← Сияса и кади

Сияса и кади · id 8323

غياث الأمم في التياث الظلم

الجويني، أبو المعالي

Полный текст (522 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

وَغَرَضِي مِنْهُ [أَنَّهُ] إِذَا انْقَدَحَ الْمَصِيرُ إِلَى تَنْفِيذِ أَمْرٍ مُحَكَّمٍ مِنَ الْمُفْتِينَ فِي اسْتِمْرَارِ الْإِمَامَةِ، وَاطِّرَادِ الْوِلَايَةِ وَالزَّعَامَةِ، مَعَ تَرَدُّدٍ وَتَحَرٍّ وَاجْتِهَادٍ وَتَأَخٍّ. فَإِذَا خَلَا الزَّمَانُ وَتَحَقَّقَ مِنْ مُوجَبِ الشَّرْعِ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتِّ اسْتِحَالَةُ تَعْطِيلِ الْمَنَاكِحِ، فَالَّذِي كَانَ نُفُوذُهُ (٢٠٧) مِنْ أَمْرِ الْمُحَكَّمِ مُجْتَهِدًا فِيهِ فِي قِيَامِ الْإِمَامِ يَصِيرُ مَقْطُوعًا بِهِ فِي شُغُورِ الْأَيَّامِ، وَهَذَا إِذَا صَادَفْنَا عَالِمًا يَتَعَيَّنُ الرُّجُوعُ إِلَى عِلْمِهِ، وَيَجِبُ اتِّبَاعُ حُكْمِهِ. ٥٥٩ - فَإِنْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْعُلَمَاءِ عُرُوَّهُ عَنِ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْأَمْرِ، فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ يَقَعُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ مِنَ الْكِتَابِ، وَهُوَ الْغَرَضُ الْأَعْظَمُ، وَسَنُوَضِّحُ مَقْصِدَنَا فِيهِ عَلَى مَرَاتِبَ وَدَرَجَاتٍ، وَنَأْتِي بِالْعَجَائِبِ وَالْآيَاتِ، وَنُبْدِي مِنْ سِرِّ الشَّرِيعَةِ مَا لَمْ يَجْرِ فِي مَجَارِي الْخَطَرَاتِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ٥٦٠ - ثُمَّ كُلُّ أَمْرٍ يَتَعَاطَاهُ الْإِمَامُ فِي الْأَمْوَالِ الْمُفَوَّضَةِ إِلَى الْأَئِمَّةِ،

стр. 387

فَإِذَا شَغَرَ الزَّمَانُ عَنِ الْإِمَامِ وَخَلَا عَنْ سُلْطَانٍ ذِي نَجْدَةٍ وَكِفَايَةٍ وَدِرَايَةٍ، فَالْأُمُورُ مَوْكُولَةٌ إِلَى الْعُلَمَاءِ، وَحَقٌّ عَلَى الْخَلَائِقِ عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى عُلَمَائِهِمْ، وَيُصْدِرُوا فِي جَمِيعِ قَضَايَا الْوِلَايَاتِ عَنْ رَأْيِهِمْ، فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَقَدْ هُدُوا إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَصَارَ عُلَمَاءُ الْبِلَادِ وُلَاةَ الْعِبَادِ. ٥٦١ - فَإِنْ عَسُرَ جَمْعُهُمْ عَلَى وَاحِدٍ اسْتَبَدَّ أَهْلُ كُلِّ صُقْعٍ وَنَاحِيَةٍ بِاتِّبَاعِ عَالِمِهِمْ. وَإِنْ كَثُرَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّاحِيَةِ، فَالْمُتَّبَعُ أَعْلَمُهُمْ، وَإِنْ فُرِضَ اسْتِوَاؤُهُمْ، فَفَرْضُهُمْ نَادِرٌ لَا يَكَادُ يَقَعُ، فَإِنِ اتَّفَقَ فَإِصْدَارُ الرَّأْيِ عَنْ جَمِيعِهِمْ مَعَ تَنَاقُضِ الْمَطَالِبِ وَالْمَذَاهِبِ مُحَالٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يَتَّفِقُوا عَلَى تَقْدِيمِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. فَإِنْ تَنَازَعُوا وَتَمَانَعُوا، وَأَفْضَى الْأَمْرُ إِلَى شِجَارٍ وَخِصَامٍ، فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِي قَطْعِ النِّزَاعِ الْإِقْرَاعُ، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، قُدِّمَ. ٥٦٢ - وَالْقَوْلُ الْمُقْنِعُ فِي هَذِهِ الْقَوَاعِدِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ [الْمُسْتَجْمِعِينَ]

стр. 388

لِخِصَالِ الْمَنْصَبِ الْأَعْلَى لَيْسَ إِلَيْهِمْ إِلَّا إِنْهَاءُ أَوَامِرِ اللَّهِ، وَإِيصَالُهَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا (٢٠٨) إِلَى مَقَارِّهَا، ثُمَّ الْغَايَةُ الْقُصْوَى فِي اسْتِصْلَاحِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا رَبْطُ الْإِيَالَاتِ بِمَتْبُوعٍ وَاحِدٍ إِنْ تَأَتَّى ذَلِكَ. فَإِنْ عَسُرَ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ، تَعَلَّقَ إِنْهَاءُ أَحْكَامِ اللَّهِ [تَعَالَى] إِلَى الْمُتَعَبِّدِينَ بِهَا بِمَرْمُوقِينَ فِي الْأَقْطَارِ وَالدِّيَارِ. ٥٦٣ - وَمِنَ الْأَسْرَارِ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ فِي الزَّمَانِ كَافٍ ذُو شَهَامَةٍ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعِلْمِ عَلَى مَرْتَبَةِ الِاسْتِقْلَالِ، وَقَدِ اسْتَظْهَرَ بِالْعُدَدِ وَالْأَنْصَارِ، وَعَاضَدَتْهُ مُوَاتَاةُ الْأَقْدَارِ، فَهُوَ الْوَالِي وَإِلَيْهِ أُمُورُ الْأَمْوَالِ وَالْأَجْنَادِ وَالْوِلَايَاتِ، لَكِنْ يَتَحَتَّمُ عَلَيْهِ أَلَّا يَبُتَّ أَمْرًا دُونَ مُرَاجَعَةِ الْعُلَمَاءِ. ٥٦٤ - فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا جَزَمْتَ الْقَوْلَ بِأَنَّ عَالِمَ الزَّمَانِ هُوَ الْوَالِي [وَ] حَقٌّ عَلَى ذِي النَّجْدَةِ [وَالْبَاسِ] اتِّبَاعُهُ، وَالْإِذْعَانُ لِحُكْمِهِ، وَالْإِقْرَارُ لِمَنْصِبِ عِلْمِهِ. قُلْنَا: إِنْ كَانَ الْعَالِمُ ذَا كِفَايَةٍ وَهِدَايَةٍ إِلَى عَظَائِمِ الْأُمُورِ، فَحَقٌّ

стр. 389

عَلَى ذِي الْكِفَايَةِ الْعَرِيِّ عَنْ رُتْبَةِ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَتْبَعَهُ إِنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَالِمُ ذَا دِرَايَةٍ وَاسْتِقْلَالٍ بِعَظَائِمِ الْأَشْغَالِ، فَذُو الْكِفَايَةِ الْوَالِي قَطْعًا، وَعَلَيْهِ الْمُرَاجَعَةُ وَالِاسْتِعْلَامُ فِي مَوَاقِعِ الِاسْتِبْهَامِ، وَمَوَاضِعِ الِاسْتِعْجَامِ. ٥٦٥ - ثُمَّ إِذَا كَانَتِ الْوِلَايَةُ مَنُوطَةً بِذِي الْكِفَايَةِ وَالْهِدَايَةِ، فَالْأَمْوَالُ مَرْبُوطَةٌ بِكِلَاءَتِهِ، وَجَمْعِهِ وَتَفْرِيقِهِ وَرِعَايَتِهِ ; فَإِنَّ عِمَادَ الدَّوْلَةِ الرِّجَالُ، وَقِوَامُهُمُ الْأَمْوَالُ. فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ. ٥٦٦ - وَقَدِ انْتَهَى الْقَوْلُ إِلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْأَمْرُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يُطْبِقُ طَبَقَ الْأَرْضِ فَائِدَتُهُ، وَتَسْتَفِيضُ عَلَى طَبَقَاتِ الْخَلْقِ عَائِدَتُهُ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ.

стр. 390

[الرُّكْنُ الثَّالِثُ] [ مقدمة الركن وخطته] [الرُّكْنُ الثَّالِثُ] (الْكِتَابُ الثَّالِثُ) فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَفِيهِ مَرَاتِبُ: الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى (الْبَابُ الْأَوَّلُ) : فِي اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ الْمُجْتَهِدِينَ. الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ (الْبَابُ الثَّانِي) : فِيمَا إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ وَبَقِيَ نَقَلَةُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ. الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (الْبَابُ الثَّالِثُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ. الْمَرْتَبَةُ الرَّابِعَةُ (الْبَابُ الرَّابِعُ) : فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.

стр. 391

الْقَوْلُ فِي الرُّكْنِ الثَّالِثِ. [الْكِتَابُ الثَّالِثُ] . [مُقَدِّمَةُ الرُّكْنِ] . ٥٦٧ - مَضْمُونُ هَذَا الرُّكْنِ يَسْتَدْعِي نَخْلَ الشَّرِيعَةِ مِنْ مَطْلَعِهَا إِلَى مَقْطَعِهَا، وَتَتَبُّعَ مَصَادِرِهَا وَمَوَارِدِهَا (٢٠٩) وَاخْتِصَاصَ مَعَاقِدِهَا وَقَوَاعِدِهَا، وَإِنْعَامَ النَّظَرِ فِي أُصُولِهَا وَفُصُولِهَا، وَمَعْرِفَةَ فُرُوعِهَا وَيَنْبُوعِهَا، وَالِاحْتِوَاءَ عَلَى مَدَارِكِهَا وَمَسَالِكِهَا، وَاسْتِبَانَةَ كُلِّيَّاتِهَا وَجُزْئِيَّاتِهَا، وَالْاطِّلَاعَ عَلَى مَعَالِمِهَا وَمَنَاظِمِهَا، وَالْإِحَاطَةَ بِمَبْدَئِهَا وَمَنْشَئِهَا، وَطُرُقِ تَشَعُّبِهَا وَتَرَتُّبِهَا، وَمَسَاقِهَا وَمَذَاقِهَا، وَسَبَبِ اتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَإِطْبَاقِهَا، وَعِلَّةِ اخْتِلَافِهَا وَافْتِرَاقِهَا. وَلَوْ ضَمَّنْتُ هَذَا الْمَجْمُوعَ مَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَنَصَصْتُ عَلَيْهِ لَمْ يَقْصُرْ عَنْ أَسْفَارٍ ثُمَّ لَا يَحْوِي مُنْتَهَى الْأَوْطَارِ وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةَ لِيَعْتَقِدَ النَّاظِرُ فِي هَذَا الْفَنِّ أَنَّهُ نَتِيجَةُ بُحُورٍ مِنَ الْعُلُومِ، لَا [يَعْبُرُهَا] الْعَوَامُّ وَلَا تَفِي بِبَدَائِعِهَا الْأَيَّامُ وَالْأَعْوَامُ، وَقَلَّمَا تَسْمَحُ بِجَمْعِهَا لِطَالِبٍ وَاحِدٍ الْأَقْدَارُ وَالْأَقْسَامُ وَلَوْلَا حَذَارُ انْتِهَاءِ

стр. 392

الْأَمْرِ إِلَى حَدِّ التَّصَلُّفِ وَالْإِعْجَابِ، لَآثَرْتُ فِي التَّنْبِيهِ عَلَى [عُلُوِّ] قَدْرِ هَذَا الرُّكْنِ التَّنَاهِيَ فِي الْإِطْنَابِ. ٥٦٨ - وَالْآنَ بِعَوْنِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَتَوْفِيقِهِ وَتَسْدِيدِهِ، أُرَتِّبُ الْقَوْلَ فِي هَذَا الرُّكْنِ عَلَى مَرَاتِبَ، وَأُوَضِّحُ فِي كُلِّ مَرْتَبَةٍ مَا يَلِيقُ بِهَا مِنَ التَّحْقِيقِ. فَنَذْكُرُ أَوَّلًا اشْتِمَالَ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ. ثُمَّ نَذْكُرُ خُلُوَّ الدَّهْرِ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُسْتَقِلِّينَ بِمَنْصَبِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ انْطِوَاءِ الزَّمَانِ عَلَى نَقَلَةِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ. ثُمَّ نَذْكُرُ شُغُورَ الْعَصْرِ عَنِ الْأَثْبَاتِ وَالثِّقَاتِ، رُوَاةِ الْآرَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، مَعَ بَقَاءِ مَجَامِعِ الشَّرْعِ وَشُيُوعِ أَرْكَانِ الدِّينِ عَلَى الْجُمْلَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. ثُمَّ نَذْكُرُ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي دُرُوسِ الشَّرِيعَةِ، وَانْطِمَاسِ قَوَاعِدِهَا، وَحُكْمِ التَّكْلِيفِ - لَوْ فُرِضَ ذَلِكَ - عَلَى الْعُقَلَاءِ. فَالْمَرَاتِبُ الَّتِي نَرُومُهَا فِي غَرَضِ هَذَا الْبَابِ أَرْبَعُ.

стр. 393

[الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْمُفْتِينَ الْمُجْتَهِدِينَ] ٥٦٩ - فَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الْأَوْلَى، فَنَقُولُ فِيهَا مُسْتَعِينِينَ بِاللَّهِ تَعَالَى: حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ، وَالْمُسْتَقِلُّونَ (٢١٠) بِهَا هُمُ الْمَفْتُونَ الْمُسْتَجْمِعُونَ لِشَرَائِطِ الِاجْتِهَادِ مِنَ الْعُلُومِ، [وَالضَّامُّونَ] إِلَيْهَا التَّقْوَى وَالسَّدَادَ. ٥٧٠ - وَإِنْ دُفِعْنَا إِلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ مَا يَقَعُ بِهِ الِاسْتِقْلَالُ فِي ذِكْرِ الْخِصَالِ الْمَرْعِيَّةِ فِي الِاجْتِهَادِ، مَعَ إِيضَاحِ مَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ مِنْ تَخَيُّرِ الْمُفْتِينَ، فَنَقُولُ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي مُصَنَّفَاتٍ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ اسْتِيعَابَ الْقَوْلِ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ، وَآدَابِ الْمُسْتَفْتِينَ، وَتَفَاصِيلِ حَالَاتِهِمْ وَدَرَجَاتِهِمْ، وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْآنَ مِنْهَا جُمَلًا مُقْنِعَةً يَفْهَمُهَا الشَّادِي الْمُبْتَدِئُ، وَيُحِيطُ بِفَوَائِدِهَا الْمُنْتَهِي مَعَ الْإِضْرَابِ عَنِ الْإِطْنَابِ، وَتَوَقِّي الْإِسْهَابِ. فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِأَوْصَافِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَالْوَجْهُ أَنْ أَجْمَعَ مَا ذَكَرَهُ الْمُتَقَدِّمُونَ.

стр. 394

[صِفَاتُ الْمُفْتِي] ٥٧١ - إِنَّ الصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةَ فِي الْمُفْتِي سِتٌّ: أَحَدُهَا - الِاسْتِقْلَالُ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ ; فَإِنَّ شَرِيعَةَ الْمُصْطَفَى ﷺ مُتَلَقَّاهَا وَمُسْتَقَاهَا الْكِتَابُ وَالسُّنَنُ، وَآثَارُ الصَّحَابَةِ وَوَقَائِعُهُمْ، وَأَقْضِيَتُهُمْ فِي الْأَحْكَامِ، وَكُلُّهَا بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ وَأَشْرَفِ الْعِبَارَاتِ، وَلَا بُدَّ مِنَ الِارْتِوَاءِ [مِنَ] الْعَرَبِيَّةِ، فَهِيَ الذَّرِيعَةُ إِلَى مَدَارِكِ الشَّرِيعَةِ. ٥٧٢ - وَالثَّانِيَةُ - مَعْرِفَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ [مِنْ] آيَاتِ الْكِتَابِ، وَالْإِحَاطَةُ بِنَاسِخِهَا وَمَنْسُوخِهَا، عَامِّهَا وَخَاصِّهَا، وَتَفْسِيرُ مُجْمَلَاتِهَا ; فَإِنَّ مَرْجِعَ الشَّرْعِ وَقُطْبَهُ الْكِتَابُ. ٥٧٣ - وَالثَّالِثَةُ - مَعْرِفَةُ السُّنَنِ، فَهِيَ الْقَاعِدَةُ الْكُبْرَى ; فَإِنَّ مُعْظَمَ أُصُولِ التَّكَالِيفِ مُتَلَقًّى مِنْ أَقْوَالِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَفْعَالِهِ وَفُنُونِ أَحْوَالِهِ، وَمُعْظَمُ آيِ الْكِتَابِ لَا يَسْتَقِلُّ دُونَ بَيَانِ الرَّسُولِ.

стр. 395

ثُمَّ لَا يَتَقَرَّرُ الِاسْتِقْلَالُ بِالسُّنَنِ إِلَّا بِالتَّبَحُّرِ فِي مَعْرِفَةِ الرِّجَالِ، وَالْعِلْمِ بِالصَّحِيحِ مِنَ الْأَخْبَارِ وَالسَّقِيمِ، وَأَسْبَابِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، وَمَا عَلَيْهِ التَّعْوِيلُ فِي صِفَاتِ الْأَثْبَاتِ مِنَ الرُّوَاةِ وَالثِّقَاتِ، وَالْمُسْنَدِ وَالْمُرْسَلِ، وَالتَّوَارِيخِ الَّتِي تَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا اسْتِبَانَةُ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ. وَإِنَّمَا يَجِبُ مَا وَصَفْنَاهُ فِي الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَقَضَايَا التَّكْلِيفِ، دُونَ مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَالْأَقَاصِيصِ وَالْمَوَاعِظِ. ٥٧٤ - وَالرَّابِعَةُ - مَعْرِفَةُ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ الْمَاضِينَ فِي الْعُصُرِ الْخَالِيَةِ، وَوَجْهُ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ أَنَّ الْمُفْتِيَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِمَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ، فَرُبَّمَا يَهْجُمُ فِيمَا يُجَرِّئُهُ عَلَى خَرْقِ الْإِجْمَاعِ، وَالِانْسِلَالِ عَنْ رِبْقَةِ الْوِفَاقِ. ٥٧٥ - وَالْخَامِسَةُ - الْإِحَاطَةُ بِطُرُقِ الْقِيَاسِ وَمَرَاتِبِ الْأَدِلَّةِ ; فَإِنَّ الْمَنْصُوصَاتِ مُتَنَاهِيَةٌ مَضْبُوطَةٌ، وَالْوَقَائِعَ الْمُتَوَقَّعَةَ لَا نِهَايَةَ لَهَا. ٥٧٦ - وَالسَّادِسَةُ - الْوَرَعُ وَالتَّقْوَى، فَإِنَّ الْفَاسِقَ لَا يُوثَقُ بِأَقْوَالِهِ، وَلَا يُعْتَمَدُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِ.

стр. 396

٥٧٧ - وَقَدْ جَمَعَ الْإِمَامُ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ ﵁ هَذِهِ الصِّفَاتِ فِي كَلِمَةٍ وَجِيزَةٍ، فَقَالَ: " مَنْ عَرَفَ كِتَابَ اللَّهِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ ". . ٥٧٨ - وَالتَّفَاصِيلُ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مُنْدَرِجَةٌ تَحْتَ هَذِهِ الْكَلِمِ ; فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْكِتَابِ تَسْتَدْعِي لَا مَحَالَةَ الْعِلْمَ بِاللُّغَةِ ; فَإِنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى اتِّبَاعِ أَقْوَالِ الْمُفَسِّرِينَ وَتَحَفُّظِهَا كَانَ مُقَلِّدًا وَلَمْ يَكُنْ عَارِفًا. وَالشَّافِعِيُّ [﵁] اعْتَبَرَ الْمَعْرِفَةَ وَالِاسْتِقْلَالَ بِالْأَخْبَارِ الشَّرْعِيَّةِ مُنْدَرِجٌ تَحْتَ مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ، وَكَذَلِكَ الْعِلْمُ بِمَوَاقِعِ الْإِجْمَاعِ مِنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ الْمُنْقَرِضِينَ، وَالِاسْتِنْبَاطُ الَّذِي [ذَكَرَهُ] مُشْعِرٌ بِالْقِيَاسِ وَمَعْرِفَةِ تَرْتِيبِ الْأَدِلَّةِ. ثُمَّ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْوَرَعِ، فَإِنْ قَالَ: اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ. وَالْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ; فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ اسْتَمْسَكَ بِالْوَرَعِ وَالتَّقْوَى وَاحْتَرَزَ (٢١٢) عَنِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى لَمَّا قَالَ: اسْتَحَقَّ الْإِمَامَةَ فِي الدِّينِ.

стр. 397

٥٧٩ - فَهَذَا مَا رَأَيْنَا نَقْلَهُ مِنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ. وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. ٥٨٠ - فَالْقَوْلُ الْوَجِيزُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُتَمَكِّنُ مِنْ دَرْكِ أَحْكَامِ الْوَقَائِعِ عَلَى يَسِيرٍ مِنْ غَيْرِ مُعَانَاةِ [تَعَلُّمٍ] . وَهَذِهِ الصِّفَةُ تَسْتَدْعِي ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ الْعُلُومِ: ٥٨١ - أَحَدُهَا - اللُّغَةُ وَالْعَرَبِيَّةُ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّعَمُّقُ، وَالتَّبَحُّرُ فِيهَا حَتَّى يَصِيرَ الرَّجُلُ عَلَّامَةَ الْعَرَبِ، وَلَا يَقَعُ الِاكْتِفَاءُ [بِالِاسْتِطْرَافِ] وَتَحْصِيلِ الْمَبَادِئِ وَالْأَطْرَافِ، بَلِ الْقَوْلُ الضَّابِطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُحَصِّلَ مِنَ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ، مَا يَتَرَقَّى بِهِ عَنْ رُتْبَةِ الْمُقَلِّدِينَ فِي مَعْرِفَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي مَنْصِبًا وَسَطًا فِي عِلْمِ اللُّغَةِ وَالْعَرَبِيَّةِ. ٥٨٢ - وَالصِّنْفُ الثَّانِي - مِنَ الْعُلُومِ الْفَنُّ الْمُتَرْجَمُ بِالْفِقْهِ،

стр. 398

وَلَا بُدَّ مِنَ التَّبَحُّرِ فِيهِ، وَالِاحْتِوَاءِ عَلَى قَوَاعِدِهِ، وَمَآخِذِهِ وَمَعَانِيهِ. ثُمَّ هَذَا الْفَنُّ يَشْتَمِلُ عَلَى مَا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ نَقْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ وَيَنْطَوِي عَلَى ذِكْرِ وُجُوهِ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّصُوصِ وَالظَّوَاهِرِ مِنَ الْكِتَابِ، وَيَحْتَوِي عَلَى الْأَخْبَارِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِأَحْكَامِ التَّكَالِيفِ مَعَ الِاعْتِنَاءِ. بِذِكْرِ الرُّوَاةِ وَالصِّفَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ. فَإِنِ اقْتَضَتِ الْحَالَةُ مَزِيدَ نَظَرٍ فِي خَبَرٍ، فَالْكُتُبُ الْحَاوِيَةُ عَلَى ذِكْرِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ عَتِيدَةٌ، وَمُرَاجَعَتُهَا مَعَ الِارْتِوَاءِ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ يَسِيرَةٌ غَيْرُ عَسِيرَةٍ، وَأَهَمُّ الْمَطَالِبِ فِي الْفِقْهِ التَّدَرُّبُ فِي مَآخِذِ الظُّنُونِ فِي مَجَالِ الْأَحْكَامِ، وَهَذَا [هُوَ] الَّذِي يُسَمَّى فِقْهَ النَّفْسِ، وَهُوَ أَنْفَسُ صِفَاتِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ. ٥٨٣ - وَالصِّنْفُ الثَّالِثُ مِنَ الْعُلُومِ - الْعِلْمُ الْمَشْهُورُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، وَمِنْهُ يُسْتَبَانُ مَرَاتِبُ (٢١٣) الْأَدِلَّةِ وَمَا يُقَدَّمُ مِنْهَا وَمَا يُؤَخَّرُ، وَلَا يَرْقَى الْمَرْءُ إِلَى مَنْصِبِ الِاسْتِقْلَالِ. دُونَ الْإِحَاطَةِ بِهَذَا الْفَنِّ. فَمَنِ اسْتَجْمَعَ هَذِهِ الْفُنُونَ فَقَدْ عَلَا إِلَى رُتْبَةِ الْمُفْتِينَ. ٥٨٤ - وَالْوَرَعُ لَيْسَ شَرْطًا فِي حُصُولِ مَنْصِبِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّ مَنْ رَسَخَ فِي الْعُلُومِ الْمُعْتَبَرَةِ، فَاجْتِهَادُهُ يَلْزَمُهُ فِي نَفْسِهِ أَنْ يَقْتَضِيَ فِيمَا

стр. 399

يَخُصُّهُ مِنَ الْأَحْكَامِ مُوجَبَ النَّظَرِ. وَلَكِنَّ الْغَيْرَ لَا يَثِقُ بِقَوْلِهِ لِفِسْقِهِ. ٥٨٥ - وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ الِاكْتِفَاءِ بِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْخِصَالِ شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ اشْتِرَاطَ الْمَصِيرِ إِلَى مَبْلَغٍ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى طَلَبٍ وَتَفَكُّرٍ فِي الْوَقَائِعِ مُحَالٌ، إِذِ الْوَقَائِعُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، وَالْقُوَّةُ الْبَشَرِيَّةُ لَا تَفِي بِتَحْصِيلِ كُلِّ مَا يُتَوَقَّعُ، سِيَّمَا مَعَ قِصَرِ الْأَعْمَارِ ; فَيَكْفِي الِاقْتِدَارُ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى الْغَرَضِ عَلَى يَسِيرٍ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى مُعَانَاةِ تَعَلُّمٍ. وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي اسْتِعْدَادًا وَاسْتِمْدَادًا مِنَ الْعُلُومِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا لَا مَحَالَةَ. ٥٨٦ - وَالثَّانِي - أَنَّا سَبَرْنَا أَحْوَالَ الْمُفْتِينَ مِنْ صَحْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الْأَكْرَمِينَ، فَأَلْفَيْنَاهُمْ مُقْتَدِرِينَ عَلَى الْوُصُولِ إِلَى مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ، وَمَسَالِكِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مُسْتَقِلِّينَ بِالْعَرَبِيَّةِ، فَإِنَّ الْكِتَابَ نَزَلَ بِلِسَانِهِمْ، وَمَا كَانَ يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِنْ فَحْوَى خِطَابِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ خَافِيَةٌ، وَقَدْ عَاصَرُوا صَاحِبَ الشَّرِيعَةِ، وَعَلِمُوا أَنَّ مُعْظَمَ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ مَنَاطُ الشَّرْعِ، وَاعْتَنَوْا عَلَى اهْتِمَامٍ

стр. 400

صَادِقٍ بِمُرَاجَعَتِهِ ﷺ فِيمَا كَانَ يَسْنَحُ لَهُمْ مِنَ الْمُشْكِلَاتِ، فَنَزَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ تَدَرُّبِ الْفَقِيهِ مِنَّا فِي مَسَالِكِ الْفِقْهِ. ٥٨٧ - وَأَمَّا الْفَنُّ الْمُتَرْجَمُ بِأُصُولِ الْفِقْهِ، فَحَاصِلُهُ نَظْمُ مَا وَجَدْنَا مِنْ [سِيَرِهِمْ] وَضَمُّ مَا بَلَغَنَا مِنْ خَبَرِهِمْ، وَجَمْعُ مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ نَظَرِهِمْ، وَتَتَبُّعُ مَا سَمِعْنَا مِنْ [عِبَرِهِمْ] ، وَلَوْ كَانُوا عَكَسُوا التَّرْتِيبَ، لَاتَّبَعْنَاهُمْ. نَعَمْ. مَا كَانَ يَعْتَنِي الْكَثِيرُ مِنْهُمْ بِجَمْعِ مَا بَلَغَ الْكَافَّةَ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَلْ كَانَتِ الْوَاقِعَةُ تَقَعُ، فَيَبْحَثُ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ، فَكَانَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ لَا يَسْتَقِلُّ بِحِفْظِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ كَانُوا يَبْحَثُونَ عَنِ الْأَخْبَارِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوهَا اعْتَبَرُوا، وَنَظَرُوا، وَقَاسُوا. ٥٨٨ - فَاتَّضَحَ أَنَّ الْمُفْتِيَ مِنْهُمْ كَانَ مُسْتَعِدًّا لِإِمْكَانِ الطَّلَبِ عَارِفًا بِمَسَالِكِ النَّظَرِ مُقْتَدِرًا عَلَى مَأْخَذِ الْحُكْمِ مَهْمَا عَنَّتْ وَاقِعَةٌ.

стр. 401

٥٨٩ - فَقَدْ تَحَقَّقَ لِمَنْ أَنْصَفَ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ هُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ. ٥٩٠ - وَإِنَّمَا بَلَائِي كُلُّهُ حَرَسَ اللَّهُ مَوْلَانَا مِنْ نَاشِئَةٍ فِي الزَّمَانِ شَدَوْا طَرَفًا مِنْ مَقَالَاتِ الْأَوَّلِينَ، رَكَنُوا إِلَى التَّقْلِيدِ الْمَحْضِ، وَلَمْ يَتَشَوَّفُوا إِلَى انْتِحَاءِ دَرْكِ الْيَقِينِ، وَابْتِغَاءِ ثَلْجِ الصُّدُورِ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُشَمِّرُوا لِلطَّلَبِ، ثُمَّ يَنْجَحُوا أَوْ يُحَقِّقُوا. ثُمَّ إِذَا رَأَوْا مَنْ لَا يَرَى التَّعْرِيجَ عَلَى التَّقْلِيدِ، وَيَشْرَئِبُّ إِلَى مَدَارِكِ الْعُلُومِ، وَيُحَاوِلُ الِانْتِفَاضَ مَنْ [وَضَرِ] الْجَهْلِ، نَفَرُوا نِفَارَ الْأَوَابِدِ، وَنَخَرُوا نَخِيرَ الْحُمُرِ الْمُسْتَنْفِرَةِ، وَأَضْرَبُوا عَنْ إِجَالَةِ الْفِكْرِ وَالنَّظَرِ، وَارْجَحَنُّوا إِلَى الْمَطَاعِنِ عَلَى مَنْ يُحَاوِلُ الْحَقَائِقَ وَيُلَابِسُ الْمَضَايِقَ وَقَنَعُوا مِنْ مَنْصِبِ الْعُلَمَاءِ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ يَبْغِي الْعِلْمَ وَالتَّرَقِّي عَنِ الْجَهَالَاتِ وَالْبَحْثِ عَنْ حَقَائِقِ الْمَقَالَاتِ. ٥٩١ - وَلَمْ أَجْمَعْ فُصُولَ هَذَا الْكِتَابِ مُضَمَّنَةً بِمَبَاحِثِي وَاخْتِيَارَاتِي، إِلَّا وَمُعَوَّلِي ثَقَابَةُ رَأْيِ سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا، كَهْفِ الْوَرَى،

стр. 402

وَسَيِّدِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا، وَاتِّقَادِ قَرِيحَتِهِ الْمُتَطَلِّعَةِ عَلَى حُجُبِ الْمُغْمَضَاتِ، وَمَسْتُورِ الْمُعْوِصَاتِ (٢١٥) فَهَذَا مَبْلَغٌ فِي صِفَاتِ الْمُفْتِينَ مُقْنِعٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ . ٥٩٢ - وَلَا يَتِمُّ الْمَقْصِدُ فِي هَذَا الْفَصْلِ، مَا لَمْ أُمَهِّدْ فِي أَحْكَامِ الْفَتْوَى قَاعِدَةً يَتَعَيَّنُ الِاعْتِنَاءُ بِفَهْمِهَا وَالِاهْتِمَامُ بِعِلْمِهَا وَهُوَ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ ضَرْبٌ مِنَ النَّظَرِ فِي تَعْيِينِ الْمُفْتِي الَّذِي يُقَلِّدُهُ وَيَعْتَمِدُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَ فِي مَسَائِلِهِ كُلَّ مُتَلَقِّبٍ بِالْعِلْمِ. وَقَدْ ذَكَرْتُ طَرَفًا صَالِحًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ (النِّظَامِيِّ) وَلَسْتُ أُعِيدَ مَا ذَكَرْتُهُ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ، وَلَكِنِّي آخُذُ فِي فَنٍّ آخَرَ لَائِقٍ بِهَذَا الْكِتَابِ، فَأَقُولُ: ٥٩٣ - اخْتَلَفَتْ مَذَاهِبُ الْأُصُولِيِّينَ فِيمَا عَلَى الْمُسْتَفْتِي مِنَ النَّظَرِ فَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ ﵀ فِي طَائِفَةٍ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَمْتَحِنَ مَنْ يُرِيدُ تَقْلِيدَهُ، وَسَبِيلُ امْتِحَانِهِ أَنْ يَتَلَقَّنَ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةً تَلِيقُ بِالْعُلُومِ الَّتِي يُشْتَرَطُ اسْتِجْمَاعُ الْمُفْتِي

стр. 403

لَهَا وَيُرَاجِعُهُ فِيهَا، فَإِنْ أَصَابَ فِيهَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا وَيُقَلِّدُهُ حِينَئِذٍ. وَإِنْ تَعَثَّرَ فِيهَا تَعَثُّرًا مُشْعِرًا بِخُلُوِّهِ عَنْ قَوَاعِدِهَا، لَمْ يَتَّخِذْهُ قُدْوَتَهُ وَأُسْوَتَهُ. ٥٩٤ - وَذَهَبَ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا إِلَى أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَجِبُ وَلَكِنْ يَكْفِي أَنْ يَشْتَهِرَ فِي النَّاسِ اسْتِجْمَاعُ الرَّجُلِ صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ، وَيَشِيعُ ذَلِكَ شُيُوعًا مُغَلِّبًا عَلَى الظَّنِّ. وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: لَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي اعْتِمَادُ قَوْلِ الْمُفْتِي، فَإِنَّ وَصْفَهُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ فِي حُكْمِ الْإِطْرَاءِ وَالثَّنَاءِ، وَقَوْلُ الْمَرْءِ فِي ذِكْرِ مَنَاقِبِ نَفْسِهِ غَيْرُ مَقْبُولٍ. ٥٩٥ - وَالَّذِي أَخْتَارُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يَتَحَتَّمُ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الَّذِينَ كَانُوا يَرْفَعُونَ وَقَائِعَهُمْ، وَيُنْهُونَ مَسَائِلَهُمْ إِلَى أَئِمَّةِ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى اسْتِفْتَائِهِمْ إِلْقَاءَ الْمَسَائِلِ، وَالِامْتِحَانَ بِهَا، وَكَانَ (٢١٦) عُلَمَاءُ الصَّحَابَةِ لَا يَأْمُرُونَ عَوَامَّهُمْ وَمُسْتَفْتِيهِمْ بِأَنْ يُقَدِّمُوا امْتِحَانَ الْمُقَلَّدِينَ. ٥٩٦ - وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّ مَنْ ظَهَرَ وَرَعُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَبَعُدَ عَنْ مَظَانِّ

стр. 404

التُّهَمِ، فَيَجُوزُ لِلْمُسْتَفْتِينَ اعْتِمَادُ قَوْلِهِ إِذَا ذُكِرَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى، فَنَعْلَمُ أَنَّ الْغَرِيبَ كَانَ يَرِدُ وَيَسْأَلُ مَنْ يَرَاهُ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ، فَكَانَ ذَلِكَ مُشْتَهَرًا مُسْتَفِيضًا مِنْ دَأْبِ الْوَافِدِينَ وَالْوَارِدِينَ، وَلَمْ يَبْدُ نَكِيرٌ مِنْ جُلَّةِ الصَّحَابَةِ وَكُبَرَائِهِمْ. فَإِذَا كَانَ الْغَرَضُ حُصُولَ غَلَبَةِ ظَنِّ الْمُسْتَفْتِي، فَهِيَ تَحْصُلُ بِاعْتِمَادِ قَوْلِ مَنْ ظَهَرَ وَرَعُهُ، كَمَا تَحْصُلُ بِاسْتِفَاضَةِ الْأَخْبَارِ عَنْهُ. وَلَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي سَبِيلٌ إِلَى الْإِحَاطَةِ بِحَقِيقَةِ رُتْبَةِ الْمُفْتِي مَعَ عُرُّوِهِ عَنْ مَوَادِّ الْعُلُومِ، سِيَّمَا إِذَا فُرِضَ الْقَوْلُ فِي غَبِيٍّ عَرِيٍ عَنْ مَبَادِئِ الْعُلُومِ، وَالِاسْتِئْنَاسِ بِأَطْرَافِهَا. ٥٩٧ - وَمِمَّا يَتَعَيَّنُ ذِكْرُهُ أَنَّ مَنْ وَجَدَ فِي زَمَانٍ مُفْتِيًا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَقْلِيدُهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْقَى إِلَى مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ. وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا ثَبَتَ مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ فِي وَاقِعَةٍ، وَفَتْوَى مُفْتِي الزَّمَانِ خَالَفَتْ مَذْهَبَهُ فَلَيْسَ لِلْعَامِّيِّ

стр. 405

الْمُقَلِّدِ أَنْ يُؤْثِرَ تَقْدِيمَ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ [الصِّدِّيقِ] مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ فِي عَقْدِهِ أَفْضَلُ الْخَلِيفَةِ بَعْدَ الْمُرْسَلِينَ ﵈. فَإِنَّ الصَّحَابَةَ وَإِنْ كَانُوا صُدُورَ الدِّينِ، وَأَعْلَامَ الْمُسْلِمِينَ، وَمَفَاتِيحَ الْهُدَى وَمَصَابِيحَ الدُّجَى، فَمَا كَانُوا يُقَدِّمُونَ تَمْهِيدَ الْأَبْوَابِ، وَتَقْدِيمَ الْأَسْبَابِ لِلْوَقَائِعِ قَبْلَ وُقُوعِهَا وَقَدْ كَفَانَا الْبَحْثُ عَنْ مَذَاهِبِهِمُ الْبَاحِثُونَ وَالْأَئِمَّةُ الْمُعْتَنُونَ بِنَخْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ، فَمَنْ ظَهَرَ لَهُ وُجُوبُ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ [﵁] لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُؤْثِرَ مَذْهَبَ أَبِي بَكْرٍ [﵁] عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ; إِذْ لَوْلَا ذَلِكَ (٢١٧) لَتَعَيَّنَ تَقْدِيمُ مَذْهَبِ أَبِي بَكْرٍ فِي كُلِّ مَسْأَلَةِ نُقِلَ مَذْهَبُهُ فِيهَا، ثُمَّ مَذْهَبُ عُمَرَ، ثُمَّ هَكَذَا عَلَى حَسَبِ تَرْتِيبِهِمْ فِي الْمَنَاقِبِ وَالْمَرَاتِبِ. ٥٩٨ - فَإِذَا وَضَحَ ذَلِكَ، بَنَيْنَا عَلَيْهِ مُعْضِلَةً مِنْ أَحْكَامِ الْفَتْوَى، وَقُلْنَا: مَنْ نَظَرَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ نَظَرًا يَلِيقُ بِهِ - كَمَا سَبَقَتِ الْإِشَارَةُ إِلَيْهِ - فَأَدَّاهُ نَظَرُهُ إِلَى تَقْلِيدِ إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ الشَّافِعِيِّ - رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ - ;

стр. 406

وَلَكِنْ كَانَ فِي زَمَانِهِ مُفْتٍ مُسْتَجْمِعٌ لِلشَّرَائِطِ الْمَرْعِيَّةِ، وَكَانَتْ فَتْوَاهُ قَدْ تُخَالِفُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ، فَالْمُسْتَفْتِي الَّذِي اعْتَقَدَ عَلَى الْجُمْلَةِ اتِّبَاعَ الشَّافِعِيِّ ﵀ يُقَلِّدُ مُفْتِيَ زَمَانِهِ، أَمْ يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ [﵁] وَيَتَلَقَّفُهُ عَلَى حَسَبِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ مِنْ نَاقِلِيهِ؟ . ٥٩٩ - فَنَقُولُ: أَوَّلًا مَنْ تَرَقَّى إِلَى رُتْبَةِ الْفَتْوَىِ وَاسْتَقَلَّ بِمَنْصِبِ الِاسْتِبْدَادِ فِي الِاجْتِهَادِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ فِي مُطَّرِدِ الِاعْتِيَادِ انْطِبَاقُ فَتَاوِيهِ وَاخْتِيَارَاتِهِ فِي جَمِيعِ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ ; فَإِنَّ مَسَالِكَ الِاجْتِهَادِ وَأَسَالِيبَ الظُّنُونِ كَثِيرَةٌ، وَجِهَاتُ النَّظَرِ لَا يَحْوِيهَا حَصْرٌ. ٦٠٠ - نَعَمْ يَجُوزُ أَنْ يُؤْثِرَ مُفْتٍ قَوَاعِدَ الشَّافِعِيِّ [﵁] مَثَلًا فِي وَضْعِ الْأَدِلَّةِ وَالْمَآخِذِ الْكُلِّيَّةِ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنِ اخْتِلَافٍ فِي تَفَاصِيلِ النَّظَرِ. فَالْمُسْتَفْتِي إِذًا يَعْتَمِدُ مَذْهَبَ الْحَبْرِ الَّذِي اعْتَقَدَ تَقَدُّمَهُ عَلَى مَنْ عَدَاهُ، أَمْ يَرْجِعُ إِلَى مُفْتِي زَمَانِهِ؟ .

стр. 407

٦٠١ - فَقَدْ يَتَّجِهُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى مُفْتِي دَهْرِهِ، فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمَاضِيَ، وَإِنْ عَظُمَ قَدْرُهُ وَعَلَا مَنْصِبُهُ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ تَقَدَّمَ وَسَبَقَ، وَلَمْ يَلْحَقْهُ هَذَا الْمُسْتَفْتِي يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ [أَئِمَّةِ] الصَّحَابَةِ ﵃ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَيْسَ لِلْمُسْتَفْتِي أَنْ يَتَتَبَّعَ مَذَاهِبَ الصَّحَابَةِ (٢١٨) وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَوْلَى بِالْبَحْثِ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ الْمُسْتَفْتِينَ. كَذَلِكَ مُفْتِي الزَّمَانِ فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ أَحَقُّ بِالْبَحْثِ مِنَ الْمُسْتَفْتِي. ٦٠٢ - وَلَئِنْ كَانَ يَنْقَدِحُ لِلْمُسْتَفْتِي وَجْهٌ مِنَ النَّظَرِ فِي تَقْدِيمِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، فَهُوَ نَظَرٌ كُلِّيٌّ لَا يَلُوحُ فِي تَفَاصِيلِ الْمَسَائِلِ، وَنَظَرُ الْمُفْتِي فِي الْبَحْثِ وَالتَّنْقِيرِ، وَتَعْيِينُ جِهَاتِ النَّظَرِ فِي آحَادِ الْمَسَائِلِ أَصَحُّ وَأَوْثَقُ مِنْ ظَنٍّ عَلَى الْجُمْلَةِ لِمُسْتَفْتٍ، لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالتَّفْصِيلِ. فَهَذَا وَجْهٌ. ٦٠٣ - وَيَجُوزُ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: مَذَاهِبُ الْأَئِمَّةِ لَا تَنْقَطِعُ

стр. 408

بِمَوْتِهِمْ، فَكَأَنَّ الشَّافِعِيَّ [﵁] وَإِنِ انْقَلَبَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَيٌّ ذَابٌّ عَنْ مَذْهَبِهِ، وَلَوْ فَرَضْنَا مُعَاصَرَةَ هَذَا الْمُسْتَفْتِي الشَّافِعِيَّ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْمُفْتِي الَّذِي هُوَ مَوْجُودٌ فِي الزَّمَانِ، لَكَانَ الْمُسْتَفْتِي يَتَتَبَّعُ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ لَا مَحَالَةَ. ٦٠٤ - وَلَيْسَ مَا ذَكَرْنَاهُ خَارِمًا لِمَا مَهَّدْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمُسْتَفْتِيَ لَا يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهُمْ ﵃ مَا كَانُوا يَضَعُونَ الْمَسَائِلَ لِتَمْهِيدِ الْقَوَاعِدِ، وَتَبْوِيبِ الْأَبْوَابِ، وَالْمُسْتَفْتِي مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِ مَسَالِكِ الْبَاحِثِينَ الْفَاحِصِينَ عَنْ أَقَاصِيصِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَطُرُقِ الْمَاضِينَ. ٦٠٥ - وَالشَّافِعِيُّ مِنَ الْمُتَنَاهِينَ فِي الْبَحْثِ عَنِ الْمَطَالِبِ، وَنَخْلِ الْمَذَاهِبِ، وَالِاهْتِمَامِ بِالنَّظَرِ فِي الْمَنَاصِبِ وَالْمَرَاتِبِ، وَنَظَرُهُ فِي التَّأْصِيلِ وَالتَّفْصِيلِ، وَالتَّنْوِيعِ وَالتَّفْرِيعِ - أَغْوَصُ مِنْ نَظَرِ عُلَمَاءِ الزَّمَانِ، وَمُجَرَّدُ تَارِيخِ التَّقَدُّمِ وَالتَّأَخُّرِ - مَعَ الْقَطْعِ بِأَنَّ الْمَذَاهِبَ لَا تَزُولُ بِزَوَالِ مُنْتَحِلِيهَا - لَا أَثَرَ لَهُ. فَهَذَانِ وَجْهَانِ مُتَعَارِضَانِ وَاحْتِمَالَانِ مُتَقَابِلَانِ، وَلَا يَبْلُغُ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ الْقَطْعِ. ٦٠٦ - وَالْأَوْجَهُ عِنْدِي أَنْ يُقَلِّدَ الْمُسْتَفْتِي مُفْتِيَ زَمَانِهِ. ثُمَّ تَحْقِيقُ

стр. 409

الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: حَقٌّ [عَلَى] الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْتَفْتِيَ (٢١٩) مُفْتِيَ زَمَانِهِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي فِيهَا مَخَاضُنَا الْآنَ ;فَإِنَّهَا مَسْأَلَةٌ لَا يَتَّضِحُ فِيهَا لِلشَّافِعِيِّ ﵁ تَنْصِيصٌ عَلَى مَذْهَبٍ، فَلْيَقُلْ لِمُفْتِي الزَّمَانِ: مُعْتَقَدِي تَقْدِيمُ الشَّافِعِيِّ، وَقَدْ خَالَفَ مَذْهَبُكَ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي دُفِعْتُ إِلَى السُّؤَالِ عَنْهَا مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ [﵁] فَمَا تَرَى لِي فِي طَرِيقِ الِاسْتِفْتَاءِ؟ أَأَنْزِلُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ؟ أَمْ أَتَّبِعُكَ فِي فَتْوَاكَ؟ ! . ٦٠٧ - فَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُ الْمُفْتِي إِلَى تَكْلِيفِهِ اتِّبَاعَهُ، اتَّبَعَهُ وَقَلَّدَهُ، وَإِنْ أَدَّى اجْتِهَادُهُ إِلَى تَكْلِيفِهِ تَقْلِيدَ إِمَامِهِ أَلْزَمَهُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ لَهُ مَذْهَبَ إِمَامِهِ. وَهَذَا مِنَ الْأَسْرَارِ فَلْيَتَأَمَّلْهُ الْمُنْتَهِي إِلَيْهِ. ٦٠٨ - وَهَذَا فِيهِ إِذَا كَانَ لِلْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ مَذْهَبٌ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَةِ. فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَصِحَّ [لَهُ] مَذْهَبٌ فَلَيْسَ إِلَّا تَقْلِيدَ مُفْتِي الزَّمَانِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ.

стр. 410

٦٠٩ - وَلَوْ أَخَذْتُ فِي تَفَاصِيلِ أَحْكَامِ الْفَتْوَى، لَأَطَلْتُ أَنْفَاسِي، وَفِيهَا مَجْمُوعَاتٌ مُعَلَّقَةٌ عَنِّي، وَمُصَنَّفَةٌ لِي، فَلْيَطْلُبْهَا مَنْ تَتَشَوَّفُ هِمَّتُهُ إِلَيْهَا. ٦١٠ - وَغَرَضِي مِنْ هَذَا الْمَجْمُوعِ اسْتِقْصَاءُ الْقَوْلِ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ طَرَفًا مِنْ صِفَاتِ الْمُفْتِينَ وَأَحْكَامِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ لِلنَّاظِرِ خُلُوُّ الدَّهْرِ عَنِ الْمُفْتِينَ عِنْدَ خَوْضِنَا فِيهِ وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ، وَهُوَ بِإِسْعَافِ رَاجِيهِ حَقِيقٌ. وَقَدْ نَجَزَ مَقْصِدُنَا فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى.

стр. 411

[الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ الْبَابُ الثَّانِي فِيمَا إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ] َ وَبَقِيَ نَقَلَةُ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ] ٦١١ - فَأَمَّا الْمَرْتَبَةُ الثَّانِيَةُ فَهِيَ فِيهِ إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُفْتِينَ الْبَالِغِينَ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْرَ الدَّهْرُ عَنْ نَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ الصَّحِيحَةِ عَنِ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَتَكَادُ هَذِهِ الصُّورَةُ تُوَافِقُ هَذَا الزَّمَانَ وَأَهْلَهُ. وَالْوَجْهُ تَقْدِيمُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّاقِلِ وَصِفَتِهِ ثُمَّ الْخَوْضُ فِي ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْمُسْتَفْتُونَ فَأَقُولُ: ٦١٢ - لَا يَسْتَقِلُّ بِنَقْلِ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَنْ يَعْتَمِدُ الْحِفْظَ، وَلَا يَرْجِعُ إِلَى كَيْسٍ وَفِطْنَةٍ وَفِقْهٍ (٢٢٠) طَبْعٌ ; فَإِنَّ [تَصْوِيرَ] مَسَائِلِهَا أَوَّلًا، وَإِيرَادَ صُوَرِهَا عَلَى وُجُوهِهَا لَا يَقُومُ بِهَا إِلَّا فَقِيهٌ. ثُمَّ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ بَعْدَ اسْتِتْمَامِ التَّصْوِيرِ لَا يَتَأَتَّى إِلَّا مِنْ مَرْمُوقٍ فِي الْفِقْهِ خَبِيرٍ، فَلَا يَنْزِلُ نَقْلُ مَسَائِلِ الْفِقْهِ مَنْزِلَةَ نَقْلِ الْأَخْبَارِ وَالْأَقَاصِيصِ وَالْآثَارِ. وَإِنْ فُرِضَ النَّقْلُ فِي الْجَلِيَّاتِ [مِنْ وَاثِقٍ بِحِفْظِهِ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي أَمَانَتِهِ، لَمْ يُمْكِنْ فَرْضُ نَقْلِ الْخَفِيَّاتِ] مِنْ غَيْرِ اسْتِقْلَالٍ بِالدِّرَايَةِ. ٦١٣ - فَإِذَا وَضَحَ مَا حَاوَلْنَاهُ مِنْ صِفَةِ النَّاقِلِ، فَالْقَوْلُ بَعْدَ ذَلِكَ فِيمَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ.

стр. 412

فَإِذَا وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يُصَادِفَ النَّقَلَةُ فِيهَا جَوَابًا مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَإِمَّا أَنْ لَا يَجِدُوا فِيهَا بِعَيْنِهَا جَوَابًا. فَإِنْ وَجَدُوا فِيهَا مَذْهَبَ الْأَئِمَّةِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، نَقَلُوهُ وَاتَّبَعَهُ الْمُسْتَفْتُونَ. وَلَا بُدَّ مِنْ إِزَالَةِ اسْتِبْهَامٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ. ٦١٤ - فَإِذَا نَقَلَ النَّاقِلُونَ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَنَقَلُوا مَذَاهِبَ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ عَصْرِهِ، [فَالْمُسْتَفْتِي] يَتَّبِعُ أَيَّ الْمَذَاهِبِ؟ مَعَ اعْتِقَادِهِ أَنَّ مَنْ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا يُوَازِيهِ، وَلَا يُدَانِيهِ؟ . ٦١٥ - هَذَا يَنْبَنِي عَلَى مَا أَجْرَيْتُهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الرُّكْنِ، وَهُوَ أَنَّ مَنْ عَاصَرَ مُفْتِيًا، وَصَادَفَ مَذْهَبَهُ مُخَالِفًا لِمَذْهَبِ الْإِمَامِ الَّذِي اعْتَقَدَهُ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الْبَاحِثِينَ وَالْمُمَهِّدِينَ لِأَبْوَابِ الْأَحْكَامِ قَبْلَ وُقُوعِ الْوَقَائِعِ، فَإِنَّهُ يَتَّبِعُ مَذْهَبَ الْمُفْتِي أَوْ مَذْهَبَ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ الْمُتَقَادِمِ؟ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ تَرَدَّدٌ، وَوَضَحَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ اتِّبَاعُ مُفْتِي الزَّمَانِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ بِتَأَخُّرِهِ سَبَرَ مَذْهَبَ مَنْ كَانَ

стр. 413

قَبْلَهُ، وَنَظَرُهُ فِي التَّفَاصِيلِ [أَسَدُّ] مِنْ نَظَرِ الْمُقَلِّدَ عَلَى الْجُمْلَةِ. ٦١٦ - فَإِذَا تَجَدَّدَ الْعَهْدُ بِهَذَا، فَقَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ عَلَى مُوجَبِ ذَلِكَ (٢٢١) أَنَّ اتِّبَاعَ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَوْلَى وَإِنْ فَاقَهُمُ الشَّافِعِيُّ ﵀ فَضْلًا، فَإِنَّهُمْ بِاسْتِئْخَارِهِمُ اخْتَصُّوا بِمَزِيدِ بَحْثٍ وَسَبْرٍ. ٦١٧ - وَالَّذِي أَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْقَطْعُ بِاتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَالْإِضْرَابُ عَنْ مَذَاهِبِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْهُ قَدْرًا وَعَصْرًا. وَإِنْ كُنْتُ أَرَى تَقْلِيدَ مُفْتِي الزَّمَانِ لَوْ صُودِفَ ; لَأَنَّ الَّذِي يُوجَدُ لَا يَعْسُرُ تَقْلِيدُهُ، وَتَطْوِيقُهُ أَحْكَامَ الْوَقَائِعِ. فَأَمَّا تَكْلِيفُ الْمُسْتَفْتِينَ الْإِحَاطَةَ بِمَرَاتِبِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنِ الشَّافِعِيِّ - مَثَلًا - عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَتَفَاوُتِ مَنَاصِبِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ، فَعُسْرٌ لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ إِلَّا مَنْ وَفَرَتْ حُظُوظُهُ مِنْ عُلُومٍ. ٦١٨ - وَإِنَّمَا رَأَيْتُ هَذَا مَقْطُوعًا بِهِ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَرَ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُقَلِّدِينَ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى مَذَاهِبِ مَنْ دُونَ الْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَلَكِنْ مَنْ كَانَ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُفْتِيًا، جَزَمَ فَتْوَاهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ مَذْهَبَ

стр. 414

مَنْ سِوَاهُ، وَمَنْ قَدَّرَ نَفْسَهُ نَاقِلًا، أَحَالَ الْمُرَاجِعِينَ عَلَى مَذَاهِبِ الْحَبْرِ الْمُتَقَدِّمِ. وَهَذَا لَائِحٌ لَا يَجْحَدُهُ مُحَصِّلٌ. فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّ الْوَاقِعَةَ إِذَا نَقَلَ فِيهَا مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّقْلِ مَذْهَبَ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ [قَدْ] ظَهَرَ لِلْمُسْتَفْتِي بِمَا كُلِّفَهُ مِنَ النَّظَرِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْأَئِمَّةِ الْبَاحِثِينَ، فَالْمُسْتَفْتِي يَتَّبِعُ مَا صَحَّ النَّقْلُ فِيهِ. ٦١٩ - وَإِنْ وَقَعَتْ وَاقِعَةٌ لَمْ يُصَادِفِ النَّقَلَةُ فِيهَا مَذْهَبًا مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لِلْإِمَامِ الْمُقَدَّمِ، وَقَدْ عَرِيَ الزَّمَانُ عَنِ الْمُجْتَهِدِينَ، فَهَذَا مَقَامٌ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الِاهْتِمَامِ إِلَى الْوُقُوفِ عَلَى الْمَغْزَى مِنْهُ وَالْمَرَامِ، وَهُوَ سِرُّ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ. فَأَقُولُ: ٦٢٠ - قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ نَقْلَ الْفِقْهِ يَسْتَدْعِي كَيْسًا وَفَطِنَةً وَحُظْوَةً بَالِغَةً فِي الْفِقْهِ. ثُمَّ الْفَقِيهُ النَّاقِلُ يُفْرَضُ عَلَى وَجْهَيْنِ:

стр. 415

أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فِي الْفِقْهِ عَلَى مَبْلَغٍ يَتَأَتَّى مِنْهُ بِسَبَبِهِ نَقْلُ الْمَذَاهِبِ فِي الْجَلِيَّاتِ (٢٢٢) وَالْخَفَايَا تَصْوِيرًا، وَتَحْرِيرًا، وَتَقْرِيرًا، وَلَا يَكُونُ فِي فَنِّ الْفِقْهِ بِحَيْثُ يَسْتَدُّ لَهُ قِيَاسُ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَلَى الْمَنْصُوصِ. فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ، اعْتُمِدَ فِيمَا نَقَلَ. ٦٢١ - وَإِنْ وَقَعَتْ وَاقِعَاتٌ لَا نُصُوصَ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ فِي أَعْيَانِهَا، فَمَا تَعَرَّى عَنِ النَّصِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا - أَنْ يَكُونَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْتَاجُ فِي دَرْكِ ذَلِكَ إِلَى فَضْلِ نَظَرٍ، وَسَبْرِ عِبَرٍ، وَإِنْعَامِ فِكْرٍ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنَّ يَخْلُوَ عَنِ الْإِحَاطَةِ بِمَدَارِكِ هَذِهِ الْمَسَالِكِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِنَقْلِ الْفِقْهِ، فَلْيَلْحَقْ فِي هَذَا الْقِسْمِ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. ٦٢٢ - وَبَيَانُ ذَلِكَ بِالْمِثَالِ مِنْ أَلْفَاظِ الشَّارِعِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيبُ صَاحِبِهِ» " فَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ، وَلَكِنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّ الْأَمَةَ الْمُشْتَرِكَةَ فِي مَعْنَى الْعَبْدِ الَّذِي اتَّفَقَ النَّصُّ عَلَيْهِ، وَلَا حَاجَةَ فِي ذَلِكَ إِلَى الْفَحْصِ وَالتَّنْقِيرِ عَنْ مَبَاحِثِ الْأَقْيِسَةِ.

стр. 416

فَإِذَا جَرَى لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ مِثْلُ ذَلِكَ، لَمْ يَشُكَّ الْمُسْتَقِلُّ بِنَقْلِ مَذْهَبِهِ فِي هَذَا الضَّرْبِ فِي إِلْحَاقِ مَا فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ. ٦٢٣ - وَإِذَا احْتَوَى الْفَقِيهُ عَلَى مَذْهَبِ إِمَامٍ مُقَدَّمٍ حِفْظًا وَدِرَايَةً، وَاسْتَبَانَ أَنَّ غَيْرَ الْمَذْكُورِ مُلْتَحِقٌ بِالْمَذْكُورِ فِيمَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى اسْتِثَارَةِ مَعَانٍ، وَاسْتِنْبَاطِ عِلَلٍ، فَلَا يَكَادُ يَشِذُّ عَنْ مَحْفُوظِ هَذَا النَّاقِلِ حُكْمُ وَاقِعَةٍ فِي مُطَّرِدِ الْعَادَاتِ. وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ لَا تَخْلُو فِي كُلِّ كِتَابٍ، بَلْ فِي كُلِّ بَابٍ عَنْ جَوَامِعَ وَضَوَابِطَ، وَتَقَاسِيمَ، تَحْوِي طَرَائِقَ الْكَلَامِ فِي الْمُمْكِنَاتِ، مَا وَقَعَ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَقَعْ، وَلَوْ أَوْضَحْتُ مَا أُحَاوِلُهُ بِضَرْبِ الْأَمْثِلَةِ لَاحْتَجْتُ إِلَى ذِكْرِ (٢٢٣) صَدْرٍ صَالِحٍ مِنْ فَنِّ الْفِقْهِ، مِنْ غَيْرِ مَسِيسِ الْحَاجَةِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي هَذَا الَّذِي أَفْضَى الْكَلَامُ إِلَيْهِ طَائِفَتَانِ: فُقَهَاءُ نَاقِلُونَ مُعْتَمَدُونَ فِيمَا يَنْقُلُونَ، وَمُسْتَفْتُونَ رَاجِعُونَ إِلَى الْمُسْتَقِلِّينَ بِنَقْلِ مَذَاهِبِ الْمَاضِينَ.

стр. 417

٦٢٤ - فَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مَضْمُونُ مَا ذَكَرْتُهُ قَطْعًا، وَأَمَّا الْمُسْتَفْتُونَ، فَلَا يُحِيطُونَ بِسِرِّ الْغَرَضِ فِيهِ، وَإِنْ بُسِطَ لَهُمُ الْمَقَالُ، وَأُكْثِرَتْ لَهُمُ الْأَمْثَالُ فَتُصِيبُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَصْلِ مُرَاجَعَةُ الْفُقَهَاءِ، وَالنُّزُولُ عَلَى مَا يُنْهُونَ إِلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْكَامِ. وَقَدْ فَهِمَ عَنَّا مَنْ نَاجَيْنَاهُ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَا أَرَدْنَاهُ، وَاتَّضَحَ الْمَقْصِدُ فِيمَا أَوْرَدْنَاهُ. ٦٢٥ - ثُمَّ لَسْنَا نَضْمَنُ مَعَ مَا قَرَّبْنَاهُ اشْتِمَالَ الْحِفْظِ عَلَى قَضَايَا جَمِيعِ مَا يُتَوَقَّعُ وُقُوعُهُ مِنَ الْوَقَائِعِ. فَإِنْ فُرِضَتْ وَاقِعَةٌ لَا يَحْوِيهَا نُصُوصٌ، وَلَا تَضْبُطُهَا حُدُودٌ رَوَابِطُ، وَجَوَامِعُ ضَوَابِطُ. وَلَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَى مَا انْطَوَتِ النُّصُوصُ عَلَيْهِ. فَالْقَوْلُ فِيهَا يَلْتَحِقُ بِالْكَلَامِ [فِيمَا] إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنْ نَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهِيَ الْمَقْصُودَةُ مِنَ الرُّكْنِ الثَّالِثِ، وَمَا عَدَاهَا كَالْمُقَّدِمَاتِ وَالتَّسْبِيبِ.

стр. 418

٦٢٦ - وَمَا ذَكَرْنَاهُ الْآنَ فِيمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ نَاقِلُ الْمَذَاهِبِ بِحَيْثُ يَقْوَى عَلَى مَسَالِكِ الْأَقْيِسَةِ، وَيَسْتَمْكِنُ مِنَ الِاسْتِدَادِ فِي اسْتِنْبَاطِ الْمَعَانِي. ٦٢٧ - فَأَمَّا مَنْ كَانَ فَقِيهَ النَّفْسِ، مُتَوَقِّدَ الْقَرِيحَةِ، بَصِيرًا بِأَسَالِيبِ الظُّنُونِ، خَبِيرًا بِطُرُقِ الْمَعَانِي فِي هَذِهِ الْفُنُونِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، لِقُصُورِهِ عَنِ الْمَبْلَغِ الْمَقْصُودِ فِي الْآدَابِ أَوْ لِعَدَمِ تَبَحُّرِهِ فِي الْفَنِّ الْمُتَرْجَمِ بِأُصُولِ الْفِقْهِ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْلُو عَنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ الْفَقِيهُ الْمَرْمُوقُ وَالْفَطِنُ فِي أَدْرَاجِ الْفِقْهِ - وَإِنْ كَانَ لَا يَسْتَقِلُّ بِنَظْمِ أَبْوَابِهِ، وَتَهْذِيبِ أَسْبَابِهِ، فَمِثْلُ هَذَا الْفَقِيهِ إِذَا أَحَاطَ بِمَذْهَبِ (٢٢٤) إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، وَذَلِكَ الْإِمَامُ هُوَ الَّذِي ظَهَرَ فِي ظَنِّ الْمُسْتَفْتِينَ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمُقَدَّمِينَ الْبَاحِثِينَ، [فَمَا] يَجِدُهُ مَنْصُوصًا مِنْ مَذْهَبِهِ يُنْهِيهِ وَيُؤَدِّيهِ، وَيَلْحَقُ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مَا فِي مَعْنَاهُ، كَمَا سَبَقَ الْكَلَامُ فِيهِ.

стр. 419

٦٢٨ - وَإِذَا عَنَّتْ وَاقِعَةٌ لَا بُدَّ مِنْ إِعْمَالِ الْقِيَاسِ فِيهَا [فَقَدْ] خَبَرَ الْفَقِيهُ الْمُسْتَقِلُّ بِمَذْهَبِ إِمَامِهِ مَسَالِكَ أَقْيِسَتِهِ وَطُرُقَ تَصَرُّفَاتِهِ فِي إِلْحَاقَاتِهِ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِلشَّارِعِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَا يَعْسُرُ عَلَيْهِ أَنْ يُبَيِّنَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ قِيَاسَ مَذْهَبِ إِمَامِهِ. ٦٢٩ - ثُمَّ الَّذِي أَقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي اتِّبَاعُ اجْتِهَادِ مِثْلِ هَذَا الْفَقِيهِ فِي إِلْحَاقِهِ - بِطُرُقِ الْقِيَاسِ الَّتِي أَلِفَهَا وَعَرَفَهَا -[مَا] لَا نَصَّ فِيهِ لِصَاحِبِ الْمَذْهَبِ بِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْمُجْتَهِدَ الْبَالِغَ مَبْلَغَ أَئِمَّةِ الدِّينِ صِفَتُهُ أَنَّهُ أَنِسَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَاحْتَوَى عَلَى الْفُنُونِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا فِي الْإِحَاطَةِ بِأُصُولِ الْمَسْأَلَةِ، وَالِاسْتِمْكَانِ مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهَا. [فَإِذَا] اسْتَجْمَعَهَا الْعَالِمُ كَانَ عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ فِي إِصَابَةِ مَا كُلِّفَ فِي مَسَالِكِ الِاجْتِهَادِ. ٦٣٠ - فَالَّذِي أَحَاطَ بِقَوَاعِدِ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ مَثَلًا، وَتَدَرَّبَ فِي مَقَايِيسِهِ، وَتَهَذَّبَ فِي أَنْحَاءِ نَظَرِهِ وَسَبِيلِ تَصَرُّفَاتِهِ يَنْزِلُ فِي

стр. 420

الْإِلْحَاقِ بِمَنْصُوصَاتِ الشَّافِعِيِّ مَنْزِلَةَ الْمُجْتَهِدِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِطُرُقِ الظُّنُونِ إِلْحَاقَ غَيْرِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ فِي الشَّرْعِ بِمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ. ٦٣١ - وَلَعَلَّ الْفَقِيهَ الْمُسْتَقِلَّ بِمَذْهَبِ إِمَامٍ أَقْدَرُ عَلَى الْإِلْحَاقِ بِأُصُولِ الْمَذْهَبِ الَّذِي حَوَاهُ - مِنَ الْمُجْتَهِدِ فِي مُحَاوَلَتِهِ الْإِلْحَاقَ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ ; فَإِنَّ الْإِمَامَ الْمُقَلِّدَ الْمُقَدَّمَ بَذَلَ كُنْهَ مَجْهُودِهِ فِي الضَّبْطِ، وَوَضَعَ الْكِتَابَ بِتَبْوِيبِ الْأَبْوَابِ (٢٢٥) وَتَمْهِيدِ مَسَالِكِ الْقِيَاسِ وَالْأَسْبَابِ، وَالْمُجْتَهِدَ الَّذِي يَبْغِي رَدَّ الْأَمْرِ إِلَى أَصْلِ الشَّرْعِ لَا يُصَادِفُ فِيهِ مِنَ التَّمْهِيدِ وَالتَّقْعِيدِ مَا يَجِدُهُ نَاقِلُ الْمَذْهَبِ فِي أَصْلِ الْمَذْهَبِ الْمُهَذَّبِ [الْمُفَرَّعِ] الْمُرَتَّبِ. ٦٣٢ - وَالَّذِي يُحَقِّقُ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ إِذَا عَدِمْنَا مُجْتَهِدًا، وَوَجَدْنَا فَقِيهًا دَرِبًا قَيَّاسًا، وَحَصَلْنَا عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ فِي الْتِحَاقِ مَا لَا نَصَّ فِيهِ فِي الْمَذْهَبِ الَّذِي يَنْتَحِلُهُ بِالْمَنْصُوصَاتِ، فَإِحَالَةُ الْمُسْتَفْتِينَ عَلَى ذَلِكَ أَوْلَى مِنْ تَعْرِيَةِ وَقَائِعَ عَنِ التَّكَالِيفِ، وَإِحَالَةِ الْمُسْتَرْشِدِينَ

стр. 421

عَلَى عَمَايَاتٍ وَأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُنَا عَلَيْهِ فِي الْمَرْتَبَةِ التَّالِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ -. وَهَذَا فَتْحٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرْعِ لَائِقٌ بِحَاجَاتِ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَقَدْ وَفَّقَ اللَّهُ شَرْحَهُ. ٦٣٣ - وَتَنَخَّلَ مِنْ مُحَصَّلِ الْكَلَامِ أَنَّ الْفَقِيهَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ يَحُلُّ فِي حَقِّ الْمُسْتَفْتِي مَحَلَّ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ الرَّاقِي إِلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا فِي الْخِلَالِ الْمَرْعِيَّةِ نَاقِلًا، وَمُلْحِقًا وَقَايِسًا. ثُمَّ يُقَلِّدُ الْمُسْتَفْتِي ذَلِكَ الْإِمَامَ الْمُقَدَّمَ الْمُنْقَلِبَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ [تَعَالَى] وَرِضْوَانِهِ، لَا الْفَقِيهَ النَّاقِلَ الْقَيَّاسَ. ٦٣٤ - فَإِنَ فَرَضَ فَارِضٌ مِنْ مَثَلِ الْفَقِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَرَدُّدًا وَتَبَلُّدًا فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَلَى نُدُورٍ، فَقَدْ يُتَصَوَّرُ [تَوَقَّفُ] الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ.

стр. 422

٦٣٥ - وَبِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَذْكُرُ فِي آخِرِ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ، إِذَا تَوَقَّفَ فِيهَا الْمُفْتُونُ، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا النَّاقِلُونَ، وَنُوَضِّحُ مَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ . فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَطْلُوبِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ.

стр. 423

[الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ] الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ (الْبَابُ الثَّالِثُ) [فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ] ٦٣٦ - مَضْمُونُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ذِكْرُ [مُتَعَلِّقِ] التَّكَالِيفِ إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُفْتِينَ وَعَنْ نَقَلَةٍ [لِمَذَاهِبِ] الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، فَمَاذَا يَكُونُ مَرْجِعُ الْمُسْتَرْشِدِينَ الْمُسْتَفْتِينَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ؟ . ٦٣٧ - وَمِلَاكُ الْأَمْرِ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ لَا يَخْلُوَ الدَّهْرُ عَنِ الْمَرَاسِمِ (٢٢٦) الْكُلِّيَّةِ، وَلَا تَعْرَى الصُّدُورُ عَنْ حِفْظِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَعْتَاصُ التَّفَاصِيلُ وَالتَّقَاسِيمُ وَالتَّفْرِيغُ. وَلَا يَجِدُ الْمُسْتَفْتِي مَنْ يَقْضِي عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى التَّعْيِينِ. ٦٣٨ - فَإِذَا لَاحَ لِلنَّاظِرِ تَصْوِيرُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ نُقَدِّمُ عَلَى الْخَوْضِ فِي مَقْصُودِهَا الْخَاصِّ أَمْرًا كُلِّيًّا فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، يَقْضِي اللَّبِيبُ مِنْ حُسْنِهِ الْعَجَبَ، وَيَتَهَذَّبُ بِهِ الْكَلَامُ

стр. 424

فِي غَرَضِ الْمَرْتَبَةِ وَيَتَرَتَّبُ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْأُسِّ وَالْقَاعِدَةِ، وَالْمَلَاذِ الْمَتْبُوعِ، الَّذِي إِلَيْهِ الرُّجُوعُ. فَنَقُولُ: ٦٣٩ - لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ شَدَا طَرَفًا مِنَ التَّحْقِيقِ أَنَّ مَآخِذَ الشَّرِيعَةِ مَضْبُوطَةٌ مَحْصُورَةٌ، وَقَوَاعِدَهَا مَعْدُودَةٌ مَحْدُودَةٌ ; فَإِنَّ مَرْجِعَهَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْآيُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَبَيَانِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَعْلُومَةٌ، وَالْأَخْبَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ مُتَنَاهِيَةٌ. ٦٤٠ - وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْأَحْلَامِ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَسْتَصْوِبُونَ فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ تَقْضِي الْعُقُولُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ فِي حُكْمِ الْإِيَالَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَالشَّرْعُ وَارِدٌ بِتَحْرِيمِهِ. [وَلَسْنَا] نُنْكِرُ تَعَلُّقَ مَسَائِلِ الشَّرْعِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَكِنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْمَحْصُورَةِ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً عَلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الِاسْتِصْلَاحِ، وَمَسَالِكِ الِاسْتِصْوَابِ. ثُمَّ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ.

стр. 425

٦٤١ - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ تَقْدِيرُ وَاقِعَةٍ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا وَزَعَمَ إِنَّهَا إِذَا اتَّفَقَتْ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا. وَهَذَا زَلَلٌ ظَاهِرٌ. ٦٤٢ - وَالْمُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ وُقُوعُ وَاقِعَةٍ مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَمَلَتِهَا إِلَّا وَفِي الشَّرِيعَةِ (٢٢٧) مُسْتَمْسِكٌ بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهَا. ٦٤٣ - وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ] ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ - اسْتَفْتَحُوا النَّظَرَ فِي الْوَقَائِعِ وَالْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ فَكَانُوا يَعْرِضُونَهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [تَعَالَى] ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا مُتَعَلَّقًا، رَاجَعُوا سُنَنَ الْمُصْطَفَى ﵇ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا شِفَاءً، اشْتَوَرُوا، وَاجْتَهَدُوا، وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجُوا فِي تَمَادِي دَهْرِهِمْ، إِلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ بِسُنَّتِهِمْ، فَلَمْ [تَتَّفِقْ] فِي مَكَرِّ الْأَعْصَارِ، وَمَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاقِعَةٌ نَقْضِي بِعُرُّوِهَا عَنْ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ التَّكْلِيفِ. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ
следующие страницы →