← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

• أحرف القسم ثلاثة هي: الباء، والواو، والتاء. الباء: مثال (أقسم بالله لأفعلن .. ). الواو: مثال (والله لأفعلن) (والرحمن لأفعلن). وهي أكثر شيوعاً في الاستعمال من الباء. التاء: مثال: قوله تعالى (تالله لأكيدن أصنامكم) وهي لا تدخل إلا على لفظ الجلالة. • الأصل أن الأفضل عدم الإكثار من الحلف. قال تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ). فقد ورد في تفسير هذه الآية جملة أقوال منها المراد بحفظ اليمين عدم الإكثار منها. وقال تعالى (وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ). قال القرطبي: الحلاف: كثير الحلف. وقد بوب الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ في كتاب التوحيد باب (ما جاء في كثرة الحلف). ومناسبة الباب لكتاب التوحيد: أن كثرة الحلف بالله يدل على أنه ليس في قلب الحالف من تعظيم الله ما يقتضي هيبة الحلف به، وتعظيم الله من تمام التوحيد. وجاء في الحديث قال ﷺ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته) متفق عليه. • الحكمة من مشروعيتها: التأكيد، وذلك إما لحمل المخاطب على الثقة بكلام الحالف وأنه لم يكذب فيه إن كان خيراً، ولا يخلفه إن كان وعداً أو وعيداً أو نحوهما، وإما لتقوية عزم الحالف نفسه على فعل شيء يخشى إحجامها عنه، أو ترك شيء يخشى إقدامها عليه.

стр. 1122

• أيمان الرسول ﷺ : ومقلب القلوب: عن ابن عمر. قال (كانت يمين النبي ﷺ ، لا ومقلب القلوب) رواه البخاري. والله: قال ﷺ (ما بال أقوام يتنزهون عن الشيء أصنعه فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية). ورب الكعبة: قال أبو ذر (انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقول في ظل الكعبة: هم الأخسرون ورب الكعبة). وأيم الله: قال ﷺ (وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها). وأيم الذي نفس محمد بيده: قال ﷺ (وأيم الذي نفس محمد بيده لو قال: إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرساناً أجمعون). والذي نفس محمد بيده: قال ﷺ (والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة). والذي لا إله غيره: قال ﷺ (فوالذي لا إله غيره إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها .. ).

стр. 1123

م/ لا تنعقدُ اليمين إلا بالله، أو اسم من أسمائه، أو صفة من صفاته. أي: أن اليمين التي تجب فيها الكفارة إذا حنث هي: اليمين بالله: كأن يقول: أقسم بالله. أو باسم من أسماء الله: كأن يقول: والخالق، ورب العالمين، والرازق. أو صفة من صفاته: كأن يقول: أقسم بعزة الله _ أو بوجه الله. قال تعالى (فبعزتك لأغوينهم أجمعين). وحديث أنس مرفوعاً (وفيه قول النار: قط قط وعزتك) رواه البخاري. وفي حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة فقال: انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها، فنظر إليها فرجع فقال: وعزتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها). متفق عليه وفي حديث أبي هريرة مرفوعاً، وفيه قول الذي يخرج من النار: (وعزتك لا أسألك غيرها). متفق عليه • استثنى الشيخ ابن عثيمين ﵀ الصفات الخبرية [وهي التي بالنسبة لنا أبعاض وأجزاء] كالوجه، واليد، والأصبع ونحوها فلم يجوز الإقسام بها ما عدا الوجه قال: لأنه يعبر به عن الذات). • يجوز الحلف بالمصحف. لأن القرآن كلام الله، وكلام الله تعالى صفة من صفاته لذلك يجوز القسم به. • الحلف بآيات الله ينقسم إلى قسمين: الآيات الكونية: كالليل والنهار، والشمس والقمر، والجبال والأشجار، فهذا لا يجوز الحلف بها لأنها قَسَم بالمخلوق. الآيات الشرعية: كالقرآن فهذا يجوز.

стр. 1124

م/ والحلف بغير الله شرك، لا تنعقد به اليمين. أي: أن الحلف بغير الله حرام وشرك. عن ابن عمر. (أن النبي ﷺ أدرك عمر بن الخطاب وهو يسير في ركب يحلف بأبيه فقال: ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت) متفق عليه. قال عمر (فوالله ما حلفت بها منذ سمعت النبي ذاكراً أو آثراً). [ذاكراً] أي عامداً [آثراً] أي حاكياً عن الغير. وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك) رواه أبوداود. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا إلا وأنتم صادقون) رواه أبوداود. قال ابن عبد البر: لا يجوز الحلف بغير الله إجماعاً. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الحلف بغير الله من الملائكة والأنبياء والمشايخ والملوك وغيرهم فإنه منهي عنه غير منعقد باتفاق الأئمة. قال ابن حجر: قال العلماء: السر في النهي عن الحلف بغير الله أن الحلف بالشيء يقتضي تعظيمه، والعظمة في الحقيقة لله وحده. • ولا تنعقد هذه اليمين التي بغير الله، فلو حلف بالملك أو بالصنم أو بالنبي فإن هذه اليمن غير منعقدة. • إشكال، فإن قيل: ما الجواب عن حديث طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ يَقُولُ: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ ثَائِرُ الرَّأْسِ نَسْمَعُ دَوِىَّ صَوْتِهِ وَلَا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُنَّ قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ. فَقَالَ هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهُ فَقَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ. وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزَّكَاةَ فَقَالَ: هَلْ عَلَىَّ غَيْرُهَا قَالَ: لَا. إِلاَّ أَنْ تَطَّوَّعَ، قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَفْلَحَ [وأَبِيهِ] إِنْ صَدَقَ) رواه مسلم. قد أجاب العلماء عن هذا بعدة أجوبة: قيل: يحتمل أن هذا قبل النهي، وقيل: إن هذا ليس حلفاً وإنما كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة حقيقة الحلف وإلى هذا جنح البيهقي والنووي.

стр. 1125

م/ ولا بد أن تكون اليمين الموجبة للكفارة على أمر مستقبل، فإن كانت على ماضٍ - وهو كاذب عالماً - فهي اليمين الغموس. أي: أن اليمين التي توجب الكفارة لها شروط، من هذه الشروط أن تكون على أمر مستقبل. مثال: كأن يقول: والله لأسافرنّ غداً، أو يقول: والله لا أدخل دار فلان. • فإن كانت على أمر ماضي وهو عالم كاذب فهذه اليمين الغموس. فاليمين الغموس: هي التي يحلف فيها على أمر ماض كاذباً عالماً. مثال: أن يقول والله ما قرأت هذا الكتاب، وهو قد قرأه. • سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. • وهي من كبائر الذنوب: لحديث عبد الله بن عمرو. عن النبي ﷺ قال (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري. وقيل: هي التي يقتطع فيها مال امرئ مسلم للحديث الوارد في ذلك.

стр. 1126

م/ وإن كان يظن صدق نفسه فهي من لغو اليمين، كقوله: لا والله، وبلى والله، في عرض حديثه. هذا النوع الثاني من أنواع اليمين: وهي لغو اليمين. المقصود بها ما يجري على لسان المتكلم بلا قصد كقول الرجل في معرض كلامه: لا والله لن أذهب، بلى والله سأذهب ونحو ذلك. فهذه لا كفارة فيها. قال تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ). قالت عائشة. (هي قول الرجل: لا والله، وبلى والله) رواه البخاري. فلغو اليمين أن يتلفظ بالقسم وهو لا ينوي ولا يريد القسم.

стр. 1127

م/ وإذا حنث في يمينه - بأن فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله - وجبت عليه الكفارة. هذا هو القسم الثالث من أنواع اليمين وهي اليمن المنعقدة، وهي التي تجب فيها الكفارة. تجب الكفارة بشروط: الشرط الأول: الحنث. وهو: أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً. مثال: لو أن رجلاً قال: والله لأصومن غداً، فلما جاء الغد صام، فإنه لا كفارة عليه لأنه لم يحنث. الشرط الثاني: أن يحلف مختاراً. فإن كان مكرهاً فلا تنعقد يمينه وهذا مذهب الجمهور. لقوله ﷺ (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه. الشرط الثالث: القصد. لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية، ولذلك أسقط الله ﵎ الكفارة في لغو اليمين. الشرط الرابع: أن تكون على مستقبل. فلا كفارة على أمر ماض، لأنه إن كان صادقاً فالأمر ظاهر [قد برت يمينه] وإن كان كاذباً فهو آثم [وهي اليمين الغموس كما سبق]. الشرط الخامس: العقل فإن كان مجنوناً فلا يعتد بيمينه، لأنه لا قصد له، ولحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق). الشرط السادس: البلوغ الصبي لا يخلو من حالين: إن كان غير مميز فلا عبرة بيمينه. أن يكون مميزاً لكنه لم يبلغ، فالراجح لا تجب عليه الكفارة إذا حنث. الشرط السابع: ذاكراً. فلو حنث ناسياً فلا شيء عليه، كأن يقول: والله لا أسافر إلى مكة، ثم نسي فسافر إلى مكة، فإنه لا يحنث، لكن لا تنحل يمينه بل لا تزال باقية.

стр. 1128

م/ وجبت عليه الكفارة: عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم، فإن لم يجد صام ثلاثة أيام. كفارة اليمين تتمثل فيما يلي: إطعام عشرة مساكين أو أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام. قال تعالى (فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ). • فالثلاثة الأولى على التخيير (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة). فإن لم يجد فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يصوم وهو قادر على الإطعام أو الكسوة أو العتق. • كفارة اليمين واجبة إذا حنث الحالف، لقوله ﷺ ( … وكفر عن يمينك). • وقت وجوبها هو الحنث [وهو فعل ما حلف على تركه، أو ترك ما حلف على فعله]. • يجوز دفع الكفارة قبل الحنث ويجوز تأخيرها عنه. لرواية ( .. وليكفر وليأت الذي هو خير) وفي رواية (فكفر عن يمينك ثم ائت الذي هو خير). وجاء في رواية تأخير الكفارة ( .. إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها). • الصحيح أنه لا يجزئ إخراج القيمة في الكفارة، لقوله تعالى (فكفارته إطعام عشرة مساكين … ). • كيفية الإطعام: أن يصنع طعاماً ويدعو إليه عشرة مساكين فيعشيهم أو يغديهم، أو أن يعطي كل واحد بنفسه. • يجب استيعاب العشرة، فلا يجوز أن يعطي خمسة مساكين مرتين، لأن الله نص على عدد عشرة. • لم يرد تحديد كم الإطعام فيرجع فيه إلى العرف. • الذي يجزئ في الكسوة: قيل: ما يجزئ في الصلاة كالقميص أو الإزار والرداء، وقيل: يرجع فيه إلى العرف لأنه لم يرد تحديده في الشرع وهذا الراجح. • يشترط في عتق الرقبة أن تكون مؤمنة لقوله ﷺ (أعتقها فإنها مؤمنة) رواه مسلم. • يجب التتابع في الصوم، لقراءة ابن مسعود (فصيام ثلاثة أيام متتابعة).

стр. 1129

م/ وَعَنْ عَبْدِ اَلرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (وَإِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْراً مِنْهَا، فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْر) متفق عليه. ذكر المصنف ﵀ حديث عبد الرحمن بن سمرة، ليستدل به على أن من حلف على يمين، ثم رأى غيرها خيراً فإن الأفضل أن يكفر عن يمينه ويأت الذي هو خير. فالمسألة لها [٣] أحوال: الأولى: أن يكون الحنث خير، فإنه يحنث. لحديث الباب (فَكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، وَائْتِ اَلَّذِي هُوَ خَيْر). مثال: قال والله لا أدخل دار خالي، فهنا نقول الأفضل أن يحنث ويدخل دار خاله ويكفر عن يمينه. ثانياً: أن يكون عدم الحنث خير، فإنه لا يحنث. ثالثاً: أن يتساوى الأمران، فالأفضل أن لا يحنث.

стр. 1130

م/ وفي الحديث (مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اَللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْه) رواه الخمسة. ذكر المصنف ﵀ حديث ابن عمر في قوله ﷺ (من حلف على يمين فقال: إن شاء الله .. ) ليستدل به أن من قال في يمينه إن شاء الله لم يحنث. مثال: قال والله لا ألبس هذا الثوب إن شاء الله ثم لبسه، فليس عليه شيء لأنه قال إن شاء الله. • والأفضل لكل حالف أن يعلق يمينه بالمشيئة لأن في ذلك فائدتين: الأمر الأول: تيسير الأمر كما قال تعالى (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَداً). الأمر الثاني: أن الإنسان إذا حنث لم تلزمه الكفارة. • يشترط في الاستثناء أن يكون بلسانه فلو استثنى بقلبه لم ينفعه بالإجماع. وأن يكون متصل بيمينه حقيقة وحكماً: حقيقة: والله لا أكلم فلاناً اليوم إن شاء الله [هذا اتصال حقيقي]. حكماً: لو قال والله لا ألبس هذا الثوب - فأخذه عطاس وجلس ربع ساعة وهو يعاطس - فلما هدأ قال: إن شاء الله [هذا اتصال حكماً لأنه منعه مانع من اتصال الكلام]. • إذا كرر اليمين فلها أحوال: الحالة الأولى: إذا كرر اليمين على شيء واحد. كأن يقول: والله لا آكل هذا الخبز، والله لا آكل هذا الخبز. فهذه تعتبر يميناً واحدة ولا تجب فيها إلا كفارة واحدة وهذا قول أكثر العلماء. الحالة الثانية: تكرار اليمين على أشياء مختلفة. كأن يقول: والله لا آكل اليوم، والله لا أشرب اليوم، والله لا أسافر اليوم. فهذه إن كفر عن الأولى ثم حنث في الثانية تلزمة كفارة ثانية. فإن لم يكفر عن الثانية (هذا موضع خلاف) والراجح قول الجمهور بكل يمين كفارة إن حنث فيها. الحالة الثالثة: أن يكون المحلوف عليه متعدد واليمين واحدة. كأن يقول: والله لا أكلت، ولا شربت ولا لبست، فحنث في الجميع. فهذه تلزمه كفارة واحدة، لأن اليمين واحدة والحنث واحد.

стр. 1131

م/ ويرجع في الأيْمان إلى نية الحالف. أراد المصنف ﵀ هنا أن يبين ما يُنزّل عليه القَسم، فيرجع في تحديد المراد منه إلى نية الحالف، لكن بشرط أن يحتملها اللفظ. والدليل قوله تعالى (ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ). وقال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه. لكن بشرط أن يحتملها اللفظ، بأن يكون هذا اللفظ يمكن أن يراد به ما نواه الحالف، فإن لم يمكن لم يقبل. مثال ما يحتمله اللفظ: والله لا أنام الليلة إلا على فراش ليّن، فخرج وذهب ونام في الصحراء على الرمل، فلما قيل له: كفّر، قال: لا أكفر، لأني نويت بالفراش الأرض، فهنا يصح، لأن اللفظ يحتمله، قال تعالى (الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً) والرمل لين، فلا شيء عليه. مثال آخر: قال: والله لأبيتنّ اليلة على وتد، فذهب إلى جبل وبات عليه، فقلنا له: كفّر، فقال: لقد بت على الوتد، وقد أردت بالوتد الجبل، فهنا لا شيء عليه لأن اللفظ يحتمله. ومثله: لو نوى بالسقف السماء ونحو ذلك، قدمت نيته على عموم لفظه. لو حلف ألا ينام إلا تحت سقف، ثم خرج إلى البر ووضع فراشه ونام، وليس فوقه إلا السماء، فقيل له: عليك أن تكفر، لأنك لم تنم تحت سقف، فقال: أردت السماء، فهذا يصح لقوله تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً). • أما إذا كان اللفظ لا يحتمله فلا يقبل: مثال: قال: والله لا أشتري اليوم خبزاً، فذهب واشترى خبزاً، فقيل له: كفر عن يمينك، فقال: لا، لأني أردت بقولي: والله لا أشتري اليوم خبزاً، يعني والله لا أكلم فلاناً، فهذا لا يصح، لأن اللفظ لا يحتمله.

стр. 1132

م/ ثم إلى السبب الذي هيّج اليمين. فإن عدمت النية يرجع إلى سبب اليمين وما هيّجها، فتحمل اليمين عليه. مثال: قيل لرجل: إن ابنك يصاحب الأشرار، فقال: والله لا أكلمه ما حييت، فجاءه شخص وقال: إن ابنك يصاحب الأخيار وليس الأشرار، فكلمه أبوه، فليس على الوالد كفارة، لأنه عندما حلف، كان سبب اليمين، من أجل أن ابنه يصاحب الأشرار، فلما ظهر أنه يصاحب الأخيار علم أنه لم يكن قصده الحلف المطلق، وإنما الحلف المقيد ولم يتحقق هذا الشرط، فكأنه قال: إن كان ابني مصاحباً للأشرار فلا أكلمه، وهو وإن لم يقل هذا الشرط بلفظه فهو مضمر له في نفسه. مثال آخر: قال والله لا أكلم زيداً لشربه الخمر، فكلمه وقد تركه، لم يحنث، لدلالة الحال على أن المراد ما دام على ذلك، وقد انقطع ذلك.

стр. 1133

م/ ثم إلى التعيين. أي إذا عدم السبب فإننا نرجع إلى التعيين، فإذا قصد عين الشيء المحلوف عليه [قصد ذاته] فإننا نرجع إلى ذلك. فإذا حلف ألا يأكل من لحم هذه السخلة ثم إن السخلة أصبحت شاة فلا يأكل من لحمها، لأنها نفس العين التي حلف عليها. وكذلك لو قال: والله لا ألبس هذا الثوب، ثم إن هذا الثوب شقق وأصبح سراويل، فإنه لا يلبسه، لأنه عيّن الثوب. • إلا إذا نوى أنه ما دام على تلك الصفة فهو نيته كما سبق: أن النية هي المرجع الأول، فلو قال، أنا قلت: والله لا ألبس هذا القميص، ولم أقصد عين القميص لكن قصدي صفته، أي: لا ألبسه ما دام قميصاً، فشققه وجعله سراويل، فلا يحنث.

стр. 1134

م/ إلا في الدعاوى ففي الحديث (اليمين على نية المستحلف) رواه مسلم. ذكر المصنف ﵀ حديث أبي هريرة (اليمين على نية المستحلف) ليستدل به على أن اليمين المطلوبة من الحالف في الدعاوى يجب أن تكون على نية المحلّف، ولا ينفع فيها نية الحالف إذا نوى بها غير ما أظهر، وهذا بإجماع العلماء. يعني: أنك إذا حلفت لشخص وأظهرت خلاف الواقع من باب التورية، فاليمين على حسب نية المستحلف. مثال: إذا ادعى عليك شخص مائة ريال، وأنت تعلم أنه صادق، فقلت: والله ما عندي لك مائة، تريد أن (ما) بمعنى (الذي)، يعني: الذي عندي لك مائة، هو سيفهم النفي وأنت الآن تثبت أن له عندك مائة، لكن نيتك غير معتبرة، بل النية على حسب ما يصدقك به صاحبك، ولا يبرأ الإنسان عند الله ولا ينفعه هذا التأويل، أما عند القاضي فإنه يبرأ ظاهراً لأن القاضي يقضي بنحو ما يسمع.

стр. 1135

باب النذر تعريفه: لغة: الإيجاب. واصطلاحاً: إلزام المكلف نفسه شيئاً يملكه غير محال. قوله (شيئاً يملكه) فإن نذر شيئاً لا يملكه لا يلزمه الوفاء به لحديث عمران بن حصين أن النبي ﷺ قال (لا وفاء بنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك العبد). م/ وعقد النذر مكروه وقد نهى النبي ﷺ عن النذر وقال (إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) ذكر المصنف ﵀ أن النذر مكروه، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على أقوال: القول الأول: أنه حرام. وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. لحديث ابن عمر. (عن النبي ﷺ أنه نهى عن النذر) متفق عليه. وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تنذروا، فإن النذر لا يغني من القدر شيئاً، وإنما يستخرج به من البخيل) متفق عليه. والنذر منهي عنه. القول الثاني: أنه مكروه. وهذا قول أكثر العلماء. للأحاديث السابقة في النهي عنه، قالوا: والصارف عن التحريم أن الله أثنى على الموفين فقال (يوفون بالنذر). القول الثالث: أنه مستحب، والذي ورد النهي عنه هو نذر المجازاة. ونذر المجازاة هو: أن يعلق فعل الطاعة على وجود النعمة أو دفع النقمة كما لو قال: إن شفى الله مريضي فلله عليّ أن أصوم شهراً، قالوا: هذا هو المنهي عنه، أما ماعدا ذلك كما لو قال: لله عليّ أن أصوم شهراً، فهذا مستحب. واختار هذا القول النووي. والأرجح أنه مكروه مطلقاً. • لا ينعقد ولا يصح إلا بالقول. قال النووي (الصحيح بالاتفاق أنه لا يصح إلا بالقول، ولا تنفع النية وحدها، وليس له صفة معينة، بل كل ما دل على النذر فهو نذر مثل: لله علي عهد … ، ولله على نذر … ). فلو نذر بقلبه فهذا لا عبرة به، فلو نوى إن شفى الله مريضه أن يصوم شهراً، فلا يلزمه شيء ما دام أنه لم يتلفظ به. • لا يصح إلا من بالغ عاقل. لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة .. وذكر: الصبي حتى يبلغ والمجنون حتى يفيق). • يصح النذر من الكافر. لحديث عمر قال: (قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوف بنذرك) متفق عليه. فإن وفى به حال كفره برئت ذمته، وإن لم يف به لزمه أن يوفي به بعد إسلامه.

стр. 1136

م/ فإذا عقد على بر، وجب عليه الوفاء لقوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه). ذكر المصنف ﵀ النوع الأول من أنواع النذر، وهو نذر الطاعة، وحكمه يجب الوفاء به، سواء كان مطلقاً أو معلقاً. للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ في قوله ﷺ (من نذر أن يطيع الله فليطعه) رواه البخاري. مثال المطلق: لله عليّ أن أصلي ركعتين. مثال المعلق: إن شفى الله مريضي فلله علي نذر أن أصوم شهر.

стр. 1137

م/ وإن كان النذر مباحاً، أو جارياً مجرى اليمين - كنذر اللجاج والغضب - أو كان نذر معصية: لم يجب الوفاء به، وفيه كفارة يمين إذا لم يوف به، ويحرم الوفاء به في المعصية. ذكر المصنف ﵀ بقية أنواع النذر: النوع الثاني: النذر المباح. كأن يقول الرجل: لله علي نذر أن ألبس هذا الثوب. فهنا يخير بين فعله وبين كفارة اليمين. فنقول هو بالخيار: إن شئت البس الثوب وإن شئت كفر. النوع الثالث: نذر اللجاج والغضب. [اللجاج: الخصومة]. أي النذر الذي سببه الخصومة أو المنازعة، وهو تعليق نذره بشرط يقصد المنع منه أو الحمل عليه أو التصديق أو التكذيب. فهذا يخير بين فعله أو كفارة يمين. [أن يقصد المنع منه] كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم سنة إن فعلت كذا. [أن يقصد الحمل عليه] كأن يقول: إن لم أصل في الجماعة في المسجد فلله علي صوم سنة. [أو تصديق خبره] كرجل قيل له - لما أخبر بخبر - أنت كاذب، فقال: إن كنت كاذباً فلله علي صوم سنة. [أو تكذيبه] كأن يقول السامع: إن كنت صادقاً فلله علي أن أصوم سنة. فإذا كان المراد منه المنع أو الحمل على الفعل أو التصديق أو التكذيب فقد جرى مجرى اليمين فيخير بين فعله وبين كفارة اليمين. فإذا قال مثلاً: إن زرت فلاناً فعليّ صيام سنة، فنقول: إن شئت أن تزوره وعليك كفارة يمين وإن شئت ألا تزوره. مثال آخر: لو قال: إن لم أسافر اليوم إلى مكة فعليّ صيام شهر، ولم يسافر، فحكمه هنا حكم اليمين، فهو مخير، إن سافر فلا شيء عليه، وإن لم يسافر فعليه كفارة يمين. ودليل ذلك: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال (من نذر في غضب فعليه كفارة يمين) رواه أبوداود. لكن الحديث إسناده ضعيف لكنه ثابت عن عمر، وعن عائشة كما في موطأ مالك. النوع الرابع: نذر المعصية. وهذا لا يجوز الوفاء به. للحديث الذي ذكره المصنف ﵀ (ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه). مثال: رجل قال: لئن حدث كذا وكذا فلله علي نذر أن أشرب الخمر، فهذا لا يجوز أن يشرب الخمر.

стр. 1138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن هل عليه كفارة يمين؟ قولان للعلماء: القول الأول: أنه عليه الكفارة. وهذا قول المذهب. لحديث عائشة. قالت: قال ﷺ (لا نذر في معصية الله وكفارته كفارة يمين) رواه أبوداود، واحتج به أحمد وكذا إسحاق وصححه الطحاوي. القول الثاني: أنه لا كفارة عليه. وهذا قول جماهير العلماء. لحديث عائشة - السابق - ( .. ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه)، قالوا: لو كانت الكفارة واجبة لذكرها النبي ﷺ ، فدل ذلك على عدم وجوبها. والراجح القول الأول. • إن نذر صيام أيام لم يلزمه التتابع إلا بشرط أو نية. فإذا قال: لله علي نذر أن أصوم ثلاثة أيام، لم يلزمه التتابع، فيجوز أن يصومها متتابعة أو متفرقة. • إلا أن يشترط أو ينوي. يشترط: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام متتابعة فهنا يلزمه التتابع. ينوي: كأن يقول لله علي أن أصوم ثلاثة أيام، وينوي أنها متتابعة فيلزمه التتابع. • من نذر صوم شهر معيناً لزمه التتابع. كأن يقول: لله علي نذر أن أصوم شهراً، فيلزمه التتابع، وذلك لأن هذا هو مقتضى إطلاق اللفظ. وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه التتابع إلا بنية أو شرط. وهذا القول هو الصحيح لقوله تعالى في الكفارة (فصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) فلو كان إطلاق الشهر يقتضي التتابع لما احتيج أن يقيده الله تعالى بالتتابع. إذا نذر شخص الصلاة في أحد المساجد الثلاثة لزمه الوفاء بنذره. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا) متفق عليه. • لو نذر الصلاة في المسجد الأقصى جاز أن يصليها في المسجد الحرام أو المسجد النبوي. • لو نذر الصلاة في المسجد النبوي جاز أن يصليها في المسجد الحرام ولم يجز أن يصليها في المسجد الأقصى. • لو نذر أن يصلي في المسجد الحرام فإنه لا يجوز له أداؤها إلا فيه لعدم جواز الانتقال من الأفضل إلى المفضول.

стр. 1139

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ويدل لذلك: ما جاء في حديث جابر (أن رجلاً قام يوم الفتح فقال يا رسول الله! إني نذرت لله إن فتح عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين، قال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ههنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذاً) رواه أبوداود. • مسألة نقل النذر، هذه المسألة لها ثلاث حالات: الحالة الأولى: أن ينقله من المفضول إلى الفاضل: فهذا لا بأس به. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الثلاثاء، ثم صام يوم الإثنين، فهنا لا يحنث، لأنه نقل نذره من مفضول إلى فاضل، فهو أتى بالمفضول وزيادة. الحالة الثانية: أن ينقله من مساوٍ إلى مساو: فهذا تلزمه كفارة يمين. مثال: لو نذر أن يصوم يوم الأربعاء فصام يوم الثلاثاء. الحالة الثالثة: أن ينقل من فاضل إلى مفضول. مثال: لو نذر صيام يوم الإثنين، ثم صام يوم الثلاثاء، فليس له ذلك، وعليه أن يصوم يوم الإثنين، لأن النذر لم يقع موقعه.

стр. 1140

كتاب الجنايات تعريفها: لغة: جمع جناية وهي التعدي على مال أو عرض أو بدن كما قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم … ). واصطلاحاً: هي التعدي على البدن خاصة بما يوجب القود أو الدية. فالسرقة (اصطلاحاً) لا تسمى جناية، والتعدي على العرض لا تسمى جناية على هذا الاصطلاح. م/ القتل بغير حق ينقسم إلى ثلاثة أقسام. ذكر المصنف ﵀ أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهذا الذي ذهب إليه المصنف ﵀ هو الصحيح من أقوال أهل العلم، أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ. وعلى هذا التقسيم أكثر العلماء. ويدل لهذا التقسيم قوله ﷺ (ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالعصا والسوط، مائة من الإبل، منها أربعون في بطون أولادها) رواه أبوداود. ويدل عليه حديث أبي هريرة قال (اقتتلت امرأتان من هذيْل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله ﷺ ، فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو أمَة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها) متفق عليه. فالحديث يدل على أن القتل في هذه الحال كان شبه عمد، ولم يكن عمداً، لأنه لا ذكر للقصاص فيه، ولم يكن خطأ، لأن الضرب على ذلك الوجه لا يكون خطأ. وذهب الإمام مالك إلى أن القتل ينقسم إلى قسمين: خطأ وعمد. واستدلوا: بأنه لم يذكر في القرآن إلا العمد والخطأ. فالعمد في قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) والخطأ في قوله تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا).

стр. 1141

م/ أحدها: العمد العدوان: وهو: أن يقصد بجناية تقتل غالباً. ذكر المصنف ﵀ تعريف القتل العمد وهو: أن يقصد بجناية تقتل غالباً. وعرفه بعضهم بقوله: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به. قوله (أن يقصد) أي لا بد أن يكون للقاتل قصداً، وأما الصغير والمجنون فعمدهما خطأ، لأنها ليس لهما قصد صحيح. قوله (من يعلمه آدمياً) فلا يظنه صيداً ولا هدفاً ولا غير ذلك. قوله (معصوماً) أي معصوم الدم فليس من المحاربين للإسلام. (والآدمي المعصوم أربعة أصناف: المسلم والذمي والمستأمن والمعاهد). قوله (فيقتله بما يغلب على الظن موتُه به) لا بد أن تكون الجناية بما يغلب على الظن أنها تقتل، مثل أن يضربه بسيف أو يرميه بسهم ونحو ذلك مما يغلب على الظن أنه يقتله به. • لو ادعى القاتل أنه لم يقصد القتل؟ الجواب: لا يقبل قوله إلا ببينة. • من صور القتل العمد: أن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين. أن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً. أن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط. أن يخنقه بحبل. أو يقتله بسحر يقتل غالباً، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فأشبه ما لو قتله بسكين). أن يقتله بسم: بأن يطعمه السم. • وعمد الصبي والمجنون خطأ. وهذا باتفاق أهل العلم، فإذا قتل الصبي متعمداً وكذلك المجنون فهو في حكم الخطأ. لأنهما لا قصد لهما. (ففيه الدية والكفارة، فالدية تكون في مال العاقلة، والكفارة تكون في مالهما).

стр. 1142

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • وقتل العمد ذنب عظيم وجرم كبير. قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ … ). وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). وعن ابن مسعود. قال: قال ﷺ (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) متفق عليه. وقال ﷺ (لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه الترمذي. وقال ﷺ (لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض) متفق عليه. وعن ابن مسعود. قال (سئل رسول الله ﷺ أي الذنب أعظم عند الله؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك؟ قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك … ) متفق عليه. وقال ﷺ (لا يزال المؤمن في فسحة من دينه ما لم يصب دماً حراماً) رواه البخاري. وقال ﷺ (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وقتل النفس، .... ) رواه البخاري. • معنى قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). قيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك. قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما: ١ - عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته. ٢ - أنهما سواء في استحقاق القصاص. ٣ - أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام. ٤ - أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة.

стр. 1143

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • القاتل عمد مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل. وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا .... ) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين. • فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)؟ فالجواب: قيل: المراد من استحل ذلك، وهذا قول ضعيف، لأن المستحل كافر سواء قتل أم لم يقتل. وقيل: المراد بالخلود هنا المكث الطويل وليست الإقامة الأبدية. وقيل: إن هذه النصوص خرجت مخرج الزجر والتغليظ ولا يراد حقيقة التخليد. وقيل: إن هذا جزاؤه وهو يستحق هذا الوعيد، ولكن الله تكرم على عباده الموحدين ومنّ عليهم بعدم الخلود في النار. وقيل: هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لا يذم بل يمدح، والله تعالى يجوز عليه إخلاف الوعيد ولا يجوز عليه خلف الوعد، والفرق بينهما، أن الوعيد حقه فإخلافه عفو وهبة، وذلك موجب كرمه، والوعد حق عليه أوجبه على نفسه، والله لا يخلف الميعاد. • اختلف العلماء إذا أذِنَ المجني عليه للجاني بقتله، فهل هذا من العمد؟

стр. 1144

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الأول: هذا قتل عمد ويجب فيه القود. وهذا قول المالكية. قالوا: بأنه إذْنٌ في غير محله، فكأنه غير موجود، لأن الإنسان لا يملك نفسه فضلاً عن أن يأذن لغيره أن يقتله. القول الثاني: شبه عمد. وهذا قول الأحناف. قالوا: إن قصد الاعتداء والقتل موجود، ولكن وجود الإذن شبهة تمنع من إلحاقه بالقتل العمد. القول الثالث: أن هذا القتل فيه الإثم، ولا قصاص فيه ولا دية. وهذا قول الشافعية والحنابلة. قالوا: لأن القصاص والدية شرعاً لحق المجني عليه وقد تنازل عن حقه. والراجح الأول

стр. 1145

م/ فهذا يخيّر الولي فيه بين القتل والدية، لقوله ﷺ (من قُتِل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يقتل وإما أن يفدي) متفق عليه. يجب بالقتل العمد القود أو الدية. يخير الولي بينهما. فيخير الولي بين القصاص أو الدية، إن شاء اقتص وإن شاء أخذ الدية وإن شاء عفا إلى غير شيء. لحديث أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يُودَ وإما أن يقاد) متفق عليه. وفي حديث آخر ( … فأهله بين خيرين: إن أحبوا قتلوا، وإن أحبوا أخذوا الدية) رواه أبوداود. • والعفو مجاناً أفضل. لقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). وقال ﷺ (ما عفا رجل عن مظلمة إلا زاده الله بها عزاً) رواه مسلم. وعن أنس. قال (ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر فيه بالعفو) رواه أبوداود. • وإن صالح القاتل عن القود بأكثر من الدية جاز. مثال: إذا كانت الدية مثلاً مائة ألف، فقال الولي: أنا لا أقبل إلا مائتي ألف، أو مليون مثلاً فرضي القاتل بذلك فله الحق بذلك. لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. أن رسول الله ﷺ قال (من قتل متعمداً دفع إلى أولياء المقتول فإن شاؤوا قتلوا وإن شاؤوا أخذوا الدية، .. وما صولحوا عليه فهو لهم) رواه الترمذي.

стр. 1146

م/ الثاني: شبه العمد وهو: أن يتعمد الجناية عليه بما لا يقتل غالباً. ذكر المصنف ﵀ النوع الثاني من أنواع القتل، وهو شبه العمد وتعريفه: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً في غير مقتل. كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة. • قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع. • سمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد). • فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد: أنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها. • وأذكر الآن الفرق بين القتل العمد وبين شبه العمد: أولاً: أن القصد في القتل العمد هو إزهاق روح المجني عليه، أما في شبه العمد فالقصد هو الضرب دون القتل، فيقصد الجاني ضرب المجني عليه بما لا يقتل غالباً. ثانياً: الآلة. أن الآلة المستخدمة في القتل العمد يغلب على الظن موت المجني عليه بها، كأن يقتله بسيف أو سكين أو بخنجر كبير يقتل غالباً، أما في شبه العمد فإن الآلة فيه لا تقتل غالباً كأن يضربه بخشبة صغيرة. ثالثاً: الموجَب. موجب القتل العمد هو القود أو الدية، والقود هو قتل القاتل لمن قتله، وأما موجب قتل شبه العمد فهو الدية. رابعاً: الدية. الدية في القتل العمد تجب في مال القاتل فلا تحملها العاقلة، قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن دية العمد تجب في مال القاتل لا تحملها العاقلة، أما الدية في شبه العمد فلا تجب في مال القاتل، بل تحملها العاقلة. (وسيأتي تعريف العاقلة).

стр. 1147

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . خامساً: تأجيل الدية. ذهب جمهور العلماء إلى أن الدية في القتل العمد تجب حالة غير مؤجلة أو مقسطة إلا برضا ولي الدم، لأن الجاني قد ارتكب جريمة القتل باختياره والواجب فيه القصاص حالاً، والدية بدل القصاص فتكون حالة، وأما دية شبه العمد فإنها مؤجلة، قال ابن قدامة: .... ولا أعلم في أنها تجب مؤجلة خلافاً بين أهل العلم. وذلك تخفيفاً على الجاني، لأنه لم يقصد القتل، وصفة التأجيل أنها توزع على ثلاث سنين، في كل سنة ثلثها. سادساً: الكفارة. ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يجب في القتل العمد كفارة، لأن القتل العمد أعظم من أن تمحوها الكفارة، أما القتل شبه العمد فقد ذهب أكثر الفقهاء إلى وجوب الكفارة على القاتل. سابعاً: العقاب الأخروي. فإن الله توعد قاتل العمد بقوله (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)، وأما شبه العمد، فهو وإن كان القاتل آثماً فإنه لا يدخل في هذا الوعيد.

стр. 1148

م/ الثالث: الخطأ، وهو أن تقع الجناية منه بغير قصد بمباشرة أو سبب. هذا النوع الثالث من أنواع القتل وهو: قتل الخطأ. وهو: أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله. بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً. بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان. وأما ما يوجب فقد قال المصنف ﵀:

стр. 1149

م/ ففي الأخير لا قود. أي: في الأخير - وهو قتل الخطأ - لا قود، وهذا بالإجماع. وكذلك في قتل شبه العمد، لا قود فيه، وإنما القود - وهو القصاص - في قتل العمد فقط.

стр. 1150

بل: الكفارة في مال القاتل والدية على عاقلته وهم عصباته. ذكر المصنف ﵀ ما يوجبه قتل الخطأ وكذلك القتل شبه العمد وأنه يوجب أمران: الأول: الكفارة. كما قال تعالى (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا). (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً) أي: يمتنع شرعاً أن يقتل المؤمن أخاه عمداً، لكن قد يقتله عن طريق الخطأ (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: ومن قتل مؤمناً خطأ فعليه كفارة: تحرير وتخليص رقبة مؤمنة من الرق وإعتاقها، ويجب أن تكون مؤمنة (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الدية: ما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى أوليائه جبراً لقلوبهم وعوضاً عما فاتهم من قريبهم (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية. الثاني: الدية وتكون على عاقلة القاتل. لقوله تعالى ( .... وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا). والدية تكون على العاقلة: والعاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم. وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً، وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتدي عليه أحد. • ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل. • وحاضرهم وغائبهم. • ولا عقل على رقيق: أولاً: لأنه ليس من أهل النصرة، ثانياً: أنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده. • ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون. لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود. ولأنهما ليسا من أهل النصرة. • ولا على فقير، لأنه ليس عنده مال. • ولا على أنثى، لأنها ليست من أهل النصرة.

стр. 1151

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم. • والمذهب: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، وهذا اختيار الشيخ السعدي ﵀. • لا تحمل العاقلة قتل العمد كما تقدم. • القتل من حيث ما يوجبه ويترتب عليه ينقسم إلى أقسام: القسم الأول: قتل يوجب القود فقط، وهو القتل العمد. القسم الثاني: قتل يوجب الكفارة والدية، وهو قتل شبه العمد والخطأ. القسم الثالث: قتل يوجب الكفارة فقط وهذا له صور: الصورة الأولى: إذا قتل في صف كفار من ظنه حربياً فبان مسلماً ففيه الكفارة. الصورة الثانية: وإذا قتل مسلم ورثته كفار وهم أعداء لنا، لقوله تعالى (فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ). والمعنى: وإن كان القتيل من قوم كفار محاربين فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر الدية، لأنه لا دية على القاتل، لأن أهل المقتول كفار محاربون، لا عهد لهم ولا ذمة، وقد يتفقون بها على حرب المسلمين، ولأنه مؤمن وهم كفار، والكافر لا يرث المؤمن.

стр. 1152

شروط القصاص م/ ويشترط في وجوب القصاص: سيذكر المصنف ﵀ شروط القصاص. هذه الشروط إذا فقد منها شرط سقط حد القصاص.

стр. 1153

م/ كون القاتل مكلفاً. هذا الشرط الأول: أن يكون القاتل مكلفاً (عاقلاً بالغاً). لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق .. ). وأما الصبي والمجنون فحكم قتلهما قتل خطأ لأن عمدهما خطأ لكونهما لا يصح منهما قصد صحيح. • اختلف العلماء في حكم جناية السكران على قولين: القول الأول: أنه يقتص منه. وهذا قول الجمهور. أن الصحابة أقاموا سكره مقام قذفه، فأوجبوا عليه حد القذف، فقد جاء في الموطأ (أن عمر استشار الناس في شأن شارب الخمر فقال علي: يا أمير المؤمنين، إن الشارب إذا سكر هذي، وإذا هذي افترى وحد المفتري ثمانون جلدة، أرى أن تجلده ثمانين جلدة، فأعجب ذلك عمر وجعل عقوبته ثمانين جلدة) فإذا وجب حد القذف على الشارب فالقصاص المتمحض حق آدمي أولى. ولأن في ذلك سداً للذريعة، إذ لو لم يجب القصاص والحد لأفضَى إلى أن من أراد أن يعصي الله شرب ما يسكره ثم قتل وزنى وسرق ولا يلزمه عقوبة، فيصير عصيانه سبباً لسقوط العقوبة عنه. القول الثاني: أنه لا يقتص منه. وهذا وجه في مذهب الحنابلة. قياساً على المجنون، فإن كلاً منهما زائل العقل. ولما ثبت في صحيح البخاري (أن حمزة قال للنبي ﷺ وهو ثمل: وهل أنتم إلا عبيد أبي) ولم يقم النبي ﷺ عليه حد الردة. والراجح القول الأول. وأما قياسه على المجنون، فهذا قياس مع الفارق، فإن السكران فقد عقله باختياره عصياناً بخلاف المجنون. وأما قصة حمزة، فهذا كان قبل تحريم الخمر، فلا يصح الاستدلال به، وبأنه قول والقتل فعل، والفعل أشد.

стр. 1154

م/ والمقتول معصوماً. هذا الشرط الثاني: أن يكون المقتول معصوماً، فإن كان حربياً أو مرتداً فلا ضمان فيه. والعلة في ذلك: لأن القصاص شرع لحفظ الدم المعصوم دون الدم المهدر.

стр. 1155

م/ ومكافئاً للجاني في الإسلام والرق والحرية، فلا يقتل مسلم بكافر ولا الحر بالعبد. هذا الشرط الثالث: أن المساواة بين القاتل والمقتول في الإسلام والحرية والرق. في الإسلام: فلا يقتل مسلم بكافر. لما ثبت في البخاري مرفوعاً في صحيفة علي (لا يقتل مسلم بكافر). ولحديث علي مرفوعاً (المؤمنون تتكافأ دماؤهم ..... ولا يقتل مؤمن بكافر) رواه أبوداود. فهذا يدل على أن غير المؤمن لا يكافئ المؤمن. ولأن المسلم أعلى وأكرم عند الله من الكافر، والإسلام يعلو ولا يُعلى عليه كما قال تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) وقال تعالى (َفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ). وهذا مذهب جماهير العلماء: لا يقتل مسلم بكافر. وذهب الحنفية إلى أنه يقتل المسلم بالذمي خاصة. واستدلوا بالعمومات الدالة على أن النفس بالنفس كقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). وبحديث ورد عن النبي ﷺ (أنه ﷺ أقاد مسلماً بذمي، وقال: أنا أحق من وفى بذمته). والراجح قول الجمهور، وأما الحديث (أنه ﷺ أقاد مسلماً بذمي … ) فهو حديث ضعيف جداً. • ولا حر بعبد، وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث روي عن النبي ﷺ وفيه (لا يقتل حر بعبد) رواه الدارقطني لكنه ضعيف. وعن علي (من السنة: أن لا يقتل حر بعبدٍ) أخرجه ابن أبي شيبة وسنده لا يصح. ولأن العبد لا يكافئ الحر، فإنه منقوص بالرق.

стр. 1156

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وذهب بعض العلماء إلى أن الحر يقتل بالعبد. وهو قول داود الظاهري وبعض السلف. لعموم الأدلة في وجوب القصاص، كقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). ولقوله ﷺ (المؤمنون تتكافأ دماؤهم) رواه أبوداود. فدل الحديث على أن دماء المؤمنين متكافئة، وأن العبرة بأصل الإيمان، وليست العبرة بالحرية أو الرق. وهذا قول قوي، لقوة أدلته. • اما الكافر فيقتل بالمسلم، وهذا بالاتفاق. • والعبد يقتل بالحر، وهذا بالاتفاق. • والرجل بالمرأة والمرأة بالرجل. قال في المغني (هذا قول عامة أهل العلم). لقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). ولحديث أنس (أن النبي ﷺ قتل يهودياً بجارية قتلها على أوضاح لها) متفق عليه.

стр. 1157

م/ وألا يكون والداً للمقتول، فلا يقتل الأبوان بالولد. هذا الشرط الرابع: وهو أن يكون الجاني غير الأصل، فلا يقتل الوالد بولده. وهذا مذهب جماهير العلماء. لحديث عمر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يقاد الوالد بالولد) رواه الترمذي. ولأن الأب سبب لوجود الولد فلا يكون الولد سبباً لإعدامه. ولعموم الأدلة الموجبة لبر الوالدين، والإحسان إليهما. • قوله (فلا يقتل الأبوان بالولد) دليل على أنه لا يجب القصاص على الأصل، سواء كان الأب أو الأم، وهذا مذهب جماهير العلماء. وذهب بعض العلماء إلى أنه يجب القصاص عليهما. وهذا قول داود الظاهري وابن المنذر. لعموم الأدلة في وجوب القصاص من القاتل، وعدم ورود ما يقوَى على تخصيصها. وقالوا: وأما التعليل بأن الوالد سبب إيجاد الولد فلا يكون سبباً في إعدامه، فهو مردود، فإن الولد لم يكن سبباً في إعدامه، بل هو سبب إعدام نفسه. وقول الجمهور أرجح. • ويقتل الولد بوالده، قال في المغني: هذا قول عامة أهل العلم لعموم الأدلة الدالة على وجوب القصاص). شروط استيفاء القصاص سيذكر المصنف ﵀ الشروط التي إذا توفرت يتم استيفاء القصاص. الشروط الماضية - شروط القصاص - وهي الشروط التي يثبت بها القصاص.

стр. 1158

م/ ولابد من اتفاق الأولياء المكلفين. هذا الشرط الأول: وهو اتفاق جميع الأولياء المشتركين في استحقاق القصاص على استيفائه. لأنه حق لجميعهم فلم يكن لبعضهم الاستقلال به. • فإذا عفا أحد الأولياء سقط القصاص وانتقل الأمر إلى الدية. • إن كان فيهم غائب انتظر قدومه. • الذين لهم حق في استيفاء القصاص هم الورثة، ويدل لذلك قوله ﷺ (من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين) رواه أبوداود وأصله في الصحيحين، فقوله [أهله] أي ورثته. الشرط الثاني: أن يكون مستحقه مكلفاً. فإن كان غير مكلف بأن يكون صبياً أو مجنوناً فإنه لا يستوفى، ويحبس القاتل حتى يبلغ الصبي ويعقل المجنون. لأن القصاص ثبت لما فيه من التشفي والانتقام، ولا يحصل ذلك باستيفاء غير مستحقه. وهذا هو المذهب وهو قول الشافعي. وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للأب والجد أن يستوفيا القصاص نيابة عن موليهما الصغير والمجنون. وهذا قول بعض الحنفية، لأن ولايتهما ولاية نظر ومصلحة، فهما مخوّلان لطلب القصاص. والأول أظهر.

стр. 1159

م/ والأمن من التعدي في الاستيفاء. هذا الشرط الثالث: الأمن من التعدي في الاستيفاء. فلو كان الجاني حاملاً لم يجز استيفاء القصاص منها حتى تضع ولدها ويستغني عنها.

стр. 1160

م/ وتقتل الجماعة بالواحد. أي: يجب القصاص بقتل القاتل ولو كان القاتل اثنين فأكثر، وهذا قول الجمهور. لعموم الأدلة على مشروعية القصاص. عن ابن عمر قال (قتل غلام غيلة، فقال عمر: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به) رواه البخاري. وسداً للذريعة، فإنه لو لم يقتل الجماعة بالواحد لأدّى ذلك إلى سقوط القصاص بهذه الحيلة، فكل من أراد قتل شخص تعاون مع آخرين ليسقط عنه القصاص، فيؤدي ذلك إلى إسقاط حكمة الردع والزجر. • شرط القصاص منهم جميعاً: أن يكون فعل كل واحد منهم يصلح لقتله لو انفرد، كأن يصوّب ثلاثة أشخاص مسدساً ضد شخص واحد ويقتلونه في آن واحد. وهذا الحكم: حيث كان فعل كل واحد منهم يوجب القصاص لو انفرد، كأن يجتمعوا على ضربه بسيوف، كل واحد لو انفردت ضربته لقتلت غالباً. • وإن اختار الولي الدية، فإنها تجب دية واحدة على الجميع، وذلك لأن النفس واحدة والقتل واحد فلم يجب إلا دية واحدة. • إذا أكره مكلف مكلفاً آخر على قتل معصوم، فللعلماء في هذه المسألة عدة أقوال: القول الأول: أن القصاص عليهما (على المكرِه والمكرَه). وهذا قول مالك وأحمد. لأن المكرِه تسبب إلى قتله بشيء يُفضي إليه غالباً، فوجب عليه القصاص، كما لو ألسعه حية، أو ألقاه إلى أسد في زريبة، وأما المكرَه - بفتح الراء - فلأنه قتل شخصاً ظلماً لاستبقاء نفسه، أشبه ما لو قتله في المخمصة ليأكله. القول الثاني: أن القصاص على المكرَه - بفتح الراء - دون المكرِه. وهذا قول للشافعية وبعض الحنفية. لأن المكرَه مباشر، وليس له أن يقتل غيره لاستبقاء نفسه. القول الثالث: أن القصاص على المكرِه - بكسر الراء -. وهذا قول أبي حنيفة. لأنه هو الملجئ لغيره، والمكرَه مضطر، ولولا إكراه ذلك ما قتله. لكن هذا تعليل ضعيف.
следующие страницы →