Полный текст (522 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
عَلَى عَمَايَاتٍ وَأُمُورٍ كُلِّيَّةٍ، كَمَا سَيَأْتِي شَرْحُنَا عَلَيْهِ فِي الْمَرْتَبَةِ التَّالِيَةِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ اسْمُهُ -.
وَهَذَا فَتْحٌ عَظِيمٌ فِي الشَّرْعِ لَائِقٌ بِحَاجَاتِ أَهْلِ الزَّمَانِ، وَقَدْ وَفَّقَ اللَّهُ شَرْحَهُ.
٦٣٣ - وَتَنَخَّلَ مِنْ مُحَصَّلِ الْكَلَامِ أَنَّ الْفَقِيهَ الَّذِي وَصَفْنَاهُ يَحُلُّ فِي حَقِّ الْمُسْتَفْتِي مَحَلَّ الْإِمَامِ الْمُجْتَهِدِ الرَّاقِي إِلَى الرُّتْبَةِ الْعُلْيَا فِي الْخِلَالِ الْمَرْعِيَّةِ نَاقِلًا، وَمُلْحِقًا وَقَايِسًا. ثُمَّ يُقَلِّدُ الْمُسْتَفْتِي ذَلِكَ الْإِمَامَ الْمُقَدَّمَ الْمُنْقَلِبَ إِلَى رَحْمَةِ اللَّهِ [تَعَالَى] وَرِضْوَانِهِ، لَا الْفَقِيهَ النَّاقِلَ الْقَيَّاسَ.
٦٣٤ - فَإِنَ فَرَضَ فَارِضٌ مِنْ مَثَلِ الْفَقِيهِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ تَرَدُّدًا وَتَبَلُّدًا فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ عَلَى نُدُورٍ، فَقَدْ يُتَصَوَّرُ [تَوَقَّفُ] الْمُجْتَهِدِ فِي بَعْضِ الْوَقَائِعِ.
стр. 422
٦٣٥ - وَبِعَوْنِ اللَّهِ وَتَوْفِيقِهِ أَذْكُرُ فِي آخِرِ الْمَرْتَبَةِ الثَّالِثَةِ تَفْصِيلَ الْقَوْلِ فِي آحَادِ الْوَقَائِعِ، إِذَا تَوَقَّفَ فِيهَا الْمُفْتُونُ، أَوْ تَرَدَّدَ فِيهَا النَّاقِلُونَ، وَنُوَضِّحُ مَا عَلَى الْمُسْتَفْتِينَ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَهَذَا مُنْتَهَى الْمَطْلُوبِ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ.
стр. 423
[الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ الْبَابُ الثَّالِثُ فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ]
الْمَرْتَبَةُ الثَّالِثَةُ
(الْبَابُ الثَّالِثُ)
[فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْمُفْتِينَ وَنَقَلَةِ الْمَذَاهِبِ]
٦٣٦ - مَضْمُونُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ ذِكْرُ [مُتَعَلِّقِ] التَّكَالِيفِ إِذَا خَلَا الزَّمَانُ عَنِ الْمُفْتِينَ وَعَنْ نَقَلَةٍ [لِمَذَاهِبِ] الْأَئِمَّةِ الْمَاضِينَ، فَمَاذَا يَكُونُ مَرْجِعُ الْمُسْتَرْشِدِينَ الْمُسْتَفْتِينَ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ؟ .
٦٣٧ - وَمِلَاكُ الْأَمْرِ فِي تَصْوِيرِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ لَا يَخْلُوَ الدَّهْرُ عَنِ الْمَرَاسِمِ (٢٢٦) الْكُلِّيَّةِ، وَلَا تَعْرَى الصُّدُورُ عَنْ حِفْظِ الْقَوَاعِدِ الشَّرْعِيَّةِ، وَإِنَّمَا تَعْتَاصُ التَّفَاصِيلُ وَالتَّقَاسِيمُ وَالتَّفْرِيغُ. وَلَا يَجِدُ الْمُسْتَفْتِي مَنْ يَقْضِي عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فِي الْوَاقِعَةِ عَلَى التَّعْيِينِ.
٦٣٨ - فَإِذَا لَاحَ لِلنَّاظِرِ تَصْوِيرُ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَنَحْنُ بِعَوْنِ اللَّهِ نُقَدِّمُ عَلَى الْخَوْضِ فِي مَقْصُودِهَا الْخَاصِّ أَمْرًا كُلِّيًّا فِي قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، يَقْضِي اللَّبِيبُ مِنْ حُسْنِهِ الْعَجَبَ، وَيَتَهَذَّبُ بِهِ الْكَلَامُ
стр. 424
فِي غَرَضِ الْمَرْتَبَةِ وَيَتَرَتَّبُ، وَيَجْرِي مَجْرَى الْأُسِّ وَالْقَاعِدَةِ، وَالْمَلَاذِ الْمَتْبُوعِ، الَّذِي إِلَيْهِ الرُّجُوعُ. فَنَقُولُ:
٦٣٩ - لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ شَدَا طَرَفًا مِنَ التَّحْقِيقِ أَنَّ مَآخِذَ الشَّرِيعَةِ مَضْبُوطَةٌ مَحْصُورَةٌ، وَقَوَاعِدَهَا مَعْدُودَةٌ مَحْدُودَةٌ ; فَإِنَّ مَرْجِعَهَا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، وَسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَالْآيُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى الْأَحْكَامِ، وَبَيَانِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مَعْلُومَةٌ، وَالْأَخْبَارُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالتَّكَالِيفِ فِي الشَّرِيعَةِ مُتَنَاهِيَةٌ.
٦٤٠ - وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إِلَى ذَوِي الرَّأْيِ وَالْأَحْلَامِ أَنْ يَفْعَلُوا مَا يَسْتَصْوِبُونَ فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ تَقْضِي الْعُقُولُ بِأَنَّهُ الصَّوَابُ فِي حُكْمِ الْإِيَالَةِ وَالسِّيَاسَةِ، وَالشَّرْعُ وَارِدٌ بِتَحْرِيمِهِ.
[وَلَسْنَا] نُنْكِرُ تَعَلُّقَ مَسَائِلِ الشَّرْعِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْمَصَالِحِ، وَلَكِنَّهَا مَقْصُورَةٌ عَلَى الْأُصُولِ الْمَحْصُورَةِ، وَلَيْسَتْ ثَابِتَةً عَلَى الِاسْتِرْسَالِ فِي جَمِيعِ وُجُوهِ الِاسْتِصْلَاحِ، وَمَسَالِكِ الِاسْتِصْوَابِ.
ثُمَّ نَعْلَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَخْلُو وَاقِعَةٌ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُتَعَبِّدِينَ.
стр. 425
٦٤١ - وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَمِي إِلَى أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ تَقْدِيرُ وَاقِعَةٍ لَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ حُكْمُ اللَّهِ فِيهَا وَزَعَمَ إِنَّهَا إِذَا اتَّفَقَتْ فَلَا تَكْلِيفَ عَلَى الْعِبَادِ فِيهَا. وَهَذَا زَلَلٌ ظَاهِرٌ.
٦٤٢ - وَالْمُعْتَقَدُ أَنَّهُ لَا يُفْرَضُ وُقُوعُ وَاقِعَةٍ مَعَ بَقَاءِ الشَّرِيعَةِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ حَمَلَتِهَا إِلَّا وَفِي الشَّرِيعَةِ (٢٢٧) مُسْتَمْسِكٌ بِحُكْمِ اللَّهِ فِيهَا.
٦٤٣ - وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمُصْطَفَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ] ، وَرَضِيَ عَنْهُمْ - اسْتَفْتَحُوا النَّظَرَ فِي الْوَقَائِعِ وَالْفَتَاوَى وَالْأَقْضِيَةِ فَكَانُوا يَعْرِضُونَهَا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ [تَعَالَى] ، فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا مُتَعَلَّقًا، رَاجَعُوا سُنَنَ الْمُصْطَفَى ﵇ فَإِنْ لَمْ يَجِدُوا فِيهَا شِفَاءً، اشْتَوَرُوا، وَاجْتَهَدُوا، وَعَلَى ذَلِكَ دَرَجُوا فِي تَمَادِي دَهْرِهِمْ، إِلَى انْقِرَاضِ عَصْرِهِمْ، ثُمَّ اسْتَنَّ مَنْ بَعْدَهُمْ بِسُنَّتِهِمْ، فَلَمْ [تَتَّفِقْ] فِي مَكَرِّ الْأَعْصَارِ، وَمَمَرِّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَاقِعَةٌ نَقْضِي بِعُرُّوِهَا عَنْ مُوجِبٍ مِنْ مُوجِبَاتِ التَّكْلِيفِ.
وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ
стр. 426
مُمْكِنًا لَكَانَ يَتَّفِقُ وُقُوعُهُ عَلَى تَمَادِي الْآمَادِ، مَعَ التَّطَاوُلِ وَالِامْتِدَادِ. فَإِذَا لَمْ يَقَعُ عَلِمْنَا اضْطِرَارًا [مِنْ] مُطَّرَدِ الِاعْتِيَادِ أَنَّ الشَّرِيعَةَ تَشْتَمِلُ كُلَّ وَاقِعَةٍ مُمْكِنَةٍ، وَلَمَّا «قَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ [﵁] : " بِمَ تَحْكُمُ يَا مُعَاذُ؟ " فَقَالَ: بِكِتَابِ اللَّهِ. قَالَ: " فَإِنْ لَمْ تَجِدْ "؟ قَالَ: أَجْتَهِدْ رَأْيِي» .
فَقَرَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- وَصَوَّبَهُ، وَلَمْ يَقُلْ: فَإِنْ قَصَرَ عَنْكَ اجْتِهَادُكَ، فَمَاذَا تَصْنَعُ؟ . فَكَانَ ذَلِكَ نَصًّا عَلَى أَنَّ الْوَقَائِعَ تَشْمَلُهَا الْقَوَاعِدُ الَّتِي ذَكَرَهَا مُعَاذٌ.
٦٤٤ - فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ: مَا يَتَوَقَّعُ وُقُوعَهُ مِنَ الْوَقَائِعِ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَمَآخِذُ الْأَحْكَامِ مُتَنَاهِيَةٌ، فَكَيْفَ يَشْتَمِلُ مَا يَتَنَاهَى عَلَى مَا لَا يَتَنَاهَى، وَهَذَا إِعْضَالٌ لَا يَبُوءُ بِحَمْلِهِ إِلَّا مُوَفَّقٌ رَيَّانُ مِنْ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ.
стр. 427
٦٤٥ - فَنَقُولُ: [لِلشَّرْعِ] مَبْنًى بَدِيعٌ، وَأُسُّ هُوَ مَنْشَأُ كُلِّ تَفْصِيلٍ وَتَفْرِيعٍ، وَهُوَ مُعْتَمَدُ الْمُفْتِي فِي الْهِدَايَةِ الْكُلِّيَّةِ وَالدِّرَايَةِ وَهُوَ الْمُشِيرُ إِلَى اسْتِرْسَالِ أَحْكَامِ اللَّهِ عَلَى الْوَقَائِعِ مَعَ نَفْيِ النِّهَايَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ مُتَقَابِلَةٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ، وَالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْإِطْلَاقِ (٢٢٨) وَالْحَجْرِ، وَالْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ، وَلَا يَتَقَابَلُ قَطُّ أَصْلَانِ إِلَّا وَيَتَطَرَّقُ الضَّبْطُ إِلَى أَحَدِهِمَا، وَتَنْتَفِي النِّهَايَةُ عَنْ مُقَابِلِهِ وَمُنَاقِضِهِ.
٦٤٦ - وَنَحْنُ نُوَضِّحُ ذَلِكَ بِضَرْبِ أَمْثَالٍ، ثُمَّ نَسْتَصْحِبُ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ الشَّرِيفَةِ فِي تَفَاصِيلِ الْأَغْرَاضِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ فِي كُلٍّ حِينٍ وَأَوَانٍ، فَنَقُولُ:
٦٤٧ - قَدْ حَكَمَ الشَّرْعُ [بِتَنْجِيسِ] أَعْيَانٍ، وَمَعْنَى النَّجَاسَةِ التَّعَبُّدُ بِاجْتِنَابِ مَا نَجَسَّهُ الشَّرْعُ فِي بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَلَى تَفَاصِيلَ يَعْرِفُهَا حَمَلَةُ الشَّرِيعَةِ فِي الْحَالَاتِ، ثُمَّ مَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ يَنْحَصِرُ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا، وَمَا لَا يَحْكُمُ الشَّرْعُ بِنَجَاسَتِهِ
стр. 428
لَا نِهَايَةَ لَهُ فِي ضَبْطِنَا، فَسَبِيلُ الْمُجْتَهِدِ أَنْ يَطْلُبَ مَا يُسْأَلُ عَنْ نَجَاسَتِهِ وَطَهَارَتِهِ [مِنَ] الْقِسْمِ الْمُنْحَصِرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ مَنْصُوصًا فِيهِ، وَلَا مُلْتَحِقًا بِهِ، [بِالْمَسْلَكِ] الْمَضْبُوطِ الْمَعْرُوفِ عِنْدَ أَهْلِهِ، أَلْحَقَهُ بِمَقَابِلِ الْقِسْمِ وَمُنَاقِضِهِ، وَحَكَمَ بِطَهَارَتِهِ.
٦٤٨ - فَاسْتَبَانَ أَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ خُلُوُّ وَاقِعَةٍ فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ عَنْ حُكْمِ اللَّهِ [تَعَالَى] فِيهَا.
ثُمَّ هَذَا الْمَسْلَكُ يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ قَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ، وَمِنْهُ يَنْبَسِطُ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ.
٦٤٩ - وَهَذَا السِّرُّ فِي قَضَايَا التَّكَالِيفِ لَا يُوَازِنُهُ مَطْلُوبٌ مِنْ هَذَا الْفَنِّ عُلُوًّا وَشَرَفًا، وَسَيَزْدَادُ الْمُطَّلِعُ عَلَيْهِ كُلَّمَا نَهَجَ فِي النَّظَرِ مِنْهَاجًا، ثُمَّ يَزْدَادُ اهْتِزَازًا وَابْتِهَاجًا. فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا نَقُولُ:
٦٥٠ - الْمَقْصُودُ الْكُلِّيُّ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ أَنْ نَذْكُرَ فِي كُلِّ أَصْلٍ مِنْ
стр. 429
أُصُولِ الشَّرِيعَةِ قَاعِدَةً تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْقُطْبِ مِنَ الرَّحَى، وَالْأُسِّ مِنَ الْمَبْنَى، وَنُوَضِّحُ أَنَّهَا مَنْشَأُ التَّفَارِيعِ وَإِلَيْهِ انْصِرَافُ الْجَمِيعِ.
وَالْمَسَائِلُ النَّاشِئَةُ مِنْهَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهَا انْعِطَافَ بَنِي الْمُهُودِ مِنَ الْحَاضِنَةِ إِلَى حِجْرِهَا، وَتَأْزِرُ إِلَيْهَا كَمَا تَأَزِرُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا.
٦٥١ - وَلَوْ أَرَدْتُ (٢٢٩) أَنْ أَصِفَ مَضْمُونَ هَذَا الرُّكْنِ بِالتَّرَاجِمِ وَالْعِبَارَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى الْجَوَامِعِ وَالْجُمَلِ، انْعَقَدَ الْكَلَامُ، وَلَمْ يُحِطْ بِهِ فَهْمُ الْمُنْتَهِي إِلَيْهِ.
٦٥٢ - وَإِذَا فَصَّلْتُ مَا أَبْتَغِيهِ فَصْلًا فَصْلًا، وَذَكَرْتُ مَا أُحَاوِلُهُ أَصْلًا أَصْلًا، تَبَيَّنَ الْغَرَضُ مِنَ التَّفْصِيلِ، وَعَلَى فَضْلِ اللَّهِ وَتَيْسِيرِهِ التَّعْوِيلُ. فَلْتَقَعِ الْبِدَايَةُ بِكِتَابِ الطَّهَارَةِ.
стр. 430
[كِتَابُ الطَّهَارَةِ] [ فصل في المياه]
[فَصْلٌ]
فَنَقُولُ: فِي حُكْمِ الْمِيَاهِ:
٦٥٣ - قَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ بِإِنْزَالِ الْمَاءِ الطَّهُورِ، فَقَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ .
وَالطَّهُورُ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ هُوَ الطَّاهِرُ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرُ لِغَيْرِهِ.
وَيَطْرَأُ عَلَى الْمَاءِ الطَّهُورِ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ:
أَحَدُهَا - النَّجَاسَةُ.
وَالثَّانِي - الْأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ.
وَالثَّالِثُ الِاسْتِعْمَالُ.
٦٥٤ - فَأَمَّا النَّجَاسَةُ إِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاءِ فَمَذْهَبُ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَاسْتَمْسَكَ فِي إِثْبَاتِ مَذْهَبِهِ بِمَا رُوِيَ
стр. 431
عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: " «خُلِقَ الْمَاءُ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَيَّرَ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ» ".
٦٥٥ - وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَنْجُسْ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خَمْسِ قِرَبٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذَا الْمَبْلَغَ، فَوَقَعَتْ فِيهِ نَجَاسَةٌ، تَنَجَّسَ، تَغَيَّرَ أَوْ لَمْ يَتَغَيَّرْ.
٦٥٦ - وَاضْطَرَبَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ﵀ وَلَسْتُ لِاسْتِقْصَاءِ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ ; فَإِنَّ غَرَضِي وَرَاءَ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ.
٦٥٧ - فَإِنْ فُرِضَ عَصْرٌ خَالٍ عَنْ مَوْثُوقٍ فِي نَقْلِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ، وَالْتَبَسَ عَلَى النَّاسِ هَذِهِ التَّفَاصِيلُ، الَّتِي رَمَزْتُ إِلَيْهَا، وَقَدْ تَحَقَّقُوا أَنَّ النَّجَاسَةَ عَلَى الْجُمْلَةِ مُجْتَنَبَةٌ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَى ذَوِي الْعُقُولِ أَنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْمِيَاهِ الْعَظِيمَةِ، كَالْبِحَارِ وَالْأَوْدِيَةِ
стр. 432
الْغَزِيرَةِ كَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَغَيْرِهِمَا، وَلَا بُدَّ مِنَ اسْتِعْمَالِ الْمِيَاهِ فِي [الطَّهَارَاتِ] وَالْأَطْعِمَةِ وَبِهِ قِوَامُ ذَوِي (٢٣٠) الْأَرْوَاحِ.
٦٥٨ - وَالَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْحَالَةُ أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ نَجَاسَةً اجْتَنَبَهَا، وَمَنِ اسْتَيْقَنَ [خُلُوَّ مَاءٍ] عَنِ النَّجَاسَةِ، لَمْ يَسْتَرِبْ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ شَكَّ، فَلَمْ يَدْرِ أَخَذَ بِالطَّهَارَةِ.
فَإِنَّ تَكْلِيفَ مَاءٍ [مُسْتَيْقَنِ] الطَّهَارَةِ، بِحَيْثُ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهِ إِمْكَانُ النَّجَاسَةِ عَسِرُ الْكَوْنِ، مُعْوِزُ الْوُجُودِ، وَفِي جِهَاتِ الْإِمْكَانِ مُتَّسَعٌ، وَلَوْ كُلِّفَ الْخَلْقُ طَلَبَ يَقِينِ الطَّهَارَةِ فِي الْمَاءِ، لَضَاقَتْ مَعَايِشُهُمْ، وَانْقَطَعُوا عَنْ مُضْطَرَبِهِمْ وَمَكَاسِبِهِمْ، ثُمَّ لَمْ يَصِلُوا آخِرًا إِلَى مَا يَبْغُونَ.
٦٥٩ - فَهَذِهِ قَوَاعِدُ كُلِّيَّةٌ تُخَامِرُ الْعُقُولَ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ لَا تَكَادُ تَخْفَى، وَإِنْ دَرَسَتْ تَفَاصِيلُ الْمَذَاهِبِ.
٦٦٠ - وَإِنِ اسْتَيْقَنَ الْمَرْءُ وُقُوعَ نَجَاسَةٍ فِيمَا يُقَدِّرُهُ كَثِيرًا، وَقَدْ تَنَاسَى النَّاسُ الْقُلَّتَيْنِ، وَمَذْهَبُ الصَّائِرِ إِلَى اعْتِبَارِهِمَا، فَالَّذِي تَقْتَضِيهِ هَذِهِ الْحَالَةُ أَنَّ الْمُغْتَرِفَ مِنَ الْمَاءِ إِنِ اسْتَيْقَنَ أَنَّ النَّجَاسَةَ قَدِ
стр. 433
انْتَشَرَتْ إِلَى هَذَا الْمُغْتَرَفِ وَفِي اسْتِعْمَالِهِ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ فَلَا يَسْتَعْمِلْهُ.
وَإِنْ تَحَقَّقَ أَنَّ النَّجَاسَةَ لَمْ تَنْتَهِ إِلَى هَذَا الْمُغْتَرَفِ، اسْتَعْمَلَهُ، وَإِنَّ شَكَّ أَخَذَ بِالطَّهَارَةِ ; فَإِنَّ مِمَّا تَقَرَّرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ اسْتِصْحَابُ الْحُكْمِ بِيَقِينِ طَهَارَةِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَنْ يَطْرَأَ عَلَيْهَا يَقِينُ النَّجَاسَةِ.
٦٦١ - وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ قَرِيبٌ مِنْ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الْآنَ.
٦٦٢ - وَلَوْ تَرَدَّدَ الْإِنْسَانُ فِي نَجَاسَةِ شَيْءٍ وَطَهَارَتِهِ، وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يُخْبِرُهُ بِنَجَاسَتِهِ أَوْ طَهَارَتِهِ، مُفْتِيًا أَوْ نَاقِلًا، فَمُقْتَضَى هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَخْذُ بِالطَّهَارَةِ، فَإِنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ شَكَّ فِي طَهَارَةِ ثَوْبٍ أَوْ نَجَاسَتِهِ فَلَهُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ.
٦٦٣ - فَإِذَا عَسِرَ دَرْكُ الطَّهَارَةِ مِنَ الْمَذَاهِبِ، وَخَلَا الزَّمَانُ عَنْ مُسْتَقِلٍّ بِمَذْهَبِ عُلَمَاءِ الشَّرِيعَةِ، فَالْوَجْهُ رَدُّ الْأَمْرِ مَا ظَهَرَ فِي قَاعِدَةِ الشَّرْعِ أَنَّهُ الْأَغْلَبُ.
٦٦٤ - وَقَدْ قَدَّمْنَا: أَنَّ الْأَصْلَ (٢٣١) طَهَارَةُ الْأَشْيَاءِ، وَإِنَّ الْمَحْكُومَ بِنَجَاسَتِهِ مَعْدُودٌ مَحْدُودٌ. وَلَوْ وَجَدْنَا فِي تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ عَيْنًا،
стр. 434
وَجَوَّزْنَا أَنَّهَا دَمٌ، وَلَمْ يَبْعُدْ أَنْ يَكُونَ صَبِيغًا مُضَاهِيًا لِلدَّمِ فِي لَوْنِهِ وَقَوَامِهِ، وَاسْتَوَى الْجَائِزَانِ فِيهِ عِنْدَنَا، فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
٦٦٥ - فَالْتِبَاسُ الْمَذَاهِبِ، وَتَعَذُّرُ ذِكْرِ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَصْرِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْتِبَاسِ الْأَحْوَالِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ مَعَ وُجُودِ الْعُلَمَاءِ.
٦٦٦ - فَإِنْ قِيلَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرْتَهُ اخْتِرَاعُ مَذْهَبٍ لَمْ يَصِرْ إِلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ، وَالَّذِينَ أَوْضَحُوا [مَذَاهِبَهُمْ] لَمْ يُخَصِّصُوهَا بِبَعْضِ الْأَعْصَارِ، بَلْ أَرْسَلُوهَا مُنْبَسِطَةً عَلَى الْأَزْمَانِ كُلِّهَا.
٦٦٧ - قُلْنَا: هَذَا الْفَنُّ مِنَ الْكَلَامِ يَتَقَبَّلُهُ رَاكِنٌ إِلَى التَّقْلِيدِ، مُضْرِبٌ عَنِ الْمَبَاحِثِ كُلِّهَا، أَوْ مُتَبَحِّرٌ فِي تَيَّارِ بِحَارِ عُلُومِ الشَّرِيعَةِ بَالِغٌ فِي كُلِّ [غَمْرَةٍ] إِلَى مَقَرِّهَا، صَالٍ بِحَرِّهَا، صَابِرٌ عَلَى سَبْرِهَا، بَصِيرٌ بِمَآخِذِ الْأَقْيِسَةِ فِي مُعْضِلَاتِهَا، غَوَّاصٌ
стр. 435
عَلَى مَغَاصَاتِهَا، وَافِرُ الْحَظِّ فِي بَدَائِعِهَا، وَيُنْكِرُهَا الشَّادُونَ الْمُسْتَطْرِقُونَ الَّذِينَ لَمْ يَتَشَوَّفُوا بِهِمَمِهِمْ إِلَى دَرْكِ الْحَقَائِقِ، وَلَمْ يُضْطَرُّوا إِلَى الْمَآزِقِ وَالْمَضَايِقِ.
٦٦٨ - وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ الِانْفِصَالِ عَنِ السُّؤَالِ قَبْلَ الِانْدِفَاعِ فِي مَجَالِ الْمَقَالِ.
فَنَقُولُ: لَوْ عُرِضَتِ الْكُتُبُ الَّتِي صَنَعَهَا الْقَيَّاسُونَ فِي الْفِقْهِ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُرَتَّبَةِ، وَالْأَبْوَابِ الْمُبَوَّبَةِ، وَالصُّوَرِ الْمَفْرُوضَةِ قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَبَدَائِعِ الْأَجْوِبَةِ فِيهَا، وَالْعِبَارَاتِ الْمُخْتَرَعَةِ مِنْ مُسْتَمَسَكَاتِهِمْ فِيهَا اسْتِدْلَالًا، وَسُؤَالًا وَانْفِصَالًا، كَالْجَمْعِ وَالْفَرْقِ، وَالنَّقْضِ وَالْمَنْعِ، وَالْقَلْبِ وَفَسَادِ الْوَضْعِ، وَالْقَوْلِ بِالْمُوجِبِ، وَنَحْوِهَا، لَتَعِبَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَسَلَّمَ]- فِي فَهْمِهَا إِذْ لَمْ يَكُنْ عَهْدٌ بِهَا، وَمَنْ فَاجَأَهُ شَيْءٌ
стр. 436
لَمْ يَعْهَدْهُ، احْتَاجَ إِلَى رَدِّ (٢٣٢) الْفِكْرِ إِلَيْهِ، لِيَأْنَسَ بِهِ، ثُمَّ يَسْتَمِرَّ عَلَى أَمْثَالِهِ.
وَمُعْظَمُ الْمَسَائِلِ الَّتِي وَضَعُوهَا لَمْ يُلْفُوهَا بِأَعْيَانِهَا مَنْصُوصًا عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُمْ قَدَّرُوهَا عَلَى مُقَارَبَةٍ وَمُنَاسَبَةٍ مِنْ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ.
٦٦٩ - فَتَقْدِيرُ [إِعْوَاصِ] الْمَذَاهِبِ وَالْتِبَاسِ الْآرَاءِ وَالْمَطَالِبِ إِذَا جَرَّ إِشْكَالًا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ - وَاقِعَةٌ مَفْرُوضَةٌ، وَرَأَيْتُ فِيهَا قِيَاسَ الشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ الَّتِي أَنْتَجَهُ الْتِبَاسُ الْمَذَاهِبِ، عَلَى شَكٍّ يُنْتِجُهُ إِشْكَالٌ فِي الْأَحْوَالِ مَعَ بَقَاءِ الْمَذَاهِبِ.
٦٧٠ - فَقُصَارَى الْقَوْلِ فِيهِ اعْتِبَارُ شَكٍّ بِشَكٍّ، وَبِنَاءُ الْأَمْرِ عَلَى تَغْلِيبِ مَا قَضَى الشَّرْعُ بِتَغْلِيبِهِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ.
٦٧١ - وَالَّذِي يَكْشِفُ الْغِطَاءَ فِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَنْكَرَ مَا ذَكَرْتُهُ قِيلَ: لَهُ: لَوْ قُدِّرَ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِتَفَاصِيلِ هَذَا الشَّأْنِ، وَأَشْكَلَ عَلَى صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِمَّا
стр. 437
كَانَ يَعْفُو الْعُلَمَاءُ عَنْهُ، أَمْ لَا؟ وَلَا مَاءَ غَيْرَهُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَيُّهَا الْمُعْتَرِضُ الْمُنْكِرُ؟ أَتَقُولُ: يَجِبُ اجْتِنَابُهُ، فَهَذَا إِنْ قُلْتَهُ، فَهُوَ مَذْهَبٌ مُخَالِفٌ مَذَاهِبَ الْأَوَّلِينَ. ثُمَّ يُعَارِضُهُ جَوَازُ اسْتِعْمَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَذَاهِبِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
فَهُمَا إِذًا مَسْلَكَانِ [وَالتَّجْوِيزُ] أَقْرَبُ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ فِي مَوَاقِعَ الشَّكِّ فِي النَّجَاسَاتِ كَمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
٦٧٢ - وَإِنْ قَالَ الْمُعْتَرِضُ: لَا حُكْمَ لِلَّهِ فِي هَذَا الْمَاءِ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي عَنِ الْعُلَمَاءِ، رُوجِعَ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ لَهُ عَنَيْتُ أَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَى الْمَرْءِ فِيهِ اسْتَعْمَلَ الْمَاءَ أَوْ أَضْرَبَ، فَهَذَا عَلَى التَّحْقِيقِ تَسْوِيغُ الِاسْتِعْمَالِ لِمَكَانِ الْإِشْكَالِ.
٦٧٣ - وَالَّذِي ذَكَرْنَاهُ أَمْثَلُ، فَإِنَّ تَبْقِيَةَ رَبْطِ الشَّرْعِ عَلَى أَقْصَى الْإِمْكَانِ، نَظَرًا إِلَى الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ، أَصْوَبُ مِنْ حَلِّ رِبَاطِ التَّكَالِيفِ لِمَكَانِ اسْتِبْهَامِ التَّفَاصِيلِ.
وَلَا يَخْفَى مَدْرَكُ الْحَقِّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ عَلَى الْفَطِنِ. وَأَمَّا الْفَدْمُ
стр. 438
الْبَلِيدُ، فَلَا احْتِفَالَ بِهِ، وَمَنْ أَبَى مَسْلَكَنَا فَهُوَ (٢٣٣) عَنُودٌ جَحُودٌ، أَوْ غَبِيٌّ بَلِيدٌ. وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّأْيِيدِ وَالتَّسْدِيدِ بِمَنِّهِ وَلُطْفِهِ.
٦٧٤ - فَإِذَا وَضَحَ مَا ذَكَرْنَاهُ، فَنَعُودُ إِلَى [سَيْرِ] الْكَلَامِ، [وَنَسْتَتِمُّ] غَرَضَنَا فِي النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ فِي هَذَا الْأُسْلُوبِ مِنَ الْكَلَامِ، وَنَقُولُ رُبَّ نَجَاسَةٍ مُسْتَيْقَنَةٍ [يَقْضِي] الشَّرْعُ بِالْعَفْوِ عَنْهَا ثُمَّ ذَلِكَ يَنْقَسِمُ إِلَى مَا لَا يُتَصَوَّرُ [التَّحَرُّزُ] عَنْهُ أَصْلًا، وَلَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ الِاسْتِقْلَالُ بِاجْتِنَابِهِ، وَهُوَ كَالْغُبَارِ الثَّائِرِ مِنْ قَوَارِعِ الطُّرُقِ الَّتِي تَطْرُقُهَا الْبَهَائِمُ وَالدَّوَابُّ وَالْكِلَابُ، وَعَلَى الْقَطْعِ نَعْلَمُ نَجَاسَتَهَا، وَالنَّاسُ فِي تَرَدُّدَاتِهِمْ وَتَصَرُّفَاتِهِمْ يَعْرَقُونَ، وَالرِّيَاحُ تُثِيرُ الْغُبَارَ ; فَتَنَالُ الْأَبْدَانَ وَالثِّيَابَ، ثُمَّ لَا يَخْلُو عَمَّا ذَكَرْنَاهُ الْبُيُوتُ وَالدُّورُ وَالْأَكْنَانُ. .
وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ [التَّحَرُّزَ] مِنْ هَذَا غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الِاسْتِطَاعَةِ، ثُمَّ الْأَنْهَارُ يَنْتَشِرُ إِلَيْهَا الْغُبَارُ الْمُثَارُ قَطْعًا، فَكَيْفَ يُفْرَضُ غَسْلُ هَذَا النَّوْعِ، وَالْمَاءُ يَتَغَشَّاهُ مِنْهُ مَا يَتَغَشَّى غَيْرَهُ مِنَ الثِّيَابِ وَالْأَبْدَانِ وَالْبِقَاعِ فَلَا خَفَاءَ يَكُونُ ذَلِكَ مَحْطُوطًا عَنِ الْمُكَلَّفِينَ أَجْمَعِينَ.
стр. 439
٦٧٥ - وَمِنْ ضُرُوبِ النَّجَاسَاتِ مَا يَدْخُلُ فِي الْإِمْكَانِ الِاحْتِرَازُ مِنْهَا عَلَى عُسْرٍ، وَإِذَا اتَّصَلَتْ بِالْبَدَنِ وَالثَّوْبِ أَمْكَنَ غَسْلُهَا، وَلَكِنْ يَلْقَى الْمُكَلَّفُونَ فِيهِ مَشَقَّةً لَوْ كُلِّفُوا الِاجْتِنَابَ وَالْإِزَالَةَ.
وَهَذَا عَلَى الْجُمْلَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ، وَإِنَّمَا اخْتِلَافُهُمْ فِي الْأَقْدَارِ وَالتَّفَاصِيلِ، وَمِثَالُ هَذَا الْقِسْمِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ﵀ – دِمَاءُ الْبَرَاغِيثِ وَالْبَثَرَاتِ إِذَا قَلَّتْ.
وَلِلْأَئِمَّةِ فِي تَفْصِيلِ هَذَا الْفَنِّ مَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ، لَيْسَ نَقْلُهَا مِنْ غَرَضِنَا الْآنَ.
٦٧٦ - وَنَحْنُ نَقُولُ وَرَاءَ ذَلِكَ: لَا يَخْفَى عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ الَّذِي لَمْ تُدْرَسْ فِيهِ قَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا الْتَبَسَتْ تَفَاصِيلُهَا أَنَّا غَيْرُ مُكَلَّفِينَ بِالتَّوَقِّي مِمَّا لَا يَتَأَتَّى التَّوَقِّي عَنْهُ، وَلَا يَخْلُو مِثْلُ هَذَا الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِأَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ (٢٣٤) التَّصَوُّنُ عَنْهُ جِدًّا، وَإِنْ كَانَ مُتَصَوَّرًا عَلَى الْعُسْرِ وَالْمَشَقَّةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَخْفَى الْمَعْفُوُّ عَنْهُ قَدْرًا وَجِنْسًا، وَلَا يَكُونُ فِي الزَّمَانِ مَنْ يَسْتَقِلُّ بِتَحْصِيلِهِ وَتَفْصِيلِهِ.
٦٧٧ - فَالْوَجْهُ عِنْدِي فِيهِ أَنْ يُقَالَ: إِنْ كَانَ التَّشَاغُلُ مِمَّا يُضَيِّقُ
стр. 440
[مُتَنَفَّسَ] الرَّجُلِ وَمُضْطَرَبَهُ فِي تَصَرُّفَاتِهِ وَعِبَادَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ، الَّتِي يُجْرِيهَا فِي عَادَاتِهِ، وَيُجْهِدُهُ وَيَكُدُّهُ مَعَ اعْتِدَالِ حَالِهِ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ فِي وَضْعِ الشَّرْعِ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ، فَإِنَّ مِمَّا اسْتَفَاضَ وَتَوَاتَرَ مِنْ شِيَمِ الْمَاضِينَ ﵃ أَجْمَعِينَ - التَّسَاهُلُ فِي هَذِهِ الْمَعَانِي، حَتَّى ظَنَّ طَوَائِفُ مِنْ أَئِمَّةِ السَّلَفِ أَنَّ مُعْظَمَ الْأَبْوَالِ وَالْأَرْوَاثِ طَاهِرَةٌ، لِمَا صَحَّ عِنْدَهُمْ مِنْ تَسَاهُلِ الْمَاضِينَ فِي هَذِهِ الْأَبْوَابِ.
٦٧٨ - وَإِنْ لَمْ يَكُنِ التَّصَوُّنُ عَنْهَا مِمَّا يَجُرُّ مَشَقَّةً بَيِّنَةً مُذْهِلَةً عَنْ مُهِمَّاتِ الْأَشْغَالِ، فَيَجِبُ إِزَالَتُهَا.
٦٧٩ - هَذَا مِمَّا يَقْضِي بِهِ كُلِّيُّ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ فَرْضِ دُرُوسِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّفَاصِيلِ.
٦٨٠ - فَهَذَا مَسْلَكٌ لِلْقَوْلِ فِي أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ، وَلَوْ أَكْثَرْتُ فِي التَّفَاصِيلِ، لَكُنْتُ هَادِمًا مَبْنَى الْكِتَابِ، فَإِنَّ أَصْلَ ذَلِكَ التَّنْبِيهِ عَلَى مُوجَبِ الْقَوَاعِدِ، مَعَ تَعَذُّرِ الْوُصُولِ إِلَى التَّفْصِيلِ، فَلَوْ فَصَّلْنَا وَفَرَّعْنَا، لَكَانَ نَقْلُ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، الْمَضْبُوطَةِ أَوْلَى مِمَّا تَقَرَّرَ كَوْنُهُ عِنْدَ دُرُوسِهَا.
стр. 441
فَلْيَفْهَمْ هَذِهِ الْمَرَامِزَ مُطَالِعُهَا، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ.
٦٨١ - وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي صَدْرِ الْبَابِ أَنَّ الْمَاءَ تَطْرَأُ عَلَيْهِ النَّجَاسَاتُ وَالْأَشْيَاءُ الطَّاهِرَةُ، وَالِاسْتِعْمَالُ. وَقَدْ نَجَزَ مِقْدَارُ غَرَضِنَا فِي أَحْكَامِ النَّجَاسَاتِ.
٦٨٢ - فَأَمَّا طَرَيَانُ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ عَلَى الْمَاءِ، فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَخْفَى مَعَ ظُهُورِ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ فِي الزَّمَانِ أَنَّ مَا يَرِدُ عَلَى الْمَاءِ مِنَ الطَّاهِرَاتِ وَلَا يُغَيِّرُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ، (٢٣٥) فَلَا أَثَرَ لَهُ فِي سَلْبِ طَهَارَةِ الْمَاءِ وَتَطْهِيرِهِ.
وَإِنْ غَيَّرَهُ مُجَاوِرًا أَوْ مُخَالِطًا فَهَذَا مَوْضِعُ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ، وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِهِ.
وَلَكِنْ أَذْكُرُ مَا يَلِيقُ بِالْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ، فَأَقُولُ:
٦٨٣ - تَخْصِيصُ الطَّهَارَاتِ بِالْمَاءِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ، وَكُلُّ مَا كَانَ تَعَبُّدًا غَيْرَ مُسْتَدْرَكِ الْمَعْنَى، فَالْوَجْهُ فِيهِ اتِّبَاعُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ شَرْعًا، فَلْنَتَّبِعِ اسْمَ الْمَاءِ ; فَكُلُّ تَغَيُّرٍ لَا يَسْلُبُ هَذَا الِاسْمَ لَا يُسْقِطُ التَّطْهِيرَ.
стр. 442
وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ كُلِّيًّا فِي تَقْدِيرِ دُرُوسِ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، هُوَ الْمُعْتَمَدُ فِي تَوْجِيهِ الْمَذْهَبِ الْمُرْتَضَى مِنْ بَيْنِ الْمَسَالِكِ الْمُخْتَلِفَةِ؟ .
٦٨٤ - وَأَمَّا طَرَيَانُ الِاسْتِعْمَالِ، فَالْمَذَاهِبُ مُخْتَلِفَةٌ فِي الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ.
وَالَّذِي يُوجِبُهُ الْأَصْلُ لَوْ نُسِيَتْ هَذِهِ الْمَذَاهِبُ فَتَنْزِيلُهُ عَلَى اسْمِ الْمَاءِ وَإِطْلَاقِهِ، [وَ] لَيْسَ يَمْتَنِعُ تَسْمِيَةُ الْمُسْتَعْمَلِ مَاءً مُطْلَقًا.
فَيُسَوَّغُ عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ التَّوَضُّؤُ بِهِ، تَمَسُّكًا بِالطَّهَارَةِ وَالِانْدِرَاجِ تَحْتَ اسْمِ الْمَاءِ الْمُطْلَقِ.
فَهَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْكَامِ الْمِيَاهِ عَلَى مَقْصِدِنَا فِي هَذَا الرُّكْنِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ فِي الْأَوَانِي]
فَصْلٌ
فِي الْأَوَانِي
٦٨٥ - الدِّبَاغُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى مَا يَذْكُرُهُ نَقَلَةُ الْمَذَاهِبِ، وَفِيهِ
стр. 443
أَخْبَارٌ مُتَعَارِضَةٌ، وَأَصَحُّهَا وَأَظْهَرُهَا يَتَضَمَّنُ أَنَّ الدِّبَاغَ يُفِيدُ طَهَارَةَ جُلُودِ الْمَيْتَاتِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِنَجَاسَتِهَا بِالْمَوْتِ.
٦٨٦ - وَلَكِنْ لَوْ نُسِيَتِ الْمَذَاهِبُ وَالْأَصَحُّ مِنْهَا، فَالَّذِي يَقْتَضِيهِ الْأَصْلُ أَنَّ مَا نَجَّسَهُ الْمَوْتُ لَا يَطْهُرُ بِنَشَفِ فُضُولٍ وَتَطْيِيبِ رَائِحَةٍ، وَالدِّبَاغُ الْآنَ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ فِي حُكْمِ رُخْصَةٍ غَيْرِ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَإِذَا دَرَسَ السَّبِيلُ الْمُوَصِّلُ إِلَيْهِ، فَالْمُكَلَّفُونَ يَتَعَبَّدُونَ بِلُزُومِ مُوجَبِ (٢٣٦) الْأَصْلِ.
وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي جَمِيعِ الرُّخَصِ عَلَى مَا سَيَأْتِي الْقَوْلُ فِيهِ مَشْرُوحًا.
٦٨٧ - وَأَمَّا الشُّعُورُ وَالْأَوْبَارُ وَالْعِظَامُ مِمَّا اخْتُلِفَ فِي نَجَاسَتِهَا، فَإِذَا انْحَسَمَ مَسْلَكُ نَقْلِ الْمَذَاهِبِ فِيهَا، وَالْأَدِلَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْهَا، الْتَحَقَ الْقَوْلُ مِنْهَا بِمَا يُشَكُّ فِي نَجَاسَتِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ كُلَّ مَا يُشَكُّ فِي نَجَاسَتِهِ فَحُكْمُ الْأَصْلِ الْأَخْذُ بِطَهَارَتِهِ.
[فَصْلٌ فِي الْأَحْدَاثِ الْمُوجِبَةِ لِلْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ]
٦٨٨ - مُوجِبَاتُ الْوُضُوءِ وَالْغَسْلِ مَحْدُودَةٌ، وَالَّذِي لَا يَنْقُصُ
стр. 444
الْوُضُوءَ وَالْغَسْلَ لَا نِهَايَةَ لَهُ، كَمَا سَبَقَ نَظِيرُهُ فِي النَّجَاسَاتِ.
وَمُوجَبُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي زَمَانِ دُرُوسِ التَّفَاصِيلِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا - أَنَّ كُلَّ مَا أَشْكَلَ عَلَى أَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ كَوْنُهُ حَدَثًا، فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا بِاسْتِصْحَابِ الطَّهَارَةِ مَعَ طَرَيَانِهِ، بِنَاءً عَلَى الْقَاعِدَةِ فِي أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ الطَّهَارَةَ، وَشَكَّ فِي الْحَدَثِ، لَمْ يَقْضِ بِانْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ الْمُسْتَيْقَنَةِ أَوَّلًا بِسَبَبِ طَرَيَانِ الْحَدَثِ. فَهَذَا أَحَدُ مَا أَرَدْنَاهُ.
٦٨٩ - وَالثَّانِي - أَنَّ بَنِي الزَّمَانِ لَوْ تَذَكَّرُوا أَنَّ مَسْأَلَةَ الْأَحْدَاثِ فِيهَا خِلَافٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مَذْهَبَ إِمَامِهِ الَّذِي يَعْتَقِدُهُ قُدْوَتَهُ وَأُسْوَتَهُ فَيَجُوزُ الْأَخْذُ بِاسْتِبْقَاءِ الطَّهَارَةِ جَرْيًا عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمُمَهَّدَةِ.
[فَصْلٌ فِي الْغَسْلِ وَالْوُضُوءِ]
٦٩٠ - أَصْلُ طَهَارَةِ الْحَدَثِ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى، وَكَذَلِكَ آلَتُهَا
стр. 445
وَمَحَلُّهَا وَانْقِسَامُهَا إِلَى الْمَغْسُولِ وَالْمَمْسُوحِ، فَلَيْسَ لَهَا فِي الشَّرْعِ قَاعِدَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ نَعْتَمِدُهَا، وَإِنَّمَا مَرْجِعُهَا إِلَى التَّوْقِيفِ.
٦٩١ - وَقَدِ اشْتَمَلَتْ آيَةُ الْوُضُوءِ عَلَى بَيَانٍ بَالِغٍ فِيهِ، فَلْيَتَّخِذْهَا أَهْلُ الزَّمَانِ مَرْجِعَهُمْ، فِي أَصْلِ الْبَابِ، وَسَيُتْلَى الْقُرْآنُ إِلَى فَجْرِ الْقِيَامَةِ، ثُمَّ الَّذِي يَقْتَضِي الزَّمَانُ الْخَالِي عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَنَاقِلِي الْمَذَاهِبِ (٢٣٧) أَنَّ النِّيَّةَ لَا تَجِبُ عَلَى الْمُتَوَضِّئِ إِذْ لَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي الْكِتَابِ، وَلَمْ يُنْقَلِ الْوُضُوءُ نَقْلَ الْقُرَبِ الَّتِي شُرِعَتْ مَقْصُودَةً لِلتَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ [تَعَالَى] ، بَلْ نُقِلَتْ نَقْلَ
стр. 446
الذَّرَائِعِ وَالْمُقَدِّمَاتِ الَّتِي يُقْصَدُ بِهَا غَيْرُهَا، فَلَيْسَ فِي نَقْلِهِ الْمُطْلَقِ عَلَى الِاسْتِفَاضَةِ وَالتَّوَاتُرِ إِشْعَارٌ بِالنِّيَّةِ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا يَتَضَمَّنُهَا.
٦٩٢ - وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي التَّيَمُّمِ ; فَإِنْ قِيلَ: التَّيَمُّمُ هُوَ الْقَصْدُ، فَهَلَّا أَشْعَرَ لَفْظُهُ بِالنِّيَّةِ؟ قُلْنَا: هُوَ بِمَعْنَى: الْقَصْدِ، وَلَكِنَّهُ مَرْبُوطٌ بِالصَّعِيدِ فَيَجِبُ، مِنْ مُقْتَضَاهُ الْقَصْدُ إِلَى التُّرَابِ.
فَهَذَا حُكْمُ النِّيَّةِ فِي الزَّمَانِ الْعَارِي عَنْ ذِكْرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ.
٦٩٣ - وَيَجِبُ عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ بِحُكْمِ الْآيَةِ غَسْلُ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْوَجْهِ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يُوجِبُ غَسْلَ الْمَرْفِقَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ: إِلَى الْمَرَافِقِ، فَلَئِنْ لَمْ يَقْتَضِ إِلَى تَحْدِيدًا [وَمُوجَبُهُ] إِخْرَاجُ الْحَدِّ عَنِ الْمَحْدُودِ فَإِنَّهَا لَا تَقْتَضِي جَمْعًا وَضَمًّا، أَيْضًا، فَلَيْسَ فِيهَا اقْتِضَاءُ غَسْلِ الْمَرْفِقَيْنِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ [زُفَرُ] .
٦٩٤ - وَكُلُّ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ، وَأَصْلُهُ التَّوْقِيفُ، فَالرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى لَفْظِ الشَّارِعِ فَمَا اقْتَضَى اللَّفْظُ وُجُوبَهُ الْتُزِمَ، وَمَالَا يَقْتَضِي
стр. 447
اللَّفْظُ وُجُوبَهُ، فَلَا وُجُوبَ فِيهِ، لِأَنَّ التَّكَالِيفَ إِنَّمَا تَثْبُتُ إِذَا تَحَقَّقَ وُرُودُ أَمْرِ الْمُكَلَّفِ. .
فَإِنْ قِيلَ: هَلَّا وَجَبَ الْأَخْذُ بِالْأَحْوَطِ؟ قُلْنَا: لَمْ يَتَأَسَّسْ فِي قَوَاعِدِ الشَّرْعِ أَنَّ مَا شُكَّ فِي وُجُوبِهِ، وَجَبَ الْأَخْذُ بِوُجُوبِهِ نَعَمْ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مَأْخَذُ الِاحْتِيَاطِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهِ فِي الشَّرِيعَةِ.
٦٩٥ - فَأَمَّا غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ، فَأَخْذُهُ مِنْ فَحْوَى الْخِطَابِ مُعْوِصٌ مَعَ اخْتِلَافِ الْقُرَّاءِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَأَرْجُلَكُمْ) بِالْكَسْرِ وَالنَّصْبِ. وَلَكِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى بَقَاءِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ مِنَ الْأَذْكَارِ، وَدُرُوسِ تَفَاصِيلِ الْمَذَاهِبِ، وَنَقْلُ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ عَنِ الرَّسُولِ، وَصَحْبِهِ مُتَوَاتِرٌ وَنِسْبَةُ الْمَصِيرِ إِلَى الْمَسْحِ إِلَى الشِّيعَةِ مُسْتَفِيضٌ، وَمِثْلُ هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ انْدِرَاسُهُ مَعَ تَوَفُّرِ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِ الْقَوَاعِدِ.
فَإِنْ فُرِضَ زَوَالُ الْقَوَاعِدِ عَنِ الذِّكْرِ، وَقَعَ الْكَلَامُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ
стр. 448
عَلَى مَا سَيَأْتِي مَشْرُوحًا. إِنْ شَاءَ اللَّهُ [تَعَالَى] .
٦٩٦ - فَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَنَّهُ يُتَّبَعُ مَا بَقِيَ مِنَ الْأَذْكَارِ، وَيُسْتَمْسَكُ بِآيَةِ الْوُضُوءِ، وَمَا لَمْ يُعْلَمْ وُجُوبُهُ، وَلَمْ يُشْعِرْ بِهِ كِتَابُ اللَّهِ، فَهُوَ مَحْطُوطٌ عَنْ أَهْلِ الزَّمَانِ ; فَإِنَّ التَّكْلِيفَ لَا يَتَوَجَّهُ إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ بِتَوَجُّهِهِ.
٦٩٧ - فَإِنْ قِيلَ: أَلَيْسَ غَلَبَاتُ الظُّنُونِ مَنَاطُ [مُعْظَمِ] الْأَحْكَامِ؟ فَهَلَّا قُلْتُمْ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْمُسْتَرْشِدِ - فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْفُقَهَاءِ - وُجُوبُهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ بِوُجُوبِهِ؟ .
قُلْنَا: هَذَا قَوْلُ مَنْ يَقْنَعُ بِظَوَاهِرِ الْأَشْيَاءِ، وَلَا يَنْبَغِي التَّوَصُّلُ إِلَى الْحَقَائِقِ، فَلْيَعْلَمِ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّا نَعْلَمُ وُجُوبَ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَالْقِيَاسُ فِي مَرْتَبَتِهِ عَلَى شَرْطِهِ، وَيَسْتَحِيلُ فِي مُقْتَضَى الْعُقُولِ أَنْ يُفِيدَ ظَنٌّ عِلْمًا، وَوُجُوبُ الْعَمَلِ بِمُوجَبِ الْخَبَرِ الَّذِي نَقَلَهُ مُتَعَرِّضُونَ لِلْخَطَأِ مَعْلُومٌ، وَالْخَبَرُ فِي نَفْسِهِ مَظْنُونٌ، وَكَذَلِكَ الْقَوْلُ فِي الْقِيَاسِ.
стр. 449
٦٩٨ - فَالْعِلْمُ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ غَيْرُ مُتَرَتِّبٍ عَلَى عَيْنِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، وَلَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى وُجُوبِ الْعَمَلِ عِنْدَ ثُبُوتِ الْخَبَرِ وَالْقِيَاسِ، فَالَّذِي اقْتَضَى الْعِلْمَ بِالْعَمَلِ الدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى الْعَمَلِ بِهِمَا، كَمَا يُسْتَقْصَى فِي فَنِّ الْأُصُولِ.
فَالْخَبَرُ وَالْقِيَاسُ يُعْمَلُ عِنْدَهُمَا، وَيُعْلَمُ ذَلِكَ بِالدَّلِيلِ الْمُقْتَضِي وُجُوبَ الْعَمَلِ عِنْدَ ثُبُوتِهِمَا.
٦٩٩ - فَإِذَا لَمْ يُعْلَمْ وَالْمُكَلَّفُ فِي الزَّمَانِ الْعَرِيِّ عَنْ جُمْلَةِ التَّفَاصِيلِ مُوجِبًا، [فَكَيْفَ] يَعْلَمُ وُجُوبًا؟ وَظَنُّهُ الَّذِي لَا مُسْتَنَدَ لَهُ مِنْ تَحْقِيقِ مَا (٢٣٩) انْتَصَبَ فِي الشَّرْعِ عَلَمًا انْتِصَابَ ظُنُونِ الْمُجْتَهِدِينَ فِي أَسَالِيبِ الْأَقْيِسَةِ، وَمُعْظَمُ أَصْنَافِ الظُّنُونِ مُطْرَحَةٌ، لَا احْتِفَالَ بِهَا.
٧٠٠ - فَقَدْ تَقَرَّرَ مَا حَاوَلْنَاهُ لِكُلِّ فَطِنٍ، وَوَضَحَ أَنَّ تَعَذُّرَ الْوُصُولِ إِلَى الْعِلْمِ بِمَا كَانَ وَاجِبًا فِي الْعُصُورِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ تَعَذُّرِ وُقُوعِ بَعْضِ الْأَعْمَالِ بِالْعَجْزِ عَنْهُ.
стр. 450
[فَصْلٌ فِي التَّيَمُّمِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ]
٧٠١ - التَّيَمُّمُ رُخْصَةٌ لَا تَحْتَمِلُ مَعْنًى مُسْتَدْرَكًا، وَإِنَّمَا الْمُتَّبَعُ فِيهَا مَوَارِدُ التَّوْقِيفِ، فَمَا ظَهَرَ فِي الْعَصْرِ مِنَ التَّيَمُّمِ عَلَى تَحْقِيقٍ وَثَبَتٍ اتُّبِعَ. وَمَا لَمْ يَظْهَرْ مُقْتَضِيهِ لَمْ تَثْبُتِ الرُّخْصَةُ بِظُنُونِ الْعَوَامِّ، وَهَذَا يَطَّرِدُ فِي الرُّخَصِ كُلِّهَا.
وَقَدْ قَدَّمْنَا الْآنَ أَنَّ ظَنَّ الْعَامِّيِّ لَا يُبَالَى بِهِ فِيمَا يَجُولُ فِي مِثْلِهِ قِيَاسُ الْعَالِمِ الْمُجْتَهِدِ، وَالْأَقْيِسَةُ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ لَا جَرَيَانَ لَهَا فِي مُعْظَمِ أَبْوَابِ الرُّخَصِ، فَكَيْفَ تَثْبُتُ الرُّخَصُ بِظُنُونٍ لَا أَصْلَ لَهَا؟ .
٧٠٢ - وَالَّذِي يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ الْمُكَلَّفَ إِذَا فَعَلَ عِنْدَ إِعْوَازِ الْمَاءِ مَا عَلِمَهُ، وَقَدْ وَضَحَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ وُجُوبَهُ، فَإِذَا صَلَّى عَلَى حَسَبِ الْعِلْمِ وَالْإِمْكَانِ، وَلَمْ يَكُنْ مُحِيطًا بِأَنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ مِمَّا تُقْضَى عِنْدَ زَوَالِ الْأَعْذَارِ أَمْ لَا، فَالَّذِي يَقْتَضِي الْأَصْلَ الْكُلِّيَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ، لِأَنَّهُ أَدَّى مَا كُلِّفَ، وَقَامَ بِمَا تَمَكَّنَ مِنْهُ.
стр. 451
٧٠٣ - وَقَدْ صَارَ إِلَى ذَلِكَ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي تَفْصِيلِ الْمَذَاهِبِ مِنْهُمُ الْمُزَنِيُّ. وَيُعْزَى ذَلِكَ إِلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ وَهُوَ خَارِجٌ عَلَى حُكْمِ الْقَاعِدَةِ الْمُعْتَبَرَةِ فِي خُلُوِّ الْعَصْرِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ لَا يُوجِبُهُ الْأَمْرُ بِالْأَدَاءِ ; إِذِ الْأَمْرُ بِالْأَدَاءِ لَا يُشْعِرُ إِلَّا بِهِ وَإِذَا لَمْ يَتَّفِقِ امْتِثَالُهُ فِي الْوَقْتِ الْمَضْرُوبِ لَهُ، كَانَ مُوجَبُ الْأَمْرِ مُقْتَضِيًا فَوَاتَ الْمَأْمُورِ بِهِ، وَلَيْسَ فِي صِيغَتِهِ التَّعَرُّضُ لِلْقَضَاءِ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ: لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ إِلَّا بِأَمْرٍ مُجَدَّدٍ، فَإِذَا أَدَّى الْمُكَلَّفُ مَا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَمْرًا بِالْقَضَاءِ، وَلَمْ يُشْعِرْ بِهِ الْأَصْلُ فَإِيجَابُ الْقَضَاءِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ بِهِ، لَا وَجْهَ لَهُ لِمَا سَبَقَ تَقْرِيرُهُ.
٧٠٤ - وَمِمَّا نَذْكُرُهُ مُتَّصِلًا بِذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ فَتَرَ الزَّمَانُ وَشَغَرَ، كَمَا فَرَضْنَاهُ، وَقَامَ الْمُكَلَّفُونَ عَلَى مَبْلَغِ عِلْمِهِمْ بِمَا عَرَفُوهُ، [ثُمَّ] قَيَّضَ اللَّهُ تَعَالَى نَاشِئَةً مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَأَحْيَا بِهِمْ مَا دَثَرَ مِنَ الْعُلُومِ، فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُمْ لَا يُوجِبُونَ الْقَضَاءَ عَلَى الَّذِينَ أَقَامُوا فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ [مَا]
стр. 452
تَمَكَّنُوا مِنْهُ، فَإِنَّ مِمَّا تَمَهَّدَ فِي الشَّرِيعَةِ أَنَّ مَنْ تَطَرَّقَ الْخَلَلُ إِلَى صَلَاتِهِ بِسَبَبِ عُذْرٍ نَادِرٍ دَائِمٍ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، فَإِنَّ الِاسْتِحَاضَةَ تَنْدُرُ، وَإِذَا وَقَعَتْ دَامَتْ وَامْتَدَّتْ فِي الْغَالِبِ، فَلَوْ شُفِيَتْ لَمْ [يَلْزَمْهَا] قَضَاءُ الصَّلَوَاتِ الَّتِي أَقَامَتْهَا مَعَ اسْتِمْرَارِ الِاسْتِحَاضَةِ.
وَتَقْدِيرُ خُلُوِّ الدَّهْرِ عَنْ حَمْلَةٍ لِلشَّرِيعَةِ اجْتِهَادًا وَنَقْلًا نَادِرٌ فِي التَّصْوِيرِ وَالْوُقُوعِ جِدًّا، وَلَوْ فُرِضَ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ كَانَ تَقْدِيرُ عَوْدِ الْعُلَمَاءِ أَبْدَعَ مِنْ كُلِّ بَدِيعٍ فَلْيُلْحَقْ ذَلِكَ بِالنَّادِرِ الدَّائِمِ. فَهَذَا مُنْتَهَى غَرَضِنَا فِي هَذَا الْفَنِّ.
٧٠٥ - وَلَا حَاجَةَ بِنَا إِلَى ذِكْرِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الرُّخَصِ، وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الرُّخَصِ كُلِّهَا أَصْلًا مُمَهَّدًا فَلْيُتَّبَعْ فِي جَمِيعِهَا ذَلِكَ الْأَصْلُ.
[فَصْلٌ فِي الْحَيْضِ]
٧٠٦ - الْحَيْضُ حَالَةٌ تُبْتَلَى بِهَا بَنَاتُ آدَمَ مِنْ حَيْثُ الْفِطْرَةُ
стр. 453
وَالْجِبِلَّةُ، ابْتِلَاءً مُعْتَادًا عَلَى تَكَرُّرِ الْأَدْوَارِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالدَّوَاعِي تَتَوَفَّرُ عَلَى نَقْلِ الْأُصُولِ الَّتِي تَمَسُّ الْحَاجَةُ فِيهِ إِلَيْهَا.
هَذَا حُكْمُ اطِّرَادِ الِاعْتِيَادِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ الزَّمَانُ عَنِ الْعِلْمِ بِأَقَلِّ الْحَيْضِ عَلَى الْجُمْلَةِ وَأَكْثَرِهِ، مَا دَامَ النَّاسُ مُهْتَمِّينَ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ.
فَإِنْ فُرِضَ انْطِمَاسُ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ وَاسْتِمْرَارُ الْفَتْرَةِ عَلَى الْكُلِّيَّاتِ وَالْجُزْئِيَّاتِ (٢٤١) فَاسْتِقْصَاءُ ذَلِكَ يَقَعُ فِي الْمَرْتَبَةِ الرَّابِعَةِ.
فَإِذًا لَا يَكَادُ يَخْفَى مَعَ تَصْوِيرِ بَقَاءِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا رَأَتْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ دَمًا، وَطَهُرَتْ عِشْرِينَ يَوْمًا مَثَلًا إِنَّهَا تَتْرُكُ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ، وَيَجْتَنِبُهَا زَوْجُهَا، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ .
وَهَذِهِ الْقَوَاعِدُ لَا تُنْسَى مَا ذُكِرَتْ وَظَائِفُ الصَّلَوَاتِ.
٧٠٧ - فَإِنْ زَادَ الدَّمُ عَلَى الْعَشَرَةِ فَهَذَا مَوْقِعُ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ.
فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵁ أَنَّ الْحَيْضَ قَدْ يَبْلُغُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَأَكْثَرُ الْحَيْضِ عِنْدَ طَوَائِفَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ.
стр. 454
فَإِنْ زَادَ الْحَيْضُ عَلَى الْعَشَرَةِ، وَقَدْ فُرِضَ دُرُوسُ التَّفَاصِيلِ فَقَدْ يَخْفَى كَوْنُهُ حَيْضًا عَلَى أَهْلِ الزَّمَانِ.
وَمِمَّا يُقْضَى بِبَقَائِهِ فِي الِادِّكَارِ أَنَّ الْمَرْأَةَ مَأْمُورَةٌ بِالصَّلَاةِ فِي إِطْبَاقِ الِاسْتِحَاضَةِ عَلَيْهَا، فَهَذَا مِمَّا لَا يَكَادُ يُنْسَى مَعَ ذِكْرِ الْأُصُولِ قَطْعًا.
فَالدَّمُ الزَّائِدُ عَلَى الْعَشَرَةِ مَثَلًا، يَتَرَدَّدُ فِي ظَنِّ أَهْلِ الزَّمَانِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ حَيْضًا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ اسْتِحَاضَةً، وَهَذَا الْآنَ فَنٌّ بَدِيعٌ فَلْيَتَأَمَّلْهُ الْمُوَفَّقُ، مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ عَزَّتْ قُدْرَتُهُ.
٧٠٨ - فَأَقُولُ: قَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا شَكَّتْ فِي أَنَّ مَا تَرَاهُ حَيْضٌ أَمْ لَا؟ فَلَيْسَتْ عَلَى عِلْمٍ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا، قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوُجُوبَ لَا يُعْلَمُ دُونَ الْعِلْمِ بِالْمُوجِبِ، فَقَدْ يُنْتِجُ هَذَا أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَجِبُ مَعَ الشَّكِّ.
٧٠٩ - وَلَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا أَصْلٌ آخَرُ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِثْلُهُ، وَهُوَ أَنَّ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ مُسْتَمِرٌّ عَلَى النِّسَاءِ لَا يُسْقِطُهُ عَنْهُنَّ إِلَّا يَقِينُ الْحَيْضِ.
وَالِاسْتِحَاضَةُ لَا تُنَافِي الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ، فَالْأَمْرُ إِذًا بِالصَّلَاةِ مُسْتَيْقَنٌ عَلَى الْجُمْلَةِ، وَسُقُوطُهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَحُكْمُ الْأُصُولِ يَقْتَضِي أَنَّ مَنِ اسْتَيْقَنَ عَلَى الْجُمْلَةِ وُجُوبًا، ثُمَّ
стр. 455
يُعَارِضُ ظَنَّاهُ فِي سُقُوطِهِ، أَخَذَ بِاسْتِمْرَارِ الْوُجُوبِ (٢٤٢) الثَّابِتِ وَعَلَى هَذَا بَنَى عُلَمَاءُ الشَّرِيعَةِ مَسَائِلَ الْحَيْضِ الْمُخْتَلِطَةِ بِالِاسْتِحَاضَةِ عِنْدَ الْإِشْكَالِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ.
٧١٠ - وَالَّذِي يُعَضِّدُ وَيُؤَكِّدُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي حَقِّ الزَّمَانِ الْعَارِي عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ أَنَّ الزَّائِدَ عَلَى الْمِقْدَارِ الْمَعْلُومِ لَيْسَ لَهُ ضَبْطٌ يَنْتَهِي إِلَيْهِ، وَيُوقَفُ عِنْدَهُ وَقَدْ تَحَقَّقَ [أَنَّ] دَمَ الِاسْتِحَاضَةِ لَا يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ، فَلَوْ تَعَدَّتِ الْمَرْأَةُ مَبْلَغَ الْيَقِينِ فَأَيْنَ تَقِفُ؟ وَمَتَى تَعُودُ إِلَى إِقَامَةِ الصَّلَاةِ؟ فَهَذَا ظَاهِرٌ، وَلَسْتُ أَنْفِي مَعَ ظُهُورِ هَذَا أَنْ يَخْطُرَ لِعَاقِلٍ فِي الزَّمَانِ الْخَالِي أَنَّ الصَّلَوَاتِ تَجِبُ وَاحِدَةً وَاحِدَةً عَلَى اعْتِقَابِ وَظَائِفِ الْأَوْقَاتِ، وَلَيْسَتْ فِي حُكْمِ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ نَاجِزًا فِي الْحَالِ، وَشُكَّ فِي سُقُوطِهِ.
فَالصَّلَوَاتُ الَّتِي تَدْخُلُ مَوَاقِيتُهَا فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مَا سَبَقَ وَجُوبُهَا فِي الْعَاشِرِ، وَوُجُوبُهَا فِي الْحَادِيَ عَشَرَ مَشْكُوكٌ فِيهِ. وَقَدْ يُعَارِضُ اعْتِقَاَدَ الْوُجُوبِ اعْتِقَادُ تَحْرِيمِ الْإِقْدَامِ عَلَى الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ إِقَامَةَ الصَّلَاةِ وَاجِبَةٌ عَلَى الطَّاهِرَةِ، مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْحَائِضِ.
стр. 456
٧١١ - وَالَّذِي قَدَّمْتُهُ مِنْ أَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الصَّلَاةِ مِنْ مَسَالِكِ الظُّنُونِ وَالتَّرْجِيحَاتِ الَّتِي يَتَمَسَّكُ بِهِمَا الْمُجْتَهِدُونَ. وَظُنُونُ الْعَوَامِّ لَا مُعَوِّلَ عَلَيْهَا، وَسَبِيلُ الْعِلْمِ مُنْحَسِمٌ قَطْعًا، وَلَيْسَ فِي الزَّمَانِ مُقَلِّدَ وَلَا نَاقِلٌ عَنْ مُقَلِّدٍ.
فَمَا الْوَجْهُ إِذًا؟ [وَإِنَّمَا] قَدَّمْنَا وُجُوهَ الْكَلَامِ تَنْبِيهًا عَلَى تَقَابُلِ الظُّنُونِ، وَتَحْقِيقًا لِاخْتِصَاصِ هَذِهِ السُّبُلِ بِذَوِي الِاجْتِهَادِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فَأَقُولُ:
٧١٢ - الْجَمْعُ بَيْنَ تَحْرِيمِ إِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ وَإِيجَابِ أَدَائِهَا مُحَالٌ، وَالْعِلْمُ لَا يَتَطَرَّقُ فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى دَرْكِ التَّحْرِيمِ، وَلَا إِلَى دَرْكِ الْوُجُوبِ، وَلَا مَرْجِعَ لَهُ يَلُوذُ بِهِ، وَلَا حُكْمَ لِظَنِّهِ وَتَرَجُّحِهِ، فَالْوَجْهُ الْقَطْعُ بِسُقُوطِ التَّكْلِيفِ (٢٤٣) عَنْهُ فِي هَذَا الْفَنِّ ; وَالْتِحَاقُهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ عَلَى الْخُصُوصِ بِمَنْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ.
فَإِنْ فُرِضَتْ صُورَةُ الصَّلَاةَ لَمْ يَكُنْ لَهَا حُكْمُ [الْوُجُوبِ] ، وَلَا الْإِجْزَاءِ، وَلَا التَّحْرِيمِ، إِذْ شَرْطُ التَّكْلِيفِ إِمْكَانُ تَوَصُّلِ الْمُكَلَّفِ إِلَى دَرْكِ مَا كُلِّفَ، وَهَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا.
стр. 457
وَإِنَّمَا يَسْتَحِيلُ تَكْلِيفُ الْمَجْنُونِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ يَسْتَحِيلُ مِنْهُ فَهْمُ الْخِطَابِ وَدَرْكُ مَعْنَاهُ، وَهَذَا الْمَعْنَى مُحَقَّقٌ فِي هَذَا الْحُكْمِ الْخَاصِّ، فِي حَقِّ هَذَا الشَّخْصِ الْمَخْصُوصِ، وَإِنْ كَانَ التَّكْلِيفُ مُرْتَبِطًا بِهِ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحْكَامِ.
وَلَوِ اسْتَحَاضَتِ الْمَرْأَةُ، وَالْتَبَسَ [حَيْضُهَا] بِاسْتِحَاضَتِهَا، فَأَحْكَامُ الْمُسْتَحَاضَةِ مِنْ أَغْمَضِ مَا خَاضَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ.
٧١٣ - وَمِقْدَارُ غَرَضِنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ مَهْمَا غَمُضَ عَلَيْهَا أَنَّهَا فِي حَيْضٍ أَوِ اسْتِحَاضَةٍ، وَقَدْ خَلَا الزَّمَانُ عَنْ مَوْثُوقٍ بِهِ فِي تَفْصِيلِ الْمُسْتَحَاضَاتِ، وَقَدْ عَلِمَتْ مِنْ أَصْلِ الشَّرْعِ أَنَّ الْحَيْضَ يُنَافِي وُجُوبَ الصَّلَاةِ، وَيُحَرِّمُ إِقَامَتَهَا فِيهِ بِخِلَافِ الِاسْتِحَاضَةِ، فَيَتَصَدَّى لَهَا تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ وَإِيجَابُهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ، فَيَسْقُطُ التَّكْلِيفُ عَنْهَا - فِي خُلُوِّ الزَّمَانِ - فِي الصَّلَاةِ جُمْلَةً مَا اطَّرَدَ اللَّبْسُ عَلَيْهَا.
وَهَذَا لَا يَغُوصُ عَلَى سِرِّهِ إِلَّا مُرْتَاضٌ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ.
٧١٤ - وَهَذَا الْمَجْمُوعُ يَحْوِي أُمُورًا يَشْتَرِكُ فِي اسْتِفَادَتِهَا الْمُبْتَدِئُونَ وَالْمُنْتَهُونَ، وَأُمُورٌ يَخْتَصُّ بِاسْتِدْرَاكِهَا أَخَصُّ الْخَوَاصِّ.
стр. 458
٧١٥ - وَقَدْ يَظُنُّ الْمُنْتَهِي إِلَى هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ فِيمَا ذَكَرْتُهُ يَخْتَصُّ بِخُلُوِّ الزَّمَانِ عَنِ الْعُلَمَاءِ بِالتَّفَاصِيلِ ; وَلَا يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي زَمَنِ تَوَافُرِ الْعُلَمَاءِ الْمُسْتَقِلِّينَ بِحَمْلِ الشَّرِيعَةِ.
وَأَنَا أُصَوِّرُ سُقُوطَ التَّكْلِيفِ مَعَ اشْتِمَالِ الزَّمَانِ عَلَى الْعُلَمَاءِ، فِي صُورَةٍ يَحَارُ الْفَطِنُ اللَّبِيبُ فِيهَا، فَأَقُولُ:
٧١٦ - لَوْ فُرِضَ بَيْتٌ مَشْحُونٌ بِالْمَرْضَى الْمُدْنَفِينَ (٢٤٤) وَكَانَ [رَجُلٌ] يَخْطُو عَلَى سَطْحِ الْبَيْتِ مِنْ غَيْرِ اعْتِدَاءٍ وَلَا ظُلْمٍ، فَانْهَارَ السَّقْفُ، وَخَرَّ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مَرِيضٍ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لَوْ مَكَثَ عَلَيْهِ لَمَاتَ، وَلَوْ تَحَوَّلَ عَنْهُ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ تَوَطُّئِ مَرِيضٍ آخَرَ، وَلَوِ اتَّفَقَ ذَلِكَ، لَمَاتَ مَنْ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ، وَلَيْسَ فِي اسْتِطَاعَتِهِ التَّفَصِّي عَمَّا هُوَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ إِهْلَاكِ نَفْسٍ مُحَرَّمَةٍ، فَلَا سَبِيلَ إِلَى أَمْرِهِ بِالْمُكْثِ، وَلَا إِلَى أَمْرِهِ بِالِانْتِقَالِ، وَأَمْرُهُ بِالزَّوَالِ [عَمَّا] ابْتُلِيَ بِهِ مِنْ غَيْرِ تَسَبُّبٍ إِلَى [قَتْلٍ] تَكْلِيفُ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مُحَالٌ عِنْدَنَا.
стр. 459
٧١٧ - فَإِذًا هَذِهِ الصُّورَةُ وَإِنِ اتُّفِقَ وُقُوعُهَا، فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهَا حُكْمٌ، وَلَا طَلِبَةٌ عَلَى صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ بِمُكْثٍ، وَلَا انْتِقَالٍ، وَلَا يُطْلَقُ الْقَوْلُ بِأَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْمُكْثِ وَالزَّوَالِ ; فَإِنَّ الْخِيَرَةَ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ.
٧١٨ - وَالَّذِي اعْتَاصَ قَضِيَّةً فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سَبِيلُهُ عَلَى الْخُصُوصِ فِيمَا دُفِعَ إِلَيْهِ، كَسَبِيلِ بَهِيمَةٍ لَا يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا خِطَابٌ.
٧١٩ - وَقَدْ يَتَّفِقُ لِآحَادِ النَّاسِ فِي [بَقَاءِ] تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ فِي الِادِّكَارِ حَالَةٌ يُقَرِّبُ مَأْخَذَ الْقَوْلِ فِيهَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي دُرُوسِ [الْفُرُوعِ] .
فَإِذَا عَلِمَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ إِقَامَةُ الصَّلَاةِ فِي زَمَانِ الْحَيْضِ ثُمَّ ابْتُلِيَتْ بِالِاسْتِحَاضَةِ، وَصَارَتْ لَا تُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ،
стр. 460
فِي بُقْعَةٍ خَالِيَةٍ عَنِ الْعُلَمَاءِ، وَيَتَصَدَّى لَهَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ وَتَحْرِيمُهَا كَمَا قَدَّمْنَا تَصْوِيرَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَتَوَقَّفُ، وَلَا تُمْضِي أَمْرًا إِلَى أَنْ تَخْبُرَ، وَتَسْأَلَ مَنْ يَعْلَمُ.
٧٢٠ - فَقَدْ تَمَهَّدَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَصْلٌ عَظِيمٌ، سَيَنْعَطِفُ كَلَامٌ كَثِيرٌ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ عَلَيْهِ، [وَهُوَ] يَتَهَذَّبُ لِسُؤَالٍ وَجَوَابٍ عَنْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: أَلَسْنَا نَعْلَمُ الْآنَ تَقَابُلَ الْأَمْرَيْنِ فِي حَقِّ الْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ الْمُتَحَيِّرَةِ، وَنُغَلِّبُ الْأَمْرَ بِالصَّلَاةِ، فَنَأْمُرُهَا بِإِقَامَةِ جَمِيعِ الصَّلَاةِ فَهَلَّا (٢٤٥) غَلَّبَتِ الْمَرْأَةُ فِي زَمَانِ الْفَتْرَةِ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا فِي وَقْتِ الْفَتْرَةِ؟ .
٧٢١ - قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ فِي تَفَاصِيلِ الشَّرِيعَةِ عِنْدَ [حَمَلَتِهَا] أَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَغْلَبُ مِنَ النَّظَرِ إِلَى تَحْرِيمِ إِقَامَتِهَا، وَنَحْنُ فَرَضْنَا خُلُوَّ الزَّمَانِ عَنِ الْعِلْمِ بِالتَّفَاصِيلِ، وَاسْتِوَاءَ الْأَمْرِ فِي الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ فِي اعْتِقَادِ الْمَرْأَةِ، فَإِنْ كَانَ بَقِيَ فِي الزَّمَانِ الْعِلْمُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا يَسْقُطُ وُجُوبُهَا إِلَّا بِيَقِينٍ، فَهَذَا يَتَّبِعُ الْأَصْلَ بِمُوجِبِهِ.
следующие страницы →