← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

وَالِانْحِجَازِ عَنْ مَظَانِّ الْغَرَرِ، وَمَوَاقِعِ الْخَطَرِ، وَتَفْوِيضِ أَمْرِ الْعِبَادِ إِلَى خَالِقِهِمْ وَرَازِقِهِمْ؟ قُلْنَا: لَا يَحِلُّ لِلْقَائِمِ بِالْأَمْرِ الِانْسِلَالُ وَالِانْخِزَالُ عَمَّا تَصَدَّى لَهُ مِنْ كِفَايَةِ الْمُسْلِمِينَ عَظَائِمَ الْأَشْغَالِ، إِذَا عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَخْلُفُهُ مَنْ يَسُدُّ فِي أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مَسَدَّهُ، وَيَرُدُّ بَوَادِرَ الظَّلَمَةِ رَدَّهُ. وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ يَتَشَوَّفُ إِلَى (١٨٨) الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَشْغَالِ، لَا يَبُوءُ بِالْأَعْبَاءِ وَالْأَثْقَالِ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى حِشْمَةٍ وَأُبَّهَةٍ رَادِعَةٍ، وَرَأْيٍ مُطَاعٍ، وَاسْتِبْدَادٍ بِمُتَابَعَةِ أَشْيَاعٍ، وَمُشَايَعَةِ أَتْبَاعٍ، وَتَوَفُّرٍ مِنْ هِمَمِ الْخَلْقِ وَدَوَاعٍ فِي الْإِذْعَانِ وَالْأَتْبَاعِ، وَإِصْفَاقٍ وَإِطْبَاقٍ مِنْ طَبَقَاتِ الْخَلْقِ فِي الْآفَاقِ. عَلَى الثِّقَةِ بِأَقْوَالِهِ، وَالرُّكُونِ إِلَى مُتَصَرِّفَاتِ أَحْوَالِهِ، وَاعْتِقَادٌ مُصَمِّمٌ مِنْ كَافَّةِ الْوَرَى، مَنْ يَرَى وَمَنْ لَا يَرَى، أَنَّهُ إِذَا تَعَطَّفَ [وَتَرَأَّفَ] فَكَأُمِّكَ

стр. 352

شَفِيقٌ، وَنَاصِحٌ رَفِيقٌ، وَإِنِ اسْتَجَارَ مَلْهُوفٌ بِذُرَاهُ فَرُكْنٌ وَثِيقٌ، وَإِنْ تَغَشَّتْ سَخْطَتُهُ جَبَابِرَةَ الْأَرْضِ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ فِي الْحَنَاجِرِ رِيقٌ. يَعُمُّ أَهْلَ الْخِلَافِ وَالْوِفَاقِ نُصْحُهُ وَإِشْفَاقُهُ، وَيُطَبِّقُ طَبَقَاتِ الْخَلَائِقِ مَبَارُّهُ وَإِرْفَاقُهُ، وَيَسْتَنِيمُ إِلَى مَأْمَنِ إِنْصَافِهِ كُلُّ خَتَّارٍ غَادِرٍ، وَيَسْتَكِينُ لِهَيْبَتِهِ كُلُّ جَبَّارٍ قَاسِرٍ، قَدِ اسْتَطَالَ عَلَى الرِّقَابِ الْغُلْظِ فُرْسَانُهُ، وَاسْتَمَالَ حَبَّاتِ الْقُلُوبِ إِحْسَانُهُ. ٥٠٦ - فَإِلَى مَتَى أُطِيلُ طِوَلَ الْكَلَامِ، وَقَدْ تَنَاهَى الْوُضُوحُ وَالْكُنَى وَالْحَالُ يُصَرِّحُ وَيَبُوحُ، وَمَنْ تُسْتَجْمَعُ لَهُ هَذِهِ الْخِلَالُ، إِلَّا فَرْدُ الدَّهْرِ وَمَرْمُوقُ الْعَصْرِ؟ وَمَنْ يَتَصَدَّى فِي مُتَّسَعِ الْأَرْضِ - إِذَا تَأَمَّلَ الْبَاحِثُ عَنْهَا الطُّولَ مِنْهَا وَالْعَرْضَ - لِأَدْنَى مَقَامٍ مِنْ هَذِهِ الْمَقَامَاتِ؟ وَمَنْ يَرْقَى إِلَى أَقْرَبِ دَرَجَةٍ مِنْ هَذِهِ الدَّرَجَاتِ؟ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، لَمْ يَأْتِ وَاللَّهِ [بِمِثْلِهِ] مَكْرُ الْأَدْوَارِ، وَلَمْ يَحْتَوِ عَلَى شَكْلِهِ مُحَدَّبُ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ، وَلَمْ يَسْمَحْ بِنَظِيرِهِ مُنْقَلَبُ [الْأَيَّامِ] وَالْأَقْدَارِ، وَمُضْطَرَبُ الدُّهُورِ وَالْأَعْصَارِ وَمَنْ قَدَّرَ لَهُ

стр. 353

فِي الْعَالَمِينَ ضَرِيبًا، اسْتَطَالَتْ عَلَيْهِ أَلْسِنَةُ أَرْبَابِ الْأَلْبَابِ تَفْنِيدًا وَتَكْذِيبًا. ٥٠٧ - وَلَوْ فَرَضَ فَارِضٌ مُسْتَظْهِرًا بِالْعُدَدِ بَطَّاشًا بِأَنْصَارٍ، مِنْ غَيْرِ (١٨٩) رُجُوعٍ إِلَى اعْتِزَامٍ وَافْتِكَارٍ، وَنَظَرٍ فِي مُهِمَّاتِ الرَّعَايَا وَاعْتِبَارٍ، لَصَارَتِ الْخُطَّةُ فِرَاشًا لِكُلِّ [عَارٍ] ، وَفَرَاشًا لِكُلِّ نَارٍ. ثُمَّ مَنْ يَنْتَهِضُ لِدِينِ اللَّهِ بِالذَّبِّ وَالِانْتِصَارِ؟ وَمَنْ يَتَعَطَّفُ عَاطِفَتَهُ عَلَى عُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ؟ وَمَنْ يَكْلَأُ بِالْعَيْنِ السَّاهِرَةِ شِعَارَ الدِّينِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ وَالْأَمْصَارِ؟ وَمَنْ يَحْسِمُ غَوَائِلَ الْبِدَعِ بِالرَّأْيِ الثَّاقِبِ مِنْ غَيْرِ إِثَارَةِ فِتْنَةٍ وَإِظْهَارِ ضِرَارٍ؟ . وَمَنْ يُدَارِي بِلُطْفِ الْخُلُقِ مَا يَكِلُّ عَنْهُ غِرَارُ الْحُسَامِ الْبَتَّارِ؟ وَمَنْ يَهْتَمُّ بِالْمَسَاجِدِ وَالْمَشَاهِدِ وَالْمَجَالِسِ وَالْمَدَارِسِ فِي الْأَمْصَارِ، وَمِنَ الَّذِي يَحِنُّ إِلَى سُدَّتِهِ زُمَرُ الْأَوْلِيَاءِ وَالْأَخْيَارِ، حَنِينَ الطَّيْرِ إِلَى الْأَوْكَارِ؟ وَمَنِ الَّذِي يَسْتَوْظِفُ مُعْظَمَ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْإِصَاخَةِ إِلَى كَلَامِ الْمَلْهُوفِينَ مِنْ غَيْرِ تَبَرُّمٍ وَاسْتِكْبَارٍ؟ . فَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مَقَامَهُ فِي أَدْنَى هَذِهِ الْآثَارِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ قَطْعًا عَلَى اللَّهِ

стр. 354

الْعَظِيمِ شَأْنُهُ الثُّبُوتُ وَالِاصْطِبَارُ، وَالِانْتِدَابُ لِلَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَآرِبِ وَالْأَوْطَارِ. ٥٠٨ - – وَأَنَا الْآنَ أَذْكُرُ فُصُولًا مَجْمُوعَةً، أَنْتَحِي فِيهَا مَنْشَأَ الْحَقِّ وَيَنْبُوعَهُ، وَأَسْتَرْسِلُ فِي الْعِبَارَاتِ الْقَرِيبَةِ الْمَطْبُوعَةِ، فَإِنَّ نِهَايَاتِ الْمَعَانِي، لَا تَحْوِيهَا الْأَلْفَاظُ الْمَصْنُوعَةُ، وَالْكَلِمُ الْمُرَصَّعَةُ الْمَسْجُوعَةُ. فَأَقُولُ مُعَوِّلًا عَلَى التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ وَالتَّوْفِيقِ: لَيْسَ يَخْفَى عَلَى ذَوِي الْبَصَائِرِ وَالتَّحْقِيقِ، أَنَّ الْقِيَامَ بِالذَّبِّ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَحِفْظِ الْحَوْزَةِ مَفْرُوضٌ، وَذَوُو التَّمَكُّنِ وَالِاقْتِدَارِ مُخَاطَبُونَ بِهِ، فَإِنِ اسْتَقَلَّ بِهِ كُفَاةٌ، سَقَطَ الْفَرْضُ عَنِ الْبَاقِينَ، وَإِنْ تَقَاعَدُوا وَتَجَادَلُوا وَتَقَاعَسُوا وَتَوَاكَلُوا، عَمَّ كَافَّةَ الْمُقْتَدِرِينَ الْحَرَجُ عَلَى تَفَاوُتِ الْمَنَاصِبِ وَالدَّرَجِ (١٩٠) . [مَنْزِلَةُ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ] ٥٠٩ - ثُمَّ الَّذِي أَرَاهُ أَنَّ الْقِيَامَ بِمَا هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ أَحْرَى بِإِحْرَازِ الدَّرَجَاتِ، وَأَعْلَى [فِي] فُنُونِ الْقُرُبَاتِ مِنْ فَرَائِضِ

стр. 355

الْأَعْيَانِ فَإِنَّ مَا تَعَيَّنَ عَلَى الْمُتَعَبِّدِ الْمُكَلَّفِ، لَوْ تَرَكَهُ، وَلَمْ يُقَابِلْ أَمْرَ الشَّارِعِ فِيهِ بِالِارْتِسَامِ، اخْتَصَّ الْمَأْثَمُ بِهِ، وَلَوْ أَقَامَهُ، فَهُوَ الْمُثَابُ. وَلَوْ فُرِضَ تَعْطِيلُ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لَعَمَّ الْمَأْثَمُ عَلَى الْكَافَّةِ عَلَى اخْتِلَافِ الرُّتَبِ وَالدَّرَجَاتِ، فَالْقَائِمُ بِهِ كَافٍ نَفْسَهُ وَكَافَّةَ الْمُخَاطَبِينَ الْحَرَجَ وَالْعِقَابَ، وَآمِلٌ أَفْضَلَ الثَّوَابِ، وَلَا يَهُونُ قَدْرُ مَنْ يَحُلُّ مَحَلَّ الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعِينَ فِي الْقِيَامِ لِمُهِمٍّ مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ. ٥١٠ - ثُمَّ مَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، قَدْ يَتَعَيَّنُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، فَإِنَّ مَنْ مَاتَ رَفِيقُهُ فِي طَرِيقِهِ، وَلَمْ يَحْضُرْ مَوْتَهُ غَيْرُهُ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِغَسْلِهِ وَدَفْنِهِ وَتَكْفِينِهِ. وَمَنْ عَثَرَ عَلَى بَعْضِ الْمُضْطَرِّينَ وَانْتَهَى إِلَى ذِي مَخْمَصَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاسْتَمْكَنَ مِنْ سَدِّ جَوْعَتِهِ، وَكِفَايَةِ حَاجَتِهِ وَلَوْ

стр. 356

تَعَدَّاهُ، وَوَكَلَهُ إِلَى مَنْ عَدَاهُ، لَأَوْشَكَ أَنْ يَهْلِكَ فِي ضَيْعَتِهِ، فَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْعَاثِرِ عَلَيْهِ الْقِيَامُ بِكِفَايَتِهِ. ٥١١ - وَأَقْرَبُ مِثَالٍ إِلَى مَا نُحَاوِلُ الْخَوْضَ فِيهِ - الْجِهَادُ، فَهُوَ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ مَعَ اسْتِقْرَارِ الْكُفَّارِ فِي الدِّيَارِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ، وَلَوْ فُرِضَ مَنْ [هُوَ مِنْ] أَهْلِ الْقِتَالِ فِي الصَّفِّ، وَعَدَدُ الْكُفَّارِ غَيْرُ زَائِدٍ عَلَى الضِّعْفِ، ثُمَّ آثَرَ بَعْدَ الْوُقُوفِ لِلْمُنَاجَزَةِ الْمُحَاجَزَةَ وَالِانْصِرَافَ مِنْ غَيْرِ تَحَرُّفٍ لِقِتَالٍ، أَوْ تَحَيُّزٍ إِلَى فِئَةٍ، فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ، وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، فَيَصِيرُ مَا كَانَ فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ مُتَعَيِّنًا بِالْمُلَابَسَةِ. وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ لَيْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى صَوْبِ الْجِهَادِ عَلَى الِاسْتِبْدَادِ، دُونَ إِذْنِ الْوَالِدَيْنِ، وَلَوْ خَرَجَ (١٩١) دُونَهُمَا كَانَ عَاقًّا، مُخَالِفًا لِأَمْرِ اللَّهِ مُشَاقًّا، وَلَوْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ وَانْغَمَسَ فِي الْقِتَالِ، لَمَا الْتَقَى الصَّفَّانِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ الْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ اسْتِئْذَانٌ، وَكَانَ خُرُوجُهُ عَلَى وَجْهِ الْعُقُوقِ وَالْعِصْيَانِ. .

стр. 357

وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الْقِنُّ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْجِهَادِ دُونَ إِذْنِ مَوْلَاهُ، فَلَوِ اسْتَقَلَّ بِنَفْسِهِ وَخَرَجَ، كَانَ شَارِدًا آبِقًا مُتَمَرِّدًا عَلَى مَالِكِ رِقِّهِ، تَارِكًا مَا أَوْجَبَ اللَّهُ مِنْ رِعَايَةِ حَقِّهِ. وَهُوَ فِي حَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، وَتَرَدُّدَاتِهِ فِي جَمِيعِ تَارَاتِهِ، وَحَالَاتِهِ مُعَرَّضٌ لِسُخْطِ اللَّهِ، وَسُوءِ عِقَابِهِ، ثُمَّ لَوْ تَمَادَى عَلَى إِبَاقِهِ وَشِرَادِهِ، وَوَقَفَ فِي الصَّفِّ عَلَى اسْتِبْدَادِهِ، تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الْمُصَابَرَةُ، حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا. فَهَذِهِ جُمَلٌ قَدَّمْنَا تِذْكَارَهَا، وَأَنَا أُوَضِّحُ الْآنَ مَوَاقِعَهَا وَآثَارَهَا، فَأَقُولُ: ٥١٢ - قَدْ تَحَقَّقَ أَنَّ صَدْرَ الْوَرَى، وَكَهْفَ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، احْتَمَلَ أَعْبَاءَ الْمِلَّةِ وَأَثْقَالَهَا، وَتَقَلَّدَ أَشْغَالَهَا، وَجَرَّدَتْ إِلَيْهِ الْخَلِيقَةُ آمَالَهَا، جَرَّرَتْ إِلَيْهِ الْأَمَانِي أَذْيَالَهَا، وَرَبَطَتْ مُلُوكُ الْأَرْضِ بِعَالِي رَأْيِهِ [سِلْمَهَا] وَقِتَالَهَا، وَوِفَاقَهَا وَجِدَالَهَا، وَوَاصَلَتِ الْبَرِّيَّةُ فِي اللِّيَاذِ بِهِ غَدُوَّهَا وَآصَالَهَا. وَلَوْ آثَرَ الْإِيدَاعَ أَيَّامًا مَعْدُودَةً لَبُدِّلَتِ الِاسْتِقَامَةُ أَحْوَالَهَا وَزُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا، وَأَبْدَتْ غَوَائِلُ الدَّهْرِ

стр. 358

أَهْوَالَهَا، وَبَلَغَ الْأَمْرُ مَبْلَغًا يَعْسُرُ فِيهِ التَّدَارُكُ، وَلَا يُرْجَى مَعَهُ التَّمَاسُكُ. ٥١٣ - فَإِذَا كَانَ يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ الْآبِقِ إِذَا لَابَسَ الْقِتَالَ وَوَقَفَ فِي صَفِّ الْأَبْطَالِ أَنْ يُصَابِرَ، وَيَسْتَقِرَّ وَيُثَابِرَ، لِأَنَّهُ لَوِ انْصَرَفَ لَأَفْضَى انْصِرَافُهُ، وَانْعِطَافُهُ إِلَى إِهْلَاكِ الْجُنْدِ، وَانْحِلَالِ الْعُقَدِ. ٥١٤ - ثُمَّ إِذَا كَثُرَ الْجَمْعُ فِي صَفِّ الْإِسْلَامِ، فَقَدْ يَقِلُّ أَثَرٌ وَاحِدٌ يَنْسَلُّ وَيَنْفَكُّ، وَرُبَّمَا (١٩٢) لَا يَسْتَبِينُ لَهُ وَقْعٌ، وَلَا يَظْهَرُ لِوُقُوفِهِ فِي نَظَرِ الْعَقْلِ نَفْعٌ وَلَا دَفْعٌ، إِذَا كَانَتْ بُنُودُ الْإِسْلَامِ نَحْوَ مِائَةِ أَلْفٍ مَثَلًا، أَوْ يَزِيدُونَ، وَلَكِنْ حَسَمَ الشَّرْعُ سَبِيلَ الِانْصِرَافِ وَالِانْكِفَافِ، فَإِنَّ تَسْوِيغَ الِانْفِلَالِ لِلْوَاحِدِ يُؤَدِّي إِلَى تَسْوِيغِهِ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا يَتَدَاعَى إِلَى خُرُوجِ الْأَمْرِ عَنِ الضَّبْطِ، إِذِ النُّفُوسُ تَتَشَوَّفُ إِلَى الْفِرَارِ مِنْ مُوَاطِنِ الرَّدَى، وَتَتَنَكَّبُ أَسْبَابَ الْتَّوَى. ٥١٥ - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الشَّرِيعَةِ فَمَنْ وَقَفَ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِمُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ وَالذَّبِّ عَنْ حَوْزَةِ الدِّينِ، مَوْقِفَ مَنْ هُوَ فِي الزَّمَانِ

стр. 359

صَدْرُ الْعَالَمِينَ، وَلَوْ فُرِضَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - تَقَاعُدُهُ عَنِ الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْإِسْلَامِ، لَانْقَطَعَ قَطْعًا سِلْكُ النِّظَامِ، فَلَأَنْ تَجِبَ عَلَيْهِ الْمُصَابَرَةُ، مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ لَا يَسُدُّ أَحَدٌ فِي عَالَمِ اللَّهِ مَسَدَّهُ بَعْدَهُ، وَقَدْ أَضْحَى لِلدِّينِ وَزَرًا، وَعُدَّةً وَانْتُدِبَ لِلسُّنَّةِ، وَالْإِسْلَامِ جُنَّةً وَحْدَهُ - أَوْلَى. . ٥١٦ - فَخَرَجَ مِنْ تَرْدِيدِ الْمَقَالِ فِي هَذَا الْمَجَالِ، وَالِاسْتِشْهَادِ بِالْأَمْثَالِ قَوْلٌ مَبْتُوتٌ، لَا مِرَاءَ فِيهِ، وَلَا جِدَالَ فِي أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى صَدْرِ الدِّينِ قَطْعًا مِنْ غَيْرِ احْتِمَالٍ - الِاسْتِثْبَاتُ عَلَى مَا يُلَابِسُهُ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَأَنَا أَتَحَدَّى عُلَمَاءَ الدَّهْرِ فِيمَا أَوْضَحْتُ فِيهِ مَسْلَكَ الِاسْتِدْلَالِ، فَمَنْ أَبْدَى مُخَالَفَةً فَدُونَهُ وَالنِّزَالُ فِي مَوَاقِفِ الرِّجَالِ. وَهُوَ قَوْلٌ أَضْمَنُ الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَتِهِ فِي الْيَوْمِ الْجَمِّ الْأَهْوَالِ، إِذَا حَقَّتِ الْمُحَاقَّةُ فِي السُّؤَالِ، مِنَ الْمَلِكِ الْمُتَعَالِ، ذِي الْجَلَالِ

стр. 360

ثُمَّ قُرُبَاتُ الْعَالَمِينَ، وَتَطَوُّعَاتُ الْمُتَقَرِّبِينَ، لَا تُوَازِي وَقْفَةً مِنْ وَقَفَاتِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي الذَّبِّ عَنِ الدِّينِ. [حُكْمُ خُرُوجِ نِظَامِ الْمُلْكِ لِلْحَجِّ] ٥١٧ - وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ الْآنَ إِيضَاحُهُ قَضِيَّةٌ نَاجِزَةٌ، يَئُولُ أَثَرُ ضُرِّهَا، وَخَيْرِهَا، إِلَى الْخَلَائِقِ، عَلَى تَفَاوُتِ مَنَاصِبِهَا، وَيَظْهَرُ (١٩٣) وَقْعُهَا فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا. وَهِيَ أَنَّهُ شَاعَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ [تَشَوُّفُ] صَدْرِ الْأَنَامِ، إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ، وَقَدْ طَوَّقَ اللَّهُ هَذَا الدَّاعِيَ مِنْ مَعْرِفَةِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ إِيضَاحَ الْكَلَامِ، فِي هَذَا الْمَرَامِ، وَكَشْفَ أَسْبَابِ الِاسْتِبْهَامِ وَالِاسْتِعْجَامِ، فَأَقُولُ وَبِفَضْلِ اللَّهِ الِاعْتِصَامُ: إِنْ كَانَ مَا صَمَّمَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ الرَّأْيَ وَالِاعْتِزَامَ، مِنَ ابْتِغَاءِ تِيكَ الْمَشَاعِرِ الْعِظَامِ، مُتَضَمِّنًا قَطْعَ نَظَرِهِ عَنِ الْخَلِيقَةِ، فَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ. ٥١٨ - – وَأَنَا أُوَضِّحُ الْمَسْلَكَ فِي ذَلِكَ، وَأُبَيِّنُ طَرِيقَهُ، فَلَيْسَتِ

стр. 361

الْأَعْمَالُ قُرُبًا لِأَعْيَانِهَا، وَذَوَاتِهَا، وَلَيْسَتْ عِبَادَاتٍ لِمَا هِيَ عَلَيْهَا مِنْ خَصَائِصِ صِفَاتِهَا، وَإِنَّمَا تَقَعُ طَاعَةً مِنْ حَيْثُ تُوَافِقُ قَضَايَا أَمْرِ اللَّهِ فِي أَوْقَاتِهَا. فَالصَّلَاةُ الْمُوَظَّفَةُ عَلَى الْعَبْدِ لَوْ أَتَى بِهَا عَلَى أَبْلَغِ وَجْهٍ فِي الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْخُشُوعِ، قَبْلَ أَوَانِهَا، لَمْ تَقَعْ مَوْقِعَ الِاعْتِدَادِ، وَالصَّلَاةُ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَلَوْ أَقْدَمَ عَلَيْهَا مُحْدِثٌ كَانَ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْمُنْكَرَاتِ. ٥١٩ - فَالْحَجُّ إِحْرَامٌ وَوُقُوفٌ، وَإِفَاضَةٌ وَطَوَافٌ بِبَيْتٍ [مَشِيدٍ] مِنْ أَحْجَارٍ سُودٍ، وَتَرَدُّدٌ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، عَلَى طَوْرَيِ الْمَشْيِ وَالسَّعْيِ، وَحِلَاقٌ إِلَى هَيْآتٍ وَآدَابٍ، وَإِنَّمَا تَقَعُ هَذِهِ الْأَفْعَالُ قُرُبًا مِنْ حَيْثُ تُوَافِقُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَتَقَدَّسَ. وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ قَاطِبَةً عَلَى أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ إِفْضَاءُ خُرُوجِهِ إِلَى الْحَجِّ إِلَى تَعَرُّضِهِ أَوْ تَعَرُّضِ طَوَائِفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْغَرَرِ وَالْخَطَرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ وَبِذَوِيهِ، وَمَنْ يَتَّصِلُ

стр. 362

بِهِ وَيَلِيهِ، بَلْ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ تَأْخِيرُ مَا يَنْتَحِيهِ، إِلَى أَنْ يَتَحَقَّقَ تَمَامُ الِاسْتِمْكَانِ فِيهِ. وَهَذَا فِي آحَادِ النَّاسِ وَمَنْ يَخْتَصُّ أَمْرُهُ بِهِ، وَبِأَخَصِّهِ. ٥٢٠ - فَأَمَّا مَنْ نَاطَ اللَّهُ بِهِ أُمُورَ الْمُسْلِمِينَ، وَرَبَطَ بِنَظَرِهِ مَعَاقِدَ (١٩٤) الدِّينِ، وَظَلَّ لِلْإِسْلَامِ كَافِلًا وَمَلَاذًا، وَكَهْفًا وَمُعَاذًا، وَلَوْ قَطَعَ عَنِ اسْتِصْلَاحِ الْعَالَمِينَ، وَمَنْعِ الْغَاشِمِينَ، وَدَفْعِ الظَّالِمِينَ، وَقَمْعِ النَّاجِمِينَ - نَظَرَهُ، لَارْتَبَكَ الْعِبَادُ، وَالرَّعَايَا وَالْأَجْنَادُ، فِي مَهَاوِي الْعَبَثِ وَالْفَسَادِ، وَاسْتَطَالَ الْمُبْتَدِعَةُ الرَّاتِعُونَ، وَثَارَ فِي أَطْرَافِ الْخُطَّةِ النَّابِغُونَ، وَزَالَتْ نَضَارَةُ السُّنَّةِ وَبَهْجَتُهَا، وَدَرَسَتْ أَعْلَامُهَا وَمَحَجَّتُهَا. ٥٢١ - فَكَيْفَ يَحِلُّ لِمَنْ يَحُلُّ فِي دِينِ اللَّهِ هَذَا الْمَحَلَّ، وَقَدْ أَحَالَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْعَقْدَ وَالْحَلَّ، وَأَنَاطَ بِإِقْبَالِهِ وَإِعْرَاضِهِ الْعِزَّ وَالذُّلَّ، وَعَلَّقَ بِمَنْحِهِ وَمَنْعِهِ الْكُثْرِ وَالْقِلَّ، وَرَبَطَ بِلِحَاظِهِ وَتَوْقِيعَاتِهِ وَأَلْفَاظِهِ الرَّفْعَ وَالْخَفْضَ، وَالْإِبْرَامَ وَالنَّقْضَ، وَالْبَسْطَ وَالْقَبْضَ - أَنْ يُقَدِّمَ نُسُكًا يَخُصُّهُ، عَلَى الْقِيَامِ بِمَنَاظِمِ الْإِسْلَامِ،

стр. 363

وَمَصَالِحِ الْأَنَامِ وَأَيَّةُ حُجَّةٍ تَعْدِلُ هَذِهِ الْخُطُوبَ الْجِسَامَ، وَالْأُمُورَ الْعِظَامَ بِحَجِّهِ؟ ٥٢٢ - فَإِنِ اعْتَرَضَ مُتَكَلِّفٌ فِي أَدْرَاجِ الْكَلَامِ، وَقَالَ: مَنْ جَرَّدَ الِاعْتِصَامَ بِطَوْلِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ، وَوَصَلَ حَبْلَ أَمَلِهِ بِحَبْلِهِ، كَفَاهُ مُلَاحَظَةَ الْأَغْيَارِ، وَوَقَاهُ مَا يُحَاذِرُ وَيَجْتَنِبُ، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَقَدْ ضَمِنَ اللَّهُ أَنْ يَحْفَظَ مِنَ الدِّينِ نِظَامَهُ إِلَى قِيَامِ الْقِيَامَةِ، وَالِاسْتِمْسَاكُ بِكِفَايَةِ رَبِّ الْأَرْبَابِ أَوْلَى مِنَ الِاتِّكَالِ عَلَى الْأَسْبَابِ. قُلْتُ: هَذَا مِنَ الطَّوَامِّ الَّتِي لَا يَتَحَصَّلُ مِنْهَا طَائِلٌ، وَلَا يَعْثُرُ الْبَاحِثُ عَنْهَا عَلَى حَاصِلٍ، كَلِمَةُ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ، وَلَوْ حَكَّمْنَا مَسَاقَ هَذِهِ الطَّامَّاتِ لَجَرَّتْنَا إِلَى تَعْطِيلِ الْقُرُبَاتِ، وَحَسْمِ أَسْبَابِ الْخَيْرَاتِ، وَلَاسْتَوَتْ عَلَى حُكْمِهَا الطَّاعَاتُ وَالْمُنْكَرَاتُ، وَبَطَلَتْ قَوَاعِدُ الشَّرَائِعِ، وَاتَّجَهَتْ إِلَيْهَا ضُرُوبُ الْوَقَائِعِ وَأَضْحَى مَا شَبَّبَ بِهِ الْمُعْتَرِضُ فِي التَّعْطِيلِ مِنْ أَقْوَى الذَّرَائِعِ. (١٩٥) فَمَضْمُونُ

стр. 364

مَا بَلَغَهُ الْمُرْسَلُونَ أَسْبَابُ الْخَيْرِ وَاجْتِنَابُ دَوَاعِي الضَّيْرِ، ثُمَّ الْأَكْلُ سَبَبُ الشِّبَعِ، وَالشُّرْبُ سَبَبُ الرِّيِّ، وَهَلُمَّ جَرَّا، إِلَى كُلِّ مَسْخُوطٍ وَمَرَضِيٍّ. ٥٢٣ - وَيَجِبُ مِنْ مَسَاقِ ذَلِكَ رَدُّ أَمْرِ الْخَلْقِ إِلَى خَالِقِهِمْ، وَالِانْكِفَافُ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالِانْصِرَافُ عَنْ إِغَاثَةِ كُلِّ مَلْهُوفٍ. وَبِهَذِهِ التُّرَّهَاتِ يُعَطَّلُ طَوَائِفُ مِنْ نَاشِئَةِ الزَّمَانِ، وَاغْتَرُّوا بِالتَّخَاوُضِ وَالتَّفَاوُضِ بِهَذَا الْهَذَيَانِ. فَالْأُمُورُ كُلُّهَا مَوْكُولَةٌ إِلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَيْسَتْ أَعْمَالُ الْعِبَادِ مُوجِبَةً وَلَا عِلَّةً. وَلَكِنَّ الْمُوَفَّقَ لِمَدْرَكِ الرَّشَادِ، وَمَسْلَكِ السَّدَادِ، مَنْ يَقُومُ بِمَا كَلَّفَهُ مِنَ الْأَسْبَابِ، ثُمَّ يَرَى فَوْزَهُ وَنَجَاتَهُ بِحُكْمِ رَبِّ الْأَرْبَابِ. ٥٢٤ - فَإِذَا وَضَحَ أَنَّ قِيَامَ صَدْرِ الدَّهْرِ، وَسَيِّدِ الْعَصْرِ، بِمُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَحَاجَاتِ الْوَرَى - سَبَبٌ أَقَامَهُ اللَّهُ مَطْمَحًا لِأَعْيُنِ الْعَالَمِينَ، وَشَوْقًا لِلْآمِلِينَ، فَلَا تَبْدِيلَ لِمَا وَضَعَ، وَلَا وَاضِعَ لِمَنْ رَفَعَ فَلْنَضْرِبْ عَنْ هَذِهِ الْفُنُونِ إِضْرَابَ مَنْ لَا يَسْتَبْدِلُ عَنْ مَدَارِكِ الْيَقِينِ مَسَالِكَ الظُّنُونِ.

стр. 365

اللَّهُمَّ يَسِّرْ بِجُودِكَ وَكَرَمِكَ مَنْهَجَ الصَّوَابِ، وَجَنِّبْنِي غَوَائِلَ التَّعَمُّقِ وَالْإِطْنَابِ. وَبَعْدُ: ٥٢٥ - فَالَّذِي يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْقِفِ الْعَلِيِّ، وَالْمَنْصِبِ السَّنِيِّ فِي أَمْرِ الْحَجِّ، مَا أَنَا وَاصِفُهُ، وَمُوَضِّحُهُ وَكَاشِفُهُ، فَأَقُولُ: إِنِ ارْجَحَنَّ رَأْيُ مَوْلَانَا إِلَى تَوْطِئَةِ الطُّرُقِ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْمُعَظَّمِ، وَحِمَاهُ الْمُحَرَّمِ، وَمَالَ اعْتِزَامُهُ إِلَى تَقْرِيبِ الْمَسَالِكِ وَتَمْهِيدِهَا، وَتَذْلِيلِهَا وَتَعْبِيدِهَا، وَنَفْضِهَا عَنِ السَّاعِينَ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، وَقَاطِعِي الطُّرُقِ عَلَى الْعِبَادِ. وَمَا أَهْوَنَ تَحْصِيلَ هَذَا الْمُرَادِ، عَنْ مَنِ اسْتَمَرَّ تَحْتَ الِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ كُلُّ مُتَوَّجٍ صَعْبِ (١٩٦) الْقِيَادِ، كَيْفَ وَقَدْ أَطَافَتْ بِأَكْنَافِ الْبَرِّيَّةِ خُطَّةُ الْمَمْلَكَةِ فِي الْأَغْوَارِ وَالْأَنْجَادِ، وَاسْتَدَارَتْ عَلَى أَطْرَافِهَا مِنْ رُقْعَةِ الْمُلْكِ الْقُرَى وَالْبِلَادُ. ٥٢٦ - أَمَّا الْكُوفَةُ، فَإِنَّهَا بِنَجْدَةِ الدَّوْلَةِ مَكْنُوفَةٌ، وَبِرِجَالِ الْبَأْسِ مَحْفُوفَةٌ. وَأَمَّا بِلَادُ الشَّامِ، فَقَدِ احْتَوَى عَلَيْهَا أَقْوَامٌ مُنْتَفَضُونَ عَنْ حَوَاشِي الْجُنْدِ الْمَعْقُودِ، مَعَ [الْإِقْرَانِ] لِمَلِكِ الْإِسْلَامِ، وَالِاسْتِكَانَةِ وَالِاسْتِسْلَامِ.

стр. 366

وَأَمَّا الْحَرَمُ، فَقَدِ اسْتَمَرَّ فِيهِ الْوِفَاقُ وَاسْتَتَمَّ. وَعُرْبَانُ الْبَرِّيَّةِ مِنْ أَضْعَفِ الْخَلِيقَةِ وَالْبَرِيَّةِ، وَلَا حَاجَةَ فِي اسْتِئْصَالِ شَأْفَتِهِمْ وَاقْتِلَاعِ كَافَّتِهِمْ إِلَى صَدَمَاتٍ مُبِيرَةٍ، وَكَتَائِبَ هَجَّامَةٍ مُغِيرَةٍ، بَلْ يَكْفِيهِمْ أَنْ يَقْطَعَ عَنْهُمْ مِنْ أَطْرَافِ الْبِلَادِ الْمِيرَةَ، وَلَيْسَتْ كِفَايَةُ غَوَائِلِهِمْ بِالْعَسِيرَةِ. وَلَوْلَا حِذَارُ الْإِطَالَةِ لَبَسَطْتُ فِي ذَلِكَ الْمَقَالَةَ، وَمَوْلَانَا أَخْبَرُ بِطُرُقِ الْإِيَالَةِ لَا مَحَالَةَ، وَتَمْهِيدُ هَذِهِ الْأَسْبَابِ هَيِّنٌ عَلَى مُسْتَخْدِمٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَنَابِ مُسْتَنَابٍ، وَلَكِنْ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. وَهَذَا قَوْلُ مَنْ خَبَرَهُمْ دَهْرًا، وَعَاشَرَهُمْ عَصْرًا، وَعَرَفَ مَدَاخِلَهُمْ وَمَخَارِجَهُمْ، وَمَسَالِكَهُمْ وَمَدَارِجَهُمْ. [مَتَى يَجُوزُ لِنِظَامِ الْمُلْكِ الْحَجُّ] ٥٢٧ - ثُمَّ إِذَا تَمَهَّدَتِ السُّبُلُ، وَانْزَاحَتِ الْعَوَائِقُ وَالْعِلَلُ، وَأَظَلَّتْ مِنَ الْأَمَنَةِ عَلَى الطَّارِقِينَ الظُّلَلُ، [وَآضَتْ] عَلَى الْبَخَاتِيِّ الْمَجْنَحَاتُ

стр. 367

وَالْكِلَلُ، وَسَفَرَتِ الْحِيَاضُ، وَحُمِيَتْ عَلَى الْحَجِيجِ الرِّيَاضُ وَالْغِيَاضُ، وَعُمِرَتِ الْأَمْيَالُ، وَأُقِيمَتْ عَلَى الْمَتَاعَاتِ الصُّوَى، وَالْأَطْلَالُ، وَتُفُقِّدَتِ الْآبَارُ، وَتُعُهِّدَتِ الْأَعْلَامُ وَالْآثَارُ، وَرُتِّبَ عَلَى الْمِيَاهِ الْعِدَّةِ، ذَوُو النَّجْدَةِ وَالْعُدَّةِ. وَتَمَادَتْ عَلَى اطِّرَادِ الْمَأْمَنِ الْمُدَّةُ [فَإِذْ] ذَاكَ يَنْتَهِضُ صَدْرُ الزَّمَانِ، مَحْفُوفًا بِحِفْظِ اللَّهِ وَرِعَايَتِهِ، مَكْفُوفًا بِأَنْعُمِهِ وَكِلَاءَتِهِ، وَالسَّعَادَةُ خَدِينُهُ، وَالْيُمْنُ قَرِينُهُ، فِي كَتِيبَةٍ بَاسِلَةٍ، تَرْتَجُّ لَهَا الْأَدَانِي وَالْأَقَاصِي، وَيَتَطَامَنُ لِوَقْعِ سَنَابِكِهَا الصَّيَاصِي، وَيَسْتَكِينُ لِنَجْدَتِهَا النَّوَاصِي. تَخْفِقُ عَلَيْهَا رَايَتُهُ الْعَلِيَّةُ، [وَيَسْطَعُ] لَأْلَاءُ الْعُلَا مِنْ غُرَّتِهِ الْبَهِيَّةِ، يَجْنُبُهُ النَّجَاحُ، وَيَحْتَوِشُ مَوْكِبَهُ الْفَلَاحُ، وَالْبَرِّيَّةُ يَطْوِي مَنَازِلَهَا، وَيُقَرِّبُ مَنَاهِلَهَا، فَيُوَافِي الْمِيقَاتَ

стр. 368

الْمَشْرِقِيَّ بِذَاتِ عِرْقٍ، وَأَمْرُهُ السَّامِي مُنْسَحِبٌ عَلَى أَقْصَى بِلَادِ الشَّرْقِ. هَذِهِ النَّهْضَةُ هِيَ الَّتِي تَلِيقُ بِسُدَّتِهِ الْمُنِيفَةِ، وَسَاحَتِهِ السَّامِيَةِ الشَّرِيفَةِ. ٥٢٨ - فَأَمَّا مُبَادَرَةُ الْمَنَاسِكِ، وَمُسَارَعَةُ الْمَدَارِكِ، قَبْلَ اسْتِمْرَارِ الْمَسَالِكِ، فَمَحْذُورٌ مُحَرَّمٌ مَحْظُورٌ، وَمِنْ جَلَّ فِي الدِّينِ خَطَرُهُ، دَقَّ فِي مَرَاتِبِ الدِّيَانَاتِ نَظَرُهُ. ٥٢٩ - فَهَذِهِ تَرَاجِمُ مُنَبِّهَةٌ عَلَى مَنَاظِمِ الْمَقَاصِدِ، لَا يَجْحَدُهَا جَاحِدٌ وَلَا يَأْبَاهَا إِلَّا مُعَانِدٌ، لَمْ أُورِدْهَا تَشَدُّقًا، وَلَمْ أَتَكَلَّفْهَا تَعَمُّقًا، وَلَكِنِّي رَأَيْتُ إِيضَاحَهَا فِي دِينِ اللَّهِ مَحْتُومًا، وَكَشْفَهَا فَرْضًا مُتَعَيِّنًا مَجْزُومًا. فَإِنْ تَعَدَّيْتُ مَرَاسِمَ الْأَدَبِ، فَالصِّدْقَ قَصَدْتُ، وَالْحَقَّ أَرَدْتُ وَقَدْ - وَاللَّهِ - أَوْضَحْتُ وَأَبْلَغْتُ وَأَنْهَيْتُ حُكْمَ اللَّهِ وَبَلَّغْتُ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ. ٥٣٠ - وَقَدْ حَانَ أَنَّ أَكُفَّ غَرْبِي، وَأَسْتَوْقِفَ فِي هَذَا الْفَنِّ سِرْبِي، وَأَسْتَفْتِحُ فَنًّا لَا يَثْقُلُ عَلَى الرَّأْيِ السَّامِي وَقْعُهُ، وَيَتَخَلَّدُ عَلَى مُعْتَقَبِ الْجَدِيدَيْنِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ - نَفْعُهُ.

стр. 369

٥٣١ - فَأَقُولُ: مَا قَدَّمْتُهُ مَرَامِزُ إِلَى مَا خَصَّ اللَّهُ بِهِ صَدْرَ الْعَالَمِ مِنَ الْمَنْصِبِ الْأَسْمَى، فِي الِاقْتِدَارِ وَالْإِمْكَانِ، وَالِاحْتِكَامِ عَلَى بَنِي الزَّمَانِ، وَالِاسْتِمْكَانِ مِنْ رَدْعِ الْمُتَشَوِّفِينَ إِلَى الْعُدْوَانِ. وَهَذِهِ الْمَعَانِي لَا يَطْمَعُ اللَّبِيبُ فِي اسْتِيعَابِ ذِكْرِهَا وَمُحَاوَلَةِ (١٩٨) إِحْصَائِهَا وَحَصْرِهَا، وَالْإِحَاطَةِ بِمَبْلَغْ قَدْرِهَا، وَلَوْ حَاوَلَ الْأَرْذَلُونَ وَالْأَدْنَوْنَ حُظُوظًا مِنْ نِعَمِ اللَّهِ أَنْ يَعُدُّوهَا، لَمْ يَسْتَقْصُوهَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا. [وَاجِبَاتُ الْإِمَامِ] [يُقَدِّمُهَا (لِنِظَامِ الْمُلْكِ) ] ٥٣٢ - وَأَذْكُرُ الْآنَ مَا عَلَى صَدْرِ الزَّمَانِ مِنْ أَحْكَامِ الْمَلِيكِ الدَّيَّانِ، بَعْدَ أَنْ أُوَضِّحَ مَا إِلَيْهِ مِنْ مَقَالِيدِ أُمُورِ أَهْلِ الْإِيمَانِ، فَأَقُولُ: قَدْ قَدَّمْتُ فِي الْأَبْوَابِ الْمُقَدَّمَةِ مَا يَتَوَلَّاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ أُمُورِ الْإِمَامَةِ، وَأَوْرَدْتُهُ عَلَى صِيَغِ التَّقَاسِيمِ، وَبَلَغْتُ الْكَلَامَ فِيهِ قُصَارَى الْكَشْفِ وَالتَّتْمِيمِ، وَلَمْ أُغَادِرْ لِبَاحِثٍ مُنْقَلَبًا، وَلِمُسْتَفْصِلٍ مُضْطَرَبًا. وَأَنَا الْآنَ أَقُولُ:

стр. 370

٥٣٣ - كُلُّ مَا نِيطَ بِالْأَئِمَّةِ مِمَّا مَضَى مُوَضَّحًا مُحَصَّلًا، مُجْمَلًا وَمُفَصَّلًا، فَهُوَ مَوْكُولٌ إِلَى رَأْيِ صَدْرِ الدِّينِ، فَإِنَّ الْأَئِمَّةَ إِنَّمَا تَوَلَّوْا أُمُورَهُمْ، لِيَكُونُوا ذَرَائِعَ إِلَى إِقَامَةِ أَحْكَامِ الشَّرَائِعِ، فَإِذَا فَقَدْنَا مَنْ يَسْتَجْمِعُ الصِّفَاتِ الْمَرْعِيَّةَ فِي الْمَنْصِبِ الْأَعْلَى، وَوَجَدْنَا مَنْ يَسْتَقِلُّ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَيَنْهَضُ بِأَثْقَالِ الْعَالَمِينَ، وَيَحْمِلُ أَعْبَاءَ الدِّينِ، وَلَوْ تَوَانَى فِيهَا لَانْحَلَّتْ مِنَ الْإِسْلَامِ شَكَائِمُهُ، وَلَمَالَتْ دَعَائِمُهُ. وَالْغَرَضُ اسْتِصْلَاحُ أَهْلِ الْإِيمَانِ عَلَى أَقْصَى مَا يُفْرَضُ فِيهِ الْإِمْكَانُ. وَلَوْ بَغَتْ فِئَةٌ عَلَى الْإِمَامِ الْمُسْتَجْمِعِ لِخِلَالِ الْإِمَامَةِ، وَتَوَلَّوْا بِعُدَّةٍ وَعَتَادٍ، وَاسْتَوْلَوْا عَلَى أَقْطَارٍ وَبِلَادٍ، وَاسْتَظْهَرُوا بِشَوْكَةٍ وَاسْتِعْدَادٍ، وَاسْتَقَلُّوا بِنَصْبِ قُضَاةٍ وَوُلَاةٍ عَلَى انْفِرَادٍ وَاسْتِدَادٍ، فَيَنْفُذُ مِنْ قَضَاءِ قَاضِيهِمْ مَا يَنْفُذُ مِنْ قَضَاءِ قُضَاةِ الْإِمَامِ الْقَائِمِ بِأُمُورِ الْإِسْلَامِ. ٥٣٤ - وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّهُ انْقَطَعَ عَنْ قُطْرِ الْبُغَاةِ مِنَ الْإِمَامِ نَظَرُهُ، إِلَى أَنْ يَتَّفِقَ اسْتِيلَاؤُهُ وَظَفَرُهُ، فَلَوْ رَدَدْنَا أَقَضِيَتَهُمْ لَتَعَطَّلَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَبَطَلَتْ قَوَاعِدُ مِنَ الدِّينِ.

стр. 371

٥٣٥ - فَإِذَا كَانَ يَنْفُذُ قَضَاءُ الْبُغَاةِ مَعَ قِيَامِ الْإِمَامِ، فَلَأَنْ يَنْفُذَ أَحْكَامُ وُزَرَاءِ الْإِسْلَامِ (١٩٩) مَعَ شُغُورِ الْأَيَّامِ أَوْلَى. فَهَذَا بَيَانُ مَا إِلَيْهِ. ٥٣٦ - فَأَمَّا إِيضَاحُ مَا عَلَيْهِ فَأَذْكُرُ فِيهِ لَفْظًا وَجِيزًا مُحِيطًا بِالْمَعْنَى، حَاوِيًا لِلْغَرَضِ وَالْمَغْزَى، ثُمَّ أَنْدَفِعُ بَعْدَ الْإِيجَازِ وَالضَّبْطِ فِي طُرُقٍ مِنَ الْبَسْطِ، فَأَقُولُ: قَدْ تَقَدَّمَ مَا إِلَى الْأَئِمَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ، وَوَضَحَ أَنَّ جَمِيعَهَا مَنُوطَ بِرَأْيِ صَدْرِ الْأَيَّامِ وَسَيِّدِ الْأَنَامِ، فَيَأْخُذُ مَا عَلَيْهِ مِمَّا إِلَيْهِ، فَعَلَيْهِ بَذْلُ الْمَجْهُودِ فِي إِقَامَةِ مَا إِلَيْهِ وَهَذَا عَلَى إِيجَازِهِ مُشِيرٌ إِلَى النِّهَايَاتِ مُشْعِرٌ بِالْغَايَاتِ. وَلَكِنِّي أَعْرِضُ عَلَى الرَّأْيِ الْأَسْمَى كُلَّ أَمْرِ تَمَسُّ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَأُوَضِّحُ مَسْلَكَهُ وَمِنْهَاجَهُ، وَأَنْتَدِبُ فِي بَعْضِ مَجَارِي الْكَلَامِ

стр. 372

مُحَرِّرًا مُقَدِّرًا، وَأُشِيرَ إِلَى الْمَغْزَى وَالْمَرَامِ مُذَكِّرًا، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِسَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ الْأَكْرَمِينَ: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ . نَعَمْ. وَالتَّذْكِيرُ يَنْزِعُ صِمَامَ الصَّمَمِ عَنْ صِمَاخِ اللُّبِّ، وَيَقْشَعُ غَمَامَ الْغَمَمِ عَنْ سَمَاءِ الْقَلْبِ. [وَاجِبَاتُ نِظَامِ الْمُلْكِ وَمَا عَلَيْهِ] فَأَقُولُ: ٥٣٧ - حُقُوقُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبِيدِهِ عَلَى قَدْرِ النِّعَمِ، وَالْهُمُومُ بِقَدْرِ الْهِمَمِ، وَأَنْعُمُ اللَّهِ إِذَا لَمْ تُشْكَرْ نِقَمٌ، وَالْمُوَفَّقُ مَنْ تَنَبَّهَ لِمَا لَهُ وَعَلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ بِهِ الْقَدَمُ، وَحُظُوظُ الدُّنْيَا خَضْرَاءُ الدِّمَنِ، لَا تَبْقَى عَلَى مَكَرِّ الزَّمَنِ، وَالْمُسَدَّدُ مَنْ نَظَرَ فِي أُولَاهُ لِعَاقِبَتِهِ، وَتَزَوَّدَ مِنْ مُكْنَتِهِ فِي دُنْيَاهُ لِآخِرَتِهِ.

стр. 373

[أ - الْإِحَاطَةُ بِالْأَخْبَارِ وَالْأَحْوَالِ] ٥٣٨ - فَمِمَّا أَعْرِضُهُ عَلَى الْجَنَابِ الْعَالِي أَمْرٌ يَعْظُمُ وَقْعُهُ عَلَى [اعْتِقَابِ] الْأَيَّامِ وَاللَّيَالِي، وَهُوَ الِاهْتِمَامُ بِمَجَارِي الْأَخْبَارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ فَإِنَّ النَّظَرَ فِي أُمُورِ الرَّعَايَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَوَامِضِ وَالْخَفَايَا، وَإِذَا انْتَشَرَتْ مِنْ خُطَّةِ الْمَمْلَكَةِ الْأَطْرَافُ، وَأَسْبَلَتِ الْعَمَايَةُ دُونَ مَعْرِفَتِهَا أَسَدَادَ الْأَعْرَافِ، وَلَمْ تَطْلُعْ شَمْسُ رَأْيِ رَاعِي الرَّعِيَّةِ عَلَى صِفَةِ الْإِشْرَاقِ وَالْإِشْرَافِ. امْتَدَّتْ أَيْدِي الظَّلَمَةِ (٢٠٠) إِلَى الضَّعَفَةِ بِالْإِهْلَاكِ وَالْإِتْلَافِ [وَالثُّلَّةُ] إِذَا نَامَ عَنْهَا رَاعِيهَا عَاشَتْ طُلْسُ الذِّئَابِ فِيهَا، وَعَسُرَ تَدَارَكُهَا وَتَلَافِيهَا، وَالتَّيَقُّظُ وَالْخِبْرَةُ أُسُّ الْإِيَالَةِ، وَقَاعِدَةُ الْإِمْرَةِ، وَإِذَا عَمَّى الْمُعْتَدُونَ أَخْبَارَهُمْ، أَنْشَبُوا فِي الْمُسْتَضْعَفِينَ أَظْفَارَهُمْ، وَاسْتَجْرَؤُوا [ثَمَّ] عَلَى الِاعْتِدَاءِ. ثُمَّ طَمَسُوا عَنْ مَالِكِ الْأَمْرِ آثَارَهُمْ وَيَخُونُ حِينَئِذٍ الْمُؤْتَمَنُ، وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَتَشِيعُ الْمَخَازِي وَالْفَضَائِحُ، وَتَبْدُو

стр. 374

فِي أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ دَوَاعِي الِاخْتِزَالِ وَالِاسْتِزْلَالِ وَالْغُلُولِ، وَيَمْحَقُ فِي أَدْرَاجِ خَمْلِ الْخُمُولِ، وَقَدْ يُفْضِي الْأَمْرُ إِلَى ثَوَرَانِ الثُّوَّارِ فِي أَقَاصِي الدِّيَارِ، وَاسْتِمْرَارِ تَطَايُرِ شِرَارِ الْأَشْرَارِ، وَلَيْسَ مِنَ الْحَزْمِ الثِّقَةُ بِمُوَاتَاةِ الْأَقْدَارِ وَالِاسْتِنَامَةُ إِلَى مَدَارِ الْفَلَكِ الدَّوَّارِ، فَقَدْ يَثُورُ الْمَخْدُورُ مِنْ مَكْمَنِهِ، وَيُؤْتَى الْوَادِعُ الْآمِنُ مِنْ مَأْمَنِهِ، ثُمَّ مَا أَهْوَنَ الْبَحْثَ وَالتَّنْقِيرَ عَلَى مَنْ إِلَيْهِ مَقَالِيدُ التَّدْبِيرِ. ٥٣٩ - عَلَى أَنَّ هَذَا الْخَطْبَ الْخَطِيرَ قَرِيبُ الْمَدْرَكِ يَسِيرٌ، فَلَوِ اصْطَنَعَ صَدْرُ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مِنْ كُلِّ بَلْدَةٍ زُمَرًا مِنَ الثِّقَاتِ عَلَى مَا يَرَى، وَرَسَمَ لَهُمْ أَنْ يُنْهُوا إِلَيْهِ تَفَاصِيلَ مَا جَرَى، فَلَا يُغَادِرُوا نَفْعًا وَلَا ضُرًّا إِلَّا بَلَغُوهُ اخْتِفَاءً وَسِرًّا، لَتَوَافَتْ دَقَائِقُ الْأَخْبَارِ وَحَقَائِقُ الْأَسْرَارِ عَلَى مُخَيَّمِ الْعِزِّ غَضَّةً طَرِيَّةً، وَتَرَاءَتْ لِلْحَضْرَةِ

стр. 375

الْعَلِيَّةِ مَجَارِي الْأَحْوَالِ فِي الْأَعْمَالِ الْقَصِيَّةِ. فَإِذَا اسْتَشْعَرَ أَهْلُ الْخَبَلِ وَالْفَسَادِ أَنَّهُمْ مِنْ صَاحِبِ الْأَمْرِ بِالْمِرْصَادِ، آثَرُوا الْمَيْلَ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا، إِلَى مَسَالِكِ الرَّشَادِ، وَانْتَظَمَتْ أُمُورُ الْبِلَادِ وَالْعِبَادِ. وَمَا ذَكَرْتُهُ - لَوْ قَدَّرَ اللَّهُ - نَتِيجَةُ خَطْرَةٍ وَفِكْرَةٍ، وَمُوجَبُ الْتِفَاتَةٍ مِنَ الرَّأْيِ السَّامِي وَنَظْرَةٍ. وَهَذَا (٢٠١) الَّذِي رَمَزْتُ إِلَيْهِ عَلَى قُرْبِ مَدْرَكِهِ وَيُسْرِهِ [مَدْرَأَةٌ] لِغَائِلَةِ كُلِّ أَمْرٍ وَعُسْرِهِ، مِنْ غَيْرِ بَذْلِ مُؤْنَةٍ، وَاسْتِمْدَادِ مَعُونَةٍ. [ب - وُجُوبُ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ] ٥٤٠ - وَمِمَّا أُلْقِيهِ إِلَى الْمَجْلِسِ السَّامِي: وُجُوبُ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يَأْتِي وَيَذَرُ، فَإِنَّهُمْ قُدْوَةُ الْأَحْكَامِ وَأَعْلَامُ الْإِسْلَامِ، وَوَرَثَةُ النُّبُوَّةِ، وَقَادَةُ الْأُمَّةِ، وِسَادَةُ الْمِلَّةِ، وَمَفَاتِيحُ الْهُدَى، وَمَصَابِيحُ الدُّجَى، وَهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَصْحَابُ الْأَمْرِ اسْتِحْقَاقًا،. [وَذَوُو]

стр. 376

النَّجْدَةِ مَأْمُورُونَ بِارْتِسَامِ مَرَاسِمِهِمْ، وَاقْتِصَاصِ أَوَامِرِهِمْ وَالِانْكِفَافِ عَنْ مَزَاجِرِهِمْ. وَإِذَا كَانَ صَاحِبُ الْأَمْرِ مُجْتَهِدًا، فَهُوَ الْمَتْبُوعُ، الَّذِي يَسْتَتْبِعُ الْكَافَّةَ فِي اجْتِهَادِهِ وَلَا يَتْبَعُ. ٥٤١ - فَأَمَّا إِذَا كَانَ سُلْطَانُ الزَّمَانِ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الِاجْتِهَادِ فَالْمَتْبُوعُونَ الْعُلَمَاءُ، وَالسُّلْطَانُ نَجَدَتُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ، وَقُوَّتُهُمْ وَبَذْرَقَتُهُمْ، فَعَالِمُ الزَّمَانِ فِي الْمَقْصُودِ الَّذِي نُحَاوِلُهُ، وَالْغَرَضِ الَّذِي نُزَاوِلُهُ كَنَبِيِّ الزَّمَانِ، وَالسُّلْطَانُ مَعَ الْعَالِمِ كَمَلِكٍ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ، مَأْمُورٌ بِالِانْتِهَاءِ إِلَى مَا يُنْهِيهِ إِلَيْهِ النَّبِيُّ. ٥٤٢ - وَالْقَوْلُ الْكَاشِفُ لِلْغِطَاءِ، الْمُزِيلُ لِلْخَفَاءِ، أَنَّ الْأَمْرَ لِلَّهِ وَالنَّبِيُّ مُنْهِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْعَصْرِ نَبِيٌّ، فَالْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الشَّرِيعَةِ، وَالْقَائِمُونَ فِي إِنْهَائِهَا مَقَامَ الْأَنْبِيَاءِ، وَمِنْ بَدِيعِ الْقَوْلِ فِي مَنَاصِبِهِمْ أَنَّ الرُّسُلَ يُتَوَقَّعُ فِي دَهْرِهِمْ تَبْدِيلُ الْأَحْكَامِ بِالنَّسْخِ، وَطَوَارِئُ الظُّنُونِ عَلَى فِكْرِ الْمُفْتِينَ، وَتُغَايِرُ اجْتِهَادَاتِهِمْ يُغَيِّرُ أَحْكَامَ اللَّهِ عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ، فَتَصِيرُ خَوَاطِرُهُمْ فِي أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى حَالَّةً مَحَلَّ مَا يَتَبَدَّلُ مِنْ قَضَايَا أَوَامِرِ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّسْخِ.

стр. 377

وَهَذِهِ مَرَامِزُ تُومِئُ إِلَى أُمُورٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أُطْنِبْ فِيهَا ; مَخَافَةَ الِانْتِهَاءِ إِلَى الْإِطْرَاءِ، وَالْإِفْرَاطِ فِي الثَّنَاءِ. . [جـ - التَّيَقُّظُ لِلْفِتْنَةِ] ٥٤٣ - وَمِمَّا أُنْهِيهِ إِلَى صَدْرِ الْعَالَمِ بَعْدَ تَمْهِيدِ الْاطِّلَاعِ عَلَى أَخْبَارِ الْبِقَاعِ وَالْأَصْقَاعِ فِتْنَةٌ هَاجِمَةٌ فِي الدِّينِ، وَلَوْ لَمْ تُتَدَارَكْ، لَتَقَاذَفَتْ إِلَى مُعْظَمِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَتَفَاقَمَتْ غَائِلَتُهَا، وَأَعْضَلَتْ وَاقِعَتُهَا وَهِيَ مِنْ أَعْظَمِ الطَّوَامِّ عَلَى الْعَوَامِّ. وَحَقٌّ عَلَى مَنْ أَقَامَهُ اللَّهُ تَعَالَى ظَهْرًا لِلْإِسْلَامِ أَنْ يَسْتَوْعِبَ فِي [رَحْضِ] الْمِلَّةِ عَنْهَا اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ وَأَقْصَى اقْتِدَارِي فِيهِ إِنْهَاؤُهَا كَمَا نَبَغَ ابْتِدَاؤُهَا، وَعَلَى مَنْ مَلَّكَهُ اللَّهُ أَعِنَّةَ الْمُلْكِ التَّشْمِيرُ لِإِبْعَادِ الْخَلْقِ عَنْ أَسْبَابِ الْهَلْكِ. ٥٤٤ - وَقَدْ نَشَأَ - حَرَسَ اللَّهُ أَيَّامَ مَوْلَانَا - نَاشِئَةٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ

стр. 378

وَالْمُعَطِّلَةِ، وَانْبَثُّوا فِي الْمَخَالِيفِ وَالْبِلَادِ، وَشَمَّرُوا لِدَعْوَةِ الْعِبَادِ، إِلَى الِانْسِلَاخِ عَنْ مَنَاهِجِ الرَّشَادِ، وَاسْتَنَدُوا إِلَى طَوَائِفَ مِنَ الْمَرْمُوقِينَ الْمُغْتَرِّينَ، وَأَضْحَى أُولَئِكَ عَنْهُمْ ذَابِّينَ، وَلَهُمْ مُنْتَصِرِينَ. وَصَارَ الْمُغْتَرُّونَ بِأَنْعُمِ اللَّهِ، وَتُرْفَةِ الْمَعِيشَةِ، يَتَّخِذُونَ فُكَاهَةَ مَجَالِسِهِمْ، وَهُزْوَ مَقَاعِدِهِمْ - الِاسْتِهَانَةَ بِالدِّينِ، وَالتَّرَامُزَ وَالتَّغَامُزَ بِشَرِيعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَتَعَدَّى أَثَرُ مَا يُلَابِسُونَهُ إِلَى أَتْبَاعِهِمْ، وَأَشْيَاعِهِمْ مِنَ الرِّعَاعِ الْمُقَلِّدِينَ، وَفَشَا فِي عَوَامِّ الْمُسْلِمِينَ شَبَهُ الْمُلْحِدِينَ، وَغَوَائِلُ الْجَاحِدِينَ، وَكَثُرَ التَّخَاوُضُ وَالتَّفَاوُضُ فِي مَطَاعِنِ الدِّينِ. ٥٤٥ - وَمِنْ أَعْظَمِ الْمِحَنِ، وَأَطَمِّ الْفِتَنِ فِي هَذَا الزَّمَنِ، انْحِلَالُ عِصَامِ التَّقْوَى عَنِ الْوَرَى، وَاتِّبَاعُهُمْ نَزَعَاتِ الْهَوَى، وَتَشَوُّفُهُمْ إِلَى الِاسْتِمْسَاكِ بِحُطَامِ الْمُنَى، وَعُرُّوُهُمْ عَنِ الثِّقَةِ بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ فِي الْعُقْبَى، وَاعْتِلَاقُهُمْ بِالِاعْتِيَادِ الْمَحْضِ فِي مَرَاسِمِ الشَّرِيعَةِ تُسْمَعُ وَتُرْوَى، حَتَّى كَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ أَسْمَارٌ تُحْكَى وَتُطْوَى، وَهُمْ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ مِنَ الرَّدَى. فَإِذَا انْضَمَّ إِلَى مَا هُمْ مَدْفُوعُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْبَلْوَى، دَعْوَةُ

стр. 379

الْمُعَطِّلَةِ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، خِيفَ مِنَ انْسِلَالِ مُعْظَمِ الْعَوَامِّ عَنْ دِينِ الْمُصْطَفَى، وَلَوْ لَمْ تُتَدَارَكْ هَذِهِ الْفِتْنَةُ الثَّائِرَةُ، أَحْوَجَتِ الْإِيَالَةَ إِلَى إِعْمَالِ بَطْشَةٍ قَاهِرَةٍ، وَوَطْأَةٍ غَامِرَةٍ. [تَرْكُ الْبَاقِي مِنَ الْوَاجِبَاتِ لِنَظَرِ (نِظَامِ الْمُلْكِ) ] ٥٤٦ - وَقَدْ كُنْتُ رَأَيْتُ أَنْ أَعْرِضَ عَلَى الرَّأْيِ السَّامِي مِنْ مُهِمَّاتِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا أُمُورًا، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَجْمَعَ أَطْرَافَ الْكَلَامِ. وَمَوْلَانَا أَمْتَعَ اللَّهُ بِبَقَائِهِ أَهْلَ الْإِسْلَامِ أَخْبَرُ بِمَبَالِغِ الْإِمْكَانِ، فِي هَذَا الزَّمَانِ. ٥٤٧ - وَقَدْ لَاحَ بِمَضْمُونِ مَا رَدَّدْتُهُ مِنَ الْإِيضَاحِ وَالْبَيَانِ، مَا إِلَى مَوْلَانَا عَلَيْهِ، فِي حُكْمِ الْإِيمَانِ، فَإِنْ رَأَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَلِيكِ الدَّيَّانِ بُلُوغَهُ فِيمَا تَطَوَّقَهُ غَايَةَ الِاسْتِمْكَانِ، فَلَيْسَ فَوْقَ ذَلِكَ مَنْصِبٌ مُرْتَقَبٌ، مِنَ الْقُرُبَاتِ وَمَكَانٌ، وَإِنْ فَاتَ مَبْلَغَ الْإِيثَارِ وَالِاقْتِدَارِ حَالَةٌ، لَا يَرَى دَفْعَهَا، فَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا، وَإِنْ تَكُنِ الْأُخْرَى، فَمَوْلَانَا بِالنَّظَرِ فِي مَغَبَّاتِ الْعَوَاقِبِ أَحْرَى. ٥٤٨ - وَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى فِي أَثْنَاءِ خُطْبَتِهِ: " «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» " وَقَدْ عَظُمَ وَاللَّهِ الْخَطَرُ لِمَقَامٍ مُسْتَقِلٍّ فِي الْإِسْلَامِ، مَنْ حُكْمُهُ بِاتِّفَاقِ عُلَمَاءِ الْأَنَامِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ عَلَى

стр. 380

ضِفَّةِ الْفُرَاتِ مَضْرُورٌ، أَوْ ضَاعَ عَلَى شَاطِئِ الْجَيْحُونِ مَقْرُورٌ، أَوْ تُصُوِّرَ فِي أَطْرَافِ خُطَّةِ الْإِسْلَامِ مَكْرُوبٌ مَغْمُومٌ. أَوْ تَلَوَّى فِي مُنْقَطِعِ الْمَمْلَكَةِ مُضْطَهَدٌ مَهْمُومٌ أَوْ جَأَرَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مَظْلُومٌ، أَوْ بَاتَ تَحْتَ الضُّرِّ خَاوٍ، أَوْ مَاتَ عَلَى الْجُوعِ وَالضَّيَاعِ طَاوٍ، فَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهَا، وَالْمُطَالِبُ بِهَا فِي مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ، " ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ﴾ . ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ". ٥٤٩ - وَفِي الْجُمْلَةِ فَفَضْلُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَوْلَانَا عَمِيمٌ، وَالْخَطَرُ فِي الِاسْتِقْلَالِ بِالشُّكْرِ عَظِيمٌ، وَالرَّبُّ تَعَالَى رَؤُوفٌ رَحِيمٌ. ٥٥٠ - وَمَعَ هَذَا فَمَنْ سَوَّغَ لِمَوْلَانَا الْإِحْجَامَ عَنْ مُطَالَعَةِ مَصَالِحِ الْأَنَامِ فَقَدْ غَشَّهُ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، وَفَارَقَ مَأْخَذَ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ مَضَى هَذَا مُقَرَّرًا عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ. وَقَدْ نَجَزَ مُنْتَهَى الْغَرَضِ مِنْ هَذَا الْمَرَامِ، وَبِعَوْنِ اللَّهِ آخُذُ فِي الْقِسْمِ الثَّالِثِ.

стр. 381

[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي شُغُورِ الدَّهْرِ عَنْ وَالٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مُتَوَلٍّ بِغَيْرِهِ] الْبَابُ الثَّالِثُ فِي شُغُورِ الدَّهْرِ عَنْ وَالٍ بِنَفْسِهِ أَوْ مُتَوَلٍّ بِغَيْرِهِ فَأَقُولُ: ٥٥١ - قَدْ تَقَرَّرَ الْفَرَاغُ عَنِ الْقَوْلِ فِي اسْتِيلَاءِ مُسْتَجْمِعٍ لِشَرَائِطِ الْإِمَامَةِ، ثُمَّ فِي اسْتِعْلَاءِ ذِي نَجْدَةٍ وَشَهَامَةٍ، وَقَدْ حَانَ الْآنَ أَنْ أَفْرِضَ خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنِ الْكُفَاةِ ذَوِي الصَّرَامَةِ، خُلُوَّهُ عَمَّنْ يَسْتَحِقُّ الْإِمَامَةَ، وَالتَّصْوِيرُ فِي هَذَا عَسِرٌ ; فَإِنَّهُ يَبْعُدُ عُرُوُّ الدَّهْرِ عَنْ عَارِفٍ بِمَسَالِكِ السِّيَاسَةِ، وَنَحْنُ لَا نَشْتَرِطُ انْتِهَاءَ الْكَافِي إِلَى الْغَايَةِ الْقُصْوَى، بَلْ كَفَى أَنْ يَكُونَ ذَا حَصَاةٍ وَأَنَاةٍ، وَدِرَايَةٍ وَهِدَايَةٍ، وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْخُطُوبِ، وَإِنْ دَهَتْهُ مُعْضِلَةٌ اسْتَضَاءَ فِيهَا بِرَأْيِ ذَوِي الْأَحْلَامِ، ثُمَّ انْتَهَضَ مُبَادِرًا وَجْهَ الصَّوَابِ بَعْدَ إِبْرَامِ الِاعْتِزَامِ، وَلَا يَكَادُ تَخْلُو الْأَوْقَاتُ عَنْ مُتَّصِفٍ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ. ٥٥٢ - وَلَكِنْ قَدْ يَسْهُلُ [تَقْدِيرُ] مَا نَبْغِيهِ، بِأَنْ يُفْرَضَ

стр. 382

ذُو الْكِفَايَةِ [وَالدِّرَايَةِ] مُضْطَهَدًا مَهْضُومًا، مَنْكُوبًا بِعُسْرِ الزَّمَانِ مَصْدُومًا، مُحَلَّأً عَنْ وِرْدِ النَّيْلِ مَحْرُومًا. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَثْبُتُ دُونَ اعْتِضَادٍ بِعُدَّةٍ وَاسْتِعْدَادٍ بِشَوْكَةٍ وَنَجْدَةٍ، فَكَذَلِكَ الْكِفَايَةُ بِمُجَرَّدِهَا مِنْ غَيْرِ اقْتِدَارٍ وَاسْتِمْكَانٍ لَا أَثَرَ لَهَا فِي إِقَامَةِ أَحْكَامِ الْإِسْلَامِ ; فَإِذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنْ كَافٍ مُسْتَقِلٍّ بِقُوَّةٍ وَمُنَّةٍ، فَكَيْفَ تَجْرِي قَضَايَا الْوِلَايَاتِ، وَقَدْ بَلَغَ تَعَذُّرُهَا مُنْتَهَى الْغَايَاتِ. فَنَقُولُ: ٥٥٣ - أَمَّا مَا يَسُوغُ اسْتِقْلَالُ النَّاسِ [فِيهِ] بِأَنْفُسِهِمْ وَلَكِنَّ الْأَدَبَ يَقْتَضِي فِيهِ مُطَالَعَةَ ذَوِي الْأَمْرِ، وَمُرَاجَعَةَ مَرْمُوقِ الْعَصْرِ، كَعَقْدِ الْجُمَعِ، وَجَرِّ الْعَسَاكِرِ إِلَى الْجِهَادِ، وَاسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَالطَّرْفِ، فَيَتَوَلَّاهُ النَّاسُ عِنْدَ خُلُوِّ الدَّهْرِ. وَلَوْ سَعَى عِنْدَ شُغُورِ الزَّمَانِ طَوَائِفُ مِنْ ذَوِي النَّجْدَةِ وَالْبَأْسِ فِي نَفْضِ الطُّرُقِ عَنِ السُّعَاةِ فِي الْأَرْضِ بِالْفَسَادِ، [فَهُوَ] مِنْ أَهَمِّ أَبْوَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ.

стр. 383

٥٥٤ - وَإِنَّمَا يَنْهَى آحَادُ النَّاسِ عَنْ شَهْرِ الْأَسْلِحَةِ اسْتِبْدَادًا إِذَا كَانَ فِي الزَّمَانِ [وَزَرٌ] قَوَّامٌ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ، وَجَبَ الْبِدَارُ عَلَى حَسَبِ الْإِمْكَانِ إِلَى دَرْءِ الْبَوَائِقِ عَنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ. وَنَهْيُنَا الرَّعَايَا عَنِ الِاسْتِقْلَالِ بِالْأَنْفُسِ مِنْ قَبِيلِ [الِاسْتِحْثَاثِ] عَلَى مَا هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّلَاحِ، وَالْأَدْنَى إِلَى النَّجَاحِ، فَإِنَّ مَا يَتَوَلَّاهُ السُّلْطَانُ مِنْ أُمُورِ السِّيَاسَةِ أَوْقَعُ وَأَنْجَعُ، وَأَدْفَعُ لِلتَّنَافُسِ، وَأَجْمَعُ لِشَتَاتِ الرَّأْيِ فِي تَمْلِيكِ الرَّعَايَا أُمُورَ الدِّمَاءِ، وَشَهْرَ الْأَسْلِحَةِ، وَجُوهٌ مِنَ الْخَبَلِ لَا [يُنْكِرُهَا] ذَوُو الْعَقْلِ. وَإِذَا لَمْ يُصَادِفِ النَّاسُ قَوَّامًا بِأُمُورِهِمْ يَلُوذُونَ بِهِ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يُؤْمَرُوا بِالْقُعُودِ عَمَّا يَقْتَدِرُونَ عَلَيْهِ مِنْ دَفْعِ الْفَسَادِ، فَإِنَّهُمْ لَوْ تَقَاعَدُوا عَنِ الْمُمْكِنِ، عَمَّ الْفَسَادُ الْبِلَادَ وَالْعِبَادَ. وَإِذَا أُمِرُوا بِالتَّقَاعُدِ فِي قِيَامِ السُّلْطَانِ، كَفَاهُمْ ذُو الْأَمْرِ الْمُهِمَّاتِ، وَأَتَاهَا عَلَى أَقْرَبِ الْجِهَاتِ. ٥٥٥ - وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَوْ خَلَا الزَّمَانُ عَنِ السُّلْطَانِ فَحَقٌّ عَلَى قُطَّانِ كُلِّ بَلْدَةٍ، وَسُكَّانِ كُلِّ قَرْيَةٍ، أَنْ يُقَدِّمُوا مِنْ ذَوِي

стр. 384

الْأَحْلَامِ وَالنُّهَى، وَذَوِي الْعُقُولِ وَالْحِجَا مَنْ يَلْتَزِمُونَ امْتِثَالَ إِشَارَاتِهِ وَأَوَامِرِهِ، وَيَنْتَهُونَ عَنْ مَنَاهِيهِ وَمَزَاجِرِهِ ; فَإِنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ، تَرَدَّدُوا عِنْدَ إِلْمَامِ الْمُهِمَّاتِ، وَتَبَلَّدُوا عِنْدَ إِظْلَالِ الْوَاقِعَاتِ. ٥٥٦ - وَلَوِ انْتُدِبَ جَمَاعَةٌ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ لِلْغَزَوَاتِ، وَأَوْغَلُوا فِي مُوَاطِنِ الْمَخَافَاتِ، تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُنَصِّبُوا مَنْ يَرْجِعُونَ إِلَى رَأْيِهِ إِذْ لَوْ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ لَهَوَوْا فِي وَرَطَاتِ الْمَخَافَاتِ، وَلَمْ يَسْتَمِرُّوا فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَالَاتِ (٢٠٦) . ٥٥٧ - وَمِمَّا يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ أُمُورُ الْوِلَايَاتِ الَّتِي كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْوُلَاةِ كَتَزْوِيجِ الْأَيَامَى، وَالْقِيَامِ بِأَمْوَالِ الْأَيْتَامِ، فَأَقُولُ: ذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ إِلَى أَنَّ [مِمَّا] يَتَعَلَّقُ بِالْوِلَايَةِ تَزْوِيجَ الْأَيَامَى، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ وَطَوَائِفَ مِنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْحُرَّةَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ لَا تُزَوِّجُ نَفْسَهَا، وَإِنْ كَانَ لَهَا وَلِيٌّ زَوَّجَهَا، وَإِلَّا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلِيٌّ حَاضِرٌ، وَشَغَرَ الزَّمَانُ عَلَى السُّلْطَانِ، فَنَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ حَسْمَ بَابِ النِّكَاحِ مُحَالٌ

стр. 385

فِي الشَّرِيعَةِ، وَمَنْ أَبْدَى فِي ذَلِكَ تَشَكُّكًا، فَلَيْسَ عَلَى بَصِيرَةٍ بِوَضْعِ الشَّرْعِ، وَالْمَصِيرِ إِلَى سَدِّ بَابِ الْمَنَاكِحِ يُضَاهِي الذَّهَابَ إِلَى تَحْرِيمِ الِاكْتِسَابِ، كَمَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ فِي الرُّكْنِ الْأَخِيرِ فِي الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ لَا مِرَاءَ فِيهِ، فَلْيَقَعِ النَّظَرُ وَرَاءَ ذَلِكَ فِي تَفْصِيلِ التَّزْوِيجِ، فَأَقُولُ: ٥٥٨ - إِنْ كَانَ فِي الزَّمَانِ عَالِمٌ يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فِي تَفَاصِيلِ النَّقْضِ وَالْإِبْرَامِ وَمَآخِذِ الْأَحْكَامِ، فَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْمَنَاكِحَ الَّتِي كَانَ يَتَوَلَّاهَا السُّلْطَانُ إِذْ كَانَ. وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ فِي أَنَّ مَنْ حَكَمَ مُجْتَهِدًا فِي زَمَانِ قِيَامِ الْإِمَامِ بِأَحْكَامِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهَلْ يَنْفُذُ مَا حَكَمَ بِهِ الْمُحَكَّمُ؟ فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀، أَنَّهُ يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِهِ مَا يَنْفُذُ مِنْ حُكْمِ الْقَاضِي الَّذِي يَتَوَلَّى مَنْصِبَهُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْإِمَامِ. وَهَذَا قَوْلٌ مُتَّجَهٌ فِي الْقِيَاسِ، لَسْتُ أَرَى الْإِطَالَةَ بِذِكْرِ تَوْجِيهِهِ.

стр. 386

وَغَرَضِي مِنْهُ [أَنَّهُ] إِذَا انْقَدَحَ الْمَصِيرُ إِلَى تَنْفِيذِ أَمْرٍ مُحَكَّمٍ مِنَ الْمُفْتِينَ فِي اسْتِمْرَارِ الْإِمَامَةِ، وَاطِّرَادِ الْوِلَايَةِ وَالزَّعَامَةِ، مَعَ تَرَدُّدٍ وَتَحَرٍّ وَاجْتِهَادٍ وَتَأَخٍّ. فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ وَتَحَقَّقَ مِنْ مُوجَبِ الشَّرْعِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ اسْتِحَالَةُ تَعْطِيلِ الْمَنَاكِحِ، فَالَّذِي كَانَ نُفُوذُهُ (٢٠٧) مِنْ أَمْرِ الْمُحَكَّمِ مُجْتَهِدًا فِيهِ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ يَصِيرُ مَقْطُوعًا بِهِ فِي شُغُورِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا إِذَا صَادَفْنَا عَالِمًا يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى عِلْمِهِ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ حُكْمِهِ. ٥٥٩ - فَإِنْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْعُلَمَاءِ عُرُوَّهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْأَمْرِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَقَعُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ، وَسَنُوَضِّحُ مَقْصِدَنَا فِيهِ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ، وَنَأْتِي بِالْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ، وَنُبْدِي مِنْ سِرِّ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَجْرِ فِي مَجَارِي الْخَطَرَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٥٦٠ - ثُمَّ كُلُّ أَمْرٍ يَتَعَاطَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُفَوَّضَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ،

стр. 387

فَإِذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْإِمَامِ وَخَلَا عَنْ سُلْطَانٍ ذِي نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ وَدِرَايَةٍ، فَالْأُمُورُ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْعُلَمَاءِ، وَحَقٌّ عَلَى الْخَلَائِقِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى عُلَمَائِهِمْ، وَيُصْدِرُوا فِي جَمِيعِ قَضَايَا الْوِلَايَاتِ عَنْ رَأْيِهِمْ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدْ هُدُوا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَصَارَ عُلَمَاءُ الْبِلَادِ وُلَاةَ الْعِبَادِ. ٥٦١ - فَإِنْ عَسُرَ جَمْعُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ اسْتَبَدَّ أَهْلُ كُلِّ صُقْعٍ وَنَاحِيَةٍ بِاتِّبَاعِ عَالِمِهِمْ. وَإِنْ كَثُرَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّاحِيَةِ، فَالْمُتَّبَعُ أَعْلَمُهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ اسْتِوَاؤُهُمْ، فَفَرْضُهُمْ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يَقَعُ، فَإِنِ اتَّفَقَ فَإِصْدَارُ الرَّأْيِ عَنْ جَمِيعِهِمْ مَعَ تَنَاقُضِ الْمَطَالِبِ وَالْمَذَاهِبِ مُحَالٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَقْدِيمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَإِنْ تَنَازَعُوا وَتَمَانَعُوا، وَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى شِجَارٍ وَخِصَامٍ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي قَطْعِ النِّزَاعِ الْإِقْرَاعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، قُدِّمَ. ٥٦٢ - وَالْقَوْلُ الْمُقْنِعُ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ [الْمُسْتَجْمِعِينَ]

стр. 388

لِخِصَالِ الْمَنْصَبِ الْأَعْلَى لَيْسَ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِنْهَاءُ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَإِيصَالُهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (٢٠٨) إِلَى مَقَارِّهَا، ثُمَّ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي اسْتِصْلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا رَبْطُ الْإِيَالَاتِ بِمَتْبُوعٍ وَاحِدٍ إِنْ تَأَتَّى ذَلِكَ. فَإِنْ عَسُرَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ، تَعَلَّقَ إِنْهَاءُ أَحْكَامِ اللَّهِ [تَعَالَى] إِلَى الْمُتَعَبِّدِينَ بِهَا بِمَرْمُوقِينَ فِي الْأَقْطَارِ وَالدِّيَارِ. ٥٦٣ - وَمِنَ الْأَسْرَارِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الزَّمَانِ كَافٍ ذُو شَهَامَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَرْتَبَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَ بِالْعُدَدِ وَالْأَنْصَارِ، وَعَاضَدَتْهُ مُوَاتَاةُ الْأَقْدَارِ، فَهُوَ الْوَالِي وَإِلَيْهِ أُمُورُ الْأَمْوَالِ وَالْأَجْنَادِ وَالْوِلَايَاتِ، لَكِنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَلَّا يَبُتَّ أَمْرًا دُونَ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ. ٥٦٤ - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَزَمْتَ الْقَوْلَ بِأَنَّ عَالِمَ الزَّمَانِ هُوَ الْوَالِي [وَ] حَقٌّ عَلَى ذِي النَّجْدَةِ [وَالْبَاسِ] اتِّبَاعُهُ، وَالْإِذْعَانُ لِحُكْمِهِ، وَالْإِقْرَارُ لِمَنْصِبِ عِلْمِهِ. قُلْنَا: إِنْ كَانَ الْعَالِمُ ذَا كِفَايَةٍ وَهِدَايَةٍ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، فَحَقٌّ

стр. 389

عَلَى ذِي الْكِفَايَةِ الْعَرِيِّ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَتْبَعَهُ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَالِمُ ذَا دِرَايَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْأَشْغَالِ، فَذُو الْكِفَايَةِ الْوَالِي قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْمُرَاجَعَةُ وَالِاسْتِعْلَامُ فِي مَوَاقِعِ الِاسْتِبْهَامِ، وَمَوَاضِعِ الِاسْتِعْجَامِ. ٥٦٥ - ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْوِلَايَةُ مَنُوطَةً بِذِي الْكِفَايَةِ وَالْهِدَايَةِ، فَالْأَمْوَالُ مَرْبُوطَةٌ بِكِلَاءَتِهِ، وَجَمْعِهِ وَتَفْرِيقِهِ وَرِعَايَتِهِ ; فَإِنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ الرِّجَالُ، وَقِوَامُهُمُ الْأَمْوَالُ. فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. ٥٦٦ - وَقَدِ انْتَهَى الْقَوْلُ إِلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُطْبِقُ طَبَقَ الْأَرْضِ فَائِدَتُهُ، وَتَسْتَفِيضُ عَلَى طَبَقَاتِ الْخَلْقِ عَائِدَتُهُ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.

стр. 390

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ] [ مقدمة الركن وخطته] [الرُّكْنُ الثَّالِثُ] (الْكِتَابُ الثَّالِثُ) فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفِيهِ مَرَاتِبُ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى (الْبَابُ الْأَوَّلُ) : فِي اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ الْمُجْتَهِدِينَ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (الْبَابُ الثَّانِي) : فِيمَا إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَبَقِيَ نَقَلَةُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (الْبَابُ الثَّالِثُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ (الْبَابُ الرَّابِعُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
следующие страницы →