Полный текст (522 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.
стр. 316
فِي الدَّهْرِ، وَتَجَرَّدَ فِي الْعَصْرِ مَنْ يَصْلُحُ لِهَذَا الشَّأْنِ، فَلَا حَاجَةَ [إِلَى] تَعْيِينٍ مِنْ عَاقِدٍ وَبَيَانٍ.
وَالَّذِي يُوَضِّحُ الْحَقَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ إِذَا تُصُوِّرَ كَذَلِكَ فَحَتْمٌ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ الِاخْتِيَارُ عِنْدَ مَنْ يَرَاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَنْ يُبَايِعَ وَيُتَابِعَ وَيَخْتَارَ وَيُشَايِعَ، وَلَوِ امْتَنَعَ، لَاسْتَمَرَّتِ الْإِمَامَةُ عَلَى الرَّغْمِ مِنْهُ فَلَا مَعْنَى لِاشْتِرَاطِ الِاخْتِيَارِ، وَلَيْسَ إِلَى مَنْ يَفْرِضُ عَاقِدًا اخْتِيَارٌ.
فَإِذًا تَعَيُّنُ الْمُتَّحِدِ فِي هَذَا الزَّمَانِ لِهَذَا الشَّأْنِ يُغْنِيهِ عَنْ تَعْيِينٍ وَتَنْصِيصٍ، يَصْدُرُ عَنْ إِنْسَانٍ.
٤٥٧ - وَتَمَامُ الْكَلَامِ فِي هَذَا الْمَرَامِ يَسْتَدْعِي ذِكْرَ أَمْرٍ: وَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَ الْفَرْدَ وَإِنِ اسْتَغْنَى عَنِ الِاخْتِيَارِ وَالْعَقْدِ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَسْتَظْهِرَ (١٧٠) بِالْقُوَّةِ وَالْمِنَّةِ، وَيَدْعُو الْجَمَاعَةَ إِلَى بَذْلِ الطَّاعَةِ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْوِفَاقِ وَالِاتِّبَاعِ، وَعَلَى أَهْلِ الشِّقَاقِ وَالِامْتِنَاعِ.
стр. 317
٤٥٨ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسْتَظْهِرًا بِعُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ، فَالْكَلَامُ فِي ذَلِكَ يَرْتَبِطُ بِفَنَّيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ اتِّبَاعُهُ، لِتَعَيُّنِهِ لِهَذَا الْمَنْصِبِ، وَمَسِيسِ الْحَاجَةِ إِلَى [وَزَرٍ] يَرْمُقُ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، فَإِنْ كَاعُوا، وَمَا أَطَاعُوا - عَصَوْا.
وَلْنَفْرِضْ هَذَا فِيهِ إِذَا عَدِمْنَا مَنْ نَرَاهُ أَهْلًا لِلْعَقْدِ وَالِاخْتِيَارِ، فَلَيْسَ فِي النَّاسِ مَنْ يَتَصَدَّى لِهَذَا الشَّأْنِ، حَتَّى يُقَالَ: يَتَوَقَّفُ انْعِقَادُ الْإِمَامَةِ عَلَى صُدُورِ الِاخْتِيَارِ مِنْهُ، فَعَلَى النَّاسِ كَافَّةً أَنْ يُطِيعُوهُ إِذَا كَانَ فَرِيدَ دَهْرِهِ، وَوَحِيدَ عَصْرِهِ فِي التَّصَدِّي لِلْإِمَامَةِ.
٤٥٩ - فَإِذَا دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِذْعَانِ لَهُ وَالْإِقْرَانِ، فَاسْتَجَابُوا لَهُ طَائِعِينَ، فَقَدِ اتَّسَقَتِ الْإِمَامَةُ، وَاطَّرَدَتِ الرِّيَاسَةُ الْعَامَّةُ.
٤٦٠ - وَإِنْ أَطَاعَهُ قَوْمٌ يَصِيرُ مُسْتَظْهِرًا بِهِمْ عَلَى الْمُنَافِقِينَ عَلَيْهِ وَالْمَارِقِينَ مِنْ طَاعَتِهِ - تَثْبُتُ إِمَامَتُهُ أَيْضًا.
стр. 318
٤٦١ - وَإِنْ لَمْ يُطِعْهُ أَحَدٌ أَوِ اتَّبَعَهُ ضُعَفَاءُ لَا تَقُومُ بِهِمْ شَوْكَةٌ، [فَهَذِهِ] الصُّورَةُ تَضْطَرِبُ فِيهَا مَسَالِكُ الظُّنُونِ، وَتَقَعُ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ عَلَى فُنُونٍ.
٤٦٢ - فَيَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَثْبُتُ إِذْ لَمْ يَجْرِ عَقْدٌ مِنْ مُخْتَارٍ، وَلَا طَاعَةٌ تُفِيدُ عُدَّةً، وَمُنَّةٌ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الِاخْتِيَارِ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي أَحْكَامِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا انْصَرَفَ الْخَلْقُ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَمُشَايَعَتِهِ، كَانَ ذَلِكَ كَوُقُوعِهِ فِي أَسْرٍ يَبْعُدُ تَوَقُّعُ انْفِكَاكِهِ عَنْهُ.
نَعَمْ، تَعْصِي الْخَلَائِقُ فِي الصُّورَةِ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا لِمُخَالَفَةِ مَنْ [تَوَحَّدَ] لِاسْتِحْقَاقِ التَّقَدُّمِ. وَسَبَبُ تَعْصِيَتِهِمْ تَقَاعُدُهُمْ عَنْ نَصْبِ إِمَامٍ يَنْدَفِعُ بِهِ النِّزَاعُ وَالدِّفَاعُ، وَالْخُصُومَاتُ الشَّاجِرَةُ (١٧١) وَالْفِتَنُ الثَّائِرَةُ، وَتَتَّسِقُ بِهِ الْأُمُورُ، وَتَنْتَظِمُ بِهِ الْمُهِمَّاتُ وَالْغَزَوَاتُ وَالثُّغُورُ.
٤٦٣ - وَيَجُوزُ أَنْ يَصِيرَ صَائِرٌ إِلَى أَنَّهُ إِمَامٌ وَإِنْ لَمْ يُطِعْ، وَيَنْفُذُ مَا يُمْضِيهِ مِنْ أَحْكَامِهِ عَلَى مُوَافَقَةِ وَضْعِ الشَّرْعِ، وَلَيْسَ إِضْرَابُ الْخَلْقِ [عَنْ] طَاعَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، كَمَا سَبَقَ
стр. 319
تَصْوِيرُهُ وَتَقْرِيرُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ، فَإِنَّ ذَاكَ مَفْرُوضٌ فِيهِ إِذَا سَقَطَتْ طَاعَةُ الْإِمَامِ، وَوَجَدْنَا غَيْرَهُ، وَصَغْوُ النَّاسِ وَمَيْلُهُمْ إِلَى غَيْرِهِ.
فَالَّذِي يَلِيقُ بِاسْتِصْلَاحِ الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةِ نَصْبُ مَنْ هُوَ شَوْفُ النُّفُوسِ.
وَالَّذِي نَحْنُ فِيهِ مُصَوَّرٌ فِيهِ إِذَا تَفَرَّدَ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَتْ طَاعَةُ مِثْلِ هَذَا عَلَى النَّاسِ كَافَّةً، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْإِمَامِ إِمَامًا إِلَّا أَنَّ طَاعَتَهُ وَاجِبَةٌ.
وَهَذَا الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ، فَهُوَ إِمَامٌ يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فَتَنْفُذُ إِذًا أَحْكَامُهُ.
٤٦٤ - وَهَذَا مُتَّجِهٌ عِنْدِي وَاضِحٌ. وَالْأَوَّلُ لَيْسَ بَعِيدًا أَيْضًا، فَإِنَّ قَاعِدَةَ الْإِمَامَةِ الِاسْتِظْهَارُ بِالْمُنَّةِ، وَالِاسْتِكْثَارُ بِالْعُدَّةِ وَالْقُوَّةِ، وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الَّذِي لَمْ يُطَعْ.
فَهَذَا أَحَدُ الْفَنَّيْنِ.
٤٦٥ - وَالْفَنُّ الثَّانِي مِنَ الْكَلَامِ أَنِ الَّذِي تَفَرَّدَ بِالِاسْتِحْقَاقِ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلدُّعَاءِ إِلَى نَفْسِهِ، وَالتَّسَبُّبِ إِلَى تَحْصِيلِ الطَّاعَةِ، وَالِانْتِهَاضِ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَإِنْ لَمْ يَعْدَمْ مَنْ يُطِيعُهُ،
стр. 320
وَآثَرَ التَّقَاعُدَ، وَالِاسْتِخْلَاءَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ [ ] مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسُدُّ أَحَدٌ مَسَدَّهُ - كَانَ ذَلِكَ عِنْدِي مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ، وَأَعْظَمِ الْجَرَائِرِ، وَإِنْ ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ انْصِرَافَهُ وَانْحِرَافَهُ سَلَامَةٌ، كَانَ مَا حَسِبَهُ بَاطِلًا قَطْعًا، وَالْقِيَامُ بِهَذَا الْخَطْبِ الْعَظِيمِ إِذَا كَانَ فِي النَّاسِ كُفَاةٌ فِي حُكْمِ فَرْضِ الْكِفَايَةِ، فَإِذَا اسْتَقَلَّ بِهِ وَاحِدٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ.
وَإِذَا تَوَحَّدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ صَارَ الْقِيَامُ بِهِ فَرْضَ عَيْنٍ.
وَسَنَعُودُ إِلَى تَقْرِيرِ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ، وَنَأْتِي بِالْعَجَبِ الْعُجَابِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
٤٦٦ - ثُمَّ إِنِ اجْتَنَبَ وَتَنَكَّبَ، وَلَمْ يَدْعُ إِلَى نَفْسِهِ، لَمْ يَصِرْ بِنَفْسِ اسْتِحْقَاقِهِ إِمَامًا، بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ أَجْمَعِينَ.
فَهَذَا بَيَانُ الْمُرَادِ فِيهِ إِذَا اسْتَوْلَى مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ، وَكَانَ فَرِيدَ الدَّهْرِ فِي اسْتِحْقَاقِ هَذَا الْمَنْصِبِ.
[الحكم إذا كان المستولي الصالح غير متوحد]
٤٦٧ - فَلَوِ اشْتَمَلَ الزَّمَانُ عَلَى طَائِفَةِ صَالِحِينَ لِلْإِمَامَةِ فَاسْتَوْلِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ عَلَى الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ، عَلَى قَضِيَّةِ الِاسْتِبْدَادِ، مِنْ غَيْرِ اخْتِيَارٍ وَعَقْدٍ، وَكَانَ الْمُسْتَظْهِرُ بِحَيْثُ لَوْ صَادَفَهُ عَقْدٌ مُخْتَارٌ، لَانْعَقَدَتْ لَهُ الْإِمَامَةُ. فَهَذَا الْقِسْمُ قَدْ يَعْسُرُ تَصَوُّرُهُ.
стр. 321
٤٦٨ - وَنَحْنُ نَقُولُ فِيهِ: إِنْ قَصَّرَ الْعَاقِدُونَ فِيهِ وَأَخَّرُوا تَقْدِيمَ إِمَامٍ، فَطَالَتِ الْفَتْرَةُ، وَتَمَادَتِ الْعُسْرَةُ، وَانْتَشَرَتْ أَطْرَافُ الْمَمْلَكَةِ، وَظَهَرَتْ دَوَاعِي الْخَلَلِ، فَتَقَدَّمَ صَالِحٌ لِلْإِمَامَةِ دَاعِيًا إِلَى نَفْسِهِ، مُحَاوِلًا ضَمَّ النَّشْرِ، وَرَدَّ مَا ظَهَرَ مِنْ دَوَاعِي الْغَرَرِ، فَإِذَا اسْتَظْهَرَ بِالْعُدَّةِ التَّامَّةِ مَنْ وَصَفْنَاهُ، فَظُهُورُ هَذَا لَا يُحْمَلُ عَلَى الْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ وَالْمُرُوقِ، فَإِذَا جَرَى ذَلِكَ، وَكَانَ يَجُرُّ صَرْفُهُ وَنَصْبُ غَيْرِهِ فِتَنًا، وَأُمُورًا مَحْذُورَةً، فَالْوَجْهُ أَنْ يُوَافَقَ، وَيُلْقَى إِلَيْهِ السَّلَمُ، وَتُصَفِّقَ لَهُ أَيْدِي الْعَاقِدِينَ.
وَهَلْ تَثْبُتُ لَهُ الْإِمَامَةُ بِنَفْسِ الِاسْتِظْهَارِ وَالِانْتِدَابِ لِلْأَمْرِ؟ مَا أَرَاهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ اخْتِيَارٍ وَعَقْدٍ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مُتَوَحِّدًا فَنَقْضِي بِتَعَيُّنِ الْإِمَامَةِ لَهُ.
وَثُبُوتُ الْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ عَهْدٍ مِنْ إِمَامٍ أَوْ صُدُورِ بَيْعَةٍ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْعَقْدِ أَوِ اسْتِحْقَاقٍ بِحُكْمِ التَّفَرُّدِ وَالتَّوَحُّدِ كَمَا سَبَقَ - بِعِيدٌ.
стр. 322
٤٦٩ -[وَقَدْ] قَالَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إِذَا عَسُرَتْ مُدَافَعَتُهُ، وَفِي اسْتِمْرَارِهِ عَلَى مَا تَصَدَّى (١٧٣) لَهُ تَوْفِيَةٌ لِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْرِيرُهُ، وَإِذَا تَعَيَّنَ الْأَمْرُ لَمْ يَبْقَ لِلِاخْتِيَارِ اعْتِبَارٌ، فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ إِنَّمَا يُفْرَضُ لَهُ أَثَرٌ إِذَا تَقَابَلَ مُمْكِنَانِ، وَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَوْلَى مِنَ الثَّانِي، وَلَمْ يَتَأَتَّ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَيُعَيِّنُ الِاخْتِيَارُ أَحَدَ الْجَائِزَيْنِ.
فَالِاسْتِظْهَارُ مَعَ تَعَذُّرِ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ يَتَضَمَّنُ ثُبُوتَ الْإِمَامَةِ.
وَالْمَرَضِيُّ عِنْدَنَا الْمَسْلَكُ الْأَوَّلُ فَيَجِبُ الْعَقْدُ لَهُ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْرِيرِ غَرَضِ الْإِمَامَةِ، وَإِقَامَةِ حُقُوقِهَا، وَتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ الثَّائِرَةِ وَتَطْفِيَةِ النَّائِرَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ ﵄ مُعَاوِيَةَ ﵁ لَمَّا رَأَيَاهُ مُسْتَقِلًّا، وَعَلِمَا مَا فِي مُدَافَعَتِهِ مِنْ فُنُونِ الْفِتَنِ، وَضُرُوبِ الْمِحَنِ.
٤٧٠ - وَغَائِلَةُ هَذَا الْفَصْلِ فِي تَصْوِيرِهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَنْتَهِضُ لِهَذَا الشَّأْنِ لَوْ بَادَرَهُ مِنْ غَيْرِ بَيْعَةٍ وَحَاجَةٍ حَافِزَةٍ، وَضَرُورَةٍ مُسْتَفِزَّةٍ، أَشْعَرَ ذَلِكَ بِاجْتِرَائِهِ، وَغُلُوِّهِ فِي اسْتِيلَائِهِ، وَتَشَوُّفِهِ إِلَى اسْتِعْلَائِهِ، وَذَلِكَ يَسِمُهُ بِابْتِغَاءِ الْعُلُوِّ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ.
стр. 323
٤٧١ - وَلَا يَجُوزُ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِفَاسِقٍ، وَإِنْ كَانَتْ ثَوْرَتُهُ لِحَاجَةٍ ثُمَّ زَالَتْ وَحَالَتْ، فَاسْتَمْسَكَ بِعُدَّتِهِ مُحَاوِلًا حَمْلَ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ عَلَى بَيْعَتِهِ، فَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْمُطَاوَلَةِ وَالْمُصَاوَلَةِ، وَحَمْلُ أَهْلِ الِاخْتِيَارِ عَلَى الْعَقْدِ لَهُ بِحُكْمِ الِاضْطِرَارِ، وَهَذَا ظُلْمٌ وَغَشْمٌ يَقْتَضِي التَّفْسِيقَ.
فَإِذَا تُصُوِّرَتِ الْحَالَةُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُبَايَعَ، وَإِنَّمَا التَّصْوِيرُ فِيهِ إِذَا ثَارَ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ تَأَلَّبَتْ عَلَيْهِ جُمُوعٌ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَتَحَوَّلَ عَنْهُمْ لَمْ يَسْتَطِعْ، وَكَانَ يَجُرُّ مُحَاوَلَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاسِ فِتَنًا لَا تُطَاقُ، وَمِحَنًا يَضِيقُ عَنِ احْتِمَالِهَا النِّطَاقُ، وَفِي اسْتِقْرَارِهِ الِاتِّسَاقُ وَالِانْتِظَامُ، وَرَفَاهِيَةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَجِبُ تَقْرِيرُهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
٤٧٢ - وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ وَإِنْ وَجَبَ تَقْرِيرُهُ، فَلَا يَكُونُ إِمَامًا، مَا لَمْ تَجْرِ الْبَيْعَةُ، وَالْمَسْأَلَةُ فِي هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مَظْنُونَةٌ، وَالْمَقْطُوعُ بِهِ وُجُوبُ تَقْرِيرِهِ.
стр. 324
هَذَا كُلُّهُ فِي اسْتِيلَاءِ مَنْ هُوَ صَالِحٌ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، وَهُوَ قِسْمٌ وَاحِدٌ مِنَ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَرْسُومَةِ فِي صَدْرِ الْبَابِ. .
[اسْتِيلَاءُ كَافٍ ذِي نَجْدَةٍ غَيْرِ مُسْتَوْفِي الصِّفَاتِ]
٤٧٣ - فَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ كَافٍ ذُو اسْتِقْلَالٍ بِالْأَشْغَالِ، وَلَيْسَ عَلَى خِلَالِ الْكَمَالِ الْمَرْعِيِّ فِي الْإِمَامَةِ، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَنْقَسِمُ:
فَلَا يَخْلُو الزَّمَانُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ مُسْتَجْمِعٍ لِشَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، أَوْ لَا يَكُونُ شَاغِرًا عَنْ صَالِحٍ لَهَا.
٤٧٤ - فَإِنَّ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ كَامِلٍ عَلَى تَمَامِ الصِّفَاتِ، نُظِرَ: فَإِنْ نَصَبَ أَهْلُ النَّصْبِ كَافِيًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْصِيلُ انْخِرَامِ الصِّفَاتِ، عَلَى تَرْتِيبٍ قَدَّمْتُهُ فِي الرُّتَبِ وَالدَّرَجَاتِ - نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْإِمَامِ فِي إِمْضَاءِ [الْأَحْكَامِ] وَتَمْهِيدِ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ، كَمَا تَقَدَّمَ مَشْرُوحًا.
٤٧٥ - وَإِنِ اسْتَوْلَى بِنَفْسِهِ، وَاسْتَظْهَرَ بِعُدَّتِهِ، وَقَامَ بِالذَّبِّ عَنْ بَيْضَةِ الْإِسْلَامِ وَحَوْزَتِهِ - فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ يَنْقَسِمُ حَسَبَ انْقِسَامِ الْكَلَامِ فِيهِ، إِذَا كَانَ الْمُسْتَوْلِي صَالِحًا لِلْإِمَامَةِ.
стр. 325
[حُكْمُ الْمُسْتَوْلِي الْكَافِي الَّذِي لَا يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ]
٤٧٦ - فَإِنْ تُصُوِّرَ تَوَحُّدُ كَافٍ فِي الدَّهْرِ لَا تُبَارَى شَهَامَتُهُ، وَلَا تُجَارَى صَرَامَتُهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ مُسْتَقِلًّا بِالرِّئَاسَةِ الْعَامَّةِ غَيْرَهُ - فَيَتَعَيَّنُ نَصْبُهُ.
ثُمَّ تَفْصِيلُ تَعَيُّنِهِ كَتَفْصِيلِ تَعَيُّنِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ حَرْفًا حَرْفًا.
٤٧٧ - وَالْآنَ أَمُدُّ فِي ذَلِكَ أَنْفَاسِي، فَإِنَّهُ مِنْ أَهَمِّ الْمَقَاصِدِ، وَأَعَمِّ الْفَوَائِدِ، وَهُوَ مُفْتَتَحُ الْقَوْلِ فِي بَيَانِ مَا دُفِعَ إِلَيْهِ أَهْلُ الزَّمَانِ. .
وَالْمَقَاصِدُ مِنْ ذَلِكَ يَحْصُرُهَا أُمُورٌ: أَحُدُهَا: أَنَّ الْقَائِمَ بِهَذَا الْأَمْرِ فِي خُلُوِّ الدَّهْرِ، وَشُغُورِ الْعَصْرِ فِي حُكْمِ الْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ إِثْبَاتِ ذَلِكَ (١٧٥) بِالْوَاضِحَةِ، وَالْحُجَّةِ اللَّائِحَةِ، حَتَّى إِذَا تَقَرَّرَتِ الْقَاعِدَةُ،
стр. 326
رَتَّبْنَا عَلَيْهَا مَا يَتَّضِحُ بِهِ الْمَقْصُودُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ الْمَحْمُودُ.
٤٧٨ - وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَفْرَادِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِأَنْفُسِهِمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَأْمُرُوا بِوُجُوهِ الْمَعْرُوفِ، وَيَسْعَوْا فِي إِغَاثَةِ كُلِّ مَلْهُوفٍ، وَيُشَمِّرُوا فِي إِنْقَاذِ الْمُشْرِفِينَ عَلَى الْمَهَالِكِ وَالْمَتَاوِي وَالْحُتُوفِ.
٤٧٩ - وَكَذَلِكَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ مَنْ رَأَى مُضْطَرًّا مَظْلُومًا، مُضْطَهَدًا مَهْضُومًا، وَكَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ دَفْعِ مَنْ ظَلَمَهُ، وَمَنْعِ مَنْ غَشَمَهُ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْهُ بِكُنْهِ جُهْدِهِ، وَغَايَةِ أَيْدِهِ، كَمَا لَهُ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
٤٨٠ - وَلَوْ هَمَّ رَجُلٌ أَنْ يَأْخُذَ مِقْدَارَ نَزْرٍ وَتَحٍ مِنْ
стр. 327
مَالِ إِنْسَانٍ، فَلَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ بِالْيَدِ وَاللِّسَانِ، وَإِنْ أَتَى الدَّفْعُ عَلَى الْقَاصِدِ ظُلْمًا، كَانَ دَمُهُ مُهْدَرًا مُحْبَطًا، مَطْلُولًا مُسْقَطًا.
٤٨١ - فَإِذَا كَانَ يَجُوزُ الدَّفْعُ عَنِ الْفَلْسِ وَالنَّفْسِ بِاللِّسَانِ وَالْخَمْسِ، ثُمَّ بِالسِّلَاحِ وَالْجِرَاحِ، مِنْ غَيْرِ مُبَالَاةٍ بِزُهُوقِ الْأَرْوَاحِ، مَعَ التَّعَرُّضِ لِلتَّرَدُّدِ بَيْنَ الْإِخْفَاقِ وَالْإِنْجَاحِ، فَلَوِ انْتَفَضَ الدَّهْرُ عَنْ إِمَامٍ ذِي اسْتِقْلَالٍ، وَقِيَامٍ بِمُهِمَّاتِ الْأَنَامِ، وَلَا خَبَالَ فِي عَالَمِ اللَّهِ يُبِرُّ عَلَى الْتِطَامِ الرِّعَاعِ وَالطَّغَامِ، وَهَمَجِ الْعَوَامِّ.
وَلَوْ جَرَتْ فَتْرَةٌ فِي بَعْضِ الْأَعْوَامِ، وَجَرَى مَا نُحَاذِرُهُ مِنْ خُرُوجِ الْأُمُورِ عَنْ مَسَالِكِ الِانْتِظَامِ لَلَقِيَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ أَحْوَالًا وَاخْتِلَالًا، لَا يُحِيطُ بِوَصْفِهِ غَايَاتُ الْإِطْنَابِ فِي الْكَلَامِ وَلَأَكَلَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْضًا، وَارْتَجَّتِ الْمَمَالِكُ، وَاضْطَرَبَتِ الْمَسَالِكُ طُولًا وَعَرْضًا.
ثُمَّ إِذَا خَلَتِ الدِّيَارُ عَنِ الْجُنُودِ الْمَعْقُودَةِ وَالْأَنْصَارِ، اسْتَجْرَأَ
стр. 328
الْكُفَّارُ، وَتَمَادَى الْفَسَادُ وَالِانْتِشَارُ، وَعَمَّ الشَّرُّ وَالضُّرُّ (١٧٦) وَظَهَرَ الْخَبَالُ فِي الْبَحْرِ وَالْبَرِّ: فَكَمْ مِنْ دِمَاءٍ لَوْ أَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ تُسْفَكُ، وَكَمْ مِنْ حُرُمَاتٍ تُهْتَكُ، وَكَمْ مِنْ حُدُودٍ تَضِيعُ وَتُهْمَلُ، وَكَمْ ذَرِيعَةٍ فِي تَعْطِيلِ الشَّرِيعَةِ تَعْمَلُ، وَكَمْ مِنْ مَنَاظِمَ لِلدِّينِ تَدْرَسُ، وَكَمْ مَعَالِمَ تُمْحَقُ وَتُطْمَسُ.
وَقَدْ يَتَدَاعَى الْأَمْرُ إِلَى أَصْلِ الْمِلَّةِ، وَيُفْضِي إِلَى عَظَائِمَ تَسْتَأْصِلُ الدِّينَ كُلَّهُ، [إِذَا] لَمْ يَنْتَهِضْ مَنْ يَحْمِلُ عَنَاءَ الْإِسْلَامِ وَكَلَّهُ.
٤٨٢ - فَلَوِ انْتَهَى الْخَطْبُ إِلَى هَذَا الْمُنْتَهَى، وَاسْتَمْكَنَ مُتَوَحِّدٌ فِي الْعَالَمِ مِنَ الْعَدَدِ وَالْعُدَدِ، وَمُوَافَاةِ الْأَقْدَارِ، وَمُصَافَاةِ الْأَعْوَانِ وَالْأَنْصَارِ.
وَثَقَابَةِ الرَّأْيِ وَالنَّهْيِ وَعَزِيمَةٍ فِي الْمُعْضِلَاتِ لَا تُفَلُّ، وَشَكِيمَةٍ لَا تُحَلُّ، وَصَرَامَةٍ فِي [الْمُلِمَّاتِ] يَكِلُّ عَنْ نَفَاذِهَا ظُبَاتُ السُّيُوفِ، وَشَهَامَةٌ فِي الدَّوَاهِي الْمُدْلَهِمَّاتِ تَسْتَهِينُ بِاقْتِحَامِ جَرَاثِيمِ الْحُتُوفِ، وَأَنَاةٍ يَخِفُّ بِالْإِضَافَةِ إِلَيْهَا الْأَطْوَادُ الرَّاسِخَةُ.
وَخِفَّةٍ إِلَى مُصَادَمَةِ الْعَظَائِمِ تَسْتَفِزُّ ثِقَلَ الْأَوْتَادِ الشَّامِخَةِ، إِذَا حَسَبَ تَبَلَّدَ بَيْنَ يَدَيْهِ كُلُّ
стр. 329
مَاهِرٍ [حَسُوبٍ] ، وَإِذَا شَمَّرَ، خَضَعَ لِجَدِّهِ وَجِدِّهِ مُعَوِّصَاتُ الْخُطُوبِ، وَقَدْ طَبَعَ الْفَاطِرُ عَلَى الْإِذْعَانِ لَهُ حَبَّاتِ الْقُلُوبِ، كُلَّمَا ازْدَادَتِ الْأُمُورُ عُسْرًا، ازْدَادَ صَدْرُهُ الرَّحِيبُ انْفِسَاحًا، وَغُرَّتُهُ الْمَيْمُونَةُ بِشْرًا.
إِنْ نَطَقَ فَجَوَامِعُ الْكَلِمِ وَبَدَائِعُ الْحِكَمِ، تَنْتَزِعُ عَنِ الْأَصْمِخَةِ صِمَامَ الصَّمَمِ، وَإِنْ رَمَزَ وَأَشَارَ فَالشَّهْدُ الْجِنِّيُّ الْمُشَارُ.
وَإِنْ وَقَعَ أَعْرَبَ وَأَبْدَعَ، وَخَفَضَ وَرَفَعَ، وَفَرَّقَ وَجَمَعَ، وَنَفَعَ وَدَفَعَ، الْعِفَّةُ حُكْمُ خَلَائِقِهِ، وَالِاسْتِقَامَةُ نَظْمُ طَرَائِقِهِ، وَقَدْ حَنَّكَتْهُ التَّجَارِبُ، وَهَذَّبَتْهُ الْمَذَاهِبُ، يُسْكِتُهُ حِلْمُهُ، وَيُنْطِقُهُ عِلْمُهُ، وَتُغْنِيهِ اللَّحْظَةُ، وَتُفْهِمُهُ اللَّفْظَةُ، يَخْدُمُهُ السَّيْفُ وَالْقَلَمُ (١٧٧) ، وَيَعْشُو إِلَى ضَوْءِ رَأْيِهِ الْأُمَمُ.
إِنْ سَطَا عَلَى
стр. 330
الْعُتَاةِ بِعُنْفِهِ شَامِخًا بِأَنْفِهِ، ارْفَضَّتْ رَوَاسِي الْجِبَالِ، وَتَقَطَّعَتْ نِيَاطُ قُلُوبِ الرِّجَالِ، وَإِنْ لَاحَظَ الْعُفَاةَ بِطَوْلِهِ أَزْهَرَتْ رِيَاضُ الْآمَالِ.
وَهَذِهِ الْخِلَالُ إِلَى اسْتِمْسَاكٍ مِنَ الدِّينِ بِالْحَبْلِ الْمَتِينِ، وَاعْتِصَامٍ بِعُرَى الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَلِيَاذٍ فِي قَوَاعِدِ الْعَقَائِدِ بِثَلْجِ الصَّدْرِ، وَبَرْدِ الْيَقِينِ، وَثِقَةٍ بِفَضْلِ اللَّهِ لَا يُكَدِّرُهَا نَوَائِبُ الْأَزْمَانِ، وَلَا يُغَيِّرُهَا طَوَارِقُ الْحَدَثَانِ.
وَحَقُّ الْمَلِيكِ الدَّيَّانِ أَنَّهُ يَقْصُرُ عَنْ أَدْنَى مَعَانِيهِ وَمَعَالِيهِ غَايَاتُ الْبَيَانِ.
٤٨٣ - هَذِهِ كِنَايَاتٌ عَنْ سَيِّدِ الدَّهْرِ، وَصَدْرِ الْعَصْرِ، وَمَنْ إِلَى جَنَابِهِ مُنْتَهَى الْعُلَا وَالْفَخْرِ، وَقَدْ قَيَّضَهُ اللَّهُ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ، لِتَوَلِّي أُمُورِ الْعَالَمِينَ وَتَعَاطِيهَا، وَأُعْطِيَ الْقَوْسُ بَارِيهَا.
فَهُوَ عَلَى الْقَطْعِ فِي الذَّبِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ، وَالنِّضَالِ عَنِ الْمِلَّةِ وَتَرْفِيهِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كُلِّ مَدْحَضَةٍ وَمَزَلَّةٍ، وَتَنْقِيَةِ الشَّرِيعَةِ [عَنْ] كُلِّ بِدْعَةٍ شَنْعَاءَ مُضِلَّةٍ، وَكَفِّ الْأَكُفِّ الْعَادِيَّةِ.
وَعَضُدِ الْفِئَةِ الْمُرْشِدَةِ الْهَادِيَةِ فِي
стр. 331
مَقَامٍ شَفِيقٍ رَفِيقٍ، قَوَّامٍ عَلَى كَفَالَةِ أَيْتَامٍ: يَنْتَحِي غِبْطَتَهُمْ، وَيَتَجَاوَزُ عَثْرَتَهُمْ وَسَقْطَتَهُمْ.
٤٨٤ - وَإِذَا كَانَ يَقُومُ الرَّجُلُ الْفَرْدُ بِالذَّبِّ عَنْ أَخِيهِ، وَبِهِدَايَةِ مَنْ يَسْتَهْدِيهِ، وَنُصْرَةِ مَنْ يَنْدُبُهُ وَيَسْتَدْعِيهِ، فَالْإِسْلَامُ فِي حُكْمِ شَخْصٍ مَائِلٍ يَلْتَمِسُ مَنْ يُقِيمُ أَوَدَهُ، وَيَجْمَعُ شَتَاتَهُ وَبَدَدَهُ، وَيَكُونُ عَضُدَهُ وَمَدَدَهُ، وَوَزَرَهُ وَعُدَدَهُ.
فَلَئِنْ وَجَبَ إِسْعَافُ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ بِمُنَاهُ [وَإِجَابَتُهُ] فِي اسْتِنْجَادِهِ وَاسْتِرْفَادِهِ إِلَى مَهْوَاهُ فَالْإِسْلَامُ أَوْلَى بِالذَّبِّ، وَالنَّادِبُ إِلَيْهِ اللَّهُ.
٤٨٥ - وَإِنَّمَا لَمْ يُجْعَلْ لِآحَادِ النَّاسِ شَهْرُ السِّلَاحِ، وَمُحَاوَلَةُ الْمِرَاسِ فِي رِعَايَةِ الصَّلَاحِ وَالِاسْتِصْلَاحِ (١٧٨) لِمَا فِيهِ مِنْ نَفْرَةِ النُّفُوسِ، وَالْإِبَاءِ وَالنِّفَاسِ، وَالْإِفْضَاءِ إِلَى التَّهَارُشِ وَالشِّمَاسِ.
٤٨٦ - وَالَّذِي يُزِيلُ أَصْلَ الْإِشْكَالِ وَالْإِلْبَاسِ أَنَا نُجَوِّزُ لِلْمُطَّوَّعَةِ فِي الْجِهَادِ الْإِيغَالَ فِي بِلَادِ أَهْلِ الْعِنَادِ مِنَ الْكُفَّارِ، عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَدْرُهُمْ عَنْ رَأْيِ الْإِمَامِ الَّذِي إِلَيْهِ الِاسْتِنَادُ،
стр. 332
فَلَمَّا كَانَ غَايَتَهُمُ الِاسْتِشْهَادُ - وَالشَّهَادَةُ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ - لَمْ يُمْنَعِ الْمُطَّوِّعَةُ مِنَ التَّشْمِيرِ لِلْقِتَالِ.
وَالنِّزَاعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَحْذُورٌ، وَالسَّبَبُ الْمُفْضِي إِلَيْهِ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ. فَإِذَا اسْتَقَلَّ فَرْدُ الزَّمَانِ بِعُدَّةٍ لَا تَصَادُمَ، وَاسْتَطَالَتْ يَدُهُ الطُّولَى، عَلَى الْمَمَالِكِ عَرْضًا وَطُولًا، وَاسْتَتَبَّتِ الطَّاعَةُ، وَأَمْكَنَتِ الِاسْتِطَاعَةُ فَقِيَامُهُ بِمَصَالِحِ أَهْلِ الْإِيمَانِ بِالسَّيْفِ وَالسِّنَانِ، كَقِيَامِ الْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الزَّمَانِ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ بِاللِّسَانِ.
وَهَا أَنَا الْآنَ أُنْهِي الْقَوْلَ فِيهِ، إِلَى قُصَارَى الْبَيَانِ، وَاللَّهُ تَعَالَى الْمُسْتَعَانُ.
٤٨٧ -[فَالْمُتَّبَعُ] فِي [حَقِّ الْمُتَعَبِّدِينَ] الشَّرِيعَةُ وَمُسْتَنَدُهَا الْقُرْآنُ، ثُمَّ الْإِيضَاحُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْبَيَانُ، ثُمَّ الْإِجْمَاعُ الْمُنْعَقِدُ مِنْ حَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ مِنْ أَهْلِ الثِّقَةِ وَالْإِيمَانِ.
فَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ. وَمَا عَدَاهَا مِنْ مُسْتَمْسِكَاتِ الدِّينِ كَالْفُرُوعِ وَالْأَفْنَانِ.
стр. 333
٤٨٨ - وَالْإِمَامُ فِي الْتِزَامِ الْأَحْكَامِ، وَتَطَوُّقِ الْإِسْلَامِ كَوَاحِدٍ مِنْ مُكَلَّفِي الْأَنَامِ، وَإِنَّمَا هُوَ ذَرِيعَةٌ فِي حَمْلِ النَّاسِ عَلَى الشَّرِيعَةِ، غَيْرَ أَنَّ الزَّمَانَ إِذَا اشْتَمَلَ عَلَى صَالِحَيْنِ لِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ، فَالِاخْتِيَارُ يَقْطَعُ الشِّجَارَ، وَيَتَضَمَّنُ التَّعْيِينَ وَالِانْحِصَارَ، وَلَا حُكْمَ مَعَ قِيَامِ الْإِمَامِ إِلَّا لِلْمَلِيكِ الْعَلَّامِ.
٤٨٩ - فَإِذَا لَمْ يَتَّفِقْ مُسْتَجْمِعٌ لِلصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةِ، وَاسْتَحَالَ تَعْطِيلُ الْمَمَالِكِ وَالرَّعِيَّةِ، وَتَوَحَّدَ شَخْصٌ بِالِاسْتِعْدَادِ بِالْأَنْصَارِ، وَالِاسْتِظْهَارِ بِعَدَدِ الِاقْتِهَارِ وَالِاقْتِسَارِ (١٧٩) [وَالِاسْتِيلَاءِ] عَلَى مَرَدَةِ الدِّيَارِ، وَسَاعَدَتْهُ مُوَاتَاةُ الْأَقْدَارِ، وَتَطَامَنَتْ لَهُ أَقَاصِي الْأَقْطَارِ، وَتَكَامَلَتْ أَسْبَابُ الِاقْتِدَارِ.
فَمَا الَّذِي [يُرَخِّصُ] لَهُ فِي الِاسْتِئْخَارِ عَنِ النُّصْرَةِ وَالِانْتِصَارِ؟ وَالْمُمْتَثِلُ أَمْرَ الْمَلِكِ الْقَهَّارِ، كَيْفَ انْقَلَبَ الْأَمْرُ وَاسْتَدَارَ.
٤٩٠ - فَالْمَعْنَى الَّذِي يُلْزِمُ الْخَلْقَ طَاعَةَ الْإِمَامِ، وَيُلْزِمُ الْإِمَامَ الْقِيَامَ بِمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ، أَنَّهُ أَيْسَرُ مَسْلَكٍ فِي إِمْضَاءِ
стр. 334
الْأَحْكَامِ، وَقَطْعِ النِّزَاعِ وَالْإِلْزَامِ، وَهُوَ بِعَيْنِهِ يَتَحَقَّقُ عِنْدَ وُجُودِ مُقْتَدِرٍ عَلَى الْقِيَامِ بِمُهِمَّاتِ الْأَنَامِ، مَعَ شُغُورِ الزَّمَانِ عَنْ إِمَامٍ.
٤٩١ - فَقَدْ تَحَقَّقَ مَا أُحَاوِلُهُ قَطْعًا عَلَى اللَّهِ الْعَظِيمِ شَانُهُ، وَوَضَحَ كَفَلَقِ الصُّبْحِ دَلِيلُهُ وَبُرْهَانُهُ، فَامْضِ يَا صَدْرَ الزَّمَانِ
стр. 335
قُدُمًا وَلَا تُؤَخِّرِ الِانْتِهَاضَ لِمَا رَشَّحَكَ اللَّهُ لَهُ [قُدُمًا] .
وَأُقَدِّرُ الْآنَ أَسْئِلَةً مُخَيَّلَةً وَأَنْوِي بِيُمْنِ أَيَّامِ مَوْلَانَا جَوَابًا عَنْ كُلِّ سُؤَالٍ يُوَضِّحُ تَحْقِيقَهُ وَتَحْصِيلَهُ، ثُمَّ يَنْتَجِزُ بِانْقِضَاءِ السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ مَقْصُودُ هَذَا الْفَصْلِ مِنْ هَذَا الْبَابِ.
٤٩٢ - فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا كَانَ يَسْتَقِيمُ مَا ذَكَرْتُمُوهُ وَيَسْتَمِرُّ مَا كَرَّرْتُمُوهُ لَوْ كَانَتِ الْأُمُورُ جَارِيَةً عَلَى سُنَنِ السَّدَادِ وَمَنَاهِجِ الرَّشَادِ، فَأَمَّا وَالْأَيْدِي عَادِيَةٌ، وَوُجُوهُ الْخَبَلِ وَالْفَسَادِ بَادِيَةٌ، وَنُفُوسُ الْمُتَمَرِّدِينَ عَلَى الطُّغْيَانِ وَالْعُدْوَانِ مُتَمَادِيَةٌ، وَلَيْسَ لِلْمُلْكِ عِصَامٌ ضَابِطٌ، وَلَا
стр. 336
انْتِظَامٌ رَابِطٌ، وَرِبْقَةُ الْإِيَالَةِ مَحْلُولَةٌ، وَحُدُودُ السِّيَاسَةِ مَفْلُولَةٌ، وَسُيُوفُ الِاعْتِدَاءِ مَسْلُولَةٌ، وَرِبَاطُ الْعَزَائِمِ مُنْحَلَّةٌ، وَرِقَابُ الطَّغَامِ عَنْ جَامِعَةِ الْوُلَاةِ مُنْسَلَّةٌ، وَمَعَالِمُ الْعَدْلِ مُنْدَرِسَةٌ، وَمَنَاظِمُ الْإِنْصَافِ مُنْطَمِسَةٌ.
فَالْبُعْدُ مِنْ هَذِهِ الْفِئَةِ الطَّاغِيَةِ أَسْلَمُ، وَالنَّأْيُ عَنْهُمْ أَحْزَمُ، وَإِذَا اسْتَبْدَلَ الزَّمَانُ عَنِ الرُّشْدِ غَيًّا، فَلَا نَعْدِلُ بِالسَّلَامَةِ شَيًّا.
[دفاع إمام الحرمين عن نظام الملك]
٤٩٣ - قُلْتُ: هَذَا الْآنُ تَدْلِيسٌ وَإِلْغَازٌ وَتَلْبِيسٌ (١٨٠) وَأُجِيبَ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ الْأَمْرَ عَلَى خِلَافِ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ وَصَوَّرَهُ، فَإِنَّ الطَّاعَةَ مَبْسُوطَةٌ، وَعُرَى الْمُلْكِ بِرَأْيِ سُلْطَانِ الزَّمَانِ مَنُوطَةٌ، وَحَوْزَةُ الْإِسْلَامِ - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ - مَحُوطَةٌ، وَالْأُبَّهَةُ قَائِمَةٌ، وَالْأَرْكَانُ وَارِفَةُ الْأَفْنَانِ، رَحْبَةُ الْأَعْطَانِ.
وَقَاعِدَةُ الْمُلْكِ رَاسِخَةٌ، وَأَطْوَادُ الْهَيْبَةِ شَامِخَةٌ، وَأَوْتَادُ الدَّوْلَةِ بَاذِخَةٌ، وَالسَّلْطَنَةُ بِمَائِهَا، وَالْمَمْلَكَةُ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى عَلَائِهَا،
стр. 337
وَالْعِزَّةُ مُسْتَقِرَّةٌ فِي غُلَوَائِهَا، وَرِوَاقُ الْجِدِّ مَمْدُودٌ، وَلِوَاءُ النَّصْرِ مَعْقُودٌ، مَا نَجَمَ نَاجِمٌ إِلَّا قَصَمَهُ مِنَ الْقَدَرِ الْغَالِبِ قَاصِمٌ، وَمَا هَجَمَ ثَائِرٌ هَاجِمٌ إِلَّا صَدَمَهُ صَادِمٌ.
وَلَوْ ذَهَبْتُ أَبْسُطُ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ مَقَالًا، لَصَادَفْتُ مُضْطَرَبًا رَحْبًا وَمَجَالًا.
[أَمَّا] تَعَدِّي الْأَجْنَادِ بَعْضَ حُدُودِ الِاقْتِصَادِ، فَلَمْ يَخْلُ مِنْهُ زَمَانٌ، وَلَمْ يَعْرَ مِنْهُ أَوَانٌ، وَنِعْمَ الْحُكْمُ الْعَدْلُ وَالْإِنْصَافُ، فَلْنَضْرِبْ عَمَّا يَجْرِي فِي الْأَكْنَافِ وَالْأَطْرَافِ، وَلْنَعْمَلْ عَلَى تَنْكُّبِ الِاعْتِسَافِ، فَنَقُولُ:
٤٩٤ - مَرْمُوقُ الْخَلَائِقِ عَلَى [تَفَنُّنِ] الْآرَاءِ وَالطَّرَائِقِ الدِّمَاءُ وَالْأَمْوَالُ وَالْحُرَمُ. أَمَّا الدِّمَاءُ فَمَحْقُونَةٌ فِي أُهُبِهَا فِي أَعَمِّ الْأَحْوَالِ، فَإِنْ فُرِضَتْ فَتْكَةٌ وَاغْتِيَالٌ، وَهَتْكَةٌ وَاحْتِيَالٌ تَدَارَكَهَا الْمُتَرَصِّدُونَ لِهَذِهِ الْأَشْغَالِ.
وَأَمَّا الْأَمْوَالُ فَمُعْظَمُ الطَّلَبَاتِ الْخَارِجَةِ عَنِ الضَّبْطِ مَحْسُومَةٌ، [وَأَسْبَابُ] الْمَكَاسِبِ مَنْظُومَةٌ، وَمَطَالِعُ مَطَامِعِ الْمُتَعَدِّينَ
стр. 338
أَطْوَارُهُمْ مَرْدُومَةٌ، وَالتَّوْزِيعَاتُ وَالْقِسَمُ مَرْفُوضَةٌ، وَقَوَاعِدُ الْمُطَالَبَاتِ وَالْمُصَادَرَاتِ مَنْقُوضَةٌ، وَالرِّفَاقُ مِنْ أَقَاصِي الْآفَاقِ عَلَى أَطْرَافِ الطُّرُقِ فِي خَفْضِ الْأَمْنِ وَادِعُونَ، وَأَصْحَابُ الْعَرَامَاتِ مُطْرِقُونَ، تَحْتَ هَيْبَةِ السَّلْطَنَةِ خَاشِعُونَ، وَلَوْ قِيسَ هَذَا (١٨١) الزَّمَانُ اللَّاحِقُ بِالزَّمَانِ السَّابِقِ لَظَهَرَ اخْتِصَاصُهُ بِفُنُونٍ مِنَ النِّعْمَةِ وَالْأَمَنَةِ، لَا يَصِفُهَا الْوَاصِفُونَ، وَلَا يَقُومُ بِكَشْفِهَا الْكَاشِفُونَ وَأَمَّا الْحُرَمُ فَمَصُونَةٌ، مِنْ جِهَةِ صَدْرِ جُنُودِ الْإِسْلَامِ مَرْعِيَّةٌ مَحْفُوظَةٌ مِنْ نَزَغَاتِهِمْ وَنَزَقَاتُهُمْ مَحْمِيَّةٌ مَلْحُوظَةٌ مِنْ رُعَاةِ الرَّعِيَّةِ.
وَإِنْ فُرِضَتْ لَطْمَةٌ وَبَلِيَّةٌ كَانَتْ فِي حُكْمِ عَثْرَةٍ يُرْخَى عَلَيْهَا السِّتْرُ وَتُقَالُ أَوْ يُلْحَقُ بِمَنْ يَأْتِيهَا الْخِزْيُ وَالنَّكَالُ.
٤٩٥ - هَذَا حُكْمٌ كُلِّيٌّ عَلَى مَنَاظِمِ الْمَمْلَكَةِ، فَإِنِ انْسَلَّتْ عَنِ الرَّبْطِ بَوَادِرُ وَنَوَادِرُ غَيْرُ مُدْرَكَةٍ، وَفَارَقَتْ مَنْهَجَ الضَّبْطِ وَمَسْلَكَهُ أَوْ هَاجَتْ فِي أَكْنَافِ الْخُطَّةِ فِتْنَةٌ ثَائِرَةٌ، وَنَائِرَةٌ جَرَّتْ مَهْلَكَةً،
стр. 339
فَمَنِ الَّذِي يَضْمَنُ [نَفْضَ] الدُّنْيَا عَنْ بَوَائِقِهَا وَيُرَخِّصُهَا عَنْ دَوَاهِيهَا وَعَوَائِقِهَا هَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ مَا دَارَ الْفَلَكُ عَلَى شَكْلِهِ، وَمَا قَامَتِ النِّسَاءُ عَلَى مِثْلِهِ، دَرَّتْ أَخْلَافُ الدِّينِ فِي زَمَنِهِ ثَرَّةٌ، وَسَاسَ حَوْزَةَ الْإِسْلَامِ بِدِرَّةٍ وَقَالَ ﵁ مَرَّةً: لَوْ تُرِكَتْ جَرْبَاءُ عَلَى ضَفَّةِ الْفُرَاتِ لَمْ تُطْلَ بِالْهِنَاءِ، فَأَنَا الْمُطَالَبُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ثُمَّ صَادَفَ عِلْجٌ مِنْهُ غِرَّةً، وَقَتَلَهُ قِتْلَةً مُرَّةً، فَلَمْ يَنْفَعْهُ عَزْمُهُ وَحَزْمُهُ، لَمَّا نَفَذَ فِيهِ قَضَاءُ اللَّهِ وَحُكْمُهُ، وَلَمْ نَجِدْ لِقَضَاءِ اللَّهِ مَرَدًّا. وَإِنْ كَانَ سُورًا حَوْلَ الْإِسْلَامِ وَسَدًّا.
وَلَوْ أَرْخَيْتُ فِي هَذَا الْفَصْلِ فَضْلَ عَنَانِي وَأَرْسَلْتُ عَذَبَةَ لِسَانِي وَقَصَصْتُ مِنْ بَدَائِعِ هَذِهِ الْمَعَانِي، لَجَاوَزْتُ الْقَوَاعِدَ مِنْ مَقَاصِدِي فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ وَالْمَبَانِي.
٤٩٦ - ثُمَّ أَخْتَتِمُ هَذَا الْفَصْلِ بِمَا هُوَ غَايَاتُ الْأَمَانِي، وَأُنْهِيهِ مَبْلَغًا يَعْتَرِفُ بِمَوْضُوعِهِ الْقَاصِي وَالدَّانِي، فَأَقُولُ: مَا تَشَبَّثَ بِهِ الطَّاعِنُونَ
стр. 340
مِنْ هَنَاتٍ وَعَثَرَاتٍ، صَدَرُهَا عَنْ مَعَرَّةِ (١٨٢) الْأَجْنَادِ الْمُنْحَرِفِينَ عَنْ سُنَنِ الِاقْتِصَادِ، فِي أَطْرَافِ الْمَمَالِكِ وَالْبِلَادِ.
لَوْ سُلِّمَ لَهُمْ كَمَا يَدَّعُونَ، تُوبِعُوا فِيمَا يَأْتُونَ وَيَذَرُوَنَ، وَغُضَّ عَنْهُمْ طَرْفُ الِانْتِقَادِ فِيمَا يَبْتَدِعُونَ وَيَخْتَرِعُونَ فَأَنَّى يَقَعُ مَا يَقُولُونَ مِمَّا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِمْ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْأُمُورِ، وَيَدْرَأُ بِسَبَبِهِمْ مِنْ فُنُونِ الدَّوَاهِيَ عَلَى كُرُورِ الدُّهُورِ؟
أَلَيْسَ بِهِمِ انْحِصَارُ الْكُفَّارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ؟ وَبِهِمْ تُخْفِقُ بُنُودُ الدِّينِ عَلَى الْخَافِقَيْنِ، وَبِهِمْ أُقِيمَتْ دَعْوَةُ الْحَقِّ فِي الْحَرَمَيْنِ، وَأُثْبِتَتْ كَتَائِبُ الْمِلَّةِ فِي الْمَشْرِقَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ، [وَارْتَدَّتْ] مَنَاظِمُ الْكُفَّارِ مَنْكُوسَةً، وَمَعَالِمُهُمْ مَعْكُوسَةً.
وَبَذَلَ عَظِيمُ الرُّومِ الْجِزْيَةَ وَالدَّنِيَّةَ، وَصَارَتِ الْمُسَالَمَةُ وَالْمُتَارَكَةُ لَهُ قُصَارَى الْأُمْنِيَةِ، وَانْبَسَطَتْ هَيْبَةُ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَصْقَاعِ الْقَصِيَّةِ، وَأَطَلَّتْ عَلَى قِمَمِ الْمَارِدِينَ رَايَتُهُ الْعَلِيَّةُ، وَأَضْحَتْ ثُغَرُ صُدُورِهِمْ لِأَسِنَّةِ عَسَاكِرِ الْإِسْلَامِ دَرِيَّة.
стр. 341
هَذِهِ رَمْزَةٌ إِلَى أَدْنَى الْآثَارِ فِي دِيَارِ الْكُفَّارِ.
٤٩٧ - فَأَمَّا مَا دَفَعَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِدَعِ وَالْأَهْوَاءِ، وَضُرُوبِ الْآرَاءِ فَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهَا نِهَايَاتُ الْأَوْصَافِ وَالْأَنْبَاءِ:
أَلَيْسَ اقْتَلَعُوا قَاعِدَةَ الْقَرَامِطَةِ مِنْ دِيَارِهَا وَاسْتَأْصَلُوا مَا أَعْيَا ذَوِي النَّجْدَةِ وَالْبَاسِ مِنْ خُلَفَاءِ بَنِي الْعَبَّاسِ مِنْ آثَارِهَا؟ وَأَوْطَئُوا رِقَابَ الزَّنَادِقَةِ، وَكُلَّ فِئَةٍ مَارِقَةٍ سَنَابِكَ الْخَيْلِ.
وَانْتَهَى رُعْبُهُمْ حَيْثُ انْتَهَى اللَّيْلُ، فَلَمْ يَبْقَ فِي خُطَّةِ الْإِسْلَامِ مُتَظَاهِرٌ بِالْبِدْعَةِ، إِلَّا أَضْحَى مَنْكُوبًا مَرْعُوبًا مَكْبُوبًا، فَإِنْ أُلْفِيَ زَائِغٌ مُرَاوِغٌ، يَدُبُّ الضَّرَّاءَ، وَيَمْشِي الْخَمَرَ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَالسُّنَّةِ عَلَى أَعْظَمِ الْغَرَرِ.
فَإِذَا كَانُوا عِصَامًا لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَوَزَرًا لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي (١٨٣) ابْتُعِثَ بِهَا سَيِّدُ الْأَنَامِ فَأَيُّ قَدْرٍ لِلدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى الدِّينِ؟ وَأَيُّ احْتِفَالٍ بِأَعْرَاضِهَا مَعَ اسْتِمْرَارِ الْحَقِّ الْمُبِينِ، وَالْمِنَّةُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
стр. 342
٤٩٨ - وَلَوْ أَرْخَيْتُ فِي ذَلِكَ الطِّوَلِ لَخِفْتُ انْتِهَاءَ الْكَلَامِ إِلَى الْإِطْنَابِ وَالْمَلَلِ، وَرُبَّمَا كَانَ مَا قَلَّ وَدَلَّ، أَنْجَعَ مِمَّا يَطُولُ فَيُمَلُّ، فَمَنْ لَا يُحِيطُ بِحَقَائِقِ الْأَشْيَاءِ فِي [اسْتِدَادِهَا] فَلْيَتَخَيَّلْ جَرَيَانَ نَقَائِضِهَا وَأَضْدَادِهَا.
وَلَوْ فُرِضَتْ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - فَتْرَةٌ تَجَرَّأَ بِسَبَبِهَا الثُّوَّارُ مِنَ الدِّيَارِ، وَنَبَغَ ذَوُو [الْعَرَامَةِ] الْأَشْرَارُ، وَانْسَلُّوا عَنْ ضَبْطِ بِطَاشٍ فِي الزَّمَانِ ذِي اقْتِدَارٍ، لَافْتَدَى ذَوُو الثَّرْوَةِ وَالْيَسَارِ أَنْفُسَهُمْ وَحُرَمَهُمْ بِأَضْعَافِ مَا هُمُ الْآنَ بَاذِلُونَ فِي دَفْعِ أَدْنَى مَا يَنَالُهُمْ مِنَ الضِّرَارِ.
٤٩٩ - نَعَمْ. وَلَوْ [تَذَاكَرْنَا] الْوَاقِعَةَ الَّتِي أُرِّخَتْ فِي تَوَارِيخِ الْأَخْبَارِ، لَأَغْنَتْنَا عَنْ إِطَالَةِ النَّظَرِ وَالِاعْتِبَارِ، لِمَا انْجَرَّ مِنْ أَقَاصِي بِلَادِ الرُّومِ وَالْعَسْكَرِ الْجَرَّارِ وَانْسَدَّتِ السُّبُلُ، وَضَاقَتِ الْحِيَلُ، وَغُصَّ الْجَوُّ بِالْخِرْصَانِ، وَجَاشَ جَيْشُ الْكُفْرِ بِالْفُرْسَانِ، وَلَمْ يَشُكُّوا أَنَّهُمْ يَطْوُونَ مِنَ الْأَرْضِ مَنَاكِبِهَا، وَيَمْلِكُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا.
وَأَضْحَتْ قُلُوبُ الْمُسْلِمِينَ وَاجِفَةً، وَأَحْشَاؤُهُمْ رَاجِفَةً، وَآرَاؤُهُمْ
стр. 343
مُتَفَاوِتَةً، وَعُقُولُهُمْ مُتَهَافِتَةً، فَمَالَ مَلِكُ الْإِسْلَامِ، أَلْبْ أَرْسَلَانْ - تَغَمَّدَ اللَّهُ رُوحَهُ بِالرَّوْحِ وَالرِّضْوَانِ - إِلَيْهِمْ وَانْقَضَّ انْقِضَاضَ الصَّقْرِ عَلَيْهِمْ، وَغَضِبَ لِلَّهِ غَضْبَةً تَسْتَجْفِلُ الْآسَادَ عَنْ أَشْبَالِهَا، وَانْغَمَسَ فِي شِرْذِمَةٍ قَلِيلَةٍ فِي غَمْرَةِ الدَّاهِيَةِ، غَيْرَ مُحْتَفِلٍ بِأَهْوَالِهَا.
وَكَانَ الْكُفَّارُ اغْتَرُّوا بِوُفُورِ جَمْعِهِمْ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مِنْ وَرَاءِ قَمْعِهِمْ، فَرَضِيَ مَلِكُ الْإِسْلَامِ بِمَقْدُورِ الْقَضَاءِ، وَمَدَّ عِلْمَ الْحَقِّ (١٨٤) إِلَى الْفَضَاءِ فَأَضَاءَتْهُ مِنْ جُنُودِ الْإِسْلَامِ بُرُوقُ السُّيُوفِ، وَمَطَرَتْ سَحَائِبُ الْحُتُوفِ، وَتَكَشَّرَتْ أَنْيَابُ الْهَيْجَاءِ، وَدَارَتِ الرَّحَا عَلَى الدِّمَاءِ، وَاسْتَمَرَّتِ الْحَرْبُ سَجَالًا، وَنَالَ كُلٌّ مِنْ قِرْنِهِ مَنَالًا، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْتَقَى الصَّفَّانِ، وَالْتَحَمَ الْفِئَتَانِ، وَالْتَقَتْ حَلْقَتَا الْبِطَانِ.
стр. 344
فَقَالَ الْمَلِكُ أَلْبْ أَرْسَلَانْ: طَارِدُوهُمْ حَتَّى تُوَافُوا [أَوَانَ] دَعْوَةِ الْخُطَبَاءِ فِي أَقَاصِي الْبُلْدَانِ، فَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ حَتَّى زَالَتْ أَعْلَامُهُمْ، وَزَلَّتْ أَقْدَامُهُمْ، وَبُلِّغْتُ أَنَّ قَائِدَهُمُ الْمُلَقَّبَ بِقَيْصَرَ لَمَّا نَفَخَ الشَّيْطَانُ فِي مَنَاخِرِهِ، وَعَمِيَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ عَنْ آخِرِهِ، أَقْدَمَ مُتَابِعًا قَائِدَ غَيِّهِ وَضَلَالِهِ، مُجِيبًا دَاعِيَ جَهْلِهِ وَخَبَالِهِ.
فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَبْدَتِ الْحَرْبُ مَقَاتِلَهُ وَأَرْسَى عَلَيْهِ الْمَوْتُ كَلَاكِلَهُ، فَحَصَلَ فِي قَبْضَةِ الْأَسْرِ، وَانْبَسَطَتْ عَلَيْهِ يَدُ الْقَسْرِ، وَرَدَّ اللَّهُ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ، وَأَذَاقَهُ وَبَالَ أَمْرِهِ، فَبَاتَ مَعَ الْمُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ، وَاللَّهُ لِلْبَاغِينَ بِالْمِرْصَادِ.
فَمَنِ اسْتَمْسَكَ بِالْحَقِّ، وَلَمْ يَمِلْ بِهِ مَهْوَى الْهَوَى عَنِ الصِّدْقِ تَبَيَّنَ عَلَى الْبِدَارِ وَالسَّبْقِ أَنَّ خَزَائِنَ الْعَالَمِينَ، وَذَخَائِرَ الْأُمَمِ الْمَاضِينَ وَكُنُوزَ الْمُنْقَرِضِينَ، لَوْ قُوبِلَتْ بِوَطْأَةٍ مِنَ الْكُفَّارِ لِأَطْرَافِ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، لَكَانَتْ مُسْتَحْقَرَةً مُسْتَنْزَرَةً.
فَكَيْفَ لَوْ تَمَلَّكُوا الْبِلَادَ
стр. 345
وَقَتَلُوا الْعِبَادَ، وَقَرَعُوا الْحُصُونَ وَالْأَسْدَادَ، وَخَرَقُوا عَنْ ذَوَاتِ الْخُدُورِ حُجُبَ الرَّشَادِ، وَمَالَ إِلَيْهِمْ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ مِنْ حُثَالَةِ النَّاسِ بِالِارْتِدَادِ، وَتَخَلَّلَ الْحَرَائِرَ الْعُلُوجُ، وَهَتَكَ حِجَالَهُنَّ التَّبَذُّلُ وَالْبُرُوجُ، وَهُدِّمَتِ الْمَسَاجِدُ، وَرُفِعَتِ الشَّعَائِرُ وَالْمَشَاهِدُ، وَانْقَطَعَتِ الْجَمَاعَاتُ وَالْأَذَانُ وَشُهِرَتِ النَّوَاقِيسُ وَالصُّلْبَانُ وَتَفَاقَمَتْ دَوَاعِي الِاجْتِرَاءِ (١٨٥) وَالِافْتِضَاحِ، وَصَارَتْ خُطَّةُ الْإِسْلَامِ بَحْرًا طَافِحًا بِالْكُفْرِ الصُّرَاحِ؟ فَمَا الْقَوْلُ فِي أَقْوَامٍ بَذَلُوا فِي الذَّبِّ عَنْ دِينِ اللَّهِ حُشَاشَاتِ الْأَرْوَاحِ، وَرَكِبُوا نِهَايَاتِ الْغَرَرِ مُتَجَرِّدِينَ لِلَّهِ تَعَالَى فِي الْكِفَاحِ، وَوَاصَلُوا الْمَسَاءَ بِالصَّبَاحِ، وَالْغُدُوَّ بِالرَّوَاحِ، وَرَكِبُوا إِلَى الْمَوْتِ أَجْنِحَةَ الرِّيَاحِ، مُتَشَوِّفِينَ إِلَى مَنْهَلِ الْمَنَايَا عَلَى هِزَّةٍ وَارْتِيَاحٍ؟ حَتَّى وَافَوْا بَحْرًا مِنْ جَمْعِ الْكُفَّارِ لَا يَنْزِفُهُ إِدْمَانُ الِانْتِزَاحِ، فَرَكَنُوا لِلْمَوْتِ.
وَتَنَادَوْا لَا بَرَاحَ، وَأَلَمُّوا بِهِمْ إِلْمَامَ الْقَدْرِ الْمُتَاحِ، وَمَا وَهَنُوا
стр. 346
وَمَا اسْتَكَانُوا وَإِنْ عَضَّهُمُ السِّلَاحُ، وَفَشَا فِيهِمِ الْجِرَاحُ حَتَّى أَهَبَّ اللَّهُ رِيَاحَ النَّصْرِ مِنْ مَهَابِّهَا، وَرَدَّ شَعَائِرَ الْحَقِّ إِلَى نِصَابِهَا، وَقَيَّضَ مِنْ أَلْطَافِهِ بَدَائِعَ أَسْبَابِهَا.
أَيَثْقُلُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِنَزْرٍ مِنَ الْحُطَامِ؟ وَهُمُ الْقِوَامُ وَالنِّظَامُ.
فَهَذِهِ نُبْذَةٌ كَفَفْتُ فِيهَا غَرْبَ الْكَلَامِ، وَدَلَلْتُ بِالْمَرَامِزِ عَلَى نِهَايَاتِ الْمَرَامِ.
٥٠٠ - وَالْآنَ آخُذُ فِي فَنٍّ [آخَرَ] وَأَنْتَحِي فِيهِ فَنَّ الِاسْتِقْصَاءَ وَالْإِتْمَامَ، فَأَقُولُ:
لَوْ سَلَّمْتُ لِلطَّاعِنِينَ غَايَةَ مَا حَاوَلُوهُ جَدَلًا، وَلَمْ أُنَازِعْهُمْ مَثَلًا، وَضَرَبْتُ عَنْ مُحَاقَّتِهِمْ حَوْلًا، فَهَلْ هُمْ مُنْصِفِيَّ فِي خُطَّةٍ أُسَائِلُهُمْ
стр. 347
عَنْ سِرِّهَا وَأُبَاحِثُهُمْ فِي خَيْرِهَا وَشَرِّهَا، وَنَفْعِهَا وَضُرِّهَا وَحُلُوِهَا وَمُرِّهَا، فَأَقُولُ:
لَوْ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَمَّنْ تَشْكُونَ مِنَ الْأَقْوَامِ وَتَعَرَّى الْخَوَاصُّ وَالْعَوَّامُّ، عَنْ مُسَيْطِرٍ بَطَّاشٍ قَوَّامٍ.
أَهَذَا أَقْرَبُ إِلَى السَّدَادِ وَالِانْتِظَامِ، أَمْ قِيَامُهُمْ عَلَى الثُّوَّارِ وَالطَّغَامِ، مَعَ امْتِدَادِ الْأَيْدِي إِلَى نَزْرٍ مِمَّا جَمَعُوهُ مِنَ الشُّبُهَاتِ وَالْحَرَامِ، مَعَ اسْتِمْسَاكِهِمْ مِنَ الدِّينِ الْحَقِّ بِأَقْوَى عِصَامٍ، وَوُقُوفِهِمْ فِي وُجُوهِ الْكُفَّارِ، كَأَنَّهُمْ أُسُودٌ آجَامٌ؟
فَالْوَجْهُ رُؤْيَةُ (١٨٦) أَنْعُمِ اللَّهِ فِي مَثَارِهَا، وَالِابْتِهَالُ إِلَيْهِ فِي دَفْعِ غَوَائِلِ الطَّوَارِقِ وَمَضَارِّهَا، وَمَنْ طَلَبَ زَمَانًا صَافِيًا عَنِ الْأَقْذَاءِ وَالْأَكْدَارِ، فَقَدْ حَاوَلَ مَا يَنِدُّ عَنِ الْإِمْكَانِ وَالْأَقْدَارِ:
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ.
وَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ نَضْرِبَ فِي مَعْنًى آخَرَ مُسْتَجَدٍّ مُسْتَجَادٍ، وَنُمْعِنَ
стр. 348
فِي مَنْهَجٍ حَدِيثٍ مُسْتَفَادٍ، فَنَقُولُ:
٥٠١ - لَوْ قَدَّرْنَا مَنْ تَشْكُونَهُمْ عَلَى مَا تُقَدِّرُونَهُمْ، فَهَلْ تُسَلِّمُونَ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ مِنْ شَرِّهِمْ، وَيَدْرَأُ مَنْ [ضُرِّهِمْ] ، بِسَبَبِ مَنْ هُوَ سَيِّدُ الْأُمَّةِ وَمَلَاذُهَا، وَسَنَدُهَا وَمَعَاذُهَا؟ وَهَلْ يَعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ لَوْلَا هَيْبَتُهُ الْقَاهِرَةُ، وَسَطْوَتُهُ الْقَاسِرَةُ، لَانْسَلَّ عَنْ لُجُمِ الضَّبْطِ الْعُتَاةُ، وَاسْتَرْسَلَتْ عَلَى [انْهِتَاكِ] الْحُرُمَاتِ، وَاقْتِحَامِ الْمُنْكَرَاتِ - الطُّغَاةُ؟ وَلَبَلَغَ الْأَمْرُ مَبْلَغًا لَا تَأْتِي عَلَيْهِ الصِّفَاتُ؟ .
٥٠٢ - فَإِنْ أَبْدَى الطَّاعِنُونَ صَفْحَةَ الْخِلَافِ، وَجَانَبُوا وَجْهَ الْإِنْصَافِ كَانُوا فِي حُكْمِ مَنْ يُعَانِدُ الْمَحْسُوسَاتِ، وَيُجَاحِدُ الْبَدَائِهِ وَالضَّرُورَاتِ.
وَإِنْ أَذْعَنُوا لِلْحَقِّ، وَبَاحُوا بِالصِّدْقِ، وَقَالُوا: إِنَّ مَا يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ ظَاهِرٌ لَا سُبُلَ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَمَنْ جَحَدَهُ، شَهِدَتْ عَلَيْهِ بَدَائِعُ آثَارِهِ. فَنَقُولُ:
стр. 349
٥٠٣ - إِذَا جَلَّ قَدْرُ مَنْ يَدْرَأُ مِنَ الْآفَاتِ وَالْبَلِيَّاتِ، وَضُرُوبِ الْمُعْضِلَاتِ، فَالْقِيَامُ بِدَفْعِهَا تَصَدٍّ لِكِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ مَتَاوِيَ وَمَعَاطِبَ، وَفُنُونًا مِنَ الدَّوَاهِي، وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ الِاسْتِقْلَالِ بِدَفْعِ مُهِمَّاتٍ إِمْكَانُ دَفْعِ سَائِرِهَا.
وَمَنْ رَأَى أَخَاهُ الْمُسْلِمَ مُشْرِفًا عَلَى الْهَلَاكِ، وَصَادَفَ مَالَهُ مُتَعَرِّضًا لِلضَّيَاعِ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ دَفْعِ الْهَلَاكِ عَنْهُ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ إِنْقَاذِ مَالِهِ، فَيَتَعَيَّنُ الدَّفْعُ (١٨٧) عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ عَسُرَ تَخْلِيصُ مَالِهِ.
فَالَّذِي نَاطَ اللَّهُ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى بِمَنْصِبِ صَدْرِ الزَّمَانِ، مِنْ دَفْعِ طَوَارِقِ الْحَدَثَانِ، لَا يَأْتِي عَلَى أَدْنَاهُ غَايَاتُ الْبَيَانِ، وَالَّذِي يَعْسُرُ دَفْعُهُ، وَرَدُّهُ وَمَنْعُهُ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَ دِرَاءِ مَا يَسْهُلُ دَرْؤُهُ.
٥٠٤ - – وَأَنَا أَسْتَوْضِحُ مَرَامِيَّ بِضَرْبِ مَثَلٍ، فَأَقُولُ: إِنْ بُلِيَ الْمُسْلِمُونَ [بِجَدْبٍ] فِي بَعْضِ سِنِي الْأَزْمِ، وَأَلَمَّ بِالنَّاسِ مَوْتَانِ، فَالْآفَاتُ السَّمَاوِيَّةُ لَا يَدْخُلُ دَفْعُهَا تَحْتَ الْإِيثَارِ وَالْأَقْدَارِ، وَلَكِنْ مَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَيَرْتَبِطُ بِالْإِيثَارِ وَالِاخْتِيَارِ مَنْعُهُ، مِنْ هَرْجٍ
стр. 350
أَوْ ثَوَرَانِ مُتَلَصِّصٍ، أَوِ اسْتِجْمَاعِ قُطَّاعِ الطُّرُقِ، أَوْ وَطْءِ طَوَائِفَ مِنَ الْكُفَّارِ أَطْرَافَ دِيَارِ الْإِسْلَامِ، فَيَتَعَيَّنُ الْقِيَامُ بِالدَّفْعِ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ.
وَإِنْ كَانَ قَدْ يَغْشَى الْخَلَائِقَ مِنْ ضُرُوبِ الْبَوَائِقِ، مَا لَا اسْتِمْكَانَ فِي دَرْئِهِ، فَمَا يَصْدُرُ مِنَ الْأَجْنَادِ، مِمَّا يَتَعَذَّرُ تَقْدِيرُ دَفْعِهِ كَآفَاتٍ سَمَاوِيَّةٍ.
وَمَا تَيَسَّرَ دَفْعُهُ يَتَعَيَّنُ التَّشْمِيرَ، وَاجْتِنَابَ التَّقْصِيرِ فِي دَفْعِهِ. فَقَدْ بَلَغَ الْكَلَامُ فِي فَنِّهِ نِهَايَةَ الْإِيضَاحِ وَلَاحَ كَفَلَقِ الصَّبَاحِ وَقَدِ انْتَهَى مِقْدَارُ الْغَرَضِ فِي الْجَوَابِ عَنْ سُؤَالٍ وَاحِدٍ أَنَا الْآنَ آخُذُ فِي ضَرْبٍ آخَرَ فِي مَعْرِضِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ عَنْهُ.
[حُكْمُ تَخَلِّي الْإِمَامِ عَنْ مَنْصِبِهِ]
٥٠٥ - فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يُرَخِّصُ الشَّارِعُ لِلْمُسْتَقِلِّ بِالْمَنْصِبِ الَّذِي وَصَفْتُمُوهُ النُّزُولَ عَنْهُ، وَالتَّخَلِّيَ لِعِبَادَةِ اللَّهِ، وَإِيثَارَ الِامْتِيَازِ
стр. 351
وَالِانْحِجَازِ عَنْ مَظَانِّ الْغَرَرِ، وَمَوَاقِعِ الْخَطَرِ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِ الْعِبَادِ إِلَى خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ؟
قُلْنَا: لَا يَحِلُّ لِلْقَائِمِ بِالْأَمْرِ الِانْسِلَالُ وَالِانْخِزَالُ عَمَّا تَصَدَّى لَهُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ عَظَائِمَ الْأَشْغَالِ، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُفُهُ مَنْ يَسُدُّ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَسَدَّهُ، وَيَرُدُّ بَوَادِرَ الظَّلَمَةِ رَدَّهُ.
وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ يَتَشَوَّفُ إِلَى (١٨٨) الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَشْغَالِ، لَا يَبُوءُ بِالْأَعْبَاءِ وَالْأَثْقَالِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى حِشْمَةٍ وَأُبَّهَةٍ رَادِعَةٍ، وَرَأْيٍ مُطَاعٍ، وَاسْتِبْدَادٍ بِمُتَابَعَةِ أَشْيَاعٍ، وَمُشَايَعَةِ أَتْبَاعٍ، وَتَوَفُّرٍ مِنْ هِمَمِ الْخَلْقِ وَدَوَاعٍ فِي الْإِذْعَانِ وَالْأَتْبَاعِ، وَإِصْفَاقٍ وَإِطْبَاقٍ مِنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ فِي الْآفَاقِ.
عَلَى الثِّقَةِ بِأَقْوَالِهِ، وَالرُّكُونِ إِلَى مُتَصَرِّفَاتِ أَحْوَالِهِ، وَاعْتِقَادٌ مُصَمِّمٌ مِنْ كَافَّةِ الْوَرَى، مَنْ يَرَى وَمَنْ لَا يَرَى، أَنَّهُ إِذَا تَعَطَّفَ [وَتَرَأَّفَ] فَكَأُمِّكَ
стр. 352
شَفِيقٌ، وَنَاصِحٌ رَفِيقٌ، وَإِنِ اسْتَجَارَ مَلْهُوفٌ بِذُرَاهُ فَرُكْنٌ وَثِيقٌ، وَإِنْ تَغَشَّتْ سَخْطَتُهُ جَبَابِرَةَ الْأَرْضِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِي الْحَنَاجِرِ رِيقٌ.
يَعُمُّ أَهْلَ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ نُصْحُهُ وَإِشْفَاقُهُ، وَيُطَبِّقُ طَبَقَاتِ الْخَلَائِقِ مَبَارُّهُ وَإِرْفَاقُهُ، وَيَسْتَنِيمُ إِلَى مَأْمَنِ إِنْصَافِهِ كُلُّ خَتَّارٍ غَادِرٍ، وَيَسْتَكِينُ لِهَيْبَتِهِ كُلُّ جَبَّارٍ قَاسِرٍ، قَدِ اسْتَطَالَ عَلَى الرِّقَابِ الْغُلْظِ فُرْسَانُهُ، وَاسْتَمَالَ حَبَّاتِ الْقُلُوبِ إِحْسَانُهُ.
٥٠٦ - فَإِلَى مَتَى أُطِيلُ طِوَلَ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَاهَى الْوُضُوحُ وَالْكُنَى وَالْحَالُ يُصَرِّحُ وَيَبُوحُ، وَمَنْ تُسْتَجْمَعُ لَهُ هَذِهِ الْخِلَالُ، إِلَّا فَرْدُ الدَّهْرِ وَمَرْمُوقُ الْعَصْرِ؟ وَمَنْ يَتَصَدَّى فِي مُتَّسَعِ الْأَرْضِ - إِذَا تَأَمَّلَ الْبَاحِثُ عَنْهَا الطُّولَ مِنْهَا وَالْعَرْضَ - لِأَدْنَى مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ؟
وَمَنْ يَرْقَى إِلَى أَقْرَبِ دَرَجَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَمْ يَأْتِ وَاللَّهِ [بِمِثْلِهِ] مَكْرُ الْأَدْوَارِ، وَلَمْ يَحْتَوِ عَلَى شَكْلِهِ مُحَدَّبُ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِنَظِيرِهِ مُنْقَلَبُ [الْأَيَّامِ] وَالْأَقْدَارِ، وَمُضْطَرَبُ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ وَمَنْ قَدَّرَ لَهُ
стр. 353
فِي الْعَالَمِينَ ضَرِيبًا، اسْتَطَالَتْ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ تَفْنِيدًا وَتَكْذِيبًا.
٥٠٧ - وَلَوْ فَرَضَ فَارِضٌ مُسْتَظْهِرًا بِالْعُدَدِ بَطَّاشًا بِأَنْصَارٍ، مِنْ غَيْرِ (١٨٩) رُجُوعٍ إِلَى اعْتِزَامٍ وَافْتِكَارٍ، وَنَظَرٍ فِي مُهِمَّاتِ الرَّعَايَا وَاعْتِبَارٍ، لَصَارَتِ الْخُطَّةُ فِرَاشًا لِكُلِّ [عَارٍ] ، وَفَرَاشًا لِكُلِّ نَارٍ.
ثُمَّ مَنْ يَنْتَهِضُ لِدِينِ اللَّهِ بِالذَّبِّ وَالِانْتِصَارِ؟ وَمَنْ يَتَعَطَّفُ عَاطِفَتَهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ؟ وَمَنْ يَكْلَأُ بِالْعَيْنِ السَّاهِرَةِ شِعَارَ الدِّينِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ وَالْأَمْصَارِ؟ وَمَنْ يَحْسِمُ غَوَائِلَ الْبِدَعِ بِالرَّأْيِ الثَّاقِبِ مِنْ غَيْرِ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ وَإِظْهَارِ ضِرَارٍ؟ .
وَمَنْ يُدَارِي بِلُطْفِ الْخُلُقِ مَا يَكِلُّ عَنْهُ غِرَارُ الْحُسَامِ الْبَتَّارِ؟ وَمَنْ يَهْتَمُّ بِالْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمَدَارِسِ فِي الْأَمْصَارِ، وَمِنَ الَّذِي يَحِنُّ إِلَى سُدَّتِهِ زُمَرُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ، حَنِينَ الطَّيْرِ إِلَى الْأَوْكَارِ؟ وَمَنِ الَّذِي يَسْتَوْظِفُ مُعْظَمَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْإِصَاخَةِ إِلَى كَلَامِ الْمَلْهُوفِينَ مِنْ غَيْرِ تَبَرُّمٍ وَاسْتِكْبَارٍ؟ .
فَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مَقَامَهُ فِي أَدْنَى هَذِهِ الْآثَارِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَطْعًا عَلَى اللَّهِ
стр. 354
الْعَظِيمِ شَأْنُهُ الثُّبُوتُ وَالِاصْطِبَارُ، وَالِانْتِدَابُ لِلَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَآرِبِ وَالْأَوْطَارِ.
٥٠٨ - – وَأَنَا الْآنَ أَذْكُرُ فُصُولًا مَجْمُوعَةً، أَنْتَحِي فِيهَا مَنْشَأَ الْحَقِّ وَيَنْبُوعَهُ، وَأَسْتَرْسِلُ فِي الْعِبَارَاتِ الْقَرِيبَةِ الْمَطْبُوعَةِ، فَإِنَّ نِهَايَاتِ الْمَعَانِي، لَا تَحْوِيهَا الْأَلْفَاظُ الْمَصْنُوعَةُ، وَالْكَلِمُ الْمُرَصَّعَةُ الْمَسْجُوعَةُ.
فَأَقُولُ مُعَوِّلًا عَلَى التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ وَالتَّوْفِيقِ: لَيْسَ يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالتَّحْقِيقِ، أَنَّ الْقِيَامَ بِالذَّبِّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَحِفْظِ الْحَوْزَةِ مَفْرُوضٌ، وَذَوُو التَّمَكُّنِ وَالِاقْتِدَارِ مُخَاطَبُونَ بِهِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ بِهِ كُفَاةٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَقَاعَدُوا وَتَجَادَلُوا وَتَقَاعَسُوا وَتَوَاكَلُوا، عَمَّ كَافَّةَ الْمُقْتَدِرِينَ الْحَرَجُ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَنَاصِبِ وَالدَّرَجِ (١٩٠) .
[مَنْزِلَةُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ]
٥٠٩ - ثُمَّ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقِيَامَ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ أَحْرَى بِإِحْرَازِ الدَّرَجَاتِ، وَأَعْلَى [فِي] فُنُونِ الْقُرُبَاتِ مِنْ فَرَائِضِ
стр. 355
الْأَعْيَانِ فَإِنَّ مَا تَعَيَّنَ عَلَى الْمُتَعَبِّدِ الْمُكَلَّفِ، لَوْ تَرَكَهُ، وَلَمْ يُقَابِلْ أَمْرَ الشَّارِعِ فِيهِ بِالِارْتِسَامِ، اخْتَصَّ الْمَأْثَمُ بِهِ، وَلَوْ أَقَامَهُ، فَهُوَ الْمُثَابُ.
وَلَوْ فُرِضَ تَعْطِيلُ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لَعَمَّ الْمَأْثَمُ عَلَى الْكَافَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّتَبِ وَالدَّرَجَاتِ، فَالْقَائِمُ بِهِ كَافٍ نَفْسَهُ وَكَافَّةَ الْمُخَاطَبِينَ الْحَرَجَ وَالْعِقَابَ، وَآمِلٌ أَفْضَلَ الثَّوَابِ، وَلَا يَهُونُ قَدْرُ مَنْ يَحُلُّ مَحَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي الْقِيَامِ لِمُهِمٍّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ.
٥١٠ - ثُمَّ مَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، قَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ رَفِيقُهُ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَوْتَهُ غَيْرُهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِغَسْلِهِ وَدَفْنِهِ وَتَكْفِينِهِ.
وَمَنْ عَثَرَ عَلَى بَعْضِ الْمُضْطَرِّينَ وَانْتَهَى إِلَى ذِي مَخْمَصَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ سَدِّ جَوْعَتِهِ، وَكِفَايَةِ حَاجَتِهِ وَلَوْ
следующие страницы →