْتُمْ أَنَّ الْإِمَامَ يَسْتَمِدُّ مِنْ أَمْوَالِ الْأَغْنِيَاءِ، فَأَبِينُوهُ وَفَصِّلُوهُ، وَبُوحُوا بِالْغَرَضِ [وَحَصِّلُوهُ] وَأَوْضِحُوا الْمَآخِذَ وَالْوُجُوهَ.
قُلْنَا: قَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ فِي مَقْصُودِ الْفَصْلِ إِلَى غَمْرَةٍ تُغْرِقُ الْجَهُولَ، وَتُحَيِّرُ الْعُقُولَ، وَمَا أَرَاهَا تُخِيضُ إِلَّا مَنْ كَانَ التَّوْفِيقُ مَطِيَّتَهُ وَالِابْتِهَالُ إِلَى اللَّهِ طَوِيَّتَهُ، وَالتَّبَحُّرُ فِي بُحُورِ الْعُلُومِ عُدَّتَهُ، وَيَنْبَغِي أَنْ نُنَبِّهَ عَلَى خَطَرِهِ وَغَرَرِهِ، ثُمَّ نَنْدَفِعُ فِي دُرَرِ الْكَلَامِ وَغَرَرِهِ، فَالْخَائِضُ فِيمَا انْتَهَى الْكَلَامُ (١٤١) إِنْ لَمْ يُعْصَمْ، وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْهُ الْقَدَمُ، بَيْنَ شَوْفَيْنِ عِنْدَ الِالْتِفَاتِ إِلَى طَرَفَيْنِ: فَإِنْ وَقَعَ
стр. 263
نَظَرُهُ فِي الِانْكِفَافِ عَنِ الْأَمْوَالِ، الْتَزَمَ مَصِيرَ الْإِسْلَامِ إِلَى أَسْوَأِ الْمَصَايِرِ وَالْأَحْوَالِ.
وَإِنِ اسْتَرْسَلَ فِي إِطْلَاقِ الْأَيْدِي فِي الْأَمْوَالِ مِنْ غَيْرِ اقْتِصَادٍ، انْتَصَبَ إِلَى إِحْدَاثِ مُطَالَبَاتٍ كُلِّيَّةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْقَضَايَا الشَّرْعِيَّةِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ التَّدَابِيرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا عَنِ الشَّرْعِ صَدْرٌ فَالْهُجُومُ عَلَيْهَا خَطَرٌ. ثُمَّ قُصَارَاهَا إِذَا لَمْ تَكُنْ مُقَيَّدَةً بِمَرَاسِمِ الْإِسْلَامِ، مُؤَيَّدَةً بِمُوَافَقَةِ مَنَاظِمِ الْأَحْكَامِ - ضَرَرٌ.
[قضية جديدة كيف أفتى فيها إمام الحرمين]
٣٧٨ - فَأَعُودُ وَأَقُولُ: لَسْتُ [أُحَاذِرُ] إِثْبَاتَ حُكْمٍ لَمْ يُدَوِّنْهُ الْفُقَهَاءُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الْعُلَمَاءُ، فَإِنَّ مُعْظَمَ مَضْمُونِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُلْفَى مُدَوَّنًا فِي كِتَابٍ، وَلَا مُضَمَّنًا لِبَابٍ.
وَمَتَى انْتَهَى مَسَاقُ الْكَلَامِ إِلَى أَحْكَامٍ نَظَّمَهَا أَقْوَامٌ، أَحَلْتُهَا عَلَى أَرْبَابِهَا وَعَزَيْتُهَا إِلَى كُتَّابِهَا.
وَلَكِنِّي لَا أَبْتَدِعُ، وَلَا أَخْتَرِعُ شَيْئًا، بَلْ أُلَاحِظُ وَضْعَ الشَّرْعِ، وَأَسْتَثِيرُ مَعْنًى يُنَاسِبُ مَا أَرَاهُ وَأَتَحَرَّاهُ.
وَهَكَذَا سَبِيلُ التَّصَرُّفِ فِي الْوَقَائِعِ الْمُسْتَجَدَّةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِيهَا أَجْوِبَةُ الْعُلَمَاءِ مُعَدَّةً، وَأَصْحَابُ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- وَرَضِيَ عَنْهُمْ، لَمْ يَجِدُوا فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَّا نُصُوصًا مَعْدُودَةً وَأَحْكَامًا مَحْصُورَةً
стр. 264
مَحْدُودَةً، ثُمَّ حَكَمُوا فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ عَنَّتْ، وَلَمْ يُجَاوِزُوا وَضْعَ الشَّرْعِ، وَلَا تَعَدَّوْا حُدُودَهُ ; فَعَلَّمُونَا أَنَّ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَتَنَاهَى فِي الْوَقَائِعِ، وَهِيَ مَعَ انْتِفَاءِ النِّهَايَةِ عَنْهَا صَادِرَةٌ عَنْ قَوَاعِدَ مَضْبُوطَةٍ.
٣٧٩ - فَلْيَكُنِ الْكَلَامُ فِي الْأَمْوَالِ وَقَدْ صَفِرَ بَيْتُ الْمَالِ وَاقِعَةً لَا يُعْهَدُ فِيهَا لِلْمَاضِينَ مَذْهَبًا، وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ مَطْلَبًا، وَلْنَجْرِ فِيهِ عَلَى مَا جَرَى عَلَيْهِ (١٤٢) الْأَوَّلُونَ إِذْ دُفِعُوا إِلَى وَقَائِعَ لَمْ يَكُونُوا يَأْلَفُوهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ لَهُمْ مَذَاهِبُ، وَلَمْ يَعْرِفُوهَا.
وَإِذَا اسْتَدَّ النَّاظِرُ، اسْتَوَى الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ.
فَنَقُولُ:
٣٨٠ - لِلنَّاسِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا - أَنْ يَعْدِمُوا قُدْوَةً وَأُسْوَةً وَإِمَامًا يَجْمَعُ شَتَاتَ الرَّأْيِ، وَيُرَدُّوا إِلَى الشَّرْعِ الْمُجَرَّدِ مِنْ غَيْرِ دَاعٍ وَحَادٍ، فَإِنْ كَانُوا كَذَلِكَ، فَمُوجِبُ الشَّرْعِ وَالْحَالَةِ هَذِهِ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ أَنْ يَحْرَجَ الْمُكَلَّفُونَ الْقَادِرُونَ لَوْ عَطَّلُوا فَرْضًا وَاحِدًا، وَلَوْ أَقَامَهُ مَنْ فِيهِ الْكِفَايَةُ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ.
فَلَا يَثْبُتُ لِبَعْضِ الْمُكَلَّفِينَ
стр. 265
تَوْجِيهُ الطَّلَبِ عَلَى آخَرِينَ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا مُنْقَسِمِينَ إِلَى دَاعٍ وَمَدْعُوٍّ، وَحَادٍ وَمَحْدُوٍّ، وَلَيْسَ [الْفَرْضُ] مُتَعَيِّنًا عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ، فَلَا يُعْقَلُ تَثْبِيتُ التَّكْلِيفِ فِي فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ مَعَ عَدَمِ الْوَالِي إِلَّا كَذَلِكَ.
٣٨١ - فَلْيُضْرَبْ فِي ذَلِكَ الْجِهَادُ مَثَلًا، فَنَقُولُ:
لَوْ شَغَرَ الزَّمَانُ عَنْ وَالٍ، تَعَيَّنَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِمُجَاهَدَةِ الْجَاحِدِينَ، وَإِذَا قَامَ بِهِ عُصَبٌ فِيهِمْ كِفَايَةٌ سَقَطَ الْفَرْضُ عَنْ سَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ ; [فَهَذَا] إِذَا عَدِمُوا وَالِيًا.
٣٨٢ - فَأَمَّا إِذَا وَلِيَهُمْ إِمَامٌ مُطَاعٌ، فَإِنَّهُ يَتَوَلَّى جَرَّ الْجُنُودِ وَعَقْدَ الْأَلْوِيَةِ وَالْبُنُودِ، وَإِبْرَامَ الذِّمَمِ وَالْعُهُودِ.
وَلَوْ نَدَبَ طَائِفَةً إِلَى الْجِهَادِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ مُبَادَرَةُ الِاسْتِعْدَادِ، مِنْ غَيْرِ تَخَاذُلٍ وَتَوَاكُلٍ وَاتِّئَادٍ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: لَيْسَ مَا نُدِبْنَا إِلَيْهِ مُتَعَيِّنًا عَلَيْنَا ; فَلْيَقُمْ بِهِ غَيْرُنَا، فَإِنَّا قَدْ أَثْبَتْنَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا نَصَبُوا وَالِيًا يُدَبِّرُهُمْ فِي إِصْدَارِهِمْ وَإِيرَادِهِمْ تَدْبِيرَ الْآبَاءِ فِي أَوْلَادِهِمْ.
стр. 266
وَلَوْ سَاغَ مُقَابَلَةُ أَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ بِمَا يُوهِي شَأْنَهُ وَيُوهِيهِ، لَمَا اسْتَتَبَّ لَهُ مَقْصِدٌ فِيمَا يَذَرُهُ وَيَأْتِيهِ، وَلَأَفْضَى إِلَى عُسْرٍ يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ تَلَافِيهِ.
وَلَوْ وَكَلَ [كُلُّ] مَنْدُوبٍ (١٤٣) ارْتِسَامَ مَرَاسِمِ الْوَالِي الْمَنْصُوبِ إِلَى غَيْرِهِ، لَمَا اسْتَقَرَّتْ لِلْإِمَامِ طَاعَةٌ فِي سَاعَةٍ.
فَإِذَا رَأَى الْوَالِي الْمَنْصُوبُ رَأْيًا مِنْ هَذَا الْفَنِّ كَانَ مُتَّبَعًا، وَلَمْ تَجِدِ الرَّعَايَا دُونَ اتِّبَاعِهِ مَحِيدًا وَمُتَّسَعًا.
٣٨٣ - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، بَنَيْنَا عَلَيْهِ أَمْرَ الْمَالِ قَائِلِينَ: لَوْ شَغَرَتِ الْأَيَّامُ عَنْ قِيَامِ إِمَامٍ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ، وَمَسَّتِ الْحَاجَةُ فِي إِقَامَةِ الْجِهَادِ إِلَى مَالٍ وَعَتَادٍ، وَأُهَبٍ وَاسْتِعْدَادٍ، كَانَ وُجُوبُ بَذْلِهِ عِنْدَ تَحْقِيقِ الْحَاجَاتِ عَلَى مِنْهَاجِ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، فَلَيْسَتِ الْأَمْوَالُ بِأَعَزَّ مِنَ الْمُهَجِ الَّتِي يَجِبُ تَعْرِيضُهَا لِلْأَغْرَارِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى الرَّدَى وَالتَّوَى.
٣٨٤ - فَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ وَزَرٌ يُلَاذُ بِهِ.
فَإِذَا سَاسَ الْمُسْلِمِينَ وَالٍ، وَصَفِرَتْ يَدُهُ عَنْ عُدَّةٍ وَمَالٍ، فَلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ بَعْضَ الْمُوسِرِينَ لِبَذْلِ مَا تَقْتَضِيهِ ضَرُورَةُ الْحَالِ، لَا مَحَالَةَ،
стр. 267
كَمَا يَنْدُبُ مَنْ يَرَاهُ أَهْلًا لِلِانْتِدَابِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَبْعِدَ الْمَرْءُ حُكْمَ الْإِمَامِ فِي فَلْسِهِ مَعَ [نُفُوذِ] حُكْمِهِ فِي رُوحِهِ وَنَفْسِهِ.
٣٨٥ - وَلَسْتُ أَقُولُ ذَلِكَ عَنْ حُسْبَانٍ وَمُخَالَجَةِ رَيْبٍ، بَلْ أَقْطَعُ بِهِ عَلَى الْغَيْبِ. وَسَيَزْدَادُ ذَلِكَ وُضُوحًا وَانْشِكَافًا إِذَا ذَكَرْتُ مِنْ تَفَاصِيلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَطْرَافًا، وَكَيْفَ يَبْعُدُ مَدْرَكُ ذَلِكَ عَلَى الْفَطِنِ الْأَرِيبِ، وَفِي أَخْذِ فَضَلَاتٍ مِنْ أَمْوَالِ رِجَالٍ تَخْفِيفُ أَعْبَاءٍ عَنْهُمْ وَأَثْقَالٍ، وَإِقَامَةُ دَوْلَةِ الْإِسْلَامِ عَلَى أُبَّهَةِ الِاسْتِقْلَالِ فِي أَحْسَنِ حَالٍ.
وَلَوْ لَمْ يَتَدَارَكِ الْإِمَامُ مَا اسْتَرَمَّ مِنْ سُورِ الْمَمَالِكِ، لَأَشْفَى الْخَلَائِقُ عَلَى وَرَطَاتِ الْمَهَالِكِ، وَلَخِيفَتْ خَصْلَةٌ لَوْ تَمَّتْ -[لَا كَانَتْ وَلَا أَلَمَّتْ] لَكَانَ أَهْوَنُ فَائِتٍ فِيهَا أَمْوَالَ الْأَغْنِيَاءِ، وَقَدْ يَتَعَدَّاهَا إِلَى إِرَاقَةِ الدِّمَاءِ، وَهَتْكِ السُّتُورِ، وَعَظَائِمِ الْأُمُورِ.
٣٨٦ - فَإِذَا تَمَهَّدَ مَا ذَكَرْنَاهُ (١٤٤) فَلْنَقُلْ بَعْدَهُ: لَيْسَ لِلْإِمَامِ [فِي] شَيْءٍ مِنْ مَجَارِي الْأَحْكَامِ أَنْ يَتَهَجَّمَ وَيَتَحَكَّمَ، فِعْلَ مَنْ يَتَشَهَّى وَيَتَمَنَّى، وَلَكِنَّهُ يَبْنِي أُمُورَهُ كُلَّهَا، دِقَّهَا وَجُلَّهَا، عَقْدَهَا
стр. 268
وَحَلَّهَا عَلَى وَجْهِ الرَّأْيِ وَالصَّوَابِ فِي كُلِّ بَابٍ، فَلَا يَنْدُبُ قَوْمًا لِلْجِهَادِ إِلَّا إِذَا رَأَى تَعَيُّنَهُمْ مَنْهَجَ الرَّشَادِ، وَمَسْلَكَ السَّدَادِ، ثُمَّ يَحْزُبُ النَّاسَ حِزْبًا، وَيَجْعَلُ نَدْبَهُمْ إِلَى الْجِهَادِ نُوَبًا، وَكَذَلِكَ يُجَهِّزُ إِلَى كُلِّ جِيلٍ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يَلِيهِمْ فِي صَوْبِ تِلْكَ الدِّيَارِ.
وَهَذَا يُغْنِي وُضُوحُهُ فِي طُرُقِ الْإِيَالَةِ عَنِ الْإِطْنَابِ وَالْإِطَالَةِ.
٣٨٧ - وَالْأَمْرُ فِي أَخْذِ الْأَمْوَالِ يَجْرِي عَلَى هَذِهِ الْأَحْوَالِ فَلْيُشِرْ [عَلَى أَغْنِيَاءَ كَلِّ] صُقْعٍ بِأَنْ يَبْذُلُوا مِنَ الْمَالِ مَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِقْلَالُ.
وَلَيْسَ لِتَفَاصِيلِ الرَّأْيِ غَايَةٌ وَنِهَايَةٌ، فَلْيَرَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ كُلَّهُ رَأْيَهُ.
وَمَا ذَكَرْنَاهُ [لَيْسَ] حَصْرًا وَضَبْطًا فِي الْمَقَالِ، وَلَكِنَّا جِئْنَا بِهِ ضَرْبًا لِلْأَمْثَالِ، وَعَلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بَعْدَ عَوْنِ اللَّهِ الِاتِّكَالُ فِي مُضْطَرَبِ الْأَحْوَالِ.
٣٨٨ - وَمِنْ تَتِمَّةِ الْقَوْلِ فِي هَذَا أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِذَا وَجَدُوا مُعَاذًا
стр. 269
وَاتَّخَذُوا لِمُهِمَّاتِهِمْ مَلَاذًا، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مُضَادَّتُهُ وَمُرَادَّتُهُ، وَمُعَانَدَتُهُ وَمُحَادَثَتُهُ.
فَإِنْ رَأَى إِذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ عَامَّةٌ، وَدَاهِيَةٌ مُطْبِقَةٌ لِلْخُطَّةِ طَامَّةٌ، وَمَسَّتِ الضَّرُورَاتُ فِي دِفَاعِهَا إِلَى عُدَّةٍ، وَمَادَّةٍ مِنَ الْمَالِ تَامَّةٍ.
وَيَدُ الْإِمَامِ صَافِرَةٌ، وَبُيُوتُ الْأَمْوَالِ شَاغِرَةٌ - أَنْ يَتَسَبَّبَ إِلَى [اسْتِيدَاءِ] مَالٍ مِنْ مُوسِرِي الْمُؤْمِنِينَ -[فَإِنَّهُ] يَفْعَلُ ذَلِكَ عَلَى مُوجَبِ الِاسْتِصْوَابِ مَا أَرَادَ، وَعَمَّمَ أَهْلَ [الِاقْتِدَارِ] وَالْيَسَارِ فِي أَقَاصِي الْبِلَادِ، وَرَتَّبَ عَلَى كُلِّ نَاحِيَةٍ فِي تَحْصِيلِ الْمُرَادِ، ذَا كِفَايَةٍ، وَدُرْبَةٍ وَسَدَادٍ.
فَإِنْ عَسُرَ التَّبْلِيغُ إِلَى الِاسْتِيعَابِ، وَرَأَى فِي وَجْهِ
стр. 270
الصَّوَابِ أَنْ يُخَصِّصَ أَقْوَامًا، ثُمَّ يَجْعَلَ النَّاسَ فِي ذَلِكَ فِئَامًا، فَيَسْتَأْدِيَ عِنْدَ كُلِّ مُلِمَّةٍ، مِنْ (١٤٥) فِرْقَةٍ أُخْرَى، وَأُمَّةٍ اتُّبِعَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَوَامِرُهُ، وَاجْتُنِبَ زَوَاجِرُهُ، ثُمَّ [لْيَكُنْ] فِي ذَلِكَ عَلَى أَكْمَلِ نَظَرٍ، وَأَسَدِّ فِكْرٍ وَعِبَرٍ.
٣٨٩ - فَإِنِ اقْتَضَى الرَّأْيُ تَعْيِينَ أَقْوَامٍ عَلَى التَّنْصِيصِ، تَعَرَّضَ لَهُمْ عَلَى التَّخْصِيصِ، وَنَظَرَ إِلَى مَنْ كَثُرَ مَالُهُ وَقَلَّ عِيَالُهُ، وَقَدْ يَتَخَيَّرُ مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ مَالِهِ أَنْ يَطْغَى، وَلَوْ تُرِكَ لَفَسَدَ، وَلَوْ غُضَّ مِنْ غُلَوَائِهِ قَلِيلًا، لَأَوْشَكَ أَنْ يَقْتَصِدَ وَ [يَسْتَدَّ] .
وَإِذَا لَمْ يَخْلُ الْمُتَصَدِّي لِلْإِمَامَةِ وَالِاسْتِقَامَةِ عَنْ تَحْدِيدِ النَّظَرِ، وَتَسْدِيدِ الْفِكْرِ، فَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَصْرِيحًا أَوْ رَمَزْنَا إِلَيْهِ تَلْوِيحًا لَهُ مُعْتَبَرٌ.
٣٩٠ - ثُمَّ إِذْ قَدْ لَاحَتِ الْمَرَاشِدُ، وَوَضَحَتِ الْمَقَاصِدُ، فَنَذْكُرُ بَعْدَهَا ثَلَاثَةَ فُصُولٍ، بَعْدَ تَمْهِيدِ مَا سَبَقَ مِنَ الْأُصُولِ.
стр. 271
[من الناس من قال إن ما يأخذه الإمام يكون قرضا على بيت المال]
فَصْلٌ ٣٩١ - أَحَدُهَا - أَنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَأْخُذُ مَا يَأْخُذُهُ فِي مَعْرِضِ الِاقْتِرَاضِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فَإِنْ [ثَابَتْ] مَدَارُّهُ وَمَجَالِبُهُ، تَعَيَّنَ رَدُّ مَا اقْتَرَضَ. وَ [الْمُقْرِضُ] يُطَالِبُهُ.
٣٩٢ - وَقَالَ قَائِلُونَ: إِنْ عَمَّمَ بِالِاسْتِيدَاءِ مَيَاسِيرَ الْبِلَادِ، وَالْمُثْرِينَ مِنْ طَبَقَاتِ الْعِبَادِ، فَلَا مَطْمَعَ فِي الرَّدِّ وَالِاسْتِرْدَادِ، وَإِنْ خَصَّصَ بَعْضًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَّا قَرْضًا.
وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ كُلُّ فَرِيقٍ، ثُمَّ نَذْكُرُ مَسْلَكَ التَّحْقِيقِ.
٣٩٣ - فَمَنْ قَالَ: الْإِمَامُ يَسْتَقْرِضُ اسْتَمْسَكَ بِأَنَّ أَقْدَارَ الْوَاجِبَاتِ مَضْبُوطَةُ الْجِهَاتِ فِي قَوَاعِدِ الدِّينِ وَمَذَاهِبِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَضَاقَ الْمَحَاوِيجُ وَالْفُقَرَاءُ، اسْتَسْلَفَ مِنَ
стр. 272
الْأَغْنِيَاءِ، وَرُبَّمَا اسْتَعْجَلَ الزَّكَوَاتِ، فَلَوْ كَانَ يُسَوِّغُ الْأَخْذَ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَاضٍ، لَكَانَ ﵇ بَيَّنَهُ لِيَقْتَدِيَ بِهِ مَنْ بَعْدَهُ عِنْدَ فَرْضِ الْإِضَاقَةِ.
وَرُبَّمَا تَعَلَّقَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ مَآخِذَ الْأَمْوَالِ لَوْ تَعَدَّتِ الطُّرُقَ الْمَضْبُوطَةَ، وَالْمَسَالِكَ الْمُوَضَّحَةَ فِي الشَّرِيعَةِ، لَانْبَسَطَتِ (١٤٦) الْأَيْدِي إِلَى الْأَمْوَالِ، وَيَجُرُّ ذَلِكَ فُنُونًا مِنَ الْخَبَالِ، وَلَمْ يَثِقْ ذُو مَالٍ بِمَالِهِ لَا فِي حَالِهِ، وَلَا فِي مَآلِهِ، وَهَذَا خُرُوجٌ عَنْ ضَبْطِ الدِّينِ، وَحَلٌّ لِعِصَامِ الْإِسْلَامِ عَنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ.
٣٩٤ - وَالْمَرْضِيُّ عِنْدِي أَنَّ ذَلِكَ جُبْنٌ وَخَوَرٌ وَذُهُولٌ عَنْ سُنَنِ النَّظَرِ فَإِنَّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْجِهَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا مَا يَرَاهُ سَادًّا لِلْحَاجَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَا مِنْهَاجَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِقْرَاضُ سَوَاءٌ فَرَضَ أَخْذَهُ مِنْ مُعَيَّنِينَ، أَوْ مِنَ الْمَيَاسِيرِ أَجْمَعِينَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّا لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنْ مُطَاعٍ، لَوَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ الْقِيَامُ بِفَرَائِضِ الْكِفَايَاتِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْتَقِبُوا مَرْجِعًا، فَإِذَا وَلِيَهُمْ إِمَامٌ فَكَأَنَّهُمْ وَلَّوْهُ أَنْ يُدَبِّرَهُمْ تَعْيِينًا وَتَبْيِينًا، فِيمَا كَانَ فَرْضًا بَيْنَهُمْ فَوْضَى، وَلَوْلَاهُ لَأَوْشَكَ أَنْ يَتَخَاذَلُوا، وَيُحِيلَ الْبَعْضُ الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى
стр. 273
الْبَعْضِ ثُمَّ تَنْسَحِبُ الْمَآثِمُ عَلَى كَافَّتِهِمْ، وَالْإِمَامُ الْقَوَّامُ يَدْفَعُ التَّخَاذُلَ وَالتَّغَالُبَ، وَيَحْمِلُ الْأَعْيَانَ عَلَى التَّنَاوُبِ فِيمَا عَلَى الْكَافَّةِ [الْخُرُوجُ] عَنْ عُهْدَتِهِ.
وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْمَقْصِدَ أَنَّهُ لَوِ اسْتَقْرَضَ، لَكَانَ يُؤَدِّي مَا اقْتَرَضَهُ مِنْ مَالٍ فَاضِلٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَرُبَّمَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَى مَا يُقَدِّرُهُ فِي الْحَالِ فَاضِلًا، ثُمَّ يَقْتَضِي الْحَالُ اسْتِرْدَادَ مَا وَفَّيْنَاهُ عَلَى الْمُقْرِضِ، وَيَسْتَدْبِرُ التَّدْبِيرَ، فَلَا يَزَالُ فِي رَدٍّ وَاسْتِرْدَادٍ، وَمَا أَدَّى إِلَى التَّسَلْسُلِ، فَهُوَ فِي وَضْعِهِ لَا يَتَحَصَّلُ.
٣٩٥ - وَالَّذِي يَجِبُ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ كُلَّ وَاقِعَةٍ وَقَعَتْ فِي الْإِسْلَامِ تَعَيَّنَ عَلَى مُلْتَزِمِي الْإِسْلَامِ أَنْ يُقِيمُوا أَمْرَ اللَّهِ فِيهَا، إِمَّا بِأَنْفُسِهِمْ إِذَا فَقَدُوا مَنْ يَلِيهِمْ، أَوْ بِأَنْ يَتَّبِعُوا أَمْرَ وَالِيهِمْ.
فَإِذَا امْتَثَلُوا أَمْرَ اللَّهِ بِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ بِأَمْوَالِهِمْ عَلَى تَفَنُّنِ أَحْوَالِهِمْ، فَارْتِقَابُهُمْ (١٤٧) رُجُوعًا فِي مَالِهِمْ يُشْعِرُ بِأَنَّهُمْ مَا كَانُوا مُتَأَصِّلِينَ فِيمَا كَلَّفَهُمْ رَبُّهُمْ.
وَهَذَا ظَنٌّ كَاذِبٌ وَرَأْيٌ غَيْرُ صَائِبٍ، فَالْمُسْلِمُونَ هُمُ الْمُخَاطَبُونَ، وَالْإِمَامُ فِي الْتِزَامِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ كَوَاحِدٍ مِنَ الْأَنَامِ، وَلَكِنَّهُ
стр. 274
مُسْتَنَابٌ فِي تَنْفِيذِ الْأَحْكَامِ، فَإِذَا نُفِّذَتْ، فَلَا مَطْمَعَ فِي مَرْجِعٍ، فَإِنْ دَرَّ لِبَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، فَحَظُّ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ تَهَيُّؤُهُ لِلْحَاجَاتِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْأَوْقَاتِ.
فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي هَذَا الْفَنِّ.
٣٩٦ - وَأَقُولُ الْآنَ: لَسْتُ أَمْنَعُ الْإِمَامَ مِنَ الِاقْتِرَاضِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ، إِنْ رَأَى ذَلِكَ اسْتِطَابَةً لِلْقُلُوبِ، وَتَوَصُّلًا إِلَى تَيْسِيرِ الْوُصُولِ إِلَى الْمَالِ، مَهْمَا اتَّفَقَتْ وَاقِعَةٌ أَوْ هَجَمَتْ هَاجِمَةٌ.
وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ لَيْسَ تَحْرِيمًا لِلِاسْتِقْرَاضِ، وَلَكِنَّهُ تَمْهِيدٌ لِمَا يَسُوغُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَفْعَلَهُ، وَالْأَمْرُ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِهِ، أَوِ اسْتِصْوَابِهِ فِي افْتِتَاحِ كُلِّ أَمْرِهِ وَمَآبِهِ.
وَالْجُمْلَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا أَلَمَّتْ مُلِمَّةٌ، وَاقْتَضَى إِلْمَامُهَا مَالًا، فَإِنْ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، اسْتَمَدَّتْ كِفَايَتَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَالِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ، نَزَلَتْ عَلَى أَمْوَالِ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا كُفِيَتْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، فَقَدِ انْقَضَتْ، وَانْقَطَعَتْ تَبِعَاتُهَا، وَعَلَائِقُهَا، فَإِذَا حَدَثَ مَالٌ، تَهَيَّأَ مَا حَدَثَ لِلْحَوَادِثِ، [الْمُسْتَقْبَلَةِ]
стр. 275
فَهَذِهِ مُعْضِلَاتٌ لَا يَسْتَدُّ فِيهَا إِلَّا مُؤَيِّدٌ وَلَا يُطَبِّقُ مُفَصَّلَ الْحَقِّ فِيهَا إِلَّا مُسَدَّدٌ.
٣٩٧ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ أَنَّ مَنْ مَعَهُ طَعَامٌ إِذَا وَجَدَ مُضْطَرًّا إِلَيْهِ وَاقِعًا فِي الْمَخْمَصَةِ، مُشْفِيًا عَلَى الْهَلَاكِ، لَمْ يَلْزَمْ مَالِكَ الطَّعَامِ بَذْلُهُ مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ، وَإِحْيَاءُ الْمُهَجِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ عَلَى مَجْرَى الْأَوْقَاتِ، وَقَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ إِذَا انْفَرَدَ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى مُضْطَرٍّ أَنْ يَبْذُلَ [كُنْهَ] الْجِدِّ (١٤٨) وَيَسْتَفْرِغُ غَايَةَ الْوُسْعِ فِي إِنْقَاذِهِ، ثُمَّ لَا يَجِبُ التَّبَرُّعُ وَالتَّطَوُّعُ بِالْبَذْلِ.
قُلْنَا: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عِنْدَنَا فِيهِ إِذَا كَانَ لِلْمُضْطَرِّ مَالٌ غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ، فَأَمَّا إِذَا كَانَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فَيَجِبُ سَدُّ جَوَّعَتِهِ، وَرَدُّ خَلَّتِهِ، مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِهِ عِوَضًا.
وَلَا أَعْرِفُ خِلَافًا أَنَّ سَدَّ خَلَّاتِ الْمُضْطَرِّينَ فِي شَتَّى الْمَجَاعَاتِ، مَحْتُومٌ عَلَى الْمُوسِرِينَ، ثُمَّ لَا يَرْجِعُونَ عَلَيْهِمْ إِذَا انْسَلُّوا مِنْ تَحْتِ كَلَاكِلِ الْفِتَنِ.
وَفُقَرَاءُ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مُتَوَسِّلِيهِمْ كَالِابْنِ الْفَقِيرِ فِي حَقِّ أَبِيهِ، لَيْسَ لِلْأَبِ الْمُوسِرِ أَنْ يَلْزَمَ ابْنَهُ الِاسْتِقْرَاضُ مِنْهُ إِلَى أَنْ
стр. 276
يَسْتَغْنِيَ يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ، وَلَوْ كَانَ لِوَلَدِهِ مَالٌ غَائِبٌ أَقْرَضَ وَلَدَهُ أَوِ اسْتَقْرَضَ لَهُ إِنْ كَانَ مُوَلِيًّا عَلَيْهِ.
وَالَّذِي يَكْشِفُ الْغِطَاءَ فِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى مُسْلِمًا مُشْرِفًا عَلَى حَرِيقٍ أَوْ غَرِيقٍ، وَاحْتَاجَ إِنْقَاذَهُ إِلَى إِنْقَاذِ سَبَبِهِ، وَإِكْدَادِ حَدَبِهِ لَمْ يَجِدَّ فِي مُقَابَلَةِ سَعْيِهِ.
٣٩٨ - وَمَا ذَكَرَهُ الْأَوَّلُونَ مِنَ اسْتِسْلَافِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ، وَاسْتِعْجَالِهِ الزَّكَوَاتِ، فَلَسْتُ أُنْكِرُ جَوَازَ ذَلِكَ، وَلَكِنِّي أُجَوِّزُ الِاسْتِقْرَاضَ عِنْدَ اقْتِضَاءِ الْحَالِ، وَانْقِطَاعِ الْأَمْوَالِ، وَمَصِيرِ الْأَمْرِ إِلَى مُنْتَهًى يَغْلِبُ الظَّنُّ فِيهِ اسْتِيعَابَ الْحَوَادِثِ لِمَا يَتَجَدَّدُ فِي الِاسْتِقْبَالِ.
٣٩٩ - وَأَمَّا مَا ادَّعَوْهُ مِنْ أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ كَانَ لَا يَأْخُذُ إِلَّا وَظِيفَةً حَاقَّةً فِي أَوَانِ حُلُولِهَا أَوْ يَسْتَقْرِضُ، فَهَذَا زَلَلٌ عَظِيمٌ، فَإِنَّهُ كَانَ إِذَا حَاوَلَ تَجْهِيزَ جُنْدٍ أَشَارَ عَلَى الْمَيَاسِيرِ مِنْ أَصْحَابِهِ بِأَنْ يَبْذُلُوا
стр. 277
فَضَلَاتِ أَمْوَالِهِمْ، وَالْأَقَاصِيصُ الْمَأْثُورَةُ الْمَشْهُورَةُ فِي ذَلِكَ بَالِغَةٌ مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ، وَكَانُوا ﵃ (١٤٩) يَتَبَادَرُونَ ارْتِسَامَ مَرَاسِمِ الرَّسُولِ ﵇ عَلَى طَوَاعِيَةٍ وَطِيبِ أَنْفُسٍ، وَيَزْدَحِمُونَ عَلَى امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ حَائِزِينَ بِهِ أَكْرَمَ الْوَسَائِلِ، ازْدِحَامَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ عَلَى الْمَنَاهِلِ، وَكَانَتْ مَبَادِئُ إِشَارَاتِهِ أَنْجَعَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ مِنْ سُيُوفِ أَهْلِ النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ فِي أَهْلِ الْعِنَادِ وَالشِّرَاسِ.
٤٠٠ - وَمَا شَبَّهُوا بِهِ مِنْ أَدَاءِ الْأَمْرِ إِلَى إِخْلَالٍ وَإِفْضَائِهِ إِلَى امْتِدَادِ الْأَيْدِي إِلَى الْأَمْوَالِ فَلَا احْتِفَالَ بِالْأَمْوَالِ عِنْدَ إِطْلَالِ الْأَهْوَالِ عَلَى بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ، وَلَا يَسُوغُ أَخْذُ الْأَمْوَالِ عَلَى الْإِهْمَالِ هَزْلًا مِنْ غَيْرِ اسْتِفْصَالٍ.
فَإِنْ سُئِلْنَا الدَّلِيلَ، فَقَدْ قَدَّمْنَا مَا فِيهِ أَكْمَلَ مَقْنَعٍ وَبَلَاغٍ.
فَهَذَا نُجَازُ الْغَرَضِ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ، وَهُوَ أَحَدُ الْفُصُولِ الثَّلَاثَةِ الْمَوْعُودَةِ بَعْدَ تَمْهِيدِ الْأُصُولِ.
فَأَمَّا.
[الْفَصْلُ الثَّانِي إذا كثرت عساكر الإسلام ولم تف موارد بيت المال بمؤنتهم]
الْفَصْلُ الثَّانِي
وَبِهِ يَتِمُّ الْمَقْصِدُ فِي بَعْضِ مَا سَبَقَ.
٤٠١ - وَهُوَ أَنَّ عَسَاكِرَ الْإِسْلَامِ إِذَا كَثُرُوا، أَعْنِي الْمُرْتَزِقَةَ الْمُتَرَتِّبِينَ
стр. 278
فِي دِيوَانِ الْجُنُودِ [الْمَعْقُودِ] وَعَظُمَتِ الْمُؤَنُ الْقَائِمَةُ بِكِفَايَتِهِمْ، وَهِيَ جَارِيَةٌ عَلَى اسْتِمْرَارِ الْأَوْقَاتِ حَسَبَ تَوَالِي الْحَاجَاتِ، الَّتِي تَتَقَاضَاهَا الْفَطِنُ وَالْجِبِّلَاتُ.
وَكَانَ اتِّسَاعُ الرِّقَاعِ وَالْأَصْقَاعِ، وَكَثْرَةُ الثُّغُورِ وَالْمَرَاصِدِ فِي الْبِقَاعِ - لَا يَسْتَقِلُّ إِلَّا بِكَثْرَةِ الرِّجَالِ الْمُتَرَصِّدِينَ لِلْقِرَاعِ، وَقَدْ قَسَّمَهُمُ الْإِمَامُ عَلَى أَصْنَافٍ وَأَنْوَاعٍ، وَصَفَّفَهُمْ [جِيلًا جِيلًا] ، [وَرَعِيلًا رَعِيلًا] .
فَمِنْهُمْ مَنْدُوبُونَ لِنَفَضِ حَرِيمِ الْبِلَادِ عَنِ الْمُتَلَصِّصِينَ ذَوِي الْعَرَامَةِ، وَمِنْهُمْ مُتَصَرِّفُونَ فِي الْبِلَادِ لِرَدْعِ النَّابِغِينَ مِنْ أَهْلِ الْفَسَادِ، الزَّائِغِينَ عَنْ مِنْهَاجِ السَّدَادِ، وَمِنْهُمْ مُرَتَّبُونَ فِي مُرَابَطَةِ الْحُصُونِ وَالْقِلَاعِ، وَآخَرُونَ فِي الْمَضَايِقِ وَالْمَرَاصِدِ.
وَالنَّجْدَةُ الْكُبْرَى مُحْتَفُّونَ بِالْإِمَامِ، وَبِأُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ فِي الْبِلَادِ.
٤٠٢ - وَإِذَا انْتَهَى تَدْبِيرُ الْمَمَالِكِ إِلَى ذَلِكَ، فَالْغَالِبُ أَنَّ مَا يُنْفَقُ
стр. 279
مِنْ أَخْمَاسِ الْغَنَائِمِ وَالْفَيْءِ لَا (١٥٠) يُقِيمُ الْأَوَدَ، وَلَا يُدِيمُ الْعُدَدَ، فَإِنَّا كَمَا نُصِيبُ نُصَابُ، وَالْحَرْبُ سَجَالٌ، وَالْقِتَالُ مُضْطَرِبٌ، وَتَبَايُنُ أَحْوَالٍ.
وَمَنْ ظَنَّ [مِمَّنْ] يُلَاقِي الْحُرُوبَ بِأَنْ لَا يُصَابَ، فَقَدْ ظَنَّ عَجْزًا وَالْمَغَانِمُ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ لَيْسَتْ مَقْصُودَةً ; فَإِنَّ الْغَرَضَ التَّجَرُّدُ لِلْجِهَادِ إِعْلَاءً لِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَحِيَاطَةَ الْمِلَّةِ، وَالْمَغَانِمُ لَيْسَتْ مَعْمُودَةً مَقْصُودَةً ; إِذْ لَا يَلِيقُ بِمَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنْ نَجْعَلَ بَذْلَ الْمُهَجِ، وَالتَّغْرِيرَ بِالْأَرْوَاحِ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَغَارِمِ ذَرِيعَةً.
فَإِذًا لَا تَقُومُ الْمَمْلَكَةُ بِتَوَقُّعِ الِاغْتِنَامِ، وَلَا بُدَّ لِلْإِمَامِ مِنَ الِاعْتِصَامِ بِأَوْثَقِ عِصَامٍ، عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ، [وَوَزَرُ] الْإِسْلَامِ مَأْمُورٌ بِأَقْصَى الِاحْتِيَاطِ، وَالْحِفْظِ بِاللَّحْظِ بَعْدَ اللَّحْظِ.
وَلَا أَشْبَهَ مَا يَرْتَقِبُ مِنْ مَغْنَمٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمُؤَنِ [الْقَارَّةِ] إِلَّا [بِمَا] يَقْتَنِصُهُ
стр. 280
الْقَانِصُونَ مِنَ الصُّيُودِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى النَّفَقَاتِ الدَّائِرَةِ فَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ الْمَكَاسِبَ مُعَوِّلِينَ عَلَى الِاصْطِيَادِ، لَهَلَكُوا وَضَاعُوا، وَاضْطَرَبُوا وَجَاعُوا.
فَهَذِهِ التَّشْبِيهَاتُ قَدَّمْتُهَا لِتَوْطِئَةِ أَمْرٍ مَقْطُوعٍ بِهِ عِنْدِي قَدْ يَأْبَاهُ الْمُقَلِّدُونَ الَّذِينَ لَا تَقْتَضِيهِمْ نُفُوسُهُمُ التَّحْوِيمَ عَلَى الْحَقَائِقِ فَضْلًا عَنْ وُرُودِهَا، وَكُلَّمَا ظَهَرَتْ حَقِيقَةٌ، وَلَاحَتْ إِلَى دَرْكِهَا طَرِيقَةٌ صَبَرُوا لِجُحُودِهَا.
٤٠٣ - فَأَقُولُ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ: لَا بُدَّ مِنْ تَوْظِيفِ أَمْوَالٍ يَرَاهَا الْإِمَامُ قَائِمَةً بِالْمُؤَنِ الرَّاتِبَةِ، أَوْ مُدَانِيَةً لَهَا، وَإِذَا وَظَّفَ الْإِمَامُ عَلَى الْغَلَّاتِ وَالثَّمَرَاتِ وَضُرُوبِ الزَّوَائِدِ وَالْفَوَائِدِ مِنَ الْجِهَاتِ يَسِيرًا مِنْ كَثِيرٍ، سَهُلَ احْتِمَالُهُ، وَوَفَرَ بِهِ أُهَبُ الْإِسْلَامِ وَمَالُهُ، وَاسْتَظْهَرَ رِجَالُهُ، وَانْتَظَمَتْ قَوَاعِدُ الْمُلْكِ وَأَحْوَالُهُ.
وَلَوْ عَدِمَ النَّاسُ سُلْطَانًا يَكُفُّ عَنْ زَرْعِهِمْ وَضَرْعِهِمْ عَادِيَّةَ النَّاجِمِينَ وَتَوَثُّبَ الْهَاجِمِينَ (١٥١) ، لَاحْتَاجُوا فِي إِقَامَةِ حُرَّاسٍ مِنْ ذَوِي الْبَأْسِ إِلَى أَضْعَافِ مَا رَمَزْنَا إِلَيْهِ.
فَإِنِ اسْتَنْكَرَ ذَلِكَ غِرٌّ غَبِيٌّ. قُلْنَا: أَتُنْكِرُ أَنَّ مَا ذَكَرْتُهُ وَجْهُ
стр. 281
الرَّأْيِ؟ فَإِنْ أَبَاهُ وَادَّعَى خِلَافَهُ تَرَكْتُهُ وَدَعْوَاهُ، وَلَنْ يُفْلِحَ قَطُّ مُقَلِّدٌ يَتَّبِعُ فِي تَقْلِيدِهِ هَوَاهُ.
وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأَقْصَى الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ مَحْتُومٌ، وَلَا يَفِي بِهِ تَوَقُّعٌ مَغْنُومٌ، وَمَفْهُومٌ أَنَّهُ لَوِ اسْتَفَزَّتْنَا دَاهِيَةٌ وَوَقَعَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ خَرْمٌ فِي نَاحِيَةٍ - لَاضْطُرِرْنَا فِي دَفْعِ الْبَأْسِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ لَوْ تَقَدَّمْنَا بِوَجْهِ رَأْيٍ لَظَنَنَّا أَنَّ الْأُمُورَ فِي اسْتِتْبَابِهَا تَجْرِي عَلَى سُنَنِ صَوَابِهَا.
٤٠٤ - فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
قُلْنَا: لَمَّا انْتَشَرَتِ الرَّعِيَّةُ وَكَثُرَتِ الْمُؤَنُ الْمَعْنِيَّةُ تَسَبَّبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁ إِلَى تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ وَالْأَرْفَاقِ عَلَى أَرَاضِي الْعِرَاقِ بِإِطْبَاقٍ وَاتِّفَاقٍ، وَالَّذِي يُؤْثَرُ مِنْ خِلَافٍ فِيهِ فَهُوَ فِي كَيْفِيَّتِهِ، لَا فِي أَصْلِهِ.
٤٠٥ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ مَذْهَبُ إِمَامِكُمُ الشَّافِعِيِّ ﵀ -
стр. 282
أَنَّ الْخَرَاجَ الْمُسْتَأْدَى مِنْ غَيْرِ أَرَاضِي الْعِرَاقِ غَيْرُ ثَابِتٍ؟
قُلْنَا: مَذْهَبُهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ الْمَضْرُوبَةَ عَلَى أَرَاضِي الْكُفَّارِ بِاسْمِ الْخَرَاجِ تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ الْمُوَزَّعَةُ عَلَى رِقَابِهِمْ. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
٤٠٦ - وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمْرٌ كُلِّيٌّ بَعِيدُ الْمَأْخَذِ مِنْ آحَادِ الْمَسَائِلِ. وَمَنْشَؤُهُ الْإِيَالَةُ الْكُبْرَى، مَعَ الشَّهَادَاتِ الْبَاتَّةِ الْقَاطِعَةِ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِمْدَادِ نَجْدَةِ الدِّينِ [وَحِرْسَةِ] الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَقَعِ الِاجْتِزَاءُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا يَتَوَقَّعُ عَلَى الْمَغِيبِ مِنْ جِهَةِ الْكُفَّارِ، وَتَحَقُّقِ الِاضْطِرَارِ، فِي إِدَامَةِ الِاسْتِظْهَارِ، وَإِقَامَةِ حِفْظِ الدِّيَارِ إِلَى عَوْنٍ مِنَ الْمَالِ مُطَّرِدٍ دَارٍّ، وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ (١٥٢) أَقْوَامًا مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ، لَجَرَّ ذَلِكَ حَزَازَاتٍ فِي النُّفُوسِ، [وَفِكَرًا سَيِّئَةً] فِي الضَّمَائِرِ وَالْحُدُوسِ، وَإِذَا رَتَّبَ عَلَى الْفَضَلَاتِ وَالثَّمَرَاتِ وَالْغَلَّاتِ قَدْرًا قَرِيبًا كَانَ طَرِيقًا فِي رِعَايَةِ الْجُنُودِ وَالرَّعِيَّةِ مُقْتَصِدَةً مَرْضِيَّةً.
стр. 283
ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَتْ مَغَانِمُ، وَاسْتَظْهَرَ بِأَخْمَاسِهَا بَيْتُ الْمَالِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اطِّرَادُ الْكِفَايَةِ، إِلَى أَمَدٍ مَظْنُونٍ وَنِهَايَةٍ، [فَيَغُضُّ] حِينَئِذٍ وَظَائِفَهُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَاتٍ تَوْقِيفِيَّةً وَمُقَدَّرَاتٍ شَرْعِيَّةً وَإِنَّمَا رَأَيْنَاهَا نَظَرًا إِلَى الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، فَمَهْمَا اسْتَظْهَرَ بَيْتُ الْمَالِ وَاكْتَفَى حَطَّ الْإِمَامُ مَا كَانَ يَقْتَضِيهِ وَعَفَا، فَإِنْ عَادَتْ مَخَايِلُ حَاجَةٍ أَعَادَ الْإِمَامُ مِنْهَاجَهُ.
٤٠٧ - وَهَذَا الْفَصْلُ الَّذِي أَطَلْتُ أَنْفَاسِي فِيهِ يَلْتَفِتُ عَلَى أَمْرٍ قَدَّمْتُهُ فِي الِاسْتِظْهَارِ بِالِادِّخَارِ، فَلَسْتُ أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِيَبْتَنِيَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ حِرْزًا، وَيَقْتَنِيَ ذَخِيرَةً وَكَنْزًا، وَيَتَأَثَّلَ مَفْخَرًا وَعِزًّا.
وَلَكِنْ يُوَجِّهُ لِدُرُورِ الْمُؤَنِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَنِ مَا سَبَقَ رَسْمُهُ، فَإِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِأَمْوَالٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَفَّ طَلِبَتَهُ عَلَى الْمُوسِرِينَ.
٤٠٨ - فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا طَالَعَ هَذَا الْفَصْلَ وَأَنْصَفَ وَانْتَصَفَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ [جَادَّةُ] تَقْلِيدِهِ، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، فَالَّذِي حَوَاهُ هَذَا
стр. 284
الْفَصْلُ أَقْصَدُ الطَّرَائِقِ، وَأَسَدُّ الْمَسَالِكِ إِلَى مَدَارِكِ الْحَقَائِقِ. وَقَدْ نَجَزَ الْفَصْلُ الثَّانِي.
[الْفَصْلُ الثَّالِثُ في الرد على من يجوز التأديب والتعزير بمصادرة الأموال]
فَأَمَّا: الْفَصْلُ الثَّالِثُ
٤٠٩ - فَمَضْمُونُهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَرَى تَعْزِيرَ الْمُسْرِفِينَ الْمُوغِلِينَ بِاتِّبَاعِ الشُّبُهَاتِ، وَاقْتِرَافِ السَّيِّئَاتِ، وَاتِّبَاعِ الْهَنَاتِ بِالْمُصَادَرَاتِ، مِنْ غَيْرِ فَرْضِ افْتِقَارٍ وَحَاجَاتٍ.
وَهَذَا مَذْهَبٌ جِدًّا رَدِيٌّ، وَمَسْلَكٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ اقْتِحَامَ الْمَآثِمِ يُوَجِّهُ إِلَى مُرْتَكِبِيهَا ضُرُوبَ (١٥٣) الْمَغَارِمِ، وَلَيْسَ فِي أَخْذِ أَمْوَالٍ مِنْهُمْ أَمْرٌ كُلِّيٌّ، يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ الْحَوْزَةِ، وَالذَّبِّ عَنِ الْبَيْضَةِ، وَلَيْسَ يَسُوغُ لَنَا أَنْ نَسْتَحْدِثَ وُجُوهًا فِي اسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ، وَجَلْبِ أَسْبَابِ الرَّشَادِ، لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَجُرُّ خَرْمًا عَظِيمًا، وَخَطْبًا هَائِلًا جَسِيمًا.
٤١٠ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتَ تَسْوِيغَ وَظَائِفَ لَمْ يَحُمْ عَلَيْهَا طَائِفٌ، فَكَيْفَ تَأْبَى التَّهْذِيبَ وَالتَّأْدِيبَ بِقَطْعِ مَادَّةِ الْفَسَادِ
стр. 285
وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مَنْصُوصًا مَذْكُورًا فِي الشَّرْعِ مَخْصُوصًا.
قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْوَظَائِفِ مُسْتَنَدُهُ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً حَيْثُ نَزَلُوا [وَارْتَحَلُوا] ، وَعَقَدُوا أَوْ حَلُّوا - عَلَى وُجُوبِ الذَّبِّ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ.
فَإِذَا لَمْ نُصَادِفْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالًا اضْطُرِرْنَا لِتَمْهِيدِ الدِّينِ، وَحِفْظِ حَوْزَةِ الْمُسْلِمِينَ - إِلَى الْأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُوسِرِينَ، ثُمَّ عَرَّفْنَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ الِاقْتِصَادَ مَسْلَكُ الرَّشَادِ، وَلَمْ نَرَ فِي تَفْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ فَنَتْبَعَهُ، فَتَبَيَّنَّا قَطْعًا. أَنَّ مَا عَمَّ وَقْعُهُ، وَشَمَلَ وَضْعُهُ، وَعَظُمَ نَفْعُهُ، فَهُوَ أَقْرَبُ مُعْتَبَرٍ.
وَأَمَّا نَزْفُ أَمْوَالِ الْعُصَاةِ، فَلَا نَرَى لَهُ أَصْلًا.
٤١١ - نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْتَنِيَ الْإِمَامُ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ بِأَمْوَالِ الْعُتَاةِ، وَهَذَا فِيهِ أَكْمَلُ مَرْدَعٍ وَمَقْنَعٍ، فَإِنَّ الْعُتَاةَ الْعُصَاةَ إِذَا عَلِمُوا تَرَصُّدَ الْإِمَامِ لِأَمْوَالِهِمْ لِاضْطِرَابِ حَالَاتِهِمْ عِنْدَ اتِّفَاقِ إِضَافَةِ أَعْوَانِ الْمُسْلِمِينَ وَحَاجَاتِهِمْ - كَانَ ذَلِكَ وَازِعًا لَهُمْ عَنْ مَخَازِيهِمْ وَزَلَّاتِهِمْ.
следующие страницы →