← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

الرَّأْيِ؟ فَإِنْ أَبَاهُ وَادَّعَى خِلَافَهُ تَرَكْتُهُ وَدَعْوَاهُ، وَلَنْ يُفْلِحَ قَطُّ مُقَلِّدٌ يَتَّبِعُ فِي تَقْلِيدِهِ هَوَاهُ. وَإِنِ اعْتَرَفَ بِهِ، وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الِاسْتِظْهَارَ بِأَقْصَى الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ مَحْتُومٌ، وَلَا يَفِي بِهِ تَوَقُّعٌ مَغْنُومٌ، وَمَفْهُومٌ أَنَّهُ لَوِ اسْتَفَزَّتْنَا دَاهِيَةٌ وَوَقَعَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ خَرْمٌ فِي نَاحِيَةٍ - لَاضْطُرِرْنَا فِي دَفْعِ الْبَأْسِ إِلَى بَعْضِ النَّاسِ لَوْ تَقَدَّمْنَا بِوَجْهِ رَأْيٍ لَظَنَنَّا أَنَّ الْأُمُورَ فِي اسْتِتْبَابِهَا تَجْرِي عَلَى سُنَنِ صَوَابِهَا. ٤٠٤ - فَإِنْ قِيلَ: لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ. قُلْنَا: لَمَّا انْتَشَرَتِ الرَّعِيَّةُ وَكَثُرَتِ الْمُؤَنُ الْمَعْنِيَّةُ تَسَبَّبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ ﵁ إِلَى تَوْظِيفِ الْخَرَاجِ وَالْأَرْفَاقِ عَلَى أَرَاضِي الْعِرَاقِ بِإِطْبَاقٍ وَاتِّفَاقٍ، وَالَّذِي يُؤْثَرُ مِنْ خِلَافٍ فِيهِ فَهُوَ فِي كَيْفِيَّتِهِ، لَا فِي أَصْلِهِ. ٤٠٥ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ مَذْهَبُ إِمَامِكُمُ الشَّافِعِيِّ ﵀ -

стр. 282

أَنَّ الْخَرَاجَ الْمُسْتَأْدَى مِنْ غَيْرِ أَرَاضِي الْعِرَاقِ غَيْرُ ثَابِتٍ؟ قُلْنَا: مَذْهَبُهُ أَنَّ الْجِزْيَةَ الْمَضْرُوبَةَ عَلَى أَرَاضِي الْكُفَّارِ بِاسْمِ الْخَرَاجِ تَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ كَمَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ الْمُوَزَّعَةُ عَلَى رِقَابِهِمْ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. ٤٠٦ - وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمْرٌ كُلِّيٌّ بَعِيدُ الْمَأْخَذِ مِنْ آحَادِ الْمَسَائِلِ. وَمَنْشَؤُهُ الْإِيَالَةُ الْكُبْرَى، مَعَ الشَّهَادَاتِ الْبَاتَّةِ الْقَاطِعَةِ مِنْ قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ، فَإِذَا مَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى اسْتِمْدَادِ نَجْدَةِ الدِّينِ [وَحِرْسَةِ] الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْأَمْوَالِ، وَلَمْ يَقَعِ الِاجْتِزَاءُ وَالِاكْتِفَاءُ بِمَا يَتَوَقَّعُ عَلَى الْمَغِيبِ مِنْ جِهَةِ الْكُفَّارِ، وَتَحَقُّقِ الِاضْطِرَارِ، فِي إِدَامَةِ الِاسْتِظْهَارِ، وَإِقَامَةِ حِفْظِ الدِّيَارِ إِلَى عَوْنٍ مِنَ الْمَالِ مُطَّرِدٍ دَارٍّ، وَلَوْ عَيَّنَ الْإِمَامُ (١٥٢) أَقْوَامًا مِنْ ذَوِي الْيَسَارِ، لَجَرَّ ذَلِكَ حَزَازَاتٍ فِي النُّفُوسِ، [وَفِكَرًا سَيِّئَةً] فِي الضَّمَائِرِ وَالْحُدُوسِ، وَإِذَا رَتَّبَ عَلَى الْفَضَلَاتِ وَالثَّمَرَاتِ وَالْغَلَّاتِ قَدْرًا قَرِيبًا كَانَ طَرِيقًا فِي رِعَايَةِ الْجُنُودِ وَالرَّعِيَّةِ مُقْتَصِدَةً مَرْضِيَّةً.

стр. 283

ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَتْ مَغَانِمُ، وَاسْتَظْهَرَ بِأَخْمَاسِهَا بَيْتُ الْمَالِ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ اطِّرَادُ الْكِفَايَةِ، إِلَى أَمَدٍ مَظْنُونٍ وَنِهَايَةٍ، [فَيَغُضُّ] حِينَئِذٍ وَظَائِفَهُ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَاتٍ تَوْقِيفِيَّةً وَمُقَدَّرَاتٍ شَرْعِيَّةً وَإِنَّمَا رَأَيْنَاهَا نَظَرًا إِلَى الْأُمُورِ الْكُلِّيَّةِ، فَمَهْمَا اسْتَظْهَرَ بَيْتُ الْمَالِ وَاكْتَفَى حَطَّ الْإِمَامُ مَا كَانَ يَقْتَضِيهِ وَعَفَا، فَإِنْ عَادَتْ مَخَايِلُ حَاجَةٍ أَعَادَ الْإِمَامُ مِنْهَاجَهُ. ٤٠٧ - وَهَذَا الْفَصْلُ الَّذِي أَطَلْتُ أَنْفَاسِي فِيهِ يَلْتَفِتُ عَلَى أَمْرٍ قَدَّمْتُهُ فِي الِاسْتِظْهَارِ بِالِادِّخَارِ، فَلَسْتُ أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَمُدَّ يَدَهُ إِلَى أَمْوَالِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لِيَبْتَنِيَ فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ حِرْزًا، وَيَقْتَنِيَ ذَخِيرَةً وَكَنْزًا، وَيَتَأَثَّلَ مَفْخَرًا وَعِزًّا. وَلَكِنْ يُوَجِّهُ لِدُرُورِ الْمُؤَنِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَنِ مَا سَبَقَ رَسْمُهُ، فَإِنِ اسْتَغْنَى عَنْهُ بِأَمْوَالٍ أَفَاءَهَا اللَّهُ عَلَى بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ كَفَّ طَلِبَتَهُ عَلَى الْمُوسِرِينَ. ٤٠٨ - فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَءًا طَالَعَ هَذَا الْفَصْلَ وَأَنْصَفَ وَانْتَصَفَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ [جَادَّةُ] تَقْلِيدِهِ، وَلَمْ يَتَعَسَّفْ، فَالَّذِي حَوَاهُ هَذَا

стр. 284

الْفَصْلُ أَقْصَدُ الطَّرَائِقِ، وَأَسَدُّ الْمَسَالِكِ إِلَى مَدَارِكِ الْحَقَائِقِ. وَقَدْ نَجَزَ الْفَصْلُ الثَّانِي. [الْفَصْلُ الثَّالِثُ في الرد على من يجوز التأديب والتعزير بمصادرة الأموال] فَأَمَّا: الْفَصْلُ الثَّالِثُ ٤٠٩ - فَمَضْمُونُهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ يَرَى تَعْزِيرَ الْمُسْرِفِينَ الْمُوغِلِينَ بِاتِّبَاعِ الشُّبُهَاتِ، وَاقْتِرَافِ السَّيِّئَاتِ، وَاتِّبَاعِ الْهَنَاتِ بِالْمُصَادَرَاتِ، مِنْ غَيْرِ فَرْضِ افْتِقَارٍ وَحَاجَاتٍ. وَهَذَا مَذْهَبٌ جِدًّا رَدِيٌّ، وَمَسْلَكٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ، فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ اقْتِحَامَ الْمَآثِمِ يُوَجِّهُ إِلَى مُرْتَكِبِيهَا ضُرُوبَ (١٥٣) الْمَغَارِمِ، وَلَيْسَ فِي أَخْذِ أَمْوَالٍ مِنْهُمْ أَمْرٌ كُلِّيٌّ، يَتَعَلَّقُ بِحِفْظِ الْحَوْزَةِ، وَالذَّبِّ عَنِ الْبَيْضَةِ، وَلَيْسَ يَسُوغُ لَنَا أَنْ نَسْتَحْدِثَ وُجُوهًا فِي اسْتِصْلَاحِ الْعِبَادِ، وَجَلْبِ أَسْبَابِ الرَّشَادِ، لَا أَصْلَ لَهَا فِي الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّ هَذَا يَجُرُّ خَرْمًا عَظِيمًا، وَخَطْبًا هَائِلًا جَسِيمًا. ٤١٠ - فَإِنْ قِيلَ: قَدْ ذَكَرْتَ تَسْوِيغَ وَظَائِفَ لَمْ يَحُمْ عَلَيْهَا طَائِفٌ، فَكَيْفَ تَأْبَى التَّهْذِيبَ وَالتَّأْدِيبَ بِقَطْعِ مَادَّةِ الْفَسَادِ

стр. 285

وَإِنْ لَمْ يُعْهَدْ ذَلِكَ مَنْصُوصًا مَذْكُورًا فِي الشَّرْعِ مَخْصُوصًا. قُلْنَا: مَا ذَكَرْتُهُ مِنَ الْوَظَائِفِ مُسْتَنَدُهُ إِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً حَيْثُ نَزَلُوا [وَارْتَحَلُوا] ، وَعَقَدُوا أَوْ حَلُّوا - عَلَى وُجُوبِ الذَّبِّ عَنْ حَرِيمِ الْإِسْلَامِ. فَإِذَا لَمْ نُصَادِفْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالًا اضْطُرِرْنَا لِتَمْهِيدِ الدِّينِ، وَحِفْظِ حَوْزَةِ الْمُسْلِمِينَ - إِلَى الْأَخْذِ مِنْ أَمْوَالِ الْمُوسِرِينَ، ثُمَّ عَرَّفْنَا عَلَى الْجُمْلَةِ أَنَّ الِاقْتِصَادَ مَسْلَكُ الرَّشَادِ، وَلَمْ نَرَ فِي تَفْصِيلِ مِثْلِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ فَنَتْبَعَهُ، فَتَبَيَّنَّا قَطْعًا. أَنَّ مَا عَمَّ وَقْعُهُ، وَشَمَلَ وَضْعُهُ، وَعَظُمَ نَفْعُهُ، فَهُوَ أَقْرَبُ مُعْتَبَرٍ. وَأَمَّا نَزْفُ أَمْوَالِ الْعُصَاةِ، فَلَا نَرَى لَهُ أَصْلًا. ٤١١ - نَعَمْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَعْتَنِيَ الْإِمَامُ عِنْدَ مَسِيسِ الْحَاجَاتِ بِأَمْوَالِ الْعُتَاةِ، وَهَذَا فِيهِ أَكْمَلُ مَرْدَعٍ وَمَقْنَعٍ، فَإِنَّ الْعُتَاةَ الْعُصَاةَ إِذَا عَلِمُوا تَرَصُّدَ الْإِمَامِ لِأَمْوَالِهِمْ لِاضْطِرَابِ حَالَاتِهِمْ عِنْدَ اتِّفَاقِ إِضَافَةِ أَعْوَانِ الْمُسْلِمِينَ وَحَاجَاتِهِمْ - كَانَ ذَلِكَ وَازِعًا لَهُمْ عَنْ مَخَازِيهِمْ وَزَلَّاتِهِمْ.

стр. 286

٤١٢ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ شَاطَرَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مَالَهُ، وَشَاطَرَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مَالَهُ، حَتَّى أَخَذَ رَسُولُهُ إِلَيْهِ نِصْفَ عِمَامَتِهِ، وَفَرْدَ نَعْلِهِ؟ قُلْنَا: مَا فَعَلَهُ ﵁ مَحْمُولٌ عَلَى مَحْمَلٍ سَائِغٍ (١٥٤) وَاضِحٍ، وَسَبِيلٍ بَيِّنٍ لَائِحٍ، وَهُوَ أَنَّهُمَا كَانَا خَامَرَا فِي إِمْرَةِ الْأَجْنَادِ وَالْبِلَادِ أَمْوَالًا لِلَّهِ، وَكَانَ لَا يَشِذُّ عَنْهُ ﵁ مَجَارِي أَحْوَالِ مُسْتَخْلِفِيهِ، فَلَعَلَّهُ رَآهُمَا مُجَاوَزِينَ حُدُودَ الِاسْتِحْقَاقِ ثُمَّ أَنْعَمَ النَّظَرَ، وَأَطَالَ الْفِكْرَ، وَقَدَّمَ الرَّأْيَ وَأَخَّرَ، فَرَأَى مَا أَمْضَى، وَشَهِدَ وَغِبْنَا، وَقَدْرُهُ أَجَلُّ وَأَعْلَى مِنْ أَنْ يَتَجَاوَزَ وَيَتَعَدَّى. ٤١٣ - فَهَذِهِ جُمَلٌ مِنْ أَبْوَابِ الْأَمْوَالِ مِنْ طَرِيقِ الْإِيَالَةِ الْمُؤَيَّدَةِ بِالْحَقِّ، الْمُقَيَّدَةِ بِشَهَادَةِ [الشَّرْعِ] وَالصِّدْقِ كَافِيَةٌ، وَمَسَالِكُ مُرْشِدَةٌ شَافِيَةٌ، أَبْرَزْتُهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْإِشْكَالِ إِلَى ضَاحِيَةِ الْإِيضَاحِ، كَأَنَّهَا غَيْدَاءُ، مُشَنَّفَةٌ مُقَرَّطَةٌ بِالدُّرَرِ وَالْأَوْضَاحِ. فَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ الْفُصُولُ مِنْ كُتُبٍ مَضْمُونُهَا أَقْوَالٌ وَ [إِغَارَةٌ]

стр. 287

عَلَى كُتُبِ رِجَالٍ، مَعَ اخْتِبَاطٍ وَاخْتِبَالٍ، [وَاخْتِزَاءٍ] وَافْتِضَاحٍ؟ وَلَكِنْ سَلِ الْحَسْنَاءَ عَنْ بَخْتِ الْقِبَاحِ! ! . ٤١٤ - انْتَهَى مَجَامِعُ الْقَوْلِ فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ، وَنَجَزَ بِنَجَازِهَا غَرَضُنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي تَفْصِيلِ مَا إِلَى الْأَئِمَّةِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ. وَنَحْنُ الْآنُ نَعْقِدُ فَصْلًا فِي مُسْتَخْلِفِي الْإِمَامِ، وَقَدْ مَضَى فِيمَا تَقَدَّمَ صَدْرٌ صَالِحٌ فِيهِمْ، وَلَكِنَّا أَحَلْنَا اسْتِقْصَاءَ الْمَقَاصِدِ، وَاسْتِيفَاءَ سُبُلِ الْمَرَاشِدِ عَلَى هَذَا الْبَابِ. وَالْآنَ نَفِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ بِالْمَوَاعِيدِ، وَنَسْتَعِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى. [الْقَوْلُ فِي مُسْتَخْلِفِي الْإِمَامِ] [فَصْلٌ لا بد للإمام من وكلاء ونواب] [د - الْقَوْلُ فِي مُسْتَخْلِفِي الْإِمَامِ]

стр. 288

فَصْلٌ ٤١٥ - لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَعَاطَى الْإِمَامُ مُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخُطَّةِ، وَقَدِ اتَّسَعَتْ أَكْنَافُهَا، وَانْتَشَرَتْ أَطْرَافُهَا، وَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي أَحْكَامِهَا، وَيَسْتَخْلِفَ فِي نَقْضِهَا، أَوْ فِي إِبْرَامِهَا وَإِحْكَامِهَا. ٤١٦ - وَشُغْلُهُ الَّذِي لَا يُخْلِفُهُ فِيهِ أَحَدٌ مُطَالَعَاتُ كُلِّيَّاتِ الْأُمُورِ، إِذْ لَوْ وَكَلَ ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ، وَعَمِلَ عَلَى أَنْ لَا يَبْحَثَ، وَلَا يَخْبُرَ، وَلَا يَفْحَصَ، وَلَا يَنْقُرَ، وَفَوَّضَ ذَلِكَ إِلَى مَوْثُوقٍ بِهِ، وَرَسَمَ لَهُ التَّشْمِيرَ، وَالْبَحْثَ وَالتَّنْقِيرَ، وَآثَرَ التَّخَلِّيَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَالِانْحِجَازَ عَنِ النَّظَرِ فِي أَمْرِ الْمِلَّةِ، وَاخْتَارَ الرَّفَاهِيَةَ، وَالرَّغَدَ، وَالدَّعَةَ، وَ [الدَّدَ]- فَذَلِكَ غَيْرُ سَائِغٍ وَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِحَقِّ الْأُمَّةِ يَوْمَ

стр. 289

الْقِيَامَةِ مُطَالَبٌ أَوْ مُعَاتَبٌ مُعَاقَبٌ، وَإِذَا تَمَادَى عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ يَنْتَهِي الْأَمْرُ إِلَى التَّفْسِيقِ، وَقَدْ سَبَقَ الْقَوْلُ فِيهِ عَلَى التَّحْقِيقِ. ٤١٧ - فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَخْلَعَ نَفْسَهُ، فَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ قَوْلٌ بَالِغٌ، وَبَيَانٌ شَافٍ سَائِغٌ. ٤١٨ - فَإِذًا مَنْصِبُ الْإِمَامِ يَقْتَضِي الْقِيَامَ بِالنَّظَرِ الْعَامِّ فِي حُقُوقِ الرَّعَايَا وَالْمُسْتَخْلَفِينَ عَلَيْهِمْ عَلَى مَمَرِّ الْأَيَّامِ. ٤١٩ - فَأَمَّا تَفَاصِيلُ الْأُمُورِ، فَمَا تَوَلَّاهُ الْإِمَامُ بِنَفْسِهِ فَهُوَ الْأَصْلُ، وَمَا اسْتُخْلِفَ فِيهِ كَافِيًا، مُسْتَقِلًّا، دَارِئًا، مُتَيَقِّظًا فِيمَا نِيطَ بِهِ وَاعِيًا، فَالِاسْتِخْلَافُ فِي تَفَاصِيلِ الْأَعْمَالِ سَائِغٌ بِلَا خِلَافٍ. ثُمَّ مَا يَسْتَخْلِفُ فِيهِ يَنْقَسِمُ إِلَى أَمْرٍ خَاصٍّ يَحْتَوِي عَلَى الْغَرَضِ مِنْهُ مَرَاسِمُ يُبَيِّنُهَا، وَمَعَالِمُ يُعَيِّنُهَا، فَيَعْقِدُ الْإِمَامُ [بِمَضْمُونِهَا] [مَنْشُورًا] وَيَتَّخِذُهُ الْمَوْلَى دُسْتُورًا. وَإِلَى أَمْرٍ عَامٍّ مُنْتَشِرِ الْقَضَايَا عَلَى الرَّعَايَا، لَا يُضْبَطُ مَقْصُودُهُ بِرُسُومٍ، وَلَا مَنْشُورٍ مَنْظُومٍ.

стр. 290

٤٢٠ - فَأَمَّا الْأَمْرُ الْخَاصُّ، فَهُوَ كَجِبَايَةِ الصَّدَقَاتِ وَالْمُوَظَّفَاتِ عَلَى الْمَعَادِنِ وَالْمَقْطَعَاتِ، وَمَا ضَاهَاهَا مِنَ الْجِهَاتِ، فَمَنْ وَلَّاهُ الْإِمَامُ صِنْفًا مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُوَلَّى مُسْتَجْمِعًا خَصْلَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: الصِّيَانَةُ وَالدِّيَانَةُ. وَالثَّانِيَةُ: الشَّهَامَةُ، وَالْكِفَايَةُ اللَّائِقَةُ بِمَا يَتَوَلَّاهُ وَيَتَعَاطَاهُ، وَلَا يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا بَالِغًا مَبْلَغَ الْمُفْتِينَ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ يَرْسُمُ لَهُ مَقَادِيرَ النُّصُبِ وَالزَّكَوَاتِ، وَتَفَاصِيلَ الْأَسْنَانِ عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْبَيَانِ، فَيَمْضِي الْمُوَلَّى قُدُمًا وَيَتَّخِذُ الْمَرَاسِمَ قُدْوَةً وَأُمَمًا (١٥٦) وَلَوْ كَانَ الْمَنْصُوبُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا - سَاغَ، فَإِنَّ أَمْثَالَ هَذِهِ الْأَعْمَالِ لَيْسَتْ وِلَايَةً عَلَى الْكَمَالِ. ٤٢١ - وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ تَفْوِيضُ جَرِّ الْأَجْنَادِ إِلَى بِلَادِ الْكُفْرِ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - فَلْيَجْتَمِعْ فِيمَنْ يُقَلِّدُ الْأَمْرَ الثِّقَةُ، وَالصَّرَامَةُ، وَالشَّهَامَةُ، وَلْيَكُنْ مِمَّنْ حَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ، وَهَذَّبَتْهُ الْمَذَاهِبُ [لَا

стр. 291

يَسْتَفِزُّهُ نَزَقٌ] وَلَا يُضْجِرُهُ حَنَقٌ، وَلَا يُبْطِئُهُ عَنِ الْفُرَصِ إِذَا أَمْكَنَتْ خَوَرٌ، بِطُرُقٍ لِلْخُدَعِ، كَالصُّلِّ النَّضْنَاضِ، وَيَتَوَثَّبُ فِي أَوَانِ الْفُرْصَةِ كَالصَّقْرِ يَهْوِي فِي الِانْقِضَاضِ، وَلْيَكُنْ طَبًّا بِالْغَرَرِ هُجُومًا فِي مَظَانِّ الْحَاجَاتِ عَلَى الْغُرَرِ. عَارِفًا بِغَوَائِلِ الْقِتَالِ مُصْطَبِرًا فِي مُلْتَطِمِ الْأَهْوَالِ، مُحَبَّبًا فِي الْجُنْدِ، لَا يُمْقَتُ لِفَرْطِ فَظَاظَةٍ، مَهِيبًا لَا يُرَاجِعُ فِي الدَّنِيَّاتِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، ثُمَّ الْإِمَامُ يُقَدِّمُ لَهُ مَرَاسِمَ فِي الْمَغَانِمِ وَالْأَسْرَى، يَتَّخِذُهَا وُزُرًا وَذِكْرَى. وَهَذِهِ الْإِمْرَةُ قَرِيبَةٌ أَيْضًا إِذَا اخْتُصَّتْ بِجَرِّ الْعَسَاكِرِ، وَيَكْفِي فِيهَا الثِّقَةُ، وَاسْتِجْمَاعُ مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنَ الْبَصَائِرِ، وَعُمْدَتُهَا الشَّجَاعَةُ وَالِاسْتِطَاعَةُ، وَالتَّيَقُّظُ اللَّائِقُ بِهَذِهِ الشَّأْنِ ; فَالرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ. ٤٢٢ - فَأَمَّا الْأَمْرُ الَّذِي يَعُمُّ، وَلَا يَنْضَبِطُ مَقْصُودُهُ، فَهُوَ كَالْقَضَاءِ وَالْجُلُوسِ لِفَصْلِ الْحُكُومَاتِ بَيْنَ الْخُصَمَاءِ، وَقَدْ يَرْتَبِطُ بِهِ

стр. 292

أُمُورُ الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ وَالدِّمَاءِ، وَإِقَامَةُ الْعُقُوبَاتِ عَلَى ذَوِي الِاعْتِدَاءِ وَالْإِنْصَافُ وَالِانْتِصَافُ، وَالْمَنْعُ مِنْ سُلُوكِ مَسَالِكِ الِاعْتِسَافِ، وَهَذَا أَعْظَمُ الْأَشْغَالِ وَالْأَعْمَالِ، فَيَقْتَضِي هَذَا الْمَنْصِبُ خِلَالًا فِي الْكَمَالِ، سَيَأْتِي شَرْحُنَا عَلَيْهَا. مِنْهَا: الدِّينُ، وَالثِّقَةُ، وَالتَّلَفُّعُ بِجِلْبَابِ الدِّيَانَةِ، وَالتَّشَبُّثُ بِأَسْبَابِ الْأَمَانَةِ وَالصِّيَانَةِ، وَالْعَقْلُ الرَّاجِحُ الثَّاقِبُ، وَالرَّأْيُ الْمُسْتَدُّ الصَّائِبُ، وَالْحَرِيَّةُ وَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ. ثُمَّ مَذْهَبُ الْإِمَامِ الْمُطَّلِبِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ ﵁ ابْنِ عَمِّ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَنَّ شَرْطَ التَّصَدِّي لِلْحُكْمِ بَيْنَ الْعِبَادِ اسْتِجْمَاعُ صِفَاتِ الِاجْتِهَادِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ ذَلِكَ. وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِنْ فُنُونِ مَسَالِكِ الظُّنُونِ. ٤٢٣ - وَالَّذِي أَرَاهُ الْقَطْعَ بِاشْتِرَاطِ الِاجْتِهَادِ، وَسَأُوَضِّحُ فِيهِ مَنْهَجَ السَّدَادِ بِتَقْدِيمِ أَصْلٍ عَظِيمِ الْغَنَاءِ فِي أَحْكَامِ الِاجْتِهَادِ،

стр. 293

فَأَقُولُ، وَعَلَى طَوْلِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ الِاعْتِمَادُ، وَبِفَضْلِهِ الِاعْتِضَادُ: عَلَى الْمُقَلِّدِ ضَرْبٌ مِنَ النَّظَرِ فِي تَعْيِينِ مُقَلِّدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مَنْ شَاءَ مِنَ الْمُفْتِينَ مَعَ تَبَايُنِ الْمَذَاهِبِ، وَتَبَاعُدِ الْآرَاءِ وَالْمَطَالِبِ، وَكَيْفَ يُسَوِّغُ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْأَخْذِ بِمَذْهَبِ التَّحْرِيمِ وَمَذْهَبِ التَّحْلِيلِ؟ وَلَا يَتَصَوَّرُ الْمَصِيرَ إِلَى هَذِهِ السَّبِيلِ مَعَ تَفَاوُتِ مَنَاصِبِ الْمُفْتِينَ وَأَهْلِ التَّحْصِيلِ. وَإِذَا كَانَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَلْيَتَمَهَّلِ النَّظَرَ هُنَالِكَ. فَمَنْ عَنَّ لَهُ مِنَ الْمُقَلِّدَةِ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ -[﵁ وَأَرْضَاهُ]- أَرْجَحُ، وَمَسْلَكُهُ أَوْضَحُ، لِأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ اعْتَقَدَهَا، وَقَضِيَّةٍ لَائِقَةٍ بِمِقْدَارِ بَصِيرَتِهِ اعْتَمَدَهَا، فَلَيْسَ يَعْتَقِدُ - إِنْ كَانَ مَعَهُ مَسْكَةٌ مِنَ الْعَقْلِ، وَتَشَوُّفٌ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ مِنَ الْفَضْلِ - أَنَّ إِمَامَهُ تَجِبُ لَهُ الْعِصْمَةُ عَنِ الزَّلَلِ وَالْخَطَلِ، بَلْ لَا مَعْصُومَ إِلَّا الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وَالْإِنْبَاءِ. فَمَا مِنْ مَسْأَلَةٍ تَتَّفِقُ إِلَّا وَالْمُقَلِّدُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إِمَامُهُ زَالًّا فِي مَعَانِيهَا، وَظُهُورُ الْحَقِّ مَعَ مَنْ يُخَالِفُهُ فِيهَا، وَإِنَّمَا الَّذِي غَلَبَ عَلَى وَهْمِهِ عَلَى مَبْلَغِ عِلْمِهِ وَفَهْمِهِ أَنَّ إِمَامَهُ بِالْإِصَابَةِ فِي

стр. 294

مُعْظَمِ الْمَسَائِلِ (١٥٨) جَدِيرٌ، فَهَذَا غَايَةُ مَا يَدُورُ فِي الضَّمِيرِ. ٤٢٤ - وَأَقُولُ بَعْدَ تَقْدِيمِ ذَلِكَ: مَنِ انْتَحَلَ مَذْهَبَ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ مِنْ طَبَقَاتِ الْمُقَلِّدِينَ وَاتَّفَقَ فِي عَصْرِهِ إِمَامٌ لَا يُبَارَى، وَمُجْتَهِدٌ لَا يُضَاهَى وَلَا يُوَازَى وَكَانَ يُعْزَى هَذَا الْمُجْتَهِدُ إِلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ﵁. فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مُتَّبِعًا مَذْهَبَ إِمَامٍ وَاحِدٍ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ، مُوَافِقًا رَأْيَهُ وَمَسْلَكَهُ، فَإِنَّ الظُّنُونَ تَخْتَلِفُ طُرُقُهَا، وَتَتَفَاوَتُ سُبُلُهَا، وَتَتَرَدَّدُ أَنْحَاؤُهَا عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْقَرَائِحِ وَالطِّبَاعِ. وَلَيْسَ بِالْإِجْمَاعِ فِي مُعْظَمِ الْمَسَائِلِ امْتِنَاعٌ ; فَإِنَّ أُصُولَ الْمَذَاهِبِ تُؤْخَذُ مِنْ [مَأْخَذِ] الْقَطْعِ، وَهِيَ الَّتِي تَصْدُرُ مِنْهَا تَفَارِيعُ الْمَسَائِلِ، وَقَدْ يَفْرِضُ الْوِفَاقُ فِي مُعْظَمِ الْمَسَائِلِ مِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ. ٤٢٥ - فَإِذَا اشْتَمَلَتِ الْأَيَّامُ عَلَى مِثْلِ هَذَا الْإِمَامِ تَعَيَّنَ عَلَى كَافَّةِ الْمُقَلِّدِينَ اتِّبَاعُهُ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْمَاضِينَ الْمُنْقَرِضِينَ فِي حُكْمِ النَّاخِلِ لِلْمَذَاهِبِ، وَالسَّابِرِ لِتَبَايُنِ الْمُطَالِبِ، وَسَبْرُهُ لَهَا أَثْبَتُ مِنْ نَظَرِ الْمُقَلِّدِ.

стр. 295

٤٢٦ - وَالَّذِي وَضَّحَ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ زُمَرَ الْمُقَلِّدِينَ لَوْ أَرَادُوا أَنْ يَتَّبِعُوا مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ ﵁ لَمْ يَجِدُوا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، فَإِنَّ الَّذِينَ اسْتَأْخَرُوا بِالْأَعْصَارِ عَنِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ مِنْ أَئِمَّةِ الْأُمَّةِ أَخْبَرُ بِمَذَاهِبِ الْأَوَّلِينَ، وَأَعْرَفُ بِطُرُقِ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَكْرَمِينَ، وَقَدْ كَفَوْا مَنْ بَعْدَهُمُ النَّظَرَ فِي طَرَائِقِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبَوَّبُوا الْأَبْوَابَ، وَمَهَّدُوا الْأَسْبَابَ، وَمَا كَانَتِ الْمَسَائِلُ مُتَرَتِّبَةً مُتَهَذِّبَةً فِي الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، فَاسْتَبَانَ أَنَّ حَقَّ الْمُقَلِّدِ أَنْ يَرْبُطَ اسْتِفْتَاءَهُ بِالْأَدْنَى فَالْأَدْنَى، وَالْإِمَامُ الَّذِي وَصَفْنَاهُ فِي عَصْرِنَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ حَيْثُ نَخَلَ مَذَاهِبَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْأَئِمَّةِ السَّابِقِينَ بِالْإِضَافَةِ إِلَى الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ، فَإِذَا حَقَّ عَلَى الْمُقَلِّدِ أَنْ يَسْتَفْتِيَ إِمَامَ عَصْرِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي زَمَانِهِ إِمَامًا اتَّبَعَ الَّذِينَ مَضَوْا وَعَوَّلَ عَلَى نَظَرٍ يَصْدُرُ مِنْ مِثْلِهِ. ٤٢٧ - فَهَذِهِ مُقَدِّمَةٌ أَطَلْتُ الْقَوْلَ فِيهَا، وَالْغَرَضُ مِنْهَا فِي الْمَسْأَلَةِ: أَنَّ الْقَاضِيَ إِذَا كَانَ مُجْتَهِدًا، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ يَسْتَتْبِعُ الْمُتَحَاكِمِينَ

стр. 296

إِلَى مَجْلِسِهِ، وَلَا يَتَّبِعُهُمْ، فَإِنَّ تَكْلِيفَهُ اتِّبَاعَ الْمُخَالِفِينَ عَلَى تَبَاعُدِ الْمَذَاهِبِ يَجُرُّ تَنَاقُضًا لَا سَبِيلَ إِلَى الْوَفَاءِ بِهِ، وَمَنْصِبُ الْوِلَايَةِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي مَتْبُوعًا لَا مَحَالَةَ، فَلَئِنِ اسْتَتْبَعَ الْوَالِي الْبَالِغُ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُقَلِّدِينَ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِدْعًا، فَإِنَّهُ أَبَرُّ عَلَيْهِمْ بِمَنْصِبِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ بِالْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ فَإِنِ اسْتَتْبَعَ مُجْتَهِدًا فَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ وَإِنْ سَاوَاهُ فِي الِاجْتِهَادِ، [فَقَدْ] أَرْبَى عَلَيْهِ بِالْوِلَايَةِ، وَهِيَ تَقْتَضِي الِاسْتِيلَاءَ [وَالِاسْتِعْلَاءَ] وَالِاحْتِوَاءَ عَلَى تَفَنُّنِ الْآرَاءِ. ٤٢٨ - فَأَمَّا إِذَا فَرَضْنَا الْقَاضِي مُقَلِّدًا، فَإِنْ قَلَّدَ إِمَامَ عَصْرِهِ، فَإِنَّهُ يَحْمِلُ مُجْتَهِدِي الزَّمَانِ عَلَى فَتْوَى مَنْ يُقَلِّدُهُ، وَمُعْتَمَدُهُ وَمُعْتَضَدُهُ الِاجْتِهَادُ الضَّعِيفُ الَّذِي يُعِينُ بِهِ مُقَلِّدَهُ، فَكَأَنَّهُ يَحْمِلُ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى حُكْمِ نَظَرِهِ الضَّعِيفِ. وَهَذَا مُحَالٌ، لَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ عَلَى الْمُحَصِّلِ. ٤٢٩ - وَإِنَّ قَلَّدَ الْقَاضِي بَعْضَ الْأَئِمَّةِ الْمُنْقَرِضِينَ، فَتَقْلِيدُهُ هَذَا أَضْعَفُ، فَإِنَّهُ اعْتَقَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ أَنَّ الَّذِي يُقَلِّدُهُ

стр. 297

أَوْلَى مَنْ غَيْرِهِ، فَيَنْضَمُّ إِلَى ضَعْفِ نَظَرِهِ الْكُلِّيِّ مَزِيدُ ضَعْفٍ فِي أَعْيَانِ الْمَسَائِلِ، فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ حَمْلُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى نَظَرِ مُقَلِّدٍ فِي تَخَيُّرِ مُقَلِّدٍ؟ . ٤٣٠ - وَالَّذِي يُقَرِّرُ ذَلِكَ أَنَّ نَظَرَ الْمُقَلِّدِ فِي تَعْيِينِ [إِمَامٍ] (١٦٠) لَيْسَ نَظَرًا حَقِيقِيًّا، وَكَيْفَ يَنْظُرُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ، فَهُوَ إِذَنْ نَظَرٌ مَسْلَكُهُ الضَّرُورَةُ، إِذْ لَوْلَاهُ، لَتَعَارَضَ عَلَيْهِ التَّحْرِيمُ وَالتَّحْلِيلُ، وَمَا جَرَى مَجْرَى الضَّرُورَاتِ فَسَبِيلُهُ أَنْ يَخْتَصَّ بِالْمُضْطَرِّ، وَلَا يَتَعَدَّاهُ إِلَى مَنْ عَدَاهُ، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ يَخْتَصُّ إِبَاحَتُهُ بِمَنْ ظَهَرَتْ ضَرُورَتُهُ، وَاسْتَبَانَتْ مَخْمَصَتُهُ. فَهَذَا قَوْلِي فِي اشْتِرَاطِ الِاجْتِهَادِ فِي الَّذِي يَتَصَدَّى لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بَيْنَ الْعِبَادِ. ٤٣١ - وَلَئِنْ عَدَّ الْفُقَهَاءُ ذَلِكَ مِنَ الْمَظْنُونَاتِ، فَلَسْتُ أَعْرِفُ خِلَافًا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ الشَّطْرَ أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَنَابُ لِفَصْلِ الْخُصُومَاتِ وَالْحُكُومَاتِ فَطِنًا مُتَمَيِّزًا عَنْ رِعَاعِ النَّاسِ، مَعْدُودًا مِنَ الْأَكْيَاسِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ [يَفْهَمَ] الْوَاقِعَةَ الْمَرْفُوعَةَ إِلَيْهِ عَلَى حَقِيقَتِهَا،

стр. 298

وَيَتَفَطَّنَ لِمَوْقِعِ الْإِعْضَالِ، وَمَوْضِعِ السُّؤَالِ، وَمَحَلِّ الْإِشْكَالِ مِنْهَا، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مُفْتِيًا. وَيَعْتَقِدُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَقِّهِ بِمَثَابَةِ قَوْلِ الرَّسُولِ فِي حَقِّ الَّذِينَ عَاصَرُوهُ، فَيَتَّخِذُهُ قُدْوَةً وَأُسْوَةً، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَفْهَمِ الْوَاقِعَةَ فَكَيْفَ يَفْرِضُ نُفُوذَ [حُكْمِهِ] فِيهَا، وَلَيْسَ فِي عَالَمِ اللَّهِ أَخْزَى مِنْ مُتَصَدٍّ لِلْحُكْمِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَصِفَ مَا حَكَمَ بِهِ، لَمْ يَسْتَطِعْهُ. ٤٣٢ - وَمِمَّا يَقْضِي اللَّبِيبُ الْعَجَبَ مِنْهُ انْتِصَابُ غِرٍّ لِلْقَضَاءِ، لَا يَقِفُ عَلَى الْوَاقِعَةِ الَّتِي فِيهَا الْقَضِيَّةُ، وَلَا يَفْهَمُ الْعَرَبِيَّةَ، وَيُصْغِي إِلَى صُكُوكٍ وَقُبَالَاتٍ مُتَضَمَّنُهَا أَلْفَاظٌ عَوِيصَةٌ، لَا يُحِيطُ بِفَحْوَاهَا وَمُقْتَضَاهَا إِلَّا مُبَرِّزٌ تُثْنَى عَلَيْهِ الْخَنَاصِرُ، وَيُعَدُّ مِنَ الْمَرْمُوقِينَ وَالْأَكَابِرِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ، إِذْ مِنْهَا صَدَرُ الْأَلْفَاظِ فِي

стр. 299

أُصُولِ الْفِقْهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ وَالِاسْتِثْنَاءَاتِ، وَسَائِرِ الْقَضَايَا وَالْمُوجِبَاتِ فِي فَنِّ الْفِقْهِ (١٦١) فَإِلَيْهِ الرُّجُوعُ فِي مَآخِذِ الْأَحْكَامِ وَالنَّقْضِ وَالْإِبْرَامِ. فَلَيْتَ شِعْرِي مَا يُعْتَاصُ مَدْرَكُهُ، وَيُسْتَصْعَبُ مَسْلَكُهُ عَلَى الْمُرْتَوِي مِنْ هَذِهِ الْعُلُومِ كَيْفَ يُنْفِذُ فِيهَا قَضَاءً مَنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ تَقْدِيمِهِ وَتَأْخِيرِهِ، وَلَا يَعْرِفُ قَبِيلَهُ مِنْ دَبِيرِهِ؟ ! وَقَدْ بَدَتْ مَخَايِلُ الْخَرَفِ. وَ [انْتَهَى] مِنْهُ إِلَى الطَّرْفِ، وَلَوِ اسْتَوْعَبَ عُمُرَهُ الْمُوفِيَ عَلَى [السَّرَفِ] بِأَقْصَى تَشْمِيرِهِ، لَمْ يَقِفْ مِنْ مَضْمُونِ الصَّكِّ عَلَى عُشْرٍ مِنْ عُشَيْرِهِ، فَهَلْ فِي عَالَمِ اللَّهِ خِزْيٌ [يُبَرُّ] عَلَى خُطُوطٍ سَطَرَهَا مَنْ لَمْ يَسْتَقِلَّ - وَاللَّهِ - بِحُرُوفِ التَّهَجِّي مِنْهَا، حَتَّى نَظَمَهَا لَهُ نَاظِمَانِ مِنْ جَانِبَيْهِ، وَأَلَّفَهَا مُتَطَلِّعَانِ عَلَيْهِ، وَمَضْمُونُهَا هَذَا حُكْمِي

стр. 300

وَقَضَائِي، وَقَدْ أَشْهَدْتُ عَلَيْهِ مَنْ حَضَرَ مَجْلِسِي. وَتَقْدِيرُهُ هَذَا حُكْمِي بِمَا لَمْ أَفْهَمْهُ، وَقَضَائِي فِيمَا لَمْ أَعْلَمْهُ، وَقَدْ أَشْهَدْتُ مَنْ هُوَ حَاضِرِي بِمَا لَا يُتَصَوَّرُ فِي خَاطِرِي. مَا لَهُ؟ قَاتَلَهُ اللَّهُ كَيْفَ خُرُوجُهُ عَنْ عُهْدَةٍ مِثْلِ هَذَا الْقَضَاءِ، إِذَا حُشِرَ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةُ فِي قَضَاءٍ؟ وَالْتَقَى الْخُصَمَاءُ وَأُقِيدَ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، وَجَثَى عَلَى الرُّكَبِ الْأَنْبِيَاءُ؟ اللَّهُمَّ غَفْرًا. لَوْلَا حَذَارُ الِانْتِهَاءِ إِلَى الْوَقِيعَةِ لَنَدَبْتُ الْإِسْلَامَ، وَرَثَيْتُ الشَّرِيعَةَ، قَدْ تَعَرَّضْتُ - وَحَقِّ الْحَقِّ الْأَعْظَمِ - لِلْغَرَرِ، وَتَنَاهَيْتُ فِي اقْتِحَامِ جَرَاثِيمِ الْخَطَرِ، " وَالرَّأْيُ يَهْلِكُ بَيْنَ الْعَجْزِ وَالضَّجَرِ ". ٤٣٣ - فَهَذَا مِقْدَارُ غَرَضِي اللَّائِقِ لِهَذَا الْمَجْمُوعِ فِي ذِكْرِ صِفَاتِ الْوُلَاةِ وَالْقُضَاةِ. وَفِي آدَابِ الْقُضَاةِ، وَالدَّعَاوَى وَالْبَيِّنَاتِ، وَمَرَاتِبِ الشَّهَادَاتِ كُتُبٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْفِقْهِ، فَلْيَتَّبِعْهَا مَنْ يَنْتَحِيهَا، وَلْيَطْلُبْهَا مَنْ يَدْرِيهَا.

стр. 301

وَقَدْ نَجَزَ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَمَنِّهِ. وَحُسْنِ تَأْيِيدِهِ، جَوَامِعُ الْكَلَامِ فِيمَا يُنَاطُ بِالْأَئِمَّةِ مِنْ أَحْكَامِ الْأُمَّةِ، وَقَدِ انْتَهَى الْكَلَامُ بَعْدَ نَجَازِ هَذِهِ الْأَبْوَابِ إِلَى الْمَغْزَى وَاللُّبَابِ، فَأَحْسِنُوا الْإِصَاخَةَ مَعْشَرَ الطُّلَّابِ إِلَى تَجْدِيدِ الْعَهْدِ بِغَرَضِ الْكِتَابِ. ٤٣٤ - فَأَقُولُ: مَا تَقَدَّمَ وَإِنِ احْتَوَى عَلَى كُلِّ بِدَعٍ عُجَابٍ فِي حُكْمِ التَّوْطِئَةِ، وَتَمْهِيدِ الْأَسْبَابِ، فَالْمَقْصِدُ فَصْلَانِ: أَحَدُهُمَا - تَفْصِيلُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْإِمَامِ عِنْدَ تَقْدِيرِ شُغُورِ الْأَيَّامِ عَنْ وَزَرٍ يَلُوذُ بِهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. وَالثَّانِي - بَيَانُ مَا يَتَمَسَّكُ بِهِ الْمُكَلَّفُونَ فِيمَا كُلِّفُوهُ مِنْ وَسِيلَةٍ وَذَرِيعَةٍ، إِذَا عَدِمُوا الْمُفْتِينَ، وَحَمَلَةَ الشَّرِيعَةِ. [وَ] إِذَا انْقَضَى الْفَصْلَانِ نَجَزَ بِانْقِضَائِهِمَا مَضْمُونُ هَذَا التَّصْنِيفِ وَالِاتِّكَالُ فِي التَّيْسِيرِ عَلَى لُطْفِ الْخَبِيرِ اللَّطِيفِ. ٤٣٥ - فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا كَانَ الْفَصْلَانِ الْغَرَضَ، فَلِمَ أَطَلْتَ فِيمَا قَدَّمْتَ الْقَوْلَ فِي أَبْوَابِ الْإِمَامَةِ، وَأَحْكَامِ الرِّئَاسَةِ وَالزَّعَامَةِ؟

стр. 302

قُلْتُ: لَا يَتَأَتَّى الْوُصُولُ إِلَى دَرْكِ تَصْوِيرِ الْخُلُوِّ عَنِ الْإِمَامِ لِمَنْ لَمْ يُحِطْ بِصِفَاتِ الْأَئِمَّةِ، وَلَا يَتَقَرَّرُ الْخَوْضُ فِي تَفَاصِيلِ الْأَحْكَامِ عِنْدَ شُغُورِ الْأَيَّامِ، مَا لَمْ تَتَّفِقِ الْإِحَاطَةُ بِمَا يُنَاطُ بِالْإِمَامِ. فَلَمْ أَذْكُرِ الْمُقَدِّمَةَ، وَمُسْتَغْنٍ عَنْهَا. عَلَى أَنِّي أَتَيْتُ فِيهَا بِسِرِّ الْإِيَالَةِ الْكُلِّيَّةِ، وَسَرَدْتُ أُمُورًا تَتَضَاءَلُ عَنْهَا الْقُوَى الْبَشَرِيَّةُ، وَتَرَكْتُهَا مُنْتَهَى الْأُمْنِيَةِ، تُذْعِنُ لَهَا الْقُلُوبُ الْأَبِيَّةُ، وَتُقْرِنُ لِبَدَائِعِهَا النُّفُوسُ الْعَصِيَّةُ، وَتَبْتَدِرُهَا أَيْدِي النُّسَّاخِ فِي الْأَصْقَاعِ الْقَصِيَّةِ، وَكَأَنِّي بِهَا [وَ] قَدْ عَمَّتْ بِيُمْنِ أَيَّامِ مَوْلَانَا الْخِطَطُ الْمَشْرِقِيَّةُ وَالْمَغْرِبِيَّةُ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.

стр. 303

[الرُّكْنُ الثَّانِي الْقَوْلُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْإِمَامِ] [ خطة الركن] [الرُّكْنُ الثَّانِي] (الْكِتَابُ الثَّانِي) الْقَوْلُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْإِمَامِ ٣٤٦ - مَضْمُونُ هَذَا الْفَنِّ يَحْوِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: أَحَدُهَا: فِي تَصَوُّرِ انْخِرَامِ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ جُمْلَةً أَوْ تَفْصِيلًا. وَالثَّانِي - فِي اسْتِيلَاءِ مُسْتَوْلٍ مُسْتَظْهِرٍ بِطَوْلٍ وَشَوْكَةٍ وَصَوْلٍ. وَالثَّالِثُ: فِي شُغُورِ الدَّهْرِ جُمْلَةً عَنْ وَالٍ بِنَفْسِهِ، أَوْ مُتَوَلٍّ بِتَوْلِيَةِ غَيْرِهِ.

стр. 304

[الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي انْخِرَامِ الصفات الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَئِمَّةِ] الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي انْخِرَامِ الصِّفَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْأَئِمَّةِ ٤٣٧ - قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلٌ شَافٍ بَالِغٌ كَافٍ، فِيمَا يُشْتَرَطُ اسْتِجْمَاعُ الْإِمَامِ لَهُ مِنَ الصِّفَاتِ. وَنَحْنُ الْآنُ نَفْرِضُ فِي تَعَذُّرِ آحَادِهَا وَأَفْرَادِهَا عَلَى التَّدْرِيجِ، وَنَبْدَأُ بِأَقَلِّهَا غِنَاءً، ثُمَّ نَتَرَقَّى إِلَى مَا [يُبَرُّ] وَقْعُهُ وَأَثَرُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، حَتَّى نَسْتَوْعِبَ مَعْقُودَ الْبَابِ وَمَقْصُودَهُ، بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَمَنِّهِ وَتَسْدِيدِهِ. ٤٣٨ - فَالَّذِي يَقْتَضِي التَّرْتِيبُ تَقْدِيمَهُ: النَّسَبُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِانْتِسَابَ إِلَى قُرَيْشٍ مُعْتَبَرٌ فِي مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَلَوْ لَمْ نَجِدْ قُرَشِيًّا يَسْتَقِلُّ بِأَعْبَائِهَا، وَلَمْ نَعْدِمْ شَخْصًا يَسْتَجْمِعُ بَقِيَّةَ الصِّفَاتِ، نَصَّبْنَا مَنْ وَجَدْنَاهُ عَالِمًا كَافِيًا وَرِعًا، وَكَانَ إِمَامًا مُنَفِّذَ الْأَحْكَامِ عَلَى الْخَاصِّ وَالْعَامِّ، فَإِنَّ النَّسَبَ ثَبَتَ اشْتِرَاطُهُ ; تَشْرِيفًا لِشَجَرَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- ; إِذْ لَا يَتَوَقَّفُ شَيْءٌ مِنْ مَقَاصِدِ الْإِمَامَةِ عَلَى الِاعْتِزَاءِ إِلَى نَسَبٍ، وَالِانْتِمَاءِ إِلَى حَسَبٍ. وَنَحْنُ

стр. 305

نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْإِمَامَ زِمَامُ الْأَيَّامِ، وَشَوْفُ الْأَنَامِ، وَالْغَرَضُ مِنْ نَصْبِهِ انْتِظَامُ أَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ وَالْإِسْلَامِ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُتْرَكَ الْخَلْقُ سُدًى لَا رَابِطَ لَهُمْ، وَيُخَلَّوْا فَوْضَى لَا ضَابِطَ لَهُمْ، فَيَغْتَلِمُ مِنَ الْفِتَنِ بَحْرُهَا الْمَوَّاجُ، وَيَثُورُ لَهَا كُلُّ نَاجِمٍ مُهْتَاجٍ. وَنَحْنُ فِي ذَلِكَ نَرْقُبُ قُرَشِيًّا، وَالْخَلْقُ يَتَهَاوَوْنَ فِي مُهَاوِي الْمَهَالِكِ، وَيَلْتَطِمُونَ فِي الْخُطَطِ وَالْمَمَالِكِ. فَإِذًا عَدَمُ النَّسَبِ لَا يَمْنَعُ نَصْبَ كَافٍ، ثُمَّ يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ أَحْكَامِ الْقُرَشِيِّ. ٤٣٩ - وَالَّذِي يَعْتَرِضُ فِي ذَلِكَ أَنَا إِذَا نَصَّبْنَا قُرَشِيًّا مُسْتَجْمِعًا لِلْخِلَالِ الْمَرَضِيَّةِ، وَالْخِصَالِ الْمَرْعِيَّةِ، وَلَمْ نَرَ إِذْ نَصَّبْنَاهُ أَفْضَلَ مِنْهُ، ثُمَّ نَشَأَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَفْضُلُهُ، فَلَا نَخْلَعُ الْمَفْضُولَ لِظُهُورِ الْفَاضِلِ. وَلَوْ نَصَّبْنَا مَنْ لَيْسَ قُرَشِيًّا، إِذْ لَمْ نَجِدْ مُنْتَسِبًا إِلَى قُرَيْشٍ، ثُمَّ نَشَأَ فِي الزَّمَانِ قُرَشِيٌّ عَلَى الشَّرَائِطِ الْمَطْلُوبَةِ، فَإِنْ عَسُرَ خَلْعُ مَنْ (١٦٤) لَيْسَ نَسِيبًا أَقْرَرْنَاهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ خَلْعُهُ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي تَسْلِيمُ الْأَمْرِ إِلَى الْقُرَشِيِّ، فَإِنَّ هَذَا الْمَنْصِبَ فِي حُكْمِ الْمُسْتَحَقِّ

стр. 306

لِلْمُعْتَزِينَ إِلَى شَجَرَةِ النُّبُوَّةِ، وَالَّذِي قَدَّمْنَا نَصْبَهُ فِي مَنْزِلَةِ الْمُسْتَنَابِ عَمَّنْ يَجْمَعُ إِلَى فَضَائِلَ الْأَسْبَابِ شَرَفَ الِانْتِسَابِ، فَإِذَا تَمَكَّنَّا مِنْ رَدِّ الْأَمْرِ إِلَى النِّصَابِ، ابْتَدَرْنَاهُ بِلَا ارْتِيَابٍ. وَهَذَا كَالْقَاضِي يَنُوبُ بِالتَّصَرُّفِ عَمَّنْ غَابَ، فَإِذَا حَضَرَ مُسْتَحِقُّ الْحَقِّ وَآبَ، اطَّرَدَ تَصَرُّفُ الْمَالِكِ عَلَى اسْتِتْبَابٍ، وَانْحَسَمَ عَنْهُ كُلُّ بَابٍ. فَهَذَا مَا حَاوَلْنَاهُ فِي فَرْضِ تَعَذُّرِ النَّسَبِ. ٤٤٠ - فَأَمَّا الْقَوْلُ فِي فَقْدِ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ، فَقَدْ مَضَى أَنَّ اسْتِجْمَاعَ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ شَرْطُ الْإِمَامَةِ، فَلَوْ لَمْ نَجِدْ مَنْ يَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ فِي الدِّينِ، وَلَكِنْ صَادَفْنَا شَهْمًا ذَا نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ، وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْأُمُورِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُ الْكِفَايَةِ، فَيَتَعَيَّنُ نَصْبُهُ فِي أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَتَنْفُذُ أَحْكَامُهُ كَمَا تَنْفُذُ أَحْكَامُ الْإِمَامِ الْمَوْصُوفِ بِخِلَالِ الْكَمَالِ، الْمَرْعِيِّ فِي مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ. وَأَئِمَّةُ الدِّينِ وَرَاءَ إِرْشَادِهِ وَتَسْدِيدِهِ وَتَبَيُّنِ مَا يُشْكِلُ فِي الْوَاقِعَةِ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ. وَالْعِلْمُ وَإِنْ كَانَ شَرْطُهُ فِي مَنْصِبِ الْإِمَامَةِ مَعْقُولًا، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ نَجِدْ عَالِمًا فَجَمْعُ النَّاسِ عَلَى كَافٍ يَسْتَفْتِي فِيمَا

стр. 307

يَسْنَحُ وَيَعِنُّ لَهُ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ أَوْلَى مِنْ تَرْكِهِمْ سُدًى، مُتَهَاوِينَ عَلَى الْوَرَطَاتِ، مُتَعَرِّضِينَ لِلتَّغَالُبِ وَالتَّوَاثُبِ، وَضُرُوبِ الْآفَاتِ. ٤٤١ - فَإِنْ لَمْ نَجِدْ كَافِيًا وَرِعًا مُتَّقِيًا، وَوَجَدْنَا ذَا كِفَايَةٍ يَمِيلُ إِلَى الْمُجُونِ، وَفُنُونِ الْفِسْقِ، فَإِنْ كَانَ فِي انْهِمَاكِهِ، [وَانْتِهَاكِهِ] الْحُرُمَاتِ، وَاجْتِرَائِهِ عَلَى الْمُنْكَرَاتِ بِحَيْثُ لَا يُؤْمَنُ غَائِلَتُهُ وَعَلَانِيَتُهُ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى نَصْبِهِ، فَإِنَّهُ لَوِ (١٦٥) اسْتَظْهَرَ بِالْعَتَادِ، وَتَقَوَّى بِالِاسْتِعْدَادِ، لَزَادَ ضَيْرُهُ عَلَى خَيْرِهِ، وَلَصَارَتِ الْأُهَبُ وَالْعُدَدُ الْعَتِيدَةُ لِلدِّفَاعِ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ ذَرَائِعَ لِلْفَسَادِ، وَوَصَائِلَ إِلَى الْحَيْدِ مِنْ مَسَالِكِ الرَّشَادِ، وَهَذَا نَقِيضُ الْغَرَضِ الْمَقْصُودِ بِنَصْبِ الْأَئِمَّةِ وَلَوْ. ٤٤٢ - فُرِضَ إِلْمَامُ مُهِمٍّ يَتَعَيَّنُ مُبَادَرَتُهُ فِي حُكْمِ الدِّينِ، قَبْلَ أَنْ يَطَأَ الْكُفَّارُ طَرَفًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَلَمْ نَجِدْ بُدًّا مِنْ جَرِّ عَسْكَرٍ، وَصَادَفْنَا فَاسِقًا نُقَلِّدُهُ الْإِمَارَةَ، وَعَسُرَ انْجِرَارُ الْعَسْكَرِ دُونَ مَرْمُوقٍ مُطَاعٍ، وَلَمْ نَتَمَكَّنْ مَنْ تَقِيٍّ دَيِّنٍ، وَإِنْ بَذْلَنَا كُنْهَ الْمُسْتَطَاعِ، فَقَدْ نَضْطَرُّ إِذَا اسْتَفَزَّتْنَا دَاهِيَةٌ تَتَعَيَّنُ الْمُسَارَعَةُ [إِلَى

стр. 308

دَفْعِهَا إِلَى] تَقْلِيدِ الْفَاسِقِ جَرَّ الْعَسْكَرِ. ٤٤٣ - وَلَوْ فُرِضَ فَاسِقٌ بِشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الْمُوبِقَاتِ، وَكُنَّا نَرَاهُ حَرِيصًا، مَعَ مَا يُخَامِرُهُ مِنَ الزَّلَّاتِ، وَضُرُوبِ الْمُخَالَفَاتِ، عَلَى الذَّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الْإِسْلَامِ، مُشَمِّرًا فِي الدِّينِ، لِانْتِصَابِ أَسْبَابِ الصَّلَاحِ الْعَامِّ الْعَائِدِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَانَ ذَا كِفَايَةٍ، وَلَمْ نَجِدْ غَيْرَهُ، فَالظَّاهِرُ عِنْدِي نَصْبُهُ مَعَ الْقِيَامِ بِتَقْوِيمِ أَوَدِهِ عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ. فَإِنَّ تَعْطِيلَ الْمَمَالِكِ عَنْ [رَاعٍ] يَرْعَاهَا، وَوَالٍ يَتَوَلَّاهَا، عَظِيمُ الْأَثَرِ وَالْمَوْقِعِ فِي انْحِلَالِ الْأُمُورِ، وَتَعْطِيلِ الثُّغُورِ، فَإِنْ كُنَّا نَتَوَسَّمُ مِمَّنْ نُنَصِّبُهُ الِانْتِدَابَ وَالِانْتِصَابَ لِلْإِمْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْكِفَايَةِ وَالشَّهَامَةِ، وَكَانَ مُسْتَقِلًّا بِنَفْضِ الْمَمَالِكِ وَالْمَسَالِكِ عَنْ ذَوِي الْعَرَامَةِ، فَنَصْبُهُ أَقْرَبُ إِلَى اسْتِصْلَاحِ الْخَلْقِ مِنْ تَرْكِهِمْ مُهْمَلِينَ، وَلَا يَعْدِلُ مَا نَتَوَقَّعُهُ مِنَ الشَّرِّ مِنْ فَسَادِهِ، وَمَا ضَرِيَ بِهِ مَنْ شِرَّتِهِ مَا يَعِنُّ مِنْ خَبَالِ الْخَلْقِ، إِذَا عَدِمُوا بَطَّاشًا يَسُوسُهُمْ، وَيَمْنَعُ الثُّوَّارَ النَّاجِمِينَ مِنْهُمْ: فَإِذًا نَصْبُ مَنْ وَصَفْنَاهُ (١٦٦) فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي حُكْمِ الضَّرُورَةِ.

стр. 309

٤٤٤ - وَمَنْ تَأَمَّلَ مَا ذَكَرْنَاهُ فَهِمَ مِنْهُ أَنَّ الصِّفَاتِ الْمَشْرُوطَةَ فِي الْإِمَامِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَصْفُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَرْعِيَّةً فَالْغَرَضُ الْأَظْهَرُ مِنْهَا: الْكِفَايَةُ، وَالِاسْتِقْلَالُ بِالْأَمْرِ. فَهَذِهِ الْخَصْلَةُ هِيَ الْأَصْلُ وَلَكِنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَنْجَحُ مَعَ الِانْهِمَاكِ فِي الْفِسْقِ، وَالِانْسِلَالِ عَنْ رِبْقَةِ التَّقْوَى، وَقَدْ تَصِيرُ مَجْلَبَةً لِلْفَسَادِ إِذَا اتَّصَلَ بِهَا اسْتِعْدَادٌ. ٤٤٥ - ثُمَّ الْعِلْمُ يَلِي الْكِفَايَةَ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّهُ الْعُدَّةُ الْكُبْرَى، وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، وَبِهِ يَسْتَقِلُّ الْإِمَامُ بِإِمْضَاءِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ. ٤٤٦ - فَأَمَّا النَّسَبُ [وَإِنْ] كَانَ مُعْتَبَرًا عِنْدَ الْإِمْكَانِ، فَلَيْسَ لَهُ غِنَاءٌ مَعْقُولٌ، وَلَكِنَّ الْإِجْمَاعَ الْمُقَدَّمَ ذِكْرُهُ هُوَ الْمُعْتَمِدُ الْمُسْتَنَدُ فِي اعْتِبَارِهِ. وَالْآنَ تَتَهَذَّبُ أَغْرَاضُ الْبَابِ [بِمَسَائِلَ] نَفْرِضُهَا مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى. ٤٤٧ - فَإِنْ قِيلَ: مَا قَوْلُكُمْ فِي قُرَشِيٍّ لَيْسَ بِذِي دِرَايَةٍ، وَلَا بِذِي كِفَايَةٍ إِذَا عَاصَرَهُ عَالِمٌ كَافٍ تَقِيٌّ، فَمَنْ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُمَا؟

стр. 310

قُلْنَا: لَا نُقَدِّمُ إِلَّا الْكَافِيَ التَّقِيَّ الْعَالِمَ، وَمَنْ لَا كِفَايَةَ فِيهِ، فَلَا احْتِفَالَ بِهِ، وَلَا اعْتِدَادَ بِمَكَانِهِ أَصْلًا. ٤٤٨ - فَإِنْ قِيلَ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي عَصْرٍ وَدَهْرٍ قُرَشِيٌّ عَالِمٌ، لَيْسَ بِذِي كِفَايَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ، وَكَافٍ شَهْمٌ مُسْتَقِلٌّ بِالْأَمْرِ، فَمَنْ نُقَدِّمُ مِنْهُمَا؟ قُلْنَا: إِنْ لَمْ يَكُنِ الْقُرَشِيُّ ذَا خَرَقٍ وَحُمْقٍ، وَكَانَ لَا يُؤْتَى عَنْ عَتَهٍ وَخَبَلٍ، وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ نُبِّهَ لِمَرَاشِدِ الْأُمُورِ لَفَهِمَهَا وَأَحَاطَ بِهَا، وَعَلِمَهَا، ثُمَّ انْتَهَضَ لَهَا - فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِمَامَةِ. وَسَبِيلُهُ إِذَا وَلِيَهَا أَلَّا يُقْدِمَ عَلَى خَطْبٍ انْفِرَادًا مِنْهُ بِرَأْيِهِ وَاسْتِبْدَادًا، وَيَسْتَضِيءُ بِرَأْيِ الْحُكَمَاءِ وَالْعُقَلَاءِ، ثُمَّ إِذَا عَزَمَ تَوَكَّلَ. وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرْنَاهُ مِمَّنْ مَعَهُ حُظْوَةٌ صَالِحَةٌ مِنَ الْفِطْنَةِ، وَإِدْرَاكُ (١٦٧) وَجْهِ الصَّوَابِ، وَمِثْلُ هَذَا حَرِيٌّ بِأَنْ يَتَخَرَّجَ إِذَا تَدَرَّبَ وَتَهَذَّبَ، وَقَارَعَ كَرَّ الزَّمَانِ، [وَفَرَّهُ] ، وَذَاقَ حُلْوَهُ وَمُرَّهُ. وَإِنْ كَانَ فَدْمَ الْقَرِيحَةِ، مُسْتَمِيتَ الْخَاطِرِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَى وَجْهِ الرَّأْيِ، فَإِنْ أَمْضَى أَمْرًا وَأَبْرَمَ حُكْمًا، كَانَ مُقَلِّدًا، وَقَدْ ظَهَرَتْ

стр. 311

بَلَادَتُهُ وَخَرَقُهُ، وَاسْتَمَرَّتْ [جَسَاوَتُهُ] وَحُمْقُهُ فَمِثْلُهُ لَا يُحْسَبُ فِي الْحِسَابِ، وَلَا يُرْبَطُ بِهِ سَبَبٌ مِنَ الْأَسْبَابِ وَالْكَافِي الْوَرِعُ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْهُ. ٤٤٩ - فَالِاسْتِقْلَالُ بِالنَّجْدَةِ وَالشَّهَامَةِ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ، أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ وَالِاخْتِيَارِ مِنَ الْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ، وَكَأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَوْضَحَ الْكِفَايَةُ، وَمَا عَدَاهَا فِي حُكْمِ الِاسْتِكْمَالِ وَالتَّتِمَّةِ لَهَا. ٤٥٠ - وَإِذَا عَدِمْنَا كَافِيًا، فَقَدْ فَقَدْنَا مَنْ يُؤْثَرُ نَصْبُهُ وَالِيًا وَيَتَحَقَّقُ عِنْدَ ذَلِكَ شُغُورُ الزَّمَانِ عَنِ الْوُلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ .

стр. 312

[الْبَابُ الثَّانِي الْقَوْلُ فِي ظُهُورِ مُسْتَعْدٍ بِالشَّوْكَةِ مُسْتَوْلٍ] [ أقسام المستولي بالشوكة والمنعة] ٤٥١ - قَدْ سَبَقَ فِيمَا تَمَهَّدَ مِنَ الْأَبْوَابِ بَيَانُ خِلَالِ الْكَمَالِ، وَذِكْرُ انْخِرَامِ بَعْضِهَا مَعَ بَقَاءِ الِاسْتِقْلَالِ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّا إِذَا وَجَدْنَا كَافِيًا نَصَبْنَاهُ، وَمَا وَافَقَ مِنْ أَحْكَامِهِ مُوجَبَ الشَّرْعِ نَفَّذْنَاهُ. وَمَنْ لَمْ يَكُنْ ذَا كِفَايَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مَوْثُوقًا بِهِ لِفِسْقِهِ، لَمْ يَجُزْ نَصْبُهُ، وَلَوْ نُصِبَ، لَمْ يَكُنْ لِنَصْبِهِ حُكْمٌ أَصْلًا. وَمَقْصُودُ هَذَا الْبَابِ تَفْصِيلُ الْقَوْلِ فِيمَنْ يَسْتَبِدُّ بِالِاسْتِيلَاءِ وَالِاسْتِعْلَاءِ مِنْ غَيْرِ نَصْبٍ مِمَّنْ يَصِحُّ نَصْبُهُ. ٤٥٢ - فَإِذَا اسْتَظْهَرَ الْمَرْءُ بِالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَدَعَا النَّاسَ إِلَى الطَّاعَةِ، فَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَظْهِرُ بِعُدَّتِهِ وَمُنَّتِهِ صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ عَلَى كَمَالِ شَرَائِطِهَا. وَالثَّانِي - أَلَّا يَكُونَ مُسْتَجْمِعًا لِلصِّفَاتِ (١٦٨) الْمُعْتَبَرَةِ جُمَعَ وَلَكِنْ كَانَ مِنَ الْكُفَاةِ.

стр. 313

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَسْتَوْلِيَ مِنْ غَيْرِ صَلَاحٍ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ وَلَا اتِّصَافٍ بِنَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ. [اسْتِيلَاءُ صَالِحٍ لِلْإِمَامَةِ] ٤٥٣ - فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُسْتَظْهِرُ صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ، وَلْيَقَعِ الْفَرْضُ فِيهِ إِذَا كَانَ أَصْلَحَ النَّاسِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ. فَالْقَوْلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَخْلُوَ الزَّمَانُ عَمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ. وَالثَّانِي - أَنْ يَكُونَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْعَقْدِ وَالِاخْتِيَارِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَسْتَجْمِعُ صِفَاتِ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ، وَكَانَ الدَّاعِي إِلَى اتِّبَاعِهِ عَلَى الْكَمَالِ الْمَرْعِيِّ، فَإِذَا اسْتَظْهَرَ بِالْقُوَّةِ، وَتَصَدَّى لِلْإِمَامَةِ، كَانَ إِمَامًا حَقًّا، وَهُوَ فِي حُكْمِ الْعَاقِدِ وَالْمَعْقُودِ لَهُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الِافْتِقَارَ إِلَى الْإِمَامِ ظَاهِرٌ. وَالصَّالِحُ لِلْإِمَامَةِ وَاحِدٌ، وَقَدْ خَلَا الدَّهْرُ عَنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، فَلَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ الزَّمَانِ عَنْ وَالٍ يَذُبُّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ، وَيَحْمِي

стр. 314

الْحَوْزَةَ، وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ لَا يَخْفَى دَرَكُهُ عَلَى مَنْ يُحِيطُ بِقَاعِدَةِ الْإِيَالَةِ. ٤٥٤ - فَأَمَّا إِذَا اتَّحَدَ مَنْ يَصْلُحُ، وَفِي الْعَصْرِ مَنْ يَخْتَارُ وَيَعْقِدُ، فَهَذَا يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَمْتَنِعَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ، بَعْدَ عَرْضِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ عَلَى قَصْدٍ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَالْمُتَّحَدُ فِي صَلَاحِهِ لِلْإِمَامَةِ يَدْعُو النَّاسَ، وَيَتَعَيَّنُ إِجَابَتُهُ وَاتِّبَاعُهُ عَلَى حَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ. وَلَا يَسُوغُ الْفُتُورُ عَنْ مُوَافَقَتِهِ - الْحَالَةَ هَذِهِ - فِي سَاعَةٍ، وَوُجُودُ ذَلِكَ الْمُمْتَنِعِ عَنِ الْعَقْدِ وَعَدَمُهُ بِمَثَابَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنِ [لِلَّذِي] أَبْدَى امْتِنَاعًا عُذْرٌ فِي امْتِنَاعِهِ، وَتَرْكِ مُوَافَقَةِ الْمُتَعَيِّنِ لِلْأَمْرِ وَاتِّبَاعِهِ. [فَالْأَمْرُ] يَنْتَهِي إِلَى خُرُوجِهِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ، لِمَا تَشَبَّثَ بِهِ مِنَ التَّمَادِي فِي الْفِسْقِ وَالْعُدْوَانِ، فَإِنَّ تَأْخِيرَ مَا (١٦٩) يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ الْكُلِّيِّ فِي حِفْظِ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ تَحْرِيمُهُ وَاضِحٌ بَيِّنٌ، وَلَيْسَ التَّوَانِي فِيهِ بِالْقَرِيبِ الْهَيِّنِ. فَهَذَا أَحَدُ قِسْمَيِ الْكَلَامِ.

стр. 315

٤٥٥ - وَالثَّانِي - أَلَّا يَمْتَنِعَ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ. وَلَكِنْ هَلْ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُ الْإِمَامَةِ - وَالْأَمْرُ مَفْرُوضٌ فِي اتِّحَادِ مَنْ يَصْلُحُ لَهَا - عَلَى الْعَقْدِ أَوْ عَلَى الْعَرْضِ عَلَى الْعَاقِدِ. هَذَا مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْخَائِضُونَ فِي هَذَا الْفَنِّ: فَذَهَبَ ذَاهِبُونَ إِلَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ الْعَقْدِ، فَإِنَّهُ مُمْكِنٌ، وَهُوَ السَّبَبُ فِي إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ. ٤٥٦ - وَالْمَرَضِيُّ عِنْدِي أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى إِنْشَاءِ عَقْدٍ، وَتَجْرِيدِ اخْتِيَارٍ وَقَصْدٍ. وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الزَّمَانَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى عَدَدٍ مُعَيَّنٍ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَلَا بُدَّ مِنَ اخْتِيَارٍ يُعِينُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، إِذْ لَيْسَ بَعْضُهُمْ أَوْلَى مِنْ بَعْضٍ، فَلَوْ لَمْ نُقَدِّرِ اخْتِيَارًا مَعَ وُضُوحِ وُجُوبِ اتِّخَاذِ الْإِمَامِ، لَأَفْضَى ذَلِكَ إِلَى النِّزَاعِ وَالْخِصَامِ، فَلَا أَثَرَ لِلِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ وَالْإِيثَارِ إِلَّا قَطْعُ الشِّجَارِ، وَإِلَّا فَلَيْسَ الِاخْتِيَارُ مُفِيدًا تَمْلِيكًا، أَوْ حَاكِمًا بِأَنَّ الْعَاقِدَ فِي إِثْبَاتِ الْإِمَامَةِ يَصِيرُ شَرِيكًا. فَإِذَا اتَّحَدَ

стр. 316

فِي الدَّهْرِ، وَتَجَرَّدَ فِي الْعَصْرِ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الشَّأْنِ، فَلَا حَاجَةَ [إِلَى] تَعْيِينٍ مِنْ عَاقِدٍ وَبَيَانٍ. وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا تُصُوِّرَ كَذَلِكَ فَحَتْمٌ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُبَايِعَ وَيُتَابِعَ وَيَخْتَارَ وَيُشَايِعَ، وَلَوِ امْتَنَعَ، لَاسْتَمَرَّتِ الْإِمَامَةُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْهُ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ إِلَى مَنْ يَفْرِضُ عَاقِدًا اخْتِيَارٌ. فَإِذًا تَعَيُّنُ الْمُتَّحِدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِهَذَا الشَّأْنِ يُغْنِيهِ عَنْ تَعْيِينٍ وَتَنْصِيصٍ، يَصْدُرُ عَنْ إِنْسَانٍ. ٤٥٧ - وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَرَامِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ أَمْرٍ: وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ الْفَرْدَ وَإِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَظْهِرَ (١٧٠) بِالْقُوَّةِ وَالْمِنَّةِ، وَيَدْعُو الْجَمَاعَةَ إِلَى بَذْلِ الطَّاعَةِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْوِفَاقِ وَالِاتِّبَاعِ، وَعَلَى أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالِامْتِنَاعِ.

стр. 317

٤٥٨ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَظْهِرًا بِعُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ، فَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَرْتَبِطُ بِفَنَّيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُ، لِتَعَيُّنِهِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ، وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى [وَزَرٍ] يَرْمُقُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَإِنْ كَاعُوا، وَمَا أَطَاعُوا - عَصَوْا. وَلْنَفْرِضْ هَذَا فِيهِ إِذَا عَدِمْنَا مَنْ نَرَاهُ أَهْلًا لِلْعَقْدِ وَالِاخْتِيَارِ، فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَصَدَّى لِهَذَا الشَّأْنِ، حَتَّى يُقَالَ: يَتَوَقَّفُ انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ عَلَى صُدُورِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُ، فَعَلَى النَّاسِ كَافَّةً أَنْ يُطِيعُوهُ إِذَا كَانَ فَرِيدَ دَهْرِهِ، وَوَحِيدَ عَصْرِهِ فِي التَّصَدِّي لِلْإِمَامَةِ. ٤٥٩ - فَإِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِذْعَانِ لَهُ وَالْإِقْرَانِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ طَائِعِينَ، فَقَدِ اتَّسَقَتِ الْإِمَامَةُ، وَاطَّرَدَتِ الرِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ. ٤٦٠ - وَإِنْ أَطَاعَهُ قَوْمٌ يَصِيرُ مُسْتَظْهِرًا بِهِمْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ عَلَيْهِ وَالْمَارِقِينَ مِنْ طَاعَتِهِ - تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ أَيْضًا.

стр. 318

٤٦١ - وَإِنْ لَمْ يُطِعْهُ أَحَدٌ أَوِ اتَّبَعَهُ ضُعَفَاءُ لَا تَقُومُ بِهِمْ شَوْكَةٌ، [فَهَذِهِ] الصُّورَةُ تَضْطَرِبُ فِيهَا مَسَالِكُ الظُّنُونِ، وَتَقَعُ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى فُنُونٍ. ٤٦٢ - فَيَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَثْبُتُ إِذْ لَمْ يَجْرِ عَقْدٌ مِنْ مُخْتَارٍ، وَلَا طَاعَةٌ تُفِيدُ عُدَّةً، وَمُنَّةٌ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاخْتِيَارِ. وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَحْكَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا انْصَرَفَ الْخَلْقُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَمُشَايَعَتِهِ، كَانَ ذَلِكَ كَوُقُوعِهِ فِي أَسْرٍ يَبْعُدُ تَوَقُّعُ انْفِكَاكِهِ عَنْهُ. نَعَمْ، تَعْصِي الْخَلَائِقُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لِمُخَالَفَةِ مَنْ [تَوَحَّدَ] لِاسْتِحْقَاقِ التَّقَدُّمِ. وَسَبَبُ تَعْصِيَتِهِمْ تَقَاعُدُهُمْ عَنْ نَصْبِ إِمَامٍ يَنْدَفِعُ بِهِ النِّزَاعُ وَالدِّفَاعُ، وَالْخُصُومَاتُ الشَّاجِرَةُ (١٧١) وَالْفِتَنُ الثَّائِرَةُ، وَتَتَّسِقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَتَنْتَظِمُ بِهِ الْمُهِمَّاتُ وَالْغَزَوَاتُ وَالثُّغُورُ. ٤٦٣ - وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ صَائِرٌ إِلَى أَنَّهُ إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يُطِعْ، وَيَنْفُذُ مَا يُمْضِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ وَضْعِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ إِضْرَابُ الْخَلْقِ [عَنْ] طَاعَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، كَمَا سَبَقَ

стр. 319

تَصْوِيرُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِيهِ إِذَا سَقَطَتْ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ، وَصَغْوُ النَّاسِ وَمَيْلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ. فَالَّذِي يَلِيقُ بِاسْتِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ نَصْبُ مَنْ هُوَ شَوْفُ النُّفُوسِ. وَالَّذِي نَحْنُ فِيهِ مُصَوَّرٌ فِيهِ إِذَا تَفَرَّدَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَتْ طَاعَةُ مِثْلِ هَذَا عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِمَامِ إِمَامًا إِلَّا أَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ. وَهَذَا الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَهُوَ إِمَامٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فَتَنْفُذُ إِذًا أَحْكَامُهُ. ٤٦٤ - وَهَذَا مُتَّجِهٌ عِنْدِي وَاضِحٌ. وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بَعِيدًا أَيْضًا، فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْإِمَامَةِ الِاسْتِظْهَارُ بِالْمُنَّةِ، وَالِاسْتِكْثَارُ بِالْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الَّذِي لَمْ يُطَعْ. فَهَذَا أَحَدُ الْفَنَّيْنِ. ٤٦٥ - وَالْفَنُّ الثَّانِي مِنَ الْكَلَامِ أَنِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالِاسْتِحْقَاقِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلدُّعَاءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالتَّسَبُّبِ إِلَى تَحْصِيلِ الطَّاعَةِ، وَالِانْتِهَاضِ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْدَمْ مَنْ يُطِيعُهُ،

стр. 320

وَآثَرَ التَّقَاعُدَ، وَالِاسْتِخْلَاءَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ [ ] مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسُدُّ أَحَدٌ مَسَدَّهُ - كَانَ ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَعْظَمِ الْجَرَائِرِ، وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ انْصِرَافَهُ وَانْحِرَافَهُ سَلَامَةٌ، كَانَ مَا حَسِبَهُ بَاطِلًا قَطْعًا، وَالْقِيَامُ بِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ إِذَا كَانَ فِي النَّاسِ كُفَاةٌ فِي حُكْمِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ وَاحِدٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ. وَإِذَا تَوَحَّدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ صَارَ الْقِيَامُ بِهِ فَرْضَ عَيْنٍ. وَسَنَعُودُ إِلَى تَقْرِيرِ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، وَنَأْتِي بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٤٦٦ - ثُمَّ إِنِ اجْتَنَبَ وَتَنَكَّبَ، وَلَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَصِرْ بِنَفْسِ اسْتِحْقَاقِهِ إِمَامًا، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَجْمَعِينَ. فَهَذَا بَيَانُ الْمُرَادِ فِيهِ إِذَا اسْتَوْلَى مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ، وَكَانَ فَرِيدَ الدَّهْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْمَنْصِبِ. [الحكم إذا كان المستولي الصالح غير متوحد] ٤٦٧ - فَلَوِ اشْتَمَلَ الزَّمَانُ عَلَى طَائِفَةِ صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ فَاسْتَوْلِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، عَلَى قَضِيَّةِ الِاسْتِبْدَادِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَعَقْدٍ، وَكَانَ الْمُسْتَظْهِرُ بِحَيْثُ لَوْ صَادَفَهُ عَقْدٌ مُخْتَارٌ، لَانْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ. فَهَذَا الْقِسْمُ قَدْ يَعْسُرُ تَصَوُّرُهُ.
следующие страницы →