← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 832

شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين - اللهيميد

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 270 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

م/ ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ بِمَحَلٍّ آخَرَ. سبق الكلام عليه.

стр. 107

م/ وَالْفَرْضُ مِنْ هَذَا: غَسْلُ جَمِيعِ اَلْبَدَنِ، وَمَا تَحْتَ اَلشُّعُورِ اَلْخَفِيفَةِ وَالْكَثِيفَةِ. هذا هو صفة الغسل المجزئ. أن يعمم بدنه بالماء مع المضمضة والاستنشاق. لقوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) ولم يذكر الله شيئاً سوى ذلك، ومن عمم بدنه بالغسل مرة صدق عليه أنه تطهر

стр. 108

بَابُ اَلتَّيَمُّمِ التيمم لغة القصد، يقال تيمم الشيء وتيممه: أي قصده. وشرعاً: مسح الوجه واليدين من الصعيد الطيب، بدلاً عن طهارة الماء عند تعذر استعماله. وهو من خصائص هذه الأمة. لقوله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من قبلي … وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل) متفق عليه وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً). والسنة أحاديث كثيرة: منها حديث عمران بن حصين قال: (كنا مع النبي ﷺ في سفر فصلى بالناس، فإذا هو برجل معتزل فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك). متفق عليه وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير). رواه أحمد • وكانت مشروعيته في السنة السادسة في غزوة بني المصطلق، لما ضاع عقد عائشة. ففي الصحيحين عن عائشة: (أنها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فبعث رسول الله ﷺ رجالاً في طلبها فوجدوها فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء، فصلوا بغير وضوء، فلما أتوا رسول الله ﷺ شَكَوْا ذلك إليه، فقال: فأنزل الله آية التيمم). متفق عليه م/ وَهُوَ اَلنَّوْعُ اَلثَّانِي مِنَ اَلطَّهَارَةِ. تقدم النوع الأول وهو الطهارة بالماء، والدليل على أن التراب هو النوع الثاني قوله تعالى: (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) فنص أولاً على الماء، وعند تعذره يرجع إلى التيمم.

стр. 109

م/ وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ اَلْمَاءِ إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ. المؤلف يريد أن يذكر هنا متى يجوز التيمم، وذكر ﵀ أنه بدل عن الماء، ومن المعلوم أن البدل له حكم المبدل، فهذا يدل على أنه رافع ويقوم مقام الماء. وهذا مذهب أبي حنيفة واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ). قالوا: هذا دليل على أن التيمم طهارة، فهو مطهر كما يطهر الماء بنص القرآن. ولقوله ﷺ : (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). قالوا: هذا دليل على أن التراب طهور للمتيمم كما أن الماء طهور له إلا أن طهرة التراب مؤقتة. أنه بدل، والقاعدة الشرعية: (أن البدل له حكم المبدل). وهذا القول هو الصحيح. وذهب بعض العلماء إلى أنه مبيح لا رافع وهذا مذهب الشافعي ونسبه النووي للجمهور. لحديث أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (الصعيد طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليمسه بشرته). رواه الترمذي. قالوا: ولو رفع الحدث لم يحتج الماء إذا وجده. والأول أصح. وعليه: إذا تيمم لنافلة فإنه يصلي به فريضة وغيرها من الصلوات، ولا يبطل بخروج الوقت، لأنه يقوم مقام الماء. وإذا تيمم لمس المصحف صلى به نافلة. • قوله: (إِذَا تَعْذَّرَ اِسْتِعْمَالُ اَلْمَاءِ لِأَعْضَاءِ اَلطَّهَارَةِ أَوْ بَعْضِهَا لِعَدَمِهِ) ذكر أن التيمم بدل عن الماء إذا تعذر استعماله لعدم، فهذا شرط التيمم: فقد الماء وتعذره. وهذا شرط للتيمم بالإجماع. فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم. لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا). ولقوله ﷺ في الحديث السابق: (الصعيد طهور المسلم … ). • إذا وجد الماء لكن بثمن زائد كثيراً: قال بعض الفقهاء: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته. وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم. لكن الصواب إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر. لأن الله يقول: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً). والماء هنا موجود. • لكن إن كان غير واجد الثمن، أو ليس معه إلا بعضه؛ فهو عادم للماء، ولا يلزمه الاقتراض، لما في ذلك من المنة.

стр. 110

م/ أَوْ خَوْفِ ضَرَرٍ بِاسْتِعْمَالِهِ. هذه من الحالات التي يجوز فيها التيمم، وهي إذا خاف باستعمال الماء الضرر، فيخاف إذا استعمل الماء معه يزيد عليه مشقة • وكما لو حصل برد شديد، وعَدِمَ ما يسخن به الماء، وخاف الضرر من البرد، لأنه داخل في عموم قوله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) ولقوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). ولحديث أبي سعيد الخدري قال: (خرج رجلان في سفر فحضرت الصلاة وليس معهما ماء فتيمما صعيداً طيباً فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما الصلاة بالوضوء ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له فقال للذي لم يعد: (أصبت السنة وأجزأتك صلاتك) وقال للذي توضأ وأعاد: (لك الأجر مرتين). أو خاف باستعماله ضرر رفيقه أو حرمته أو بهائمه. ضرر رفيقه: أن يكون معه قليل ورفقة، فإن استعمل الماء عطش الرفقة وتضرروا، فهنا يتيمم ويدع الماء للرفقة. أو حرمته: خاف باستعمال الماء ضرر امرأته. أو ماله: كما لو كان معه حيوان، وإذا استعمل الماء تضرر أو هلك. وقول المصنف: (أو بعضها) أي عدم الماء لبعض أعضاء الطهارة. مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط. فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم. لقوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا). ولقوله ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). متفق عليه وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم. وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، وهذا اختيار المصنف. والأول أرجح.

стр. 111

م/ فَيَقُومُ اَلتُّرَابُ مَقَامَ اَلْمَاءِ بِأَنْ: يَنْوِيَ رَفْعَ مَا عَلَيْهِ مِنْ اَلْأَحْدَاثِ. فالتيمم يقوم مقام الماء، فإذا تيمم وكان عليه جنابة، فإن الجنابة ترتفع، وكذلك لو عليه أي حدث من الأحداث، فإن التيمم يرفعه. فالتيمم بدل عن الماء والبدل له حكم المبدل. فيجوز إذا تيمم لفريضة أن يصلي به فريضة أخرى، ولو تيمم لنافلة أن يصلي به فريضة، أو تيمم لقراءة قرآن كما سبق.

стр. 112

م/ ثُمَّ يَقُولَ: بِسْمِ اَللَّهِ. أي يسن أن يقول قبل التيمم: بسم الله، وهذا سنة. لأن التيمم بدل، والبدل له حكم المبدل.

стр. 113

م/ ثُمَّ يَضْرِبَ اَلتُّرَابَ بِيَدِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً. أي أن التيمم ضربة واحدة. لحديث عمار قال: (بعثني رسول الله ﷺ في حاجة فأجنبت، فلم أجد الماء، فتمرغت في الصعيد كما تمرغ الدابة، ثم أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: إنما يكفيك أن تقول هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجه). متفق عليه وذهب بعض العلماء إلى أن التيمم ضربتان: ضربة للوجه وضربة لليدين. لحديث: (التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين). رواه الدارقطني وهو ضعيف وقول المصنف: (بيديه) المراد باليدين هنا الكفان. لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ). واليد إذا أطلقت فهي عبارة عن الكف. ويدل لذلك قوله تعالى: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) والمراد باليد هنا الكف، لأن القطع إنما يكون من الكف. وفي حديث عمار السابق: (إنما يكفيك هكذا) ومسح وجهه وكفيه واحدة. وقول المصنف: (يضرب التراب) اشترط بعض العلماء للتيمم أن يكون بتراب، وهذا قول الشافعي وأحمد. لقوله ﷺ : (وجعلت تربتها لنا طهوراً إذا لم نجد الماء). رواه مسلم وفي حديث آخر: (وجعل التراب لي طهوراً) فقالوا: هذا مخصص لعموم: (وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً). وقال بعض العلماء: لا يشترط التراب، بل يجوز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب أو رمل أو صخر؛ وسواء كان يابساً أم ندياً، واستدلوا: بقوله تعالى: (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) والصعيد هو وجه الأرض كان عليه تراب أو لم يكن. ولقوله ﷺ : (حيثما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره) وهذا نص صريح في أن من أدركته الصلاة في أرض رملية فهي له طهور، أو في أرض حجرية فكذلك. ولأن الرسول ﷺ لما سافر هو وأصحابه في غزوة تبوك؛ قطعوا تلك الرمال في طريقهم، لم يرد أنه حمل معه التراب، ولا أمر به، ولا فعله أحد من أصحابه.

стр. 114

م/ يَمْسَحُ بِهِمَا جَمِيعَ وَجْهِهِ وَجَمِيعَ كَفَّيْهِ. فَإِنْ ضَرَبَ مَرَّتَيْنِ فَلَا بَأْسَ. أي لا بد من مسح جميع الوجه وجميع كفيه، لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وأيديكم منه). ثم يمسح بيديه بعضها على بعض. • فروض التيمم: النية. قال ابن قدامة: " لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية ". مسح الوجه واليدين إلى الكوعين. الترتيب. لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين. ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها. لم يذكر المؤلف مبطلات التيمم، وهي: أولاً: وجود الماء. فإذا تيمم لعدم وجود الماء بطل بوجوده. ويبطل التيمم بوجود الماء حتى ولو وجده في أثناء الصلاة. مثال: إنسان تيمم لعدم الماء، ثم صلى، وفي أثناء الصلاة وجد الماء، إما بنزول مطر أو قدوم شخص معه الماء، فهنا يبطل تيممه ويقطع الصلاة ويتوضأ ويعيد الصلاة. وهذا القول هو الراجح. لقوله تعالى: (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) وهذا واجد للماء فيبطل حكم التيمم. ولقوله ﷺ : ( … فإذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته). رواه أبو داود وهذا واجد للماء. وهذا مذهب أبي حنيفة ورجحه ابن حزم. وذهب بعض العلماء إلى أنه يكمل الصلاة ولا يقطعها. والصحيح الأول. • وأما التيمم لمرض لم يبطل بوجوده، لأنه يجوز أن يتيمم مع وجود الماء، ولكن يبطل بالبرء وزوال المبيح وهو المرض. ثانياً: بمطلات الوضوء. لأن البدل له حكم المبدل. فائدة: • التيمم يكون عن الحدث الأصغر والأكبر. • التيمم صفة واحدة سواء في الحدث الأكبر أو الحدث الأصغر. • ذهب جمهور العلماء إلى أن فاقد الماء يجوز له أن يجامع أهله ولو لم يكن معه ماء.

стр. 115

م/ وَمَنْ عَلَيهِ حَدَثٌ أَصَّغَر لَمْ يحِل لَهُ أَن يُصَلِّي. أي أن من عليه حدث أصغر - والحدث الأصغر هو ما أوجب وضوءاً - فإنه لا يجوز له أن يصلي. لقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ … ) ولقوله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). وتحريم الصلاة على المحدث تعم الفرض والنفل، حتى صلاة الجنازة.

стр. 116

م/ وَلَا أَنْ يَطُوفَ بِالبِيت). أي لا يحل له أن يطوف بالبيت حتى يتوضأ. وهذا مذهب جمهور العلماء (كما قاله النووي). لحديث عائشة: (أن النبي ﷺ أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت). رواه مسلم وذهب بعض العلماء ومنهم ابن تيمية إلى أنه لا يشترط الوضوء للطواف وإنما هو مستحب فقط. قالوا: لأنه لم ينقل عن النبي ﷺ أنه أمر بالطهارة للطواف، مع العلم أنه قد حج معه خلائق عظيمة، وقد اعتمر عمراً متعددة والناس يعتمرون معه، ولو كان الوضوء فرضاً للطواف لبيّنه النبي ﷺ بياناً عاماً، ولو بيّنه لنقل ذلك المسلمون ولم يهملوه. قال شيخ الإسلام: " والذين أوجبوا الوضوء للطواف ليس معهم حجة أصلاً، فإنه لم ينقل أحد عن النبي ﷺ لا بإسناد صحيح ولا ضعيف أنه أمر بالوضوء للطواف، ولكن ثبت في الصحيح أنه لما طاف توضأ، وهذا وحده لا يدل على الوجوب ". وما رجحه ابن تيمية هو قول جماعة من السلف فقد روى ابن أبي شيبة عن شعبة بن الحجاج قال: (سألت حماداً ومنصوراً وسلمان؛ عن الرجل يطوف بالبيت من غير طهارة؟ فلم يروا به بأساً). وأما حديث ابن عباس: (الطواف بالبيت صلاة)، فالجواب عنه: أنه حديث موقوف عن ابن عباس كما رجحه النسائي والبيهقي وابن الصلاح والمنذري والنووي وابن تيمية. وأيضاً معناه منتقض، لأن معناه أن جميع أحكام الصلاة تثبت للطواف إلا الكلام، ولا قائل بذلك، يجوز فيه الأكل والشرب والضحك، وليس فيه تكبير ولا تسليم ولا قراءة.

стр. 117

م/ وَلَا يَمَسّ المُصَّحَف. أي لا يحل للمحدث أن يمس المصحف. وهذا مذهب أكثر العلماء. لقوله تعالى: (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) قالوا: فالمراد به القرآن الذي بين أيدينا (تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ) المنزل هو القرآن. ولحديث أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده: (أن النبي ﷺ كتب إلى أهل اليمن كتاباً فيه: أن لا يمس أحد القرآن إلا طاهر). رواه مالك قالوا: والمراد بطاهر؛ أي طاهر من الحدث. والظاهر أن الاستدلال بالآية لا يتم، لأن المراد بالكتاب في هذه الآية - والله أعلم - الكتاب الذي بأيدي الملائكة. قال الشوكاني: " وهو لا يتم إلا بعد جعل الضمير راجعاً إلى القرآن، والطاهر رجوعه إلى الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، لأنه الأقرب، والمطهرون: الملائكة ". فالاستدلال بالحديث أظهر. وأن معنى: (إلا طاهر) إلا متوضئ، خلافاً لمن قال (إلا طاهر) المراد به المسلم دون المشرك، لكن الصحيح أن يحمل على المتوضئ: أولاً: لأنه كثير في لسان الشرع إطلاق هذا اللفظ على المتوضئ. ثانياً: لأن الصحابة فهموا ذلك وأفتوا به، بأنه لا يمس القرآن إلا على طهارة. ثالثاً: لأنه لم يعهد على لسان الرسول ﷺ أن يعبر عن المؤمن بالطاهر، لأن وصفه بالإيمان أبلغ. • المصحف: هو القرآن المكتوب من الفاتحة إلى سورة الناس، وهذا اللفظ كان معروفاً عند الصحابة. قال ابن مسعود: " أديموا النظر في المصحف ". • المس: هو إصابة الشيء وملامسته.

стр. 118

م/ وَيَزِيدُ مَنْ عَلَيهِ جَنَابَة أّنَّهُ لَا يَقرَأُ شَيئَاً مِنَ القُرْآن. أي أنه لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يقرأ شيئاً من القرآن [غيباً]. وهذا مذهب جمهور العلماء. لحديث علي قال: (كان رسول الله ﷺ يقرئنا القرآن على كل حال ما لم يكن جنباً). رواه الترمذي وأبو داود وحسنه الحافظ ابن حجر ولحديث ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن). رواه الترمذي وابن ماجه، وهو ضعيف بالاتفاق وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز للجنب أن يقرأ القرآن. وذهب إليه ابن عباس، فقد ذكر عنه البخاري في صحيحه تعليقاً مجزوماً بصحته، فقال: " لم ير ابن عباس بالقرآن للجنب بأساً ". وجاء هذا القول عن سعيد بن المسيب. وهذا مذهب داود الظاهري والطبري وابن حزم وابن المنذر في الأوسط. لحديث عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه). رواه مسلم والراجح الأول. وأيضاً الجنب يمكنه التطهر متى شاء بالماء أو التراب، فليس له عذر في القراءة مع الجنابة.

стр. 119

م/ وَلَا يَلْبَث فِي المَسْجِد بِلَا وُضُوء. أي لا يجوز للمحدث حدثاً أكبر أن يلبث في المسجد بلا وضوء. لقوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) أي لا تقربوا مواضع الصلاة جنباً إلا عابري سبيل. والمراد بعابر السبيل: المار في المسجد سواء لحاجة أو لغيرها. فلو توضأ جاز له اللبث، وهذا مذهب أحمد واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

стр. 120

م/ وَتَزِيدُ الحَائِضُ وَالنُّفُسَاء. أي يحرم بسبب الحيض والنفاس الأمور السابقة، وهي: الصلاة، والطواف، ومس المصحف، وقراءة القرآن، واللبث في المسجد. • لكن قراءة القرآن ذهب بعض العلماء إلى جوازها وأن الحائض لا تمنع منها. لعدم الدليل. وأما حديث: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن) ضعيف بالاتفاق. وقد كان النساء يحضن في عهد رسول الله ﷺ ، فلو كانت القراءة عليهن كالصلاة لكان هذا مما بينه النبي ﷺ لأمته. وهذا القول هو الصحيح، ولأن حدثها يطول بخلاف الجنب. • وأما اللبث في المسجد فجمهور العلماء على تحريم ذلك. لحديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب). رواه أبو داود ولأن النبي ﷺ أمر النساء بالخروج لصلاة العيد، وأمر الحيض أن يعتزلن المصلى. ولحديث عائشة أن رسول الله ﷺ قال لها: (ناوليني الخمْرة من المسجد، فقلت: إني حائض. فقال ﷺ : إن حيضتك ليست في يدك). رواه مسلم فقولها (إني حائض) هذا دليل على أنه كان معروفاً أن الحائض لا تمكث في المسجد. وذهب بعض العلماء إلى جواز المكث في المسجد. لحديثَ عَائِشَةَ (أَنَّ وَلِيدَةً كَانَتْ سَوْدَاءَ لِحَىٍّ مِنَ الْعَرَبِ، فَأَعْتَقُوهَا، فَكَانَتْ مَعَهُمْ قَالَتْ فَخَرَجَتْ صَبِيَّةٌ لَهُمْ عَلَيْهَا وِشَاحٌ أَحْمَرُ مِنْ سُيُورٍ قَالَتْ فَوَضَعَتْهُ أَوْ وَقَعَ مِنْهَا، فَمَرَّتْ بِهِ حُدَيَّاةٌ وَهْوَ مُلْقًى، فَحَسِبَتْهُ لَحْماً فَخَطَفَتْهُ قَالَتْ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ قَالَتْ فَاتَّهَمُونِى بِهِ قَالَتْ فَطَفِقُوا يُفَتِّشُونَ حَتَّى فَتَّشُوا قُبُلَهَا قَالَتْ وَاللَّهِ إِنِّى لَقَائِمَةٌ مَعَهُمْ، إِذْ مَرَّتِ الْحُدَيَّاةُ فَأَلْقَتْهُ قَالَتْ فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ قَالَتْ فَقُلْتُ هَذَا الَّذِى اتَّهَمْتُمُونِى بِهِ - زَعَمْتُمْ - وَأَنَا مِنْهُ بَرِيئَةٌ، وَهُوَ ذَا هُوَ قَالَتْ فَجَاءَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأَسْلَمَتْ. قَالَتْ عَائِشَةُ فَكَانَ لَهَا خِبَاءٌ فِى الْمَسْجِدِ أَوْ حِفْشٌ قَالَتْ فَكَانَتْ تَأْتِينِى فَتَحَدَّثُ عِنْدِى قَالَتْ فَلَا تَجْلِسُ عِنْدِى مَجْلِساً إِلاَّ قَالَتْ وَيَوْمَ الْوِشَاحِ مِنْ أَعَاجِيبِ رَبِّنَا أَلَا إِنَّهُ مِنْ بَلْدَةِ الْكُفْرِ أَنْجَانِى قَالَتْ عَائِشَةُ فَقُلْتُ لَهَا مَا شَأْنُكِ لَا تَقْعُدِينَ مَعِى مَقْعَداً إِلاَّ قُلْتِ هَذَا قَالَتْ فَحَدَّثَتْنِى بِهَذَا الْحَدِيثِ). فهذه المرأة ساكنة في المسجد، ومن المعلوم أن المرأة لا تخلو من الحيض كل شهر، فلم يمنعها النبي ﷺ ولم ينهها. والراجح الأول، وأما قصة هذه المرأة فهي قضية عين لا عموم لها، ويحتمل أن هذه السوداء كانت عجوزاً قد يئست من الحيض.

стр. 121

م/ وَتَزِيدُ الحَائِضُ وَالنُّفُسَاءُ أَنَّهَا لَا تَصُوم. فلا يجوز للحائض أن تصوم فرضاً أو نفلاً. قال ﷺ : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم). متفق عليه ولحديث عائشة لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة). متفق عليه قال النووي: " هذا الحكم متفق عليه، أجمع المسلمون على أن الحائض والنفساء لا يجب عليهما الصلاة ولا الصوم في الحال، وأجمعوا على أنه لا يجب عليها قضاء الصلاة، وأجمعوا على أنه يجب عليها قضاء الصوم ".

стр. 122

م/ ولَا يَحِلُّ وَطُؤُهَا. أي يحرم على زوجها أن يجامعها في الفرج. وهذا بالاتفاق. قال تعالى: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). والمراد بالمحيض زمان الحيض ومكانه وهو الفرج. وقال ﷺ : (اصنعوا كل شيء إلا النكاح). النكاح: أي الجماع وقال ﷺ : (من أتى حائضاً أو امرأة في دبرها أو كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أنزل على محمد). رواه الترمذي قال الشوكاني: " ولا خلاف بين أهل العلم في تحريم وطء الحائض، وهذا معلوم من ضرورة الدين ". • أما المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة؛ فهذا جائز بالاتفاق. قال النووي: " وهو حلال باتفاق العلماء ". • وأما ما بين السرة والركبة: فقيل: إنه حرام. وقيل: إنه جائز. والصحيح أنه جائز بشرطين: أولاً: أن يتقي الفرج. ثانياً: أن لا يخش أن يؤدي به ذلك إلى الوقوع في الحرام.

стр. 123

م/ وَلَا طَلَاقُهَا. أي ويحرم طلاق الحائض. لحديث ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ وَهْىَ حَائِضٌ فِى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ [فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لْيَتْرُكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِى أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُطَلَّقَ لَهَا النِّسَاءُ) الحديث دليل على تحريم الطلاق حال الحيض وفاعله عاصٍ لله إذا كان عالماً بالنهي، ويؤخذ هذا الحكم من وجهين: أولاً: من قوله (فتغيظ رسول الله) ومعلوم أن النبي ﷺ لا يتغيظ إلا على أمرٍ محرم. ثانياً: أن النبي ﷺ أمر ابن عمر بإمساكها بعد المراجعة ثم تطليقها في الطهر - فدل على أن تطليقها في الحيض محرما، إذ لو لم يكن محرما لأقر النبي التطليق في الحيض - ويغني عن الطلقة التي تأتي في الطهر. نقل جماعة من العلماء: الإجماع على أن الطلاق حال الحيض محرم: ابن المنذر - ابن قدامة - النووي. وهذا التحريم خاص بالمدخول بها، أما غير المدخول بها فيجوز تطليقها مطلقاً حائضاً أو طاهراً، لأن غير المدخول بها ليس عليها عدة. [وهذا مذهب الأئمة الأربعة].

стр. 124

باب الحيض تعريف الحيض. لغة: السيلان، يقال: حاض الوادي إذا سال. وشرعاً: سيلان دم طبيعي يأتي المرأة في أوقات معلومة عند بلوغها. وهو شيء كتبه الله على بنات آدم، كما قال ﷺ (هذا شيء كتبه الله على بنات آدم). خلقه الله لحكمة غذاء الولد وتربيته. م/ وَالْأَصْلُ فِي اَلدَّمِ اَلَّذِي يُصِيبُ اَلْمَرْأَةَ أَنَّهُ حَيْضٌ، بِلَا حَدٍّ لِسِنِّهِ، وَلَا قَدْرِهِ، وَلَا تَكَرُّرِهِ. الأصل أن الدم الذي يخرج من المرأة في أوقات معلومة هو حيض. • أنه دم أسود يعرف، بينما دم الاستحاضة دم أحمر. • أنه دم منتن، أي له رائحة كريهة، وأما دم الاستحاضة فهو دم عادي ليس له رائحة. • أن دم الحيض ثخين غليظ، ودم الاستحاضة رقيق ليس ثخيناً. بلا حد لسنه: يريد المؤلف بهذا الرد على من قال إن الحيض له سن محددة كما قاله بعضهم: لا حيض دون تسع ولا بعد خمسين، واستدلوا: أن العادة أن لا تحيض قبل تسع ولا بعد خمسين سنة. وذهب بعض العلماء وهو اختيار ابن المنذر وابن تيمية وجماعة من أهل العلم أنه لا حد لأقل سن الحيض ولا لأكثره، بل متى رأت المرأة الدم المعروف فهو حيض تثبت له أحكامه، وإن كانت دون تسع سنين أو فوق الخمسين أو الستين. والدليل أن الله تعالى قال (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ). فعلق أحكام الحيض على وجوده، ولم يحدد لذلك سناً معيناً. وهذا القول هو الراجح. وقول المصنف: (ولا قدْرهِ) أراد المؤلف بهذا الرد على من قال: إن أقله يوم وليلة وأكثره خمسة عشر يوماً، والراجح من أقوال أهل العلم أنه لا يتقدر أقل الحيض ولا أكثره، لأن الله قال (ولا تقربوهن حتى يطهرن) فجعل غاية المنع هي الطهر، ولم يجعل الغاية مضي يوم وليلة ولا خمسة عشر يوماً، وقال ﷺ لعائشة لما حاضت (افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي حتى تطهري) فجعل غاية المنع الطهر، ولم يجعل الغاية زمناً معيناً، فدل هذا على أن الحكم يتعلق بالحيض وجوداً وعدماً. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة، ولم يقدر لأقله ولا لأكثره ولا الطهر بين الحيضتين مع عموم بلوى الأمة بذلك واحتياجهم إليه ".

стр. 125

م/ إِلَّا إِنْ أَطْبَقَ اَلدَّمُ عَلَى اَلْمَرْأَةِ، أَوْ صَارَ لَا يَنْقَطِعُ عَنْهَا إِلَّا يَسِيرًا، فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُسْتَحَاضَةً. إذا استمر الدم مع المرأة وأصبح لا ينقطع عنها أو لا ينقطع عنها إلا يسيراً فإنها تصير مستحاضة. الاستحاضة: استمرار الدم على المرأة بحيث لا ينقطع عنها أبداً، أو ينقطع عنها مدة يسيرة. وهو دم طبيعي كما في الحديث: (إن ذلك عرق) فهو يختلف عن دم الحيض في طبيعته وفي أحكامه.

стр. 126

م/ فَقَدْ أَمَرَهَا اَلنَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَجْلِسَ عَادَتَهَا. لحديث عائشة ﵂: (أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول الله ﷺ الدم، فقال: امكثي قدر ما كنت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي، فكانت تغتسل لكل صلاة). رواه مسلم وفي رواية قال لفاطمة بنت أبي حبيش ( … ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي) متفق عليه. مثال: امرأة كان يأتيها الحيض ستة أيام من أول كل شهر، ثم طرأت عليها الاستحاضة، فصار الدم يأتيها باستمرار، فيكون حيضها ستة أيام من أول كل شهر وما عداها استحاضة.

стр. 127

م/ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا عَادَةٌ، فَإِلَى تَمْيِيزِهَا. فإذا كانت المستحاضة ليس لها عادة كأن تكون مبتدئة، فإنها ترجع للتمييز، فيكون حيضها ما تميز بسواد أو غلظة. لحديث عائشة. (أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت تستحاض، فقال لها رسول الله ﷺ : إن دم الحيض دم أسود يعرف، فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي) رواه أبو داود.

стр. 128

م/ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَمْيِيزٌ، فَإِلَى عَادَةِ اَلنِّسَاءِ اَلْغَالِبَةِ: سِتَّةِ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةٍ. إذا كانت المستحاضة ليس لها حيض معلوم ولا تمييز صالح بأن تكون الاستحاضة مستمرة من أول ما رأت الدم، فهذه تعمل بعادة غالب النساء فيكون حيضها ستة أيام أو سبعة. لحديث حمنة بنت جحش قالت (يا رسول الله! إني استحاض حيضة كبيرة شديدة، فما ترى فيها قد منعتني الصلاة والصوم، فقال ﷺ (إنما هذه ركضة من ركضات الشيطان، فتحيضي ستة أيام أو سبعة في علم الله تعالى، ثم اغتسلي). رواه أبو داود لكن لو افترض أنه وجد عند المرأة صفتان (عادة وتمييز): أ- فإذا كانت العادة موافقة للتمييز فهذه لا إشكال فيها. ب- أن يكون عندها تمييز لكنه مختلف عن عادتها [عادتها ستة أيام من أول الشهر، والتمييز مختلف]: اختلف العلماء أيهما تقدم: القول الأول: تعمل بالتمييز. قال في المعني: " وهو ظاهر مذهب الشافعي ". لحديث عائشة: ( … فإنه دم أسود يعرف … ). لأن صفة الدم أمارة قائمة به. القول الثاني: أنها تعمل بالعادة. وهذا المذهب. لحديث أم حبيبة: ( … امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك … ). وجه الدلالة: فردها إلى العادة بدون استفصال، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في المقال. ولأنه أسهل على المرأة، وأبعد عن الاضطراب، لأن الدم الأسود ربما يضطرب ويتغير وينتقل أخر الشهر أو أوله أو يتقطع فيكون يوماً أسود ويوم أحمر، فجلوسها أيام عادتها أسهل عليها وأضبط لها، لأن العادة لا تبطل دلالتها أبداً. • أن المستحاضة حكمها حكم الطاهرات بالاتفاق. • اختلف العلماء في حكم وطء المستحاضة على قولين: القول الأول: يكره وطؤها إلا أن يخاف العنت. وهذا مذهب الحنابلة. لقول عائشة: (المستحاضة لا يغشاها زوجها). ولأن بها أذى فيحرم وطؤها كالحائض. القول الثاني: يجوز وطؤها مطلقاً. وهذا قول أكثر الفقهاء. لما روى أبو داود عن عكرمة عن حمنة بنت جحش: (أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها). قال النووي: إسناده صالح. وقال عكرمة: " كانت أم حبيبة تستحاض وكان زوجها يغشاها ". وقال الشيخ السعدي ﵀: " والصحيح أنه يجوز وطء المستحاضة ولو لم يخف العنت، لأن النبي ﷺ لم يمنع عبد الرحمن بن عوف وغيره من وطء زوجاتهم المستحاضات، ولأن الاستحاضة دم عرق فلا يمنع الوطء، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء فكذلك في حل الوطء ".

стр. 129

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • كيفية تطهير المستحاضة: أ- يجب الوضوء عليها لكل صلاة. لقوله ﷺ : ( … ثم توضئي لكل صلاة). قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: " معنى ذلك أنها لا تتوضأ للصلاة المؤقتة إلا بعد دخول وقتها، وأما إذا كانت الصلاة غير مؤقتة فإنها تتوضأ لها عند إرادة فعلها ". ب- أنها إذا أرادت الوضوء فإنها تغسل أثر الدم وتعصب على الفرج خرقة ليستمسك الدم. المؤلف لم يذكر أحكام النفساء: تعريف النفاس: هو دم يخرج من المرأة عند الولادة أو معها أو قبلها بيومين أو ثلاثة مع الطلق. • وأحكامه هي أحكام الحيض فيما يجب ويحرم. • اختلف العلماء في أقل النفاس: فقيل: ليس لأقله حد. وهذا المذهب وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق وجمهور العلماء. لأنه لم يرد في الشرع تحديده، فيرجع فيه إلى الوجود، وقد وجد قليلاً وكثيراً. وهذا القول هو الصحيح. (وقال بعضهم: أقله ساعة، وقيل: خمس وعشرون يوماً). • اختلف العلماء في أكثر النفاس: القول الأول: أكثره أربعون يوماً. وهذا المذهب، وبه قال أكثر أهل العلم. قال أبو عيسى الترمذي: " أجمع أهل العلم من أصحاب النبي ﷺ ومن بعدهم، على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يوماً إلا أن ترى الطهر قبل ذلك ". قال الشوكاني: " والأدلة الدالة على أن أكثر النفاس أربعون يوماً متعاضدة بالغة إلى حد الصلاحية والاعتبار، فالمصير إليها متعين ". لحديث أم سلمة ﵂ قالت (كانت النفساء تقعد على عهد النبي ﷺ بعد نفاسها أربعين يوماً). رواه الخمسة إلا النسائي، واللفظ لأبي داود وفي لفظ له: (ولم يأمرها النبي ﷺ بقضاء صلاة النفاس). وصححه الحاكم قال الشيخ ابن باز ﵀: " ومتى أكملت - أي النفساء - الأربعين وجب عليها الغسل وإن لم تر الطهر، لأن الأربعين هي نهاية النفاس في أصح قولي العلماء ". القول الثاني: أكثره ستون يوماً. وبه قال مالك والشافعي.

стр. 130

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . القول الثالث: أنه خمسون. وهو قول الحسن. واختار ابن تيمية: أنه لا حد لأكثر النفاس. والراجح الأول. قال ابن قدامة: " ولأنه قول من سمينا من الصحابة ولم نعرف لهم مخالفاً في عصرهم فكان إجماعاً ". • لا يثبت النفاس إلا إذا وضعت ما يتبين فيه خلق إنسان. فلو وضعت سقطاً صغيراً لم يتبين فيه خلق إنسان، فليس دمها دم نفاس، بل هو دم عرق، فيكون حكمها حكم المستحاضات. وأقل مدة يتبين فيها خلق إنسان ثمانون يوماً من ابتداء مدة الحمل. • إذا طهرت قبل الأربعين وذلك بانقطاع الدم، اغتسلت وصلت وجوباً. • أنه إذا انقطع دمها قبل الأربعين وطهرت، فإنه يجوز لزوجها أن يطؤها ولا يكره، وهذا مذهب جماهير العلماء. لأن الكراهية تحتاج إلى دليل، ولا دليل على الكراهة، ولأن حكمها حكم الطاهرات في كل شيء، فكذا في الوطء. • قال الشيخ ابن باز ﵀: " إذا طهرت النفساء في الأربعين فصامت أياماً، ثم عاد إليها الدم في الأربعين فإن صومها صحيح، وعليها أن تدع الصلاة والصيام في الأيام التي عاد فيها الدم ". والله أعلم أخوكم/ سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 131

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ شرح منهج السالكين وتوضيح الفقه في الدين للعلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي (١٣٧٦ هـ). كتاب الصلاة دورة علمية (ورثة الأنبياء) في تاريخ ٦/ ١ - ١٠/ ١ ١٤٣٠ هـ بقلم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 132

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين … أما بعد: فهذا شرح كتاب منهج السالكين في توضيح الفقه في الدين [كتاب الصلاة] للعلامة عبد الرحمن السعدي ﵀، قمت بشرحه في مدينة رفحاء ضمن الدورة العلمية الأولى التي أقامها مكتب الدعوة والإرشاد برفحاء. أسال الله العظيم رب العرش العظيم أن يرزقنا العلم النافع، والعلم الصالح أخوكم سليمان بن محمد اللهيميد السعودية - رفحاء

стр. 133

كتاب الصلاة تعريفها: لغة: الدعاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وصلّ عليهم إن صلاتك سكن لهم﴾ أي ادع لهم. وقال النبي ﷺ : (إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان مفطراً فليطعم، وإن كان صائماً فليصلّ). أي فليدع لهم. وشرعاً: هي عبادة ذات أقوال وأفعال مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم. قال النووي: "الصلاة في اللغة الدعاء، وسميت الصلاة الشرعية صلاة لاشتمالها عليه، هذا هو الصحيح وبه قال الجمهور من أهل اللغة وغيرهم من أهل التحقيق". حكمها: واجبة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً﴾. كتاباً: أي فرضاً. موقوتاً: أي بأوقات محددة. وقال تعالى: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة … ﴾. وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (بني الإسلام على خمس … وذكر منها: وإقام الصلاة … ). متفق عليه وأجمعت الأمة على وجوب خمس صلوات في اليوم والليلة. • فرضت ليلة الإسراء والمعراج، فرضت أولاً خمسين ثم خففت إلى خمس. قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "فرضت خمسين صلاة، لكن خففت فجعلت خمساً في الفعل وخمسين في الميزان، فكأنما صلى خمسين صلاة، وليس المراد تضعيف الحسنة بعشر أمثالها، لأنه لو كان المراد الحسنة بعشر أمثالها لم يكن لها مزية على غيرها من العبادات، إذ في كل عبادة الحسنة بعشر أمثالها، لكن الظاهر أنه يكتب للإنسان أجر خمسين صلاة بالفعل ". عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ : (أُتيت بالبراق فركبته … فأوحى الله إليّ ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة … فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى حتى قال: يا محمد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، لكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة). رواه مسلم وعند النسائي: (فخمس بخمسين).

стр. 134

• ولأهميتها: فرضت من الله إلى رسوله بدون واسطة، وفرضت في ليلة هي أفضل الليالي لرسول ﷺ ، وفرضت في أعلى مكان يصل إليه البشر، وفرضت خمسين أولاً، وهذا يدل على محبة الله لها وعنايته بها. • الصلاة كانت مشروعة في الأمم الماضية. قال تعالى: ﴿يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين﴾. قال شيخ الإسلام: "ومن كان قبلنا لهم صلاة، ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات، ولا في الهيئات". • وهي ثاني أركان الإسلام بعد الشهادتين. • وهي أول ما يحاسب عليه العبد من أعماله يوم القيامة. • وهي عمود الدين.

стр. 135

م/ ومن شروطها دخول الوقت، والأصل فيه حديث جبريل: أنه أمّ النبي ﷺ في أول الوقت، وآخره، وقال: يا محمد، الصلاة ما بين هذين الوقتين) رواه أحمد والنسائي والترمذي، و عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله ﷺ قال: وقت الظهر إذا زالت الشمس. وكان ظل الرجل كطوله. ما لم يحضر العصر. ووقت العصر ما لم تصفر الشمس. ووقت صلاة المغرب ما لم يغب الشفق. ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط. ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر. ما لم تطلع الشمس. رواه مسلم دخول الوقت شرط من شروط صحة الصلاة، فمن صلى قبل الوقت فصلاته غير صحيحة، سواء كان عالماً أو جاهلاً، والمراد بالوقت: الزمن المحدد لأداء الصلاة فيه. قال تعالى (إنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً). (كتاباً) أي مفروضاً، (موقوتاً) أي محددة في أوقات. قال في المغني: "أجمع المسلمون على أن الصلوات الخمس مؤقتة بمواقيت معلومة محددة". وقد ذكر المؤلف حديث عبد ?الله بن عمرو وفيه أوقات الصلوات الخمس. بداية وقت الظهر: إذا زالت الشمس بالإجماع. قال ابن قدامة: "أجمع أهل العلم على أن أول وقت الظهر إذا زالت الشمس". لحديث أبي هريرة (أن النبي ﷺ كان يصلي الظهر إذا زالت الشمس). متفق عليه، ولحديث ابن عمرو الذي ذكره المصنف. ولحديث بريدة: (أن النبي ﷺ لما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن ثم أمره فأقام الصلاة). رواه مسلم نهاية وقتها: حين يكون ظل الشيء مثله، وبذلك قال جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. لحديث عبد الله بن عمرو ( … وكان ظل الرجل كطوله ما لم يحضر وقت العصر). ولحديث أبي هريرة: ( … ثم جاء الغد فصلى الظهر حين كان الظل مثله). رواه النسائي • صلاة الظهر لها أسماء: تسمى الهاجرة: لحديث جابر قال: (كان النبي ﷺ يصلي الظهر بالهاجرة). وسميت بالهاجرة لأن الناس يهجرون فيها السعي في أعمالهم نظراً لشدة الحر. وتسمى الأولى: والسبب في ذلك أنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي ﷺ .

стр. 136

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . بداية وقت العصر: يدخل وقتها إذا صار ظل الشيء مثله يكون دخل وقت صلاة العصر، وخرج وقت صلاة الظهر. لحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره المؤلف، يدل هذا على أنه إذا حضر وقت العصر خرج وقت الظهر. نهاية وقتها: أنه ينتهي إذا اصفرت الشمس. وهذا المذهب، لحديث عبد الله بن عمرو الذي ذكره المؤلف. ولحديث أبي موسى قال: (وصلى العصر [أي الرسول] في اليوم الثاني والقائل يقول: قد احمرت الشمس). رواه مسلم وذهب بعض العلماء إلى أن وقتها ينتهي حين يصير ظل الشيء مثليه. وهذا قول الشافعي ومالك. لحديث جابر: (أن النبي ﷺ جاءه جبريل فقال له: قم فصله ..... فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم جاءه المغرب ..... ثم جاءه من الغد .... فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه). رواه النسائي والترمذي والراجح القول الأول، لأن جعل وقتها إلى اصفرار الشمس أخذ بالزائد، والأخذ بالزائد أخذ بالزائد والناقص، والأخذ بالناقص إلغاء للزائد، وهذه الزيادة مقبولة لأمور: أولاً: أن هذه الزيادة في صحيح مسلم، وحديث جابر في بعض السنن. ثانياً: أن حديث عبد الله بن عمرو متأخر، وإمامة جبريل بالنبي ﷺ كانت في أول الفرض بمكة. ثالثاً: أنه اشتمل على زيادة لم ترد في حديث جابر، والأخذ بالزيادة لا ينافي ذلك. رابعاً: أن حديث ابن عمرو قول، وحديث جابر فعل. • معنى اصفرار الشمس: أن يرى الإنسان الصفرة أو الحمرة على الأرض أو الأبنية.

стр. 137

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . • صلاة العصر هي الصلاة الوسطى التي جاء الأمر بالمحافظة عليها كما في قوله تعالى (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى). بداية وقت صلاة المغرب: يبدأ وقتها إذا غربت الشمس بالإجماع. وقد نقل الإجماع ابن قدامة والنووي وغيرهم. لحديث جابر: (أن النبي ﷺ كان يصلي المغرب إذا وجبت). رواه مسلم ولحديث أبي موسى: (أنه ﷺ صلى المغرب حين وقعت الشمس). رواه مسلم نهاية وقتها: إلى مغيب الشفق. لحديث عبد الله بن عمرو ( … ووقت المغرب ما لم يغب الشفق). ولحديث عبد الله بن عمرو عند أبي داود: أن النبي ﷺ قال: (إذا صليتم المغرب فإنه وقت إلى أن يسقط الشفق). وقال بعض العلماء: أنه عقب غروب الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم ويصلي خمس ركعات، وهذا مذهب الشافعي. واستدلوا: أن جبريل ﵇ صلاها بالنبي ﷺ في اليومين لوقت واحد في بيان مواقيت الصلاة، وهو قول ضعيف، ويدل على أن وقت المغرب ليس بقصير: حديث زيد بن ثابت: (أن النبي ﷺ قرأ في المغرب بطولي الطوليين). رواه البخاري وهي سورة الأعراف كما جاء عند النسائي، ولا شك أن سورة الأعراف لا يمكن أن تقرأ إلا في وقت طويل. • المقصود بالشفق الحمرة. بداية وقت العشاء: من مغيب الشفق، وهذا بالإجماع، وقد نقل الإجماع ابن قدامة والنووي وغيرهم. نهاية وقتها: أنه إلى نصف الليل. وهذا مذهب أبي حنيفة وابن المبارك. لحديث عبد الله بن عمرو (فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل). رواه مسلم ولحديث أنس: (أن النبي ﷺ أخر ليلة العشاء إلى منتصف الليل). رواه البخاري وهذا القول هو الصحيح.

стр. 138

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . لكن هل هناك وقت ضرورة؟ اختلف العلماء: القول الأول: أنه هناك وقت ضرورة يمتد إلى الفجر. وهذا المذهب وبه قال الشافعي. لحديث أبي قتادة أن النبي ﷺ قال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى) رواه مسلم قالوا: الحديث يدل على أن وقت كل صلاة يمتد إلى دخول وقت الصلاة الأخرى إلا صلاة الفجر، فإنها لا تمتد إلى الظهر، فإن العلماء أجمعوا على أن وقتها ينتهي بطلوع الشمس. قال الحافظ: " عموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح ". القول الثاني: أنه ليس للعشاء وقت ضرورة، واختاره ابن حزم ورجحه الألباني، وهذا القول هو الصحيح. والجواب عن حديث: (ليس في النوم تفريط … ): أنه ليس فيه بيان أوقات الصلاة، ولا سيق من أجل ذلك، وإنما فيها بيان إثم من يؤخر الصلاة حتى يخرجها عن وقتها مطلقاً سواء كان يعقبها صلاة أخرى، مثل العصر مع المغرب، أو لا، مثل الصبح مع الظهر. فائدة الخلاف: لو طهرت حائض قبل الفجر، فعلى القول الراجح لا تصلي العشاء، وعلى القول الأول تصلي العشاء. بداية وقت الفجر: يبدأ بطلوع الفجر الثاني بالإجماع، وحكى الإجماع ابن قدامة وغيره. ففي حديث جبريل: (أن النبي ﷺ قال: ثم صلى الفجر حين برق الفجر). رواه مسلم نهاية وقتها: ينتهي بطلوع الشمس. لحديث عبد الله بن عمرو.

стр. 139

م/ ويدرك وقت الصلاة بإدراك ركعة لقوله ﷺ (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة) متفق عليه. أي: أن الوقت يدرك بإدراك ركعة قبل خروج الوقت، وهذا القول هو الصحيح، وهو مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. للحديث الذي ذكره المصنف (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك … ). وذهب بعض العلماء إلى أن الوقت يدرك بإدراك تكبيرة الإحرام، أي إذا كبر قبل خروج الوقت أدرك الوقت، قالوا: لأن إدراك جزء من الوقت كإدراك الكل، لكن هذا قول ضعيف. • وكذلك الجماعة تدرك بإدراك ركعة، للحديث السابق. لكن بماذا تدرك الركعة؟ الراجح أنها تدرك بإدراك الركوع، لحديث أبي بكرة (أنه انتهى إلى النبي ﷺ وهو راكع فركع قبل أن يصل إلى الصف، فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: زادك الله حرصاً ولا تعد) رواه البخاري. وجه الدلالة: أن أبا بكرة أدرك النبي ﷺ وهو راكع فركع دون الصف، ولم يأمره النبي ﷺ بقضائها، فدل على أن من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة.

стр. 140

م/ ولا يحل تأخيرها أو تأخير بعضها عن وقتها لعذر أو غيره. أي: يحرم تأخير الصلاة عن وقتها، لأنها مؤقتة بوقت محدد كما قال تعالى (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً). وقال تعالى (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون). قال بعض العلماء: هم الذين يؤخرونها عن وقتها. وقال تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً). [غياً] أي خسراناً، وقال ابن مسعود: واد في جهنم بعيد القعر خبيث الطعم. قال بعض العلماء: إنما أضاعوا المواقيت. كما روي عن ابن مسعود. وجبريل لما أمّ النبي ﷺ في أول الوقت وفي آخره قال: يا محمد! الصلاة ما بين هذين الوقتين. وأن الله أمر بأداء الصلاة في حال الخوف والشدة مع الإمكان أن تؤخر وتؤدى بخشوع وسكينة ومع ذلك لم يراع هذا، بل روعي أن تصلى في وقتها. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: وتأخير الصلاة عن وقتها حرام باتفاق العلماء، وذلك لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فلا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها لجنابة ولا حدث ولا نجاسة ولا غير ذلك، بل يصلي في الوقت بحسب حاله، فإن كان محدثاً وقد عدم الماء أو خاف الضرر باستعماله تيمم وصلى، وهذا لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة". وقال ﵀: "ولهذا اتفق العلماء على أن الرجل إذا كان عرياناً مثل أن تنكسر بهم السفينة، أو تسلبه القطاع ثيابه، فإنه يصلي في الوقت عرياناً، والمسافر إذا عدم الماء يصلي بالتيمم في الوقت باتفاق العلماء، وإن كان يجد الماء، وكذلك إذا كان البرد شديداً فخاف إن اغتسل أن يمرض فإنه يتيمم ويصلي في الوقت ولا يؤخر الصلاة حتى يصلي بعد الوقت باغتسال وقد قال ﷺ : الصعيد الطيب طهور المسلم ولو لم يجد الماء عشر سنيين، فإذا وجدت الماء فأمسه بشرتك فإن ذلك خير". وقال ﵀: "ومن كان مستيقظاً في الوقت والماء بعيد منه لا يدركه إلا بعد الوقت فإنه يصلي في الوقت بالتيمم باتفاق العلماء، ومن ظنّ أن الصلاة بعد خروج الوقت بالماء خير من الصلاة في الوقت بالتيمم فهو ضال جاهل".

стр. 141

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وقال ﵀: "وهكذا المريض يصلي على حسب حاله في الوقت، كما قال النبي ﷺ لعمران: صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً .... ، فالمريض باتفاق العلماء يصلي في الوقت قاعداً أو على جنب إذا كان القيام يزيد في مرضه، ولا يصلي بعد خروج الوقت قائماً، وهذا كله لأن فعل الصلاة في وقتها فرض، والوقت أوكد فرائض الصلاة". • ومن صلى بعد الوقت متعمداً فقد اختلف العلماء: القول الأول: أنه يقضيها. لقوله ﷺ (من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها). قال النووي: "فيه وجوب قضاء الفريضة الفائتة، سواء تركها بعذر كنوم ونسيان أم بغير عذر، وإنما قيد في الحديث بالنسيان لخروجه على سبب، لأنه إذا وجب القضاء على المعذور، فغيره أولى بالوجوب، وهو من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى ". القول الثاني: أنه لا يقضيها، وهذا مذهب أهل الظاهر، ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية. قالوا: أنه لو صلى قبل الوقت فصلاته باطلة بالاتفاق، فكذلك لو صلاها بعد الوقت متعمداً فصلاته باطلة، ففي كلا الحالين قد تعدى حدود الله. قول النبي ﷺ : (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم وهذا القول هو الراجح. • وقوله (أوتأخير بعضها) أي يحرم تأخير بعض الصلاة بحيث يؤخرها حتى إذا لم يبق من الوقت إلا مقدار ركعة صلى، لأن الواجب إيقاع الصلاة جميعها في الوقت.

стр. 142

م/ إلا إذا أخرها ليجمعَها مع غيرِها فإنه يجوز لعذر من: سفر أو مطر أو مرض أو نحوها. أي يجوز تأخيرها في حالة جواز الجمع لعذر من سفر أو مرض أو نحوها، فيباح له التأخير، لأن وقت الثانية يصير وقتاً لهما • وهذا الاستثناء يشبه أن يكون صورياً، لأنه إذا جاز الجمع صار وقت الصلاتين وقتاً واحداً، ولا يقال أخرها عن وقتها • بعض العلماء استثنى حالة: وهي إذا كان منشغل بشرطها الذي يحصله قريباً. مثال: إنسان انشق ثوبه فصار يخيطه، فحان خروج الوقت، فإن صلى قبل أن يخيطه صلى عرياناً، وإن انتظر حتى يخيطه صلى مستتراً، فقالوا: فهذا تحصيله قريب، فهنا يجوز أن يؤخرها عن وقتها. لكن الصواب أنه لا يجوز أن يؤخر الصلاة مطلقاً، وأنه إذا خاف خروج الوقت صلى على حسب حاله وما عجز عنه من واجبات الصلاة يسقط عنه، ولأنه لو جاز انتظار الشرط ما صح أن يشرع التيمم.

стр. 143

م/ والأفضلُ تقديمُ الصلاة في أولِ وقتِها. لقوله تعالى (وسارعوا إلى مغفرة من ربكم … ). ولأن ذلك أسرع في إبراء الذمة. ولحديث أبي برزة: (كان رسول الله ﷺ يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية). ولحديث أبي برزة فقد جاء في رواية: (كان النبي ﷺ يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس) متفق عليه … تدحض: تزول. ونقل الإجماع على ذلك النووي. عن جابر ﵁ قال: (كان النبي ﷺ يصلي المغرب إذا وجبت). متفق عليه ولحديث رافع بن خديج: (كنا نصلي مع النبي ﷺ فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله). متفق عليه قال النووي: "معناه أنه يبكر بها في أول وقتها بمجرد غروب الشمس حتى ننصرف ويرمي أحدنا بالنبل عن قوسه ويبصر موقعه لبقاء الضوء".

стр. 144

م/ إلا العشاء إذا لم يشق. أي: إلا العشاء بشرط عدم المشقة. لحديث ابن عباس ﵁ قال (أعتم النبي ﷺ بالعشاء فخرج عمر فقال: رقد النساء والصبيان. فقال رسول الله ﷺ «لولا أن أشق على أمتي أو على الناس لأمرتهم بهذه الصلاة هذه الساعة»). متفق عليه وعن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل) رواه أبو داود. قوله (أعتم) أي دخل في العتمة، وهي ظلمة الليل. • السبب في أن الأفضل تأخير العشاء: أن فيه انتظار للصلاة وفي الحديث (ولا يزال الإنسان في صلاة ما انتظر الصلاة). أن تأخيرها يوافق هدأة الناس وسكونهم وهو أدعى للخشوع. • سبب مراعاة النبي ﷺ لحال الناس فيما يتعلق بصلاة العشاء: أ - لتجتنب المشقة على الناس، خاصة النساء والصبيان. ب - لأنه ﷺ خشي أن تفرض عليهم في هذا الوقت فيشق على الأمة الالتزام بذلك.

стр. 145

م/ وإلا الظهرَ في شدةِ الحر لحديث (إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم). أي: ومن الحالات التي يسن تأخير الصلاة عن أول وقتها، صلاة الظهر في شدة الحر والدليل ما ذكره المؤلف من قوله ﷺ (إذا اشتد الحرّ فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحرّ من فيح جهنم). متفق عليه وهذا مذهب جمهور العلماء: أنه يستحب الإبراد. [فابردوا بالصلاة] أي أخروها عن ذلك الوقت وأدخلوا بها في وقت الإبراد، وهذا الزمان الذي يتبين فيه انكسار شدة الحر [فيح جهنم] شدة حرها وشدة غليانها. • يكون الإبراد إلى قرب وقت العصر فهذا الذي يحصل به الإبراد، قال الشيخ ابن عثيمين: "فإذا قدرنا أن الشمس في أيام الصيف تزول الساعة [١٢] وأن العصر يؤذن الساعة الرابعة والنصف، يكون الإبراد إلى الساعة [٤] تقريباً". • اختلف العلماء في معنى كون شدة الحرّ من فيح جهنم. فقيل: أن في الكلام تشبيهاً، والمعنى أن شدة الحر تشبه نار جهنم، وهذا غير صحيح لأنه خلاف ظاهر الحديث، وقيل: إن شدة الحر فعلاً ليست من الشمس بل من النار، وهذا غير صحيح، لأنه مكابرة للحس والواقع، وقيل: إن لشدة الحر سببين: سبب شرعي، وسبب طبيعي، فالسبب الطبيعي من الشمس، والسبب الشرعي فهو من حر جهنم ووهجها ولا مانع من أن يتزامن السببان، وقيل: هو على ظاهره، قال النووي: "هو الصواب، لأنه ظاهر الحديث ولا مانع من حمله على حقيقته". • ظاهر الحديث عدم الفرق بين الجماعة والمنفرد، وقال أكثر المالكية: الأفضل للمنفرد التعجيل. قال الشوكاني: "والحق عدم الفرق، لأن التأذي بالحر الذي يتسبب عنه ذهاب الخشوع يستوي فيه المنفرد وغيره". • قال ابن رجب في شرح البخاري: "اختلف في السبب الذي من أجله أمر بالإبراد: فمنهم من قال: هو حصول الخشوع فيها، فلا فرق بين من يصلي وحده أو في جماعة، ومنهم من قال: هو خشية المشقة على من بَعُدَ من المسجد بمشيه في الحرّ، ومنهم من قال: هو وقت تنفس جهنم، فلا فرق بين من يصلي وحده أو جماعة".
следующие страницы →